تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
485 /
307

أن يقرأ بعد الصلاة هذه الآيات: «بسم اللّه الرحمن الرحيم و ما من دابة في الأرض إلّا على اللّه رزقها و يعلم مستقرها و مستودعها كل في كتاب مبين، بسم اللّه الرحمن الرحيم و إن يمسسك اللّه بضرّ فلا كاشف له إلّا هو، و إن يردك بخير فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم سيجعل اللّه بعد عسر يسرا ما شاء اللّه لا قوة إلّا باللّه، حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و أفوّض أمري إلى اللّه إن اللّه بصير بالعباد، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير، رب لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين» و يجوز الاتيان بها في تمام اليوم و ليس لها وقت معين.

[فصل في صلاة الوصية]

فصل في صلاة الوصية و هي ركعتان بين العشاءين يقرأ في الاولى الحمد و إذا زلزلت الأرض ثلاث عشرة مرة، و في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد خمس عشرة مرة، فعن الصادق (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «أوصيكم بركعتين بين العشاءين- إلى أن قال- فإن فعل ذلك كل شهر كان من المؤمنين، فإن فعل في كل سنة كان من المحسنين، فإن فعل ذلك في كل جمعة كان من المخلصين، فإن فعل ذلك في كل ليلة زاحمني في الجنة و لم يحص ثوابه إلا اللّه تعالى».

308

[فصل في صلاة يوم الغدير]

فصل في صلاة يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجة، و هي ركعتان يقرأ في كل ركعة سورة الحمد و عشر مرات قل هو اللّه أحد، و عشر مرات آية الكرسي، و عشر مرات إنا أنزلناه، ففي خبر علي بن الحسين العبدي عن الصادق (عليه السلام):

«من صلى فيه- أي في يوم الغدير- ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة يسأل اللّه عز و جل يقرأ في كل ركعة سورة الحمد مرة، و عشر مرات قل هو اللّه أحد، و عشر مرات آية الكرسي، و عشر مرات إنا أنزلناه عدلت عند اللّه عز و جل مائة ألف حجة و مائة ألف عمرة، و ما سأل اللّه عز و جل حاجة من حوائج الدنيا و حوائج الآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة، و إن فاتتك الركعتان قضيتها بعد ذلك» و ذكر بعض العلماء أنه يخرج إلى خارج المصر و أنه يأتي بها جماعة و أنه يخطب الامام خطبة مقصورة على حمد اللّه و الثناء و الصلاة على محمد و آله و التنبيه على عظم حرمة هذا اليوم، لكن لا دليل على ما ذكره، و قد مرّ الاشكال في إتيانها جماعة في باب صلاة الجماعة.

309

[فصل في صلاة قضاء الحاجات و كشف المهمات]

فصل في صلاة قضاء الحاجات و كشف المهمات و قد وردت بكيفيات: منها ما قيل إنه مجرّب مرارا، و هو ما رواه زياد القندي عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صلّ ركعتين تهديهما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قلت: ما أصنع؟ قال: تغتسل و تصلي ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة و تشهّد تشهّد الفريضة، فإذا فرغت من التشهد و سلّمت، قلت: اللهم أنت السلام و منك السلام و إليك يرجع السلام اللهم صل على محمد و آل محمد و بلّغ روح محمد مني السلام، و بلّغ أرواح الأئمة الصالحين سلامي، و اردد عليّ منهم السلام، و السلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته، اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى رسول اللّه فأثبني عليهما ما أملت و رجوت فيك في رسولك يا ولي المؤمنين، ثم تخرّ ساجدا و تقول: يا حيّ يا قيوم يا حيا لا يموت يا حي لا إله إلا أنت يا ذا الجلال و الاكرام يا أرحم الراحمين، أربعين مرة، ثم ضع خدّك الأيمن فتقولها أربعين مرة، ثم ضع خدك الأيسر فتقولها أربعين مرة، ثم ترفع رأسك و تمدّ يدك فتقول أربعين مرة، ثم تردّ يدك إلى رقبتك و تلوذ بسبابتك و تقول ذلك أربعين مرة، ثم خذ لحيتك بيدك اليسرى و ابك أو تباك، و قل: يا محمد يا رسول اللّه أشكو إلى اللّه و إليك حاجتي و إلى أهل بيتك الراشدين حاجتي، و بكم أتوجه إلى اللّه في حاجتي، ثم تسجد

310

و تقول: يا اللّه يا اللّه- حتى ينقطع نفسك- صلّ على محمد و آل محمد و افعل بي كذا و كذا، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فأنا الضامن على اللّه عز و جل أن لا يبرح حتى تقضى حاجته».

311

[فصل في اقسام الصلوات المستحبة]

فصل في اقسام الصلوات المستحبة الصلوات المستحبة كثيرة و هي أقسام:

منها: نوافل الفرائض اليومية و مجموعها ثلاث و عشرون ركعة بناء على احتساب ركعتي الوتيرة بواحدة.

و منها: نافلة الليل إحدى عشرة ركعة.

و منها: الصلوات المستحبة في أوقات مخصوصة كنوافل شهر رمضان، و نوافل شهر رجب و شهر شعبان و نحوها، و كصلاة الغدير و الغفيلة و الوصية، و أمثالها.

و منها: الصلوات التي لها أسباب كصلاة الزيارة، و تحية المسجد، و صلاة الشكر و نحوها.

و منها: الصلوات المستحبة لغايات مخصوصة كصلاة الاستسقاء، و صلاة طلب قضاء الحاجة، و صلاة كشف المهمات، و صلاة طلب الرزق، و صلاة طلب الذكاء و جودة الذهن و نحوها.

و منها: الصلوات المعينة المخصوصة بدون سبب و غاية و وقت كصلاة جعفر و صلاة رسول اللّه، و صلاة أمير المؤمنين، و صلاة فاطمة، و صلاة سائر الأئمة (عليهم السلام).

و منها: النوافل المبتدأة، فإن كل وقت و زمان يسع صلاة ركعتين يستحب إتيانها.

و بعض المذكورات بل أغلبها لها كيفيات مخصوصة مذكورة في محلها.

312

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

313

[فصل في احكام النوافل]

فصل في احكام النوافل جميع الصلوات المندوبة يجوز إتيانها جالسا اختيارا و كذا ماشيا و راكبا و في المحمل و السفينة، لكن إتيانها قائما أفضل حتى الوتيرة و إن كان الأحوط الجلوس فيها، و في جواز إتيانها نائما مستلقيا أو مضطجعا في حال الاختيار إشكال.

[مسألة 1: يجوز في النوافل إتيان ركعة قائما و ركعة جالسا]

[2225] مسألة 1: يجوز في النوافل إتيان ركعة قائما و ركعة جالسا، بل يجوز إتيان بعض الركعة جالسا و بعضها قائما.

[مسألة 2: يستحب إذا أتى بالنافلة جالسا أن يحسب كل ركعتين بركعة]

[2226] مسألة 2: يستحب إذا أتى بالنافلة جالسا أن يحسب كل ركعتين بركعة، مثلا إذا جلس في نافلة الصبح يأتي بأربع ركعات بتسليمتين، و هكذا.

[مسألة 3: إذا صلى جالسا و أبقى من السورة آية أو آيتين فقام و أتمّها و ركع عن قيام يحسب له صلاة القائم]

[2227] مسألة 3: إذا صلى جالسا و أبقى من السورة آية أو آيتين فقام و أتمّها و ركع عن قيام يحسب له صلاة القائم، و لا يحتاج حينئذ إلى احتساب ركعتين بركعة.

[مسألة 4: لا فرق في الجلوس بين كيفياته]

[2228] مسألة 4: لا فرق في الجلوس بين كيفياته، فهو مخير بين أنواعها حتى مدّ الرجلين، نعم الأولى أن يجلس متربعا و يثني رجليه حال الركوع و هو أن ينصب فخذيه و ساقيه من غير إقعاء إذ هو مكروه و هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه، و كذا يكره الجلوس بمثل إقعاء الكلب.

[مسألة 5: إذا نذر النافلة مطلقا يجوز له الجلوس فيها]

[2229] مسألة 5: إذا نذر النافلة مطلقا يجوز له الجلوس فيها، و إذا نذرها

314

جالسا فالظاهر انعقاد نذره و كون القيام أفضل لا يوجب فوات الرجحان في الصلاة جالسا، غايته أنها أقل ثوابا، لكنه لا يخلو عن إشكال.

[مسألة 6: النوافل كلها ركعتان لا يجوز الزيادة عليها و لا النقيصة]

[2230] مسألة 6: النوافل كلها ركعتان لا يجوز الزيادة عليها و لا النقيصة إلا في صلاة الأعرابي و الوتر.

[مسألة 7: تختص النوافل بأحكام]

[2231] مسألة 7: تختص النوافل بأحكام:

منها: جواز الجلوس و المشي فيها اختيارا كما مر.

و منها: عدم وجوب السورة فيها إلا بعض الصلوات المخصوصة بكيفيات مخصوصة.

و منها: جواز الاكتفاء ببعض السورة فيها.

و منها: جواز قراءة أزيد من سورة من غير إشكال.

و منها: جواز قراءة العزائم فيها.

و منها: جواز العدول فيها من سورة إلى أخرى مطلقا.

و منها: عدم بطلانها بزيادة الركن سهوا.

و منها: عدم بطلانها بالشك بين الركعات، بل يتخير بين البناء على الأقل أو على الأكثر.

و منها: أنه لا يجب لها سجود السهو، و لا قضاء السجدة و التشهد المنسيين، و لا صلاة الاحتياط.

و منها: لا إشكال في جواز إتيانها في جوف الكعبة أو سطحها.

و منها: أنه لا يشرع فيها الجماعة إلا في صلاة الاستسقاء، و على قول في صلاة الغدير.

و منها: جواز قطعها اختيارا.

و منها: أن إتيانها في البيت أفضل من إتيانها في المسجد إلا ما يختص به على ما هو المشهور، و إن كان في إطلاقه إشكال.

315

[فصل في صلاة المسافر]

فصل في صلاة المسافر لا إشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات، و أما الصبح و المغرب فلا قصر فيهما.

[و أما شروط القصر فأمور]

و أما شروط القصر فأمور:

[الأول: المسافة]

الأول: المسافة و هي ثمانية فراسخ امتدادية ذهابا أو إيابا أو ملفقة من الذهاب و الاياب إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد، بل مطلقا على الأقوى (1)

____________

(1) هذا هو الأحوط لو لم يكن أظهر، و على أساس ذلك إذا كان الذهاب ثلاثة فراسخ أو أقل و الاياب خمسة أو أكثر بأن يكون المجموع الملفق منهما ثمانية فراسخ فالأحوط وجوبا فيه هو الجمع بين القصر و التمام و الصيام و القضاء، و هذا هو نتيجة الجمع بين روايات المسألة.

بيان ذلك: انه يمكن تصنيف الروايات في ضوء خصوصيات المسألة إلى ثلاث مجموعات بعد ما كانت متفقة في أن المسافة التي يترتب عليها قصر الصلاة و افطار الصوم في السفر لا تقل عن ثمانية فراسخ شرعية، و هي كما يلي:

المجموعة الأولى: الروايات التي تكون ظاهرة لدى العرف العام في أن المسافة التي يترتب عليها قصر الصلاة مسافة امتدادية تطوي كلها في اتجاه واحد، و تدل على ذلك بألسنة مختلفة، فتارة بلسان «مسيرة يوم» (1) المفسرة بثمانية فراسخ،

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

316

..........

____________

و أخرى بلسان «بياض يوم» (1)، و ثالثة بلسان «بريدين» (2)، و بالتالي كل هذه الألسنة ظاهرة في امتداد المسافة في اتجاه واحد.

المجموعة الثانية: الروايات التي تنص على كفاية المسافة التلفيقية في اتجاهين و لو كان بعضها ذهابا و بعضها ايابا، فمن قصد نصف هذه المسافة في سفره من بلده ذهابا و قصد نصفها الآخر في رجوعه إلى بلده ايابا كفى ذلك لأنه قد أكمل المسافة الشرعية المحددة، و هذه الروايات ظاهرة في كون التلفيق بين الاتجاهين على نسبة واحدة كما، منها صحيحة معاوية بن وهب: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة، قال: بريد ذاهبا و بريد جائيا».

(3) و منها: صحيحة زرارة بن أعين قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير؟

فقال: بريد ذاهب و بريد جائي».

(4) المجموعة الثالثة: الروايات التي يستظهر منها ان العبرة إنما هي ببلوغ المسافة ثمانية فراسخ سواء أ كان بالامتداد في خط واحد افقيا، أم كان في خطين و اتجاهين و لو كان أحدهما ذهابا من بلده مثلا و الآخر ايابا إليه بلا فرق بين أن يكون الخطان متساويين كما أم مختلفين.

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن التقصير، قال: في بريد، قلت: بريد؟! قال: ان ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه». (5)

بتقريب أن المتفاهم العرفي منها أن تمام الملاك و العلة لوجوب القصر هو شغل اليوم الذي هو كناية عن المسافة التي لا تقل عن ثمانية فراسخ شرعية، و لا موضوعية لذهابه بريدا و رجوعه بريدا الا باعتبار ان المجموع يصير ثمانية فراسخ، فإذن يكون المستفاد منها عرفا ان العبرة في السفر الشرعي الذي يترتب عليه قصر الصلاة هي أن لا تقل المسافة التي تطوي في السفر عن ثمانية فراسخ شرعية سواء‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(2) الوسائل ج 8 باب: 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(3) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

(4) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 14.

(5) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 9.

317

..........

____________

أ كانت بالامتداد في اتجاه واحد، أم كانت بالتلفيق في اتجاهين متساويين أو مختلفين.

و منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتى ذبابا قصّر و ذباب على بريد، و إنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين، ثمانية فراسخ». (1)

فإن المستفاد منه عرفا ان العبرة في وجوب القصر إنما هي بالسفر في المسافة التي لا تقل عن ثمانية فراسخ شرعية، و لا موضوعية لكون ذهابه بريدا و ايابه كذلك الا بلحاظ ان المجموع تبلغ ثمانية فراسخ.

فالنتيجة: ان المجموعة الأولى تدل على أن موضوع وجوب القصر هو السفر في المسافة الامتدادية المحددة شرعا بثمانية فراسخ بلا نظر لها إلى السفر في المسافة التلفيقية لا نفيا و لا إثباتا، و المجموعة الثانية تدل على كفاية السفر في المسافة التلفيقية في وجوب القصر و انه فرد من افراد السفر الشرعي، فإذن تكون المجموعة الثانية حاكمة على المجموعة الأولى و توسع دائرة موضوعها و تجعله أعم من السفر في المسافة الامتدادية و التلفيقية، فهذه هي نسبة المجموعة الثانية من الروايات إلى المجموعة الأولى منها، و أما نسبة المجموعة الثالثة إلى المجموعة الثانية فهي أيضا على نحو الحكومة لأن المجموعة الثانية تدل على أن السفر في المسافة التلفيقية في اتجاهين متساويين موضوع لوجوب القصر و لا نظر لها إلى أن السفر في المسافة التلفيقية في اتجاهين مختلفين بالزيادة و النقيصة موضوع لوجوب القصر لا نفيا و لا إثباتا، و أما المجموعة الثالثة فهي تدل على أن السفر في المسافة المذكورة المحددة شرعا بثمانية فراسخ موضوع لوجوب القصر مطلقا و إن كان في المسافة التلفيقية في اتجاهين مختلفين زيادة و نقيصة فهي توسع دائرة الموضوع فيها.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 15.

318

..........

____________

ثم ان مع الاغماض عن ذلك و تسليم انه لا حكومة في البين بدعوى أن المجموعة الأولى تدل على أمرين ..

أحدهما: وجوب القصر على المسافر إذا كان سفره بقدر المسافة الشرعية و هي ثمانية فراسخ في اتجاه واحد.

و الآخر: نفي وجوبه عنه إذا كان سفره فيها في اتجاهين متعاكسين، و المجموعة الثانية تدل على وجوبه عليه و إن كان سفره فيها اتجاهين متعاكسين ذهابا و ايابا، و لكن مع ذلك لا بد من تقديم الثانية على الأولى في ضوء الجمع العرفي الدلالي، و ذلك لأن دلالة الأولى على نفي الوجوب في الصورة المفروضة انما هي بالاطلاق الناشي من سكوت المولى في مقام البيان، و بما أنه من أضعف مراتب الدلالات العرفية فلا يصلح أن يعارض دلالة المجموعة الثانية على الوجوب على أساس أنها بيان من قبل المولى، و معه يرتفع هذا الاطلاق بارتفاع منشأه و هو السكوت في مقام البيان، فإذن لا بد من الأخذ بالمجموعة الثانية و رفع اليد عن إطلاق المجموعة الأولى.

و بذلك يظهر الحال بين المجموعة الثالثة و الثانية، فإن دلالة المجموعة الثانية على عدم كفاية السفر لوجوب القصر بقدر المسافة المذكورة إذا كان في اتجاهين مختلفين انما هي بالاطلاق الناشي من سكوت المولى في مقام البيان، و ليست بدلالة لفظية مستندة إلى الوضع، و بما أن دلالة المجموعة الثالثة على كفاية السفر في المسافة الشرعية المحددة بثمانية فراسخ مطلقا و إن كان في اتجاهين مختلفين زيادة و نقيصة دلالة لفظية مستندة إلى الوضع العرفي، فتتقدم على دلالة المجموعة الثانية باعتبار أنها بيان رافع لها برفع منشأها.

فنتيجة: الجمع بين هذه المجموعات الثلاث من الروايات هي: ان الأظهر‌

319

..........

____________

كفاية السفر في المسافة الشرعية و هي ثمانية فراسخ في وجوب القصر مطلقا و إن كان في اتجاهين متعاكسين على نسبة مختلفة بأن يكون الذهاب خمسة فراسخ و الاياب ثلاثة أو بالعكس، فالعبرة انما هي بكون المجموع ثمانية فراسخ، و لكن مع ذلك يجب عليه الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام فيما إذا كان الاتجاهان مختلفين زيادة و نقيصة.

بقي هنا أمور:

الأول: قد يتوهم أن ما ورد في صحيحة زكريا بن آدم من أن التقصير في مسير يوم و ليلة، و في صحيحة أبي نصر في ثلاثة برد، ينافي ما ورد في الروايات الكثيرة بألسنة مختلفة، فتارة بلسان أن التقصير في مسير يوم، و أخرى في بياض يوم، و ثالثة في بريدين و هكذا ...

و الجواب: ان الصحيحتين تدلان على وجوب التقصير في مسير يوم و ليلة و ثلاثة برد و لا تدلان على عدم وجوبه في الأقل من ذلك كمسير يوم أو بريدين، و لا نظر لهما إلى ذلك في الأقل لا نفيا و لا إثباتا.

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم دلالتهما على نفي وجوب التقصير في الأقل من مسير يوم و ليلة أو ثلاثة برد، الّا أن دلالتهما على ذلك لما كانت بالاطلاق الناشي من السكوت في مقام البيان فلا تصلح ان تعارض دلالة تلك الروايات على وجوب التقصير في أقل من ذلك مدة و مسافة على أساس أنها بيان فيكون رافعا لدلالتهما برفع منشأها و هو السكوت.

الثاني: قد حددت المسافة الشرعية في مجموعة من الروايات ببريد و هو أربع فراسخ، و هذه المجموعة تنافي الروايات التي تحدد المسافة الشرعية ببريدين تارة، و ببياض يوم أخرى، و بمسير يوم ثالثة.

320

..........

____________

و الجواب: ان المجموعة الأولى تنص على أن المسافة التي تطوى في السفر بريد و مقتضى اطلاقها انها بريد و إن لم ينضم إليه بريد آخر و لو جائيا، و عليه فالروايات التي تنص على ان المسافة المذكورة بريدان تقيد اطلاق تلك المجموعة بما إذا كان بريدا ذاهبا و بريدا جائيا على أساس ان نسبتها إليها نسبة المقيد إلى المطلق.

الثالث: ان المتفاهم العرفي من اناطة وجوب القصر في بعض الروايات بمسير يوم تارة، و ببياض يوم تارة أخرى، و بشغل يوم ثالثة، هو أنها ليست من باب الموضوعية و السببية بل هو من باب تقدير السير في هذا الزمن المحدد و أنه لا يقل عن ثمانية فراسخ إذا كان على النحو المتعارف من الانسان الاعتيادي فاذن العبرة إنما هي بالروايات التي تنص تارة على ان المسافة التي تطوى في السفر ثمانية فراسخ و أخرى بريدان. و تدل على ذلك عدة قرائن.

الأولى: ان مسير يوم قد فسر في بعض الروايات ببريدين، و في بعضها الآخر بثمانية فراسخ مباشرة، و من الواضح ان هذا التفسير قرينة على أنه كناية عن تقدير السير به و انه لا يقل عن المسافة المذكورة.

الثانية: ان عطف بريدين على بياض يوم و بالعكس بكلمة (أو) يدل على أن بياض اليوم عنوان مشير إلى مقدار السير فيه و انه لا يقل عن ثمانية فراسخ في بياض يوم عادة إذا كان على النحو المتعارف بلا خصوصية له، إذ لا يعقل أن يكون ذلك من عطف الأقل على الأكثر، بل هو من عطف عنوان على عنوان آخر يكون كلهما مشيرا إلى معنون واحد في الخارج و هو قطع المسافر المسافة الشرعية المحددة بكاملها و هي ثمانية فراسخ، فيعبر عنه تارة بشغل يوم و أخرى ببياض يوم و ثالثة بمسير يوم و رابعة ببريدين، فكل ذلك عنوان مشير إلى مقدار السير فيه‌

321

و إن كان الذهاب فرسخا و الاياب سبعة، و إن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع، و الأقوى عدم اعتبار كون الذهاب و الاياب في يوم واحد أو ليلة واحدة، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه و عدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الأثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب و الإياب و لو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر، فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر إلا إذا كان قاصدا للإقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره أو حصل أحد القواطع الاخر، فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة فيقصّر و يفطر، و لكن مع ذلك الجمع بين القصر و التمام و الصوم و قضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط (1)، و لو كان من قصده

____________

الذي هو الموضوع للحكم الشرعي.

الثالثة: ان معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: كم أدنى ما يقصر فيه الصلاة؟ قال: جرت السنة ببياض يوم. فقلت له:

ان بياض يوم يختلف، يسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم، و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم! قال: فقال: انه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و المدينة ثم أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا و يكون ثمانية فراسخ ...» (1) تنص على ان العبرة إنما هي بثمانية فراسخ و لا موضوعية لبياض اليوم الا باعتبار ان السير فيه على النحو المتعارف لا يقل عن ثمانية فراسخ.

فالنتيجة في نهاية المطاف انه لا فرق بين أن تطوى المسافة في يوم أو بضع ساعات أو خلال عدة دقائق تبعا لاختلاف درجة سرعة وسائط النقل.

(1) الاحتياط ضعيف جدا، فإن الروايات الكثيرة التي تنص و تؤكد على أن أهل مكة إذا خرجوا حجاجا إلى عرفة قصروا تدل بوضوح على عدم الفرق بين‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 15.

322

الذهاب و الاياب و لكن كان مترددا في الاقامة في الأثناء عشرة أيام و عدمها لم يقصّر، كما أن الأمر في الامتدادية أيضا كذلك.

[مسألة 1: الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع]

[2232] مسألة 1: الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد

____________

من نوى الرجوع ليومه و من نوى الرجوع قبل إكمال العشرة، حيث أن مورد هذه الروايات غير الناوي للرجوع ليومه، و يدل على عدم الفرق بينهما أيضا إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «بريد ذاهب و بريد جائي» (1)، و قوله (عليه السلام) في ذيلها: «و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتى ذبابا قصّر و ذباب على بريد و إنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين، ثمانية فراسخ». (2)

و لا دليل على التفصيل بين الصورتين في المسألة حيث لم يرد في شي‌ء من الروايات ما يدل عليه الّا في الفقه الرضوي فإنه ينص على التخيير إذا لم يرد الرجوع من يومه. و لكن بما أنه ضعيف سندا فلا يمكن الاعتماد عليه.

و أما عنوان مسير اليوم و بياض النهار و شغل اليوم فقد مر أنه لا موضوعية لهذه العناوين أصلا، بل هي مأخوذة للإشارة إلى تقدير السير المعتبر في وجوب القصر بها.

نعم، لو كان هناك دليل على التفصيل لوقع التعارض بينه و بين روايات أهل مكة باعتبار أنها غير قابلة للتقييد بناوي الرجوع من يومه فلا بد حينئذ من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة.

فالنتيجة: انه لا فرق في المسألة بين المسافر الناوي للرجوع من يومه و المسافر الناوي له قبل العشرة، فما نسب إلى المشهور من أن الناوي للرجوع قبل العشرة مخير بين الاتمام و القصر، لا دليل عليه، كما أنه لا دليل على ما نسب إلى جماعة من القول بالتمام فيه.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 14.

(2) الوسائل ج 8 باب: 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 15.

323

الذي طوله أربع و عشرون إصبعا (1)، كل إصبع عرض سبع شعيرات، كل

____________

(1) فيه ان المراد من الذراع هو أدنى فرده المتعارف حيث ان افراده في الخارج مختلفة سعة و ضيقا لا مطلق المتعارف بمعنى الجامع بين افراده كما هو ظاهر المتن.

و النكتة في ذلك أن الذراع أو القدم أو الشبر أو الاصبع إذا أخذ في موضوع الحكم فتارة: يكون الحكم نسبيا بلحاظ افراد المكلفين بمعنى أن الملحوظ في الموضوع هو شبر كل فرد أو ذراع كل شخص كما في باب الوضوء إذا قيل: امسح من رجليك مقدار ثلاث أنامل من رءوس الأصابع إلى الكعبين، أو امسح من رأسك مقدار ثلاثة أصابع، فإن المتفاهم منه ان كل فرد مكلف بمسح رجليه بمقدار ثلاث أنامل من رءوس أصابعه و مسح رأسه بمقدار ثلاثة من أصابعه.

و أخرى: لا يكون نسبيا بمعنى أن الحكم لا يكون مشتملا على نسبة إلى افراد المكلفين كالحكم بالكرية فيما إذا قيل: ان الماء إذا بلغ كذا شبرا كان كرا و لا ينفعل بالملاقاة، و الحكم بالقصر فيما لو قيل إذا طوى المسافر كذا ذراعا وجب عليه القصر و هكذا .. فان الكرية متمثلة في مساحة محددة واقعية لا تختلف باختلاف افراد المكلفين و اشبارهم فلا معنى لإضافة الكرية إلى هذا الفرد من المكلف أو ذاك و المسافة التي تطوى في السفر المحددة شرعا بثمانية فراسخ أو أربعة و عشرين ميلا مسافة واقعية ذات بعد واحد محدد محفوظ في نفسه على مستوى واحد بالنسبة إلى آحاد المكلفين، و لا تختلف باختلاف قصر الذراع و طوله، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإن المسافة التي يكون السير فيها موضوعا لوجوب القصر و الافطار المحددة في الروايات بثمانية فراسخ تارة، و بأربعة و عشرين ميلا تارة أخرى مسافة واقعية محددة كما و لا تختلف باختلاف افراد المكلفين و أذرعهم، و تفسير هذه المسافة بأربعة آلاف ذراع فلا محالة يراد من‌

324

..........

____________

الذراع المعنى الواقعي الموضوعي المحفوظ في نفسه الذي لا يختلف باختلاف أذرع المكلفين طولا و قصرا، بداهة انه لا يحتمل أن يكون مقدار السير الموجب للقصر يختلف باختلاف آحاد المكلفين و أذرعهم طولا و قصرا، و على هذا فلا محالة يكون الحكم المجعول على الذراع أو نحوه في مقام التحديد يستدعي بنفسه افتراض ثبوت مرتبة خاصة منه و ثبوت الحكم لها دون الجامع بينها و بين سائر المراتب من المتعارف إذ لا معنى للتحديد بالجامع بين الأقل و الأكثر، و تتعين هذه المرتبة الخاصة بمقدمات الحكمة في اقصر الاذرع و ادناها و من المعلوم ان لهذه المرتبة الخاصة المتمثلة في أقصر الأذرع واقعا موضوعيا معينا في مقام التطبيق بالاضافة إلى تمام آحاد المكلفين و لا تختلف زيادة و لا نقيصة بقدر أنملة أو شعيرة، و كذلك الحال في الاصبع.

و دعوى: ان الأحكام الشرعية لا تبتني على هذه التدقيقات العقلية التي لا تندرج تحت ضابط معين، فإن كل ذراع يختلف عن الآخر مع كونهما من المتعارف و هذا الاختلاف الجزئي بينهما يكبر بالنسبة إلى تمام المسافة المحددة فيتحقق فارق كبير بين التقديرين، بل الاختلاف اليسير بين شعيرة و أخرى مع فرض كونهما من المتعارف يؤدي إلى حصول الفارق الكبير بينهما، فمن أجل ذلك لا وجه لهذه التدقيقات و لا يترتب عليها أثر شرعي، فإن العبرة إنما هي بصدق الفرسخ و الميل و مسير يوم ...

مدفوعة: بأن الحكم في الشريعة المقدسة و إن كان مجعولا لعنوان الفرسخ و الميل الّا أنه لا شبهة في أن معنى الفرسخ معنى واقعي موضوعي معين في الواقع و ليس معنى نسبيا يختلف عن فرد بالاضافة إلى فرد آخر، بل هو محفوظ في نفسه بالنسبة إلى تمام آحاد المكلفين، و كذلك الحال في الميل، فإذا كان الميل‌

325

شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون.

[مسألة 2: لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا لا يجوز القصر]

[2233] مسألة 2: لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية، نعم لا يضرّ إختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية (1).

____________

عبارة عن أربعة آلاف ذراع فبطبيعة الحال يكون المراد من الذراع هو الذراع المتعارف، فإن ارادة غيره بحاجة إلى قرينة كما ان المراد من الذراع المتعارف مرتبة خاصة منه دون الجامع بين افراده و حصصه باعتبار أن الحكم المجعول على الميل إنما هو مجعول عليه في مقام التحديد و لا معنى للتحديد بالجامع بين الأقل و الأكثر، بل هو غير معقول، و تتعين هذه المرتبة الخاصة في أقصر الأذرع المتعارفة و أدناها بقرينة الحكمة لأن دخل الزيادة في الحد بحاجة إلى قرينة أخرى و لا يكفي إطلاق كلمة (الذراع) فاذن لا يلزم المحذور المذكور من التقدير بالمتعارف و الأخذ به و هو الاختلاف بين التقديرين.

فالنتيجة: انه لا بد من هذه التدقيقات في مقام التطبيق باعتبار أن موضوع الحكم في الواقع شي‌ء محدد و لا يمكن أن يختلف زيادة و نقيصة و لو بقدر أنملة أو شعيرة.

(1) مر أن العبر إنما هي بأقصر الأذرع المتوسطة المتعارفة و هو مرتبة خاصة منها لا بالجامع بين الافراد المتوسطة، إذ لا معنى للتحديد بالجامع بين الأقل و الأكثر، فما في المتن من أنه لا يضر إختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة، ان أراد بذلك تحديد المسافة بالجامع، فيرد عليه أنه لا معنى للتحديد به لأن مرده إلى التحديد بين الأقل و الأكثر و هو غير معقول. و إن أراد به تحديدها بمرتبة خاصة منها و هي أقصر الأذرع و أدنى مرتبتها، فيرد عليه أنه لا اختلاف فيه.

326

[مسألة 3: لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام على الأقوى]

[2234] مسألة 3: لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام على الأقوى، بل و كذا لو ظن كونها مسافة.

[مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار، و بالشياع المفيد للعلم، و بالبينة الشرعية]

[2235] مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار، و بالشياع المفيد للعلم، و بالبينة الشرعية، و في ثبوتها بالعدل الواحد إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

[مسألة 5: الأقوى عند الشك وجوب الاختيار أو السؤال]

[2236] مسألة 5: الأقوى عند الشك وجوب الاختيار أو السؤال (2) لتحصيل البينة أو الشياع المفيد للعلم إلا إذا كان مستلزما للحرج.

____________

(1) الظاهر أنه لا إشكال في ثبوتها به بل بخبر ثقة واحدة على أساس ان عمدة الدليل على حجية إخبار الثقة إنما هي بناء العقلاء على العمل بها بلا فرق بين الشبهات الحكمية و الموضوعية، و قد ذكرنا في علم الأصول ان الأدلة اللفظية من الآيات و الروايات إنما هي في مقام التأكيد و التقرير لبناء العقلاء، لا في مقام التأسيس و الجعل.

(2) بل الأقوى عدم الوجوب الا إذا كانت الشبهة حكمية، كما إذا شك المسافر في أن المسافة التي يكون قطعها موجبا للقصر هل هي ثمانية فراسخ أو أقل أو أكثر. أو شك هل أنه يعتبر أن يكون قطعها كلا في اتجاه واحد، أو لا يعتبر ذلك، و هكذا، ففي مثل هذه الحالة يجب عليه الفحص و البحث، فإن كان مجتهدا وجب عليه الرجوع إلى أدلة المسألة و إن كان مقلدا وجب عليه الرجوع إلى فتوى المجتهد فيها.

و أما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا يجب على المسافر فيها الفحص و البحث عن المسافة التي طواها في سفره فعلا، بل متى اتفق له أن تأكد من طيّ المسافة الشرعية و هي ثمانية فراسخ باحدى الطرق الشرعية من العلم الوجداني أو الاطمئنان أو البينة أو خبر الثقة أخذ بذلك و قصر، و الّا فعليه التمام.

327

[مسألة 6: إذا تعارض البينتان]

[2237] مسألة 6: إذا تعارض البينتان فالأقوى سقوطهما و وجوب التمام، و إن كان الأحوط الجمع.

[مسألة 7: إذا شك في مقدار المسافة شرعا وجب عليه الاحتياط بالجمع]

[2238] مسألة 7: إذا شك في مقدار المسافة شرعا وجب عليه الاحتياط بالجمع إلا إذا كان مجتهدا و كان ذلك بعد الفحص عن حكمه، فإن الأصل هو التمام.

[مسألة 8: إذا كان شاكا في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الاعادة تماما]

[2239] مسألة 8: إذا كان شاكا في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الاعادة تماما، نعم لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة أجزأ إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض، و مع ذلك الأحوط الإعادة أيضا.

[مسألة 9: لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثم ظهر عدمها وجبت الاعادة]

[2240] مسألة 9: لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثم ظهر عدمها وجبت الاعادة، و كذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم ثم ظهر كونه مسافة فإنه يجب عليه الاعادة (1).

[مسألة 10: لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في أثناء السير كونه مسافة يقصّر]

[2241] مسألة 10: لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في أثناء

____________

(1) هذا إذا انكشف في الوقت و علم أنه كان قد طوى المسافة المحددة شرعا، و أما إذا انكشف ذلك في خارج الوقت فلا تجب الاعادة، و تدل عليه صحيحة العيص بن القاسم. قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى و هو مسافر فأتم الصلاة؟ قال: إن كان في الوقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى فلا ...»، (1)

فإنها باطلاقها تشمل الجاهل بالموضوع أيضا، و من هذا القبيل ما إذا كان المسافر شاكا في ذلك و غير متأكد من عدم طيّ المسافة و أتم صلاته ثم بان العكس و علم أنه كان قد طوى المسافة، فإن كان في الوقت وجبت عليه الاعادة و الّا فلا تطبيقا لإطلاق الصحيحة.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 17 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

328

السير كونه مسافة يقصّر و إن لم يكن الباقي مسافة (1).

[مسألة 11: إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الأثناء وجب عليه القصر]

[2242] مسألة 11: إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الأثناء وجب عليه القصر و إن لم يكن الباقي مسافة، و كذا يقصّر إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه، و المجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد مسافة ثم أفاق في الأثناء يقصّر، و أما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته.

[مسألة 12: لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر]

[2243] مسألة 12: لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر، ففي التلفيق لا بد أن يكون المجموع من ذهاب واحد و إياب واحد ثمانية (2).

[مسألة 13: لو كان للبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة]

[2244] مسألة 13: لو كان للبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة فإن سلك الأبعد قصّر، و إن سلك الأقرب لم يقصّر إلا إذا كان أربعة أو أقل و أراد الرجوع من الأبعد (3).

____________

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه)، فإن مبدأ المسافة إنما يحتسب من حين الابتداء بالسفر لا من حين علمه بالمسافة، فإذا سافر من النجف إلى الحلة مثلا معتقدا عدم المسافة بينهما، أو شاكا فيها، و علم في وسط الطريق أن بينهما مسافة وجب عليه القصر باعتبار انه جادّ في قصده طي المسافة واقعا من ابتداء سفره و هو موضوع وجوب القصر بمقتضى الأدلة و العلم طريق اليه فلا يكون دخيلا فيه.

(2) هذا إذا كان الذهاب و الاياب متساويين بأن يكون كل منهما يمثل نصف المسافة و هو أربعة فراسخ، و أما إذا كان أحدهما يمثل ثلثي المسافة و الآخر ثلثها فالأحوط وجوبا هو الجمع بين القصر و التمام على ما مر.

(3) فيه ان هذا ليس من جهة ان المجموع الملفق مسافة شرعية، بل من‌

329

[مسألة 14: في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد و الاياب منه إلى البلد]

[2245] مسألة 14: في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد و الاياب منه إلى البلد، و على المختار يكفي كون المجموع مسافة مطلقا و إن لم يكن إلى المقصد أربعة (1)، و على القول الآخر يعتبر أن يكون

____________

جهة ان الطريق الأبعد بنفسه مسافة بالكامل- كما هو المفروض في المسألة- فيكون سلوكه وحده كافيا للقصر، فلا حاجة إلى ضم الأقرب إليه. و على هذا فإذا كان بين بلدين طريقان فإن كان أحدهما يساوي المسافة المحددة شرعا و الأخر يساوي ثلثها، فإن قطع الطريق الأبعد ذهابا و الأقرب رجوعا أو بالعكس فلا إشكال في وجوب القصر و إن قطع الأقرب ذهابا و رجوعا فلا قصر. و إن كان كل منهما يساوي نصف المسافة فحينئذ اعتبر مجموع الذهاب و الاياب بينهما سفرا واحدا ما لم يتخلله في الأثناء أحد قواطع السفر كالمرور على الوطن أو إقامة عشرة أيام في البلد الثاني، و إن كان أحدهما أبعد من الآخر كما إذا كان الأبعد يمثل ثلثي المسافة و الأقرب يمثل ثلثها فحينئذ إن قطع الأبعد ذهابا و ايابا فلا إشكال في وجوب القصر، و إن قطع الأبعد ذهابا و الأقرب ايابا ففي وجوب القصر إشكال، و الأحوط هو الجمع بينه و بين التمام، و أما إذا قطع الأقرب ذهابا و ايابا فلا قصر.

(1) تقدم ان الأحوط فيه هو الجمع بين القصر و التمام، و لا فرق في المسألة بين أن تكون المسافة بخط مستقيم و إن كان ذلك الخط في ضمن خطوط منحنية و منكسرة، كما إذا كان الطريق بين الصخور و الأودية أو الجبال أو الأنهار فإنه غالبا يكون معوجا و غير مستقيم، أو تكون بشكل دائري كما إذا كان بلد المسافر واقعا على محيط دائرة و محيطها عدا ما تشتغله بلدته من المساحة يساوي المسافة المحددة شرعا و هي ثمانية فراسخ و على هذا فإذا نوى قطع هذه المسافة ذهابا إلى مقصد في محيطها و ايابا إلى بلدته، فإن كان كل منهما يساوي نصف المسافة فلا إشكال في وجوب القصر بلا فرق بين أن يكون رجوعه إلى بلدته من‌

330

من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة.

[مسألة 15: مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار و المتوسطات]

[2246] مسألة 15: مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار و المتوسطات، و آخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة (1)، و الأحوط مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان الجمع

____________

النصف الآخر لمحيط الدائرة، أو من نفس النصف الذي قطعه ذهابا فعلى كلا التقديرين يصدق عليه انه ذهب بريدا و رجع بريدا، و إن كان أحد الطريقين يساوي ثلثي المسافة و الآخر يساوي ثلثها فإن سلك الأبعد ذهابا و ايابا فلا إشكال و إن سلك الأبعد ذهابا و الأقرب إيابا ففيه إشكال، و الأحوط هو الجمع.

فالنتيجة: ان مقتضى اطلاق الأدلة عدم الفرق بين أن تكون المسافة على شكل دائري أو على خط مستقيم إذا صدق السفر عرفا بحيث يقول الناس لمن سلكها بأنه مسافر، و من المعلوم أنه لا فرق في صدقه عرفا بين الفرضين و إن كانت بلدة المسافر في مركز الدائرة، و ابتعد عن بلدته إلى أن وصل إلى محيط الدائرة ثم يدور عليه و كان المجموع بقدر المسافة الشرعية فإن صدق السفر عرفا على طي هذه المسافة بالكامل وجب عليه القصر و الا فالتمام، و هو يختلف باختلاف ابتعاده عن بلدته إلى المحيط فإن كان كثيرا كفرسخين أو أزيد اعتبره العرف مسافرا و إن كان قليلا كنصف فرسخ أو أقل لم يعتبره مسافرا فليس لذلك ضابط كلي فالعبرة إنما هي بصدق السفر عرفا و عدم صدقه.

(1) فيه إشكال بل منع، و الأظهر عدم الفرق بين البلدان الكبيرة و الصغيرة، فكما ان بلدة المسافر إذا كانت صغيرة فالعبرة إنما هي بخروجه عنها على أساس أنه لا يصدق على تحركاته في بلدته عنوان السفر عرفا، فكذلك إذا كانت بلدته كبيرة، فإنه ما دام يتحرك في وسط بلدته لا يعتبر ذلك سفرا منه عرفا، لأن السفر يتوقف على الخروج من البلدة و الابتعاد عنها، و من هنا لا تعتبر تحركات الساكنين‌

331

..........

____________

في البلدان الكبيرة من بيوتهم إلى مقرات عملهم، أو منها إلى محلّات أخرى لغاية سفرا منهم عرفا و إن افترض انه بقدر المسافة ذهابا و إيابا و هو ثمانية فراسخ، و عليه فتقييد الماتن (قده) مبدأ حساب المسافة بآخر المحلة في البلدان الكبيرة لا يساعده الاعتبار العرفي، فإنها و إن كانت من ناحية سعتها خارقة للعادة فمع ذلك لا يعتبر التحركات المقصودة في داخلها بمقدار المسافة الشرعية سفرا عرفا، مع ان العبرة إنما هي بصدق السفر العرفي عليها، على أساس ان السفر إنما يترتب عليه قصر الصلاة و افطار الصوم شريطة توفر أمور ..

الأول: ان لا تقل المسافة التي تطوى في السفر عن ثمانية فراسخ.

الثاني: أن تكون هذه المسافة مقصودة للمسافر من المبدأ إلى المنتهى.

الثالث: أن يعتبر العرف قطع هذه المسافة سفرا، و من قطعها يعتبره مسافرا، و أما إذا قطعها و مع ذلك لم يعتبره مسافرا فلا تترب عليه الأحكام المذكورة، كمن يبتعد عن بلدته بمقدار قليل ثم يدور حولها على نحو تكون مسافة المحيط الذي يقطعه تساوي المسافة المحددة شرعا و هي ثمانية فراسخ و مع ذلك لا يعتبره العرف مسافرا.

الرابع: أن لا يتخلل أحد قواطع السفر في أثناء سيره بقدر المسافة.

فإذا توفرت فيه هذه الشروط جميعا ترتبت عليه أحكامه و الّا فلا، و بما أن السفر العرفي لا يصدق على تحرك الشخص داخل بلدته مهما كانت كبيرة و كان بقدر المسافة لم يترتب عليه حكمه.

فالنتيجة: انه لا مجال للفرق بين البلدان الصغيرة و الكبيرة و إن كان كبرها بدرجة يكون امتدادها طولا أو عرضا أكثر من المسافة الشرعية.

هذا إضافة إلى أن قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و قد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

332

و إن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة.

[الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج]

الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج فلو قصد أقل منها و بعد الوصول إلى المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الأول مسافة لم

____________

إلى ذي خشب و هو مسيرة يوم من المدينة ...» (1) يؤكد ما ذكرناه من أن مبدأ المسافة يحسب من آخر البلد، و من المعلوم ان العرف لا يفهم خصوصية للمدينة بل باعتبار أنها بلدة المسافر، كما أنه لا يفهم خصوصية لكونها بلدة صغيرة أو كبيرة على أساس ان احتساب مبدأ المسافة منه يكون على القاعدة باعتبار ما عرفت من ان تحركاته داخل البلدة و إن كانت بقدر المسافة لا تعد سفرا عرفا.

و أما ما ورد في لسان مجموعة من الروايات من احتساب مبدأ المسافة من المنزل و الانتهاء إليه، منها: قوله (عليه السلام) في موثقة عمار: «لا يكون مسافرا حتى يسير من منزلة أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة ...» (2) فهو أما إن يراد من المنزل المضاف إلى المسافر المعنى الأوسع منه و هو بلدته التي يسكن فيها، باعتبار أنها مكان سكناه، فإذن معنى خروجه من منزله و هو خروجه من بلدته، أو يراد منه المنزل في مقابل البلدة و القرية كما إذا كان من أهل البوادي. و يؤكد ذلك عطف القرية على المنزل بكلمة (أو) في الموثقة، إذ لا يمكن حمل هذا العطف على التخيير بين الأقل و الأكثر بأن يكون المسافر مخيرا بين أن يحسب مبدأ المسافة من منزله أو من قريته و هو كما ترى. فإذن لا محالة يكون المراد من هذا العطف هو ان المسافر إذا كان منزله في قرية لها طول و عرض كالبلدة كان يحسب مبدأ المسافة من آخر قريته أو بلدته، و إن لم يكن فيها كان يحسب مبدؤها من منزله.

إلى هنا قد تبين انه لا فرق بين البلاد الكبيرة و الصغيرة، و هذا الفرق لا يحتاج إلى النص بل هو على القاعدة، فإن منزله إذا لم يكن في بلدة كان خروجه منه يعتبر سفرا منه عرفا دون ما إذا كان في بلدة أو قرية.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 4.

(2) الوسائل ج 8 باب: 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 3.

333

يقصّر (1)، نعم لو كان ذلك المقدار مع ضم العود مسافة قصّر من ذلك

____________

(1) هذا باعتبار ان وجوب القصر منوط بطيّ المسافة بسفرة واحدة، و بما أنه لم يطو المسافة بكاملها كذلك لم يجب عليه القصر و انما طواها بسفرتين، و حيث ان المجموع لا يعد سفرة واحدة فلا أثر له، فإذا قصد المسافر من بلدته ما دون المسافة الشرعية فإذا وصل إليه تجدد له رأي بأن يسافر إلى بلد آخر فسافر إليه ففي مثل ذلك يعتبر مبدأ المسافة من مقصده لا من بلدته فيلغى من الحساب ما قطعه من المسافة قبل تجدد الرأى له بالسفر إلى بلدة أخرى.

مثال ذلك: نجفي ينوي السفر إلى الكوفة و إذا وصل إليها تجدد له رأى بعدم الرجوع إلى النجف و السفر من الكوفة إلى الشامية مثلا ثم يعود منها إلى النجف مارا بالكوفة و حينئذ تعتبر المسافة من الكوفة إلى الشامية و منها إلى النجف مارا بالكوفة، فإن كان المجموع بقدر المسافة الشرعية و هي ثمانية فراسخ ترتب عليه أحكامه و الّا فلا، و أما ما قطعه أولا من النجف إلى الكوفة فهو يلغى من الحساب لأنه لم يكن قاصدا بذلك المسافة الشرعية بالكامل و لا يمكن الحاقه بما يتجدد له رأي في السفر إلى بلدة أخرى باعتبار أنه سفرة أخرى جديدة لا ترتبط بالأول و يحسب مبدؤها من الكوفة في المثال على أساس أن السفر يتعدد بتعدد المقصد و الغاية شريطة أن يتجدّد له رأي في السفر إلى بلدة أخرى بتجدد الغاية بعد الوصول إلى المقصد الأول، فإن من سافر من بلدة كالنجف ..

فتارة يقصد الكوفة فحسب من أجل غاية، و بعد الوصول إلى الكوفة و حصول الغاية يتجدد له رأي في السفر إلى العباسية من اجل غاية و اذا وصل إليها و حصل الغاية المقصودة يتجدد له رأي بالسفر الى الكفل و هكذا، فهنا أسفار متعددة و لا يجب عليه القصر في شي‌ء منها، و المفروض أن المجموع لا يعد سفرة واحدة عرفا.

334

..........

____________

و أخرى يقصد السفر من النجف إلى الحلة بغايات متعددة في الطريق فيسافر إلى الكوفة لغاية و إلى العباسية لغاية أخرى و إلى الكفل لغاية ثالثة و إلى الحلة لغاية رابعة و هكذا ... و هذه الغايات و إن كانت كل واحدة منها غاية مستقلة في محدوديتها و هي ما دون المسافة و تدعو بالسفر إليها كذلك، الّا أن مجموعها غاية واحدة بالنسبة إلى السفر بقدر المسافة الشرعية و هو السفر من النجف إلى الحلة في المثال، فإن الداعي إلى هذه السفرة الواحدة بقدر المسافة هو مجموع تلك الغايات، و بما أن المسافر قد نوى هذه السفرة الواحدة من الأول على أثر الغايات المذكورة فعليه أن يقصر في صلاته.

ثم ان المراد من القصد هنا هو علم المسافر و شعوره بأنه سيقطع المسافة بكاملها سواء أ كان هذا العلم قائما على أساس أنه أراد السفر باختياره، أو على أساس أنه مكره من قبل شخص على ذلك، أو مضطر لاختيار هذا السفر، أو مستسلم للأمر الواقع بلا اختيار له كما إذا كان راكبا في السفينة و افلت زمام أمرها عن يد بحارها و علم بأنها ستقطع المسافة الشرعية قبل أن يقدر الملاح على التحكم عليها، أو أنه ملقى في السفينة بغير اختياره و إرادته، فإنه في تمام هذه الصور يجب عليه القصر باعتبار أنه عالم بقطع المسافة الشرعية بالكامل و نوى طيّها كذلك.

فالنتيجة: ان المسافر إذا قصد ما دون المسافة و لما بلغ مقصده تجدد له رأي في السفر إلى بلدة أخرى فسافر إليها فلا شبهة في أن سفره إلى بلدة أخرى سفرة جديدة عرفا و يعتبر ابتداؤها من المقصد و لا تكون متممة للسفرة الأولى و مواصلة لها، لأنها قد انتهت بالوصول إلى مقصدها، فيكون منشأ التعدد تجدد الداعي و الرأي له في السفرة الأخرى بغاية ثانية بعد الانتهاء من السفرة الأولى، إذ لو كان الداعي إليها موجودا من الأول لكان استمرارا و مواصلة لها لا أنها سفرة جديدة.

335

..........

____________

ثم ان اطلاقات الروايات التي تنص على تحديد المسافة الشرعية بثمانية فراسخ بمختلف الألسنة كبياض يوم، أو مسير يوم، أو بريدين، أو أربعة و عشرين ميلا، أو ثمانية فراسخ هل تشمل هذه الصورة على أساس أنه قد طوى المسافة المحددة شرعا و ان كان بأسفار متعددة أو لا؟ فيه وجهان: الظاهر هو الوجه الثاني، فإنها في مقام بيان تحديد موضوع وجوب القصر باعتبار ان العناوين المأخوذة في تلك الروايات كلها تعبير عرفي عنه و هو السفر الممتد بقدر ثمانية فراسخ، و بما ان الاتصال مساوق للوحدة فيكون الموضوع هو السفرة الواحدة و تتحقّق بالشروع فيها شريطة استمرارها إلى ثمانية فراسخ، و على هذا فمقتضى القاعدة وجوب القصر على المسافر متى ابتدأ بالسفر، و لكن الدليل الخارجي قد قام على تقييد وجوبه عليه بالوصول إلى حد الترخص، و عليه فإذا واصل سفره إلى تمام المسافة بالكامل فهو يكشف عن تحقق الموضوع من الأول بتحقق جزئه، و أما إذا لم يواصل فيكشف عن ان موضوعه لم يتحقق أصلا و ما طواه من مسافة ليس جزء الموضوع.

و من هنا يظهر أن وجوب القصر على المسافر إذا وصل إلى حد الترخص ليس من الوجوب المشروط بالشرط المتأخر، فإن كونه كذلك مبني على ان الموضوع لم يتحقق الّا بتحقق السفر بقدر المسافة بكاملها، و لكن المبني غير صحيح، فإن المركب من الأجزاء التدريجية منها الحركة كالسفر يتحقق بتحقق أول جزئه و ينتهي بانتهاء آخر جزئه، فإذا كانت حصة من السفر مأخوذة في موضوع الحكم كوجوب القصر و هي السفر إلى ثمانية فراسخ فبطبيعة الحال تتحقق هذه الحصة بتحقق أول جزئها، فإذا استمر المسافر في سيره إلى تمام المسافة فهو كاشف عن تحقق الموضوع من الأول بتحقق جزئه لا أن الموضوع تحقق من الآن و أنه كاشف عن تحقق الوجوب من الأول حتى يكون مشروطا بشرط متأخر.

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان تلك الروايات مطلقة و لكن لا بد من‌

336

..........

____________

تقييد إطلاقها بقوله (عليه السلام) في موثقة عمار: «لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة» (1) فإنه يؤكد على أن السفر الشرعي هو ما ينوى المسافر من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، و يؤيد ذلك مرسلة صفوان، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى أنه يكفى قطع المسافة الواقعية المحددة شرعا قاصدا له في وجوب القصر و إن لم يعلم بها، بل و إن كان يعلم بالخلاف، كما إذا سافر نجفي إلى الشامية معتقدا بأنه لا مسافة بينهما شرعا، أو شاكا في ذلك، و في اثناء الطريق علم بالحال فعليه أن يقصر في صلاته، فلو صلاها تماما ثم تفطن، فإن كان الوقت باقيا وجبت إعادتها قصرا على أساس أنه قاصد طيّ المسافة بكاملها و هو الموضوع لوجوب القصر سواء أ كان المسافر عالما بذلك أم لم يكن، فإن العلم ليس جزء الموضوع و لا دخيلا فيه فإذا كان الطريق بين البلدين بقدر المسافة الشرعية و قد قصد المسافر طيّ هذا الطريق بالكامل و إن لم يكن عالما به فوظيفته القصر.

فالنتيجة: انه يكفي فيه قصد سفر يحقق المسافة الشرعية و هي ثمانية فراسخ و إن لم يعلم المسافر بأن سفره يحقق ذلك، و هذا هو مقتضى اطلاقات الأدلة و لا سيما اطلاق الموثقة المتقدمة.

و من هنا يظهر ان المعتبر في وجوب القصر أمران: أحدهما طيّ المسافة واقعا، و الآخر أن يكون قاصدا و عالما بأنه يطوى هذه المسافة و إن كان جاهلا بأنها.

مسافة. و أما إذا كان مترددا في طي المسافة و غير قاصد له من الأول كطالب الضالة مثلا فيتم صلاته و إن قطع المسافة و هو متردد و بدون نية، و من هذا القبيل ما إذا تردد المسافر الناوي للسفر بقدر المسافة من الأول من جهة احتمال طروّ العجز عليه من مواصلة السفر و الاستمرار عليه، أو احتمال ما يمنع عن ذلك فإنه يتم صلاته و إن قطع المسافة و هو متردد و بلا قصد.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 3.

337

الوقت بشرط أن يكون عازما على العود، و كذا لا يقصّر من لا يدري أيّ مقدار يقطع كما لو طلب عبدا آبقا أو بعيرا شاردا أو قصد الصيد و لم يدر أنه يقطع مسافة أو لا، نعم يقصّر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة و إن لم يكن أربعة (1) كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ و المفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد، و كذا لا يقصّر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم و إلا فلا، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر و إلا فلا، نعم لو اطمأن بتيسر الرفقة أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة قصّر بخروجه عن محل الترخص.

[مسألة 16: مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير]

[2247] مسألة 16: مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير، فيقصّر و إن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام و إن كان ذلك اختيارا لا لضرورة من عدوّ أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك، نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصّر كما إذا قطع في كل يوم شيئا يسيرا جدا للتنزه أو نحوه، و الأحوط في هذه الصورة أيضا الجمع (2).

[مسألة 17: لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا بل يكفي]

[2248] مسألة 17: لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا بل يكفي و لو كان من جهة التبعية للغير لوجوب الطاعة كالزوجة و العبد أو قهرا كالأسير و المكره و نحوهما أو اختيارا كالخادم و نحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام، و يجب الاستخبار

____________

(1) مر أن الأحوط فيه هو الجمع بين القصر و التمام.

(2) بل الأقوى هو القصر لمكان صدق المسافر عليه و عدم صدق انه مقيم و إن قطع في كل يوم شيئا يسيرا من المسافة كخمسمائة متر أو أكثر و يواصل قطعها كذلك إلى أن يقطعها بالكامل و التمام.

338

مع الامكان (1)، نعم في وجوب الاخبار على المتبوع إشكال و إن كان الظاهر عدم الوجوب.

____________

(1) في الوجوب إشكال بل منع حيث انه لا منشأ لوجوب الاستخبار على التابع بأن يفحص عن قصد المتبوع و التعرف عليه بالسؤال منه أو من غيره على أساس ما مرّ من أن وجوب القصر قد أنيط بقصد السفر في المسافة المحددة شرعا بالكامل، و بما أن التابع لا يعلم بالحال فلا يكون قاصدا للسفر بقدر المسافة، و عليه فوظيفته التمام واقعا و إن قطع المسافة و هو متردد و جاهل بالحال فلا يكون مكلفا بالقصر كذلك حتى على تقدير كون المتبوع في الواقع قاصدا للمسافة على أساس ما مر من أن موضوع وجوب القصر هو قصد طيّ المسافة الشرعية و بدونه فلا موضوع له حقيقة.

و عليه فلا مقتضي لوجوب الفحص عن قصد المتبوع و التعرف عليه بالسؤال.

و من هنا يظهر ان عدم وجوب الفحص هنا ليس مبنيا على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية حيث ان وجوب القصر لما كان مترتبا على قصد قطع المسافة المحددة شرعا فلا يتصور فيه التردد و الشك بأن لا يعلم المسافر انه قاصد طيّ المسافة أو غير قاصد له و على هذا فالتابع حيث إنه لا يعلم قصد المتبوع فهو غير قاصد طيّ المسافة، و معه تكون وظيفته التمام واقعا لا ظاهرا و إن قطع المسافة و هو في هذه الحال.

فالنتيجة: انه ما دام كونه جاهلا بقصد المتبوع يظل باقيا على التمام واقعا و إن طال الأمد الّا أن يعلم في الأثناء فحينئذ يعمل على طبق علمه، فإن كان الباقي مسافة قصر و الّا فلا.

339

[مسألة 18: إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة و لو ملفقة بقي على التمام]

[2249] مسألة 18: إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة و لو ملفقة بقي على التمام، بل لو ظن ذلك فكذلك، نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر (1) خصوصا لو ظن العدم، لكن الأحوط في صورة الظن بالمفارقة و الشك فيها الجمع.

[مسألة 19: إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه أو معلقا لها على حصول أمر]

[2250] مسألة 19: إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه أو معلقا لها على حصول أمر كالعتق أو الطلاق و نحوهما فمع العلم بعدم الامكان و عدم حصول المعلق عليه يقصّر، و أما مع ظنه فالأحوط الجمع و إن كان الظاهر التمام، بل و كذا مع الاحتمال إلا إذا كان بعيدا غايته بحيث لا ينافي

____________

(1) بل الظاهر هو التمام لأنه مع الشك و التردد في مفارقة المتبوع لا يمكن أن يكون جادا في قصد السفر بقدر المسافة، فإنه يتنافى مع قصده السفر كذلك.

و عليه فتكون وظيفته التمام في جميع صور المسألة، بل الأمر كذلك مع الظن بعدم المفارقة فان احتمالها أيضا يتنافى مع قصد السفر عن جدّ، فما دام لا يكون واثقا و متأكدا من عدم المفارقة لا يتمكن من القصد و العزم عليه كذلك.

فالنتيجة: ان التابع إذا كان عالما بقصد المتبوع فإن كان عالما بعدم المفارقة عنه، أو على الأقل كان واثقا و مطمئنا به وجب عليه القصر باعتبار أنه قاصد للسفر حينئذ تبعا لقصد متبوعه، و الّا فالتمام و إن كان ظانا بالعدم إذ لا أثر له الّا أن يكون حجة.

و دعوى: ان التابع مع الظن بعدم المفارقة، بل مع الشك فيها يتمكن من قصد السفر الشرعي ... خاطئة جدا، لأنها مبنية على الخلط بين القصد الفعلي و القصد التعليقي فإنه إنما يتمكن في هذه الحالة من القصد التعليقي و هو قصد السفر معلقا على عدم المفارقة دون القصد الفعلي الموجود في النفس حالا، فإنه لا يجتمع مع التردد و احتمال المفارقة و عدم مواصلة السفر إلى ثمانية فراسخ.

340

صدق قصد المسافة، و مع ذلك أيضا لا يترك الاحتياط (1).

[مسألة 20: إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة أو شك في ذلك و في الأثناء علم أنه قاصد لها]

[2251] مسألة 20: إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة أو شك في ذلك و في الأثناء علم أنه قاصد لها فالظاهر وجوب القصر عليه و إن لم يكن الباقي مسافة (2) لأنّه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة

____________

(1) في الاحتياط إشكال بل منع، فإن التابع إن كان عازما على مفارقة المتبوع متى أتيحت له الفرصة و كانت اتاحتها أمرا محتملا و ليست صعبة المنال و الوصول إليها فهو يتنافى مع قصد السفر بقدر المسافة بالكامل، فاذن تكون وظيفته التمام دون الاحتياط و إن كان وصوله إلى الفرصة المتاحة التي كانت من أمنيته صعب المنال و الوقوع و كان احتماله ضعيفا جدا بدرجة يكون واثقا متأكدا بعدم الوصول إليها فوظيفته القصر لأن قصد المسافة حينئذ مفروض عليه بحكم الأمر الواقع فلا مجال للاحتياط.

(2) بل الظاهر وجوب التمام عليه الّا إذا كان الباقي مسافة و لو بضميمة الرجوع إلى بلدته، و أما إذا لم يكن الباقي مسافة لا بنفسه و لا بضميمة الرجوع فتكون وظيفته عندئذ التمام لأن ما طواه أولا من المسافة في زمان تردده و جهله بأن متبوعه قاصد لها أولا ملغى من الحساب باعتبار أنه كان غير قاصد لطيّ المسافة الشرعية في هذه الحالة، و أما ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) من ان التابع إذا كان يقصد ما قصد متبوعه فقد قصد المسافة واقعا نظير ما إذا قصد شخص طي المسافة بين النجف و الحلة مثلا و لكن لا يعلم بأنها مسافة شرعية، و في الطريق أو في المقصد علم بالمسافة، فلا شبهة في أن وظيفته التمام لأنه قاصد طي المسافة الشرعية واقعا، و ما نحن فيه كذلك، فلا يمكن المساعدة عليه لأن قياس ما نحن فيه بذلك قياس مع الفارق، لأن التابع بما انه جاهل بقصد المتبوع و لا يدري انه كان يقصد طي المسافة أو لا فبطبيعة الحال يكون قصده طي المسافة حينئذ معلقا على تقدير‌

341

واقعا، فهو كما لو قصد بلدا معينا و اعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء أنّه مسافة، و مع ذلك فالأحوط الجمع.

[مسألة 21: لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه]

[2252] مسألة 21: لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه، و أما إذا اركب على الدابة أو القي في السفينة من دون اختياره بأن لم يكن له حركة سيرية ففي وجوب القصر و لو مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال، و إن كان لا يخلو عن قوة (1).

____________

قصد المتبوع طيّها، فلا يمكن أن يكون منجزا و فعليا، و هذا بخلاف ما إذا قصد المسافر السفر إلى بلد معين فإنه كان يقصد طي المسافة بينه و بين بلده واقعا و فعلا بدون تعليق بل لا يعقل التعليق فيه، فإن المسافة بينهما لما كانت بقدر المسافة الشرعية في الواقع فهو قاصد لها واقعا و بصورة مباشرة و إن لم يعلم بذلك، و لا يعقل أن يكون قصده طي المسافة بينهما مشروطا بأن تكون مسافة شرعية و معلقا عليها فإنه غير معقول بداهة أن القصد تعلق بهذه المسافة المحدودة في الخارج سواء أ كانت مسافة شرعية أم لم تكن لاستحالة انقلاب الواقع، و على كلا التقديرين فلا تعليق في الواقع.

و أما في المقام فبما أن التابع يتبع في قصده قصد المتبوع لا الواقع و حيث انه لا يدري انه كان يقصد المسافة الشرعية أو ما دونها، كما إذا لم يعلم أنه قصد السفر إلى كربلاء مثلا أو إلى ما دون المسافة، فلا يمكن أن يكون قاصدا لطي المسافة جزما و بصورة منجزة، بل لا محالة يكون مترددا فيه بتبع تردده في قصد متبوعه. و عليه فوظيفته التمام لأن ما قطعه أولا في حال التردد من مسافة فهو يلغى من الحساب، و الباقي ليس بمسافة.

(1) هذا هو المتعين حيث أن المراد من قصد السفر هنا ليس بمعنى الاختيار الناشي من الشوق و الرغبة بل هو عبارة عن علم المسافر و إدراكه بأنه‌

342

..........

____________

سيقطع المسافة بكاملها سواء أ كان قطعها بإرادته و اختياره و إن كان بالاكراه أو الاضطرار، أم كان بغير الاختيار و الارادة، كما إذا ألقى في سفينة و هو يعلم بأنها ستقطع المسافة المحدّدة بكاملها.

و الوجه فيه: أنه لا دليل على اعتبار القصد بمعنى زائد على علم المسافر و إدراكه بالحال على أساس أن مقتضى الروايات التي تنص على تحديد المسافة بثمانية فراسخ بمختلف الألسنة هو أن قطعها موضوع لوجوب القصر، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون قطعها بالاختيار أو بغيره، فإن وجوب القصر على المسافر منوط بأن يقطع المسافة المحددة شرعا و إن كان بغير الارادة و الاختيار و أن يكون قطعها مقصودا له بكاملها و إن لم يعلم بأن ما يقطعه مسافة.

مثال ذلك: نجفي سافر من النجف إلى الحلة مثلا قاصدا به طي المسافة بينهما و كانت المسافة بينهما في الواقع مسافة شرعية، و لكنه لا يعلم بذلك، فإنه يجب عليه حينئذ القصر لأنه قطع المسافة الشرعية واقعا و هي المسافة بين البلدين و كان قاصدا لقطعها كذلك كاملة.

و إن شئت قلت: إن المسافر إذا علم بأنه يقطع المسافة بين النجف و الحلة، فإذا قطعها وجب عليه القصر لأن ما طواه كان بقدر المسافة واقعا و كان قاصدا له بكاملها و إن لم يعلم به إذا يكفي أن يعلم أنه طوى المسافة بينهما و كانت في الواقع مسافة، فالعبرة في وجوب القصر إنما هي قصد سفر يحقق المسافة الشرعية و إن لم يكن المسافر عالما بأن سفره يحقق ذلك.

نعم إذا تردد المسافر في أن ما يطويه في سفره هذا يحقق المسافة أو لا؟

فوظيفته التمام، كما إذا خرج من بلده لطلب حاجة و لكن لا يدري أنه وصل إليها و قضاها قبل أن يقطع المسافة بالكامل أو بعد ذلك فإنه لم يقصد طي المسافة‌

343

[الثالث: استمرار قصد المسافة]

الثالث: استمرار قصد المسافة فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أو

____________

بكاملها، فمن أجل ذلك يصلي تماما و إن قطع المسافة و هو متردد.

فالنتيجة: ان المعتبر في وجوب القصر هو قصد السفر بقدر المسافة المحددة شرعا و هي ثمانية فراسخ سواء أ كان من منزله أم كان في أثناء الطريق، أم بالرجوع، كما إذا خرج من بلده مترددا و بعد أن طوى شيئا قصد السفر و خرج عن التردد في رأيه إلى العزم فحينئذ إن كان الباقي مسافة فعليه القصر باعتبار أن ما قطعه من المسافة مترددا يلغى من الحساب.

و تنص على ذلك موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك، ثم ينزل في ذلك الموضع. قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة ...». (1)

فإن قوله (عليه السلام): «لا يكون مسافرا ...» نص في نفي السفر إلّا إذا كان قاصدا طي المسافة الشرعية بكاملها و إلّا فلا يجب عليه القصر و إن قطع أكثر من ثمانية فراسخ بدون القصد، و على هذا فإذا سافر إلى بلد بينه و بين بلده أو مقر إقامته المسافة و في أثناء الطريق عدل إلى بلد آخر يماثله في البعد و المسافة إذا كان ذلك فلا يضر، لأن العبرة إنما هي بنوع القصد و هو قصد المسافة المحددة شرعا فإنه شرط لوجوب القصر و لا خصوصية للشخص، و الفرض أن هذا العدول لا يضر بأصل القصد، و من هذا القبيل ما إذا قصد السفر إلى أحد مكانين لا بعينه و كانا متساويين في المسافة بينهما و بين بلده أو مقر إقامته فإنه ما دام بينه و بينهما مسافة القصر فلا يعتبر التعيين و التمييز لأن المناط إنما هو قصد المسافة النوعي و يتخير في مقام التطبيق.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 3.

344

تردد أتم، و كذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازما على عدم العود أو كان مترددا في أصل العود و عدمه أو كان عازما على العود لكن بعد نية الاقامة هناك عشرة أيام، و أما إذا كان عازما على العود من غير نية الاقامة عشرة أيام فيبقى على القصر و إن لم يرجع ليومه، بل و إن بقي مترددا إلى ثلاثين يوما، نعم بعد الثلاثين مترددا يتم.

[مسألة 22: يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و إن عدل عن الشخص]

[2253] مسألة 22: يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و إن عدل عن الشخص، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى و ما بقي إليه مسافة، فإنه يقصّر حينئذ على الأصح، كما أنه يقصّر لو كان من أول سفره قاصدا للنوع دون الشخص، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق و لم يعين من الأول أحدهما بل أو كل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحد المشترك كفى في وجوب القصر.

[مسألة 23: لو تردد في الأثناء ثم عاد إلى الجزم]

[2254] مسألة 23: لو تردد في الأثناء ثم عاد إلى الجزم فإما أن يكون قبل قطع شي‌ء من الطريق أو بعده ففي الصورة الاولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة و لو ملفقة، و كذا إن لم يكن مسافة في وجه، لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع (1)، و أما في الصورة الثانية فإن كان ما بقي مسافة

____________

(1) بل الأظهر فيه هو البقاء على القصر، فإن المسافر إذا لم يقطع شيئا من الطريق لدى الحيرة و التردد فمعناه أنه قطع المسافة المحددة بكاملها عن قصد و عزم بدون الحيرة و التردد في المضي على قصده أو العود إلى بلده، فإذا عاد إلى قصده الأول و عزم على مواصلة سفره فهو استمرار للسفر الأول و مواصلة له و ليس سفرا جديدا على أساس أن مجموع ما طواه سابقا و ما يطويه لاحقا يكون عن قصد‌

345

و لو ملفقة يقصّر أيضا و إلا فيبقى على التمام، نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود إلى الجزم بعد إسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد مسافة ففي العود إلى التقصير وجه، لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع (1).

[مسألة 24: ما صلّاه قصرا قبل العدول عن قصده لا يجب إعادته]

[2255] مسألة 24: ما صلّاه قصرا قبل العدول عن قصده لا يجب إعادته

____________

و عزم و لم يطو شيئا من المسافة في حالة الحيرة و التردد.

و إن شئت قلت: ان المعتبر في وجوب القصر هو أن يقصد المسافر قطع المسافة المحددة بكاملها، و عليه فالتحير و التردد إن كان في أثناء القطع و الحركة بأن يقطع شيئا من المسافة لدى الحيرة و التردد فهو يتنافى مع قصد المسافة بالكامل، إذ حينئذ لم يطو المسافة تماما عن قصد و عزم، مع أنه شرط لوجوب القصر و إن كان في الآن المتخلل بين أجزاء القطع و الحركة في طول المسافة المحددة لم يضر، إذ لا يعتبر استمرار القصد في الآن المتخلل بينها، و إنما المعتبر استمراره في نفس تلك الحركات التدريجية و الطولية.

(1) مر أن الأظهر فيه هو التمام، لأن المسافر إذا قطع شيئا من المسافة المحددة عند الحيرة و التردد، أو العزم على العود ثم عاد إلى قصده الأول فهو مانع عن الاتصال، لأن ما يقطعه من المسافة بعد العود إلى الجزم بمواصلة السفر لا يكون بقاء و استمرارا لما قطعه أولا من مسافة مع العزم، لأن ما قطعه لدى الحيرة و التردد أو العزم على العود إلى مقره مانع عن الاتصال بينهما، فإذن بطبيعة الحال أن ما يقطعه من مسافة بعد أن عاد إلى الجزم فهو سفر جديد باعتبار تجدد الرأي له فيه فينظر حينئذ إليه، فإن كان يبلغ مسافة و لو بضم الاياب و الرجوع إليه قصر، و أما إذا لم يبلغ حتى بضم الاياب فيتم و إن كان الأحوط و الأجدر أن يجمع بين القصر و التمام.

346

في الوقت فضلا عن قضائه خارجه (1).

____________

(1) في عدم الوجوب إشكال بل منع، و الأظهر وجوب الاعادة في الوقت و القضاء خارج الوقت، و ذلك لأن صحيحة زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: تمت صلاته و لا يعيد ...» (1) و إن كانت تدل على تمامية صلاته قصرا و عدم وجوب إعادتها عليه بعد عدوله عن مواصلة السفر و العود إلى بلده، و من هنا لو كنا نحن و هذه الصحيحة لقلنا بان موضوع وجوب القصر هو التلبس بالسفر و إن لم يستمر إلى تمام المسافة بالكامل، كما هو الحال في قصد الاقامة، إلّا أن هذه الصحيحة معارضة بقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي ولّاد: «و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فإن عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام» (2) فإنه ناص في وجوب إعادة ما صلاة قصرا بعد العدول عن مواصلة السفر و العود إلى بلده على أساس ان الأمر بالاعادة إرشاد إلى بطلانها، فمن أجل ذلك لا يمكن الجمع العرفي الدلالي بينهما بحمل الأمر بالقضاء في صحيحة أبي ولّاد على الاستحباب على أساس ان ذلك مبني على أن الأمر بالقضاء أمر مولوي، و أما إذا كان إرشاديا- كما هو كذلك- فلا مجال لهذا الحمل.

و دعوى ان المشهور بما أنهم قد عملوا بصحيحة زرارة و اعرضوا عن صحيحة أبي ولّاد فتسقط الصحيحة الثانية عن الحجية.

مدفوعة بما ذكرناه في علم الأصول من أنه لا يمكن تبرير هذه الدعوى صغرى و كبرى، فمن أجل ذلك لا أثر لها، فإذن تصلح أن تعارض صحيحة زرارة، و بما أنه لا ترجيح في البين فتسقطان معا فيرجع إلى العام الفوقي و هو الروايات‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 23 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(2) الوسائل ج 8 باب: 5 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

347

[الرابع: أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية]

الرابع: أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية، و أن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك، و إلا أتم لأنّ الاقامة قاطعة لحكم السفر، و الوصول إلى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصدا للمسافة، و كذا يتم لو كان مترددا في نية الاقامة (1) أو المرور على الوطن قبل بلوغ

____________

التي تنص على تحديد موضوع وجوب القصر بثمانية فراسخ شرعية، و مقتضى ذلك أن من قطع دون المسافة المحددة فلا موضوع للقصر، فإذا صلى قصرا و الحال هذه بطلت صلاته و وجبت عليه إعادتها تماما في الوقت و خارجه.

فالنتيجة: مقتضى القاعدة أن المسافر إذا صلى قصرا في الطريق ثم عدل و بنى على العود إلى بلده قبل بلوغه أربعة فراسخ هو بطلان صلاته، و أن وظيفته هي التمام في الواقع دون القصر، لأن موضوع القصر هو قطع المسافة بكاملها، فإذا صنع ذلك وجبت عليه إعادة الصلاة تماما مطلقا حتى فيما إذا علم بالحال في خارج الوقت.

(1) بل الظاهر أنه يقصر للفرق بين أن يشك المسافر في أنه هل سيمر في أثناء قطع المسافة بوطنه و بين أن يشك في أنه هل سيقيم في بلد على الطريق قبل بلوغ المسافة على أساس أن المرور بالوطن أثناء السير قاطع للسفر، فإذا مر على وطنه و لو قاصدا اجتيازه منه لمواصلة سفره انتهى بذلك حكم القصر بانتهاء موضوعه و هو السفر و لا يعود حكمه إلّا بخروجه من وطنه إذا تحقق منه سفر جديد بقدر المسافة، و أما قصد الاقامة في بلد فهو قاطع لحكم القصر دون موضوعه و هو السفر على أساس أن المقيم في بلد مسافر حقيقة و لا يعد من أهل ذلك البلد، غاية الأمر ان المسافر إذا قصد الاقامة في بلد عشرة أيام كان حكمه حكم أهل ذلك البلد لا أنه صار من أهله و خرج عن كونه مسافرا، و لا دليل على أن‌

348

..........

____________

محل الاقامة كالوطن من تمام الجهات.

و على ضوء ذلك فإذا قصد المسافر المسافة و سافر و هو يشك في أنه هل سيقيم في بلد على الطريق عشرة أيام قبل إكمال المسافة، أو هل سيبقى فيه شهرا بدون قصد الاقامة، ثم انصرف عن ذلك في أثناء الطريق و استمر في مواصلة سفره إلى أن أكمل المسافة، فإنه يقصر على أساس أن شكه و تردده في ذلك لا يتنافي مع كونه قاصدا للسفر بقدر المسافة باعتبار أن قصد الاقامة قاطع لحكم السفر.

مثال ذلك: نجفي يقصد السفر إلى الشامية فسافر و هو يشك في أنه هل سيقيم في بلد على الطريق قبل بلوغ المسافة كأبي صخير- مثلا- عشرة أيام أو لا؟

فإنه إذا انصرف أثناء السير و واصل سفره إلى أن أكمل المسافة كان حكمه القصر دون التمام باعتبار أنه قاصد من الأول السفر بقدر المسافة و الشك المذكور لا ينافيه، فإذا انصرف عن الإقامة في الطريق و استمر في سفره إلى أن أكملت المسافة فحكمه القصر، بل من هذا القبيل أيضا إذا كان عازما في ابتداء السفر على الاقامة في الطريق قبل إكمال المسافة ثم انصرف عن ذلك في الأثناء و أكمل المسافة باعتبار أن العزم على الاقامة لا ينافي قصده السفر بقدر المسافة من أول الأمر فإنه عازم على الاتيان بالقاطع لحكم القصر دون موضوعه، فإن تحقق فلا حكم للقصر، و الّا فهو ثابت بثبوت موضوعه، و كذلك الأمر أيضا إذا وصل المسافر إلى مكان قبل إكمال المسافة و أراد أن يقيم فيه عشرة أيام لحسن منظره و طيب مناخه، و بنى على الاقامة فيه ثم انصرف و عدل عن عزمه عليها و واصل سفره إلى أن أكمل المسافة، فإن حكمه القصر تطبيقا لما تقدم، و هذا بخلاف ما إذا شك المسافر في أنه هل سيمر بوطنه في أثناء الطريق قبل إكمال المسافة أو لا فإنه يتنافى مع كونه قاصدا للسفر الشرعي على أساس أن المرور بالوطن قاطع للسفر‌

349

الثمانية، نعم لو لم يكن ذلك من قصده و لا مترددا فيه إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة فيقصّر (1)، نظير ما إذا كان عازما على المسافة إلا أنه لو عرض في الأثناء مانع من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك يرجع، و يحتمل عروض ذلك، فإنه لا يضر بعزمه و قصده (2).

____________

و مع الشك في المرور به أثناء السير و احتماله، فلا يمكن أن يكون قاصدا للسفر بقدر المسافة من أول الأمر فمن أجل ذلك يكون حكمه التمام.

(1) في اطلاق ذلك إشكال بل منع لأن المسافر إن احتمل في أثناء الطريق حدوث ما يدعوه على المرور بوطنه و بلدته قبل إكمال المسافة، فإن كان الاحتمال ضعيفا بدرجة يكون المسافر واثقا و متأكدا بعدم حدوثه في الاثناء فلا أثر له و هو يبقى على حكم القصر و إن كان الاحتمال بمرتبة لم يكن المسافر معه واثقا و مطمئنا بعدم حدوثه كان مانعا عن قصد السفر بقدر المسافة و معه تكون وظيفته التمام دون القصر، و أما إذا كان يحتمل في أثناء السير و قبل بلوغ المسافة حدوث ما يدعوه إلى الاقامة في مكان على الطريق فهو لا يضر لما مرّ من ان احتماله و إن كان عقلائيا الّا أنه لا يتنافى مع كونه قاصدا للسفر الشرعي، بل قد مر أنه لو كان عازما عند ابتداء السفر على أن يقيم عشرة أيام في الطريق قبل بلوغ المسافة ثم انصرف عن ذلك و واصل سفره إلى أن أكمل المسافة لم يضر و كان حكمه القصر دون التمام.

(2) هذا إذا كان احتمال المانع عن مواصلة السفر ضعيفا بدرجة يكون المسافر واثقا و متأكدا بعدم وجوده في الطريق، و أما إذا كان احتماله بمرتبة لا يكون معه واثقا و مطمئنا بالعدم فهو يتنافى مع عزمه على السفر بقدر المسافة فيكون حاله حال المرور بالوطن لا حال قصد الاقامة.

350

[مسألة 25: لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصدا للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده]

[2256] مسألة 25: لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصدا للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده (1) أو كان مترددا في ذلك و عدل عن ترديده إلى الجزم بعدم الأمرين فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضم الاياب قصّر، و إلا فلا، فلو كان ما بقي بعد العدول إلى المقصد أربع فراسخ و كان عازما على العود و لو لغير يومه قصّر في الذهاب و المقصد و الاياب، بل و كذا لو كان أقل من أربعة، بل و لو كان فرسخا فكذلك على الأقوى من

____________

(1) مر أنه لا بد من التفصيل بين المرور بالوطن و قصد الاقامة لأن المسافر إذا كان عازما على المرور بوطنه في أثناء طي المسافة المحددة شرعا فمعناه أنه لم يكن عازما من أول الأمر للسفر بقدر المسافة و إن لم يمر فعلا لمانع منعه عن ذلك و قطع المسافة كلها بدون المرور عليه، و كذلك الحال إذا كان شاكا في المرور على بلدته و وطنه، فإنه مع هذا الشك ليس بإمكانه أن يكون قاصدا للسفر بقدر المسافة من البداية و إن لم يمر به في أثناء السير، و طوى المسافة بكاملها. و هذا بخلاف قصد الاقامة فإنه قاطع لحكم القصر دون موضوعه كما مر.

نعم إذا لم ينصرف عن عزمه على الاقامة في نصف الطريق و أقام فيه عشرة أيام أصبح سفره إلى محل الاقامة بلا أثر شرعي حيث أنه لا يكون بقدر المسافة، و إذا خرج منه بعد الاقامة كان خروجه سفرا جديدا لأن السفر إلى محل الاقامة يلغى من الحساب لانتهائه حكما بالاقامة، و عليه فإن كان الباقي بقدر المسافة و لو بضميمة الاياب و الرجوع إلى وطنه أو مقره كان حكمه القصر، و الّا فالتمام.

و من هنا كان على الماتن (قدّس سرّه) أن يفرق بين المرور بالوطن في أثناء السير و بين قصد الاقامة في منتصف الطريق.

351

وجوب القصر في كل تلفيق (1) من الذهاب و الاياب و عدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد كما مر.

[مسألة 26: لو لم يكن من نيته في أول السفر الاقامة أو المرور على الوطن و قطع مقدارا من المسافة]

[2257] مسألة 26: لو لم يكن من نيته في أول السفر الاقامة أو المرور على الوطن و قطع مقدارا من المسافة ثم بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ثم عدل عما بدا له (2) و عزم على عدم الأمرين فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة فيقصّر إذا كان المجموع

____________

(1) تقدم ان التلفيق إذا كان من ذهاب المسافر من وطنه أو مقره إلى البلد و رجوعه منه إليه فإن كان متساويين فلا إشكال في وجوب القصر و إلّا فالأحوط وجوبا هو الجمع بين القصر و التمام، و أما إذا سافر الانسان إلى بلد يكون دون المسافة ثم بدا له أن يسافر منه إلى بلد آخر و يرجع من ذلك البلد إلى وطنه فإن كانا مجموع الذهاب من البلد الأول إلى الثاني و الاياب منه إلى الوطن مسافة شرعية وجب القصر و إن لم يكن الذهاب مساويا للإياب، و الّا فالتمام.

مثال ذلك: نجفي نوى السفر إلى أبي صخير- مثلا- فسافر إليه ثم بدا له أن يسافر إلى الشامية فسافر ثم رجع منها إلى النجف، فإن كان مجموع ذهابه من أبي صخير إلى الشامية و رجوعه منها إلى النجف بقدر المسافة كفى في وجوب القصر، و لا يكون هذا من موارد اعتبار التساوي بين الذهاب و الاياب لانصراف النصوص عن ذلك.

(2) مر انه لا بد من الفرق بين قصد الاقامة في أثناء الطريق قبل إكمال المسافة و بين المرور على الوطن قبل إكمالها حيث ان العزم على قصد الاقامة في نصف الطريق سواء أ كان في ابتداء السفر أم كان في أثنائه إذا انصرف عنه بعد ذلك و عدل و واصل سفره إلى أن أكمل المسافة فلا يضر.

فمن أجل ذلك لا بد من تخصيص المسألة بالمرور على الوطن.

352

مسافة و لو بعد إسقاط ما تخلل بين العزم الأول و العزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئا إشكال خصوصا في صورة التخلل، فلا يترك الاحتياط (1) بالجمع نظير ما مر في الشرط الثالث.

[الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراما]

الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراما، و إلا لم يقصّر سواء كان نفسه حراما كالفرار من الزحف و إباق العبد و سفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب (2) و سفر الولد مع نهي الوالدين في غير

____________

(1) بل الأقوى هو التمام لما مر من أن ما طواه المسافر من الطريق عند الحيرة و التردد لا يحسب من المسافة المحددة لأنه فاقد لما هو المعتبر في وجوب القصر و هو قصد طي المسافة و قطعها بالكامل، و أما إذا عرض عليه التحير و التردد بعد أن طوى شيئا من المسافة فهو قاطع للاتصال بين ما طواه من المسافة أولا و ما يطويه منها لاحقا فلا يمكن الاتصال بينهما لا حقيقة فإنه غير معقول، و لا تنزيلا فإنه بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه، فإن مقتضى روايات الباب أن موضوع وجوب القصر هو عزم المسافر طي المسافة بكاملها فلا تشمل ما نحن فيه، فمن أجل ذلك تكون وظيفته التمام.

نعم، إذا لم يقطع شيئا من الطريق عند الحيرة و التردد فحكمه القصر كما مر.

(2) في إطلاقه إشكال بل منع فإن سفرها إنما يكون محرما إذا كان موجبا لتفويت حق زوجها لا مطلقا، و أما إذا لم يكن موجبا لذلك فلا دليل على حرمته.

ثم ان السفر المحرم الموجب للتمام على أقسام:

الأول: أن يكون السفر بنفسه محرما كالفرار من الزحف، أو من أقسم أن لا يسافر في اليوم الفلاني، أو نهاه عنه من يجب عليه إطاعته كما إذا نهى المولى عبده عن السفر.

الثاني: أن يكون لغاية محرمة بأن يكون الغرض منه القيام بعمل محرم، كمن‌

353

الواجب (1)، و كما إذا كان السفر مضرا لبدنه (2) و كما إذا نذر عدم السفر مع رجحان تركه و نحو ذلك، أو كان غايته أمرا محرّما كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة أو للزنا أو لإعانة ظالم أو لأخذ مال الناس ظلما و نحو ذلك، و أما إذا لم يكن لأجل المعصية لكن تتفق في أثنائه مثل الغيبة و شرب الخمر و الزنا و نحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يجب التمام بل يجب معه القصر و الافطار.

[مسألة 27: إذا كان السفر مستلزما لترك واجب]

[2258] مسألة 27: إذا كان السفر مستلزما لترك واجب كما إذا كان مديونا و سافر مع مطالبة الديّان و إمكان الأداء في الحضر دون السفر و نحو ذلك

____________

سافر لقتل نفس محترمة، أو سرقة أو إعانة الظالم على ظلمه، أو للتجارة بالخمر أو لشربها أو نحو ذلك، و أما إذا كان المستهدف منه و الباعث عليه غاية محللة في نفسها و لكن صادف فعل الحرام أو ترك الواجب في أثناء السفر فلا يكون من السفر المحرم.

الثالث: أن يكون للفرار من أداء الواجب الشرعي عليه، كفرار الدائن عن أداء الدين مع قدرته على الأداء و سفر الزوجة داخل في هذا القسم إذا كانت الزوجة تستهدف منه تفويت حق زوجها الواجب عليها شرعا.

(1) في حرمته إشكال بل منع إذ لا دليل على أن نهي الوالدين بما هو نهي يوجب الحرمة.

نعم يجب عليه أن يعاشرهما معاشرة حسنة معروفة بمقتضى الكتاب و السنة، و لا تجب عليه تلك المعاشرة بالنسبة إلى غيرهما.

(2) في إطلاقه إشكال بل منع إذ لا دليل على حرمة الاضرار بالنفس بتمام مراتبها، فإن المحرم إنما هو حصة خاصة منها و هي إلقاء النفس في التهلكة أو ما يتلو تلوها.

354

فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصل إلى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الأول يجب التمام دون الثاني، لكن الأحوط الجمع في الثاني (1).

[مسألة 28: إذا كان السفر مباحا لكن ركب دابة غصبية أو كان المشي في أرض مغصوبة]

[2259] مسألة 28: إذا كان السفر مباحا لكن ركب دابة غصبية أو كان المشي في أرض مغصوبة فالأقوى فيه القصر (2)، و إن كان الأحوط الجمع.

____________

(1) بل الأقوى هو القصر لأن الهدف من السفر و الباعث عليه ليس هو ترك الواجب كأداء الدين مع القدرة عليه ليكون السفر معصية، بل كان الهدف منه أمرا محللا و مشروعا كزيارة الحسين (عليه السلام) أو زيارة الوالدين، أو عيادة مريض، أو إعانة مؤمن أو نحوها و لكن استلزم ذلك ترك واجب عليه و لا يصدق أن سفره بغاية المعصية ليكون مشمولا للنص.

(2) هذا إذا كان السفر من أجل غاية مباحة و لكن ركب سيارة غصبية، أو مرّ في أرض مغصوبة فإنه و إن كان آثما الّا أن سفره ليس سفر معصية فإن سفر المعصية متمثل في عنوانين ..

أحدهما: أن يكون السفر بنفسه حراما و معصية.

و الآخر: أن تكون الغاية منه فعل الحرام، أو ترك الواجب، و الجامع فعل المعصية، و حيث أن شيئا من العنوانين لا ينطبق عليه فلا يكون من سفر المعصية لأن سفره و هو ابتعاده عن بلدته بنفسه لا يكون حراما و لا الغاية منه محرمة و إنما استخدم فيه وسيلة محرمة، أو طريقا محرما، فيكون الحرام هو التصرف في الوسيلة أو الطريق و هو مقارن لسفره خارجا لا أنه عنوان أو غاية له.

نعم إذا سرق الشخص سيارة أو دابة من أحد و ركبها و فرّ بها من يد صاحبها، فالظاهر أن سفره هذا سفر معصية على أساس أن الغاية الباعثة عليه إنما هي الاستيلاء على أموال الآخرين غصبا و عدوانا و تمكين نفسه من التصرف فيها‌

355

[مسألة 29: التابع للجائر إذا كان مجبورا أو مكرها على ذلك]

[2260] مسألة 29: التابع للجائر إذا كان مجبورا أو مكرها على ذلك أو كان قصده دفع مظلمة أو نحوها من الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصّر، و أما إذا لم يكن كذلك بأن كان مختارا و كانت تبعيته إعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام و إن كان سفر الجائر طاعة، فإن التابع حينئذ يتم مع أن المتبوع يقصّر.

[مسألة 30: التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالا لأمره]

[2261] مسألة 30: التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالا لأمره، فإن عدّ سفره إعانة للظالم في ظلمه كان حراما و وجب عليه التمام و إن كان من حيث هو مع قطع النظر عن كونه إعانة مباحا، و الأحوط الجمع (1)، و أما إذا لم يعد إعانة على الظلم فالواجب عليه القصر.

[مسألة 31: إذا سافر للصيد]

[2262] مسألة 31: إذا سافر للصيد فإن كان لقوته و قوت عياله قصّر، بل و كذا لو كان للتجارة، و إن كان الأحوط فيه الجمع، و إن كان لهوا كما يستعمله أبناء الدنيا وجب عليه التمام (2)، و لا فرق بين صيد البرّ و البحر،

____________

فيدخل حينئذ في السفر لغاية محرمة.

(1) بل الأظهر هو التمام لأن سفره لما كان اعانة للظالم في ظلمه كما هو المفروض في المسألة فهو حرام يوجب التمام، فإذن لم يظهر وجه للاحتياط في المقام.

(2) لا شبهة في أصل وجوب التمام عليه و إنما الكلام في أن وجوبه هل هو بملاك أن سفره من أجل الصيد اللهوي و إن لم يكن محرما، أو من أجل أنه محرم و مبغوض، فعلى الأول لا تكون هذه المسألة من صغريات مسألة سفر المعصية، و على الثاني تكون من صغريات تلك المسألة؟ فيه وجهان:

الظاهر هو الثاني و ذلك لا من جهة قوله (عليه السلام) في موثقة عبيد بن زرارة: «يتم‌

356

..........

____________

لأنه ليس بمسير حق ...» (1) فإنه بنفسه لا يدل على أنه محرم إذ لا دليل على أن كل ما ليس بحق فهو حرام بل من جهة أنه تضييع للمال و تفويت لحق الآخرين.

بيان ذلك: ان السفر من أجل الصيد إن كان بغاية الانتفاع به شخصيا أو اجتماعيا فلا شبهة في جوازه، و قد دل عليه الكتاب و السنة، و إن كان بغاية اللهو و الترف كما هو المتعارف بين أبناء الدنيا من الملوك و الرؤساء و المترفين فهو بما أنه تضييع للمال و تفويت لحق الآخرين فيكون مبغوضا و محرما و مسير باطل على أساس أن الصيد في البر و البحر حق لكافة آحاد الأمة و لا يحق لأي واحد منهم أن يمنع الآخر من القيام به و بذل الجهد و العمل للاستيلاء عليه باعتبار أن صيد الحيوان البحري و البري من إحدى الثروات المنقولة المعترف بها عند الإسلام، و نسبة أفراد الأمة إليها بكافة أصنافهم نسبة واحدة و لا يسوغ لأي فرد منهم أن يقوم بالاحتكار بها و هو استيلاء الفرد و سيطرته على مساحات كبيرة من الثروات المذكورة بدون إنفاق عمل و بذل جهد في سبيل السيطرة عليها و منع الآخرين من الانتفاع بها في تلك المساحات و على هذا الأساس فيحق لكل فرد أن يقوم بصيد الحيوان البري أو البحري و بذل الجهد في سبيل السيطرة عليه بغاية الانتفاع به شخصيا أو اجتماعيا و لا يحق أن يقوم به بغاية التلهى و الترف فإنه تضييع للمال و الثروة المشتركة بين افراد الأمة و تفويت لحقهم على أساس أن الإسلام كما لا يسمح للاحتكار بها كذلك لا يسمح لتضييعها فإنه تضييع لحق الآخرين بها، فمن أجل ذلك تكون هذه الغاية مبغوضة و محرمة فالسفر من أجلها سفر معصية و هو باطل و ليس بحق.

و من هنا يظهر أن قوله (عليه السلام) في الموثقة: «لأنه ليس بمسير حق ...» لا يدل على الحرمة في نفسه إذ لا ملازمة بين إن كل ما ليس بحق فهو محرم فإن كل لهو‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 9 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 4.