تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
485 /
407

باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الاعادة أو القضاء قصرا (1)، و في عكس الصورتين بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف ينعكس الحكم فيجب الاعادة قصرا في الاولى و تماما في الثانية.

[مسألة 69: إذا سافر من وطنه و جاز عن حد الترخص ثم في أثناء الطريق وصل إلى ما دونه]

[2300] مسألة 69: إذا سافر من وطنه و جاز عن حد الترخص ثم في أثناء الطريق وصل إلى ما دونه إما لاعوجاج الطريق أو لأمر آخر كما إذا رجع لقضاء حاجة أو نحو ذلك فما دام هناك يجب عليه التمام، و إذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر إذا كان الباقي مسافة (2)، و أما إذا سافر من محل

____________

الترخص، فإنه إذا أراد إعادتها في هذا المكان لا بد من التمام، و إذا كان الانكشاف في ذلك المكان بعد خروج الوقت وجب عليه قضاؤها تماما، و أما إذا انكشف الخلاف بعد الوصول إلى حدّ الترخص أو قبله و لم يعد إلى أن بلغ الحدّ فحينئذ إن كان الوقت باقيا وجبت الاعادة قصرا، و إن خرج الوقت بعد البلوغ وجب القضاء قصرا، و لكن لا يبعد أن يكون مراد الماتن (قدّس سرّه) من المسألة هو الفرض الأول دون الثاني بقرينة أن وجوب الاعادة أو القضاء في الفرض الثاني قصرا أمر واضح غير خفي، و بذلك يظهر حال ما بعده من الصورتين.

(1) في وجوب القضاء في هذه الصورة إشكال بل منع لما مر، و سيأتي في ضمن المسائل الآتية أن من صلى تماما في موضع القصر جاهلا بالموضوع فإن انكشف الحال في الوقت أعاد و الّا فلا قضاء بمقتضى اطلاق صحيحة العيص بن القاسم.

(2) في التقييد إشكال بل منع و لا سيما إذا كان الوصول إلى ما دون حد الترخص من جهة اعوجاج الطريق كما قد يتفق ذلك في الطرق الجبلية، مثل ما إذا كانت هناك قرية في قمة جبل و قرية أخرى في سفحه و كان الطريق من الثانية إلى الأولى يتطلب الدوران حول الجبل عدة مرات، و حينئذ فإذا سافر شخص من‌

408

..........

____________

الثانية إلى الأولى خرج منها و ابتعد إلى أن يصل إلى الطرف الآخر من الجبل ثم يرجع إلى الطرف الأول و وصل إلى موضع يكون دون حد الترخص بالنسبة إلى قريته و هكذا إلى أن يصل إلى قرية أخرى في قمة الجبل فإن هذا الطريق إذا كان بقدر المسافة الشرعية كان قطعه يوجب القصر مع أنه في أثناء الطريق يصل إلى ما دون حد الترخص باعتبار أن الوصول إلى ما دون الحد ليس من أحد قواطع السفر كقصد الاقامة في مكان، فإن المقيم إذا سافر من بلدة إقامته إلى بلدة أخرى إذا كان بقدر المسافة المحددة يقصر و الّا يبقى على التمام، و هذا بخلاف ما دون حد الترخص من الطريق فإنه ليس من أحد القواطع و يحسب من المسافة، و قد مر أن المسافة الشرعية تحسب من آخر بيوت البلد غاية الأمر ان المسافر ما دام لم يصل إلى حد الترخص في الذهاب فوظيفته التمام، بل الأمر كذلك إذا كان الوصول إلى ما دون الحد من أجل غاية أخرى، كما إذا كان هناك طريقان إلى المقصد أحدهما يكون بخط مباشر، و الآخر بخط معوج.

مثال ذلك: نجفي أراد السفر إلى كربلاء فخرج من طريق الكوفة فإذا وصل إليها عرضت عليه حاجة فاضطر إلى أن يقطع المسافة إلى كربلاء من طريق ينتهى إلى حدود النجف و هي دون حد الترخص فبدأ في قطعها من هذا الطريق لقضاء حاجة له و واصل قطعها إلى أن يصل إلى كربلاء، فإن المسافة تحسب من مبدأ سفره و هو الخروج من النجف الأشرف و الابتعاد عنه باعتبار أن المجموع يعد سفرة واحدة و قد نواها من البداية إلى النهاية، نعم إذا رجع من الكوفة إلى ما دون حد الترخص للنجف لقضاء حاجة له ثم عاد إليها و واصل منها سفره إلى كربلاء لا يحسب مقدار الذهاب من الكوفة إلى ما دون الحد و الاياب إليها من المسافة المحددة باعتبار أن طي هذا المقدار من المسافة ذهابا و إيابا لا ينوي منها.

409

الاقامة و جاز عن الحد ثم وصل إلى ما دونه أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقي على التقصير، و إذا صلى في الصورة الاولى بعد الخروج عن حد الترخص قصرا ثم وصل إلى ما دونه فإن كان بعد بلوغ المسافة فلا إشكال في صحة صلاته، و أما إن كان قبل ذلك فالأحوط وجوب الإعادة (1)، و إن كان يحتمل الاجزاء إلحاقا له بما لو صلى ثم بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة.

[مسألة 70: في المسافة الدورية حول البلد دون حد الترخص في تمام الدور أو بعضه مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة يتم الصلاة]

[2301] مسألة 70: في المسافة الدورية حول البلد دون حد الترخص في تمام الدور أو بعضه مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة يتم الصلاة (2).

____________

فالنتيجة: ان مقتضى إطلاق الروايات التي تنص على وجوب القصر على من طوى المسافة المحددة شرعا و هي ثمانية فراسخ عدم الفرق بين أن يكون طيها أفقيا كالماشي راجلا أو راكب الدابة أو السيارة أو نحوها، أو عموديا كراكب الطائرة.

و على كلا التقديرين لا فرق بين أن يكون طي المسافة بخط مستقيم أو بشكل دائري و على الأول لا فرق بين أن يكون السير على خط مستقيم معتدل أو يكون على خطوط منكسرة غير معتدلة سواء أ كان على نحو السير في أطراف الجبل إلى أن يصل إلى القمة أم كان من أجل الصخور و المياه الموجبة لاضطرار المسافر إلى السير في خطوط معوجة و منكسرة.

(1) لكن الأقوى عدم وجوبها لما مر من أن حد الترخص إنما هو معتبر في الخروج من الوطن لا في الخروج عن محل الاقامة و محل المكث ثلاثين يوما مترددا، فإذا سافر المقيم عن محل إقامته أو محل مكثه ثلاثين يوما مترددا و بدأ بقطع المسافة و لو بخطوة واحدة فعليه أن يقصر.

(2) فيه إشكال بل منع، فإن المسافة الشرعية تحسب من آخر بيوت البلد‌

410

..........

____________

لا من حد الترخص، و على هذا فإن بلغ مجموع ما كان دون الحد و ما بعده بقدر المسافة الشرعية كفى في وجوب القصر و إن وصل إلى حد الترخص في أثناء المسافة باعتبار أن الوصول إلى حد الترخص لا يكون قاطعا للسفر و ليس المرور عليه كالمرور على الوطن.

فالنتيجة: ان المسافة الدورية إذا كان ما دون حد الترخص منها مع ما بعده بقدر المسافة المحددة شرعا كفى و لا يعتبر أن يكون ما بعد الحد وحده بقدر المسافة، و لكن كل ذلك شريطة صدق السفر العرفي.

411

[فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما]

فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما و هي أمور:

[أحدها: الوطن]

أحدها: الوطن، فإن المرور عليه قاطع للسفر و موجب للتمام ما دام فيه أو فيما دون حد الترخص منه، و يحتاج في العود إلى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة و لو ملفقة مع التجاوز عن حد الترخص، و المراد به المكان الذي اتخذه مسكنا و مقرا له دائما (1) بلدا كان أو قرية أو غيرهما،

____________

(1) في اعتبار الدوام إشكال بل منع، و الظاهر عدم اعتباره لأن المكان الذي هو مأوى الانسان و منزله على وجه الكرة الأرضية على أنواع.

الأول: المكان الذي هو وطنه و مسقط رأسه و عائلته تاريخيا أي عن أب وجد سواء أ كان ذلك المكان في بلدة أم قرية و ينسب إليه عرفا و إن كان ساكنا فعلا في بلدة أو قرية أخرى، فإنه ما دام يحتمل العود إليه في وقت ما و لم يبن على عدم العود مدى الحياة يعتبر ذلك المكان وطنا له شرعا و عرفا، و حكمه فيه أن يصلي الظهرين و العشاء تماما، و إذا وصل من السفر إليه انتهى سفره، و إذا خرج منه فهو سفر جديد فإن كان بقدر المسافة وجب القصر و الّا فالتمام، و إذا مر عليه أثناء السفر ينقطع سفره، و حينئذ فإن كان الباقي مسافة قصر و الا أتم، فكون المرور على الوطن من القواطع لا يحتاج إلى دليل، هذا مضافا إلى الروايات الكثيرة التي تؤكد على ذلك بمختلف الألسنة.

412

..........

____________

الثاني: المكان الذي يتخذه وطنا له مدى الحياة كالمهاجر من بلدة إلى أخرى و يتخذ الثانية منزلا و وطنا له دائما و مدى الحياة و يبنى على عدم العود إلى البلدة الأولى و إن كانت وطنه التاريخي و مسقط رأسه، كما إذا كان بغداد وطنه الأصلي و لكن قرر الهجرة إلى النجف الأشرف و البقاء مدى الحياة فيه مجاورا لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) فان النجف يعتبر وطنا له فحكمه فيه التمام، و إذا وصل إليه من السفر انتهى سفره، و إذا مر عليه أثناء السفر انقطع سفره، و حينئذ فإن كان الباقي مسافة قصّر و الّا فأتم.

الثالث: المكان الذي يتخذه مقرا و منزلا له مدة مؤقتة لا دائما على نحو لا يعتبر تواجده فيه سفرا كالطلاب المهاجرين من البلدان الأخرى إلى النجف الأشرف من أجل الدراسة، فإنهم يقررون البقاء فيه مدة طويلة نسبيا كأربع سنوات أو خمس أو أكثر فإن النجف حينئذ يعتبر بمثابة الوطن لهم و حكمهم التمام فيه، و إذا وصلوا إليه من السفر انتهى سفرهم، و إذا مروا عليه أثناء السفر انقطع سفرهم.

هذا إضافة إلى أن روايات الباب تشمل ذلك باطلاقها على أساس أن الوارد في لسان جملة منها عنوان المنزل الذي يستوطنه أو يسكنه و هذا العنوان ينطبق عليهم، و من هذا القبيل الطالب الجامعي الذي يتخذ بغداد- مثلا- مقرا له مدة مؤقتة طويلة كأربع سنوات أو أكثر من أجل اكمال دراسته، فإن بغداد تعتبر بمثابة الوطن له و حكمه فيه التمام، و إذا مر عليه أثناء السفر انقطع سفره.

الرابع: من كان بيته معه كأهل البادية فإنه ينتقل من مكان إلى آخر و يسكن فيه بقدر ما تفرض عليه متطلبات حياته اليومية و اشباعها فيه ثم ينتقل إلى مكان آخر و هكذا فهو ممن لا وطن له بالمعنى المتقدم من المعاني الثلاثة و لكن ليس بمسافر أيضا، بل هو في كل مكان يسكن فيه على أساس تحكم ظروفه الوقتية،

413

سواء كان مسكنا لأبيه و أمه و مسقط رأسه أو غيره مما استجدّه، و لا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصول ملك له فيه، نعم يعتبر فيه الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا أنه وطنه، و الظاهر أن الصدق المذكور يختلف بحسب الأشخاص و الخصوصيات، فربما يصدق بالاقامة فيه بعد القصد المزبور

____________

فهذا المكان بمثابة وطن له، و نظير ذلك من أعرض عن بلدته الأصلية و لم يتخذ وطنا جديدا لسكناه مدى الحياة أو سنين عديدة، كما إذا فرضنا أن وظيفته في كل بلدة لا تتطلب أكثر من السكنى فيها سنة أو أقل كالموظف الحكومي الذي إذا افترض أنه قد أعرض عن السكنى في وطنه الأصلي مدى الحياة و لم يتخذ وطنا جديدا أيضا فيتبع وظيفته فهو بحكم وظيفته ينتقل من بلد إلى آخر و لم يقرر أي بلد وطنا له على أساس أنه يعلم بأن وظيفته تفرض عليه الانتقال إلى بلد آخر من جهة أنها لا تدوم أكثر من سنة فلا يستطيع أن يتحكم في ظروفه، فمن أجل ذلك يعتبر البلد الذي فيه بيته و سكناه بمثابة وطن له فلا يعتبر فيه مسافرا.

و هذه هي أنواع الوطن و أقسامه و تشترك هذه الانواع في الأحكام التالية:

أولا: حكم المتواجد فيها التمام و الصيام.

ثانيا: انتهاء السفر بالوصول إليها حقيقة.

ثالثا: انقطاع السفر موضوعا بالمرور عليها.

و لا فرق في ثبوت هذه الأحكام و ترتبها على المتواجد فيها بين أن يكون له ملك فيها من دار أو عقار أو بستان أو لا، لأن الملك غير دخيل فيما هو ملاك صدق الوطن و المنزل.

فالنتيجة: ان التواجد في الوطن بأحد هذه الأنحاء يوجب الحكم بالتمام، فإذا سافر و خرج منه و وصل إلى حدّ الترخص وجب القصر شريطة أن يكون بقدر المسافة و أن لا يكون معصية و لا عملا له.

414

شهرا أو أقل (1)، فلا يشترط الاقامة ستة أشهر و إن كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر و التمام إذا لم ينو إقامة عشرة أيام.

[مسألة 1: إذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجدّ و توطّن في غيره]

[2302] مسألة 1: إذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجدّ (2) و توطّن في غيره (3) فإن لم يكن له فيه ملك أصلا أو كان و لم يكن قابلا للسكنى كما

____________

(1) بل الظاهر اناطة الصدق بنية التوطن بأحد الانحاء المتقدمة و الاستقرار فيه و لا يتوقف على الاقامة فيه مدة، فإذا نوى التوطن و استقر فيه بهذه النية صدق انه مستوطن و ليس بمسافر حيث ان الموجب لتحققه و صدقه انما هو استقراره فيه بالنية المذكورة بلا دخل للإقامة فيه مدة كشهر أو أقل، بل لا تكفى مدة كثيرة بدون نية التوطن كسنة أو أزيد فإنها لا تجدي في ترتيب أحكام الوطن عليه و انتهاء كونه مسافرا فيه ما لم ينو البقاء فيه مدى الحياة أو مدة طويلة كأربع سنين أو أكثر.

فاذن لا أثر للإقامة في بلد مدة بدون اتخاذه وطنا له و لو مؤقتا و معه لا حاجة إليها و مع ذلك كانت رعاية الاحتياط أولى و أجدر، و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن (قدّس سرّه).

(2) تقدم أنواع الوطن من الأصلي و المستجد بتمام أنحائه و لا يتوقف صدق شي‌ء منها على الملك، كما أن الاعراض عنه نهائيا و عدم العود إليه مدى الحياة يؤدي إلى زوال صفة الوطن عنه بلا فرق بين الأصلي و المستجد.

(3) لا يتوقف قصد التوطن على الاعراض عن الوطن الأصلي أو المستجد، و لا مانع من الجمع بين الأمرين كالنجفي إذا اتخذ بغداد وطنا ثانيا له بأن يقرر البقاء فيه مدة لا تقل عن أربع سنوات أو أكثر من أجل مهنة كالدراسة أو نحوها و بعد انتهائها يعود إلى بلده فإنه ذو وطنين أحدهما النجف و الآخر بغداد، أو يتخذ مقرا صيفيا له في بلد يبقى فيه ستة أشهر مثلا ثم يعود إلى بلده الشتوي و يبقى فيه أيضا كذلك ما دام في قيد الحياة، أو مدة طويلة، فإنه يعتبر كلا البلدين‌

415

إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلا له و لكن لم يسكن فيه ستة أشهر بقصد التوطن الأبدي (1) يزول عنه حكم الوطنية، فلا يوجب المرور عليه

____________

وطنا له، أو يكون عنده زوجتان في بلدين كالنجف و كربلاء مثلا و يبقى عند احداهما في أحد البلدين مدة ثم يعود إلى البلد الآخر و يبقى عند الأخرى مدة على التناوب بشكل دائمي أو مؤقت لا يقل عن أربع سنين أو أكثر، و حينئذ فيعتبر كلا البلدين بمثابة الوطن له.

(1) بل و إن سكن فيه ستة أشهر لما مر من أن التوطن إنما يتحقق باتخاذ البلد وطنا له ما دام حيا، أو إلى أمد بعيد كأربع سنوات أو أكثر، و لا يكفي في صدق التوطن أن يسكن في بلد ستة أشهر بل و لا سنة أو أكثر.

نعم قد نسب إلى المشهور أن هنا قسما خامسا من الوطن و سموه بالوطن الشرعي حيث يمتاز عن الوطن العرفي بعدة أمور ..

الأول: ان الوطن الشرعي يحصل بالسكنى في بلد أو قرية ستة أشهر دون الوطن العرفي كما مر.

الثاني: ان الوطن الشرعي منوط بوجود ملك يسكن فيه متواصلا في المدة المذكورة دون العرفي.

الثالث: ان حكم الوطن لا يزول عن الوطن الشرعي بالاعراض عنه دون العرفي، و من هنا اذا مر عليه المسافر أثناء سفره انقطع سفره و إن أعرض عنه هذا.

و لكن الكلام إنما هو في إثبات ذلك بالدليل، و عليه فحريّ بنا ان ننظر إلى الروايات الواردة في أطراف المسألة و هي متمثلة في ثلاث طوائف:

الأولى: تنص على وجوب التمام على من نزل أثناء سفره في ملكه من قرية أو أرض منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن الفضل: «إذا نزلت قراك و أرضك فاتم الصلاة و إذا كنت في غير أرضك فقصر ...». (1)

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

416

..........

____________

و منها: موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها؟ قال: يتم الصلاة و لو لم يكن له الّا نخلة واحدة، و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها ...».

(1) و منها: غيرهما من النصوص.

الثانية: تنص على وجوب التمام في ملكه شريطة الاستيطان و الاسكان فيه.

منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن يقطين عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) انه قال: «كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير ...».

(2) و منها: قوله (عليه السلام) في صحيحته الأخرى: «كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك أن تتم فيه».

(3) و منها: قوله (عليه السلام) في صحيحته الثالثة «ان كان مما سكنه أتم فيه الصلاة، و ان كان مما لم يسكنه فليقصر».

(4) و منها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر إنما هو المنزل الذي توطنه ...».

(5) و منها: غيرها من الروايات.

الثالثة: تنص على وجوب التمام في ملكه شريطة الاستيطان فيه ستة أشهر متواصلة و هي متمثلة في صحيحة إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل يقصر في ضيعته؟ قال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام الّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: أن يكون منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها ...».

(6) ثم ان الطائفة الأولى تصنف إلى صنفين يدل أحدهما كصحيحة إسماعيل‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

(2) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(3) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 6.

(4) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 9.

(5) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 8.

(6) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 11.

417

..........

____________

و موثقة عمار المتقدمتين بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن الحكم بالتمام عليه في القرية و الأرض إنما هو بملاك الاضافة الوطنية لا الملكية، و تؤكد ذلك موثقة عمار، فإن جواب الامام (عليه السلام) فيها ناص في أن المراد من القرية التي يمر عليها الرجل في أثناء سفره هو وطنه بقرينة قوله (عليه السلام): «يتم الصلاة و لو لم يكن له الّا نخلة واحدة ...» و أما استثناء نخلة واحدة فلعله من أجل التأكيد على أنه لم يعرض عنها بعد و الّا لا يوجب المرور عليها التمام.

فالنتيجة: ان هاتين الروايتين لا تدلان على أن مجرد الملك في قرية أو بلد يوجب التمام و إن لم تكن تلك القرية أو ذلك البلد وطنا له، بل هما تؤكدان على أن المرور فيها مرور على أرض الوطن و دخول فيها.

و الآخر كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحة عمران بن محمد فإنهما و إن كانتا تدلان على كفاية ملك الضيعة في وجوب التمام إذا وصل صاحبها إليها ما دام فيها الّا أن مناسبة الحكم و الموضوع عرفا تقتضي أنها مقر له على أساس أنها ليست ضيعة متروكة، بل يظهر منهما أنها مورد لمتطلبات حياته اليومية، فمن أجل ذلك كان يمر عليها في طول السنة بشكل مستمر، فإذن وجوب التمام فيها ليس من جهة الملك فقط بل بسبب أنها مقر له فيكون حكمها حينئذ حكم الوطن.

لحد الآن قد تبين أن هذه الطائفة لا تعارض الطائفة الثانية لعدم التنافي بينهما.

و مع الاغماض عن ذلك فتكون نسبة هذه الطائفة إلى الثانية نسبة المطلق إلى المقيد على أساس أن الأولى تدل على كفاية وجود الملك في قرية أو بلد في وجوب التمام سواء استوطن فيه أم لا، و الثانية تدل على ذلك شريطة الاستيطان‌

418

..........

____________

فيه.

و دعوى: ان الطائفة الأولى بما أنها معارضة للطائفة الثانية فلا بد من طرحها أو حملها على التقية، أما الأول فمن أجل أنها مخالفة للسنة القطعية و هي الروايات الدالة على وجوب القصر البالغة حد التواتر إجمالا شريطة عدم تخلل سفره في الأثناء بأحد القواطع. و أما الثاني فلأنها موافقة للعامة ...

مدفوعة: أما أولا: فلما مر من أنه لا معارضة بينهما، و على تقدير المعارضة فهي غير مستقره لإمكان الجمع الدلالي العرفي بحمل المطلق على المقيد.

و أما ثانيا: فلأن مخالفتها مع الروايات الدالة على وجوب القصر ليست على نحو التباين أو العموم من وجه، بل هي على نحو الاطلاق و التقييد، و من المعلوم ان هذه المخالفة لا توجب سقوط المقيد عن الاعتبار حتى فيما إذا كان مخالفا لإطلاق الآيات فضلا عن الروايات. نعم انها توجب الغائها في مقام المعارضة مع ما يكون موافقا لها، و الفرض أن الطائفة المعارضة أيضا تكون مخالفة لها بالاطلاق و التقييد. هذا كله في الشق الأول.

و أما الثاني: فلأنها موافقة لقول بعض العامة و مخالفة لقول الآخر، و حينئذ فلا مبرر للحمل على التقية، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: ان المتفاهم العرفي من الطائفة الثانية هو التوطن بأحد المعاني المتقدمة لوضوح أن مفهوم الوطن مفهوم عرفي و هو المتبادر منها دون معنى آخر في مقابله إذ ارادة معنى آخر من الاستيطان فيها دون المعنى العرفي المتبادر بحاجة إلى قرينة، و لا قرينة لا في نفس تلك الطائفة و لا في الخارج.

و أما الطائفة الثالثة التي هي متمثلة في صحيحة ابن بزيع فاستفادة الوطن الشرعي منها في مقابل الوطن العرفي في غاية الاشكال بل المنع، لأن تحديد‌

419

..........

____________

الامام (عليه السلام) كلمة الاستيطان بقوله: «ألا أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ...» (1)

لا يدل على أنه (عليه السلام) في مقام بيان تحديد معنى آخر لكلمة الاستيطان و هو المعنى الشرعي في مقابل المعنى العرفي. بل لا يبعد دعوى ظهور ذلك في الاستيطان العرفي بمناسبة أنه طبعا يتردد على ضيعته في طول السنة و إذا كان له فيها منزل فطبعا يبقى فيه بين وقت و آخر و فصل و آخر لا أن سفره فيها كان اتفاقيا و بما أن له وطنا أصليا و هو بلدته الساكن فيها فإذا ذهب إلى ضيعته يقصر شريطة أمرين ..

أحدهما: أن لا يقصد إقامة عشرة أيام فيها.

و الآخر: أن لا يكون فيها منزل يستوطنه، ثم سأل عن الاستيطان أي ما يتحقق به، و أجاب (عليه السلام): «أن يكون منزل يقيم فيه ستة أشهر ...» فإن الظاهر منه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن يقيم في منزلة فيها ستة أشهر في دورة كل سنة باعتبار أن تردده على ضيعته لا ينحصر بسنة واحدة لأن نسبة الحاجة التي تدعو إلى تردده عليها و هي متطلبات حياته إلى الستين المتتالية على حد سواء ما دامت ضيعته في قيد الحياة، فإذن حملها على ستة أشهر مرة واحدة متصلة خلاف هذه المناسبة الارتكازية، و إذا كان صاحب الضيعة بانيا على أن يعيش في منزله فيها ستة أشهر طول السنة كان ذا وطنين، و حينئذ متى دخل فيها يتم لأنها وطنه كما نص عليه ذيل الصحيحة.

و من هنا يظهر أن التحديد بستة أشهر مبني على الغالب و المتيقن إذ قد يحصل بأقل من ذلك باعتبار أن الامام (عليه السلام) ليس في مقام التحديد الواقعي حيث أن المرجع فيه هو العرف العام دون الامام (عليه السلام)، بل هو في مقام بيان حكم ذي الوطنين و انه إذا صنع ذلك صار ذا وطنين، و تؤكد ما ذكرناه اناطة وجوب التمام في الصحيحة على صاحب الضيعة بأمرين ..

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 11.

420

قطع حكم السفر، و أما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه بعد اتخاذه وطنا له دائما ستة أشهر فالمشهور على أنه بحكم الوطن العرفي و إن أعرض عنه إلى غيره، و يسمونه بالوطن الشرعي و يوجبون عليه التمام إذا مرّ عليه ما دام بقاء ملكه فيه، لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض، فالوطن الشرعي غير ثابت، و إن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن و غيره عليه، فيجمع فيه بين القصر و التمام إذا مر عليه و لم ينو إقامة عشرة أيام، بل الأحوط الجمع إذا كان له نخلة أو نحوها مما هو غير قابل للسكنى و بقي فيه بقصد التوطن ستة أشهر (1)، بل و كذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطن بل بقصد التجارة مثلا.

____________

أحدهما: بالاقامة.

و الآخر: بالاستيطان، و لو لا سؤال ابن بزيع مرة ثانية عن الاستيطان لكان المتفاهم عرفا منه هو الوطن العرفي، و من المعلوم ان سؤاله ثانيا انما هو عما يتحقق به الوطن العرفي حيث ان الوطن الشرعي ليس أمرا معهودا، فإذن لا محالة يكون جواب الامام (عليه السلام) جوابا عن السؤال لا بيانا لأمر آخر.

و من هنا لا يفهم من جوابه (عليه السلام) الّا بيان ما يتحقق به الوطن العرفي.

فالنتيجة: ان استفادة الوطن الشرعي في مقابل الوطن العرفي من الصحيحة في غاية الاشكال بل المنع لأنها لو لم تكن ظاهرة في بيان الوطن العرفي فلا شبهة في أنها غير ظاهرة في بيان الوطن الشرعي، بل هي مجملة فلا يمكن الاستدلال بها.

(1) فيه إشكال بل منع فانه على تقدير القول بثبوت الوطن الشرعي و دلالة الصحيحة عليه فهي لا تدل على اعتبار قصد التوطن الأبدي فيه، بل ظاهرها كفاية قصد التوطن ستة أشهر فقط و إن لم يكن قاصدا له مدى الحياة أو مدة طويلة.

421

[مسألة 2: قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي و أنه منحصر في العرفي]

[2303] مسألة 2: قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي و أنه منحصر في العرفي فنقول: يمكن تعدد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبدا (1) في كل منهما مقدارا من السنة بأن يكون له زوجتان مثلا كل واحدة في بلدة يكون عند كل واحدة ستة أشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة أيضا بل لا يبعد الأزيد أيضا.

[مسألة 3: لا يبعد أن يكون الولد تابعا لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض]

[2304] مسألة 3: لا يبعد أن يكون الولد تابعا لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض (2)

____________

(1) في اعتبار قصد السكنى أبدا إشكال بل منع لما مر من كفاية اتخاذ كل من البلدين وطنا و مقرا له مؤقتا كمدة أربع سنوات أو خمس، مثل ان يتخذ أحدهما مقرا و مسكنا صيفيا له و يسكنه خمسة أو أربعة أشهر في السنة و الآخر مقرا و مسكنا شتويا له يسكن فيه شتاء و إذا وصل إلى أي منهما انتهى سفره و يكون من المتواجد في الوطن، بل لا مانع من اتخاذ شخص أكثر من بلدين وطنا له، كما إذا كان عنده أربع زوجات في أربعة بلاد كالنجف و كربلاء و حلة و بغداد مثلا و يبقى لدى كل واحدة منها مدة على التناوب مدى الحياة أو إلى أمد طويل نسبيا.

(2) الظاهر عدم كفاية ذلك على أساس أنه ما دام يكون تابعا لهما كالأطفال و الصبيان الذين يعيشون في كنف و الدهم فلا قصد و لا قرار لهم حتى تبعا لقصد والدهم و قراره باعتبار أن قرار الوالد هو قرار له بتمام متعلقاته و شئونه، و أما إذا بلغ التابع سن الرشد الذي يؤهله لاتخاذ مثل هذا القرار، و حينئذ فإن اتخذ قرارا مماثلا لقرار المتبوع بحكم تبعيته كالزوجة بالنسبة إلى زوجها فهو وطن و مقر له أيضا، و إن اتخذ قرارا مخالفا لقراره بأن اعرض عنه و اتخذ مكانا آخر وطنا له كالولد بعد سن الرشد اتخذ بلدا آخر وطنا له و اعرض عن بلد والده فعليه أن يعمل على طبق قراره، و أما إذا غفل بعد بلوغه سن الرشد عن التوطن في وطن والده فيكون حكمه‌

422

بعد بلوغه (1) عن مقرّهما و إن لم يلتفت بعد بلوغه إلى التوطن فيه أبدا (2)، فيعد وطنهما وطنا له أيضا إلا إذا قصد الاعراض عنه سواء كان وطنا أصليا لهما و محلا لتولده أو وطنا مستجدا لهما كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي و اتخذا مكانا آخر وطنا لهما و هو معهما قبل بلوغه ثم صار بالغا، و أما إذا أتيا بلدة أو قرية و توطّنا فيها و هو معهما مع كونه بالغا فلا يصدق وطنا له إلا مع قصده بنفسه.

[مسألة 4: يزول حكم الوطنية بالاعراض و الخروج و إن لم يتخذ بعد وطنا آخر]

[2305] مسألة 4: يزول حكم الوطنية بالاعراض و الخروج و إن لم يتخذ بعد وطنا آخر، فيمكن أن يكون بلا وطن مدة مديدة.

[مسألة 5: لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه]

[2306] مسألة 5: لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه، فلو غصب دارا في بلد و أراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له، و كذا إذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام أو كان منهيا عنه من أحد والديه أو نحو ذلك.

[مسألة 6: إذا تردد بعد العزم على التوطن أبدا]

[2307] مسألة 6: إذا تردد بعد العزم على التوطن أبدا فإن كان قبل أن

____________

التمام لعدم صدق المسافر عليه ما دام لم يعرض عنه و إن لم يصدق ان وطن الوالد وطنه على أساس أنه منوط بالقصد.

(1) لا وجه للتقييد بالبلوغ حيث أنه لا دليل على أن التبعية مستمرة إلى زمان البلوغ في كنف والدهم شرعا، و عليه فبطبيعة الحال تكون مقيدة بما إذا بلغ سن الرشد فإنه حينئذ يكون مؤهلا لاتخاذ القرار المماثل أو المخالف دون من لم يبلغ ذلك السن فإنه ليس مؤهلا لذلك فيكون تابعا كالطفل الذي يعيش في كنف والده.

(2) تقدم أن صدق الوطن لا يتوقف على التوطن دائما و أبدا فإنه كما يتحقق به كذلك يتحقق بقصد التوطن مؤقتا و إلى أمد بعيد.

423

يصدق عليه الوطن عرفا (1) بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق فلا

____________

(1) مر أن صدق الوطن الاتخاذي في بلد لا يتوقف على البقاء فيه مدة، بل يكفى العزم على جعله وطنا و مقرا له، فإن من يهاجر من وطنه الأصلي إلى بلد ناء طلبا للرزق و الكسب، أو من يهاجر من أجل العلم و طلبه كالذي يقصد النجف الأشرف فإن كلا من هذا أو ذاك إذا بنى على السكنى في مهجره أمدا طويلا كأربع سنوات أو أكثر و هيّأ متطلبات حياته الاعتيادية و بدأ فيها و استقر صدق انه وطنه و مستقره شريطة أن يواصل استيطانه، و أما إذا تردد في الاثناء بالاعراض عنه و عدم البقاء فيه، كما إذا تردد بعد أشهر أو سنة فيكشف عن عدم تحقق الوطن و المقر له، و إنما الكلام في أن حكمه التمام أو القصر، الظاهر هو الأول و ذلك للشك في أنه مسافر فيه أو لا، على أساس أنه إن كان عازما على عدم البقاء فيه فهو مسافر بعد و إن كان عازما على البقاء فيه فهو متواجد في وطنه و بما انه متردد في ذلك فبطبيعة الحال يكون صدق المسافر عليه مشكوكا فلا يمكن حينئذ التمسك باطلاق دليل وجوب القصر على المسافر لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فعندئذ يكون المرجع العام الفوقي و هو عموم دليل وجوب التمام على كل مكلف الا المسافر شريطة أن لا يكون سفره معصية، و أن لا يكون السفر عمله، و أن لا يقيم في بلد عشرة أيام، فإذن لا بد من إحراز عنوان المسافر، و بما أنه غير محرز فوظيفته التمام و إن كان التردد بعد تحقق الوطن بأحد الانحاء السابقة فلا أثر له و لا يخرج عن كونه وطنا له.

نعم إذا بنى على عدم البقاء فيه جزما في الاثناء، كما إذا بنى على الخروج منه بعد أشهر أو سنة فإنه يكشف عن انه مسافر لحد الآن فحكمه القصر، و أما بالنسبة إلى ما صلّاه تماما فإن كان في الوقت فعليه إعادتها قصرا و إن كان بعد الوقت لم يجب القضاء.

424

إشكال في زوال الحكم (1) و إن لم يتحقق الخروج و الاعراض، بل و كذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد (2)، و أما في الوطن الاصلي إذا تردد في البقاء فيه و عدمه ففي زوال حكمه قبل الخروج و الإعراض إشكال (3) لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم فالأحوط الجمع بين الحكمين.

[مسألة 7: ظاهر كلمات العلماء (رضوان اللّه عليهم) اعتبار قصد التوطن أبدا في صدق الوطن العرفي]

[2308] مسألة 7: ظاهر كلمات العلماء (رضوان اللّه عليهم) اعتبار قصد التوطن أبدا في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنه مشكل (4) فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك، و الأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.

[الثاني من قواطع السفر: العزم على إقامة عشرة أيام متواليات]

الثاني من قواطع السفر: العزم على إقامة عشرة أيام متواليات (5) في

____________

(1) ظهر ان حكمه و هو وجوب التمام لم يزل بالتردد.

(2) مر أن التردد و التفكير بعد تحقق الوطن بأحد الأوجه المتقدمة لا أثر له، بل لا أثر للعزم على عدم البقاء حينئذ فضلا عن التردد ما لم يخرج مسافرا إلى بلد آخر، و لا فرق من هذه الناحية بين الوطن الأصلي و الوطن المستجد الدائمي أو المؤقت.

(3) بل لا إشكال في عدم الزوال حيث لا يخرج عن كونه وطنا بالتردد و التفكير، بل لا يخرج بالعزم على عدم البقاء ما دام فيه و لم يتلبس بالخروج فعلا.

(4) تقدم انه لا يعتبر في صدق الوطن العرفي قصد التوطن دائما و أبدا، بل يكفى قصده مؤقتا إلى أمد بعيد كأربع سنوات أو أكثر.

(5) مر أن قرار الاقامة في بلد أو قرية لا يكون قاطعا للسفر و إنما هو قاطع لحكمه فإن المقيم مسافر عرفا، و بما أن الاقامة تقطع حكمه فعليه أن يتم و لا يقصر الا إذا بدأ سفرا جديد.

425

..........

____________

ثم ان الاقامة تنهى حكم السفر شريطة أمور ..

الأول: أن يكون عالما و متأكدا من الاقامة عشرة أيام في مكان من بلدة أو قرية أو ضيعة و لا فرق بين أن يكون هذا العلم و الثقة ناشئا من اختياره و إرادته البقاء فيها، أو من اضطراره، أو ظروفه التي تحكم عليه فإنها لا تسمح بمغادرة المكان كالسجين مثلا.

فالنتيجة: أنه مهما توفر للمسافر اليقين أو الاطمئنان بالبقاء في مكان عشرة أيام سواء أ كان بالاختيار أم كان بالاضطرار أم بحكم ظروفه التي لا تسمح له بالمغادرة وجب عليه التمام و مع الشك في البقاء بل مع الظن به كما إذا كان راغبا في البقاء في مكان لجماله و طيب مناخه و لكنه يتوقع بعض الطوارئ في الاثناء يمنع عن مواصلة البقاء فيه فلا يعتبر مقيما إذ لا يقين له بأنه سيبقى، و هذا هو مقتضى إطلاق مجموعة من الروايات التي تنص على ذلك.

منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إذا دخلت أرضا فأيقنت ان لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة، و إن لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين أن يمضى شهر، فإذا تم لك شهر فاتم الصلاة ...». (1) فإنه يدل بوضوح على أنه مهما توفر له اليقين بالبقاء عشرة أيام في موضع فحكمه التمام فيه، و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون ذلك اليقين بارادته و اختياره أم لا كالسجين مثلا.

الثاني: ان الوارد في روايات الباب عنوان المقيم عشرة أيام أو ما بمعناه، و المتبادر من عشرة أيام هو عشرة نهارات و تدخل في ضمنها لياليها، كما ان المتبادر منها في المقام بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أعم من النهارات التامة و الملفقة حيث أنها تقتضى ان المراد من اقامة عشرة أيام اقامة فترة زمنية‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 15 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 9.

426

..........

____________

تساوي عشرة أيام غاية الأمر أنّ الايام العشرة ان كانت تامة كمن نوى الاقامة في بلد من طلوع الفجر من اليوم الاول من الشهر إلى الغروب من اليوم العاشر دخلت في ضمنها تسع ليال، و إن كانت ملفقة كما إذا نوى الاقامة من منتصف النهار من اليوم الأول من الشهر إلى منتصف النهار من اليوم الحادي عشر دخلت في ضمنها عشرة ليال.

و من هنا يظهر انه لا يعتبر قصد العشرة بعنوانها و بالخصوص، بل يكفى قصد البقاء في مكان فترة زمنية تساوي العشرة و إن لم يعلم بالتساوي، كما إذا قصد البقاء إلى آخر الشهر الشمسي و كان الباقي من الشهر عشرة أيام أو أزيد و إن لم يعلم بذلك القاصد فإن المعيار إنما هو بقصد البقاء مدة تساوي العشرة في الواقع سواء علم بالتساوي أم لا، و نقصد بتساوي المدة لعشرة أيام تساويها لعشرة نهارات تامة أو ملفقة مع لياليها، و من هنا لا يكفى أن ينوى الاقامة من بداية الليلة الأولى من الشهر إلى نهاية الليلة العاشرة لأن هذه الفترة التي نوى البقاء فيها لا تشتمل على عشرة نهارات.

الثالث: ان المراد من مكان الاقامة في بلد أو قرية هو محل مبيته و مأواه و مسكنه و محط رحله، فإن هذا المعنى هو المتفاهم عرفا من روايات الباب، و هذا لا ينافي خروجه من البلد إلى ضواحيه و بساتينه، بل إلى ما دون المسافة شريطة أن لا يبيت فيه، كما إذا نوى الاقامة في النجف الشرف و في الاثناء خرج إلى الكوفة للزيارة أو لغاية أخرى ساعة أو ساعتين أو أكثر ثم رجع إلى النجف، فإنه لا يمنع عن صدق ان محل إقامته هو النجف، بل لا يمنع عن ذلك الخروج إلى ما دون المسافة كما مر.

و من هنا يظهر انه لا مانع من أن ينوي الذهاب إلى الكوفة في كل يوم حين‌

427

مكان واحد من بلد أو قرية أو مثل بيوت الأعراب أو فلاة من الأرض أو العلم بذلك و إن كان لا عن اختيار، و لا يكفي الظن بالبقاء فضلا عن الشك، و الليالي المتوسطة داخلة بخلاف الليلة الاولى و الأخيرة، فيكفي عشرة أيام و تسع ليال، و يكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الأصح، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى و يجب عليه الاتمام، و إن كان الأحوط الجمع، و يشترط وحدة محل الاقامة، فلو قصد الاقامة في أمكنة متعددة عشرة أيام لم ينقطع حكم السفر كأن عزم على الاقامة في النجف و الكوفة أو في الكاظمين و بغداد، أو عزم على الاقامة في رستاق من قرية إلى قرية من غير عزم على الاقامة في واحدة منها عشرة أيام، و لا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط بعد كون

____________

ينوي الاقامة في النجف شريطة أن لا يبيت في الكوفة، إذ ما دام يكون مبيته و مأواه و محط رحله في النجف فلا تضر النية المذكورة، و لذا لو سأله سائل أين نزلت في سفرك هذا؟ لقال نزلت في بيت فلان أو الفندق الفلاني في النجف الأشرف.

فالنتيجة: ان الخروج عن محل الاقامة بما دون المسافة في مدة محدودة كساعة أو ساعتين أو أكثر ثم الرجوع إليه لا يضر بعنوان المقيم عشرة أيام في بلدة أو قرية.

الرابع: ان قصد الاقامة لا بد أن يكون في بلدة أو قرية واحدة طيلة عشرة أيام كما هو الظاهر من روايات الباب، فلا يكفى أن يقصد الاقامة في بلدين أو قريتين بأن يعزم هنا خمسة أيام و هناك خمسة أخرى أو أقل أو أكثر، و لا فرق في ذلك بين البلاد الكبيرة و الصغيرة كما هو مقتضى اطلاق كلمة (بلدة) الواردة في روايات المسألة.

428

المجموع بلدا واحدا كجانبي الحلة و بغداد و نحوهما، و لو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الاقامة في المحلة منه إذا كانت المحلات منفصلة (1)، بخلاف ما إذا كانت متصلة إلا إذا كان كبيرا

____________

(1) فيه إشكال بل منع لأن المحلات إذا كانت محلات لبلد اعتبرت امتدادا له، و إن كانت منفصلة عنه كالإحياء السكنية في ضواحي بغداد مثل الثورة و البياع و ما شاكلهما فإنهما يعتبران جزء من مدينة بغداد و إن كانت منفصلة عنها حين إنشائهما و اتصلت بها تدريجا، و يترتب على ذلك أن البغدادي إذا سافر إلى الحلة مثلا و رجع إلى البياع انقطع سفره بذلك لأنه وصل إلى بلدته و وطنه، و إذا أقام عشرة أيام في البياع و خرج منه إلى مدينة الثورة أو إلى مناطق أخرى لم يكن ذلك خروجا عن بلد الاقامة على أساس أن الاقامة بعشرة أيام في كل منطقة من مناطق بغداد اقامة فيه، و من هنا لا مانع من الاقامة في بغداد موزعة على محلاته و مناطقه و أحيائه.

فالنتيجة: أن ما يبنى حوالى بغداد و أطرافه من الأحياء السكنية الجديدة المتصلة به فعلا، أو تتصل به تدريجا تعتبر امتدادا و توسعة له و إن بلغ البلد من التوسعة و الكبر بما هو خارج عن المتعارف، و لكن مع ذلك يعتبر بلدا واحدا بتمام أحيائه و مناطقه، كما أنه لا عبرة باتصال البلاد على أثر توسعة العمران إذا كان لكل واحد منها استقلاله و وضعه الخاص به تاريخيا كالكاظمية و بغداد، و الكوفة و النجف، و مدينة ري و طهران، فإن عمران هذه البلاد متصلة بعضها ببعضها الآخر فمع ذلك لا يعتبر المجموع بلدا واحدا، و يترتب عليه انه إذا سافر نجفي إلى كربلاء و وصل إلى الكوفة ايابا لم ينقطع بذلك سفره، و إذا أراد أن يصلي في الكوفة صلى قصرا، نعم إذا أدى اتصال البلد الصغير بالكبير إلى اندماجه فيه عرفا و انصهاره على نحو قد زال استقلاله جغرافيا، ففي مثل ذلك يعتبر الكل بلدا‌

429

جدا (1) بحيث لا يصدق وحدة المحل و كان كنيّة الاقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل قسطنطينية و نحوها.

[مسألة 8: لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الأصح]

[2309] مسألة 8: لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الأصح، بل لو قصد حال نيتها الخروج إلى بعض بساتينها و مزارعها و نحوها من حدودها مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا جرى عليه حكم المقيم حتى إذا كان من نيته الخروج عن حد الترخص بل إلى ما دون الأربعة إذا كان قاصدا للعود عن قريب بحيث لا يخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما إذا كان من نيته الخروج نهارا و الرجوع قبل الليل (2).

____________

واحدا.

(1) مر أنه لا فرق بين البلدان الكبيرة و الصغيرة.

(2) تقدم ان المعيار في صدق المقيم عشرة أيام في بلد هو أن يكون مبيته و مأواه و محط رحله فيه و لا يضر خروجه عنه إلى بلد آخر دون المسافة، كما إذا قصد الاقامة في النجف و خرج إلى الكوفة ساعتين أو أكثر، فإن هذا الخروج لا يضر ما دام يصدق عليه أن مبيته و مسكنه في النجف، بل لا يبعد أن لا يضر ذلك إذا كان تمام النهار في الكوفة و رجع إلى النجف قبل الغروب حيث يصدق أن محل اقامته الذي هو مأواه و محل مبيته في النجف في الفندق الفلاني أو البيت الفلان، و لا فرق فيه بين أن يكون ناويا ذلك من الأول، أو في الاثناء، لأن نيته ذلك إنما تضر إذا كان مردها إلى نية الاقامة في بلدين أو قريتين، و أما إذا لم يكن مردها إلى ذلك فلا تضر، و من المعلوم انه لا فرق في هذا بين أن تكون نية الخروج في نفس وقت نية الاقامة أو بعدها، و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام فيما إذا كان خروجه تمام النهار، أو في مقدار معتد به منه.

430

[مسألة 9: إذا كان محل الاقامة برية قفراء لا يجب التضييق في دائرة المقام]

[2310] مسألة 9: إذا كان محل الاقامة برية قفراء لا يجب التضييق في دائرة المقام، كما لا يجوز التوسيع كثيرا بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل، فالمدار على صدق الوحدة عرفا، و بعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل إلى أطرافه بقصد العود إليه و إن كان إلى الخارج عن حد الترخص بل إلى ما دون الأربعة كما ذكرنا في البلد، فجواز نية الخروج إلى ما دون الأربعة لا يوجب جواز توسيع محل الاقامة كثيرا، فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الأربعة، بل يؤخذ على المتعارف و إن كان يجوز التردد إلى ما دون الأربعة على وجه لا يضر بصدق الاقامة فيه.

[مسألة 10: إذا علق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي]

[2311] مسألة 10: إذا علق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل و كذا لو كان مظنون الحصول فإنه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها، نعم لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر (1).

____________

(1) هذا إذا كان احتماله ضعيفا على نحو لا يكون مانعا عن الوثوق و الاطمينان بالبقاء، و أما إذا كان مانعا عنه فلا يتحقق معه العزم على الاقامة عشرة أيام، و قد تقدم أن المعتبر في تحقق الاقامة أن يكون المسافر واثقا و متأكدا بالبقاء في بلد عشرة أيام.

و قد دل على ذلك صريحا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة» (1) فإذن العبرة في وجوب التمام إنما هي بحصول اليقين بالبقاء في بلد عشرة أيام، و يقوم مقامه الوثوق و الاطمئنان، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان المعتبر في وجوب التمام إنما هو اليقين أو الاطمئنان بالبقاء إلى العشرة، و أما القصد و العزم زائدا على اليقين فهو غير معتبر، غاية الأمر‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 15 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 9.

431

[مسألة 11: المجبور على الاقامة عشرا و المكره عليها يجب عليه التمام]

[2312] مسألة 11: المجبور على الاقامة عشرا و المكره عليها يجب عليه التمام و إن كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر و الاكراه، لكن بشرط أن يكون عالما بعدم ارتفاعهما (1) و بقائه عشرة أيام كذلك.

[مسألة 12: لا تصح نية الاقامة في بيوت الأعراب و نحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام]

[2313] مسألة 12: لا تصح نية الاقامة في بيوت الأعراب و نحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام إلا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة.

[مسألة 13: الزوجة و العبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج و السيد و المفروض أنهما قصدا العشرة]

[2314] مسألة 13: الزوجة و العبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج و السيد و المفروض أنهما قصدا العشرة لا يبعد كفايته في تحقق الاقامة بالنسبة إليهما (2) و إن لم يعلما حين القصد أن مقصد الزوج و السيد هو العشرة، نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير، و يجب عليهما التمام بعد الاطلاع و إن لم يبق إلا يومين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء

____________

إذا كانت الاقامة في بلد باختيار المسافر و ارادته لم ينفك يقينه بالبقاء عن قصده له، و أما إذا كان مجبورا، أو مكرها، أو محبوسا في بلد و يعلم بعدم ارتفاع ذلك قبل العشرة فلا يكون هناك شي‌ء زائد على العلم أو الاطمئنان.

(1) بل يكفى الوثوق و الاطمئنان به أيضا.

(2) بل الظاهر عدم الكفاية. أما الزوجة فانها إذا لم تعلم ان زوجها قد قصد الاقامة في البلد النازل فيه لم تتمكن من قصدها جزما، باعتبار أنه يتوقف على اليقين بالبقاء فيه عشرة أيام، و مع جهلها بنية زوجها فلا يقين لها بذلك، و به يظهر حال العبد بالنسبة إلى سيده، فإنه إذا لم يعلم أن سيده قصد اقامة عشرة أيام في بلد فمعناه أنه لا يعلم بقاءه فيه عشرة أيام، و مع عدم العلم بالبقاء طيلة المدة فكيف يكون حكمه التمام فيه.

432

عليهما بالنسبة إلى ما مضى ممّا صلّيا قصرا، و كذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه (1) و كان مقصدهم العشرة، فالقصد الإجمالي كاف في تحقق الاقامة، لكن الأحوط الجمع في الصورتين بل لا يترك الاحتياط.

[مسألة 14: إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلا و كان عشرة]

[2315] مسألة 14: إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلا و كان عشرة كفى و إن لم يكن عالما به حين القصد (2)، بل و إن كان عالما بالخلاف، لكن الأحوط في هذه المسألة أيضا الجمع بين القصر و التمام بعد العلم بالحال لاحتمال اعتبار العلم حين القصد.

____________

(1) ظهر حاله مما سبق.

(2) هذا من جهة انه قصد واقع المقام عشرة أيام لكن بعنوان آخر و هو موضوع لوجوب التمام، و لا يضر جهله بعنوان العشرة، لأنه غير دخيل في الموضوع، كما إذا قصد المسافر الوارد في بلد البقاء فيه إلى آخر الشهر الشمسي من تاريخ وروده فيه و كان الباقي من الشهر من هذا التاريخ عشرة أيام كاملا، فإنه حينئذ كان يقصد البقاء فيه مدة زمنية محددة تساوي عشرة أيام بالكامل في الواقع و إن كان جاهلا بالتساوي و لكن هذا الجهل لا يضر و لا يغير الواقع.

نعم إذا كان عدم النقص أمرا اتفاقيا كما إذا نوى الاقامة من اليوم الحادي و العشرين إلى آخر الشهر القمري و احتمل أن يكون الشهر ناقصا، ففي مثل ذلك لا يجب عليه التمام إذا صادف كون الشهر تاما.

و الفرق بين الصورتين هو أنه في الصورة الأولى قصد البقاء فترة زمنية تساوي عشرة أيام في الواقع و إن لم يعلم بالتساوي، و في الثانية قصد البقاء فترة زمنية مرددة بين أن تساوي العشرة في الواقع و أن لا تساويها كذلك، فيكون التساوي أمرا تصادقيا لا دائميا، فمن أجل ذلك لا يكون قاصدا البقاء فترة زمنية تساوي العشرة في الواقع، و لكنه لم يعلم بالتساوي.

433

[مسألة 15: إذا عزم على إقامة العشرة ثم عدل عن قصده]

[2316] مسألة 15: إذا عزم على إقامة العشرة ثم عدل عن قصده فإن كان صلى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام ما دام في ذلك المكان، و إن لم يصلّ أصلا أو صلى مثل الصبح و المغرب أو شرع في الرباعية لكن لم يتمها و إن دخل في ركوع الركعة الثالثة رجع إلى القصر (1)، و كذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل و الصوم و نحوهما، فإنه يرجع إلى القصر مع العدول، نعم الأولى الاحتياط مع الصوم إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال، و كذا لو كان العدول في أثناء الرباعية بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة بل بعد القيام إليها و إن لم يركع بعد.

[مسألة 16: إذا صلى رباعية بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن إقامته ثم عدل]

[2317] مسألة 16: إذا صلى رباعية بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن إقامته ثم عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (2)، و كذا لو

____________

(1) هذا له ثلاث صور ..

الأولى: أن يعدل عن نية الاقامة و هو لا يزال في الركعتين الأوليين، فينتقل عند العدول إلى نية القصر و يتمها قصرا، و لا شي‌ء عليه.

الثانية: أن يعدل عن نية الاقامة بعد أن قام إلى الركعة الثالثة و قبل أن يركع فحينئذ يلغي القيام و يجلس و يسلم و يختم صلاته قصرا و لا شي‌ء عليه.

الثالثة: أن يعدل عن نية الاقامة بعد أن دخل في ركوع الركعة الثالثة و في هذه الحالة تبطل صلاته إذ لا يمكن إتمامها قصرا للركوع الزائد، و لا تماما للعدول عن نية الاقامة، فإذن لا بد من اعادة الصلاة قصرا.

(2) بل الأظهر عدم الكفاية إذا لم تستند الصلاة تماما إلى قصد الاقامة، بل وقعت عن ذهول و غفلة، و تدل على ذلك صحيحة أبي ولاد الحناط قال: «قلت‌

434

صلاها تماما لشرف البقعة كمواطن التخيير و لو مع الغفلة عن الاقامة (1)، و إن كان الأحوط الجمع بعد العدول حينئذ، و كذا في الصورة الاولى.

[مسألة 17: لا يشترط في تحقق الاقامة كونه مكلفا بالصلاة]

[2318] مسألة 17: لا يشترط في تحقق الاقامة كونه مكلفا بالصلاة فلو نوى الاقامة و هو غير بالغ ثم بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام في بقية

____________

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام و أتم الصلاة، ثم بدا لي أن لا أقيم بها، فما ترى لي أتم أم أقصر؟ قال: إن كنت دخلت المدينة و حين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، و إن كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام عشرا و أتم، و إن لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة ...». (1)

فإن المتفاهم العرفي منها سؤالا و جوابا بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو أن الصلاة تماما إذا كانت مستندة إلى نية الاقامة توجب لغوية العدول و تجعل وجوده كالعدم لا مطلقا و إن لم تكن مستندة إليها، بل صلى ذاهلا و غافلا عنها نهائيا، و عليه فلا إطلاق للصحيحة من هذه الناحية.

فالنتيجة: ان الظاهر منها عرفا ان العدول عن نية الاقامة بعد الصلاة تماما لا أثر له شريطة أن يكون التمام مستندا إليها، و أما إذا لم يكن مستندا إليها، كما إذا صلى تماما ذاهلا عنها، أو صلى تماما بدلا عن صلاة تامة فائتة في وقتها لسبب أو لآخر، أو في أماكن التخيير فلا يمنع عن تأثير العدول، و إن كانت رعاية الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام بعد العدول ما دام في المدينة أولى و أجدر.

(1) ظهر أنها لا تمنع عن تأثير العدول إذا كانت مستندة إلى شرف البقعة لا إلى نية الاقامة سواء أ كان غافلا عنها أم لا، و إن كان الأجدر و الأولى هو الاحتياط.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 18 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

435

الأيام، و إذا أراد التطوع بالصلاة قبل البلوغ يصلي تماما، و كذا إذا نواها و هو مجنون إذا كان ممن يتحقق منه القصد أو نواها حال الافاقة ثم جنّ ثم أفاق، و كذا إذا كانت حائضا حال النية فإنها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما بل إذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفرا.

[مسألة 18: إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الاقامة ثم عدل عنها بعد الوقت]

[2319] مسألة 18: إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الاقامة ثم عدل عنها بعد الوقت فإن كانت مما يجب قضاؤها و أتى بالقضاء تماما ثم عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1)، و أما إن عدل قبل إتيان قضائها أيضا فالظاهر العود إلى القصر و عدم كفاية استقرار القضاء عليه تماما، و إن كان الأحوط الجمع حينئذ ما دام لم يخرج، و إن كانت مما لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لأجل الحيض أو النفاس ثم عدلت عن النية قبل إتيان صلاة تامة رجعت إلى القصر، فلا يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام.

[مسألة 19: العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه و ليس كاشفا عن عدم تحققها من الأول]

[2320] مسألة 19: العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه (2) و ليس كاشفا عن عدم تحققها من الأول، فلو فاتته حال العزم عليها

____________

(1) مر أن الأظهر عدم الكفاية على أساس ان الظاهر من الصحيحة عرفا أن يكون اتمام الصلاة مستندا إلى نية الاقامة لا إلى سبب آخر، و بما أنه مستند إلى سبب آخر و هو الوفاء عما في ذمته من الصلاة التامة الفائتة في وقتها فلا يكون مانعا عن تأثير العدول، و لكن مع ذلك لا بأس بالاحتياط.

(2) هذا هو الصحيح و لكن لا من جهة ان ذلك هو مقتضى اطلاقات أدلة الاقامة في بلد أو قرية عشرة أيام، فإن قضية تلك الاطلاقات أن نية الاقامة انما هي موضوع لوجوب التمام شريطة استمرارها إلى تمام العشرة و لا نظر لها إلى أن‌

436

..........

____________

موضوع وجوب التمام هو حدوث تلك النية مطلقا و إن لم تستمر إلى تمام العشرة، بل من جهة صحيحة أبي ولّاد المتقدمة، فإنها تنص على أن المسافر المقيم في بلد إذا صلى تماما صحت صلاته واقعا و إن عدل بعد ذلك عن نية الاقامة و عدم البقاء فيه عشرة أيام، فإن هذا يكشف عن أن نية الاقامة بحدوثها تمام الموضوع لوجوب التمام من دون أن تكون مشروطة بالاستمرار و البقاء إلى تمام العشرة.

و إن شئت قلت: ان الصحيحة تدل على أمرين:

أحدهما: ان المسافر إذا قرر الاقامة في بلد فحكمه التمام، و إذا صلى فيه صلاة تامة صحت و إن عدل عن نية الاقامة فيه بعد ذلك و خرج منه قبل اتمام العشرة، و هذا كاشف عن أن وجوب التمام يحدث بحدوث نية الاقامة فيه بدون كونه مشروطا ببقاء النية إلى تمام العشرة بنحو الشرط المتأخر.

و الآخر: انه إذا عدل عن نية الاقامة و أراد مواصلة سفره فمقتضى القاعدة وجوب القصر عليه و إن لم يخرج بعد عن بلد الاقامة لعدم صدق عنوان المقيم عليه فيه عشرة أيام، و لكن الصحيحة تدل على أن حكمه هو التمام ما دام لم يخرج من البلد شريطة أن يصلى تماما.

فالنتيجة: ان المستفاد منها عرفا أن العدول عن نية الاقامة قاطع لها من حينه لا كاشف عن عدم تحققها من الأول، فإن موضوع وجوب التمام في الواقع لا يخلو من أن يكون نية الاقامة مطلقا من دون اشتراطها بالبقاء و الدوام إلى العشرة، أو يكون حصة خاصة منها و هي الحصة المستمرة إلى تمام العشرة، فعلى الأول يكون العدول قاطعا لها من حينه، و على الثاني يكون كاشفا عن عدم تحققها من الأول، فلو كان الموضوع لوجوب التمام نية الاقامة على النحو الثاني لم يمكن الحكم بصحة الصلاة تماما إذا عدل عنها بعدها، فإن عدوله كاشف عن عدم تحقق‌

437

صلاة أو صلوات أيام ثم عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام يجب عليه قضاؤها تماما، و كذا إذا صام يوما أو أياما حال العزم عليها ثم عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام فصيامه صحيح، نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول لأن المفروض انقطاع الاقامة بعده.

[مسألة 20: لا فرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردد فيها]

[2321] مسألة 20: لا فرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردد فيها في أنه لو كان بعد الصلاة تماما بقي على التمام، و لو كان قبله رجع إلى القصر.

[مسألة 21: إذا عزم على الاقامة فنوى الصوم ثم عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما رجع إلى القصر في صلاته]

[2322] مسألة 21: إذا عزم على الاقامة فنوى الصوم ثم عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما رجع إلى القصر في صلاته، لكن صوم ذلك اليوم صحيح (1) لما عرفت من أن العدول قاطع من حينه لا كاشف، فهو كمن

____________

الموضوع من الأول، و مع عدم الموضوع فلا يمكن الحكم بصحتها، و بما أن الصحيحة تنص على ان الموضوع لوجوب التمام هو نية الاقامة على النحو الأول فلا يبقى مجال للشك و التردد فيه.

و على هذا فإذا فاتت منه صلاة الظهر و العصر أو العشاء بعد نية الاقامة و قبل العدول ثم عدل بعد أن صلى تماما وجب قضاؤها تامة على أساس أن الصلاة المقضي بها لا بد أن تكون مماثلة للصلاة الفائتة بمقتضى قوله (عليه السلام): «اقض ما فات كما فات ...». (1)

(1) في الصحة إشكال بل منع، لأن التعدي عن مورد الروايات الدالة على أن وظيفة المسافر في شهر رمضان إذا كان سفره بعد الزوال هو صيام ذلك اليوم و عدم جواز الافطار إلى المقام بحاجة إلى قرينة و لا قرينة في نفس تلك الروايات من تعليل أو نحوه، و لا من الخارج، و القطع بعدم الفرق بين المقام و مورد تلك الروايات مبني على احراز اشتراكهما في الملاك و الفرض انه لا طريق لنا إلى ذلك.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 6 من أبواب قضاء الصّلوات الحديث: 1.

438

صام ثم سافر بعد الزوال.

[مسألة 22: إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة]

[2323] مسألة 22: إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة، بل إذا تحققت بإتيان رباعية تامة كذلك فما دام لم ينشئ

____________

و دعوى: ان الروايات المذكورة تدل على حكم المقام بالأولوية القطعية على أساس أنها تدل على أن السفر إذا كان بعد الزوال لا يوجب الافطار، فما ظنك بنيته المجردة من دون التلبس به فعلا كما في المقام، حيث انه قد عدل عن نية الاقامة بعد الزوال و نوى السفر، فإذا لم يكن السفر بعد الزوال المشتمل عليها موجبا للإفطار، فالنية المجردة بالأولوية القطعية ...

مدفوعة: بأن مورد الروايات هو المسافر عن بلدته أو محل إقامته بعد الاتيان بالصلاة تماما فيه، فإن سفره حينئذ إن كان قبل الزوال وجب عليه الافطار، و إن كان بعده وجب عليه اتمام الصيام و هو غير المقام، فإن المفروض فيه ان المسافر قد عدل عن نية الاقامة قبل الاتيان بالصلاة تامة و هو يهدم الاقامة، فإذن الحكم بصحة صومه رغم كونه مسافرا و غير مقيم فعلا بحاجة إلى دليل، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان الحكم في مورد الروايات بما أنه يكون على خلاف القاعدة فالتعدي عنه إلى المقام بحاجة إلى قرينة، و حيث لا قرينة فلا يمكن التعدي، و لا مجال حينئذ لدعوى الأولوية القطعية، فإنه إن أريد بها الأولوية العقلية، فيرد عليها أنها تبتني على احراز الملاك فيه جزما و هو لا يمكن لعدم الطريق إليه.

و إن اريد بها الأولوية العرفية، فيرد عليها أنها تبتني على أن يكون الحكم الثابت في مورد الروايات موافقا للقاعدة و الارتكاز العرفي حتى لا يرى العرف فرقا بين مورد الروايات و بين المقام.

439

سفرا جديدا يبقى على التمام.

[مسألة 23: كما أن الاقامة موجبة للصلاة تماما و لوجوب أو جواز الصوم كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر]

[2324] مسألة 23: كما أن الاقامة موجبة للصلاة تماما و لوجوب أو جواز الصوم كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر و لوجوب الجمعة (1) و نحو ذلك من أحكام الحاضر (2).

[مسألة 24: إذا تحققت الاقامة و تمت العشرة أولا و بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة]

[2325] مسألة 24: إذا تحققت الاقامة و تمت العشرة أولا و بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة و لو ملفقة فللمسألة صور:

الأولى: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة و استئناف إقامة عشرة أخرى (3)، و حكمه وجوب التمام في الذهاب و المقصد و الاياب

____________

(1) في الوجوب إشكال بل منع، و الأظهر عدم وجوبها على المسافر المقيم أيضا بناء على ما هو الصحيح من أن قصد الاقامة لا يكون قاطعا للسفر و إنما يقطع حكمه، و على هذا فمقتضى الروايات التي تنص على استثناء المسافر عمن تجب عليه الجمعة عدم الفرق بين غير المقيم من المسافر و المقيم منه.

(2) بل المقيم أيضا، فإن مقتضى مجموعة من الروايات التي تنص على أن الصلاة في السفر ركعتان و ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء سقوط نوافل الظهرين و العشاء عن المسافر في السفر بسقوط ركعتين من هذه الصلوات فيه، و لا تدل على سقوطها عنه مطلقا حتى فيما إذا أقام في بلد عشرة أيام، على أساس أنها تنفي مشروعية النوافل عن المسافر الذي تكون وظيفته الاتيان بتلك الصلوات قصرا، و لا نظر لها إلى المسافر المقيم الذي تكون وظيفته الاتيان بها تماما لا نفيا و لا إثباتا، فمن أجل ذلك يرجع فيه إلى اطلاقات أدلة مشروعية النوافل.

(3) و فيه: ان وجوب التمام لا يتوقف في كل حالات هذه الصورة من الذهاب و الاياب و المقصد و محل الاقامة على نية اقامة عشرة أيام جديدة فيه، بل يكفى في بقاء وجوب التمام ان لا يكون خروجه عن محل الاقامة بنية السفر‌

440

..........

____________

الشرعي و هو ثمانية فراسخ، لما مر من ان الخروج عن محل الاقامة إلى ما دون المسافة لا يضر إذا كان ساعة أو ساعتين، أو أكثر ما دام يكون مبيته و مأواه و محط رحله هناك، و على هذا فإذا خرج عن محل إقامته إلى ما دون المسافة عازما على العود إليه و البقاء فيه يوما أو يومين أو أكثر، ثم يخرج منه عازما السفر الشرعي فحكمه التمام في الذهاب و المقصد و العود و محل الاقامة على أساس انه غير قاصد السفر بقدر المسافة.

و دعوى: ان الاقامة لما لم تكن قاطعة للسفر كالدخول في الوطن، و انما هي قاطعة لحكمه و هو وجوب القصر، فالخروج عن مكانها ليس سفرا جديدا، و إنما هو استمرار للسفر الأول، و المفروض انه بقدر المسافة ..

مدفوعة: بان الاقامة و إن كانت تنهي حكم السفر دون نفسه، الّا أن هذا السفر بما انه منته حكما فلا أثر له، فإذن وجوب القصر عليه مرة أخرى يتوقف على سفر جديد منه بقدر المسافة، و لا فرق من هذه الناحية بين الخروج عن محل الاقامة و الخروج عن الوطن، هذا إذا لم يبت في المقصد ليلة أو ليلتين أو أكثر، و إما إذا بات فيه كذلك فحينئذ إن كان خروجه عن محل الاقامة بعد تمامية عشرة أيام لم يقدح المبيت فيه، فإنه سواء أ بات أم لم يبت فحكمه التمام ما لم يقصد السفر بقدر المسافة، و إن كان خروجه منه في أثناء العشرة فحكمه القصر لما مر من ان الاقامة لا بد أن تكون في مكان واحد طيلة عشرة أيام، فإذا بات في المقصد ليلة أو ليلتين أو أكثر فمعناه انه لم يقم في مكان واحد تمام العشرة، فإذن هو مسافر غير مقيم في الواقع فحكمه القصر، و عندئذ فإن كان جاهلا بالمسألة و صلى تماما صحت صلاته و لا شي‌ء عليه، على أساس الروايات التي تنص على صحة التمام موضع القصر للجاهل بالحكم، و إن لم يكن جاهلا بها بل صلى تماما ذاهلا و غفلة‌

441

و محل الاقامة الاولى، و كذا إذا كان عازما على الاقامة في غير محل الاقامة الاولى (1) مع عدم كون ما بينهما مسافة.

____________

فحينئذ إن انكشف الحال في الوقت وجبت اعادتها، و الّا لم يجب القضاء.

نعم في هذا الفرض إذا قصد الاقامة في المحل الأول بعد عوده اليه فحكمه التمام فيه و لكن هذا الفرض خارج عن فرض المسألة.

(1) فيه ان وجوب التمام في غير محل الاقامة الاولى لا يتوقف على نية الاقامة فيه في مفروض المسألة و هو خروج المقيم عن محل اقامته الاولى بعد تمامية عشرة أيام و عدم نية سفر جديد بقدر المسافة، و ذلك لما مر من أنه إذا خرج منه بعد تمامية العشرة و لم يكن ناويا للسفر الشرعي و هو ثمانية فراسخ، و إنما نوى الخروج إلى بلد كان دون المسافة فعليه أن يتم سواء أ بات فيه ليلة أو ليلتين أو أكثر أم لا، بل و إن كان يبقى فيه عشرة أيام، لأن وجوب التمام فيه مستند إلى بقائه في محل الاقامة الاولى طيلة عشرة أيام، و عدم إنشاء سفر جديد بقدر المسافة لا إلى قصده الاقامة في ذلك البلد الذي هو دون المسافة، فإنه سواء أ كان قاصدا الاقامة فيه أم لا فحكمه التمام ما دام لم ينشئ سفرا شرعيا جديدا آخر من محل اقامته الأول.

نعم إذا أنشأ ذلك و بدأ بقطع المسافة و لكن وصل في أثناء الطريق إلى مكان بنى على أن يبقى فيه عشرة أيام و هو كان دون المسافة، فعندئذ يكون وجوب التمام مستندا إلى قصده الاقامة فيه دون الأول، و لكن ذلك خارج عن محل الفرض في المسألة و هو الخروج إلى ما دون المسافة.

و أما إذا خرج عن محل الاقامة الاولى في أثناء العشرة و قبل تماميتها، كما إذا بقي فيه خمسة أيام ثم خرج منه إلى بلد آخر كان دون المسافة و قصد فيه الاقامة عشرة أيام ففي مثل هذه الحالة لم تتحقّق الاقامة في المحل الأول، و تكون‌

442

الثانية: أن يكون عازما على عدم العود إلى محل الاقامة و حكمه وجوب القصر إذا كان ما بقي من محل إقامته إلى مقصده مسافة (1) أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة و لو كان ما بقي أقل من أربعة على الأقوى من كفاية التلفيق (2) و لو كان الذهاب أقل من أربعة.

الثالثة: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة من دون قصد إقامة مستأنفة لكن من حيث إنه منزل من منازله في سفره الجديد، و حكمه وجوب القصر أيضا في الذهاب و المقصد و محل الاقامة (3).

____________

وظيفته القصر فيه و في الذهاب إلى ذلك البلد الذي قصد اقامة العشرة فيه، غاية الأمر إن كان جاهلا بالمسألة صح ما صلاة فيه و في الذهاب تماما، و إن لم يكن جاهلا بها و لكنه أتى بالصلاة تماما ذاهلا و غافلا وجبت الاعادة في الوقت دون خارج الوقت على ما مر. و لكن هذا الفرض خارج عن محل كلام الماتن (قده) في المسألة.

(1) هذه الصورة خارجة عن صور مسألة الخروج إلى ما دون المسافة، لأنه كان فيها ناويا الخروج إلى مقدار المسافة و عازم عليه، و حكمه لا محالة القصر.

(2) في كفايته إذا عاد إلى بلده إشكال إذا لم يكن كل من الذهاب من البلد و العود إليه مساويا كما تقدم. و الأحوط و الأجدر وجوبا حينئذ أن يجمع بين القصر و التمام في كل من الظهر و العصر و العشاء، فيصلي مرة قصرا و أخرى تماما.

و أما إذا عاد إلى بلد آخر و كان مجموع ما بقي و العود إليه بقدر المسافة فهو ليس من التلفيق، بل هو من السفر امتدادا في مقابل العود إلى الوطن.

(3) هذا شريطة أحد أمرين ..

الأول: كفاية التلفيق مطلقا و إن كان الذهاب أقل من أربعة فراسخ.

الثاني: أن يكون الرجوع من المقصد مارا على محل الاقامة إلى بلده بقدر‌

443

الرابعة: أن يكون عازما على العود إليه من حيث إنه محل إقامته بأن لا يكون حين الخروج معرضا عنه بل أراد قضاء حاجة في خارجه و العود إليه ثم إنشاء السفر منه و لو بعد يومين أو يوم بل أو أقل، و الأقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب و المقصد و الإياب و محل الاقامة ما لم ينشئ سفرا (1)، و إن كان الأحوط الجمع في الجميع خصوصا في الاياب

____________

المسافة المحددة شرعا، فإنه حينئذ يجب القصر في الذهاب عن محل الاقامة، و في المقصد و الرجوع إلى بلده لا على أساس كفاية التلفيق، بل على أساس ان الرجوع وحده كان بقدر المسافة المحددة.

و أما إذا لم يكن الرجوع وحده بقدر المسافة، بل مع ضم الذهاب من محل الاقامة إليه، فعندئذ يكون الحكم مبنيا على الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام في الذهاب و المقصد و الإياب.

(1) هذا إذا كان خروجه عن محل الاقامة إلى بلد كان دون المسافة، و كان بعد انتهاء عشرة أيام، فإن حكمه التمام في كل الحالات المذكورة، سواء أ كان يمكث في ذلك البلد مدة أم لا.

نعم إذا كان خروجه عن محل الاقامة إلى ما دون المسافة قبل انتهاء عشرة أيام، فإن كان بمقدار ساعة أو ساعتين أو أكثر ثم رجع إلى محل إقامته فحكمه التمام و إن كان خروجه بيوم أو يومين أو أكثر فهو يهدم اقامته على أساس ما عرفت من أن الاقامة لا بد أن تكون في مكان واحد طيلة عشرة أيام، و الفرض أنه لم يبق فيه طيلة العشرة، فإذن هو غير مقيم و حكمه القصر، غاية الأمر ان ما صلاة تماما إن كان عن جهل بالمسألة صح، و إن كان عن غفلة و اعتقاد، فإن كان في الوقت وجبت الاعادة و الّا فلا.

و دعوى: ان الاقامة قد استقرت بالاتيان بصلاة أربع ركعات، و حينئذ فما دام‌

444

و محل الاقامة (1).

الخامسة: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة لكن مع التردد في الاقامة بعد العود و عدمها، و حكمه أيضا وجوب التمام (2)، و الأحوط

____________

هو في محل الاقامة كان حكمه التمام و إن عدل عن نية الاقامة بعد ذلك، و على هذا فبما أن خروجه عن محل الاقامة إلى ما دون المسافة بعد استقرارها بالاتيان بالصلاة تماما فلا محالة تكون وظيفته التمام ما لم ينشئ سفرا جديدا ...

مدفوعة: بأن تلك المسألة لا ترتبط بمسألتنا هذه في محل الكلام، لأن الكلام في تلك المسألة إنما هو أن من نوى الاقامة في بلد ثم عدل عن نية الاقامة فيه فإن كان العدول بعد الاتيان بالصلاة تماما فلا أثر له ما دام لم يخرج منه قاصدا السفر الشرعي، و إن كان قبل الاتيان بها ظل على القصر.

و أما المسألة في محل الكلام فهي ان الاقامة في بلد لا تتحقق الا بالبقاء فيه طيلة عشرة أيام، فلو نوى الاقامة في بلد و في الاثناء و قبل تمامية العشرة ذهب إلى بلد كان دون المسافة و بقي فيه يومين أو أكثر لم تتحقق الاقامة سواء أعلم بذلك من الأول أم لا.

فالنتيجة: انه لا ارتباط بين المسألتين أصلا.

(1) ظهر مما سبق أنه لا خصوصية فيهما، فإنه ما دام لم ينو السفر الشرعي و كان خروجه عن محل الاقامة بعد تمامية العشرة إلى ما دون المسافة فحكمه التمام في جميع الحالات على حد سواء كما إنه إذا نوى السفر الشرعي أو كان خروجه عن محل اقامته قبل تمامية العشرة، و بقى فيما دون المسافة يوما أو يومين، ثم رجع فإن حكمه القصر من حين خروجه و بدئه بقطع المسافة و لو بخطوة واحدة إلى انتهاء سفره.

(2) يظهر حكمه مما مر في الصورة الرابعة، حيث انه لم ينو السفر الشرعي‌

445

الجمع كالصورة الرابعة.

السادسة: أن يكون عازما على العود مع الذهول عن الاقامة و عدمها، و حكمه أيضا وجوب التمام، و الأحوط الجمع كالسابقة.

السابعة: أن يكون مترددا في العود و عدمه أو ذاهلا عنه، و لا يترك الاحتياط بالجمع فيه (1) في الذهاب و المقصد و الاياب و محل الاقامة إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الاقامة أو ينشئ السفر، و لا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع إلى محل الاقامة في يومه أو ليلته أو بعد أيام، هذا كله إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة بعد العشرة أو في أثنائها بعد تحقق الاقامة، و أما إذا كان من عزمه الخروج في حال نية الاقامة (2) فقد مرّ أنه إن كان من قصده الخروج و العود عما قريب و في

____________

في كلتا الصورتين، و كان خروجه عن محل اقامته فيهما معا إلى ما دون المسافة و بعد تمامية العشرة، غاية الأمر انه في الصورة الرابعة عازم على أن لا ينوي الاقامة بعد العود، و في هذه الصورة متردد فيها، و لكن لا أثر لذلك و لا قيمة له بعد أن كان التردد مانعا عن العزم على السفر الشرعي.

و بما ذكرنا يظهر حال الصورة السادسة أيضا، فانها تشترك معهما في عدم إنشاء سفر جديد، غاية الأمر انه مستند إلى الذهول و الغفلة.

(1) لكن الأقوى هو التمام في جميع الحالات، لأن القصر إنما يجب عليه شريطة أن يكون عازما على السفر الشرعي، و المفروض انه متردد فيه، أو غافل عنه و غير عازم عليه، و معه يكون حكمه التمام.

(2) تقدم انه لا فرق بين أن تكون نية الخروج إلى بلد آخر كان دون المسافة في وقت نية الاقامة، أو تكون في أثناء العشرة، فإن كان الخروج إليه في زمن قليل كساعة أو ساعتين أو أكثر لم يضر بصدق الاقامة هناك، و أما إذا كان كثيرا‌

446

..........

____________

كما إذا بات فيه ليلة أو ليلتين فهو يهدم الاقامة حيث يعتبر فيها أن تكون طيلة عشرة أيام في بلد واحد، و المفروض انه في هذه الحالة لم يبق فيه طيلة العشرة، و لا فرق فيه بين أن ينوي ذلك من الأول أو في الاثناء. كما إذا نوى الاقامة ثمانية أيام في النجف الاشرف و يومين في الكوفة مثلا أو نوى الاقامة عشرة ايام في النجف و لكن في الاثناء تغير رأيه و بنى على الاقامة يومين من العشرة في الكوفة، فإنّه على كلا التقديرين لم تتحقق الاقامة المحددة شرعا في النجف.

نعم إذا نوى الاقامة في مكان واحد و صلى فيه تماما يبقى على التمام و إن عدل بعد ذلك عن نية الاقامة ما دام لم يخرج عنه ناويا السفر الشرعي، و ذلك للنص الخاص و هو صحيحة أبي ولاد المتقدمة فإنه يكشف عن أن موضوع وجوب التمام نية اقامة عشرة أيام في بلد بحدوثها، فإذا نوى الاقامة فيه كان حكمه التمام، و إذا صلى فيه صلاة واحدة تماما ظل وجوب التمام باقيا و إن عدل عنها و تغير رأيه و قرر عدم البقاء فيه طيلة العشرة ما لم يخرج، فإذا خرج و بدأ بقطع المسافة و لو بخطوة واحدة وجب القصر.

فالنتيجة: ان وجوب التمام حدوثا و بقاء لا يدور مدار تحقق الاقامة المحددة من قبل الشرع و هي البقاء فيه طيلة العشرة، و ليس معنى النص ان الاقامة تحققت واقعا بذلك، بل معناه أن على المسافر الذي نوى الاقامة في مكان و صلى فيه تماما مرة واحدة أن يواصل في التمام و إن عدل بعد ذلك ما لم يخرج ناويا للسفر الشرعي، فإذن لا بد من الاقتصار على مورده، و لا يمكن التعدي عنه إلى ما نحن فيه و هو ما إذا قرر إقامة عشرة أيام في بلد كالنجف مثلا و في الاثناء و قبل تمامية العشرة تغير رأيه و بنى على أن يبقى يومين أو أكثر من العشرة في الكوفة، فإذا صنع ذلك فمعناه أن الاقامة لم تتحقق لا واقعيا و لا تفصيلا و كان حكمه القصر،

447

ذلك اليوم من غير أن يبيت خارجا عن محل الاقامة فلا يضر بقصد إقامته و يتحقق معه، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له، و أما إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيته مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد فيشكل معه تحقق الاقامة (1)، و الأحوط الجمع من الأول إلى الآخر إلا إذا نوى الاقامة بدون القصد المذكور جديدا أو يخرج مسافرا.

[مسألة 25: إذا بدا للمقيم السفر ثم بدا له العود إلى محل الاقامة و البقاء عشرة أيام]

[2326] مسألة 25: إذا بدا للمقيم السفر ثم بدا له العود إلى محل الاقامة و البقاء عشرة أيام فإن كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ قصّر في الذهاب و المقصد و العود، و إن كان قبله فيقصّر حال الخروج بعد التجاوز عن حد الترخص (2)، إلى حال العزم على العود و يتم عند العزم عليه، و لا يجب

____________

و حينئذ ما صلاة تماما فإن كان جاهلا بالحكم صح و لا شي‌ء عليه، و إن كان عن ذهول و غفلة، فإن كان في الوقت أعاد قصرا، و الّا فلا شي‌ء عليه.

و قد تحصل من ذلك أن عدم تحقق الاقامة مرة يكون على أساس ان المسافر الذي نوى الاقامة في بلد و صلى فيه تماما ثم عدل و بنى على الخروج منه ناويا السفر الشرعي، و أخرى يكون على أساس ان المسافر الذي نوى الاقامة في بلد ثم تغير رأيه و بنى على أن يبقى يومين أو أكثر من الأيام العشرة في بلد آخر يبعد عن البلد الأول أقلّ من المسافة كالمثال المذكور. فمورد النص هو الأول دون الثاني، فإذن لا بد من العمل في الثاني على طبق ما هو مقتضى القاعدة كما عرفت، كما أنه لو لا النص لكان مقتضى القاعدة في الأول أيضا وجوب القصر في الواقع.

(1) مر ان الاقوى عدم تحقق الاقامة مطلقا حتى فيما إذا لم يكن ناويا الخروج إلى ما دون المسافة من الأول، و إنما نوى ذلك في الاثناء.

(2) تقدم في المسألة (65) من فصل (صلاة المسافر) ان حد الترخص غير معتبر في السفر عن محل الاقامة، و لا من البلد الذي مكث فيه ثلاثين يوما مترددا.

448

عليه قضاء ما صلى قصرا (1)، و أما إذا بدا له العود بدون إقامة جديدة بقي على القصر حتى في محل الاقامة (2) لأن المفروض الإعراض عنه (3)، و كذا لو ردته الريح أو رجع لقضاء حاجة كما مر سابقا.

[مسألة 26: لو دخل في الصلاة بنية القصر ثم بدا له الاقامة في أثنائها أتمها و أجزأت]

[2327] مسألة 26: لو دخل في الصلاة بنية القصر ثم بدا له الاقامة في أثنائها أتمها و أجزأت، و لو نوى الاقامة و دخل في الصلاة بنية التمام فبدا له

____________

(1) بل الظاهر وجوب اتيانه تماما في الوقت و خارجه، و قد مر وجه ذلك في المسألة (24) من فصل (صلاة المسافر) موسعا.

(2) هذا فيما إذا رجع مارا بمحل الاقامة، لأن معنى ذلك انه نوى السفر من حين خروجه عنه إلى المقصد، ثم العود إلى بلده مارا به، فحينئذ إن كان عوده من المقصد إلى بلده وحده مسافة وجب عليه القصر من حين خروجه عن محل إقامته، و إن كان بضم الذهاب إليه مسافة فالأجدر و الأحوط وجوبا هو الجمع بين القصر و التمام في الذهاب و العود و محل الاقامة، و إن رجع ناويا أن يبقى فيه يوما أو يومين أو أكثر من دون أن يقرر إقامة جديدة، ثم بدأ بالسفر كان حكمه التمام في الكل، أي في الذهاب و المقصد و الاياب إلى أن ينشئ سفرا جديدا شريطة أن يكون خروجه عن محل إقامته إلى ما دون المسافة بعد تمامية العشرة، أو كان قبلها لكن مشروطا بأن لا يبيت في المقصد و يرجع في نفس اليوم، و الّا فحكمه القصر في الكل.

(3) في التعليل إشكال بل منع، فان الاعراض عن محل الاقامة لا قيمة له، و لا يوجب سقوط حكمه إذا صلى فيه تماما ما لم يخرج عنه ناويا السفر الشرعي، فإذا خرج عنه كذلك سقط حكمه، و الّا فلا لأن الغاية في صحيحة أبي ولاد لوجوب التمام هي الخروج السفري، و مقتضى اطلاقها انه ما لم يخرج منه ناويا السفر الشرعي كان حكمه التمام أعرض عنه أم لم يعرض.

449

السفر، فإن كان قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمها قصرا و اجتزأ بها، و إن كان بعده بطلت و رجع إلى القصر (1) ما دام لم يخرج (2)، و إن كان الأحوط إتمامها تماما و إعادتها قصرا و الجمع بين القصر و الاتمام ما لم يسافر كما مر.

[مسألة 27: لا فرق في إيجاب الاقامة لقطع حكم السفر و إتمام الصلاة بين أن يكون محللة أو محرمة]

[2328] مسألة 27: لا فرق في إيجاب الاقامة لقطع حكم السفر و إتمام الصلاة بين أن يكون محللة أو محرمة كما إذا قصد الاقامة لغاية محرمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله أو نحو ذلك كما إذا نهاه عنها والده أو سيده أو لم يرض بها زوجها.

[مسألة 28: إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان كالنذر أو الاستئجار أو نحوهما وجب عليه الاقامة]

[2329] مسألة 28: إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان كالنذر أو الاستئجار أو نحوهما وجب عليه الاقامة (3) مع الامكان.

____________

(1) فيه ان العبرة انما هي بالدخول في ركوع الركعة الثالثة لا في نفس الركعة، و عليه فإن كان العدول قبل الدخول في ركوعها و إن كان بعد القيام فيها و إكمال التسبيحات الغى القيام و ما بعده و أتمها قصرا، و إن كان بعد الدخول فيه بطلت.

(2) الظاهر أن وقوع هذه الجملة في هذا المورد من سهو القلم و من باب الاشتباه في التطبيق.

(3) في اطلاقه اشكال بل منع، و الأظهر هو التفصيل بين الصوم النذري المعين و ما يلحق به و بين الصوم الاستئجاري المعين، أما الصوم النذري فمرة ننظر إليه في ضوء مقتضى القاعدة، و أخرى ننظر إليه في ضوء الروايات.

أما الأول: فلأن مقتضى القاعدة وجوب قصد الاقامة مقدمة للوفاء بالنذر على أساس ان وجوب الصوم بعنوان الوفاء بالنذر فعلي و مطلق و ليس مشروطا بشي‌ء كالحضور، فإذا كان مطلقا كان يحرك المكلف نحو إيجاد تمام مقدماته‌

450

..........

____________

الوجودية منها قصد الاقامة إذا كان مسافرا، و ترك السفر إذا كان حاضرا باعتبار ان الحضور شرط للواجب، و قد ذكرنا في علم الأصول ان ما كان من شروط الترتب في مرحلة الامتثال فيأخذه قيدا للواجب، و هو على نحوين ..

أحدهما: أن يكون الشرط اختيارا.

و الآخر: أن يكون غير اختياري.

و على الثاني فلا بد من أخذه قيدا للوجوب أيضا، إذ لا يمكن الاقتصار على كونه قيدا للواجب مع كون الوجوب فعليا قبله لاستلزام ذلك التكليف بغير المقدور. و من هنا يظهر أن الضابط في جعل شي‌ء قيدا للوجوب أحد أمرين ..

الأول: أن يكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادئ.

الثاني: أن يكون من شروط الترتب مع عدم كونه مقدورا كالوقت، فمن أجل ذلك لا يكون محركا قبل وجوده باعتبار أنه لا وجوب و لا ملاك له قبله، و لا مسئولية للمكلف تجاه شروط الاتصاف المسماة بالمقدمات الوجوبية، و هذا بخلاف شروط الترتب، فإن الوجوب فعلي قبل وجودها فلذلك يكون محركا نحوها و مسئولا أمامها.

فالنتيجة: ان وجوب الوفاء بالصوم النذري فعلي و غير مشروط بالحضور في بلده أو بلد اقامته فمن أجل ذلك يكون المكلف مسئولا امام مقدماته الوجودية منها قصد الاقامة.

و أما الثاني: فلأن هناك روايات تنص على عدم وجوب قصد الاقامة مقدمة للوفاء بالصوم النذري و جواز السفر و الاتيان به في يوم آخر بدلا عنه.

منها: صحيحة زرارة قال: «ان أمي كانت جعلت عليها نذرا نذرت للّه في بعض ولدها في شي‌ء كانت تخافه عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها،

451

[مسألة 29: إذا بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران]

[2330] مسألة 29: إذا بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران ففي جواز الاقامة إذا كان مسافرا و عدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر و صيرورتها قضاء إشكال، فالأحوط عدم نية الاقامة مع عدم الضرورة (1)،

____________

فخرجت معنا إلى مكة، فاشكل علينا صيامها في السفر، فلم تدر تصوم أو تفطر، فسألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: لا تصوم في السفر، إن اللّه قد وضع عنها حقه في السفر و تصوم هي ما جعلت على نفسها». فانها تنص على عدم وجوب الاقامة عليه إذا كان مسافرا مقدمة للوفاء بالنذر، فإذن لا مناص من الأخذ بها، و العمل على طبقها و رفع اليد عما هو مقتضى القاعدة، ثم ان مورد الصحيحة و إن كان نذر الصوم الا أن الجواب فيها مطلق و هو يعم باطلاقه العهد و اليمين أيضا، على أساس أن وجوب الوفاء بالنذر، كما انه حق للّه تعالى و قد وضعه اللّه تعالى عنه في السفر، كذلك وجوب الوفاء بالعهد و اليمين.

و أما الثاني: و هو الصوم الاستئجاري في يوم معين، فالظاهر وجوب قصد الاقامة مقدمة للوفاء به و ذلك لأنه يختلف عن الصوم النذري و أخويه على أساس أنه حق المستأجر على الأجير دونه فانه حق اللّه على الناذر، و من الواضح انه لا يجوز له تفويت حقه، فمن أجل ذلك لا يعمه النص حيث انه يدل على أن اللّه تعالى قد وضع عنه حقه في السفر، و المفروض ان الصوم الاستئجاري ليس حقا له، بل هو حق المستأجر على الأجير، و على هذا الأساس فتجب عليه الاقامة للوفاء به إذا كان مسافرا و إذا كان حاضرا لم يجز له السفر و الّا فقد فوت حقه.

(1) بل هو الاقوى حيث ان التكليف فعلي في حقه بتمام مراحله لتمكنه من امتثاله في الوقت، فلا يجوز له تفويته باختياره، فلو نوى الاقامة في هذه الحالة لأدت إلى تفويته اختيارا و هو غير جائز، و هذا بخلاف العكس و هو ما إذا كان حاضرا و لم يبق من الوقت الّا مقدار أربع ركعات، فإنه لا يجب عليه السفر حينئذ‌

452

نعم لو كان حاضرا و كان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين في الوقت.

[مسألة 30: اذا نوى الاقامة ثم عدل عنها و شك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماما حتى يبقى على التمام أم لا؟]

[2331] مسألة 30: اذا نوى الاقامة ثم عدل عنها و شك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماما حتى يبقى على التمام أم لا؟ بنى على عدمها فيرجع الى القصر.

[مسألة 31: إذا علم بعد نية الاقامة بصلاة أربع ركعات و العدول عن الاقامة و لكن شك في المتقدم منهما مع الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر]

[2332] مسألة 31: إذا علم بعد نية الاقامة بصلاة أربع ركعات و العدول عن الاقامة و لكن شك في المتقدم منهما مع الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر (1) مع البناء على صحة الصلاة لأن الشرط في البقاء على التمام

____________

لإدراك كلتا الصلاتين معا في الوقت باعتبار أنه لا وجوب للظهر قبل السفر.

(1) بل الأحوط وجوبا هو الجمع بين القصر و التمام في الظهر و العصر و العشاء، فيصلى مرة قصرا و أخرى تماما ما لم يخرج عن محل الاقامة ناويا السفر الشرعي، و ذلك لأنه كان يعلم بعد الاقامة بتحقق حادثين ..

أحدهما: الصلاة تماما.

و الآخر: العدول عن نية الاقامة، و لكن لا يعلم المتقدم منهما عن المتأخر، و حينئذ فيكون الزمان الواقعي لكل منهما مرددا بين زمانين، فإذا افترضنا ان المسافر ورد في بلد أول الزوال و قرر على الاقامة فيه، ثم علم في الساعتين بعد الزوال بتحققهما معا و شك في المتقدم منهما، و لا يعلم انه صلى تماما في الساعة الأولى و عدل في الساعة الثانية، أو بالعكس، و معنى ذلك أنه يعلم وجدانا بعدم الاتيان بالصلاة في احداهما و عدم العدول في الأخرى.

و على هذا الأساس فلا يجري استصحاب عدم الاتيان بالصلاة تماما إلى واقع زمان العدول و بالعكس لأن استصحاب عدم الصلاة تماما إلى زمان وجود العدول ان لوحظ زمان وجود العدول بنحو الموضوعية الذي يكون مرجعه إلى‌

453

..........

____________

اثبات التقييد بين الجزءين فهو ممتنع، لأن عدم الصلاة المقيد بزمان العدول ليس له بما هو مقيد حالة سابقة لكي تستصحب، و أما بذاته فهو و إن كانت له حالة سابقة، الا ان استصحابه لا يثبت التقيد الا على القول بالأصل المثبت.

و إن لوحظ زمان وجود العدول بنحو المعرفية الصرفية إلى واقع زمانه بحيث يكون الثابت بالاستصحاب التعبد ببقاء عدم الصلاة في واقع زمان لا طريق لنا إلى الاشارة إليه الّا بعنوان أنه زمان وجود العدول من دون أن يكون هذا العنوان مأخوذا في مورد و مصب التعبد الاستصحابي، فهو أيضا ممتنع لأن واقع ذلك الزمان مردد بين زمان يعلم بعدم الصلاة فيه، و زمان يعلم باتيانها فيه، و هذا من الاستصحاب في الفرد المردد، و هو لا يجري لعدم كون الشك فيه متمحضا في البقاء الذي هو من أركان الاستصحاب، و كذلك لا يجري استصحاب عدم العدول إلى واقع زمان وجود الصلاة.

فالنتيجة: ان الاستصحاب في المسألة لا يجري في نفسه، و على هذا فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة شريطة احتمال الالتفات و الأذكرية حال العمل، و لكن بما أن مثبتاتها لا تكون حجة، فلا تثبت ان العدول بعدها.

و أما بالنسبة إلى الصلوات الرباعية الآتية فبما أنه يعلم إجمالا أما بوجوب القصر في هذه الحالة أو التمام فيجب عليه الجمع بينهما ما دام في هذا البلد و لم يخرج منه ناويا السفر الشرعي.

و مع الاغماض عن ذلك و جريان كل من الاستصحابين في نفسه، فالصحيح انه يبقى على التمام، و لا يرجع إلى القصر لأن وجوب التمام مركب من العزم على الاقامة في مكان و الصلاة تماما فيه بدون أخذ شي‌ء زائد على وجوديهما بمفاد‌

454

..........

____________

كان التامة، فإذا كان الموضوع محرزا بكلا جزأيه وجدانا أو تعبدا، أو أحدهما وجدانا و الآخر تعبدا ترتب عليه أثره، و في المقام بما ان الصلاة تماما محرزة بالوجدان و العزم على الاقامة و عدم العدول محرز بالاستصحاب فبضمه إلى الوجدان يتحقق الموضوع و يترتب عليه أثره و هو البقاء على التمام، و لا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم الصلاة إلى زمان العدول.

و يمكن تقريب عدم المعارضة بوجهين ..

أحدهما: انه إن أريد باستصحاب عدم الصلاة استصحاب عدم ذات الصلاة و وجودها بمفاد كان التامة.

ففيه: انه غير مشكوك للقطع بوجودها.

و إن أريد به استصحاب عدم وجودها المقيد بأن يكون في زمان العدول، فهذا ليس موضوعا للحكم الشرعي لأن موضوع الحكم الشرعي قد أخذ بنحو التركيب لا التقييد، و في ضوء ذلك يجري استصحاب بقاء العزم و عدم العدول إلى زمان وجود الصلاة بلا معارض.

و لكن هذا الوجه غير صحيح، فان المستصحب ليس عدم وجود الصلاة في نفسها لكي يقال ان وجودها كذلك معلوم وجدانا فلا موضوع لاستصحاب عدمه و لا وجودها المقيد بزمان العدول حتى يقال ان وجودها المقيد بما هو مقيد ليس موضوعا للحكم لينفي بنفيه، بل المستصحب حصة خاصة من وجود الصلاة و هي الحصة في زمان وجود العدول، و بما أنها مشكوكة فيستصحب عدمها إلى واقع زمان وجود العدول، فينتفي الحكم حينئذ بانتفاء موضوعه، إذ كما ان استصحاب بقاء العزم على الاقامة و عدم العدول إلى واقع زمان وجود الصلاة يثبت جزء الموضوع من دون أن يثبت الوجود المقيد بزمان وجودها بما هو مقيد، كذلك‌

455

..........

____________

استصحاب عدم الصلاة إلى واقع زمان وجود العدول ينفى جزء الموضوع دون أن ينفى المقيد بما هو مقيد ليقال انه لا حالة سابقة له.

و الآخر: ان موضوع وجوب البقاء على التمام هو عدم العدول عن نية الاقامة و الاتيان بالصلاة تماما، و هذا الموضوع متى تحقق و في أي زمان ترتب عليه أثره الشرعي و استصحاب عدم الاتيان بالصلاة إلى واقع زمان العدول إنما ينفى حصة من هذا الموضوع و هي الحصة الواقعة في زمان العدول، و لا يترتب على نفيها نفي الموضوع الّا على القول بالأصل المثبت.

و إن شئت قلت: ان موضوع وجوب البقاء على التمام هو جامع الصلاة تماما مع عدم العدول على نحو صرف الوجود و نفي هذا الحكم يتوقف على أن لا يوجد هذا الموضوع المركب في أي زمان من الأزمنة التي مرت على المسافر، و على هذا فإذا شك المسافر الذي نوى الاقامة في بلد، ثم عدل عنها في أصل الاتيان بالصلاة تماما، فلا مانع من استصحاب عدم الاتيان بها إلى الوقت الحاضر، و معنى هذا نفي صرف وجود الموضوع المركب رأسا، لا فرد منه، و هذا بخلاف ما إذا علم بالاتيان بالصلاة تماما و لكن شك في أنه أتى بها قبل العدول عن نية الاقامة أو بعده، فإن المنفي حينئذ باستصحاب عدم الصلاة تماما حصة من الموضوع و فرد منه، و هي الحصة الواقعة في هذه القطعة من الزمن، و من المعلوم ان الحكم الشرعي إذا كان مترتبا على صرف وجود الموضوع القابل للانطباق على قطعات طويلة من الزمان لم يكف لنفي الحكم نفي حصة من وجود الموضوع، و هي وجوده في واحدة من تلك القطعات الّا على القول بالأصل المثبت.

و دعوى: ان حصة من هذا الموضوع و هو الصلاة تماما مع عدم العدول منفية بالاستصحاب في إحدى القطعتين من الزمان، و الحصة الأخرى منه منفية‌

456

وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة و هو مشكوك.

[مسألة 32: إذا صلى تماما ثم عدل و لكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر]

[2333] مسألة 32: إذا صلى تماما ثم عدل و لكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر و كان كمن لم يصلّ، نعم إذا صلى بنية التمام و بعد السلام شك

____________

بالوجدان في القطعة الأخرى منه على أساس ان العدول قد تحقق في احداهما جزما، و بضم الوجدان إلى الاستصحاب ننفى الحكم.

مدفوعة: بأنها انما تتم لو كان الحكم انحلاليا بحيث يكون للصلاة تماما مع عدم العدول في الزمن الأول حكم، و في الزمن الثاني حكم آخر و هكذا لكي يقال ان حكم الحصة الأولى منفي بالأصل، و حكم الحصة الثانية منفي بالوجدان، بل هناك حكم واحد و هو وجوب البقاء على التمام مجعول للجامع على نحو صرف الوجود، فإذن يتوقف نفي الحكم على نفي صرف الوجود، و لا يمكن نفيه بضم انتفاء احدى حصتيه بالوجدان إلى انتفاء الحصة الاخرى بالتعبد الّا بالالتزام بالأصل المثبت، ضرورة ان ترتب انتفاء صرف وجود الجامع على نفي الفرد و الحصة عقلى، فيكون المقام نظير القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، فإن الأثر الشرعي مترتب على الجامع بين الفرد الطويل و القصير، و لا يمكن نفي صرف وجود الجامع بينهما بضم انتفاء الفرد القصير وجدانا إلى نفي الفرد الطويل بالاستصحاب الّا على القول بالأصل المثبت، و من المعلوم انه لا فرق في ذلك بين الافراد الطولية و الافراد العرضية كما انه لا فرق من هذه الناحية بين أن يكون الشك في الوقت أو في خارجه.

فالنتيجة لحد الآن أنه على القول بجريان الاستصحاب في كل من الحادثين في نفسه يجري استصحاب عدم العدول عن نية الاقامة إلى واقع زمان الحادث الآخر، و هو الاتيان بالصلاة تماما دون العكس، و يترتب عليه صحتها و البقاء على التمام بالنسبة إلى الصلوات الآتية ما دام فيه و لم يخرج.