الغاية القصوى في التعليق على العروة الوثقى - كتاب الخمس

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
287 /
53

..........

الجهة الاولى: في انه هل يتقوّم مفهومه بتصدى إنسان عن قصد بان يدفن مالا و يدّخره في مكان اولا يتقوّم بذلك؟

____________

يظهر من جملة من كلام اهل اللغة و الفقهاء التقييد بهذا القيد و مقتضى القاعدة الاوّلية عند الشك في سعة المفهوم و ضيقه رعاية الشروط و القيود المحتملة، فانا قد ذكرنا مرارا ان مقتضى الاستصحاب البناء على عدم تحقّق المفهوم المقيد.

و تقريب الاستصحاب انه يقال عند الشك في صدق مفهوم الكنز مثلا: ان المدفون في الارض بلا الوصف الكذائي قبل وجوده لم يكن مصداقا لهذا العنوان من باب السالبة بانتفاء الموضوع و نشك في انه هل صدق عليه بعد وجوده، الاصل بقاء عدم الصدق.

هذا بحسب مقتضى الشك، و أمّا في مورد الكلام فيمكن أن يقال: انه لا تصل النوبة الى الاصل، فانه قد ثبت في الاصول ان صحة الحمل علامة الحقيقة و صحة السلب علامة المجاز، و انّا نرى ان لو وجد مال مدفون في مكان يصدق عنوان الكنز عليه، كما انه لا يصحّ سلب العنوان المذكور عنه، و لو كان صدق العنوان متقوّما بتصدي انسان عن قصد الادّخار لم يكن وجه للصدق اذ مع الشك في صدق المفهوم المقيّد كيف يصدق.

و أيضا التبادر علامة الحقيقة، و الظاهر ان المتبادر الى الذهن من هذا اللفظ مطلق المدفون في المكان بلا تعنونه بالعنوان المشار اليه فلاحظ.

54

..........

الجهة الثانية: في أنه هل يشترط في صدق العنوان كون مصداقه مدفونا في الأرض أو لا يشترط فيه ذلك

____________

بل يكفي كونه مذخورا في الجدار و نحوه.

الظاهر عدم الاشتراط للصدق العرفي، أضف الى ذلك ما رواه زرارة (1) فانه لا شبهة في أنّ صدق عنوان الركاز لا يتوقف على كون ذلك الشي‌ء مدفونا في خصوص الارض بل المفهوم باطلاقه أعمّ من ذلك فلاحظ.

الجهة الثالثة: ان عنوان الكنز هل يختصّ بالذهب و الفضة المسكوكين أو يعمّ غير المسكوك و غير الذهب و الفضة من سائر أنواع الجواهر؟

لا إشكال في عدم الاشتراط من حيث الصدق العرفي على الاعم و كون الاعم مشمولا للإطلاقات و العرف ببابك، انما الكلام في أنه هل يكون في المقام دليل يقتضي تقييد الاطلاق و يوجب حصر الوجوب في الذهب و الفضّة المسكوكين؟

اختار سيدنا الاستاد (قدّس سره) القول الثاني و خالف المتن و استدلّ على ما رواه بما رواه البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال:

سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس (2).

____________

(1) لا حظ ص 30.

(2) الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 2.

55

..........

____________

بتقريب: ان السائل يسأل الامام (عليه السّلام) عن الماهية التي فيها الخمس. و بعبارة اخرى: مورد السؤال الجنس لا المقدار فلا بدّ من رفع اليد عن الاطلاق بهذه الرواية المقيّدة.

و يرد عليه انّا سلمنا ان السؤال عن الماهية أي عن موضوع وجوب الخمس و لكن لا يظهر مدّعاه عن جواب الامام روحي فداه، اذ لو كان المراد تخصيص الحكم بخصوص المسكوكين من الذهب و الفضة كان المناسب أن يقول في جواب السائل «ما يجب فيه الزكاة ففيه الخمس» و لم يقل كذلك، بل قال «ما يجب الزكاة في مثله» فيعلم ان المراد المثلية في المقدار لا في الجنس.

و ان ابيت عن ذلك فلا أقلّ من الاجمال، و عليه يكون المحكّم الاطلاقات الاولية، اذ قد ثبت في الاصول عدم سراية اجمال المخصص المنفصل الى العام.

بل لنا ان نقول: بذلك الاطلاق يرتفع الاجمال عن المخصّص المذكور لكون لوازم الامارات حجة.

الجهة الرابعة: في المكان الذي يوجد فيه الكنز،

و لتوضيح المرام نتكلّم من هذه الجهة في عدة فروع.

و قبل الخوض فيها نقدم مقدمة

و هي: ان ادلة جواز تملك الكنز و تخميسه هل تشمل الكنوز المملوكة للغير أم لا؟

الظاهر هو الثاني، و يمكن الاستدلال على المدّعى بتقريبين:

56

..........

____________

التقريب الاول: انه لا اطلاق لأدلة تملك الكنز من هذه الجهة كما يكون الامر في نظائر المقام، مثلا هل يمكن أن يقال: ان دليل مملّكية الاحياء- أي من أحيا ارضا فهي له- مطلق بالنسبة الى مملوك الغير فيجوز تملك ارض الغير باحيائها؟

فلو قلنا بعدم الاطلاق في هذه الادلة من هذا الجهة و ان المتكلم لا يكون في مقام البيان من هذه الحيثيّة فلا مجال للأخذ بها و تملك ارض الغير بالاحياء أو تملك كنز الغير بالوجدان.

و يمكن تقريب المدّعي في المقام بوجه آخر و هو: ان حكم الامام (عليه السّلام) في أدلّة الكنز بالخمس وارد في جواب السائلين عما في الكنز، فقد فرض في كلام السائل كون الكنز الذي مورد السؤال لو لواجده، و انما يسأل عما فيه، و أما في أيّ مورد يصير الكنز مملوكا للواجد فلا تعرض له في السؤال و جواب الامام بالخمس واقع على إطار السؤال و دائرته لا أزيد فلا مقتضي لجواز تملك الكنز الذي يكون مملوكا للغير بأدلّة وجوب الخمس في الكنز فلاحظ النصوص الواردة في الأبواب المتفرّقة.

لكن التقريب المذكور لا يتمّ بالنسبة الى جميع النصوص الواردة في المقام، لاحظ ما رواه زرارة (1) فان الامام (عليه السّلام) في جواب السائل قد بيّن كلّيا جامعا لجميع موارد الركاز، هذا هو التقريب الاول.

____________

(1) لاحظ ص 30.

57

..........

____________

التقريب الثاني: انه سلّمنا الاطلاق في تلك الادلة في المقام و في غيره لكن لا بدّ من رفع اليد عنها بالمقيّد و هو قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ.

فان المستفاد من الآية الشريفة انه لا يجوز تملك مال الغير بغير التجارة عن تراض.

ان قلت: النسبة بين الآية الشريفة و دليل جواز تملك الكنز بالوجدان أو الأرض الميتة بالاحياء بالعموم من وجه، فان ما به الافتراق من ناحية الآية التملك بالقمار مثلا، فان الآية تشمل مورد التملك به و لا يشمله دليل جواز التملك باخراج الكنز و ما به الافتراق من ناحية دليل تملك الكنز، الكنز الذي لا يكون مملوكا لأحد و ما به الاجتماع و التعارض الكنز المملوك للغير و لا بد من تقديم الآية.

أوّلا: بانّ لسان الآية لسان الحكومة، اذ قد جعل التملك بغير التجارة باطلا عاطلا و دليل الحاكم مقدم على المحكوم كما حقّق في محله.

و ملخصه ان دليل الحاكم بتصرف في موضوع دليل المحكوم و بعد فرض فساد الموضوع لا مجال للأخذ باطلاق دليله و هذا ظاهر عند الخبير بالصناعة.

و ثانيا: ان النسبة- كما في بيان المعترض- بالعموم من وجه أي بالتباين الجزئي فانه قد قرر في محله ان ما خالف الكتاب فاضربه‌

58

..........

____________

عرض الجدار فالمخالف للكتاب و لو على نحو الموجبة الجزئية لا اعتبار به.

و ثالثا: انه يمكن أن يقال: انه لو خصّص عموم الكتاب بهذه العناوين يكون من مصاديق التخصيص المستهجن.

اضف الى ذلك كله: انه لو وصلت النوبة الى التعارض و عدم تقديم الكتاب يكون مقتضى التعارض التساقط و سقوط كلا المتعارضين عن الاعتبار و وصول النوبة الى الاصل العملي و مقتضاه عدم تحقق الملكية فان الكنز الفلاني مثلا لم يكن قبلا لواجده و كان مملوكا لغيره و الآن كما كان أي مقتضى الاستصحاب عدم دخوله في ملك الواجد و لعمري ما أفدته دقيق و بالتأمل و الأخذ به حقيق وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ.

فتحصل ممّا تقدم انه لا يجوز تملك كنز مملوك للغير إلّا بقيام دليل في مورد و يتفرع عليه انه لو شك في المملوكية و عدمها لا يجوز التملك أيضا لعدم جواز الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية و لا بد من التماس دليل يحرز به خروج المورد عن الشبهة و احراز عدم كونه مملوكا.

اذا عرفت ما ذكرنا نتكلم في الفروع المتناسبة مع المقام:

الفرع الأول: ما اذا وجد الكنز في دار الكفر.

ادّعي الاجماع عن غير واحد- على ما في بعض الكلمات- على‌

59

..........

____________

كونه ملكا لواجده و عليه خمسه.

و هذا لا اشكال فيه و اطلاق دليل جواز التملك و التخميس يشمله بلا اشكال، فان تملك مال الحربي جائز و المراد بالحربي من لا يكون ماله محترما كالذمي.

الفرع الثاني: أن يوجد في دار الإسلام و لا يكون عليه اثر الإسلام

فانه يكون مملوكا لواجده مع وجوب الخمس.

فانه مضافا الى الاجماع المدّعى عليه يكون الحكم المذكور مقتضى القاعدة، اذ بمقتضى استصحاب عدم كونه لمحترم المال يجوز تملكه.

بل لنا أن نقول: ان الحكم كذلك و لو مع كون الاثر الاسلامي عليه لو احتمل ان الأثر الموجود أوجده غير المسلم فيه.

و بعبارة واضحة: ما دام لم يحصل القطع أو الاطمينان أو الظن المعتبر على كون المدفون مملوكا لمحترم المال يجوز تملكه بمقتضى دليل تملك الكنز مع وجوب الخمس.

ان قلت: لا اشكال في أن حدوث الملكية يتوقف على الدليل و الّا فمقتضى الاستصحاب عدمه.

قلت: لا اشكال في أن المستفاد من الادلة الدالة على الخمس في الكنز صيرورته مملوكا للواجد اذا لم يكن مملوكا لمحترم المال.

ان قلت: هذا فيما يقطع بعدم كونه محترما و أما مع الشك فما الحيلة؟

60

..........

____________

قلت: مقتضى الأصل عدم كونه مملوكا لمسلم أو لذمّي فبالاستصحاب الجاري في الموضوع ينقّح ما هو موضوع في الحكم و يترتب عليه حكمه و لا يبقى مجال لاستصحاب عدم حصول الملك.

مضافا الى عدم الفرق من هذه الجهة بين وجدانه في دار الحرب أو في دار الإسلام.

و التفريق بين الموردين بالإجماع المنقول مخدوش فانه قد حقّق في محله عدم اعتبار الاجماع لا منقولا و لا محصّلا.

ان قلت: مقتضى الأصل عدم جواز التصرف و التملّك اذ قد ثبت بالسيرة العقلائية و العقل و النصّ عدم جواز التعدي الى الغير و عدم جواز التصرف في أموال الناس على نحو العموم و انما اخرج الحربي.

و بعبارة اخرى: لا يكون الحكم مخصوصا بخصوص المسلم كي يقال: ان العنوان المذكور يدفع بالأصل بل الأمر بالعكس، فاذا قال المولى: «اكرم العالم العادل» و شك في عدالة زيد العالم يحكم بعدم كونه عادلا بالأصل و يخرج عن تحت دليل وجوب الاكرام.

و أمّا اذا قال: «اكرم كل عالم الّا من كان فاسقا و شككنا في كون زيد العالم فاسقا أم لا، يحكم بعدم كونه كذلك و يدخل تحت دليل العموم.

و المقام كذلك أي بعد فرض احترام مال كل احد الّا الحربي يكون‌

61

..........

____________

مقتضى القاعدة الحرمة عند الشك، اذ بمقتضى الأصل يحكم بعدم كونه حربيا فيكون التصرف في العين حراما.

قلت: امّا السيرة العقلائية فلا أثر لها الّا مع الامضاء و لا دليل على امضاء السيرة المشار اليها الا في إطار خاص و دائرة مخصوصه و هي ما لو كان المالك مسلما، لاحظ ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدّها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله الّا بطيبة نفسه (1).

فان هذه الرواية تختص بخصوص المسلم و يؤكّد المدعى ان الصدر مطلق من حيث الإسلام و عدمه لكن الذيل اخذ في الموضوع عنوان المسلم فكأنه روحي فداه أعرض عن الاطلاق و خصّصه بخصوص المسلم.

و مثل النص المذكور رادعا للسيرة العقلائية و اذا لم يكن مثله ردعا فباي شي‌ء يحرز الردع و هذا العرف ببابك فلا اثر للسيرة المذكورة.

و امّا العقل فكرارا قلنا و الآن نقول: لا شأن للعقل في التدخّل في الامور الشرعية و الأحكام الالهية، و انما شأن العقل الحكم في باب الاطاعة و العصيان و الزامه بالاول و زجره عن الثاني فرارا عن العقاب الاحتمالي، فان دفع الضرر الاحتمالي لازم بحكم العقل.

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب مكان المصلى، الحديث: 1.

62

..........

____________

و صفوة القول: انه لا يدرك بالعقل الحكم الشرعي الالهي، و ما اشتهر في ألسن أهل الحلّ و العقد- من الملازمة بين الحكم العقلي و الشرعي بالتفصيل بين أن يكون حكم العقل في سلسلة العلل، فيكون الحكم الشرعي تابعا له، و أمّا في سلسلة المعلول فلا، تبعا لبعض الاعاظم من الاصوليين- فكلام لا محصل له و غير صحيح بتاتا.

فانهم يقولون ان الظلم حرام و قبيح بحكم العقل فيكون الشرع تابعا له، و نسأل التصرف في مال الغير بلا رضاه أقبح في نظر العقل أم قتل انسان عادل بل معصوم واجد لجميع الفضائل و الكمالات؟

لا اشكال في كون الثاني أقبح بل لا يكون قابلا للمقايسة و مع ذلك ان الشارع الاقدس يأمر خليله بقتل ابنه و ذلك النبي العظيم لا يفكّر في شي‌ء و لا يحمل كلام المولى على المجاز بل يتصدّى لقتل الولد و ذلك الولد أيضا لا يستنكر عمل والده.

و لا يكاد ينقضي تعجّبي عن سيدنا الاستاد كيف تصدّى للإشكال على من جوز التصرف بالأصل بتقريب حكم العقل و لعمري ما أفدته واضح غير قابل للإيراد و الاشكال.

و أمّا النصّ فلاحظ التوقيع عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال: كان فيما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس اللّه روحه) في جواب مسائلي الى صاحب الدار (عليه السّلام):

و أمّا ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا و يتصرّف‌

63

..........

____________

فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون و نحن خصماؤه فقد قال النبي (صلى اللّه عليه و آله): المستحل من عترتي ما حرّم اللّه ملعون على لساني و لسان كلّ نبي مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا و كانت لعنة اللّه عليه. لقوله عزّ و جلّ: أَلٰا لَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الظّٰالِمِينَ الى أن قال: و اما ما سألت عنه من امر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها و أداء الخراج منها و صرف ما يفضل من دخلها الى الناحية احتسابا للأجر و تقرّبا إليكم فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه فكيف يحل ذلك في مالنا، انه من فعل شيئا من ذلك لغير امرنا فقد استحل منّا ما حرّم عليه و من أكل من مالنا شيئا فانما يأكل في بطنه نارا و سيصلى سعيرا (1) المدعى صدوره عن الناحية المقدسة، فان الحديث المذكور تام من حيث الدلالة و لكن مخدوش سندا فلا يكون قابلا للاستناد اليه.

فالنتيجة انه يجوز التملّك مع الشك في كون المالك محترما.

ان قلت: يترتّب على هذه المقالة انه لو رأينا انسانا له مملوكات من الدار و الفرش و الاواني الى غيرها من الأموال و شككنا في أنه محترم المال أم لا، يجوز لنا تملك أمواله و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم؟

قلت: ان قام اجماع كاشف أو ضرورة فقهيّة على الحرمة فهو‌

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث: 7.

64

..........

____________

و الا فلا مانع عن الالتزام به، و مجرّد الاستبعاد لا يقتضي الحرمة و لا يوجب رفع اليد عن مقتضى القاعدة فلاحظ.

ان قلت: ان الأمر من حيث الأصل العملي كما ذكرت لكن لا بدّ من رفع اليد عن الاصل بما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قضى عليّ (عليه السّلام) في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرّفها فان وجد من يعرفها و الّا تمتّع بها (1).

فان المستفاد من الحديث انه لو شك في كون الكنز لمحترم المال أم لا، يلزم الفحص فلا يجوز تملّكه مع الاحتمال المذكور.

و بعبارة اخرى: لو لم يكن المستفاد من الحديث خصوص الكنز فلا أقلّ من شموله إيّاه أي باطلاقه يشمل الورق المذخور في الارض الخربة.

قلت: يرد عليه أولا: ان غاية ما يمكن أن يقال ان الكنز المجهول مالكه اذا وجد يجري عليه حكم اللقطة لكن نسأل ان موضوع الفحص في اللقطة مطلق من حيث كون المالك المجهول محترم المال أو غيره أو مقيد أو مهمل؟

لا سبيل الى الاول و الثالث، أما الاول، فانه كيف يمكن ان الشارع يوجب الفحص عن مالك غير محترم و الحال ان في حال معرفته و تمييزه و العلم بكونه حربيا يجوز تملك ماله.

____________

(1) الوسائل: الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث: 5.

65

..........

____________

و امّا في حال الشك و الاحتمال فيجب الفحص عنه و لا يجوز تملك ماله؟!! فالاطلاق لا يمكن.

و اما الثالث فلعدم امكان الاهمال في الواقع فيبقى الوسط و هو كون الموضوع مقيدا بكونه محترم المال، فلو وجد الكنز و شك في كونه لمحترم المال أم لا يحكم بعدم كونه له بالاصل، فبالاستصحاب يحرز الموضوع فيترتب عليه الحكم.

و ثانيا: ان غاية ما في الباب ان الحديث المذكور باطلاقه يشمل الكنز لكن يعارضه ما رواه زرارة (1).

و النسبة بين الحديثين عموم من وجه، فان ما به الافتراق من ناحية حديث ابن قيس المال الذي لا يكون كنزا و ما به الافتراق من ناحية حديث زرارة الكنز الذي يقطع بعدم كونه مملوكا لمحترم المال و يقع التعارض بين الجانبين في مورد احتمال كونه لمحترم المال و الترجيح الدلالي مع حديث زرارة، فان العموم الوضعي قابل لأن يكون مقيدا و بيانا للعموم الاطلاقي.

و ان كان الجزم بهذه المقالة مشكلا، اذ القول به امّا من ناحية ان الاطلاق حدوثا و بقاء متوقف على عدم البيان و العموم الوضعي قابل لأن يكون بيانا له.

و بعبارة اخرى: مع وجود العامّ الوضعي لا اطلاق، و إمّا من‌

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث في ص 30.

66

..........

____________

ناحية ان الظهور الاقوى يقدم على غيره.

و شي‌ء من التقريبين لا يكون تاما، أمّا التقريب الاول فلأن الاطلاق بحدوثه و تمامية مقدمات الحكمة حين تكلم المولى ان تم، يبقى فان الشي‌ء لا ينقلب عما هو عليه.

و بعبارة اخرى: ان تمّ الاطلاق حين صدور الكلام عن المولى- كما هو المفروض- يكون باقيا و لا مجال لأن يقال ظهور المطلق في الاطلاق تعليقي و ظهور العموم فيه تنجيزي و لا تكافئ بينهما فانها دعوى بلا برهان.

و اما التقريب الثاني، فان دعوى تقديم الصريح على الظاهر أو الاظهر عليه كلام شعري ذوقي ليس تحته شي‌ء، و لذا نرى يقدم الظهور الاطلاقي على الوضعي في بعض الموارد.

مثلا لو قال المتكلم: رأيت اسدا يرمى يحملون لفظ الاسد على الرجل الشجاع عملا باطلاق الرمي الظاهر في الرمي بالنبال.

و الميزان في تقديم احد الدليلين على معارضه كونه قرينة و شارحا للمراد من الآخر في نظر العرف و هذا هو الميزان الكلي الساري في جميع الموارد، فان الأسد موضوع بالوضع للحيوان المفترس و الرمي ظاهر في الرمي بالنبال بالظهور الاطلاقي، و الوجه فيه ان العرف يرى أن قول القائل قرينة على ارادة الرجل الشجاع من لفظ الاسد.

و ثالثا: انه لا بد من رفع اليد عن اطلاق حديث محمد بن‌

67

..........

____________

قيس (1) بحديث محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم و ان كان خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال احقّ به (2).

فان المستفاد من الحديث المذكور التفصيل بين جلاء الأهل و عدم جلائهم، فعلى الاول يكون المال لواجده بلا تعريف، و على الثاني لا بدّ من التعريف.

و رابعا: ان المستفاد من حديث محمد بن قيس حكم وارد في إطار خاص و دائرة محدودة و لا عموم له كي يؤخذ به في كل مورد من الموارد.

فتحصل ان ما افاده الماتن من انه لو وجد الكنز في دار الكفر أو في دار الإسلام في أرض الموات أو الارض الخربة التي لا مالك لها أو المملوكة بالاحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه للبائع أعم من ان يكون عليه اثر الإسلام أم لا، يترتب عليه الحكم من صيرورته مملوكا للواجد و وجوب الخمس عليه، تام لا اشكال فيه.

الفرع الثالث: انه لو وجد في ارض مبتاعة مع احتمال كونه مملوكا لأحد البائعين.

حكم الماتن بانّه عرّف المالك قبله فان لم يعرفه فالمالك قبله، فان عرفه واحد منهم اعطاه بلا بينة و الا فهو للواجد و عليه الخمس.

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث في ص 64.

(2) الوسائل: الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

68

..........

____________

أقول: تارة نتكلّم على ما هو مقتضى القاعدة الاولية و اخرى على مقتضى النص الخاص فيقع الكلام في موضعين:

اما الموضع الاول فنقول: تارة يكون وجود الكنز في مكان لا يعدّ من توابع الدار عرفا، و اخرى في مكان يعد كذلك، امّا على الاول فلا اثر لليد كما تقدم و في الفرض المذكور ان لم يعلم بكونه مملوكا و احتمل عدم دخوله في ملك احد فلا اشكال في جواز تملّكه غاية الامر يجب فيه الخمس بدليل وجوبه في الكنز.

و أمّا لو علم بكونه مملوكا فتارة يعلم أو يحتمل كونه لمهدور المال و إمّا يعلم بكونه مملوكا لمحترم المال، امّا على الأول فايضا لا مانع من تملّكه مع وجوب الخمس، اما في صورة العلم فظاهر، و امّا مع الشك فبمقتضى اصالة عدم كونه لمحترم المال ينقّح الموضوع و يجوز اخذه.

و امّا لو علم انه لمحترم المال فيدخل في عنوان مجهول المالك فايضا يجوز أخذه مع وجوب الخمس، فان حديث ابن مهزيار قال:

كتب اليه ابو جعفر (عليه السّلام) و قرأت انا كتابه اليه في طريق مكة قال: ان الذي أوجبت في سنتي هذه و هذه سنة عشرين و مائتين فقط لمعنى من المعاني اكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار و سأفسّر لك بعضه ان شاء اللّه ان مواليّ اسأل اللّه صلاحهم أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك فأحببت ان اطهّرهم و ازكّيهم بما فعلت من امر الخمس في عامي هذا.

69

..........

____________

قال اللّه تعالى خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقٰاتِ وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ. وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

و لم اوجب عليهم ذلك في كل عام و لا اوجب عليهم الا الزكاة التي فرضها اللّه عليهم و انما اوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضة التي قد حال عليهما الحول و لم اوجب ذلك عليهم في متاع و لا آنية و لا دوابّ و لا خدم و لا ربح ربحه في تجارة و لا ضيعة الّا في ضيعة سأفسّر لك أمرها تخفيفا منّي عن مواليّ و منّا منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم و لما ينوبهم في ذاتهم.

فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال اللّه تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ.

فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها و الجائزة من الانسان للإنسان التي لها خطر و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن و مثل عدوّ يصطلم فيؤخذ ماله و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب و ما صار الى مواليّ من أموال الخرّمية‌

70

..........

____________

الفسقة فقد علمت ان اموالا عظاما صارت الى قوم من موالي فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصله الى وكيلي و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمّد لإيصاله و لو بعد حين، فان نية المؤمن خير من عمله، فامّا الذي اوجب من الضياع و الغلّات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، و من كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك (1)، يقتضي كون مجهول المالك ملكا للآخذ و باطلاقه يشمل المقام.

هذا من ناحية، و من ناحية اخرى دليل وجوب الخمس في الكنز يقتضي وجوبه و لا تنافي بين الدليلين.

و قد نقل سيدنا الاستاد عن المحقق الهمداني و المحقق الايرواني بانهما استفادا من الحديث كون مجهول المالك مملوكا للآخذ.

و قد اورد (قدّس سره) في الاستدلال بالحديث على المدّعى ايرادين:

الايراد الاول: ان الحديث لا تعرض فيه لمورد حصول الملك و جواز التملك في مجهول المالك بل بيّن الامام (عليه السّلام) الحكم على نحو القضية الحقيقية فيمكن أن يكون ناظرا الى مورد جواز تملك مجهول الملك كاللقطة بعد الفحص منه و اليأس عن وجدان مالكها.

و هذا الايراد بمراحل عن الواقع و العرف ببابك، فانه يمكن أن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب وجوب الخمس، الحديث: 5.

71

..........

____________

يقال: ان الحديث بلحاظ الفهم العرفي صريح في المدعى و لا غرو.

الايراد الثاني: انه لو اغمض عن الايراد الاول ان الحديث ليس صريحا في جواز التملك، بل ظاهر فيه فلا بدّ من تقييده بما دلّ على وجوب التصدق بمجهول المالك (1).

و الظاهر أنّه ناظر إلى ما رواه ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: ان رجلا من ثقيف أهدى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) روايتين من خمر فأمر بهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأهريقتا و قال: ان الذي حرّم شربها حرّم ثمنها ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان افضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها (2).

و لا أدرى ما اراد من كلامه، فان غاية ما يمكن أن يقال: ان الحديث معارض بما دل على وجوب التصدق، و قد ذكرنا في بحث جوائز السلطان في الجزء الاول من كتابنا «عمدة المطالب في التعليق على المكاسب» ان الحديث المذكور يقدّم على معارضه بالاحدثية فراجع ما ذكرناه هناك.

ان قلت: حديث ابن مهزيار معارض برواية ابن عمار عن عبد صالح (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له و لم تزل في يده‌

____________

(1) مصباح الفقاهة: ج 1 ص 519.

(2) الوسائل: الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 1.

72

..........

____________

و يد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه انّها ليست لهم و لا يدرون لمن هي فيبيعها و يأخذ ثمنها؟ قال: ما احب أن يبيع ما ليس له، قلت: فانه ليس يعرف صاحبها و لا يدري لمن هي و لا اظنّه يجي‌ء لها ربّ ابدا؟ قال: ما احبّ ان يبيع ما ليس له، قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول: ابيعك سكناي و تكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: نعم يبيعها على هذا (1).

فكيف التوفيق؟ قلت: الترجيح مع حديث ابن مهزيار بالاحدثية فلاحظ.

و اما اذا كان في مكان يعد عرفا من التوابع فيكون مملوكا لصاحب اليد و يكون محكوما به و لا يتوقف على التعريف و السؤال، فان اليد امارة الملك.

و لا مجال لان يقال: ان اليد الفعلية امارة الملك لا اليد السابقة، اذ لو فرض انه في الساعة الواحدة حكم بكون الشي‌ء الفلاني لزيد ليده عليه و في الساعة الثانية الغاصب غصبه منه هل يمكن لنا أن نقول:

لا نحكم بكونه غصبا، اذ ليس يد المغصوب منه عليه، و هل يمكن القول به؟ كلا.

و على الجملة ما دام لم يقم دليل على اسقاط اليد عن الاعتبار نحكم بكون ما في اليد مملوكا لذيها.

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث: 5.

73

..........

____________

ان قلت: قد فرض خلع اليد و الدليل على اعتبارها السيرة و القدر المتيقن منها ما دام وجودها، و اما بعد انتفائها فلا دليل على اعتبارها بل مقتضى الاصل الاولي عدم اعتبارها.

قلت: اذا فرض تحقق اليد في زمان كما هو المفروض و قد حكم بكون ما فيها مملوكا لذيها معناه ان الشي‌ء الفلاني كالدار الفلانية مملوكة لذي اليد الى أن يخرج عن ملكه بسبب من الاسباب، فما دام لم يعلم بتحقّق ذلك السبب يحكم بكونه له، فعلى هذا ما افاده في المتن تام، غاية الأمر كما تقدم لا وجه للتعريف و السؤال الّا ان تعترف اليد السابقة بعدم كونه له، فتصل النوبة الى الأسبق، هذا تمام الكلام في الموضع الاول.

و أمّا الموضع الثاني: ففي المقام نصوص لا بد من ملاحظتها و استفادة الحكم منها فنقول:

من تلك النصوص ما رواه ابن مسلم (1) فان المستفاد من الحديث التفصيل بين كون الدار معمورة، فيها اهلها فيكون لهم و ان كانت خربة قد جلا عنها اهلها يكون للواجد و بالنسبة الى الخراب الذي لم يجل عنها اهلها يكون الحديث ساكتا و يبقى حكمه على طبق القاعدة الاولية.

و منها: ما رواه محمد بن مسلم أيضا، عن أحدهما (عليهما السّلام) في‌

____________

(1) لا حظ ص 67.

74

..........

____________

حديث قال: و سألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: ان كانت الدار معمورة فهي لأهلها، و ان كانت خربة فأنت احق بما وجدت (1).

و هذا الحديث قد فصّل بين العمران و الخراب، ففي الصورة الاولى يكون لأهلها، و في الثانية للواجد و لا بد من تقييده بصورة جلاء الاهل بواسطة الحديث الاول، لكن قد تقدم منّا ان ذلك الحديث غير متعرض لهذه الصورة.

و بعبارة واضحة: الحديث الاول مقسّم و لا مفهوم للقضية الّا على القول بمفهوم اللقب أو الوصف الذي لا نقول به، و عليه لا مجال لتقييد هذه الرواية بتلك.

و منها: ما رواه اسحاق بن عمّار قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السّلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال:

يسأل عنها اهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فان لم يعرفوها؟ قال:

يتصدّق بها (2).

و مقتضى هذا الحديث انه لو وجد الكنز في الدار المعمورة فيها اهلها يكون لهم، و ان لم يكن لهم يجب التصدق به، و الظاهر أنّه لا تنافي بين الحديث المذكور و ما تقدمه.

____________

(1) الوسائل: الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث: 2.

(2) نفس المصدر، الحديث: 3.

75

(مسألة 14): لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة وجب تعريفهما و تعريف المالك أيضا، فان نفياه كلاهما كان له و عليه الخمس، و ان ادعاه أحدهما اعطي بلا بينة (1) و ان

الفرع الرابع: انه لو تنازع فيه الملّاك يجري عليه حكم التداعي

____________

كما هو المقرر، فانه من الواضح ان لا فرق بينهم فلا ينطبق على تنازعهم عنوان المدعي و المنكر و هذا ظاهر واضح.

الفرع الخامس: انه لو ادّعاه احدهم ارثا و نفى الباقون

يعطى المدعي بمقدار حصته و يؤخذ الباقي و يخمس.

و الظاهر انه على طبق القاعدة، اذ المدعي للإرث لا يدعي الا مقدار حصّته فيعطى ذلك المقدار، و امّا الباقون فمعترفون بعدم كونهم مالكين فيؤخذ باقرارهم و يتملك الواجد أو يتصدق على التفصيل الذي تقدم.

الفرع السادس: انه يشترط في وجوب الخمس في الكنز، النصاب و هو عشرون دينارا.

ادّعي عليه الاجماع، و يدل عليه من النصوص ما رواه البزنطي (1) و قد تقدّم ان المراد المثلية في المقدار فما أفاده تام.

[مسألة 14: لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة وجب تعريفهما و تعريف المالك أيضا]

(1) الظاهر انه يظهر الحال في هذه المسألة ممّا تقدّم من التفصيل بين مقتضى القاعدة الاولية و بين ما يقتضيه النصّ الخاص بلا فرق فلا وجه للإعادة.

____________

(1) لاحظ ص 54.

76

ادّعاه كل منهما ففي تقديم قول المالك وجه لقوة يده و الأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوّة احدى اليدين (1).

[مسألة 15: لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول]

(مسألة 15): لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول، ففي اجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان، و لو علم انه كان ملكا لمسلم قديم فالظاهر جريان حكم الكنز عليه (2).

____________

(1) الميزان صدق عنوان ذي اليد و ان لم تكن العين مملوكة لذيها و بعبارة واضحة: لا خصوصية للملكيّة و على الجملة تمام الموضوع صدق العنوان المزبور فلاحظ.

(2) الظاهر انه لا يمكن اجراء حكم الكنز عليه اذ غاية ما يمكن أن يذكر في تقريبه ان مقتضى اطلاق دليل الكنز عدم الفرق بين محترم المال و غيره.

و يرد عليه أوّلا بالنقض في أمثاله مثلا هل يمكن أن يقال ان مقتضى دليل مملكيّة الاحياء جواز تملك ارض ممات مملوكة للغير بالاحياء؟ كلا.

و ثانيا بالحل و هو: انصراف الدليل عن مورد ذلك المال المحترم مضافا الى أن دليل الكنز معارض بدليل عدم جواز التصرف في مال المسلم و النسبة بين الدليلين عموم من وجه.

و يتساقطان في مورد الاجتماع، و مقتضى الاصل الاوّلي عدم حصول الملك.

77

(مسألة 16): الكنوز المتعددة لكل واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه، فلو لم يكن آحادها بحد النصاب و بلغت بالضمّ لم يجب فيها الخمس، نعم المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعددة يضمّ بعضه الى بعض فانه يعدّ كنزا واحدا و ان تعدد جنسها (1).

____________

بالاضافة الى انّ مقتضى قوله تعالى: إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ حصر التملك في التجارة عن تراض.

نعم لو علم أنه لا يكون له مالك بأن مات مالكه و لم يبق له وارث و انتقل المال الى الامام روحي فداه و قلنا بجواز تملك ماله في أمثال المقام و لو للشيعة يجوز.

و امّا لو علم انه لمسلم فما دام لم يقطع بانتقاله اليه (عليه السّلام) لا يجوز، اذ مقتضى الاستصحاب بقاء الوارث.

فالنتيجة انه يجري عليه حكم مجهول المالك، و قد تقدم منا ان حكمه بمقتضى حديث ابن مهزيار صيرورته ملكا للواجد فلاحظ.

[مسألة 16: الكنوز المتعددة لكل واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه]

(1) ما أفاده تام، فانّ المستفاد من الدليل انحلال الحكم بانحلال الموضوع و ترتّب الحكم في كل مورد على حياله و استقلاله فلا وجه لملاحظة ضم فرد الى فرد آخر.

نعم اذا صدق عنوان الوحدة على مورد و لو كان المال المدفون في ظروف متعددة و لو من أجناس عديدة، يعتبر كنزا واحدا، فاذا كان مجموعه بالغا حد النصاب يترتب عليه الحكم.

78

(مسألة 17): في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعة بمقدار النصاب، فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس، و ان لم يكن كل واحدة منها بقدره (1).

(مسألة 18): اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا فحاله حال الكنز الذي يجده في الارض المشتراة في تعريف البائع و في اخراج الخمس إن لم يعرّفه و لا يعتبر فيه بلوغ النصاب، و كذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة مع احتمال كونه لبائعها، و كذا الحكم في غير الدابّة و السمكة من سائر الحيوانات (2).

[مسألة 17: في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعة بمقدار النصاب]

____________

(1) الميزان في ترتب الحكم في الكنز صدق وجدانه و الاستيلاء عليه، و لا يعتبر فيه الاخراج لا دفعه و لا دفعات و بعبارة اخرى:

الاخراج ليس له موضوعية فلا مجال لتوهم لزومه دفعة فلاحظ.

[مسألة 18: اذا اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا فحاله حال الكنز الذي يجده في الأرض المشتراة]

(2) تعرض الماتن في هذه المسألة لعدة فروع:

الفرع الأول: انه لو وجد في جوف دابة مشتراة مالا عرّفه البائع فان عرفه دفعه اليه.

و يدل على المدعى ما رواه عبد اللّه بن جعفر قال: كتبت الى الرجل (عليه السّلام) أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقّع (عليه السّلام): عرّفها البائع، فان لم يعرفها فالشي‌ء لك رزقك اللّه اياه (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

79

..........

____________

و مثله حديثه الآخر في نفس الباب فلا اشكال في الحكم المذكور.

الفرع الثاني: انه ان لم يعرفه البائع يكون المال ملكا للمشتري و رزق رزقه اللّه.

و لا اشكال في هذه الجهة انما الكلام انه ان علم المشتري انه مملوك لمسلم هل يجوز تملكه أم يجري عليه حكم مجهول المالك؟

أفاد سيدنا الاستاد بأنه يجوز تملكه اخذا بحديث ابن جعفر اذ هو مطلق من هذه الجهة.

و اخترنا الجواز في الدورة السابقة و لكن للإشكال فيه مجال واسع و هو انه مع العلم بالمالك و تشخيصه و معرفته بخصوصياته هل يمكن القول بالجواز للإطلاق؟ و الظاهر عدم امكان القول به هذا أولا.

و ثانيا: ان لنا أن نقول: مقتضى حديث عدم جواز التصرف في مال مسلم الّا بطيب نفسه، عدم الجواز و تكون النسبة بين الحديثين عموما من وجه، و في مادة الاجتماع يقع التعارض بين الجانبين فلا بد في ترجيح احدهما على الآخر من مرجح و يرجّح حديث ابن جعفر بالأحدثيّة. هذا بحسب مختارنا في باب الترجيح و أمّا على مختار سيّدنا الاستاد في ذلك الباب فلا يتمّ الأمر و يبقى الإشكال عليه.

الفرع الثالث: انه يجب فيه الخمس

و الظاهر انه لا دليل عليه، بل الدليل قائم على عدمه، اذ المولى في مقام البيان و لم يحكم بوجوب الخمس فيه فيحكم بعدمه بمقتضى الاطلاق المقامي الذي هو من‌

80

..........

____________

الأصول اللفظية.

مضافا الى اصالة البراءة المقتضية لعدم الوجوب، نعم يكون من الأرباح و يترتب عليه حكمها و مع عدم وجوب الخمس فيه لا موضوع لاشتراط النصاب و عدمه كما هو ظاهر.

الفرع الرابع: ان الحكم كذلك فيما لو وجد المشتري مالا في جوف السمكة المشتراة.

تارة يتكلم في السمكة مبنيا على شمول الحديث باطلاقه المورد و اخرى نتكلم على تقدير عدم الشمول أول الشك فيه فيقع الكلام في موردين:

امّا المورد الاول، فنقول: يجري على السمكة المشتراة ذلك الحكم كما أفاده في المتن فلو احتمل كون ما في جوفها للبائع يجب تعريفها الى آخر الأمر.

و لكن الجزم بجريان الحكم يتوقف على العلم بعدم الفرق بين الموارد من الحيوانات، فان الموضوع المأخوذ في الدليل لا يشمل المورد و كيف يمكن للفقيه القطع بعدم الفرق و الحال ان الأحكام الشرعية امور تعبدية لا تنالها عقولنا.

و توهم ان حكم الامام من باب حجية اليد و لا فرق فيها بين الموارد فاسد.

اذ يرد عليه اولا: انه لو كان مدرك الحكم هذه الجهة فلا يتوقف‌

81

..........

____________

الدفع على التعريف بل لا بدّ من دفعه لقيام الامارة على كونه ملكه.

و ثانيا: انه لو كان محكوما بكونه له فلا فرق في جهله و علمه، فان ما في اليد محكوم بكونه لذي اليد، و ان لم يكن ذو اليد عالما به و لذا لو وجد زيد مالا في صندوقه الخاص به يكون له بلا اشكال.

و ثالثا: ان قاعدة اليد قاصرة بالنسبة الى أمثال المقام و نتعرض له في المورد الثاني ان شاء اللّه تعالى، هذا تمام الكلام في المورد الاول.

و أمّا المورد الثاني: فنقول: تارة نقطع بكونه للبائع و اخرى نشك و ثالثة نقطع بانه لا يكون مملوكا له، أما في الصورة الاولى فلا بدّ من رده اليه كما هو ظاهر الّا أن يشترط في ضمن البيع تمليكه ايّاه على نحو شرط النتيجة أي يملّكه بالشرط و يسلم انه لا يلزم في التمليك صيغة خاصة.

و بعبارة اخرى: يكون هبة في ضن عقد البيع، و أمّا الصورة الثانية فمقتضى اصالة عدم كونه له عدم وجوب دفعه إليه فيكون مملوكا للمشتري، اذ قد تقدم منّا ان مقتضى حديث ابن مهزيار ان مجهول المالك مملوك لمن وصل اليه، بل يكون الأمر كذلك حتى مع الاغماض عن استصحاب عدم كونه للمالك، اذ يصدق عليه عنوان انه «لا يعرف له صاحب» فيترتب عليه حكم مجهول المالك.

ان قلت: قاعدة اليد تقتضي كونه ملكا للبائع إلّا أن يقوم على خلافه دليل.

82

(مسألة 19): إنما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مؤنة الإخراج (1).

____________

قلت: العمدة في اعتبار القاعدة السيرة العقلائية و جريان السيرة في أمثال المقام أول الكلام و الاشكال و لا دليل عليه.

ان قلت: ان الصياد بصيده للسمك يحوز ما في جوفه أيضا فالبائع بصيده يملك السمك مع ما في جوفه.

قلت: يرد عليه اولا: ان هذا الدليل يختص بما يشترى ما صاده البائع و امّا اذا كان البائع غير الصياد فلا مجال للتقريب المذكور.

و ثانيا: انه لا دليل على مملكيّة الحيازة بهذه السعة و الاطلاق و القدر المتيقن من تلك القاعدة انه لو حاز شخص شيئا بعنوان التملّك يملكه، و أمّا مجرد وصول شي‌ء الى يد احد و وقوعه في سلطته فكونه مملّكا لا دليل عليه.

و امّا الصورة الثالثة: فقد ظهر حكمها ممّا تقدم، هذا كله فيما علم انه مملوك لمحترم المال، و أمّا مع الشك فيه أو القطع بالعدم فالأمر أوضح فلاحظ.

الفرع الخامس: ان الحكم المذكور جار في غير الدابة و السمك من ساير الحيوانات.

و قد ظهر ممّا تقدم انه لا وجه لإسراء الحكم الى غير ما ذكر في النص.

[مسألة 19: إنما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مؤنة الإخراج]

(1) أقول: أفاد الماتن ان اعتبار النصاب في الكنز بعد استثناء مؤنة الاخراج.

و قد تقدم في بحث المعدن انه لا وجه لما أفاده، فان المستفاد من‌

83

[مسألة 20: اذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصابا]

(مسألة 20): اذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصابا و ان لم يكن حصة كل واحد بقدره (1).

[الرابع: الغوص]

الرابع: الغوص و هو إخراج الجوهر من البحر مثل اللؤلؤ و المرجان و غيرهما معدنيّا كان أو نباتيا لا مثل السمك و نحوه من الحيوانات فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ قيمته دينارا فصاعدا فلا خمس فيما ينقص من ذلك، و لا فرق بين اتحاد النوع و عدمه، فلو بلغ قيمة المجموع دينارا وجب الخمس و لا بين الدفعة و الدفعات فيضمّ بعضها الى بعض، كما أنّ المدار على ما اخرج مطلقا و ان اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كل منهم النصاب و يعتبر بلوغ النصاب بعد اخراج المؤن كما مر في المعدن و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط، و امّا لو

____________

الدليل انه لو كان الكنز في حد نفسه بالغا حد النصاب يجب عليه الخمس، نعم بمقتضى قوله (عليه السّلام) «الخمس بعد المئونة» نلتزم بأنّ الواجب تخميس ما يبقى بعد اخراج المئونة و لو كان الباقي أقلّ قليل و هذا مطلب آخر، لا يرتبط بما افاده فلاحظ.

(1) الأمر كما أفاده بعين ما تقدم في نصاب المعدن، فان المستفاد من الدليل ان الكنز اذا كان بالغا حد النصاب يكون فيه الخمس و مقتضى اطلاق الدليل عدم الفرق بين تعدد المخرج و وحدته و بلا فرق بين بلوغه في نصيب كل واحد حد النصاب و عدم بلوغه.

84

غاص و شدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه، نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة بل يدخل في أرباح المكاسب فيعتبر فيه مؤنة السنة و لا يعتبر فيه النصاب (1).

يقع البحث في المقام من جهات:

الجهة الاولى: في دليل الحكم،

____________

(1) قال في الحدائق ما مفاده: انه لا خلاف في الحكم.

أقول: العمدة النصوص الواردة في المقام و من النصوص المشار اليها ما رواه عمّار بن مروان (1).

قال المعلّق على الوسائل في الهامش: «في المصدر احمد بن محمد بن عيسى» فلا اشكال في السند ظاهرا.

و قال سيدنا الاستاد «المراد من عمّار في الحديث الثقة فانه المعروف المنصرف اليه اللفظ».

و منها: ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن العنبر و غوص اللؤلؤ؟ فقال: عليه الخمس الحديث (2).

و الرواية تختص بالعنبر و اللؤلؤ.

و منها ما أرسله الصدوق قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السّلام) عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن‌

____________

(1) لا حظ ص 39.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 1.

85

..........

____________

معادن الذهب و الفضة هل فيها زكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس (1) و المرسل لا اعتبار به.

و منها: ما رواه محمد بن علي بن أبي عبد اللّه (2) و الحديث ضعيف به.

و منها: ما رواه ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: الخمس على خمسة أشياء على الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة (3).

و هذه الرواية لإرسالها لا اعتبار بها و عنوان غير واحد لا يخرج الحديث عن الخبر الواحد و لا يدخله في المتواتر، فان عنوان غير واحد يصدق على ثلاثة أو اربعة، و من الظاهر ان العدد المذكور لا يوجب تعنون الحديث بالمتواتر.

و منها: ما ارسله احمد بن محمد قال: حدثنا بعض اصحابنا رفع الحديث قال: الخمس من خمسة أشياء من الكنوز و المعادن و الغوص و المغنم الذي يقاتل عليه و لم يحفظ الخامس الحديث (4) و هذ الرواية لإرسالها لا اعتبار بها.

و منها ما رواه علي بن الحسين المرتضى في رسالة «المحكم‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 2.

(2) لاحظ ص 29.

(3) الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 7.

(4) الوسائل: الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 11.

86

..........

____________

و المتشابه» عن علي (عليه السّلام) قال: و اما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق و اسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة و العمارة و وجه الإجارة و وجه التجارة و وجه الصدقات، فأمّا وجه الامارة فقوله وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ فجعل للّٰه خمس الغنائم و الخمس يخرج من اربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين و من المعادن و من الكنوز و من الغوص (1).

و الحديث ضعيف بضعف اسناده الى علي (عليه السّلام).

و منها: ما رواه حماد بن عيسى مرسلا عن العبد الصالح (عليه السّلام) قال: الخمس من خمسة أشياء من الغنائم و الغوص و من الكنوز و من المعادن و الملاحة الحديث (2).

و الحديث ضعيف بالارسال.

و منها: مرسل المقنع قال: روى محمد بن ابي عمير: ان الخمس على خمسة أشياء الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة و نسي ابن أبي عمير الخامسة (3).

و المرسل لا اعتبار به. ان قلت: ظاهر الاخبار كونه حسيا فلا بد من الالتزام بالاعتبار.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 12.

(2) نفس المصدر، الحديث: 4.

(3) نفس المصدر، الحديث: 2.

87

..........

____________

قلت: يرد عليه اولا: انه لا بدّ من الالتزام بالاعتبار في جميع الموارد التي تكون من هذا القبيل و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم؟

و ثانيا: ان بناء المحدّث امّا بيان الطريق على النحو الكلي و الاشارة اليه في كل مورد، و أمّا بيان السلسلة فلا مجال لهذه المقالة.

و هذه النصوص و ان كان اكثرها ضعيفة لكن يكفى لعموم الحكم حديث ابن مروان (1) فان اطلاق قوله روحي فداه «ما يخرج من البحر» يشمل الغوص الذي هو محل الكلام.

الجهة الثانية: في المراد من الغوص

و قد تقدم آنفا ان المدرك الوحيد حديث ابن مروان و العنوان المأخوذ في الحديث «ما يخرج» و الميزان في ترتب الحكم، صدق العنوان المذكور و لا اشكال في صدقه على ما ذكر في كلام الماتن و عنوان ما يخرج من البحر غير عنوان ما يؤخذ منه و لا يصدق عنوان ما يخرج على السمك و نحوه من الحيوانات و العرف ببابك، فان المستفاد من حديث عمّار بن مروان بحسب الانسباق الى الذهن ان ما يحصل من ارض البحر موضوع للحكم فلا يشمل مثل السمك و بقية الحيوانات البحرية.

و بعبارة واضحة: ليس الموضوع ما يؤخذ من البحر كي يصدق على كل مأخوذ منه، كما انه ليس الموضوع ما يتكوّن في البحر كي يشمل الحيوان المتكوّن فيه بل الموضوع ما يخرج.

____________

(1) لاحظ ص 39.

88

..........

____________

و يؤكّد المدعى ان الموضوع في بعض النصوص، الغوص كما هو المشهور في الألسن فيفهم ان الموضوع ما يؤخذ بالغوص و الحال ان أخذ الحيوان البحري ليس بالغوص بل يؤخذ إمّا بالآلة الصيادة كما هو المتعارف و امّا بجعل الحيوان مسموما بالسمّ و اخذه من سطح الماء.

أضف الى ذلك كله ان عدم الخمس في السمك و امثالها من الحيوانات البحرية بعنوان الغوص من الواضحات الفقهية.

و يضاف الى ذلك انه لو وصلت النوبة الى الشك في الصدق لا سبيل الى الاخذ بالدليل لعدم جواز الاخذ في الشبهة المصداقية مضافا الى ان استصحاب عدم الصدق يقتضي خروجه عن دائرة الموضوع و إطار الحكم فلاحظ.

الجهة الثالثة: في اشتراط بلوغه حد النصاب

أي الدينار في وجوب الخمس و ما يمكن أن يستدلّ به عليه ما رواه محمد بن علي (1).

و قد مرّ ان الحديث ضعيف به، فالمحكّم اطلاق دليل الوجوب و عليه لا تصل النوبة الى البحث في لزوم اتحاد الجنس و عدمه و لا بين الدفعة و الدفعات و لا كون الغائص واحدا أو متعدّدا و لا الى اخراج المئونة و عدمه.

الجهة الرابعة: انه قد علم مما ذكرنا ان موضوع الحكم عنوان ما يخرج من البحر

____________

(1) لاحظ ص 29.

89

(مسألة 21): المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص اذا لم يكن غائصا، و أمّا اذا تناول منه و هو غائص أيضا فيجب عليه اذا لم ينو الغوّاص الحيازة و الّا فهو له و وجب الخمس عليه (1).

(مسألة 22): اذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا ففي وجوب الخمس عليه وجهان و الأحوط إخراجه (2).

(مسألة 23): إذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شي‌ء من الجواهر، فان كان معتادا وجب فيه الخمس و ان كان

____________

فلا يشترط في ترتّب الحكم صدق عنوان الغوص بل تمام الموضوع عنوان الخارج من البحر الا أن يدل دليل معتبر على خلاف ما قلناه.

[مسألة 21: المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص]

(1) قد تقدم منّا ان المأخوذ في الموضوع في حديث ابن مروان الذي هو المدرك الوحيد للحكم عنوان الخروج عن البحر و هذا العنوان لا يتوقّف على قصد الحيازة أو التملّك، فعلى القاعدة يجب الخمس على الغوّاص الثاني و لا تصل النوبة الى التفصيل الذي ذكره الماتن (قدّس سره).

[مسألة 22: اذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا ففي وجوب الخمس عليه و جهان]

(2) الحق ان وجوب الخمس عليه في الصورة المفروضة، هو الاظهر و قد ظهر وجهه مما تقدم آنفا و صفوة القول انه ليس للغوص و لا للحيازة و لا للتملّك دخل في الموضوع، بل تمام الموضوع عنوان الخروج عن البحر.

90

من باب الاتفاق بأن يكون بلع شيئا اتّفاقا فالظاهر عدم وجوبه و ان كان أحوط (1).

(مسألة 24): الانهار العظيمة كدجلة و النيل و الفرات حكمها حكم البحر بالنسبة الى ما يخرج منها بالغوص اذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر (2).

(مسألة 25): اذا غرق شي‌ء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه و لا يلحقه حكم الغوص على الأقوى و ان كان من مثل اللؤلؤ و المرجان لكن الأحوط إجراء حكمه عليه (3).

[مسألة 23: إذا أخرج بالغوص حيوانا و كان في بطنه شي‌ء من الجواهر]

____________

(1) الموضوع في حديث عمّار بن مروان عنوان ما يخرج من البحر و مقتضى اطلاقه جريان الحكم في الفرض المذكور بلا وجه للتفصيل، ففي كل مورد صدق عنوان الخروج من البحر يترتب عليه الحكم و الانصاف ان الصدق محل الاشكال.

[مسألة 24: الانهار العظيمة كدجلة و النيل و الفرات حكمها حكم البحر بالنسبة الى ما يخرج منها بالغوص]

(2) الموضوع في حديث عمّار عنوان البحر فلا وجه لإسراء الحكم الى النهر و عنوان الغوص و ان كان صادقا، لكن قد تقدم ان الدليل المأخوذ فيه عنوان الغوص غير معتبر، نعم بالنسبة الى غوص اللؤلؤ يكون الدليل تاما سندا لاحظ ما رواه الحلبي (1).

[مسألة 25: اذا غرق شي‌ء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه و لا يلحقه حكم الغوص]

(3) اذ الاعراض يوجب زوال ملكية المعرض عن العين فتصير من المباحات الأصلية فيجوز تملّكه للغير.

____________

(1) لاحظ ص 84.

91

(مسألة 26): اذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه الّا بالغوص فلا إشكال في تعلّق الخمس به، لكنه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان، و الأظهر الثاني (1).

____________

و يؤيّد المدعى الحديثان الواردان في السفينة التي غرقت في البحر احدهما ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: و اذا غرقت السفينة و ما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله و هم أحقّ به، و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم (1).

ثانيهما: ما رواه الشعيري قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق فيها؟ فقال: امّا ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه، و أما ما اخرج بالغوص فهو لهم و هم احقّ به (2).

و دليل وجوب الخمس فيما يخرج عن البحر منصرف عن أمثال المقام و لا أقلّ من عدم الجزم بالاطلاق و لا ينبغي ترك الاحتياط فيه.

[مسألة 26: إذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء]

(1) قد تقدم انه لا دليل على النصاب بالنسبة الى الغوص فلا اشكال في تعلق الخمس في محل الكلام بلا فرق بين بلوغه النصاب الثابت في المعدن أم لا، لشمول دليل وجوب الخمس فيما يخرج من‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

(2) نفس المصدر، الحديث: 2.

92

[مسألة 27: العنبر اذا اخرج بالغوص جرى عليه حكمه]

(مسألة 27): العنبر اذا اخرج بالغوص جرى عليه حكمه و إن اخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له و جهان و الأحوط اللحوق و أحوط منه اخراج خمسه و ان لم يبلغ النصاب أيضا (1).

[الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لا يتميّز]

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام على وجه لا يتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره فيحلّ باخراج خمسه و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى، و أمّا ان علم المقدار و لم يعلم المالك تصدّق به عنه و الأحوط أن يكون باذن المجتهد الجامع للشرائط، و لو انعكس بأن علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه و ان لم يرض المالك بالصلح، ففي جواز الاكتفاء بالأقل أو وجوب إعطاء الاكثر؟ و جهان،

____________

البحر، ما نحن فيه.

و يمكن ان يقال في مفروض الكلام بتعلق الخمس بكلا العنوانين تارة بعنوان ما يخرج من البحر بلا اشتراط بلوغ النصاب، و اخرى بعنوان المعدن مع اشتراط بلوغه، فلاحظ.

(1) قد صرح به في بعض النصوص لاحظ ما رواه الحلبي (1) و اطلاقه يقتضي جريان الحكم عليه بايّ نحو يحصل، كما ان عنوان ما يخرج عن البحر المأخوذ في الموضوع في حديث ابن مروان كذلك فلا اشكال فيما افيد فلاحظ.

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث في ص 84.

93

الاحوط الثاني و الاقوى الاول اذا كان المال في يده و ان علم المالك و المقدار وجب دفعه اليه (1).

في المقام جهات من البحث:

الجهة الأولى: في دليل وجوب الخمس في المال المخلوط بالحرام و حلّيته به

____________

(1) و هذا هو المشهور بين القوم و قد ذكرت في مقام الاستدلال عليه عدّة نصوص:

منها: ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: اني كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا و حراما و قد أردت التوبة و لا أدري الحلال منه و الحرام و قد، اختلط عليّ؟ فقال امير المؤمنين (عليه السّلام): تصدّق بخمس مالك فان اللّه رضي من الأشياء بالخمس و سائر المال لك حلال (1).

و هذه الرواية ضعيفة إمّا بالنوفلي و إمّا بالارسال.

و منها: ما رواه الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان رجلا اتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين اني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه؟ فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فان اللّه عزّ و جلّ قد رضي من المال بالخمس و اجتنب ما كان صاحبه يعلم (2).

و هذه الرواية ضعيفة بحكم بن بهلول.

و منها: ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ان سئل عن عمل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 4.

(2) نفس المصدر الحديث: 1.

94

..........

____________

السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا، إلّا أن لا يقدر على شي‌ء يأكل و لا يشرب و لا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شي‌ء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت (1).

و هذه الرواية لا ترتبط بالمقام اذ لم يفرض فيها انّ ما يأخذه من السلطان مخلوط بالحرام و إنّما السؤال من حيث جواز الدخول في عمل السلطان و صيرورته عاملا له و معينا للظالم.

و منها: ما أرسله الصدوق قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه أ فلي توبة؟ قال: ائتني بخمسه، فأتاه بخمسه فقال: هو لك إنّ الرجل اذا تاب، تاب ماله معه (2).

و المرسل لا اعتبار به.

و منها: ما رواه عمّار بن مروان (3) و هذه الرواية تامة سندا، فان الحديث مذكور في الخصال (4) مسندا الى أحمد بن محمد بن عيسى.

هكذا حدثنا أبي (رضي اللّه عنه) قال: حدثنا محمد بن يحيى العطّار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عمّار بن مروان و حيث إنّ الأمر دائر بين الزيادة و النقيصة و تقديم الزيادة الدوران بينهما أقرب إلى الصناعة فلا اشكال في السند فتأمّل.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 2.

(2) نفس المصدر، الحديث: 3.

(3) لاحظ ص 39.

(4) الخصال للصدوق: ص 290، الحديث: 51.

95

..........

الجهة الثانية: إنّ موضوع الحكم عبارة عن المال الذي يكون مخلوطا بالحرام

____________

و لا يعرف صاحب المقدار الحرام و لا يعرف مقدار المال.

فنقول: أمّا بالنسبة الى اشتراط كون الملك مجهولا فقد صرح في حديث ابن مروان بهذه الجهة حيث قال (عليه السّلام) «و الحلال المختلط بالحرام اذا لم يعرف صاحبه».

و امّا بالنسبة الى مقدار المال فلا يبعد أن يقال: ان العرف بمناسبة الحكم و الموضوع يفهم ان الحكم المذكور جار في مورد الجهل بمقدار المال اذ يبعد أن يصير الحرام القطعي حلالا بالتخميس.

و لكنّه لقائل أن يقول: إنّ الامر بيد الشارع الأقدس و مع حكمه بشي‌ء لا مجال لمثل هذه المناقشات.

مضافا الى ان البيان المذكور انما يتمّ في فرض العلم بالمقدار و كونه اكثر من الخمس و أمّا لو لم علم بكونه أقلّ فلا مجال له كما هو ظاهر.

و لقائل أن يقول: هل يمكن الالتزام بوجوب الخمس لو اختلط ديناران في ضمن الف دينار؟

و أيضا هل يمكن الالتزام بحليّة أربعة أخماس لو اختلط ديناران في ضمن ألف دينار حرام سيّما فيما يكون الخلط بفعل الغاصب كي يأكل مال الناس بهذه الحيلة و الوسيلة؟

و لكن الذي يهوّن الخطب أنّ الأحكام الشرعية امور تعبدية لا تنالها عقولنا، ففي كل مورد دلّ دليل على امر نأخذ به و لا وجه للاستبعاد المذكور.

96

..........

____________

و يؤكّد ما قلناه ان الامام روحي فداه قد تعرض لكون المالك مجهولا، و أمّا بالنسبة الى المال فلم يفصّل في الحكم بين معرفة القدر و عدمها فيعلم انه لا فرق و هذا العرف ببابك.

الجهة الثالثة: في أنّ مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

و الأمر كما أفاده في المتن، فان المستفاد من حديث عمّار بن مروان المتقدم ذكره (1) هكذا إذ الامام روحي فداه ذكر الخمس و لم يذكر مصرفه فيفهم عرفا ان مصرفه ذلك المصرف الذي اشير اليه في الكتاب و السنة، و العرف ببابك فلا مجال لتوهم كون مصرفه الفقراء فانه لا دليل معتبر عليه، فلاحظ.

الجهة الرابعة: انه لو علم المقدار و جهل المالك تصدّق عنه

على ما أفاده في المتن.

و قد ظهر مما تقدم انه لا وجه لرفع اليد عن اطلاق الدليل و الحق الالتزام بالاطلاق.

هذا على مقتضى ما سلكناه و قويناه، و امّا اذا لم نقل بتلك المقالة فلا بد من ملاحظة ما افيد في المقام بالنسبة الى حكم مجهول المالك فنقول: وقع الكلام في الوظيفة بالنسبة الى مجهول المالك و قد ذكرت في المقام وجوه:

الوجه الاول: انه لا بدّ من دفعه الى الامام (عليه السّلام) و انّه روحي فداه مالكه.

____________

(1) لاحظ ص 39.

97

..........

____________

و الدليل عليه ما رواه داود بن ابي يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال رجل: إنّي قد أصبت مالا و اني قد خفت فيه على نفسي و لو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه؟ قال: فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): و اللّه أن لو أصبته كنت تدفعه اليه؟ قال: اي و اللّه، قال:

فأنا و اللّه ماله صاحب غيري قال: فاستحلفه أن يدفعه الى من يأمره، قال: فحلف فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه، قال: فقسّمته بين إخواني (1).

و هذه الرواية لا ترتبط بالمقام، اذ يمكن أن يكون المال المصاب مملوكا شخصيا له (عليه السّلام) و لذا أمره أن يقسمه بين اخوانه بلا اشتراط الفقر.

و بعبارة اخرى: يمكن أن يكون المال ضائعا عنه (عليه السّلام) أو كان لشخص بلا وارث و مات و انتقل ارثه اليه (عليه السّلام).

اضف الى ذلك النقاش في السند، فان موسى بن عمر مشترك فيشكل العمل بالحديث.

بالاضافة ان في بعض النسخ الجمّال بدل الحجّال هكذا علّق المعلّق على هامش كتاب الوسائل المطبوع جديدا، و امّا طريق الصدوق الى الحجّال فهو مجهول فلاحظ.

الوجه الثاني: العمل فيه و اخراجه صدقة قليلا قليلا، و الدليل عليه ما رواه نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت الى عبد صالح (عليه السّلام):

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

98

..........

____________

لقد وقعت عندي مائتا درهم (و اربعة دراهم) و انا صاحب فندق و مات صاحبها و لم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها و ما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعا فكتب: اعمل فيها و أخرجها صدقة قليلا قليلا حتى تخرج (1).

و الحديث ضعيف سندا فلا يعتد به.

الوجه الثالث: أن يتصدق به و الدليل عليه جملة من النصوص:

منها ما رواه علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتّاب بني امية فقال لي: استأذن لي على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فاستأذنت له فأذن له فلمّا أن دخل سلّم و جلس ثم قال: جعلت فداك انّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا و أغمضت في مطالبه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لو لا ان بني امية وجدوا لهم من يكتب و يجبي لهم الفي‌ء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا الّا ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى:

جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال:

أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدّقت به- الحديث (2).

و الحديث ضعيف سندا.

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث: 3.

(2) الوسائل: الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 1.

99

..........

____________

و منها: ما رواه أبو أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل أمر غلامه أن يبيع كرمه عصيرا فباعه خمرا ثم أتاه بثمنه؟ فقال: إن أحبّ الاشياء إليّ أن يتصدّق بثمنه (1).

و الحديث ضعيف سندا، مضافا الى عدم دلالته على المدعى كما هو ظاهر.

و منها: ما رواه علي بن ميمون الصائغ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدّق به، فإمّا لك و إمّا لأهله، قال: قلت: فانّ فيه ذهبا و فضة و حديدا فبأيّ شي‌ء أبيعه؟ قال: بعه بطعام، قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم (2).

و الحديث ضعيف سندا.

و منها: ما رواه أبو علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا الى جنب ضيعتي بالفي درهم فلمّا وفّيت المال خبّرت أنّ الارض وقف؟ فقال: لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلّة في مالك و ادفعها إلى من وقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربّا قال: تصدّق بغلّتها (3).

____________

(1) الوسائل: الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 16 من أبواب الصرف، الحديث: 1.

(3) الوسائل: الباب 17 من أبواب عقد البيع و شروطه.

100

..........

____________

و الحديث ضعيف سندا.

و منها: ما رواه علي الصائغ قال: سألته عن تراب الصوّاغين و انّا نبيعه؟ قال: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه؟ قال: قلت: لا اذا أخبرته اتّهمني، قال: بعه، قلت: بايّ شي‌ء نبيعه؟ قال: بطعام، قلت: فأيّ شي‌ء أصنع به؟ قال: تصدق به امّا لك و امّا لأهله، قلت:

ان كان ذا قرابة محتاجا اصله؟ قال: نعم (1).

و السند ضعيف.

و منها: ما رواه يونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) و أنا حاضر، الى أن قال فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شي‌ء نصنع به؟ قال: تحملونه حتّى تحملوه الى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع؟ قال:

اذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟

قال: على أهل الولاية (2).

و السند ضعيف.

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الصرف، الحديث: 2.

(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث: 2.

101

..........

____________

و منها: ما رواه حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يرده، فان أمكنه أن يرده على اصحابه فعل و الّا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا، فان أصاب صاحبها ردّها عليه و الّا تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فان اختار الأجر، فله الأجر و ان اختار الغرم غرم له و كان الأجر له (1).

و الحديث: ضعيف بجميع اسناده فراجع.

و منها: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه؟ قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: ان رجلا من ثقيف أهدى الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) راويتين من خمر، فأمر بهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاهريقتا و قال: ان الذي حرم شربها حرم ثمنها، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ان افضل خصال هذه التي باعها الغلام ان يتصدق بثمنها (2).

و هذه الرواية تامة سندا، لكن لا يستفاد منها وجوب التصدق، بل المستفاد منها ان أفضل الخصال في مجهول المالك أن يتصدّق به.

الوجه الرابع: انّ مجهول المالك مملوك لمن وضع يده عليه، و يدل‌

____________

(1) الوسائل: الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 1.

102

..........

____________

عليه ما رواه علي بن مهزيار (1).

و أورد سيدنا الاستاد (قدّس سره) في الحديث: ايرادين:

الايراد الاول: ان الحديث: غير متعرض لمورد التملك بل متعرض لكونه من الارباح و يجب فيه الخمس فيما يصير ملكا لمن وصل اليه و امّا حصول الملكية في أيّ مورد فلا تعرض له في الحديث:

الايراد الثاني: ان غاية ما في الباب ان الحديث: ظاهر في صيرورة مجهول المالك ملكا لمن وصل اليه و لا بدّ من رفع اليد عن الظهور بصراحة ما يدل على وجوب التصدّق به.

و شي‌ء من الايرادين لا يصح، امّا الايراد الاول فهو خلاف المتفاهم العرفي، فان الامام روحي فداه ذكره في عداد ما يملكه الانسان، و بعبارة اخرى: يفسّر الغنائم، فالايراد المذكور ساقط عن درجة الاعتبار بتاتا.

و امّا الايراد الثاني فيرد عليه اولا: ان ايّ دليل معتبر دل على وجوب التصدق بمجهول المالك على نحو الاطلاق.

و ثانيا: ان أيّ دليل دالّ على تقديم الصراحة على الظهور، فان الميزان في التقديم كون احد الطرفين قرينة على الآخر و لذا ذكرنا مرارا ان ظهور لفظ يرمي في الرمي بالنبال و ان كان اطلاقيا يقدم على ظهور لفظ اسد في الحيوان المفترس و ان كان وضعيا و ذلك لأن العرف يراه قرينة عليه فالميزان في التقديم كون احد المتعارضين قرينة و حاكما على‌

____________

(1) لاحظ ص 68 و 69.