الغاية القصوى في التعليق على العروة الوثقى - كتاب الخمس

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
287 /
103

..........

____________

الآخر فلاحظ.

و لو سلّم التعارض بين الطرفين يكون الترجيح مع حديث ابن مهزيار لكونه أحدث.

و لقائل أن يقول: ان حديث ابن مهزيار و ان كان دالا على المدعى لكن معارض بحديث اسحاق بن عمّار (1).

و يرد عليه اولا: ان حديث ابن عمّار لا يدل على وجوب التصدق.

و ثانيا: أنّا نسلم المعارضة و لكن الترجيح مع حديث ابن مهزيار بالأحدثية، فان حديث اسحاق مروي عن الكاظم (عليه السّلام) و حديث ابن مهزيار مروي عن الجواد (عليه السّلام).

فالنتيجة انه لا مانع عن الالتزام بالملكية و كونه من الارباح.

و تؤيّد المدعى جملة من النصوص:

منها ما رواه عبد اللّه بن جعفر (2).

و منها: ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: سألته (عليه السّلام) في كتاب عن رجل اشترى جزورا أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك و كيف يعمل به؟ فوقّع (عليه السّلام):

عرّفها البائع، فان لم يعرفها فالشي‌ء لك رزقك اللّه إياه (3).

____________

(1) لاحظ ص 71.

(2) لاحظ ص 78.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب اللقطة، الحديث: 2.

104

..........

____________

و منها: ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث: أن رجلا عابدا من بني إسرائيل كان محارفا فأخذ غزلا فاشترى به سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فباعها بعشرين ألف درهم فجاء سائل فدقّ الباب، فقال له الرجل: ادخل، فقال له: خذ احد الكيسين فأخذ أحدهما و انطلق فلم يكن بأسرع من أن دقّ السائل الباب، فقال له الرجل:

ادخل فدخل فوضع الكيس في مكانه ثم قال: كل هنيئا مريئا انا ملك من ملائكة ربّك انما أراد ربّك أن يبلوك فوجدك شاكرا ثم ذهب (1).

و منها: ما رواه حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان في بني إسرائيل رجل و كان محتاجا فألحّت عليه امرأته في طلب الرزق فابتهل الى اللّه في الرزق فرأى في النوم ايّما احبّ إليك درهمان من حلّ أو ألفان من حرام؟ فقال: درهمان من حلّ، فقال: تحت رأسك فانتبه فرأى الدرهمين تحت رأسه فأخذهما و اشترى بدرهم سمكة و أقبل الى منزله فلمّا رأته المرأة أقبلت عليه كاللائمة و أقسمت أن لا تمسّها، فقام الرجل اليها فلمّا شقّ بطنها اذا بدرتين فباعهما بأربعين ألف درهم (2).

و منها: ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان في بني اسرائيل عابد و كان محارفا تنفق عليه امرأته فجاعوا يوما فدفعت إليه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

(2) نفس المصدر الحديث: 2.

105

..........

____________

غزلا فذهب فلا يشترى بشي‌ء فجاء الى البحر فاذا هو بصياد قد اصطاد سمكا كثيرا فأعطاه الغزل و قال: انتفع به في شبكتك فدفع إليه سمكة فرفعها و خرج بها الى زوجته فلمّا شقّها بدت من جوفها لؤلؤة فباعها بعشرين ألف درهم (1).

و منها: ما رواه الزهري عن علي بن الحسين (عليه السّلام) في حديث: ان رجلا شكا إليه الدين و العيال فبكى و قال: ايّ مصيبة أعظم على حرّ مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها الى أن قال علي بن الحسين (عليه السّلام): قد اذن اللّه في فرجك، يا فلانة احملي سحوري و فطوري فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (عليه السّلام) للرجل:

خذهما فليس عندنا غيرهما فانّ اللّه يكشف بهما عنك و يريك خيرا واسعا منهما ثمّ ذكر أنه اشترى سمكة باحدى القرصتين و بالاخرى ملحا، فلما شقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين، فحمد اللّه عليهما فقرع بابه فاذا صاحب السمكة و صاحب الملح يقولان: جهدنا أن نأكل من هذا الخبز فلم تعمل فيه أسناننا فقد رددنا إليك هذا الخبز و طيّبنا لك ما أخذته منّا فما استقرّ حتى جاء رسول علي بن الحسين (عليه السّلام) و قال: انه يقول لك: ان اللّه قد أتاك بالفرج فاردد إلينا طعامنا فانه لا يأكله غيرنا، و باع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه و حسنت بعد ذلك حاله (2).

____________

(1) نفس المصدر الحديث: 3.

(2) نفس المصدر الحديث: 4.

106

..........

____________

و منها: ما عن الحسن بن علي العسكري (عليه السّلام) في تفسيره في حديث طويل: ان رجلا فقيرا اشترى سمكة فوجد فيها أربعة جواهر ثم جاء بها الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و جاء تجّار غرباء فاشتروها منه بأربعمائة ألف درهم، فقال الرجل: ما كان أعظم بركة سوقي اليوم يا رسول اللّه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هذا بتوقيرك محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و توقيرك عليّا أخا رسول اللّه و وصيّه و هو عاجل ثواب اللّه لك و ربح عملك الذي عملته (1).

و مما ذكرنا ظهر أنّ ما أفاده سيدنا الاستاد- من ان الأمر دائر بين بقائه الى أن يتلف و تملكه و التصدق به، و حيث ان الاولين باطلان يتعين الثالث: غير تام، اذ قد ظهر مما قلناه ان القاعدة تقتضي الالتزام بكونه ملكا للآخذ.

الوجه الخامس: ان حكم مجهول المالك حكم اللقطة.

و فيه: ان لا وجه له و لا دليل عليه.

و أمّا حديث حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللصّ مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يردّه، فان أمكنه أن يرده على أصحابه فعل و الّا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا، فان أصاب صاحبها ردّها عليه و الّا تصدّق بها، فان جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 5.

107

..........

____________

الأجر و الغرم، فان اختار الأجر فله الأجر و ان اختار الغرم غرم له و كان الأجر له (1)، فهو ضعيف سندا فلا يعتدّ به.

الوجه السادس: وجوب الدفع الى الحاكم الشرعي، فانه وليّ الامر في زمان الغيبة.

و فيه ان ولاية الحاكم محصورة في دائرة الامور الحسبية التي لم يعيّن فيها الوظيفة، و امّا الامور التي قد علمت الوظيفة فيها من قبل الشارع فلا مجال للرجوع فيها الى الحاكم، و قد تقدم منا ان مقتضى النصّ اي حديث ابن مهزيار ان مجهول المالك ملك للآخذ فلاحظ.

الوجه السابع: وجوب حفظه و الايصاء به عند الوفاة، و الدليل عليه حديثان:

احدهما: ما رواه هشام بن سالم قال: سأل خطاب الأعور أبا إبراهيم (عليه السّلام) و أنا جالس فقال: انه كان عند أبي اجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه و بقي من اجره شي‌ء (و لا يعرف له وارث)؟ قال:

فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: مساكين- و حرّك يده- قال: فأعاد عليه، قال: اطلب و اجهد فإن قدرت عليه و الّا فهو كسبيل مالك حتى يجي‌ء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء له طالب أن يدفع إليه (2).

____________

(1) الوسائل: الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

(2) الوسائل: الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث: 1.

108

..........

____________

و الثاني: ما رواه هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا عنده جالس قال: انه كان لأبي اجير كان يقوم في رحاه و له عندنا دراهم و ليس له وارث؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): تدفع الى المساكين، ثم قال: رأيك فيها ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): تطلب وارثا فان وجدت وارثا و الّا فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن يصنع بها، ثم قال: توصي بها فان جاء طالبها و الّا فهي كسبيل مالك (1).

فنقول: أما الحديث: الاوّل فضعيف سندا فلا يعتدّ به، و أمّا الحديث: الثاني فيستفاد منه ان الوظيفة في مجهول المالك حفظه و الايصاء به لصاحبه عند الوفاة فتقع المعارضة بين هذه الرواية و حديث ابن مهزيار و الترجيح بالأحدثية مع حديث ابن مهزيار.

و يمكن أن يقال: ان حديث ابن مهزيار اعم من حديث هشام، اذ حديث ابن مهزيار اعم من اليأس من وجدان المالك و رجاء وجدانه و حديث هشام مخصوص بمورد احتمال الوجدان فيخصص حديث ابن مهزيار بحديث هشام، و اللّه العالم بحقايق الامور.

و الذي يهون الخطب ان حديث هشام مضطرب المتن، فانه يعارض صدره مع ذيله، اذ الإمام روحي فداه في الصدر يأمر بطلب الوارث و على فرض عدمه يحكم بكونه كسبيل ماله و في الذيل يحكم بالايصاء‌

____________

(1) الوسائل: الباب 22 من أبواب الدين و القرض، الحديث: 3.

109

..........

____________

فيستفاد من الصدر جواز التصرف و من الذيل عدم جوازه، فالحديث ساقط بالتعارض.

و لو تنزّلنا عن جميع ما تقدم و قلنا بوجوب التصدق فكيف يتصدق به مع عدم تميزه خارجا و بأي دليل يكفي التصدق بذلك المقدار المعلوم كالثلث مثلا و الحال انه غير مشخص و مقتضى العلم الإجمالي الاحتياط و هو لا يحصل الّا بالتصدق بجميع المال.

ان قلت: هذا خلاف ما قررتم من عدم كون العلم الإجمالي منجزا في جميع الاطراف و قلتم لا مانع من جريان الأصل في بعضها.

قلت: ما ذكرناه انما يتم فيما يشك في ناحية حدوث التكليف و امكان جريان الاصل النافي في بعض الاطراف، و أمّا فيما لا يكون مجال لجريانه فلا مجال لذلك البيان.

مثلا: لو علمنا بنجاسة إناءين ثم علمنا بوقوع قطرة مطر في احدهما و صيرورته طاهرا لا يمكن القول بجواز شرب احدهما لجريان قاعدة الطهارة أو الحلية، اذ مقتضى الاستصحاب بقاء كليهما على نجاستهما و لا تلزم المخالفة العملية، و في المقام حيث لا يمكن تميز ملك الغير فلا يقطع بالخروج عن الوظيفة الا بتصدق الجميع.

و ان شئت قلت: كل درهم من الدراهم المخلوطة محكوم بعدم كونه ملكا للمالك فلا يجوز التصرف فيه.

بعبارة واضحة: لا طريق لإحراز الفرد الواجب التصدق به و التصدق بالبعض لا يقتضي تعيّن المملوك في غيره فلا مناص من‌

110

..........

____________

التصدق بجميع الاطراف.

و على هذا الاساس هل يمكن التميز بقاعدة القرعة أم لا؟ فلا بد من ملاحظة النصوص التي يمكن توهم الاطلاق فيها.

و من تلك النصوص ما رواه سيّابة و ابراهيم بن عمر جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في رجل قال: اوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث ثلاثة؟

قال: يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق، قال: و القرعة سنة (1).

بتقريب ان المستفاد من الحديث: ان القرعة قاعدة كلية مضروبة لجميع الموارد.

و يرد عليه: ان المستفاد من الحديث: مشروعية القرعة اجمالا، و أمّا انها في ايّ مورد و بايّ نحو و بايّ شرط فالانصاف انّ الجزم بالكلية في غاية الاشكال.

اضف الى ذلك انه لو التزم بالاطلاق يلزم جريانها في موارد اشتباه الأحكام بعضها ببعض، كما لو تردّد الأمر بين الوجوب و الحرمة أو اشتبه الأمر بين وجوب الجمعة و الظهر، أو اشتبه موضوع بموضوع آخر، كما لو اشتبه الخمر بالخلّ أو النجس بالطاهر، أو اشتبه المذكّى بالميتة و أيضا يلزم كشف الحق و الواقع في باب الدعاوي و بطلان جميع مباحث كتاب القضاء، أو اشتبه الثقة بغيره في باب الرجال و هكذا، و من الواضح انه خلاف الضرورة و بطلان القول به من القطعيات.

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب كيفية الحكم و احكام الدعاوي، الحديث: 2.

111

..........

____________

ان قلت: نلتزم بالتخصيص، قلت: يلزم تخصيص الاكثر المستهجن فلا بدّ من الاقتصار على مقدار قام الدليل عليه.

و منها: ما رواه جميل قال: قال الطيّار لزرارة ما تقول في المساهمة أ ليس حقا؟ فقال زرارة: بلى هي حقّ، فقال الطيّار: أ ليس قد ورد انه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى، قال: فتعال حتّى أدّعي أنا و انت شيئا ثم نساهم عليه و ننظر هكذا هو، فقال له زرارة: انما جاء الحديث: بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم الى اللّه ثم اقترعوا الّا خرج سهم المحقّ، فامّا على التجارب، فلم يوضع على التجارب، فقال الطيّار: أ رأيت ان كانا جميعا مدعيين ادعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم احدهما، فقال زرارة: اذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح (1).

و الكلام فيه هو الكلام، مضافا الى أنّ مورد الحديث: النزاع و الترافع فلا يرتبط بالمقام.

الجهة الخامسة: في أنّه على تقدير وجوب التصدق هل يشترط فيه أن يكون باذن الحاكم الشرعي الجامع أم لا؟

احتاط الماتن احتياطا وجوبيا بالنسبة الى هذه الجهة.

و الذي يمكن أن يذكر في مستند الاشتراط وجهان:

الوجه الأول: انه لا يجوز التصرف في مال الغير و القدر المعلوم‌

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب كيفية الحكم و احكام الدعاوي، الحديث: 4.

112

..........

____________

جوازه في المقام صورة الاستيذان من الحاكم.

و فيه أنّه بعد قيام الدليل على التصدق من قبل الشارع لا مجال للتقريب المذكور.

الوجه الثاني: حديث ابن أبي يزيد (1).

بتقريب ان الامام (عليه السّلام) قال: «صاحبه انا» و لا يكون المراد من كلامه انه مملوكه و الّا لم يكن وجه لحكمه بالتقسيم، بل المراد من الجملة ان اختياره بيدي و لا بد من أن يراجع فيه إليّ فيلزم من مراجعة الحاكم في زمن الغيبة و عدم امكان الوصول اليه، فانّه النائب العام في الامور الراجعة اليه (عليه السّلام).

و يرد عليه اولا: انّ السند ساقط عن الاعتبار، فان موسى بن عمر مشترك بين الثقة و غيره، و الحديث: بسنده الآخر أيضا مخدوش و لا يعتد به.

و ثانيا: ان الظاهر بل صريح كلامه (عليه السّلام) انه مملوكه و لعل الأمر بتقسيمه من باب رفع التهمة عن نفسه المقدّسة، و اللّه العالم.

الجهة السادسة: انّه لو كان المالك معلوما و المال مجهولا،

فان تصالحا فلا كلام و الّا فما هو الحكم الشرعي؟

و قبل بيان المقصود نرى ان مجرد الاختلاط هل يوجب الاشتراك على نحو الاشاعة أم لا؟ الظاهر هو الثاني، اذ الشركة بهذا المعنى إمّا‌

____________

(1) لاحظ ص 97.

113

..........

____________

يتحقّق بعقد الشركة بين شخصين أو أشخاص، و إمّا بخلط احد شيئين بالآخر بحيث لا يكون تميز بين الأمرين، كما لو امتزج مقدار من سمن لا حد بمقدار مملوك للآخر، و أمّا في غير هذين الفرضين فلا اشتراك و لا اشاعة بل اشتباه مملوك احد بالآخر.

فأفاد الماتن بأنّ الاحوط دفع الاكثر و قوّى جواز الاكتفاء بالاقل.

و الظاهر ان الوجه فيما قوّاه ان قاعدة اليد تقتضي الحكم بكون جميع ما في اليد لذيها الّا ما علم عدم كونه له فلا يجب دفع ما زاد عليه.

و يرد عليه: ان قاعدة اليد لا يكون عليها دليل لفظي كي يؤخذ بإطلاقه في كل مورد بل العمدة في دليلها السيرة العقلائية الممضاة عند الشارع فلا مجال للأخذ بتلك القاعدة.

و لا يقاس المقام بمورد العلم الإجمالي بنجاسة احد الإناءين و احتمال نجاسة الآخر أيضا فانه لا مانع عن الأخذ بعدم نجاسة كليهما ببركة الاستصحاب أو قاعدة الطهارة بالنسبة الى المجموع فنقول:

مقتضى الاستصحاب و القاعدة عدم نجاسة كليهما.

و يمكن تقريب الاصل ببيان آخر و هو جريان الاصل و القاعدة في كليهما.

و بعبارة واضحة: لا دليل على نجاسة كليهما غاية الأمر تظهر الثمرة في العلم بنجاسة احد الثوبين مع احتمال نجاسة الآخر، فان المكلف يمكنه أن يصلي في كل واحد منهما صلاة و يقطع بالصحة‌

114

..........

____________

الظاهرية، اذ المفروض ان العلم الحاصل للمكلف لا يؤثر الّا بالنسبة الى واحد منهما.

و هذا الذي ذكرناه هو الصحيح لا ما أفاده سيدنا الاستاد من جريان الأصل في الجامع الانتزاعي الذي ينتزع عن المصداق الخارجي.

فان العرف لا يساعده في هذه المقالة و هو ببابك، و امّا في المقام فالقصور في المقتضي.

اضف الى ذلك انه لو أقتصر على الاقل يكون مقتضى الاستصحاب عدم وصول الحقّ الى ذيه، كما ان مقتضى الأصل عدم كون كل واحد من الاطراف ملكا لمن يكون المال في يده.

و أفاد سيدنا الاستاد في هذا المقام بأن طريق تميز مملوك أحدهما عن الآخر القرعة و دليل القرعة سندا و دلالة تام و موضوعه عبارة عن مورد يكون الامر مشتبها و لا طريق الى احرازه لا واقعا و لا ظاهرا.

و يرد عليه: انّ اي حديث معتبر سندا دلّ على اعتبار القرعة على نحو الاطلاق، و اذا كان حكم العقل بالاحتياط مانعا عن جريان القرعة- كما هو صريح كلامه- فكيف يمكن الالتزام بها مع حكم العقل بوجوب الاحتياط لفراغ الذمة.

فالذي يختلج بالبال أن يقال: تارة يحتاط الضامن و يدفع جميع المال و يقصد تمليك ما كان له، مقدمة لا يصال مال الغير اليه، فلا كلام، و اخرى يتصالحان فلا كلام أيضا.

115

..........

____________

و ثالثة يضع المال بين يدي الطرف و المقابل و هو لا يتصرف فيه فيبقى الاختلاط بحاله و لا يتم الأمر، و أمّا لو وقع النزاع بين الطرفين و لا يتم الامر الا بالتصالح على نحو يشخّص نصيب كلّ منهما لا يبعد أن يكون الحاكم الشرعي مرجعا للأمر و يصالح بين الطرفين و يقسّم المال بين المترافعين.

و لا أدرى ما الفارق بين هذه الصورة و الصورة السابقة و هي ما لو كان المقدار معلوما و المالك مجهولا حيث أمضى سيدنا الاستاد جواز التصدق بذلك المقدار بلا توسل في التميز الى القرعة، و أمّا في المقام فأفاد بانّه لا بدّ من التوسل اليها و تميز المالين.

و قد أفتى في منهاجه في المقام بانه ان رضي المالك بتعيين من في يده المال فهو و الّا أجبره الحاكم عليه.

و يشكل ما أفاده بأنّ الظاهر لا وجه للإجبار المذكور بل كما قلنا ان وصل الأمر الى النزاع و الجدال فالحاكم يصالح بينهما و يعيّن حصّة كلّ واحد منهما.

و يختلج بالبال أن يقال: ان كان من، بيده غاصبا لمال الغير و خلط مال الغير بمال نفسه يجب عليه أن يسلم مال الغير الى مالكه و لو بتمليك جميع ماله مقدمة للعلم بالفراغ.

و أمّا اذا كان الخلط بسبب آخر فلا يجب عليه كذلك.

و يمكن ان يرد عليه انّه ما الفرق بين الصورتين؟ فان المفروض انّ‌

116

(مسألة 28): لا فرق في وجوب إخراج الخمس و حلّية المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالاشاعة أو بغيرها، كما اذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه (1).

(مسألة 29): لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّية البقية في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن يعلم اجمالا زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس و بين صورة عدم العلم و لو اجمالا، ففي صورة العلم الإجمالي بزيادته عن الخمس أيضا يكفي إخراج الخمس فانّه مطهّر للمال تعبدا، و إن كان الأحوط مع اخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي أيضا بما يرتفع

____________

مال الغير في يده و يجب عليه ايصاله الى صاحبه و مالكه فلا فارق بين الصورتين.

الجهة السابعة: في أنّه لو علم المالك و علم المقدار

فأفتى الماتن بوجوب دفعه اليه.

و سيدنا الاستاد أمضى مقالة المتن و استدل على المدعى بانّ دليل التخميس لا يشمل المقام فلا بدّ من دفع المقدار المعلوم الى مالكه.

و فيه انّ الظاهر من عبارة المتن انه يدفع اليه بالنسبة اي الكسر المشاع و الحال ان الاشاعة لا دليل عليها فيجري فيه ما ذكرناه في الجهة السادسة و في الفرع السابق بلا فرق لوحدة الملاك و الدليل.

[مسألة 28: لا فرق في وجوب إخراج الخمس و حلّية المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها]

(1) لإطلاق الدليل المقتضي لعدم الفرق بين الموارد بعد صدق الموضوع.

117

به يقين الشغل و إجراء حكم مجهول المالك عليه، و كذا في صورة العلم الإجمالي بكونه أنقص من الخمس و أحوط من ذلك المصالحة معه بعد اخراج الخمس بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة (1).

[مسألة 29: لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّية البقية في صورة الجهل بالمقدار و المالك]

____________

(1) ما أفاده مقتضى اطلاق الدليل. و غاية ما يمكن أن يقال في ردّ القول المذكور انصراف الدليل عن صورة العلم بالزيادة أو النقيصة و لو اجمالا، فان جزم المجتهد بالانصراف المذكور- كما ادّعاه سيدنا الاستاد في المقام- فهو.

و أمّا لو شكّ في الانصراف و عدمه فما الوظيفة؟ و هل يمكن الحكم بالاطلاق باصالة عدم الانصراف؟

الظاهر انه مشكل، فانه لا أصل عقلائي للأصل المذكور.

و بعبارة اخرى: لا يكون الأصل المذكور من الأصول اللفظية.

و ان كان المراد به الاصل العملي اي الاستصحاب فيشكل جريانه لعدم اثبات الأصل العملي اللوازم العقلية و اثبات الاطلاق باستصحاب عدم الانصراف من الأمور المثبتة التي لا نقول بها.

مضافا الى معارضته باصالة عدم الاطلاق.

فتحصل انه لا بدّ في الالتزام بما في المتن من الجزم بالاطلاق و عدم الانصراف، و امّا ما أفاده في المتن من الاحتياط المذكور فالظاهر انه غير تامّ، اذ مع الجزم بالاطلاق لا وجه للتصدق و مع عدم الجزم لا وجه للتخميس.

118

(مسألة 30): اذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع و لو بارضائهم بايّ وجه كان أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه أو استخراج المالك بالقرعة أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة وجوه اقواها الأخير (1).

____________

نعم يحصل الاحتياط باجراء حكم التصدق عليه و دفع المقدار الى السيد بقصد افراغ ما في الذمة أعمّ من الخمس و التصدق.

الّا أن يقال: ان المستفاد من جملة من النصوص عدم جواز أخذ الصدقة للسيد فلا يحصل الاحتياط بالنحو المذكور.

و امّا المصالحة مع الحاكم الشرعي فالظاهر انه لا وجه لها، فان الحاكم ليس له حق المصالحة.

و بعبارة واضحة: الحاكم الشرعي ولايته محصورة في دائرة خاصة و اطار مخصوص، نعم الامام ارواحنا فداه له الولاية على كل احد و ما يفعله نافذ و دليل على كونه مفوضا اليه الأمر فلا حظ و اغتنم.

[مسألة 30: إذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور]

(1) ينبغي أن يلاحظ كل وجه من الوجوه المذكورة في كلامه باستقلاله، لكي نرى هل يمكن أن يكون مستندا للحكم؟

فنقول: أمّا معاملة المجهول مالكه مع الحرام المخلوط بالحلال فالانصاف ان الالتزام بها مشكل، فان دليل وجوب التصدق به أو تملكه منصرف عن مورد يكون المالك معلوما لكنه محصور في عدد خاص.

و ان أبيت عن الجزم بالانصراف فلا أقل من احتماله و تقدم قريبا‌

119

..........

____________

انه لا يمكن الأخذ بالدليل الّا مع الجزم بالاطلاق أو العموم فهذا الوجه غير تامّ.

و أمّا التمسك بقاعدة القرعة فقد تقدّم قريبا انه ليس عليها دليل معتبر على نحو الاطلاق، نعم لا اشكال في اعتبار تلك القاعدة في الجملة فهذا الوجه ملحق بسابقه في عدم الاعتبار.

و أمّا التوزيع استنادا الى قاعدة العدل و الانصاف، فيرد عليه: ان اعتبار هذه القاعدة اول الكلام و الاشكال و مجرد الشك في اعتبارها يكفي للحكم بعدمه كما هو المقرر.

و امّا وجوب إرضاء الجميع بعد عدم إمكان التصالح فهو أمر قابل للبحث، فنقول: إمّا أن يكون من في يده المال غاصبا فيجب عليه الخروج عن عهدة الضمان.

و لا مجال لأن يقال: إرضاء الكل يوجب توجه الضرر الى الغاصب، اذ قد ذكرنا في محله ان المستفاد من تلك القاعدة حرمة الاضرار بالغير لا رفع الحكم الضرري في الشريعة.

كما انه لا مجال للاستناد الى قاعدة الحرج، فانّ القاعدة لا تقتضي جواز التصرف في أموال الناس و عدم الخروج عن الضمان، فان الالتزام به يقرع الاسماع فما الحلية؟

اللهم أن يقال: ان القول برفع الحرج وجوب دفع مال الغير اليه و ان كان قارعا للإسماع كما قلت، لكن التوسل به في دفع وجوب‌

120

..........

____________

الاحتياط في أمثال المقام لا يقرع الاسماع بل قريب من الأذهان فلا مانع عن الأخذ به و الالتزام بعدم الوجوب خصوصا فيما لا يكون الضامن غاصبا فلاحظ.

ان قلت: بناء على عدم كون العلم الإجمالي منجّزا مطلقا كما بنيتم عليه يمكن جريان الأصل في بعض الأطراف مثلا لو كان العدد محصورا في شخصين زيد و بكر فببركة الاستصحاب نحكم بعدم كون زيد مالكا و بعد إجراء الأصل في احدهما يبقى الأمر دائرا بين الضامن و الفرد الآخر فلا بد من اتمام الامر معه فقط.

قلت: الظاهر ان التقريب المذكور غير تامّ، اذ في المقام مقتضى الاستصحاب عدم كون كل واحد منهما مالكا و اصالة عدم كون زيد مالكا لا يقتضي كون بكر مالكا الّا على القول بالمثبت الذي لا نقول به.

مضافا الى انّ الأصل المذكور معارض بمثله الجاري في الفرد الآخر.

و لا يقاس المقام بباب العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين، اذ اصالة الطهارة جارية في كليهما و جريانها في أحدهما المعيّن مع البناء على عدم استعمال الثاني بلا مانع.

و أمّا المقام و أمثاله فلا مجال للتقريب المذكور كما تقدم آنفا.

و لذا لو علم اجمالا بطهارة احد الإنائين اللّذين كانا نجسين لا مجال لإجراء اصالة الطهارة في احدهما، اذ مقتضى استصحاب‌

121

و كذا اذا لم يعلم قدر المال و علم صاحبه في عدد محصور فانّه بعد الأخذ بالأقل كما هو الأقوى أو الاكثر كما هو الأحوط يجري فيه الوجوه المذكورة (1).

____________

النجاسة في كليهما لا يبقي مجالا لجريان اصالة الطهارة.

و ان شئت قلت: مع الاصل الحاكم لا مجال للأصل المحكوم فلا مناص عن الاحتياط، و إن لم يكن من بيده المال غاصبا فتارة يكون يده يد ضمان كالعارية المضمونة و اخرى لا يكون كذلك و على كلا التقديرين يجب عليه ايصال المال الى صاحبه فالكلام فيه هو الكلام بلا كلام.

(1) قد ظهر الحال في هذا الفرع ممّا تقدم قريبا.

و صفوة القول: انّ مقتضى القاعدة الاحتياط التامّ و ارضاء الكل الا اذا كان حرجيا، فان تمّ اجماع تعبدي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و انه يجب الاحتياط فهو و إلّا يكون مقتضى دليل رفع الحرج عدم الوجوب.

ان قلت: انّ الحرج لا يكون في الحكم الشرعي بل ناش عن الاحتياط و الاحتياط غير واجب شرعا بل وجوبه عقلي.

قلت: يرد عليه اوّلا: انه يستفاد بالفهم العرفي من دليل نفي الحرج ان الحكم الشرعي المستلزم للحرج مرفوع في الشريعة.

و بعبارة اخرى: اذا صدق ان الحكم الشرعي أوقع المكلف في الحرج يرتفع ذلك الحكم بدليل رفع الحرج.

و ثانيا: ان المستفاد من ادلّة الاحتياط بعد ملاحظتها بالنسبة الى‌

122

(مسألة 31): اذا كان حقّ الغير في ذمته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس و حينئذ فان علم جنسه و مقداره و لم يعلم صاحبه اصلا أو علم في عدد غير محصور تصدّق به عنه باذن الحاكم أو يدفعه اليه، و ان كان في عدد محصور ففيه الوجوه المذكورة، و الأقوى هنا أيضا الأخير، و ان علم جنسه و لم يعلم مقداره بأن تردد بين الأقل و الأكثر أخذ بالأقل المتيقن و دفعه الى مالكه ان كان معلوما بعينه، و ان كان معلوما في عدد محصور فحكمه كما ذكر و ان كان معلوما في غير المحصور أو لم يكن علم اجماليّ أيضا تصدق به عن المالك باذن الحاكم أو يدفعه إليه، و ان لم يعلم جنسه و كان قيميا فحكمه كصورة العلم بالجنس اذ يرجع الى القيمة و يتردّد فيها بين الأقل و الأكثر، و ان كان مثليا ففي وجوب الاحتياط و عدمه و جهان (1).

____________

دليل البراءة ان الاحتياط في الشبهة الحكمية قبل الفحص و في موارد العلم الإجمالي واجب.

[مسألة 31: اذا كان حقّ الغير في ذمته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس]

(1) في هذه المسألة فروع:

الفرع الأول: ان الماتن حكم بأنّ المال اذا كان في الذمة لا مجال لإجراء حكم الخمس عليه.

بتقريب: ان الاختلاط و الامتزاج انّما يتصوران في الأعيان الخارجية، و أمّا في الذمة فلا مجال لهما.

أقول: لا بدّ من التفصيل فيما أفاده الماتن بأن يقال: تارة يحصل‌

123

..........

____________

الاختلاط ثمّ يتلفه المكلف، و اخرى من أوّل الأمر يقع الاتلاف على عين معيّنة مغصوبة.

أمّا على الأول: فالحق ان الخمس واجب اذ المفروض انه بعد الاختلاط الخارجي تحقق موضوع الخمس و وجب اخراجه.

و بعبارة اخرى: صار خمس العين مملوكا لأهل الخمس و بعد الاتلاف يكون المتلف ضامنا لأهله فيجب الخروج عن عهدته.

و أمّا على الثاني: فما أفاده تامّ، اذ لا دليل على وجوب الخمس بل المتلف ضامن لصاحب العين فلاحظ.

الفرع الثاني: انه لو كانت ذمته مشغولة للغير بشي‌ء و علم جنسه و مقداره

كما لو علم انّ ذمته مشغولة بمنّ من الحنطة مثلا و لكن لا يعرف صاحبه أو يعلم بكونه في عدد غير محصور.

أفاد الماتن بوجوب التصدق عن صاحبه.

أقول: حيث ان الحاكم الشرعي ولي الغائب يمكن تشخيص ما في الذمة في العين الخارجية باذنه فيصير ما في الذمة شخصيا خارجيا فان قلنا بجواز تملكه بمقتضى حديث ابن مهزيار (1) يتملّكه من بيده.

و ربما يقال: انّ المذكور في ذلك الحديث: «مال لا يعرف له صاحب» و هذا العنوان لا ينطبق على مجهول المالك.

و بعبارة اخرى: تارة يقال: «المال الذي صاحبه مجهول» و اخرى يقال: «لا يعرف له صاحب» فان المستفاد من الجملة الاولى انّ المال له‌

____________

(1) لاحظ ص 68 و 69.

124

..........

____________

صاحب لكنه مجهول، و أمّا المستفاد من الجملة الثانية أن المال الفلاني يمكن أن لا يكون له مالك فالحديث: المشار اليه لا ينطبق على المقام.

و يرد على هذه المقالة ان المستفاد من الجملة الثانية انه لا يكون له صاحب عرف في الخارج و هذا العنوان ينطبق على مجهول المالك اذ يصدق انه لم يعرف له صاحب.

و بعبارة واضحة: انّه يفهم من الجملة ان المال المأخوذ اذا لم يكن له صاحب معروف.

و الشاهد لما نقول ما رواه هشام بن سالم (1). فانّ قول الإمام (عليه السّلام)- بعد قول الراوي و لا يعرف له وارث- «فاطلبوه» يدلّ بالصراحة أن المال له صاحب لكن المكلّف لا يعرفه و يؤكّد المدّعى ذيل الرواية فلاحظ.

و ان ابيت عمّا ذكرنا يمكن اثبات المدعى بحديث ابن مسلم (2) فان المستفاد من الحديث: ان أفضل خصال مجهول المالك أن يتصدق به و امّا الوجوب فلا، فيفهم انّه ملك لمن وضع يده عليه.

و يمكن الاستدلال على المدعى بما رواه هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا حاضر فقال: كان لأبي أجير و كان‌

____________

(1) لاحظ ص 107.

(2) لاحظ ص 71.

125

..........

____________

له عنده شي‌ء فهلك الأجير فلم يدع وارثا و لا قرابة و قد ضقت بذلك كيف اصنع؟ قال: رأيك المساكين رأيك المساكين، فقلت: إنّي ضقت بذلك ذرعا، قال: هو كسبيل مالك فان جاء طالب أعطيته (1).

فان المستفاد من الحديث: ان مجهول المالك مملوك للآخذ فالأمر ظاهر واضح لا سترة عليه اللهمّ إلّا أن يقال إنّ الإمام أرواحنا فداه قال: «كسبيل مالك» و لم يقل: مالك، و الشاهد على عدم الملكية قوله (عليه السّلام) بعد ذلك: فإن جاء طالب أي مالك، أعطيته.

و يؤيد المدعى ما رواه هشام بن سالم (2) و يدل على المدعى أيضا ما رواه هشام (3) و إن ناقشنا في الحديث من جهة اختلاف الجملات الواقعة فيه سابقا.

فتحصل انّ المستفاد من النصوص كون مجهول المالك ملكا لمن وضع يده عليه الّا في مورد مجي‌ء المالك فانه يجب دفعه اليه.

الفرع الثالث: انّ الماتن حكم بأن يدفع ما في ذمته الى الحاكم أو يتصدق به باذنه.

أقول: لا اشكال في أنّ تشخيص ما في الذمة في العين الخارجية يتوقف على الإذن من الحاكم حيث إنّ له الولاية على الغائب و بدون‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث: 10.

(2) لاحظ ص 107.

(3) لاحظ ص 108.

126

..........

____________

اذنه لا دليل على تحقق التعيّن الخارجي.

كما انه لو أراد افراغ ذمته بالتصدق يتوقف على إذنه بعين الملاك و امّا لو شخّص ما في الذمة بما في الخارج باذنه فهل يتوقف التصدق بالعين الخارجية على اذنه؟

الظاهر انه لا وجه له، و قد تقدّم منّا انه لا دليل عليه، نعم الاحتياط حسن عقلا و طريق النجاة.

ثم انّه على القول بوجوب التصدق أو اذا أراد المكلف أن يحتاط فهل يشترط في المتصدّق عليه أن لا يكون هاشميا أم لا؟

فنقول: تدل جملة من النصوص على حرمة الصدقة على الهاشمي منها: ما رواه عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي و قالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّ و جلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا بني عبد المطلب انّ الصدقة لا تحلّ لي و لا لكم و لكنّي قد وعدت الشفاعة، الى أن قال:

أ تروني مؤثرا عليكم غيركم (1).

و منها: ما رواه محمد بن مسلم و أبو بصير و زرارة كلهم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام) قالا: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ان الصدقة أوساخ أيدي الناس، و ان اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه و ان‌

____________

(1) الوسائل: الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 1.

127

..........

____________

الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب- الحديث: (1).

و منها: ما رواه ابن سنان يعني عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

لا تحل الصدقة لولد العباس و لا لنظرائهم من بني هاشم (2).

و منها: ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي في صحيفة الرضا (عليه السّلام) باسناده قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): انّا اهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة و امرنا باسباغ الوضوء و ان لا ننزي حمارا على عتيقة و لا نمسح على خفّ (3).

و منها: ما رواه عيسى بن عبد اللّه العلوي، عن أبيه عن جعفر بن محمد (عليه السّلام) قال: ان اللّه لا إله الّا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال (4) و منها: ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: انه لو كان العدل ما احتاج هاشمي و لا مطلّبي الى صدقة ان اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثمّ قال: ان الرجل اذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة و الصدقة لا تحل لأحد منهم الا أن لا يجد شيئا و يكون ممن يحل له الميتة (5).

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 2.

(2) نفس المصدر، الحديث: 3.

(3) نفس المصدر، الحديث: 6.

(4) نفس المصدر، الحديث: 7.

(5) الوسائل: الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة.

128

..........

____________

و منها: ما رواه محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السّلام) قال: لا تحل الصدق لبني هاشم الّا في وجهين ان كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا و صدقة بعضهم على بعض (1).

فان هذه النصوص باطلاقها تشمل مطلق الصدقة زكاة كانت أو غيرها واجبة كانت أو غيرها و في المعتبر من هذه الروايات كفاية.

و صفوة القول: ان الاطلاقات المشار اليها مرجع للالتزام بعدم الجواز و الجواز يحتاج الى قيام دليل عليه.

و ربما يتوهم الجواز من جملة من النصوص منها ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) انه قال: لو حرمت علينا الصدقة لم يحل لنا أن نخرج الى مكة لأنّ كل ماء بين مكة و المدينة فهو صدقة (2).

بتقريب ان المستفاد من الحديث:: انه لا تكون الصدقة على الاطلاق حراما على الهاشمي و الّا كان اللازم حرمة الشرب من المياه المشار اليها فالحرام منها قسم خاص منها.

و يرد عليه: ان المستفاد من الحديث: ان الموقوفات العامة لا تحرم عليه و أمّا الأزيد من ذلك فلا، فدليل الحرمة محكّم.

____________

(1) الوسائل: الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 7.

(2) الوسائل: الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 1.

129

..........

____________

و ان شئت قلت: نرفع اليد عن اطلاق دليل الحرمة بهذا المقدار.

و منها: ما عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام) (1).

بتقريب ان المستفاد من الحديث: ان المحرّم من الصدقة ما يكون من أوساخ الناس و الصدقة بهذا الوصف تختص بالزكاة فلا يحرم غيرها.

و فيه: انه لا دليل على التقييد و المستفاد من الحديث: ان الصدقة على الاطلاق وسخ.

و منها: ما رواه جعفر بن ابراهيم الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: أ تحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال: انما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فليس به بأس و لو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا الى مكة هذه المياه عامّتها صدقة (2).

و الحديث: ضعيف سندا فلا يعتدّ به.

و منها: ما روا أبو اسامة زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم؟ فقال: هي الزكاة المفروضة و لم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض (3).

و الحديث: ضعيف سندا.

و منها: ما رواه اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال:

____________

(1) لاحظ ص 126.

(2) الوسائل: الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 3.

(3) الوسائل: الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 4.

130

..........

____________

هي الزكاة، قلت: فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم (1).

و الحديث: ضعيف سندا، فالنتيجة انّ الصناعة تقتضي الالتزام بالحرمة على الاطلاق بل مقتضاها هي الحرمة حتى بالنسبة الى الصدقات المستحبة الا أن يقوم تسالم على الخلاف.

و لكن الظاهر ان السيرة جارية على الجواز في الصدقات المستحبة و انه لو كانت حراما لذاع و شاع و الحال ان خلافه مستقر في أذهان أهل الشرع، و اللّه العالم.

و لكن الجزم بتحقّق السيرة المشار اليها مشكل.

نعم لا اشكال في جواز صدقة الهاشمي للهاشمي لاحظ ما رواه البزنطي عن الرضا (عليه السّلام) قال: سألته عن الصدقة تحلّ لبني هاشم؟

فقال: لا و لكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم الحديث: (2).

ثم انّه على تقدير التصدق هل يشترط في المتصدق عليه الفقر أم لا؟ القاعدة الاولية لا تقتضي الاشتراط المذكور، اذ لم يؤخذ في مفهوم الصدقة انها يعطى للفقير فلا بدّ من قيام دليل على الاشتراط.

و ما يمكن أن يذكر في تقريبه وجوه:

الوجه الاول: قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 5.

(2) الوسائل: الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 8.

131

..........

____________

وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1).

و فيه ان الآية تختصّ بخصوص الزكاة لا مطلق الصدقة.

الوجه الثاني: ما رواه هشام بن سالم (2).

و هذه الرواية مضطربة، اذ أمر روحي فداه في الصدر بكونه للمساكين و في الذيل أمر بالايصاء و على فرض عدم مجي‌ء الطالب يكون كسبيل ماله.

و بعبارة واضحة: في الصدر يأمر بالدفع الى المساكين و في الذيل يأمر بطلب الوارث ثم يحكم بكونه ملكا للآخذ فيلزم التناقض بين الصدر و الذيل.

الوجه الثالث: حديثا معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) يروون عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انّ الصدقة لا تحلّ لغنيّ و لا لذي مرة سوي؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لا تصلح لغنيّ (3).

و زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا تحل الصدقة لغنيّ و لا لذي مرة سويّ، الحديث: (4).

و الظاهر ان هذا الوجه تامّ.

ثم انه على القول بالتصدق هل يلحق بمجهول المالك معلومه اذا‌

____________

(1) التوبة: 60.

(2) لاحظ ص 108.

(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 3.

(4) الوسائل: الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 8.

132

..........

____________

لم يمكن الوصول اليه أم لا مقتضى حديث ابن مسلم (1) عدم الفرق.

و بعبارة اخرى: اطلاق الحديث: يقتضي التسوية بين الموردين.

و يؤيد المدّعى حديث أبي أيوب (2).

و على هذا الاساس ربما يقال: انه يجوز أن يتصدق بالسهم المبارك لعدم امكان الوصول الى حضرته روحي فداه.

و يرد عليه: ان صرف مال الغير في مورد رضاه نحو من الايصال فاذا علمنا برضاه في المصرف الفلاني لا يجوز التصرف فيه بنحو آخر الّا أن يكون المتصدق عليه من موارد العلم برضاه فيكون طريق الاحتياط دفعه اليه برجاء كونه عملا بالوظيفة على كل تقدير.

ثم انه لو تصدق بمجهول المالك و بعد جاء مالك المال فما هي الوظيفة؟ يمكن أن يقال: ان المستفاد من بعض النصوص ان مجهول المالك ان جاء صاحبه يكون المال ماله لاحظ حديث هشام (3) فان المستفاد من هذه الرواية ان مجهول المالك يجوز التصرف فيه بانواع التصرفات فإذا جاء مالكه يجب دفعه اليه.

و لكن وجوب الدفع في فرض بقاء العين، و أمّا لو فرض تلفها فلا دليل على الضمان و لو فرض التصدق به يكون الكلام فيه هو الكلام، اي لا ضمان لا على المتصدّق و لا على المتصدق عليه لعدم‌

____________

(1) لاحظ ص 71.

(2) لاحظ ص 99.

(3) لاحظ ص 124.

133

..........

____________

الدليل عليه.

و اذا فرض بقاء العين في يد المتصدق عليه فهل يجوز للمالك أن يأخذه منه أم لا؟ الظاهر هو الثاني، اذ بالتصدق صار ملكا له و رجوعه يتوقف على الدليل.

مضافا الى النصوص الدالة على عدم جواز استرداد الصدقة فلاحظ.

هذا اذا كان المال عينا خارجية، و أمّا لو كان في الذمّة فان عيّن في الخارج باذن الحاكم فالكلام فيه هو الكلام و الّا تكون الذمة مشغولة به.

هذا كله مع قطع النظر عن حديث ابن مهزيار و الّا نقول: تقع المعارضة بين الجانبين، فان المستفاد من حديث ابن مهزيار (1) ان مجهول المالك مملوك للآخذ و حديث هشام دالّ على أنّه كسبيل ماله و ان جاء صاحبه أعطيته فحديث هشام دالّ على عدم صيرورته ملكا للآخذ و حديث ابن مهزيار دالّ على صيرورته ملكا له و الترجيح مع حديث ابن مهزيار.

إن قلت: لا يرى العرف معارضة بين الطرفين بل يرى حديث هشام مخصصا لحديث ابن مهزيار. قلت: لا إشكال في المعارضة بين الجانبين و العرف ببابك.

ثم انّه على تقدير الصدقة هل يكون هذا التصدق من قبل المالك‌

____________

(1) قد تقدم ذكر الحديث: في ص 68 و 69.

134

..........

____________

أو من قبل الآخذ أو لا هذا و لا ذاك؟

الظاهر انه لا دليل معتبر على الصدقة الّا حديث ابن مسلم (1) و لم يذكر فيه ما يرتبط بهذه الجهة.

الا أن يقال: ان المستفاد من بعض النصوص ان الصدقة وسخ الناس فاللازم أن تكون من قبل احد و الا كيف يمكن أن تكون وسخا.

ثم انه هل يجوز وضع اليد على مجهول المالك بعد وضع الغير يده عليه أم لا؟

الذي يختلج بالبال أن يقال: اذا قلنا بصيرورة مجهول المالك ملكا للآخذ- كما هو مفاد حديث علي بن مهزيار- فلا يجوز للغير وضع يده عليه لعدم جواز التصرف في مال الغير، و ان لم نقل به فيمكن أن يقال: بالجواز لعدم الدليل على الاختصاص.

الا أن يقال: انه لو لم نقل بالملكية فالواضع الأول مأمور إمّا بالايصال و إمّا بالحفظ و إما بالايصاء و إمّا بالتصدق، فكأنّه وليّ المال من قبل الشارع فلا يجوز للغير مزاحمته فلاحظ.

ثم انه لو قلنا بأنّ مجهول المالك ملك لمن أخذه فتارة يكون المأخوذ مجهول المالك حين الأخذ فأمره ظاهر و اخرى يكون زمان الأخذ معلوم المالك، كما لو أخذه من شخص بعنوان العارية أو بعنوان الوديعة أو بسبب من الأسباب الفاسدة كالسرقة و القمار الى غيرهما و بعد ذلك صار مجهولا من حيث المالك فهل يشمله دليل الملكية أي‌

____________

(1) لاحظ ص 71.

135

..........

____________

حديث ابن مهزيار أم لا؟ الظاهر هو الثاني، فان قوله روحي فداه «و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب» لا يشمل العنوان بقاء، بل الظاهر منه مقارنة الجهل بالمالك مع الأخذ و عليه يكون مشمولا للحكم المترتب على معلوم المالك مع عدم إمكان الوصول اليه و الشك في الوصول و نتعرّض لحكمه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

فالمتحصل ممّا ذكرنا انّه لو أخذ مجهول المالك فتارة يقطع بامكان الوصول اليه و اخرى يقطع بالعدم و ثالثة يشكّ.

أمّا على الأول: فلا بدّ من الإيصال و الردّ لقوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1).

و النسبة بين الآية الشريفة و حديث ابن مهزيار عموم من وجه، فانّ ما به الافتراق من طرف الحديث: مورد عدم القدرة على الاداء و ما به الافتراق من ناحية الآية مورد كون المالك معلوما و يمكن الاداء اليه و مورد الاجتماع مجهول المالك الذي يمكن ايصاله الى مالكه، فان مقتضى الآية و وجوب ايصاله اليه و مقتضى الحديث: صيرورته مملوكا للآخذ، فلو قلنا بأنّ العموم الوضعي مقدّم على ما بالاطلاق فالأمر ظاهر، و امّا إن لم نقل بهذه المقالة نقول الظاهر ان ما خالف الكتاب و لو بالتباين الجزئي ساقط عن الاعتبار.

و أمّا على الثاني: فلا تعارض فلا مانع عن الأخذ بالحديث:

____________

(1) النساء: 58.

136

..........

____________

و الحكم بالملكية.

و أمّا على الثالث: فحيث يشك في القدرة، و من ناحية اخرى لا يجوز الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية و من ناحية ثالثة لا يجب الفحص في الشبهات المصداقية و الموضوعية فلا مانع عن الأخذ بالحديث: أيضا، هذا كلّه بالنسبة الى مجهول المالك.

و امّا لو كان المالك معلوما أو صار مجهولا بعد ما كان معلوما بحيث لا يشمله حديث ابن مهزيار فايضا تتصور فيه تلك الصور الثلاثة.

فنقول: امّا الصورة الأولى: فحكمها حكم الصورة الاولى من القسم الأول طابق النعل بالنعل فلا وجه للإعادة.

و أمّا الصورة الثانية: فكما تقدم لا مجال لا يجاب ادائه الى صاحبه اذ المفروض عدم القدرة على الايصال فالظاهر جواز ادائه الى الحاكم الشرعي الذي له الولاية في مثل هذه الامور، فاذا أعطاه ايّاه يشخّص و يوصف بكونه مجهول المالك أي يدخل في موضوع حديث ابن مهزيار فلو أخذه أحد يكون مالكا له بمقتضى ذلك الحديث:

و هل يمكن الالتزام بصيرورة الحاكم مالكا له بأخذه من الضامن؟

بتقريب: انه موصوف بوصف كون مالكه مجهولا، و من ناحية اخرى قد فرض ان الحاكم أخذه يشكل الجزم به، اذ الأخذ من قبل الحاكم في اوّل ازمنة القبض و الأخذ يصير مصداقا للإيصال الى المالك‌

137

..........

____________

فكيف يمكن أن يكون ذلك الآن زمان الانتقال الى الحاكم.

لكن يمكن التفصيل بين إقباض العين الخارجية من الحاكم و بين تشخيص ما في الذمة بالإقباض بأن نقول: الاشكال المذكور يختص بالثاني: و أمّا في الفرض الأول فيصدق على العين عنوان مجهول المالك فيصدق عنوان ما يؤخذ و لا يعرف له صاحب فلاحظ.

و أمّا الصورة الثالثة: فيظهر حكمها من ملاحظة الصورة الثانية، اذ الظاهر انّ كلتيهما من باب واحد.

هذا بحسب القواعد الأولية و قد وردت جملة من النصوص بالنسبة الى إرث بعض الورثة المفقود منها ما رواه اسحاق بن عمّار قال: قال لي أبو الحسن (عليه السّلام): المفقود يتربّص بماله أربع سنين ثم يقسّم (1).

و منها: ما رواه اسحاق بن عمّار أيضا قال: سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده فلم يدر أين هو و مات الرجل فكيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: يعزل حتى يجي‌ء، قلت: فقد الرجل فلم يجي‌ء؟ قال: إن كان ورثة الرجل ملاء بماله اقتسموه بينهم فان هو جاء ردّوه عليه (2).

و منها: ما رواه علي بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر الثاني (عليه السّلام) عن دار كانت لامرأة و كان لها ابن و ابنة فغاب الابن بالبحر و ماتت‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث: 5.

(2) نفس المصدر، الحديث: 6.

138

..........

____________

المرأة فادّعت ابنتها انّ امها كانت صيّرت هذه الدار لها و باعت اشقاصا منها و بقيت في الدار قطعة الى جنب دار رجل من أصحابنا و هو يكره أن يشتريها لغيبة الابن و ما يتخوّف أن لا يحلّ شراؤها و ليس يعرف للابن خبر؟ فقال لي: و منذ كم غاب؟ قلت: منذ سنين كثيرة، قال:

ينتظر به غيبة عشر سنين ثم يشترى، فقلت: اذا انتظر به غيبة عشر سنين يحلّ شراؤها؟ قال: نعم (1).

و منها: ما رواه اسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الأول (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل كان له ولد فغاب بعض ولده فلم يدر أين هو و مات الرجل فأيّ شي‌ء يصنع بميراث الرجل الغائب من أبيه؟ قال:

يعزل حتى يجي‌ء، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: لا حتى يجي‌ء، قلت: فاذا جاء يزكّيه؟ قال: لا حتى يحول عليه الحول في يده، فقلت: فقد الرجل فلم يجي‌ء، قال: ان كان ورثة الرجل ملاء بماله اقتسموه بينهم فاذا هو جاء ردّوه عليه (2).

و منها: ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الارض أربع سنين، فان لم يقدر عليه قسّم ماله بين الورثة، فان كان له ولد حبس المال و انفق على ولده تلك الاربع سنين (3).

____________

(1) نفس المصدر، الحديث: 7.

(2) نفس المصدر، الحديث: 8.

(3) نفس المصدر، الحديث: 9.

139

..........

____________

و هذه النصوص كما ترى متعارضة من حيث المفاد لكن لا تعارض بينها و بين حديث ابن مهزيار إذ هذه الروايات في مورد معلوم المالك و حديث ابن مهزيار وارد في مال لا يعرف له صاحب فلا تعارض.

الفرع الرابع: أن تكون الذمّة مشغولة بجنس معلوم و مقداره كذلك و مالكه محصور في عدد

فالماتن قوّى الوجه الأخير هنا أيضا.

و يرد عليه ما أوردنا سابقا.

و قلنا: مقتضى القاعدة الوجه الأول مع التفصيل الذي تقدّم بلا فرق فلا وجه للإعادة و راجع ما ذكرناه و طبّقه على المقام.

الفرع الخامس: انّ ما في الذمة إن كان معلوما من حيث الجنس

كما لو علم انّ جنسه حنطة و لا يعلم مقداره و دار أمره بين الأقل و الأكثر، يكون مقتضى الأصل الالتزام بالأقل و نفي الأكثر باستصحاب عدمه فان كان مالكه معلوما يرده اليه، و ان كان مجهولا يترتب عليه ما تقدم و لا وجه للإعادة.

الفرع السادس: انّه لو لم يعلم جنسه فالماتن فصّل بين كون الجنس قيميا و بين كونه مثليا،

ففي الصورة الاولى حكم بالاشتغال بالاقلّ، اذ المفروض ان ما في الذمة هي القيمة و هي مرددة بين الأقل و الأكثر، و قد مرّ ان الأكثر محكوم بالعدم بالاستصحاب فالواجب دفع الاقل.

و في الصورة الثانية تردّد بين وجوب الاحتياط و عدمه.

140

(مسألة 32): الأمر في اخراج هذا الخمس الى المالك كما في سائر أقسام الخمس فيجوز له الإخراج و التعيين من غير توقّف على اذن الحاكم كما يجوز دفعه من مال آخر و ان كان

____________

أقول: قد ذكرنا في بحث المثلي و القيمي انه لا أصل لأصل المدّعى، فان مقتضى القاعدة الاشتغال بنفس العين التالفة.

و الدليل على المدعى: ان التالف أعمّ من أن يكون مثليا أو قيميا لو اعيد بدعاء وليّ من الأولياء و صارت التالفة عينا موجودة ثانيا قبل إفراغ الذمة يجب دفع تلك العين المعادة الى الوجود، فوعاء الذمة مشغول بعين التالف فلا مجال لتقسيم ضمان الذمة بالمثلي تارة و بالقيمي اخرى، بل الذمة مشغولة بنفس العين، غاية الأمر بعد عدم امكان ادائها تصل النوبة الى المثل و مع تعذره تصل النوبة الى القيمة فمع الامكان و عدم الحرج لا بدّ من الاحتياط التامّ و أمّا مع عدم الامكان أو الحرج الرافع للتكليف تصل النوبة الى الرتبة النازلة، و اللّه العالم بحقائق الامور و له الحمد و الشكر.

نعم لو غصب القيمي كما لو غصب حيوانا ثم تلف الحيوان يكون الغاصب ضامنا لقيمته يوم الغصب و الدليل عليه حديث أبي ولّاد الحناط (1) الوارد في إجارة البغل، فان قول الامام روحي فداه في جواب السائل حيث سأل: «أ رأيت لو عطب البغل و نفق أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته» الحديث:، يدلّ على المدعى‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب الاجارة، الحديث: 1.

141

الحقّ في العين (1).

(مسألة 33): لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه- كما هو كذلك في التصدق عن المالك في مجهول المالك- فعليه غرامته له حتى في النصف الذي دفعه الى الحاكم بعنوان انّه للإمام (عليه السّلام) (2).

____________

المذكور فلاحظ.

[مسألة 32: الأمر في اخراج هذا الخمس الى المالك]

(1) تحقيق هذه المسألة موكول الى البحث في ذيل المسألة الخامسة و السبعين من هذا الفصل فانتظر.

[مسألة 33: لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه]

(2) قد حكم (قدّس سره) بأنّه لو عرف المالك بعد اداء الخمس يكون ضامنا للخمس بالنسبة الى المالك و كذلك يكون ضامنا لو تبيّن المالك المجهول بعد التصدق بمجهول المالك.

و الحق: انّه لا ضمان في شي‌ء من الموردين، فانّ الظاهر من دليل التخميس انّ المال بهذه الوسيلة يصير حلالا و ملكا للمكلف.

و بعبارة اخرى: الشارع الأقدس الذي يكون بيده الاختيار التامّ قد أمر المكلف بأمر يوجب تخلّصه عن الحرام فلا مجال للضمان بعد ذلك.

و ان شئت قلت: قبل تبيّن المالك هل يكون ضمان أو يتحقق الضمان بعده، أمّا على الأول فلا مجال له بعد فرض انه عمل بالوظيفة الشرعية، و أمّا على الثاني فلا موجب للضمان و هل يمكن الضمان بلا سبب؟ كلا.

142

..........

____________

ثم انه على القول بالضمان لا مجال للقول بكون ضمانه بالخمس اذ لا دليل عليه فالنتيجة عدم الضمان.

نعم لو تبيّن قبل اداء الخمس لا يجوز و لا بدّ من إتمام الأمر مع المالك بالمصالحة أو بغيرها من الوجوه الممكنة و ذلك لعدم شمول دليل الخمس ايّاه، فان المفروض و المأخوذ في الدليل عنوان كون المالك مجهولا و مع تبيّنه يتغير الموضوع و يكون خروجا موضوعيا تخصّصيا.

و في المقام شبهة و هي: ان الموضوع للخمس ان كان عدم عرفان المالك على الاطلاق يلزم انه لو تبيّن بعد اداء الخمس يكشف انه لم يكن الخمس واجبا و يكون المكلّف ضامنا و الحال انّا انكرنا الضمان و ان قلنا بأنّه يكفي في تحقق الموضوع عدم العرفان في الجملة يلزم انّه لو تبيّن المالك قبل الاداء لا يتغيّر الحكم و الحال انه قد تقدم أنّه لو تبين قبل اداء الخمس يلزم اتمام الأمر مع المالك فما الحيلة و ما الوسيلة؟

و الذي يختلج بالبال في هذه العجالة أن يقال: ان عدم العرفان في الجملة يكفي، لكن لو تبيّن قبل الاداء ينقلب الموضوع بحكم الشارع و الخمس بعد ما صار ملكا لأربابه يرجع الى المالك و هذا نحو جمع بين الجهات و لا يمكن استفادته من نفس النصّ الوارد في المقام و مقتضى الجمود على الظاهر أن يلتزم بكفاية عدم العرفان في الجملة في ثبوت الخمس و بقاء الحكم بحاله حتى بعد تبين المالك، فان الشي‌ء لا ينقلب عما هو عليه و المفروض تحقّق الموضوع و ترتّب الحكم على‌

143

(مسألة 34): لو علم بعد اخراج الخمس انّ الحرام أزيد من الخمس أو أقل لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية. و هل يجب عليه التصدق بما زاد على الخمس في الصورة الأولى أولا؟ و جهان أحوطهما الأول و أقواهما الثاني (1).

(مسألة 35): لو كان الحرام المجهول مالكه معينا فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفا من احتمال زيادته على

____________

موضوعه أمر طبيعي على مقتضى القاعدة و رفع اليد عنه يحتاج الى الدليل القطعي فلاحظ.

و أمّا الضمان بعد التصدق فانه على خلاف القاعدة، و قد تعرضنا لعدم الضمان و جعلناه من الفروع التي ذكرناها في ذيل بحث الصدقة فراجع.

[مسألة 34: لو علم بعد اخراج الخمس انّ الحرام أزيد من الخمس أو أقل]

(1) الذي يختلج بالبال أن يقال: انّ المستفاد من حديث ابن مروان الذي هو العمدة في مدرك الحكم المذكور، انّ المولى الذي ولي على جميع المكلفين عيّن هذه الوسيلة و جعلها سببا لطهارة المال و حليته و كأنّه مصالحة من قبل الشارع فالأمر كما أفاده في المتن فلا مجال للاسترداد في صورة و التصدق أو أداء الخمس ثانيا في صورة اخرى، بل مقتضى دليل الخمس صيرورته بعد الاداء لأهله و صيرورة المال بتمامه للمكلف و هذا حكم واقعي و لا يكون ظاهريا كي يقال: قوام الحكم الظاهري بالشك و مع ارتفاعه يرتفع هو أيضا و قس عليه الحكم بالتصدق طابق النعل بالنعل.

144

الخمس فهل يجزيه اخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ و جهان و الأقوى الثاني لأنّه كمعلوم المالك حيث انّ مالكه الفقراء قبل التخليط (1).

[ (مسألة 35: لو كان الحرام المجهول مالكه معينا فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس]

____________

(1) قد تقدم انه لا دليل معتبر على وجوب التصدق بمجهول المالك، فان قلنا: انّ مجهول المالك يصير ملكا للآخذ فهو و لا مجال للبحث، اذ المفروض انه ملك له فلا موضوع لاختلاط الحرام بالحلال، و أمّا ان لم نقل بهذه المقالة فاي مانع عن شمول دليل وجوب الخمس لمورد الاختلاط العمدي كما هو المستفاد من حديث السكوني و غيره، فانّ المستفاد منه ان الحرام كان مشخصا أولا ثم صار الاختلاط بين المالين.

و لما انجرّ الكلام الى هنا نتعرض لدقيقة و هي: انه هل يكون تعارض بين دليل وجوب الخمس عند الاختلاط و حديث ابن مهزيار الدالّ على صيرورة المأخوذ المجهول مالكه ملكا للآخذ أم لا؟

الحق هو الثاني، فانه لا جامع بين الدليلين في الموضوع كي يتحقق التعارض بينهما، بل موضوع كل منهما يباين موضوع الآخر، فان موضوع حديث ابن مروان الدالّ على وجوب الخمس عنوان الحرام المختلط مع الحلال فقد فرض في الموضوع الخلط بين الحرام و الحلال و يتصور ذلك فيما لو غصب المكلف مالا من احد أو أخذه بوجه غير شرعي كالقمار و نحوه ثم صار مخلوطا مع ماله و بعد اختلاطه صار المالك مجهولا مرددا بين عدد غير محصور، فان حديث ابن مروان‌

145

(مسألة 36): لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل، خمس آخر للمال الحلال الذي فيه (1).

____________

يشمله و لا يشمله حديث ابن مهزيار اذ قلنا ان المستفاد منه ان موضوعه مال يؤخذ و لم يعرف صاحبه حين الأخذ فلا اختلاط و لا تعارض بين الجانبين فلاحظ.

[مسألة 36: لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل]

(1) ربما يقال: انه يكفي اداء خمس واحد الموجب لحلية الباقي و لا يحتاج الى اداء خمس آخر.

و الدليل عليه ما رواه السكوني (1) بتقريب ان الامام (عليه السّلام) قال بحلّيّة بقية المال بقوله «و سائر المال لك حلال».

و يرد عليه: ان المستفاد منه حصول الحلية من هذه الجهة.

و بعبارة اخرى: الحكم المذكور حيثي مضافا إلى ضعف السند فهذا القول غير وجية.

و امّا ما افاده في المتن فتقريب الاستدلال عليه ان الدليل قام على وجوب التخميس من وجهين و لا وجه لرفع اليد عن احدهما بل يجب العمل بهما.

و يرد عليه اولا: ان الظاهر من دليل تخميس المال، مال المكلف المخلوط مع الحرام، و أمّا مورد كون المال مشتركا مع الغير- كما في المقام- فالدليل لا يشمله.

و ثانيا: انه مع الاغماض عن الاشكال الأول يرد عليه انه كيف يجوز التصرف في مال الشريك بلا اذنه.

____________

(1) لاحظ ص 93.

146

..........

____________

اذا عرفت ما تقدم نقول: الذي يختلج بالبال أن يقال يلزم على المكلف اولا ان يخمّس مال نفسه كي يمكن شمول الدليل ايّاه و لا بد من دفع خمس الأرباح مثلا من مال آخر كي لا يلزم عدم جواز التصرف في المال المختلط بالحرام و بعد صيرورة المال بتمامه له يخمّسه لحلّية الباقي له.

ان قلت: اذا لم يكن مال نفسه معلوما و كان مرددا بين الأقل و الأكثر فايّ مقدار يخمّس؟

قلت: يكتفي بالقدر المتيقن، اذ الزائد عليه غير معلوم و مقتضى الأصل عدم كون المشكوك فيه له.

ان قلت: ان مقتضى قاعدة اليد كون المشكوك فيه ملكا له فلا بدّ من ملاحظة الأكثر.

قلت: لو كانت قاعدة اليد معتبرة فما وجه تشريع الخمس للتحليل.

و بعبارة اخرى: يفهم من وجوب الخمس ان قاعدة اليد ملغاة عند الشارع.

و ربما يقال: انّ قاعدة اليد على فرض جريانها انما تثبت كون ما في اليد لذيها و لا يثبت بها كون ما في اليد من الأرباح الّا بتقريب الاثبات و لا يثبت اللازم العقلي بالقاعدة.

و يرد عليه: ان المكلف يعلم بانّ كل مقدار يكون ملكا له يكون‌

147

..........

____________

فيه الخمس، فاذا ثبت بالدليل ان ملكه المقدار الفلاني يترتب عليه الحكم.

و ان شئت قلت: الترتب المشار اليه شرعي لا عقلي.

نعم يمكن الاشكال بنحو آخر و هو: ان المفروض كون المال مشتركا بين المكلف و بين ارباب الخمس فكيف يمكن أن تكون اليد امارة على ملكية جميع المال فغاية ما تدلّ القاعدة انّ أربعة أخماس من المال له، و من الظاهر ان ترتب المطلوب على التقريب المذكور لا يمكن الّا على القول بالاثبات الذي لا نقول به.

اللهم الّا أن يقال: بأنّه لا يتم التقريب المذكور و لذا لو فرض ان المكلف بعد مضي الحول وجد مقدارا من المال في صندوقه يحكم بوجوب الخمس فيه، اذ بمقتضى اليد يحكم انّ جميعه له.

و بعبارة واضحة: الحكم بالخمس مترتب على كون المال للمكلف في حد نفسه و قاعدة اليد تفي بهذه الجهة أي تفي بكون ما في اليد ملك له في حد نفسه.

اذا عرفت ما تقدم نقول: الانصاف ان انكار شمول حديث ابن مروان لمورد كون المال الحلال مشتركا ثم اختلط بالحرام مشكل، اذ لا نرى مانعا عن الاطلاق.

و بعبارة أوضح: ان قوله روحي فداه «و الحلال المختلط بالحرام» يشمل مورد الكلام و أمثاله، فما أفاده في المتن تامّ، و اللّه العالم و عليه‌

148

(مسألة 37): لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العام فهو كمعلوم المالك على الأقوى فلا يجزيه اخراج الخمس حينئذ (1).

(مسألة 38): اذا تصرف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالاتلاف لم يسقط و ان صار الحرام في ذمته فلا يجري عليه حكم رد المظالم على الأقوى و حينئذ فان عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمته بمقدار خمسه، و ان لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل، و جهان الأحوط الأول و الأقوى الثاني (2).

(مسألة 39): اذا تصرّف في المختلط قبل اخراج خمسه

____________

التوكل و التكلان.

[مسألة 37: لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العام فهو كمعلوم المالك]

(1) و الوجه فيه: انّه قد تقدم ان موضوع الحكم متقوم بكون المالك غير معلوم و يكون معنونا بكونه مالا لا يعرف صاحبه و الحال انّ صاحب المال في المقام معلوم و هو الكلي فلا يشمله دليل التحليل باداء الخمس.

[مسألة 38: اذا تصرف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالاتلاف لم يسقط]

(2) اذا فرضنا كون الخمس ملكا لأهله كما هو المفروض و تقدّم ان وزان الخمس في المقام وزانه في بقية الموارد يترتب عليه ما ذكره الماتن، اذ المفروض انّ المكلف أتلف الخمس الذي ملك لأربابه و الاتلاف يوجب الضمان، و حيث انّ الأمر مردد على الفرض بين الأقل و الأكثر فالأقل مقطوع به و الزائد مورد البراءة بلا اشكال، و اللّه العالم.

149

[مسألة 39: اذا تصرّف في المختلط قبل اخراج خمسه]

ضمنه، كما اذا باعه مثلا فيجوز لوليّ الخمس الرجوع عليه كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه و يجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض اذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة، و أمّا اذا باعه بأقل من قيمته فامضاؤه خلاف المصلحة نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس (1).

[السادس: الأرض التي اشتراها الذميّ من المسلم]

السادس: الارض التي اشتراها الذميّ من المسلم سواء كانت ارض مزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها فيجب فيها الخمس و مصرفه مصرف غيره من الاقسام على الأصحّ و في وجوبه في المنتقلة اليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات اشكال فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة، و ان كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوّة و انما يتعلق الخمس برقبة الارض دون البناء و الاشجار و النخيل اذا كانت فيه و يتخير الذمّي بين دفع الخمس

____________

(1) الأمر كما أفاده الماتن، فان كلا من المتعاقدين ضامن لليد الموجبة للضمان فيكون الولي أي الحاكم الشرعي مختارا في الرجوع الى كلّ منهما كما حقق في بحث تعاقب الأيدي و يمكن للحاكم اجازة العقد و أخذ الثمن بالمقدار المقابل للخمس.

هذا فيما باع بالمساوي أو الأزيد واضح، و أمّا لو باع بالاقل فلا ولاية للحاكم، اذا المفروض انه ضرر على المولّى عليه الّا أن تكون مصلحة فيجوز للحاكم الاجازة.

150

من عينها أو قيمتها و مع عدم دفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه و بين اجارته و ليس له قلع الغرس و البناء بل عليه ابقاؤهما بالأجرة، و ان أراد الذمّي دفع القيمة و كانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها مع الاجرة فيؤخذ منه خمسها و لا نصاب في هذا القسم من الخمس و لا يعتبر فيه نية القربة حين الأخذ حتى من الحاكم بل و لا حين الدفع الى السادة (1).

قد تعرض الماتن في المقام لفروع:

الفرع الأول: ان المورد السادس من موارد الخمس الأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم.

____________

(1) و عمدة الدليل لهذا الحكم ما رواه ابو عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: ايّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فان عليه الخمس (1) و المستفاد من الحديث: مجرد الحكم التكليفي فلا يكون كبقية اقسام الخمس المتعلقة بالعين.

اللهم الّا انّ يقال انه (عليه السّلام) قال: «فان عليه الخمس» و لم يقل عليه اعطاء الخمس فلا وجه للقول بانّه في مقام بيان الحكم التكليفي و حيث ان المستفاد من دليل الخمس في الأرباح و الغنائم كونه مملوكا لأربابه و لم يقم في المقام دليل على الخلاف مع كون المولى في مقام البيان يفهم ان الخمس في المقام قسم من تلك الأقسام و الدليل عليه انّ الاصحاب هكذا فهموا من الحديث: فلا مقتضي لحمل الكلام على الحكم التكليفي المحض.

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث: 1.

151

..........

____________

و لقائل أن يقول: ان غاية ما يستفاد من التقريب المذكور ان الخمس ثابت في ذمته و لكن مجرد الثبوت في الذمة لا يستلزم كون الخمس في المقام كبقية الموارد.

و بعبارة اخرى: مقتضى الحديث: اشتغال الذمة، و أمّا العين الخارجية فلا دليل على تعلق الخمس بها.

الفرع الثاني: انه لا فرق في الحكم المذكور بين الخالية عن البناء و الزّرع و الشجر و غيرها.

و ربما يقال: ان المتبادر من الأرض، الأرض الخالية.

و لكن يرد عليه: ان غاية ما يمكن أن يقال: ان اللفظ ينصرف بدوا الى الخالية و يزول بعد التأمل.

و بعبارة اخرى: مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الأقسام، فان الموضوع عبارة عن الأرض المشتراة و هذا العنوان يصدق على كلا القسمين.

نعم يبقى الاشكال في انّه لو اشترى دارا أو بستانا فهل يشمل الدليل ارض الدار المشتراة أو أرض البستان كذلك أم لا؟

ربما يقال بانّ مقتضى الاطلاق الشمول و لكن يشكل اولا: بانّ الظاهر من اشتراء الارض الاستقلال لا بالتبع و هذا العرف ببابك و لا أقلّ من عدم الجزم بالاطلاق.

و ثانيا: ان التبعض في بيع المركب لا محصل له، اذ قد ذكرنا في‌

152

..........

____________

محلّه: انه لو باع دارا مثلا فهل يكون البيع واحدا و المبيع كذلك و كل جزء من الدار جزء المبيع أم يكون المبيع متعددا كالبيع؟

أمّا على الأول فلا يصدق عنوان اشتراء الارض بل الشراء تعلق بالدار و واقع عليها.

و أمّا على الثاني فيلزم تعدد الخيارات بالنسبة الى كل قطعة من الدار من القطعات الخارجية أو في كل جزء مشاع و هل يمكن الالتزام به؟ كلّا ثم كلّا.

مضافا الى انّه يلزم التسلسل، اذ قد حقق في الفلسفة عدم امكان الجزء الذي لا يتجزى.

الفرع الثالث: ان مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

و الظاهر ان ما أفاده تام لأنّ الشارع الأقدس بيّن مورد الخمس و مصرفه، فاذا وجب الخمس في مورد و لم يقم دليل لبيان مصرفه يفهم عرفا انّ مصرفه ذلك المصرف الذي بيّن و لعلّه ظاهر واضح.

الفرع الرابع: انه هل يختص الحكم بخصوص الشراء أو يعم غيره من المعاوضات

بل يعم مطلق الانتقال و لو بلا عوض؟

الحق هو الاختصاص، فانّ ملاك الحكم الشرعي غير معلوم عندنا و لا يمكن التعدي عن مورد الدليل و الحكم بعدم الفرق جرأة في الفتوى و قول بلا دليل و مقتضى الاحتياط بالنسبة الى الذمي أن يدفع الخمس في مطلق الانتقال، كما ان مقتضاه بالنسبة الى ارباب الخمس‌