حاشية المظفر على المكاسب - ج1

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
218 /
55

الخاصة و هو ملكية أن يملك مشكوكة الموضوع، للشك في أن التصرف من أي البابين.

قوله (قدّس سرّه): و لو جن أحدهما فالظاهر قيام وليه. إلى آخره.

الظاهر خلافه على كلا القولين، فتلزم المعاطاة بالجنون، أما على القول بالملك فواضح، لما سمعت من أن جواز التراد حكم تكليفي لا يمكن استصحابه لوليه بعد انتفائه بانتفاء موضوعه، لأن المجنون ساقط عنه كل تكليف و حكم، و ليس متعلقا بالعين فقط كما تقدم، مع استصحاب ملكية من بيده العين.

و أما على القول بالإباحة فكذلك، لعدم جريان استصحاب ملكية المجنون، لأن هذا أيضا يجري فيه الكلام المتقدم أنه من باب خيار العيب أو خيار التفليس، فالموضوع غير محرز، مع استصحاب سلطنة الآخر أيضا، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و كيف كان، فالأقوى أنها على القول بالإباحة. إلى آخره.

لا يخفى أنها لو كانت المعاطاة على القول بالإباحة تكون نظير إباحة الطعام، بحيث يكون المعقود عليه هو نفس الإباحة، فاستغراب صيرورتها بيعا بالتلف في محله، بداهة أن التلف ليس معاوضة بيعية بنفسه، و المفروض أن الذي وقع عليه العقد هو نفس الإباحة، فبأي شي‌ء يكون بيعا حتى يترتب عليها آثار البيع؟! و أما أنها بيع عرفي، فلا نعرف وجهه بعد أن أوقع العرف بها نفس الإباحة.

نعم يستقيم ذلك على ما قلناه من أن المعاطاة- على القول بالإباحة- لم يوقع المتعاطيان فيها إلا التسليط بزعم أنه تمليك، و هو لازم مساو للملكية، مع كونها في الحقيقة مقصودة للمتعاطيين، فإذا صارت بيعا لازما بالتلف ليس بذلك الأمر الغريب على وجه تكون جزء السبب، و التلف تمامه.

و بهذا يتضح انتفاء خيار المجلس و الحيوان، لأنه قبل التلف لم يتحقق البيع‌

56

و بعد التلف ينتفي موضوع التراد، بخلاف خيار العيب أو الغبن، فإنه يرجع إلى مثل المثمن أو قيمته، و هذا لا ينافي ما تقدم من أن اللزوم الحقي المقابل للخيار لا يمكن إيجاده بالفعل، كما لا يمكن إيجاد الجواز الحقي كذلك، لكن يمكن أن يجعل الشارع اللزوم الحقي أو الجواز الحقي عند ذلك، و إن لم يكن منشأ بفعل المتعاطيين.

قوله: فافهم.

لعله أشار إلى غرابة الإباحة اللازمة.

قوله (قدّس سرّه): فهل يرجع ذلك الإنشاء القولي. إلى آخره.

لا يخفى أن التقابض في العقد الفاسد يتصور على أنحاء ثلاثة:

أحدها: أن يكون التقابض على نحو التعاطي بعد البناء على فساد المعاملة الأولى، فتكون معاملة ثانية حادثة بعد فساد الأولى، و لا إشكال بدخول هذا القسم في المعاطاة، ضرورة أنه قد صدر التعاطي بالفعل بإنشاء آخر، و لم يكن من مقتضيات العقد الفاسد أصلا، و سبق العقد الفاسد عليه لا تقتضي فساده قطعا، إذ لا ربط بينهما و لا علاقة، و لا توقف لأحدهما على الآخر.

ثانيها: ان يكون التقابض جريا على مقتضى العقد الفاسد، بحيث إن رضا كل منهما بتصرف الآخر من جهة تخيل لزومه الالتزام بهذا العقد الواقع، و لو لا ذلك لما رضي كل منهما بتصرف الآخر، فلو علما بفساد العقد لم حصل الرضا المزبور؟!، فيكون الرضا مقيدا، و لا إشكال بأن هذا الفرض يستلزم فساد التقابض و عدم تحقق المعاطاة الصحيحة.

ثالثها: أن لا يكون الرضا بالتقابض من جهة الجري على مقتضى العقد السابق الذي فسد، بل كل منهما راض بتصرف الآخر، سواء كان العقد فاسدا أم صحيحا، و لم يحصل تقابض جديد بعنوان المعاطاة بإنشاء آخر فعلي، بعد البناء على فساد العقد الأول، كما هو فرض القسم الأول، بل كان التقابض من جهة‌

57

العقد، لكن الرضا غير مقيد بالجري على مقتضى هذا العقد، و هذا القسم هو محل النزاع في المقام، و أنه بذلك يدخل في المعاطاة، فيصح العقد على أن يكون عقدا بعنوان المعاطاة أم لا؟ و الحق هو الثاني كما سيجي‌ء.

قوله (قدّس سرّه): و من أن الظاهر أن عنوان التعاطي في كلماتهم. إلى آخره.

هذا عطف على قوله: «من أن ظاهر محل النزاع بين العامة و الخاصة. إلى آخره»، لبيان الإشكال من الجهة الأخرى المقتضية لصحة وقوع المعاطاة بالعقد الفاقد للشرائط، و لكن الحق هو الجهة الأولى من الإشكال، فإن المعاطاة إنما هي إنشاء فعلي للمعاملة، و مع القصد للمنشإ لا يعقل إنشاؤه بالفعل كالإنشاء باللفظ حرفا بحرف.

و أما ما ذكر من السيرة على حصول التعاطي بنفس وصول العينين، كما في أخذ الماء و البقل، و وضع الدراهم في خزانة الحمامي، و أمثال ذلك مما لم يقصد فيه الإنشاء بالتعاطي، فإنه خارج عن مقتضى القاعدة.

و لكن لما كانت السيرة محققة و قد أمضاها الشارع، فلا بد من الاقتصار على مورد السيرة، و لا يجوز التعدي إلى غير موردها، و لا فرق في ذلك بين القول بالإباحة أو بالملك.

أما على القول بالملك فالحكم واضح، لأن التمليك لا يعقل أن ينشأ بالفعل ما لم يقصد إنشاؤه.

و أما على القول بالإباحة، فلأن الإباحة ليس مجرد الرضا، بل المقصود هو التسليط الذي لا يحصل إلا بالإنشاء، فلا يكفي وصول نفس العوضين مع عدم الإنشاء.

و ينبغي التنبيه على أمر: و هو أنه قد ذكر في باب الخيارات أن النماءات على قسمين: منفصلة و متصلة، و المتصلة تتبع العين في ملكها، فيملكها من بيده العين‌

58

سواء كان هو ذو الخيار أو من عليه الخيار، فإن كانت العين في يد من عليه الخيار، فهي في ملكه ما دامت العين في ملكه، فإذا باع العين يقع البيع على العين و على النماء، و ان كانت العين في يد ذي الخيار فالنماءات المتصلة كذلك، و كذلك المنافع، فإنها في حكم النماء المتصل.

و أما المنفصلة فتقع في ملك من حدثت في يده، فإن حدثت في زمن الخيار قبل الرد، فهي في ملك من عليه الخيار حتى لو انتقلت العين إلى ذي الخيار بالرد.

و الفرق بين المنافع و النماءات اصطلاحا:

أن المنافع عبارة عن ثمرة العين التي ليس لها وجود عيني، كالانتفاع بالدار بالسكنى، و الدابة بالركوب، و هكذا.

و النماءات عبارة عن ثمرة العين التي لها وجود خارجي، كثمرة النخل، و ولد الدابة، و أمثال ذلك، و هذه مثال النماءات المنفصلة و المتصلة، مثل الوبر و الصوف الذي يحدث بالنمو قبل فصله، و مثل زيادة ثمن العين، و مثل عروض صفة للشي‌ء توجب زيادة ثمنه، كالخل إذا عتق، و الغنم إذا سمن أو كان صغيرا ثم كبر، و هكذا.

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في المعاطاة: أن النماءات المنفصلة الحادثة في يد من بيده العين، و المتصلة ما دامت العين في يده، هل أنها تكون كالنماءات في باب الخيارات، فتكون في ملك من بيده العين، أو أنها في ملك المالك الأصلي للعين؟

و الحق هو الأول، و الظاهر جريان السيرة على ذلك، و لذا جعل الشيخ الكبير (قدّس سرّه) من جملة الاستبعاد للقول بالإباحة حدوث النماء في ملك من بيده العين، مع كون العين خارجة عن ملكه.

59

و أما ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) هناك في جوابه نقلا عن محكي بعضهم- من أن القائل بالإباحة لا يقول بانتقال النماء إلى الآخذ، بل حكمه حكم أصله- فمما لا نعرف وجهه، لما عرفت من السيرة، و من أن القائل بالإباحة لا يفرق بينه و بين القول بالملك إلا ببقاء العلقة المالكية للأول، و إلا فجميع آثار الملك يرتبها على الإباحة، لأنه يلتزم بالأخذ بالسيرة بجميع أطرافها، و يحمل العقد على الإباحة، و لذا لا ثمرة عليه بين القول بالإباحة و الملك.

و الحاصل: أنه لا ينبغي أن ينكر أن النماءات في المعاطاة ملحقة بباب الخيارات، أما على القول بالملك فواضح لا ريب فيه، و إنما الإشكال على القول بالإباحة، لاستغراب حدوث النماء في ملك من بيده العين، مع كون العين خارجة عن ملكه.

و الحق دخولها في ملكه لجريان الدليل في المقام الدال على حدوث النماء في ملك من بيده العين في باب الخيارات، و هو النبوي المشهور «الخراج بالضمان» (1).

و يتوقف الاستدلال على بيان معنى الفقرة الشريفة التي هي من جوامع الكلم التي رويت عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في طرق المخالف و المؤالف، فنقول:

الخراج لغة: هو نتاج الأرض الذي يخرج منها، و منه الأراضي الخراجية، أي التي خراجها للمسلمين، و أما بحسب عرف الشرع، فالمراد منه هو مطلق النماء للأرض و غيرها، كالغلة، فإنها في اللغة لخصوص الغلات الأربع، و في عرف الشرع أعم من ذلك تشمل كل نماء.

و الضمان يمكن أن يراد منه المعنى الاسمي المصدري له- على ما فهمه أبو حنيفة- فيكون المراد ما يضمن به و المتعهد به، سواء كان عن تعهد من الضامن‌

____________

(1) الميرزا النوري: مستدرك الوسائل 13: 302، حديث 3 من باب 7 (ط. مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)- قم- سنة 1408 ه‍).

60

و اختيار منه، أم بدون تعهد، كما في موارد الضمان باليد، و مقتضاه أنه في الضمان باليد يكون النماء للضامن بدلا عن ضمانه، لأنه معنى الفقرة: أن الخراج يكون في مقابلة الضمان و بدلا عنه، و لذا حكم أبو حنيفة- كما ورد في صحيحة أبي ولّاد (1) الآتية- بعدم لزوم كراء البغل على أبي ولّاد، حيث إنه اغتصبه خمسة عشر يوما، و كان ضامنا له، فبضمان البغل حكم بسقوط الكراء.

و يمكن أن يراد منه المعنى المصدري، أي نفس التعهد الذي لا يكون إلا فعلا اختياريا، فلا يشمل الضمان باليد الذي لا يكون الضمان فيه بالقصد و التعهد، و هذا المعنى هو المراد من الفقرة الشريفة، لمناسبة الحكم للموضوع، لأن النماء إنما يقع بدلا عن شي‌ء يصح مقابلته بالمال.

و أما الضمان في اليد قبل التلف فليس شي‌ء يصح مقابلته بالمال، بخلاف الالتزام و التعهد، و لذا أنكر الإمام (عليه السّلام) على فتوى أبي حنيفة، فقال (عليه السّلام): «، في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها، و تحبس الأرض بركاتها» (2).

فتحصل أن الضمان باليد غير داخل في الحديث الشريف، فلا يقابل بالنماء، و أيضا أن ضمان البائع للعين قبل القبض لا يدخل في الحديث، فإنه على عكس مدلوله، فإن المفهوم منه أن المراد من الضمان هو ضمان ما بيده بما خرج عنه، فإنه هو المفهوم من التعهد، بأن يتعهد له بضمان الشي‌ء بشي‌ء آخر خرج عنه، لا التعهد بنفس الشي‌ء بما دخل في ملكه، كما هو معنى ضمان البائع للمبيع قبل القبض، فإنه يضمن نفس المبيع لدخول الثمن في ملكه بالبيع.

ثم الظاهر أن المراد من الضمان هو النفس الأمري المتحقق في الخارج الذي لا يكون تحققه بإمضاء الشارع له، إذ لا تحقق له حقيقة إلا بجعل الشارع، و بدونه‌

____________

(1) الوسائل 18: 119، حديث 1 من الباب 17 من أحكام الإجارة (مصدر مذكور).

(2) المصدر ذاته.

61

حقيقة غير متحقق، و إن كان هناك تعهد من البائع أو المشتري، إلا أنه مع عدم إمضاء الشارع لا أثر له، فوجوده كعدمه، لا أنه من جهة أن الألفاظ موضوعة للصحيح، بل حتى لو قلنا بأنها موضوعة للأعم يستفاد هذا المعنى.

و بهذا يتضح خروج الضمان بالعقود الفاسدة التي لم يمضها الشارع، إذ لم يتحقق ضمان في نفس الأمر.

ثم أيضا إن الظاهر أن المراد من الضمان هو الضمان المنجز، فلا يشمل الضمان الثاني المقدر الوجود، فلا يدخل في هذه الفقرة الشريفة الضمان في مثل «أعتق عبدك عني»، فإنه لا يحصل الضمان منجزا للعبد إلا بحصول العتق، و إنما يكون حصول مقتضى الضمان بالأمر بالعتق، فيكون الضمان بحصول الأمر ثانيا، فيتوقف تنجزه على حصول المعلق عليه، و هو العتق.

فتحصل إلى هنا أن الأمور التي لا تخرج عن عموم هذا الحديث الشريف- تخصّصا لا تخصيصا- أربعة: الضمان باليد، و ضمان المبيع قبل القبض، و الضمان في العقد الفاسد، و الضمان في الأمر.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنه لا دلالة لهذا الحديث على أن يكون الضمان مخصوصا في العين المملوكة، بل شامل لكل تعهد بالعين، سواء كانت داخلة في ملك الضامن أم لا، فيدخل الضمان في المعاطاة للعين على القول بالإباحة، و إن كانت في ملك مالكها الأصلي، و لا بد حينئذ من دخول النماءات في ملك من بيده العين في مقابلة الضمان، و ليس الضمان في المعاطاة من أحد هذه الأقسام الأربعة بالضرورة، فلا موجب لخروجه عن عموم التعليل.

62

«بسم اللّٰه الرحمن الرحيم» و به نستعين، و الحمد للّٰه رب العالمين» (1).

قوله (قدّس سرّه): مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع. الى آخره.

هذه كما أنها مقدمة لما يأتي فهي خاتمة لما سبق، و لا يخفى أن الشك في اعتبار اللفظ يقع على نحوين: الأول أن يشك في اعتباره في صحة العقد، و هو تارة يكون الشك في اعتباره من جهة الشك في صدق العقد الخاص على الفعل، كما إذا شك في أن إشارة الأخرس هل يصدق عليها عنوان البيع، كما يصدق على الإنشاء باللفظ، أم لا؟

و الأصل في المقام هو عدم الصحة و عدم كونه عقدا، لأن ترتب الأثر عليه لا يكون إلا بعد صدق العقد الخاص عليه، و المفروض أنه مشكوك، و لا أصل هناك يقتضي كونه من العقد الخاص.

و الأخرى يشك في اعتبار اللفظ مع العلم بصدق عنوان المعاملة عليه، فيكون الشك في أنه شرط زائد يتوقف عليه تأثير العقد، و الأصل في المقام هو عدم الاشتراط للتمسك بإطلاق أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) و أمثاله و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).

و الثاني أن يشك في اعتباره في لزوم البيع بعد فرض صدق العقد عليه و حصول شرائط تأثيره، كما في المعاطاة بعد العلم بأنها من العقود، فإنه يشك في أنها تقتضي اللزوم أم لا؟ و قد تقدم من الشيخ (قدّس سرّه) أن الأصل اللزوم في الملك،

____________

(1) من الأصل.

(2) البقرة: 275.

(3) المائدة: 1.

63

فتكون المعاطاة لازمة على القول بالملك، إلا أن يقوم دليل على عدم لزومها، فلا أصالة اللزوم و عدمها تجري في المقام الأول بنحويه، و لا أصالة الاشتراط أو عدمه تجري في المقام الثاني.

إذا عرفت ذلك فالعاجز عن التلفظ كالأخرس، تارة يشك في صدق البيع على إشارته لاعتبار اللفظ فيه، فلا تكفي الإشارة منه في الانتقال، لأصالة عدم ترتب الأثر و أصالة الاشتراط، أو أنها تكفي إشارته لأصالة عدم الاشتراط، و أخرى يشك في انه بعد صدق اسم البيع على إشارته، هل (يقتضي ذلك اللزوم أو لا؟) (1).

و المبحوث عنه في المقام هي الجهة الأولى في أن العاجز عن اللفظ إشارته صادق عليها اسم البيع أم لا؟ و الحق ان العاجز إذا كان مثل الأخرس لا ما اتفق عجزه تكون إشارته كلفظ غيره موجدة (2) للمعنى، لأن إنشاء مقاصده و بيانها منحصر عنده في الإشارة، حتى تكون الإشارة عنده بمنزلة اللفظ في إفادة المعنى للمتلفظ، فكما أن اللفظ وجوده وجود للمعنى بالعرض، يكون وجود الإشارة وجود للمعنى بالعرض، فلا محالة حينئذ من صدق اسم البيع عليها، و تكون عقدا كسائر العقود كالإنشاء باللفظ بلا فرق، فيتمسك لإثبات صحته و ترتب الأثر عليه ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)، لأنه يكون عقدا يجب الوفاء به.

و لا وجه للتفصيل بين قدرته على التوكيل و عدمه، فإنه لو كان قادرا على التوكيل فتوكيله أيضا يأتي الكلام به في أن إشارته للتوكيل يصدق عليها عقد التوكيل أم لا؟ ثم ينتقل إلى توكيله على التوكيل، و هكذا إلى غير النهاية، فدائما‌

____________

(1) ما بين القوسين ضرب عليه بالقلم.

(2) في الأصل: موجودة.

(3) المائدة: 1.

64

هو غير قادر على التوكيل باللفظ حتى يفرض أن قدرته على التوكيل مانعة عن انعقاد بيعه بالإشارة، و إن اكتفى بالتوكيل و لو بالإشارة لصدق العقد عليها، فذلك يقتضي صدق عقد البيع عليها أيضا، فلا معنى لاشتراط عدم القدرة على التوكيل.

و الحاصل أنه إن كانت إشارته يصدق عليها اسم عقد البيع، فلا يشترط اللفظ فيه في حقه، و ليس الأصل هو الاشتراط، سواء كان قادرا على التوكيل أو لم يكن، و إن لم يكن صادقا عليها، فالأصل الاشتراط في كلا المقامين، و يحتاج إثبات صحته إلى دليل خارجي بلا فرق، بل لا معنى لفرض قدرته على التوكيل حينئذ.

و من هنا يظهر أن كلام الشيخ (قدّس سرّه) في المتن مضطرب جدا يحتاج توجيه كلامه إلى تأمل.

و على كل حال، فلو شك في صدق اسم البيع على إشارته، فالدليل القائم على عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس كاف لإثبات صحة بيعه بالإشارة، لدلالته على صدق العقد على الإشارة، و قابليتها لإنشاء العقد بها.

و إذا ثبت كون الإشارة يصح إنشاء المعاني بها و إيجادها يصدق عليها اسم البيع، و لا محالة تقع عقدا صحيحا، مع أنه بالفحوى يستفاد وقوع البيع بالإشارة، إذ أمر الفروج عند الشارع أهم من الأموال، و مراعاة الاحتياط فيها أشد، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): ثم لو قلنا بأن الأصل في المعاطاة. إلى آخره.

حاصله: أن جريان أصالة اللزوم في المعاطاة على القول بالملك إنما هو في مورد قدرة المتعاطيين على مباشرة اللفظ، و أما مع عدم القدرة كالأخرس فهو خارج عن هذا الأصل، لأصالة الاشتراط، و لا يخفى أن هذه الجملة من الشيخ (قدّس سرّه) من الكلمات المضطربة، فإن المعاطاة ان كان صدق اسم البيع عليها مشكوكا، فلا‌

65

معنى لجريان أصالة اللزوم، لأن محل هذا الأصل- كما عرفت- فيما إذا علم صدق اسم عقد البيع عليها، و علم قابليتها لإنشاء البيع بها، بحيث تكون من العقود، بل إنما الجاري هو أصالة الاشتراط باللفظ و أصالة عدم الصحة، و حينئذ قد يفصل بين قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ و عدمها، و إن كان صدق البيع عليها معلوما، فإنه و إن كان محلا لجريان أصالة اللزوم، إلا أنه حينئذ لا معنى للتفصيل المذكور، لأنه إذا صدق عليها عقد البيع و كانت قابلة لإيجاد البيع و إنشائه بها، فلا يفرق فيه بين القدرة على مباشرة اللفظ و عدمها.

قوله (قدّس سرّه): و الظاهر أيضا كفاية الكتابة. إلى آخره.

لا يخفى أن الكتابة و إن كانت أقوى من الإشارة في الدلالة على المقصود، و لهذا جعلت عند الأمم من أقوى الحجج على الكاتب في جميع إقراراته، إلا أن وقوع العقود بها أمر آخر، فإن المناط في وقوع العقد بشي‌ء أن يكون إيجاديا لذلك المعنى و ينشأ به.

و من المعلوم أن الكتابة ليس من قبيل اللفظ أو إشارة الأخرس بحيث ينشأ بها المعنى على وجه يكون وجودها يكوّن وجودا للمعنى بالعرض، كما في اللفظ و إشارةُ الأخرس، بل الكتابة من قبيل العلامة و الإمارة على المعنى، فليس لحاظها لحاظا آليا فانيا في المعنى، فناء اللفظ في معناه، بل لحاظها يكون استقلاليا، و من لحاظها ينتقل إلى لحاظ المعنى.

نعم لو كان الكاتب عاجزا عن اللفظ و الإشارة، و كانت كتابته له بمنزلة كلامه أو إشارته صح إنشاء العقود بها، لأنها تكون حينئذ بمنزلة اللفظ أو الإشارة حيث ينحصر إيجاد المعاني عنده بهذه الوسيلة، و عليه تكون بمنزلة الإشارة، فكما أن الإشارة لمن كان قادرا على الكلام تكون كالعلامة على مقاصده- و إنما تكون بمنزلة اللفظ إذا عجز عن الكلام، فتنحصر إيجاداته اللمعاني بها- فكذلك‌

66

الكتابة، فالإشارة لمن عجز عن اللفظ، و الكتابة لمن عجز عن الإشارة، فتدبر جيدا.

قوله (قدّس سرّه): أما الكلام من حيث المادة، فالمشهور عدم وقوع العقد بالكنايات. إلى آخره.

هذا هو الحق لما عرفت من أن المعيار في وقوع العقد بشي‌ء أن يكون ذلك الشي‌ء وجود وجود للمعنى بالعرض، بحيث ينشأ به المعنى و يوجد به، فلا ينعقد بما كان كالعلامة و الامارة على المعنى، و من المعلوم أن اللفظ في الكناية لم يستعمل و لم ينشأ به المعنى الكنائي، و انما استعمل في المعنى الموضوع له اللفظ، و منه- باعتبار التلازم بين المعنى الحقيقي و المعنى الكنائي- ينتقل إلى الثانية، فلا يكون اللفظ في الكناية إلا كالعلامة على المعنى الكنائي، فكيف يصح وقوع العقد بالكنايات؟ و منه يعلم أنه ليس المنشأ في عدم وقوع العقد بالكناية هو العمل بأصالة بقاء الملك، أو لأن المخاطب لا يدري على ما سيذكر المصنف توجيهه، فإنه إذا كان العقد صادقا على الكناية لو فرض صحة الإنشاء بها لما صح جريان هذا الأصل، و لو لم يصدق يعلم بعدم الانتقال، و لا محل لجريان الأصل.

قوله (قدّس سرّه): و ربما يبدل هذا باشتراط الحقيقة. إلى آخره.

هذه مسألة أخرى، و الحق أيضا عدم وقوع العقد بالمجازات، سواء كان قريبا أو بعيدا و سواء كانت القرينة حاليّة أو مقالية، بناء على أن القرينة لم تذكر إلا لصرف اللفظ عن ظاهره لوقوع اللفظ ظاهرا في معناه الحقيقي، و بالقرينة يصرف إلى المعنى المجازي.

و عليه لا يكون اللفظ وجوده وجودا للمعنى المجازي بالعرض، بل يكون علامة بواسطة القرينة، كما أن القرينة لم تستعمل في المعنى المجازي حتى يقال: إن المعنى المجازي ينشأ بالقرينة، فيفرق بين القرينة المقالية و الحالية، كما صنعه‌

67

الشيخ (قدّس سرّه) فيما يأتي، بل القرينة لم تستعمل إلا في معناها الذي وضعت له، و لما كان معناه مع المعنى الحقيقي يتناقضان، فالعقل يصرف اللفظ إلى غير معناه.

نعم لو كان إفادة المعنى المجازي حاصلة من مجموع اللفظ المجازي و القرينة، بحيث يكون بمجموعهما إيجادا له، لكان وجه لوقوع العقود بالمجازات، إلا أنه خلاف التحقيق، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): هو الاكتفاء بكل لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعنى.

إلى آخره.

لا ريب في أنه إذا كان اللفظ له ظهور عرفي في معنى العقد يصح وقوع العقد به، سواء كان من الألفاظ الكنائية أو المجازية، لأنه بذلك الظهور العرفي و تعارف استعمال اللفظ في ذلك المعنى يكون إيجاده إيجادا للمعنى بالعرض كاللفظ الموضوع بلا فرق، و هذا خارج عن محل الكلام، فإن الكلام في نفس الكنائية أو المجاز مع بقائهما على ما هما عليهما، و أما اللفظ المتعارف استعماله في ذلك المعنى، فإنه يكون إنشاء المعنى به بلا واسطة، و لا يكون من قبيل العلامات أو الأمارات على المعنى.

قوله: فتأمل.

لعله أشار إلى الفرق بين الذي قوّاه جماعة من الاكتفاء بكل لفظ، و بين الاكتفاء بلفظ له ظهور عرفي، الظاهر من النصوص و الفتاوي، لما ذكرناه من ان له حالة ظهور عرفي لا مانع من وقوع العقد، بخلاف غيره من باقي المجازات و الكنايات مما ليس له هذا الظهور، أو أشار إلى أن كون الإيجاب هو اللفظ الدال على النقل لا يقتصر انعقاده بلفظ نقلت، ضرورة أنه ليس المراد هو النقل بالحمل الأولي، بل المراد هو النقل بالحمل الشائع، حيث يكون اللفظ وجوده وجودا للمعنى، فيقع به النقل الخارجي، و أما لفظ نقلت فالمسلّم دلالته على النقل بالحمل الأولي، و أما على النقل بالحمل الشائع فأول الكلام، إلا أن يكون له ظهور بالمعنى‌

68

الخاص كما عرفت، أو أشار إلى أن من أطلق اعتبار الإيجاب و القبول لا يكون كلامه ظاهرا في اعتبار كل لفظ، فإن الكلام في صدق الإيجاب و القبول على كل لفظ، إذ لا يصدق الإيجاب أو القبول إلا على ما كان ينشأ به المعنى، على وجه يكون وجوده وجودا له بالعرض، فإطلاق الإيجاب لا يشمل ما لا يصدق عليه الإيجاب بالضرورة.

قوله (قدّس سرّه): و لعل الأولى أن يراد باعتبار الحقائق. إلى آخره.

أقول: و الأولى أن يحمل قول من اعتبر عدم المجاز على إرادة المجاز الغير المتعارف، و من اكتفى ببعض الألفاظ المجازية على المتعارف استعماله في ذلك المعنى، لا ما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) من الفرق، لما عرفت أن القرينة لم تستعمل في المعنى المجازي، و إنما تستعمل في معناها الذي وضعت له، و لمكان المنافاة بينه و بين المعنى الحقيقي للفظ يحمل اللفظ على غير معناه، فإن أراد من انتهاء الإفادة بالاخر إلى الوضع: أن القرينة تكون مستعملة في المعنى المقصود بحسب الوضع، فقد عرفت خلافه، فإن قوله: «في الحمام» في مثال: «رأيت أسدا في الحمام» لم يستعمل في الرجل الشجاع و غير موضوعة له.

و إن أراد من الانتهاء أن القرينة مستعملة في معناها بالوضع، فلا ينفع في إفادة المعنى المقصود إذا لم تكن مستعملة فيه.

و الحاصل: أن الانتهاء بالأخرة إلى الوضع إنما يجدي إذا كان ينتهي إلى استعمال اللفظ في المعنى المقصود بالوضع، و ليست القرينة مستعملة في المعنى المجازي و لا موضوعة له، و استعمالها في غيره لا يقتضي إنشاءه بها، فتدبر جيدا.

قوله (قدّس سرّه): و مما ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي. إلى آخره.

الحق عدم وقوع البيع، بالمشترك اللفظي و لا بالمشترك بالمعنى مع القرينة‌

69

اللفظية، فضلا عن الحالية، و ذلك لأن معاني العقود خصوصا مثل البيع معاني بسيطة لا يعقل إيجادها على سبيل التدريج، فلا يصح وقوعها بالمشترك اللفظي أو المشترك المعنوي.

أما المشترك المعنوي فواضح، لأنه إن استعمل في الفرد على سبيل المجاز فهو يلحق في المجاز، و إن استعمل في معناه العام، و القرينة تكون بمنزلة الفصل، فلازمه وقوعه للمعنى على سبيل التدريج، و هو خلاف فرض بساطته، فلا يعقل ذلك.

و أما المشترك اللفظي فقد تقدمت الإشارة إليه في بعض مباحث المعاطاة في التنبيه الخامس، لأن اللفظ لما كان مشتركا بين عدة معان إذا أطلق لا ينصرف منها أحدها إلا بالقرينة المعينة، فيكون مجملا مرددا بين أحد تلك المعاني، و لا يعقل حينئذ إيجاد المعنى بنفسه، بل لا بد من القرينة، فيكون من قبل تعدد الدال و المدلول، و لازمه وجود المعنى على سبيل التدريج كالمشترك المعنوي، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و أما ما ذكره الفخر (قدّس سرّه) فلعل المراد. إلى آخره.

حاصل هذا التوجيه كما (1) عن الإيضاح: أن المقصود من الخصوصية المعتبرة في الصيغة التي يتوقف صحة العقد عليها هي الخصوصية في المعنى المنشأ لا في اللفظ الذي به الإنشاء.

مثلا إن الشارع يعبر عن العلاقة الحاصلة بين الرجل و المرأة بالنكاح أو الزوجية أو المتعة، فلا بد أن يكون هذا المعنى هو المنشأ بألفاظ العقود بأي لفظ كان، و هكذا في سائر العقود، فلا يعتبر صيغة مخصوصة، و لا لفظ مخصوص، بل يعتبر ان اللفظ الذي ينشأ به العقد دال على المعنى المقصود من تلك المعاملة.

و بعبارة أخرى لا بد أن يكون دالا على عنوان المعاملة المعبر عنها في كلام الشارع، فمثلا تبديل المنفعة بالعين لما كان المعبّر عنها في لسانه بعنوان الإجارة،

____________

(1) في الأصل: لما.

70

فلا بد أن يكون اللفظ المنشأ به هذه المعاملة دالا على معنى الإجارة، و لكن لا يعتبر أن يكون بلفظ آجرت، بل بكل لفظ دل على هذا المعنى.

و اما إنشاء هذا العقد بلفظ بعت، فلا يصح و لا تقع به الإجارة، لأنه لا يدل على عنوان الإجارة المعبّر بها بلسان الشارع عن هذه المعاملة الخاصة.

نعم لو قصد من لفظ بعت، إنشاء هذا العنوان، فيتوقف اعتباره على الاكتفاء بالكناية في إنشاء العقود، و قد عرفت حالها، و هكذا الكلام في سائر العقود.

قوله (قدّس سرّه): و في الوجهين ما لا يخفى. إلى آخره.

أما الأول فالتأسي لا يقتضي التعيين خصوصا بعد أن كان صدور العقود من النبي و أهل بيته (صلى اللّٰه عليه و عليهم) باللغة العربية، لمكان أن لسانهم ذلك، و ليس لهم لسان آخر عادي، حتى يكون عدولهم عنه إلى العربي موضع تأس بهم، ضرورة أن التأسي بالفعل إنما يكون في موضع يقبل لأن يقع على وجوه غير ما وقع عليه.

و أما الثاني فالأولوية فيه ممنوعة، بل المناط في منع وقوع العقد بغير الماضي غير موجود في غير العربي، فالأولوية فيه معكوسة، فإن غير الماضي إنما لا يصح به إنشاء العقود، لأنه لا يدل على إيجاد الحدث بالمطابقة على ما سيأتي، و ليس كذلك في غير العربي، و الحاصل أن هذه الخيالات خالية عن التحصيل.

فالتحقيق: وقوع العقد بغير العربي لمكان صدق العقد عليه بلا إشكال و صحة إيجاد معاني العقود و عناوينها المعبر عنها في بيان الشارع، و لو كان ذلك ممنوعا لتوفرت الدواعي إلى نقله، مع أنه لم تذكر فيه رواية، و ما وردت فيه و لا إشارة، و المعاملات محل الحاجة الماسة بين الناس في كل ساعة، بل في كل آن، فكيف يعقل منع الشارع عنه و لم يصل لنا منعه؟! و هلّا كان مثل الصلاة، فإنه لما‌

71

كانت الصلاة بغير العربي ممنوعة، كيف توفر نقل ذلك و كثرت روايته، مع أنها ليس بأعظم حاجة من المعاملات و العقود؟!.

قوله (قدّس سرّه): إذ المستقبل أشبه بالوعد. إلى آخره.

إلا أنه ليس لازم المضارع الدلالة على المستقبل، بل دلالته على المستقبل تحتاج إلى القرينة، و أما دلالته على الحال فيكفي فيه تجرده عن القرينة على ما في محله، فليس المانع وقوع العقد بالمضارع هو دلالته على المستقبل، بل التحقيق أن المعتبر في اللفظ الذي ينشأ به العقد أن يكون إيجاديا لعنوان المعاملة، و بعبارة أخرى لا بد أن تكون نسبته الدال عليها نسبة إيجادية.

و أما المضارع فلا يدل إلا على نسبة تلبسية المتأخرة رتبة عن النسبة الإيجادية، فإن معناه نسبة تلبس الحدث بالفاعل، كما أن معنى اسم الفاعل نسبة تلبس الفاعل بالحدث، فيكون معناه رتبة متأخرة عن معنى المضارع، و لذا يعبرون عن ذلك بقوله: ضرب يضرب فهو ضارب، فإنه إشارة إلى ذلك التأخر، و حيث دل المضارع على نسبة تلبسية، فلا يصح إنشاء العقد به إلا بدلالته على النسبة الإيجادية، و هو لا يدل عليها إلا بالكناية، و قد عرفت حال الكناية، فالمانع عن وقوع العقد به عدم صراحته في الإنشاء، لا الاستقبالية.

و قوله: «فتأمل»

أخيرا، لعله إشارة إلى هذا المعنى من عدم كونه صريحا في الإنشاء، و فرض صراحته فرض لا واقع له.

و أما الأمر فلأنه في هذه المقامات لا يكون إلا طلبا من المساوي فلا يكون إلا التماسا، فكيف يعقل حصول الإيجاد به و قصد تحقق المعنى بإنشائه، مع أن المقصود هو الالتماس؟! و لقد أجادوا في التعبير عنه بالاستدعاء.

قوله (قدّس سرّه): إن القبول الذي هو أحد ركني العقد. إلى آخره.

حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) أن القبول الذي يكون ركنا للعقد هو الذي يتحقق به‌

72

مفهوم المطاوعة و الجري على ما اقتضاه الإيجاب من المطلب الضمني، فإن الإيجاب هو تمليك مال الموجب على أن يملك الآخر ماله عوضا عنه، و قبوله الذي يكون عنه عبارة عن رضاه بذلك و مطاوعته له، بمعنى تملكه لماله المتضمن لنقل ماله إليه عرضا عنه، و لا يعقل تحقق هذا المعنى بالفعل إلا مع تأخره عن الإيجاب، إذ مطاوعة شي‌ء لشي‌ء لا يعقل تحققها فعلا إلا بعد صحول المطاوع (بالفتح).

فليس المانع من تقديم القبول إلا عدم تحقق العقد بتقديمه، و ليس المانع هو عدم تحقق الرضا بالتقديم، فإن الرضا كما يتعلق بالمتقدم يتعلق بالمستقبل، بل الرضا لا يتعلق بشي‌ء لأن يوجد إلا إذا كان له جهة وجدان وجهة فقدان، فإنه إذا كان متحققا من جميع الجهات لا يعقل تعلق الرضا به لأن يوجد و إلا لزم تحصيل الحاصل، كما أنه ليس المانع هو التعليق فيه إذا تقدم، فإن التعليق لا مانع منه إلا الإجماع على عدم وقوع العقد به.

و الظاهر أن موردنا غير داخل في مورد الإجماع، لأن مورد الإجماع فيما إذا كان التعليق بنفس الإنشاء، و لا تعليق في نفس الإنشاء إذا تقدم القبول كما هو واضح، و إنما يكون التعليق حقيقة في نفس المنشأ، و لا مانع آخر للتعليق كما في عقد الوصية، فإنه يكون من قبيل القضايا الحقيقة التي [يكون] فيها الحكم متحققا، بمعنى أنه دائر مدار موضوعها، فإن كان في القوة فالحكم كذلك، و إن كان فعليا يخرج الحكم من حد القوة إلى حد الفعل، إلا أنه مع ذلك فالإنشاء فيها فعليا، و إن كان المنشأ لا يتحقق إلا بتحقق موضوعه و تابعا له قوة و فعلا بحسب الخارج.

و الحاصل أنه لو كان المانع من تقديم القبول هو التعليق فليس بمانع، لأنه إن كان من جهة الاتفاق على عدم التعليق في العقود فذلك غير شامل للمقام، لأنه مختص بما إذا كان التعليق بنفس الإنشاء، و إن كان من جهة نفس التعليق‌

73

فالتعليق واقع لا إشكال به، كما في عقد الوصية، فليس المانع في الحقيقة إلا عدم تحقق العقد به حتى على نحو التعليق، فإنه بالحمل الشائع لا يكون مطاوعة مع عدم حصول المطاوع.

قوله (قدّس سرّه): منع الفحوى. إلى آخره.

لعله لما سيأتي في باب الفضولي من النص الوارد، الظاهر منه أن الأولوية على العكس، حيث ورد ردّا على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل و بين بيعه، و بالصحة في الثاني، لأن المال له عوض، و البطلان في الأول، لأن البضع ليس له عوض، فقال الإمام (عليه السّلام) في مقام ردهم و اشتباههم في وجه الفرق: «سبحان اللّٰه ما أجور هذا الحكم و أفسده، فإن النكاح أولى و أجدر أن يحتاط فيه، لأنه الفرج و منه يكون الولد» (1) الخبر.

قوله (قدّس سرّه): ففي الحقيقة كل منهما يخرج ماله الى صاحبه. إلى آخره.

أقول: فيكون البيع دالا على تمليك ماله لغيره بالمطابقة، و على تملكه المال الغير ضمنا و بالتبع من جهة ذكر العوض، و الاشتراء دالا على تملكه لمال البائع بالمطابقة، و على تمليك ماله للغير ضمنا و بالتبع من جهة ذكر العوض أيضا، فالاشتراء على العكس من إنشاء البيع من جهة التملك و التمليك، و لذا إذا وقع الاشتراء متأخرا بلفظ اشتريت يتحقق فيه المطاوعة و القبول، لأن التملك إذا وقع بعد التمليك كان مطاوعا له، بخلاف التمليك فإنه إذا وقع بعد التملك لا يقع مصداقا للمطاوعة، لأن التمليك بحسب ذاته فعل ابتدائي من قبيل إيجاد الأثر، و التمليك من قبيل قبول الأثر، كالكسر و الانكسار، و لا يعقل أن يكون الكسر مطاوعا للانكسار، بخلاف الانكسار، إلا أن التملك إنما يقع مطاوعة إذا وقع بعد التمليك، أما إذا وقع قبله فلا، لعدم معقولية تحقق المطاوعة للمتأخر، و ليس هو مما لا يقع‌

____________

(1) الوسائل 19: 163، حديث 2 من الباب 2 باختلاف يسير. (مصدر مذكور).

74

إلا مطاوعة كالانكسار، فإن باب التفعل ليس دائما معناه قبول الأثر، كالتدرج و التكهن و التأمل، و غير ذلك مما يدل على إيجاد الأثر، و لا دلالة له على القبول، فلا مانع من دلالة التملك على إيجاد الأثر إذا تقدم على الإيجاب بلفظ اشتريت، بخلاف باب الانكسار، فإنه لا يكون إلا بمعنى قبول الأثر.

إذا عرفت ذلك يتضح أنه لا مانع من تقدم القبول بلفظ اشتريت، فإنها ليست متمحضة في الدلالة على قبول الأثر حتى لا تقع إلا بعد إيجاد الأثر بالإيجاب، فيصح تقدمها لدلالتها حينئذ على إيجاد الأثر، و هو التملك ابتداء كتملك اللقطة و المباحات، فيقع التملك ابتدائيا من المشتري، كالتمليك حينئذ، فيقع ابتدائيا أيضا من البائع بإيجابه المتأخر، فلا يتحقق مفهوم القبول في البين، لا من المشتري و لا من البائع إلا بمعنى حصول مجرد الرضا، لا بمعنى المطاوعة، و هل هذا كاف في صحة العقد، أم لا بد من تحقق مفهوم المطاوعة؟

اختار الشيخ (قدّس سرّه) الأول، حيث ادعى أن المسلم من الإجماع على اعتبار القبول من المشتري هو المعنى الشامل لمجرد الرضا بالإيجاب، و لكن الحق الثاني، لأن إيقاع التملك بدون المطاوعة يدخل في باب الإيقاعات، و يخرج عن العقدية، ضرورة أن العقد لا يتحقق إلا بارتباط أحد الإنشائين بالآخر، و إلا لكان كل من الإنشائين إيقاعا مستقلا، و لا يتركب العقد من إيقاعين.

و الحاصل: أنه إذا تقدم القبول بلفظ اشتريت، فإما أن يتحقق مفهوم القبول فيه، و ذلك غير معقول، لعدم صدق المطاوعة عليه، و إما أن لا يتحقق، فيكون إيقاعا صرفا، فكيف يتحقق العقد من إيجابين؟ و سيأتي من المصنف (قدّس سرّه) قريبا أن العقد لا يتركب من إيجابين، حيث ذكر في الصلح أنه لا بد من القبول من المتأخر من المتصالحين، و لا يصح بقول كل منهما: «صالحتك»، لصيرورة كل منهما بذلك موجبا.

75

قوله (قدّس سرّه): فتلخص مما ذكرنا أن القبول في العقود. إلى آخره.

و الأوضح في التقسيم أن يقال: إن العقد إما أن يكون من العقود الإذنية التي لا يكون فيها سوى الرضا في الإيجاب، و ليس فيها نقل شي‌ء من الطرفين منها كالوكالة و العارية، أو لا.

و إن كان الثاني، فإما أن يتضمن للمعاوضة كالبيع، أم لا، كالارتهان و الاتهاب، فإنه ليس فيه نقل إلا من طرف واحد.

و إن كان الأول، فإما أن يكون الالتزام من أحد الطرفين نظير الالتزام من الآخر كالمصالحة، أو لا بأن يكون متغايرا كالبيع، و هذا القسم إما أن يكون قبوله بلفظ «قبلت» و أمثالها، أو بلفظ «اشتريت» و أمثالها، فهذه أقسام خمسة:

الأول: العقود الإذنية و حيث إنه لا يعتبر فيها أزيد من الرضا بالإيجاب، فلا بأس بتقديم القبول فيها الدال على صرف الرضا بالإيجاب، و ان لم يكن فيه معنى المطاوعة و قد عرفت ان الرضا، كما يتعلق بالأمر المتقدم يتعلق بالأمر المستقبل، إلا أن خصوص الوكالة لا يطرد ذلك فيها في جميع أقسامها، لأن الوكالة على قسمين: وكالة عقدية و غير عقدية، و الوكالة التي تعد عقدا لا بد فيها من تحقق معنى المطاوعة في قبولها، فلا بد من تأخره، و إلا فلا تقع وكالة عقدية.

و الثاني: العقود العهدية التي لا تتضمن المعاوضة من الطرفين، بل لم يكن نقل إلا من طرف واحد، كالهبة، و قد يقال: بعدم اعتبار تأخر القبول فيها، حيث لا يتضمن قبولها نقلا من القابل، فيكفي فيه صرف الرضا بالإيجاب، إلا أن التحقيق عدمه.

أما ما يتضمن تمليكا من الموجب مثل الهبة، فلا بد من تحقق معنى التملك من القابل، و هو معنى المطاوعة، فكيف يصح تقديمه؟! و إلا لما تحقق العقد بركنية.

76

و أما ما لا يتضمن تمليكا كالرهن، فإنه و إن يكن معنى قبوله هو التملك من القابل، إلا أنه يعتبر تحقق معنى الارتهان من القابل في تحقق معنى القبول، و هذا يتضمن معنى المطاوعة أيضا، فكيف يجوز تقديمه؟! و حيث إن هذا القسم ليس في قبوله نقل شي‌ء من القابل، لا محالة لا يقع القبول إلا بلفظ «قبلت» و أمثالها، فدائما لا يصح تقديم قبوله لا كالعقود المعاوضية.

و الثالث: العقود المعاوضية التي لا تغاير فيها بين الموجب و القابل، كالصلح على المعاوضة بين الشيئين، فكل منهما يصح أن يكون قابلا و موجبا، و لا يتحقق كون أحدهما قابلا إلا إذا كان قبوله بلفظ «قبلت» و أمثالها، و إلّا فلو كان قبوله بلفظ «صالحت» كالموجب لم يكن ذلك فيه معنى المطاوعة و القبول، فلا يقع قبولا، بل يكون إيجابا مستقلا، فيتركب العقد من إيجابين و إيقاعين، فينحصر قبوله ب‍ «قبلت»، فلا بد من تأخيره، على انه لو صححنا وقوع القبول بلفظ «صالحت» إلا أنه لا يعقل تحقق معنى القبول إلا إذا تأخر، و أما مع تقدمه فينحصر في الإيجاب، فكل من يتقدم منهما يكون موجبا و المتأخر قابلا، فلا يتصور فيه تقديم القبول.

و أما الرابع و الخامس فقد تقدم الكلام فيه، و قد عرفت أن القبول بلفظ «اشتريت» أيضا لا يصح تقديمه، كالواقع بلفظ «قبلت»، على خلاف ما يختار الشيخ (قدّس سرّه).

77

[مقدمة في خصوص ألفاظ البيع]

في ضمان القيمي

قوله (قدّس سرّه): ثم إنهم اختلفوا في تعيين القيمة. إلى آخره.

اختلف العلماء في تعيين القيمة لضمان القيمي، على أقوال أربعة:

قيمة يوم التلف، و قيمة يوم الغصب، و قيمة يوم الأداء، و أعلى القيم من الغصب إلى يوم التلف.

و مبنى القول الأول هو: أن ضمان القيمة إنما كان يوم التلف، لأنه قبل التلف كان يجب عليه رد العين، و إنما يتنجز ضمان القيمة يوم التلف.

و مبنى القول الثاني: أن العين إنما كانت في عهدته يوم غصبها، فهو من ذلك الحين ضامن لها.

و مبنى القول الثالث: أن المضمون إنما هو القيمة الغير المتعذرة، بمعنى أنه ضامن للعين ذات المالية القائمة بها التي لا تختلف باختلاف أوقاتها، فمالية العبد عبارة عن قيمته المنتسبة إلى فوقه و إلى ما تحته التي تكون بها تلك النسبة محفوظة مهما اختلف الزمان و المكان.

و مالية الخبز مثلا عبارة عن تعداده الذي يكفي مقدارا لأكل رجال معدودين، الذي لا يختلف ذلك باختلاف الأزمان، و إن اختلفت قيمته السوقية مع حفظ نسبته الخاصة إلى ما فوقه و تحته، فإذا أراد أن يؤدي الضامن للخبز مثلا‌

78

يؤدي قيمة المقدار من الخبز المضمون، الذي كان يكفي عشرة، فلا بد أن تكون تلك القيمة يوم الأداء.

و مبنى القول الرابع: أن قيمة العين صفة قائمة بها كسائر الأوصاف، فكما أن الأوصاف إذا ارتفعت قبل التلف في زمان من الأزمان، و لو في حين استيلاء الغاصب عليها، يكون الغاصب ضامنا لها، كذلك القيمة للعين، بل هي أولى لأنها المقومة لماليتها.

قوله (قدّس سرّه): و تداركه ببدله على هذا النحو بالتزام مال معادل له مقامه. إلى آخره.

إلا أن هذا لا يقتضي تعيين يوم التلف، لأن تداركه ببدله بالالتزام بالمال المعادل إنما يقتضي تدارك المبدل الذي كان عليه الضمان، فلا بد من الالتزام بأن ضمانه للبدل كان حين التلف و إلا فلو كان الضمان حين القبض، كما هو الحق، فلا بد من تعيين قيمة يوم الغصب أو القبض، أما أن الضمان للعين حين القبض لا حين التلف، فبيانه:

أنه ليس معنى الضمان هو وجوب تنجز الأداء، بل هو عبارة عن نفس الحكم الوضعي، و التعهد الثابت حين الاستيلاء على العين، غاية الأمر أن متعلقة يكون معلقا على وقت التلف، فالعين هي في حين الاستيلاء في عهدة الضامن، بمعنى أنه لا بد أن يؤيدها بنفسها أو ببدلها عند التلف، ضرورة أن السبب للضمان هو نفس وضع اليد على العين لا التلف، و إنما يتعين البدل بالتلف لتعذر أداء العين بنفسها، و هذا الوجوب إنما هو منتزع من ذلك المقام، و إلا فلو كان الضمان لنفس العين أولا، فيكون تنجز ذلك الضمان حين التلف بالقيمة التي لم تكن متعلقة للضمان، و كيف يعقل تنجز الحكم بغير ما تعلق به أولا؟! نعم لو كان سبب الضمان هو صرف الإتلاف لكان الوجه هو الضمان من‌

79

حين التلف، اللازم منه ضمان قيمة يوم التلف.

و أما تعيين قيمة يوم الغصب فواضح، لأنه لما كان الضمان للعين في حين القبض، و كان البدل مستقرا في ذمته من أول الأمر و واجب التدارك من ذلك الحين، لا بد أن يكون الذي يجب أن يؤديه و هو قيمة يوم القبض، و لا ينافي أن الواجب- و هو الأداء- زمانه غير زمان الوجوب، بخلاف ما لو كان زمان الوجوب هو زمان الواجب، فإنه يتعين قيمة يوم التلف.

فتحقق أن الأصل في ضمان التالف ضمانه بقيمته يوم الغصب لا يوم التلف.

و الحاصل نحن و الشيخ (قدّس سرّه) متفقون على تعيين قيمة يوم وجوب التدارك، غاية الأمر نحن ندّعي بأن هذا الوجوب زمانه هو زمان القبض، و يذهب الشيخ إلى أن زمانه زمان التلف، كما يظهر من مطاوي كلماته.

و لعل من يلاحظ كلامه في توارد الأيدي، كما سيأتي إنشاء اللّٰه تعالى، يظهر له خلاف ذلك، و لكن مع ذلك فالمسألة غير نقية عن الإشكال، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): بل يمكن أن يقال: إذا ثبت في المغصوب. إلى آخره.

حاصله أنه يمكن أن يقال: بحكومة هذه الصحيحة على إطلاقات الضمان، و مفسرة لمعنى الضمان، فيسري الحكم إلى غير الغصب، فلا يقتصر في الحكم على خصوص الغصب، حيث يكون من باب الإخراج و التخصيص، أو يعم لغير الغصب بدليل آخر دال على المساواة، بل نفس الصحيحة كافية في التعميم.

بيان ذلك، أن الأدلة بحسب إطلاقها لو خليت و أنفسها دالة على الضمان، و ليس معنى الضمان الذي نفهمه الا وجوب تدارك العين يوم التلف، و صحيحة أبي ولّاد (1) لما دلت على ان المتعين هو قيمة يوم الغصب، كان معناه عدم وجوب تدارك العين، لأن معنى تداركها هو الالتزام بقيمة يوم وجوب التدارك، و ذلك‌

____________

(1) الوسائل 19: 119، ح 1 من الباب 17 من أحكام الإجارة مصدر مذكور.

80

لأن الصحيحة حيث دلت على تعيين قيمة يوم الغصب، فتكون متعينة حتى لو كانت القيمة يوم التلف أضعاف قيمة يوم الغصب، فإذا دلت الصحيحة على عدم ضمان هذه القيمة المضاعفة لقيمة يوم الغصب، كان معناه عدم وجوب تدارك العين بذلك المعنى من التدارك الذي فهمناه، فكأن هذه الصحيحة نفت ضمان العين، لأن ضمان العين مساوق لوجوب تدارك العين بالقيمة عند التلف، فإذا لم يجب هذا التدارك بمقتضى الصحيحة فمعناه عدم الضمان.

و لكن المفروض أن الصحيحة المقصود (1) إثبات الضمان لا نفيه، فكأنها تفسير الضمان لا بمعنى وجوب تدارك العين عند التلف، فتكون مفسرة للضمان الذي دلت عليه المطلقات و كاشفة عن عدم اقتضاء إطلاقات الضمان لاعتبار قيمة يوم التلف.

قوله (قدّس سرّه): أضعاف ما كانت. إلى آخره.

هذا خبر لقوله: (كون قيمته)، و قوله: (غير واجب التدارك) خبر لقوله:

(أن يكون المغصوب).

قوله (قدّس سرّه): نعم لو فرض دلالة الصحيحة على وجوب أعلى القيم. إلى آخره.

حاصله أنه إنما تكون الصحيحة مفسرة للمطلقات و حاكمة عليها على وجه يسري الحكم إلى غير الغصب لو قلنا بدلالة الصحيحة على ضمان قيمة يوم الغصب.

أما لو قلنا بدلالتها على ضمان أعلى القيم، فتكون مقيدة للمطلقات في خصوص الغصب، لأنه لو كان أعلى القيم هو خصوص يوم التلف فحينئذ تتوافق مع اقتضاء المطلقات، و لو كان أعلى القيم هو يوم الغصب، ففي مقدار قيمة يوم‌

____________

(1) كذا.

81

التلف يكون الالتزام من مقتضى الضمان الذي دلت عليه المطلقات أيضا، و في المقدار الزائد إنما يلتزم به الغاصب، لا لمكان مقتضى الضمان، بل لمكان أن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، فتدل على خصوصية في الغصب دون غيره.

فهذه الصحيحة إن استفدنا منها الدلالة على ضمان قيمة يوم الغصب، أو استفدنا منها الدلالة على ضمان أعلى القيم، و قلنا بأن البيع الفاسد بمنزلة المغصوب إلا في الإثم- كما ادعاه الحلي (قدّس سرّه) من دعوى الاتفاق- كانت دليلا لما نحن فيه، و هو البيع الفاسد، و إلا فإذا استفدنا منها وجوب أداء أعلى القيم و لم يتم ما ادعاه الحلي لا تكون دليلا لما نحن فيه، فلهذا يجب البحث عن دلالة هذه الصحيحة.

قوله (قدّس سرّه): في الصحيحة فضمن فيه البغل و سقط الكراء. إلى آخره.

حكم أبي حنيفة كان مستندا إلى قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «الخراج بالضمان» (1) على ما يظهر منه، و كأنه فهم من الضمان أن المراد معناه الاسم المصدري، على ما تقدم منا تفصيل هذا الكلام في مسألة المعاطاة، فراجع.

قوله (قدّس سرّه): بعد ذلك الحديث. إلى آخره.

و تمام الحديث: قال أبو ولّاد: «فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتى به أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام)، و قلت له: قل ما شئت حتى أعطيك هو، فقال: قد حببت إليّ جعفر بن محمد (عليهما السّلام)، و وقع في قلبي له التفضيل، و أنت في حلّ، و إن أردت أن أردّ عليك الذي أخذت منك فعلت!» (2).

قوله (قدّس سرّه): اما بإضافة القيمة المضافة إلى البغل اليه ثانيا. إلى آخره.

هذا على رواية عدم تنوين «بغل» بأن يكون مضافا إلى «يوم»، و قد يورد عليه بأن إضافة القيمة إلى البغل و إلى اليوم في كلام واحد لم يعهد في اللغة‌

____________

(1) مستدرك الوسائل 13: 302، حديث 3 من باب 7 (مصدر مذكور).

(2) الوسائل 19: 119، حديث 1 من الباب 17 من أحكام الإجازة (مصدر مذكور).

82

العربية، بل لا يعقل أن يضاف اللفظ مرتين في إطلاق واحد أيضا اليوم (1).

أقول: هكذا أفاده بعض أجلة مشايخنا دام ظله في مجلس البحث، بل يلزم أيضا أن يكون «اليوم» مضافا إليه مرتين بإضافة «البغل» و «القيمة» اليه، و هو مثل الأول في الاستحالة و الغرابة، و لكن لا أرى أن الشيخ (قدّس سرّه) يغفل عن هذا الأمر البديهي. البطلان.

فالتحقيق الحقيقي في توجيه كلامه أن يقال: ليس الغرض من الإضافة هي الإضافة الاصطلاحية النحوية، فإنه ضروري الفساد، بل الحق أن المضاف إليه قيد للمضاف، فإذا تكررت الإضافات فقد يجعل المضاف إليه الثاني قيدا للأول، و يكون المضاف الأول مضاف للمضاف اليه الأول بما له من قيده، فيقال مثلا:

هذه دار صديق أخي، فيكون الصديق بما أنه صديق للأخ الدار له، و الدار مقيدة بالصديق للأخ.

و قد يجعل المضاف إليه الأول قيدا للمضاف الأول، و يكون المضاف الأول مع قيده- و هو المضاف الثاني أو المضاف إليه الأول- مضافا إلى المضاف إليه الثاني، بمعنى أنه مقيد بالثاني بما أنه مقيد بالأول، لا بالإضافة النحوية الاصطلاحية، فتقول مثلا: اشتريت ثمرة بستان زيد لمن علم أنك اشتريت ثمرة البستان المعينة، و لكن لا يعلم هي لمن، فإذا قلت: «ثمرة بستان زيد» كان معناه أن ثمرة البستان بما هي ثمرة البستان مضافة إلى زيد، فيكون التقدير: «ثمرة زيد للبستان».

و هذا إنما يصح إذا كان المضاف الأول يصح إضافته في نفسه إلى المضاف إليه الأول و الثاني.

فالمثال للقسم الأول لا يصح تطبيقه على هذا القسم بأي وجه، إذ لا تصح‌

____________

(1) كذا.

83

إضافة الدار للأخ.

و محل كلامنا إنما هو من قبيل القسم الثاني، لأن القيمة كما يصح في نفسها إضافتها إلى البغل تصح إضافتها إلى اليوم، فتكون القيمة بما أنها قيمة للبغل مضافة إلى «يوم المخالفة» أي مقيدة باليوم بما أنها مقيدة بالبغل، لا أن القيمة مضافة بالإضافة النحوية الاصطلاحية إلى «البغل و اليوم» حتى يمتنع.

نعم هذا يحتاج إلى القرينة، و إلا فنظم الكلام يقتضي أن يكون الأخير قيدا لما قبله، و ما قبله مع تقييده به يكون قيدا لما قبلهما، و هكذا مع تكرر الإضافات.

و لكن يمكن أن يقال: بوجود القرينة في هذه الفقرة الشريفة، بل هي واضحة، و ذلك لأن تقييد البغل بيوم المخالفة لا معنى له، ضرورة أنه ليس هناك إلا بغل واحد معين غير مقيد، لا بيوم المخالفة، و لا بغير يوم، فأي معنى لتقييده بيوم المخالفة؟! و يكون البغل بما أنه مقيد بيوم المخالفة تضاف إليه القيمة، فينحصر أن تكون القيمة مقيدة بالبغل، و بهذا القيد تضاف إلى اليوم و تنسب إليه بالمعنى الذي تقدم من الإضافة، و يكون حينئذ تنكير البغل لصرف الإضافة، و إنما اقحم بينهما لمكان الاحتياج إليه في التقييد.

فاتضح أن ما أفاده المصنف صحيح لا غبار عليه، و لكن العبارة ليست واضحة المقصود تمام الوضوح.

فإن قلت: إنه يمكن أن لا يراد بالبغل نفس ذلك البغل المعين، بل مثل ذلك البغل، فصح تقييده باليوم، لأن له أمثال متعددة، فالرواية حينئذ و إن تكن دالة على التزام قيمة يوم المخالفة، إلا أنها لا تدل على أنه هي المضمونة أصالة، بل تكون دالة على أنها مضمونة بدلا عن المثل حيث يتعذر، و حينئذ تكون مستندا للقول: بأن القيمي مضمون بمثله، و مع التعذر يرجع إلى قيمة المثل كالمثليات.

84

قلت: إرادة ذلك يحتاج إلى قرينة مفقودة في المقام، بل القرينة على العكس لتقدم ذكر البغل الخاص و مناسبة المقام، فتأمل.

قوله (قدّس سرّه): و إما بجعل اليوم قيدا للاختصاص. إلى آخره.

هذا على رواية تنوين «بغل» فيجعل الظرف متعلقا بالاختصاص المستفاد من إضافة «القيمة» إلى «البغل» فيكون قيدا له، إلا أنه لا يخفى أنه حينئذ تصح مستندا لمذهب من جعل القيمي مضمونا بالمثل، و القيمة قيمة المثل، لأن تنكير البغل لا وجه له مع إرادة البغل المعين، فلا بد أن يراد «مثل البغل المعين» حتى يصح تنكيره، فتكون المضمونة يوم المخالفة هي قيمة المثل.

اللهم إلا أن يقال: إن إرادة مثل البغل تحتاج إلى وصفه بالمثلية، بأن يقول:

«قيمة بغل مثله» و إلا فلا دلالة للتنكير على المثلية، بل يكون مجملا محتملا لإرادة عين البغل أو مثله، إلا أن سياق الكلام يعيّن الأول، و إرادة الثاني تحتاج إلى القرينة.

ثم إنه في بعض نسخ التهذيب و الاستبصار- كما نقل- «البغل» بالألف و اللام، فتكون صريحة في المقصود، و لكن قد يورد أيضا- كما أفاده بعض اجلة مشايخنا دام ظله في مجلس البحث- بأن الاختصاص معنى حرفي، عبارة عن نسبة «القيمة» إلى «البغل»، فكيف يعقل تعلق الظرف به؟! و إنما يصح تعلق الظرف به لو صرح بلفظ الاختصاص بصيغة الفعل أو ما يشبهه، و ما ذكره واضح من جهة القواعد العربية و من جهة المعنى، فإن الظرف هو معمول لما تعلق به و معقولة، فكيف يؤثر فيه الحرف أو ما هو بمنزلته؟! على أنه لم يعهد ذلك بالقواعد العربية، كما أن مقتضى تعلق الظرف بشي‌ء أن يكون هناك نسبة بين المتعلق و المتعلق به، و لا يعقل أن تكون النسبة طرفا للنسبة، و إلا لا نقلب المعنى الحرفي الذي حقيقته عين الربط اسميا موجودا في نفسه.

85

أقول: و الذي يقوى في النفس أن نجعل الظرف ظرفا مستقرا متعلقا بشي‌ء محذوف، يكون وصفا من القيمة فيكون التقدير «قيمة بغل حاصلة يوم المخالفة» أو «مقدرة يوم المخالفة»، فيكون الظرف قيدا للقيمة بما انها مقيدة بالبغل، و لها هذا الاختصاص به، و عليه ينزل كلام الشيخ (قدّس سرّه) فيصح أن يقال حينئذ: إنه قيد للاختصاص تسامحا، و إلا فكلام الشيخ (قدّس سرّه) غير ظاهر في تعلق الظرف بالاختصاص الذي هو عبارة عن النسبة، و هو بعيد عن ساحته (قدّس سرّه).

فتحصل أن غرض المصنف تعلق الظرف بمحذوف، و يكون قيدا للقيمة بما لها من الاختصاص بالبغل، و إنما كانت قيدا لها باعتبار أن المتعلق به الظرف وصف للقيمة المضافة إلى البغل، و إنما يقال: أن نفس الظرف هو الوصف- كما قلنا- فلأن المتعارف أن يقال: الظرف إذا كان ظرفا مستقرا هو خبر أو وصف أو حال، و يراد منه أنه تعلق بشي‌ء محذوف له هذا الحكم، و لكن لما حذف كان الظرف بمنزلته، و لذا قد ينسب العمل الى نفس الظرف بهذا الاعتبار، و كما أن هذا المعنى هو غرض المصنف كما هو الظاهر، فهو الحق أيضا في فهم هذه الفقرة الشريفة.

و بقي هنا احتمالان في الظرف:

أحدهما: إن الظرف وصف «للبغل»، فيكون ظرفا مستقرا أيضا، و هو فاسد.

أما أولا: فلأن البغل ليس مما يختلف بالأيام في شخصه حتى يقيد بيوم خاص.

و ثانيا: إن الظرف المستقر هو ما صح الإخبار به عن اسم عين، بحيث تصح نسبته إليه، بخلافه الظرف اللغو، و لذا جعلت الباء من حروف الجر، و «على» و أمثالها من ظروف اللغو، و «في»، و «عند»، و «يوم» من الظروف‌

86

المستقرة.

و لكن كون الظرف مما يصلح الإخبار به هذا مصحح لجعله ظرفا مستقرا، لا أنه يجب دائما أن يكون ظرفا مستقرا، فإنما إنما يكون كذلك حيث لا مانع منه، و هنا لا إشكال بعدم صحة أن يخبر عن البغل باليوم، كما تقول مثلا: «زيد في الدار»، فلا يصح جعل هذا الظرف وصفا للبغل، و لكن هذا بخلاف جعله وصفا للقيمة، لصحة أن يقال: «قيمة شي‌ء يوم الجمعة».

ثانيهما: إن الظرف لغو متعلق بقوله: «نعم» القائم مقام قوله (عليه السّلام):

«يلزمك»، أو انه متعلق ب‍ «يلزمك» مقدرا لدلالة السؤال عليه، و هو الذي ذكره المصنف و أورد عليه، و قد استوجهه بعض مشايخنا دام ظله في مجلس البحث، بل جعل الأمر منحصرا فيه بحسبان أن الظرف لا يصح أن يكون مستقرا، و لا لغوا متعلقا بالاختصاص لما تقدم، فيتعين أن يكون متعلقا ب‍ «يلزمك».

و بعد ما عرفت يتضح لك عدم الانحصار، لإمكان جعله مستقرا وصفا للقيمة، و نظره الشريف أنه على تقدير مستقر يكون منحصرا في أن يكون وصفا للبغل، و على كل حال فهو وجه وجيه في ذاته، و إن كان فيه نوع تكلف، و يكون مفاده عين مفاد الوجه الذي أفاده المصنف على ما استظهرناه من كلامه (قدّس سرّه).

و ما أورده المصنف يمكن الجواب عنه- كما أفاده الأستاد- فان السائل- كما ذكره المصنف (قدّس سرّه)- إنما سأل عما يلزمه بعد التلف بعد الفراغ عن أن زمن المخالفة هو عين زمان حدوث الضمان، و لكن يمكن أن تكون فائدة الظرف غير منحصرة في بيان زمان الضمان، بل يمكن أن تكون لبيان زمان القيمة أيضا، و ذلك لأن لفظ القيمة ظاهر في إرادة المالية المتقدرة، و إرادة المالية المتقدرة مع عدم بيان زمانها إخلال في البيان لاختلاف القيمة باختلاف الأزمان، فلا يصح التكليف بالقيمة‌

87

مع عدم العلم بأنها قيمة أي يوم، فبدلالة الإشارة يمكن استفادة أن زمان القيمة هو زمان حدوث الضمان حيث ذكر زمان حدوث الضمان، و هو غير محتاج إليه، و ذكر المالية المتقدرة و لم يبين زمان تقديرها فيعلم أن زمانها هو يوم المخالفة بدلالة الإشارة، أو بالدلالة الالتزامية، كما عبر عنها الأستاد.

و منه يعلم الجواب عما ربما يتخيل أنه إذا كان الظرف متعلقا ب‍ «يلزمك» تسقط الفقرة عن الدلالة على ضمان قيمة يوم الغصب، و لكن في هذا من التكلف ما لا يخفى.

فالوجه الوجيه الذي لا ريب فيه هو ما أفاده المصنف على ما أوضحناه و استظهرناه، و إن شنّع عليه الأستاد في مجلس البحث بما لا مزيد عليه.

قوله (قدّس سرّه): لا جدوى فيه لعدم الاعتبار به. إلى آخره.

وجهه أن عقد الإجارة بالإجماع لا يقتضي ضمان العين المستأجرة إلا باشتراط الضمان على قول غير وجيه، و إلا فاشتراط الضمان مناف لمقتضى عقد الإجارة، إلا أن يستدل له بقوله: «المؤمنون عند شروطهم» (1) فتأمل.

و على كل حال فليس في القضية الخاصة اشتراط الضمان، كما هو الظاهر، فحكم الإمام (عليه السّلام) بإثبات قيمته يوم الاكتراء مع أنه لا ضمان في ذلك الحين لا فائدة فيه، و الالتزام بالضمان خلاف الإجماع و القاعدة، فلا بد من توجيه الرواية بما يوافق القواعد، و بالتأمل في الرواية الشريفة يظهر الوجه كما افاده المصنف (قدّس سرّه)، حيث إن يوم الاكتراء هو يوم المخالفة كما هو الظاهر من الرواية، و لا ريب بعدم اختلاف القيمة بالساعات إلا نادرا يلحق بالمعدوم.

و لكن بقي وجه عدول الإمام عن حين المخالفة إلى حين الاكتراء، و هو ظاهر أيضا، فإن إقامة الشهود على قيمته عند قنطرة الكوفة مما لا يتفق إلا‌

____________

(1) الوسائل 21: 276، حديث 4 من الباب 20 من أبواب المهور (مصدر مذكور).

88

بضرب من الاتفاق النادر، فإن مصادفة أحد من الناس يعرفون قيمة البغل ملتفتين الى ذلك- مع أنه مر عليها مستطرقا- بعيد جدا، بخلاف محل الاكتراء في الكوفة الذي هو موضع لمثل ذلك، فخصصه الإمام به لمكان القدرة على إقامة الشهود حينئذ، و لا فرق بينه و بين ساعة المخالفة.

قوله (عليه السّلام): و أما قوله (عليه السّلام) في جواب السؤال عن إصابة العيب. إلى آخره.

بقي في الرواية أمور ثلاثة تحتاج إلى التوجيه، تعرض لها المصنف (قدّس سرّه) في كلامه:

الأول: إنه بعد أن ذكر الامام أن ضمان البغل إنما هو بقيمة يوم الغصب، و مقتضاه أن ضمان الأرش أيضا كذلك للملازمة بينهما، فكيف بعد ذلك يحكم الإمام في قوله: «عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده» بأن ضمان الأرش يوم الرد، فتكون الرواية بالنظر الأولي ولدي الافهام القاصرة متهافتة الصدر و الذيل.

و قد ذكر المصنف عنه جوابين:

أحدهما: إن الظرف متعلق ب‍ «عليك»، لا أنه قيد للقيمة، أي أنه يجب أداء الأرش يوم الرد، لأنه في غير يوم الرد لا يجب أداء الأرش و إن صح، و أما ما ذكرناه في الفقرة الأولى من دلالة الإشارة على أن يوم الضمان هو يوم تعين القيمة فغير منطبق على المقام، أما أولا: فلأن ذلك في يوم الضمان المناسب له تعين القيمة دون يوم الأداء.

و أما ثانيا: فلأن ذكر زمان حدوث الضمان كان غير محتاج إليه، بخلاف زمان وجوب الرد هنا، فكان ذلك من القرائن على تعين القيمة به.

و أما ثالثا: فلأن القيمة لما كانت ظاهرة في المالية المتقدرة احتاجت إلى‌

89

التعيين، و ليس هناك ما يدل على ذلك، و هنا بعد أن تقدم تعيين زمن قيمة البغل بتلك الفقرة الأولى استغني هنا عن بيانها ثانيا، فلم يكن هنا إخلال في بيان ما يحتاج إليه، فلم يتم ما يقتضي الدلالة على تعيين القيمة في زمان يوم الرد، فتدبر و لاحظ.

ثانيهما: إن «يوم الرد» ظرف مستقر يكون قيدا للعيب لا للقيمة، كما هو مبنى نفس الاستشكال، فلو ازداد العيب يوم الرد، فالعبرة به لا بحدوثه لو كان إذ ذاك قليلا.

و قد أورد عليه المصنف (قدّس سرّه): بأنه لازمه لو نقص العيب يوم الرد أو ارتفع لا ضمان إلا بنسبة العيب القليل يوم الرد، أو لا ضمان أصلا، و هو خلاف الفتوى بضمان ما حديث من العيب، و لو نقص أو ارتفع حين الرد حيث إن الرجوع الى الصحة أو ارتفاع بعض العيب كان في كيس صاحب المال، فلا يرفع الضمان الحادث.

و قيل عليه: إن الأقوال في المسألة ثلاثة، ثالثها: التفصيل بين وصف الصحة و غيرها، فلا يرتفع الضمان بها دون غيرها، فليست منحصرة في بقاء الضمان.

نعم المشهور هو ذلك، فلتكن هذه دليلا على القول بعدم البقاء، و أن العبرة بيوم الرد.

قوله (قدّس سرّه): الذي هو بمنزلة جزء العين في باب الضمانات. إلى آخره.

فيكون للصحة قسط من الثمن، و الذي يظهر من الشيخ (قدّس سرّه) في محله أن وصف الصحة كسائر الأوصاف واسطة في الثبوت لزيادة الموصوف، و إنما الثمن أو البدل يكون في مقابل العين، فتأمل.

قوله (قدّس سرّه): نعم يمكن أن يوهن ما استظهرناه

90

من الصحيحة. إلى آخره.

و هو أن المراد من يوم الاكتراء هو يوم المخالفة، و أن المراد من القيمة هو قيمة يوم المخالفة، و في التوهين ما لا يخفى.

أما أولا: فلان دفع توهم أمثال صاحب البغل من العوام لا يصح بإيقاعه بجهل الآخر، فإن دفع توهمه، و التسامح في بيان أن القيمة في أي يوم، إخراج له من ظلمة إلى أخرى.

و ثانيا: إن المخاطب ليس هو صاحب البغل الذي هو من العوام، و ليس له هذا الوهم، حتى يتصدى الامام (عليه السّلام) لدفعه، بل طالب لمعرفة تكليفه و خروجه من العهدة التي ابتلي بها. على أن بيان الحقيقة كاف لدفع الوهم، فلا معنى للاقتصار على الدفع خاصة.

و ثالثا: إنه كما تقدم أن الظاهر من الصحيحة أن المراد من القيمة هو قيمة يوم المخالفة، و لا يجوز رفع اليد عن هذا الظهور إلا مع العلم بعدم اختلاف قيمة البغل إلى خمسة عشر يوما، و أن ليس المقصود هو يوم المخالفة.

و أما مجرد احتمال عدم الاختلاف، و احتمال أن ليس المقصود هو يوم المخالفة، لا يرفع الظهور، بل لو علم بعدم الاختلاف، و لكن لم يعلم أن التعبير بيوم المخالفة لا لبيان الواقع، فذلك لا يرفع الظهور، ضرورة أن اتحاد الزمانين بالقيمة لا ينافي تعيين أحد الزمانين، لأنه هو الحكم واقعا، حتى لو علم أن المقصود دفع توهم المكاري، فإن دفعه لا ينافي بيان الحقيقة، و يكون بها دفعه، بل هو اللازم، كما تقدم.

و الحاصل أن الرواية لم يكن فيها دلالة على اتحاد القيمة في جميع هذه الأزمنة، فعلى الإمام أن يبيّن الحكم حتى على تقدير الاختلاف و لو كان نادرا، فلو قلنا بأن العلم باتحاد القيمة ينافي هذا الظهور المستفاد- و هو الاحتراز- لا‌

91

يقتضي ذلك أن لا يكون التقييد بيوم المخالفة في المقام للاحتراز، مع فرض عدم العلم بالاتحاد في المقام، و مجرد غلبة ذلك لا يقتضي صحة اعتماد الامام (عليه السّلام) في رفع ظهور كلامه، على أن سؤال أبي ولّاد أخيرا كان سؤالا فرضيا، لا عن أمر حادث له في خصوص هذه الواقعة، كما هو صريح الرواية، إذ الفرض أنه أرجعه إليه سليما، و كأنه يريد معرفة حكم أطراف المسألة خوف الابتلاء، أو المجرد معرفة الحكم، فلا يناسبه الجواب عن خصوص هذه الواقعة الشخصية، فكون (1) أن في الواقعة الشخصية كان الفرق بين زمان الغصب و الرد خمسة عشر يوما التي لا تختلف فيها القيمة، لا يوجب ذلك تقييد إطلاق الجواب.

قوله (قدّس سرّه): فإن العبرة لو كان بخصوص يوم المخالفة. إلى آخره.

هذا هو الأمر الثاني الذي يحتاج إلى التوجيه في الحديث الشريف.

و حاصله: أن المدار في كون أحد المتداعيين منكرا، و أن القول قوله باليمين، هو أن يكون قوله موافقا للأصل، و قول الآخر مخالف له، أو أن المنكر لو ترك لترك، بخلافه المدعي.

و إذا كان المدار في القيمة على يوم المخالفة لكان بمقتضى القاعدة صاحب البغل هو المدعي لا الغاصب، لأن الأصل في خلافه، لأنه يدعي الزيادة، و الأصل عدمها، و أيضا الغاصب لو ترك لترك، فيكون هو المنكر، فكيف جعل الإمام (عليه السّلام) القول قول صاحب البغل؟! و قد جعل المصنف هذا المعنى صارفا عن دلالة الرواية، على أن الاعتبار بقيمة يوم المخالفة.

أقول: و على كل حال ان الغاصب يكون منكرا، سواء كان الاعتبار بيوم المخالفة أو بيوم آخر، لأن التداعي إنما يكون بينهما إذا ادعى صاحب البغل الزيادة‌

____________

(1) كذا.

92

على ما يدعيه الغاصب، و كون أن ذكر يوم المخالفة لدفع توهم صاحب البغل- أن العبرة بقيمة ما اشترى به البغل، كما جعل المصنف هذا الإشكال تأييدا له- لا يجعل المدعي منكرا و المنكر مدعيا.

و الوجه في الجواب: ما أشار إليه المصنف (قدّس سرّه) فيما سيأتي من أن المالك أعرف بقيمة بغله، فالحلف من حقه ابتداء.

93

في عقد الصبي

قوله (قدّس سرّه): مسألة: المشهور- كما عن الدروس و الكفاية- بطلان عقد الصبي. إلى آخره.

لا يخفى أن ما تقدم من الكلام في العقد الفاسد، كالمقدمة لهذه المباحث الآتية في شرائط المتعاقدين و العوضين، و غير ذلك، لأنه بتخلفها يفسد العقد.

ثم إن الكلام في تصرفات الصبي يقع على مراتب أربعة:

الأولى: الكلام في تصرفه في ماله استقلالا بدون اذن وليه أو وكالته له.

الثانية: في تصرفاته في ماله بوكالة الولي أو إذنه له.

الثالثة: في تصرفاته بمال الغير باذنه و وكالته.

الرابعة: في تصرفاته كذلك مع اذن الولي له.

و للكلام في هذه المراتب ينبغي البحث عن الحجر على الصبي من أي أنواع الحجر، هل هو من قبيل الحجر على الراهن في التصرف بما رهنه، أو من قبيل الحجر على المفلس، أو من قبيل الحجر على السفيه أو المجنون؟

لا مجال للأول و الثاني، لأن الحجر في الرهن و مال المفلس لمكان تعلق حق الغير بالعين، و المفروض أنه لم يتعلق حق للغير في مال الصبي، و إن كان الفرق بين حجر الرهن و التفليس: أن الثاني لا يكون إلا بحكم الحاكم الشرعي، بخلاف‌

94

الرهن.

فالأمر في الحجر على الصبي مردد بين أن يكون من قبيل الحجر على السفيه أو المجنون، و الفرق بينهما: أن المجنون مسلوب العبارة و القصد بتاتا وزانه وزان البهائم، فلا أثر لعقده أصلا، بخلاف السفيه، فان المنع عنه لا لمكان سلب عبارته، بل إنما يحجر عليه لرعاية مصلحته، و لهذا يمضى عقده إذا كان منضما إليه وليه دون المجنون، فإنه لا عقد له أصلا.

فإن كان الصبي من قبيل السفيه، إنما يمنع عن تصرفه لمكان رعاية مصلحته، لعدم معرفته بمنافعه و مضارّه، فمع إذن الولي أو وكالته له يمضى عقده، و يكون صحيحا.

و إن كان من قبيل المجنون فلا يصحح عقده في ماله وكالة عن وليه، أو إذنه له، و لا وكالة الغير، أو إذنه في مال الغير.

و قد يستدل للثاني بقوله تعالى وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ (1)، فإن المخاطب به هم أولياء اليتامى.

و ظاهر الآية الشريفة إعطاء الأولياء تمام التصرف في أموال اليتامى، و أنه لا تصرف للصبي قبل البلوغ و الرشد، فإن لازم أمره تعالى لهم بالدفع أنهم كانوا قبل الدفع لهم التصرف التام في مال اليتيم، فيشمل بإطلاقها صورتي تصرف الصبي باستقلاله و تصرفه منضما إلى الولي، فتدل على سلب عبارة الصبي بالنسبة إلى أمواله قبل البلوغ.

و قد يقال: إن ظاهر الآية تحديد اختبارهم بالرشد بأن يكون قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ جوابا للطلب، فلو كان الصبي رشيدا قبل البلوغ يجوز أن يدفع‌

____________

(1) النساء: 6.

95

إليه ماله، فتدل الآية على جواز تصرف الصبي المميز.

و قيل: إن ذلك مقتضى القواعد العربية، و فيه ان قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ جواب لقوله تعالى حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا، و يكون ما بعد حتى غاية للاختبار.

فتدل على أن وجوب الدفع مشروط بالبلوغ و الرشد معا، كما عليه المشهور في فهم هذا المعنى، و الا لما كان موقع لقوله تعالى حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ.

و من هذا يظهر حكم المراتب الأخر، فإن الصبي إذا كان بالنسبة إلى ماله مسلوب العبارة، فكيف يصح تصرفه بالنسبة الى مال غيره بالوكالة؟! فان وكالته عن غيره لا تصحح عبارته، و لا تمضي عقده، بعد أن كان بذاته ليس له القابلية للعقد و النقل الحقيقي، لقصور عبارته خصوصا، و من شروط الوكالة- كما ذكروا في عقد الوكالة- بلوغ الوكيل، فتأمل.

قوله (قدّس سرّه): و إذنه في الدخول. إلى آخره.

المراد أنه يأذن للغير بدخول الدار، فيكون إضافة الإذن إلى الضمير من إضافة المصدر إلى فاعله، و هذا هو المتعارف عند بعض الناس من وضع أطفالهم على باب الدار لترخيص الزائرين على الدخول.

قوله (قدّس سرّه): و استثناء إيصال الهدية. إلى آخره.

المقصود من تصرفات الصبي المبحوث عنها، تارة يكون خصوص أقواله و إنشاءاته من غير أن يكون شاملا لأفعاله، و أخرى ما يشمل أفعاله، فالمصنف أراد أن يستظهر من عبارة التذكرة: أن البحث شامل للأقوال و الأفعال، بقرينة إيصال الهدية، و إذنه في الدخول.

بيان ذلك: أن المقصود من تصرفاته التي تقع تحت البحث هي التصرفات‌

96

التي يترقب منها ترتب آثارها عليها من حيث كونها أفعاله أو أقواله، و المتيقن من محل الكلام هو التصرفات القولية (1).

و أما أفعاله التي لا يترقب منها ترتب آثار عليها من حيث كونها أفعاله و صادرة عنه باختياره، فإن دخلت تحت البحث و النزاع، فدخول تصرفاته الفعلية التي يذهب منها ترتب آثارها عليها من حيث إنها أفعاله الاختيارية يكون بالطريق الأولى، و النزاع فيها أظهر.

و من المعلوم أن إيصاله الهدية و إذنه في الدخول ليس من الأفعال التي يترقب منها ترتب آثارها من حيث أنها أفعاله القصدية، لأن المجوز لتصرف من وصلت إليه الهدية علمه بأن مالكها أهداها له، و ملكها له، و يكون الصبي صرف آلة كالحيوان لحمل الملك، لا أنه بإيصاله يكون التمليك.

و كذلك إذن الصبي في الدخول كاشف عن رضا أهل الدار، فالمسوّغ للدخول هو المكشوف لا الكاشف، و هو إذن الصبي.

و حيث كان الإيصال و الإذن ليسا من التصرفات القولية و الفعلية- و مع ذلك استثناها من التصرفات- يعلم أن المراد من التصرفات في كلامه ما يشمل مثل هذه الأفعال التي لا يترقب منها التأثير من حيث هي أفعاله، و إذا شملت التصرفات ذلك بالطريق الأولى شمولها لأفعاله التي يترقب منها التأثير من حيث هي أفعاله، و هذا هو المراد من الفحوى في كلام المصنف (قدّس سرّه).

قوله (قدّس سرّه): ففيه أولا: إن الظاهر. إلى آخره.

لا يخفى إنما تقدر المؤاخذة، كما في حديث: «رفع عن أمتي.» (2)- على القول بذلك- حيث لم يذكر متعلق الرفع، مما هو قابل للرفع، و المفروض أن‌

____________

(1) كتب فوق كلمة (القولية) هذه الجملة: الشك في الفعلية.

(2) الوسائل 15: 369، حديث 1 من الباب 56 من أبواب جهاد النفس (مصدر مذكور).

97

المرفوع هو القلم، فدعوى ظهوره في رقع قلم المؤاخذة بلا بينة، و إنما تستعمل هذه الجملة غالبا كناية عن عدم التكليف، و مع التنزل فلا تبعد دعوى ظهورها في رفع قلم الأحكام.

قوله (قدّس سرّه): و ثانيا: إن المشهور على الألسنة، أن الأحكام الوضعية.

إلى آخره.

حاصله أنه على تقدير تسليم أن المرفوع هو قلم الأحكام، فالعموم مخصوص بغير الأحكام الوضعية، فإنها- كما هو المشهور- غير مختصة بالبالغين، كضمان التالف، و غير ذلك كوجوب غسله عن الجنابة بعد البلوغ، و حرمة تمكينه من مس المصحف، فلا مانع إذن من أن يكون عقده سببا لوجوب الوفاء به، إما عليه بعد البلوغ، أو على الولي إذا كان بإذنه، أو بإجازته، فيكون كسائر الأحكام الوضعية الخارجة عن العموم.

و لكن غير خفي على اللبيب أن ظاهر رفع القلم عن الصبي، و المجنون، و النائم في الأفعال التي لو لا كونه صبيا أو مجنونا أو نائما كان مكلفا بها، فرفعها لمكان نومه أو جنونه، أو صباه، و هي عبارة عن الأفعال القصدية منه التي من شأنها أن تكون قصدية، و يترتب عليها الأحكام لمكان كونها قصدية.

و أما الأفعال الغير القصدية التي يترتب عليها الحكم، لمكان صرف وجودها، لا لمكان كونها قصدية، كالإتلاف و الجنابة التي يترتب عليها الحدث و سائر الأحكام الوضعية، فهي غير مشمولة للدليل أصلا حتى انها خارجة، و هذا بخلاف مثل العقد الذي هو فعل قصدي، لا يترتب عليه أثره إلا بالقصد، فكما أن النائم أو المجنون لا أثر لعقده، فكذلك الصبي.

و التفرقة بأن الصبي يمكن أن يتأتى منه القصد بخلاف أخويه، لا تجدي بعد أن كان الدليل فيها بمساق واحد، فيدل على أن الصبي كالنائم و المجنون في مسلوبية‌

98

العبارة و القصد.

قوله (قدّس سرّه): و ثالثا: لو سلمنا اختصاص. إلى آخره.

و لكن الصبي إذا كان في حال صباه لا أثر لعقده، كيف يعقل أن يؤثر بعد البلوغ، و ليس ذلك مثل الجنابة التي يبقى أثرها، و لا يزول إلا بالغسل.

قوله (قدّس سرّه): لا يستقيم إلا بأن يراد من رفع القلم. إلى آخره.

الالتزام بأن المرفوع هو المؤاخذة، و تعميمها للأخروية و الدنيوية بلا ملزم، بل كما سمعت أن هذا التعبير كناية عن عدم التكليف.

99

[القول في شرائط المتعاقدين]

في اشتراط القصد

قوله (قدّس سرّه): مسألة: و من جملة شرائط المتعاقدين. إلى آخره.

القصد له مراتب ثلاثة في مقام إطلاقه.

الأولى: إطلاقه على قصد اللفظ و إرادة إيجاده باختياره، و يقابل ذلك الغالط و النائم، فإن صدور اللفظ عنهما بلا قصد و إرادة، و هذا لا إشكال باعتباره في صحة العقد، بل في وقوعه، فغير القاصد للفظ ليس بعاقد حقيقة.

الثانية: إطلاقه على قصد المعنى من اللفظ، و يقابله الهازل، و قاصد غير مدلول اللفظ، و لا يقابله الكاذب، و ذلك لأن الإنشاء و الإخبار يشتركان في جهة، و هي إيجاد المعنى باللفظ و إنشاؤه، و يزيد الإخبار بقصد الحكاية عن الواقع، فإن طابق مدلول الذي أوجده باللفظ الواقع، فهو صدق، و إلا فكذب، فالكذب إنما هو في هذه المرحلة التي ليست للإنشاء.

و باعتبار المرحلة المتقدمة ينقسم كل من الإنشاء و الإخبار إلى الجد و الهزل، فكون المتكلم غير قاصد لمدلول اللفظ، سواء كان في الإخبار أو الإنشاء لا يسمّى كاذبا، و إنما يسمى هازلا أو قاصدا لغير مدلول اللفظ الظاهر منه.

فيعلم من هذا: أن قول المصنف (قدّس سرّه):- فهو شبيه الكذب في الإخبار- في غير محله، بل إنما هو شبيه الهزل في الإخبار.

100

و الحاصل أن القصد بهذا أيضا معتبر في العقد، فلا يكون العاقد عاقدا بدون قصد مدلول اللفظ المراد إيجاده، لقوام الإنشاء بهذا القصد، و هو قصد إيجاد المعنى جدا، و إلا لو قصد معنى آخر فقد أنشأ ذلك المعنى، و ان كان في إنشائه بذلك مع كون اللفظ غير موضوع له أو غير ظاهر فيه محل تأمل، تقدم الكلام فيه حتى مع نصب القرينة.

نعم فيما لا يشترط فيه عبارة خاصة يكفي في إنشاء كل ما يدل عليه، و قد أشبعنا الكلام فيه في أول شرائط العقود.

الثالثة: إطلاقه على الرضا بما قصد إيجاده باللفظ، و يقابله المكره، فالمكره يكون فاقدا للقصد بهذا المعنى، و لكن هذا المعنى من القصد زائد على ما يتحقق (1) مفهوم العقد، فإن الإنشاء ليس هو إلا إيجاد المعنى باللفظ، و تحقق ذلك لا يتوقف على أكثر من قصد المدلول من اللفظ، أما الرضا بذلك فهو أمر زائد على تحققه، فكون العاقد عاقدا لا يتوقف على أن يكون راضيا قلبا بما أوجده، و ذلك كسائر الأفعال الاختيارية الصادرة عن المريد بالاختيار و الإرادة، فإن عدم تحقق الرضا منه بفعله لا يخرجه عن كونه فاعلا بالاختيار، و موجدا لفعله، فلا بد أن يكون اعتبار هذا القصد بهذا المعنى بدليل آخر خارج، لا من حيث عدم تحقق العقد به، كما سيأتي ان شاء اللّٰه.

قوله (قدّس سرّه): بعض المحققين. إلى آخره.

هو صاحب المقابيس.

قوله (قدّس سرّه): أقول مقتضى المعاوضة. إلى آخره.

كلامه (قدّس سرّه) هذا ناظر إلى كلام صاحب المقابيس أخيرا، و هو في فرض عدم توقف تعين المالك على التعيين حال العقد.

____________

(1) كذا.

101

و توضيح المقام: أن العقود على أنحاء، فمثل عقد النكاح يكون الركن فيه الذي يقوم به القصد هو الطرفان، أعني: الزوج و الزوجة، و هذا لا بد من تعيين الطرفين أصالة أو وكالة.

و أما مثل عقود المعاوضة، فالركن فيها هو نفس المالين، مثل البيع، فإنه ليس المقصود إلا مبادلة مال بمال، و وضع كل ما المالين في مكان الآخر، و ليس المقصود منه هو تبديل تمليك بتمليك، إذ الملكية هي عبارة عن إضافة المال إلى مالكه، و السلطنة على المال، و ليس الإضافة تقبل إضافة أخرى، حتى تبدل إضافة بإضافة، فإن التبديل ليس هو إلا إضافة المبدل إلى من عنده البدل، و كذا ليس للسلطنة سلطنة، حتى تبدل سلطنة بسلطنة، فإن التبديل كذلك عبارة عن تسليط ذي البدل على المبدل، فلا يعقل أن يقع التمليك أو الملكية طرفا للمبادلة، فليس المعاوضة في البيع إلا على نفس المال كسائر عقود المعاوضة.

و بهذا يتضح أن الركن في عقد البيع هو المالان، فلا بد من تعيينهما، أما الطرفان فليس لهما دخالة في تحقق المعاوضة التي هي حقيقة البيع، فإن كان المالان شخصيين فلا مقتضي لتعيين المالك في تحقق حقيقة البيع، و إنما يكون البيع وضع كل ما المالين في مكان الآخر، سواء كان الواضع هو المالك أو غيره.

و أما إن كان المالان كليين، أو كان أحدهما كليا، كالبيع في الذمة، فإنه لما كان تحقق المالية للكلي إنما هي بإضافته إلى ذمة خاصة- و إلا فلا يكون مالا أصلا- فلا بد من تعيين ذمة خاصة ليتحقق ركن العقد، و هو المال، لكن لا من أجل أن المالك ركن للعقد، بل إنما هو لأجل أن تعيينه له الدخالة في تحقق ما هو ركن، فهنا ثلاث صور:

أحدهما: أن يعين ذمة خاصة، إما ذمة نفسه، أو ذمة شخص آخر معين، و هذا لا إشكال بتحقق العقد به، فان كان وكيلا عن الغير وقع جائزا، و إن لم يكن‌

102

وكيلا توقف على الإجازة، و يكون من العقد الفضولي.

و ثانيها: أن يطلق و لا يعيّن ذمة، و حينئذ ينصرف إلى نفسه، و لا يحتاج إلى التعيين حينئذ، لأن الإطلاق هو كاف في التعيين، فيتحقق العقد بلا إشكال، و يصح من هذه الجهة.

و ثالثها: أن يبيع بما في ذمة الغير، بلا تعيين للغير، و هذا لا إشكال ببطلانه، ضرورة أن ركن البيع هو المال، و الكلي في ذمة غير معينة ليس بمال، لأن الكلي في حد ذاته ليس بمال، و إنما يتمول بوجوده الخارجي، أو بما هو في حكم وجوده الخارجي، و هو تعلقه في الذمة الخاصة، فإن تعلقه في الذمة نوع من التخصص و الوجود له، بخلاف ما لو لم تتعين الذمة، فإنه مع إهمال الذمة و كليتها لا يخرج الكلي عن كونه كليا، فإنه يكون من قبيل تخصص الكلي بالكلي، و الكلى من حيث هو ليس بمال، فلا يعقل أن يصح مثل هذا البيع، و لا يصححه بعد ذلك تعيين الذمة، فإنه بعد أن كان لا يوجد بالإنشاء، كيف يتخصص بعد ذلك بذمة خاصة بالتعيين مع كون التعيين المتأخر ليس بإنشاء آخر للبيع؟!.

قوله (قدّس سرّه): غير معهود. إلى آخره.

بل غير معقول، لاستحالة وجود المردد بما هو مردد في أي نحو من الوجود، كما لا يعقل تعلق الملكية أو العتق، أو غير ذلك من الأمور الاعتبارية، إذ لا يعقل اعتبار ما لا تعين له بنحو من أنحاء التعين.

و أما مسألة عتق أحد العبدين أو طلاق إحدى الزوجتين، فلا بد لها من التخريج بعد قيام الدليل عليها، ليس هذا محل ذكره، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): لم لا يجعل هذا قرينة على عدم إرادته. إلى آخره.

لا يخفى عليك أن القرينة إنما هي لتفهيم المخاطب، و نفعها بالنسبة إلى غير المتكلم، حيث يحمل كلامه على مقتضى القرينة، أما المتكلم نفسه فهو أعرف‌

103

بمراده. و الكلام هنا في البطلان ثبوتا لا إثباتا، و ان هذا العقد الذي يصدر من المتكلم ببيع مال نفسه عن غيره، هو هل في الواقع صحيح أم باطل؟ حيث يريد المعاوضة الحقيقية أو لا يريدها، و أما أن ظاهر كلامه، هل هو المعاوضة الحقيقية أو غيرها بقرينة القيد؟ فهو أجنبي عن المقام.

و لكن يجاب عنه: بأنه ليس المراد من ذكر القرينة هنا من جهة دخلها في ظهور الكلام، و استكشاف مراد المتكلم، بل من جهة دخلها في الإنشاء، فإن العقود أمور بسيطة تنشأ باللفظ الموضوع لها، أو باللفظ المجازي بانضمام القرينة، و لهذا قلنا فيما سبق: إنه لا يصح إنشاء العقد باللفظ المجازي أو المشترك.

فالغرض هنا إبداء احتمال أن المقصود في مثل قوله: «بعتك مال نفسي عن غيري» ليس هو المبادلة الحقيقية، فيكون المنشأ معنى مجازيا للبيع، و تكون القرينة- و هي قيد «عن غيري»- تتمة للإنشاء، فلا يكون العقد صحيحا لمكان المجازية، و ليس الغرض استكشاف مراد المتكلم، و إلا لو كان كذلك، فلم كان استكشاف أن ليس مراد المنشأ المبادلة الحقيقية مستلزما للبطلان؟! و لعل مراده مثلا هو الهبة أو غير ذلك من العقود الغير المعاوضية، بخلاف ما لو قلنا: إن هذا الكلام إنشاء لعقد مجازي، فيكون باطلا لذلك.

قوله (قدّس سرّه): أو على تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكية المبيع. إلى آخره.

قد يقال: إنه إذا كان ينزل البائع غيره منزلة نفسه في المالكية، فكان يقتضي صدق المعاوضة الحقيقية، كما في الفضولي، و ما الفرق بين التنزيل في الفضولي، فتتحقق به المعاوضة الحقيقية، و بين التنزيل هنا، فيكون ناقضا للمعاوضة الحقيقية؟! قلنا: إن الفرق واضح، فإن الفضولي لما لم يكن مالكا و هو المنشأ، فبدون‌

104

التنزيل لم يتحقق المعاوضة الحقيقية، لأنه تملكه للبدل، مع ان المبدل لم يكن مالكا له، لم تتحقق به المعاوضة الحقيقية، إذ لم يكن أحد البدلين في موضوع الآخر، و اما إذا نزل نفسه منزلة المالك فيكون في المبدل مدعيا، و منزّلا نفسه منزلة المالك، و أما في نفس المبادلة و المعاوضة فلم يكن ادعاء، و هذا يكون نظير المجاز الإسنادي على رأي السكاكي، فإنه في الإسناد لم يكن مجاز، و أن الادعاء في طرف الإسناد.

و هذا بخلاف المالك، فإنه على عكس الفضولي، فإن المفروض أنه مالك للمبدل، فإذا باعه عن نفسه تحصل المعاوضة حقيقة، إذ لا ادعاء لا في المبادلة، و لا في طرفها، و أما إذا باعه عن غيره بتنزيله منزلة نفسه، فيكون نظير الفضولي لو باع مال غيره بدون التنزيل، من عدم تحقق المعاوضة الحقيقية، لأنه لم يضع البدل في محل المبدل، لأن المفروض أن المبدل لغيره بحسب التنزيل و هو البائع.

فاتضح أن التنزيل في الفضولي محقق للمعاوضة الحقيقية بعد أن لم تكن، و التنزيل في المقام مبطل لها بعد أن كانت.

و حينئذ يحكم ببطلان هذه المعاملة، لعدم قصد المعاوضة الحقيقية، و لا يصححها إجازة الغير، كما في الفضولي، ضرورة أنه لم يكن مالكا، فأي معنى لإجازته.

قوله (قدّس سرّه): الأقوى هو الأول عملا بظاهر الكلام. إلى آخره.

ليس المقصود من كون الشخص موجبا أو قابلا، إلا أنه هو الملتزم بالعقد، و المنشئ له الموجد لمضمونه، و لذا إن الموكل لا يكون ملتزما بالعقد، فلا يرجع عليه الطرف الآخر، و إنما يرجع على من عقد معه المعاملة، فليس من الموكل التزام أصلا في ما وكل به الذي يعقده الوكيل.

نعم هو ملتزم للوكيل بعقد الوكالة، فيرجع اليه نفس الوكيل، لا أنه ملتزم‌