حاشية المظفر على المكاسب - ج1

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
218 /
105

للطرف الآخر، فالموجب في البيع حقيقة إنما هو البائع المنشئ للبيع، و القابل هو المشتري المنشئ للقبول، سواء كانا أصيلين أم وكيلين أم فضوليين، فالبائع إنما يخاطب المشتري حيث كان هو الملتزم بالعقد، و كذلك المشتري إنما يخاطب البائع حيث إنه هو العاقد الملتزم، فلا وجه للقول: بأن المراد من الضمير في قوله:

«بعتك» هو الأعم من كونه مالكا حقيقيا أو جعليا، بل الضمير في كلا المقامين بمفاد واحد، و هو الملتزم بالعقد، و الاحتياج إلى الملكية الجعلية و التنزيل إنما هو لتصحيح المعاوضة الحقيقية، و لتصحيح كونه عاقدا و ملتزما، و بهذا التنزيل يكون عاقدا حقيقة، لا أنّه منزل منزلة العاقد.

و على هذا، فإذا كان المقصود من المعاملة مجرد المعاوضة بين المالية بين شيئين لتحصيل النفع المالي بلا غرض آخر، و تعيين من يلتزم بالمعاملة لتحصيل هذا الغرض، فلا حاجة إلى تعيين المالك الأحد الطرفين إلى الآخر، إذ لا غرض للمعامل في تعيين من هو المالك، بل الذي يهمه هو النفع المالي و تعيين من هو الملتزم، فلا يعتبر تعيين المالك للطرف الآخر.

نعم لا بد من تعيين الملتزم الذي هو الموجب أو القابل في هذه المعاملة، و بهذا تظهر المسامحة في عنوان المسألة الذي عنونه المصنف و هو قوله: «و أما تعيين الموجب لخصوص المشتري، و القابل لخصوص البائع» فإنه لا إشكال باعتبار تعيين من هو الموجب و القابل اللذان همان عبارة عن الملتزمين بالعقد، بل كان حق العبارة أن يقال: «و أما تعيين مالك المبيع للمشتري، و مالك الثمن للبائع».

و الحق عدم اعتباره في البيع، لا في الإجارة و أمثالها. و أما إذا كان المقصود من المعاملة هو تعيين نفس الشخص الذي ترجع له المعاملة حقيقة، لا مطلق كونه ملتزما و عاقدا، كما في الهبة و الوكالة و الوصية و الوقف الخاص، و أمثال ذلك، فإن‌

106

الواهب ليس غرضه صرف هبة ماله إلى أخر أيّ كان، بل إنما يهب ماله لعود النفع إلى الموهوب، أو لغرض من الأغراض يتعلق بشخص معين، و كذا الموكل ليس غرضه صرف التوكيل لأيّ كان.

و الواقف ليس غرضه صرف الوقف، و الوصي صرف الوصية، بل الغرض توكيل شخص معين يعتمد عليه، و وقف المال على معين يريد نفعه لغرض، و وصية من يحفظ له ماله، و هكذا.

فحينئذ لا بد من تعيين ذلك الشخص، فلا يكفي تعيين نفس القابل، سواء كان عن نفسه أم عن غيره، بل لا بد من معرفة ذلك.

فتحصل أنه في البيع و الإجارة، بل في جميع عقود المعاوضة إنما يلزم تعيين الملتزم بالعقد، و الموجب و القابل، أما المالك، و الذي ترجع إليه المبادلة حقيقة فلا.

و أما في باقي العقود فلا يلزم تعيين من يرجع إليه العقد حقيقة، و أما مثل عقد النكاح فأمره واضح لما تقدم من ان قوام عقد النكاح، بالطرفين اللذين هما الزوج و الزوجة.

و يمكن أن يقال: إنه في العقود غير عقود المعاوضة ما عدا عقد النكاح، إنما يلزم تعيين القابل دون الموجب خصوصا، مثل: الهبة، و الوقف الخاص، و أمثال ذلك، إذ لا غرض للقابل في تعيين من هو المالك للموهوب و الموقوف، فلاحظ و تدبر.

و بهذا التقرير يتضح ما في كلام الشيخ (قدّس سرّه).

قوله (قدّس سرّه): و لا ينافي ذلك عدم سماع. إلى آخره.

وجه عدم المنافاة أنه و إن كان المطلق الذي يراد منه أحد أفراده في الواقع، دعوى أحد أفراده لا تكون كسائر الدعاوي تحتاج إلى البينة، حيث إن المطلق‌

107

على إطلاقه لم يكن مرادا قطعا، و أصالة عدم إرادة هذا الفرد معارضة بأصالة عدم إرادة الفرد الآخر، أو أن هذا لا يعرف إلا من قبله، فلا بد من سمع قوله، إلا أن ذلك إن لم يكن ظاهرا في أحد أفراده بحيث يحتاج إرادة غيره إلى القرينة، و إلا فالفرد المحتاج إلى القرينة بنفي بالأصل، دون الفرد الذي يكون المطلق ظاهرا فيه، فلا يعارض هذا الأصل أصالة عدم هذا الفرد، لعدم جريانها، لمكان ظهور المطلق، إذ يكون هو كالقدر المتيقن في الإرادة و لا يرفع اليد عنه إلا لصارف، كما أنه مما لا يعرف إلا من قبله، بل يعرف من ظهور الكلام، و هنا لا إشكال أن الموجب أو القابل ظاهر في كونه أصيلا، و إن كان المخاطب أعم من ذلك.

و لكن الإنصاف أنه إذا علم أن المخاطب (بالكسر) إنما خاطبه بما هو أعم من كونه أصيلا، و الفرض عدم الحاجة إلى التعيين، فلا يعتد بهذا الظهور.

و كيف يكون هذا الظهور حجة للمخاطب على المخاطب (بالفتح)، مع كون المخاطب لم يقصده بالخطاب بما أنه أصيل، بل بما هو أعم من ذلك، فلا بد أن يكون المخاطب هو المرجع في تعيين كونه وكيلا أو أصيلا، فلا يعلم ذلك إلا من قبله، فلا بد أن يكون القول قوله، مع أنه مسلم أنه لا يسمع منه ذلك بمجرد دعواه، و هذا بخلاف ما ذكرناه سابقا، و أوضحناه من أن الموجب أو القابل هو الملتزم بالعقد، لا من جهة قصد المخاطب على سبيل الإطلاق، بل إنما المقصود شخص المخاطب على أي حال، و أنه هو الملتزم بالعقد لا غيره.

أما أنه أصيل أو وكيل فذلك راجع إليه، و لا يتعلق بالمخاطب أصلا، و كونه ملتزما عن غيره هذا أمر يحتاج إلى مؤنة زائدة، بخلاف كونه ملتزما عن نفسه، فإنه بنفس كونه ملتزما هو ملتزم عن نفسه لا يحتاج إلى بيان، كما تقدم في مسألة بيع الكلي في الذمة، فإن ذمة نفسه لا تحتاج إلى التعيين، فإنه بنفس كونه موجبا أو قابلا هو تعيين لنفسه، فإنه ليس شي‌ء أظهر من استناد فعل الفاعل إلى نفسه إلا‌

108

بصارف يصرفه عن نفسه.

فتحصل أن رجوع الالتزام إلى نفسه هو بنفس التزامه، بخلاف رجوعه إلى غيره، فلا محالة لو ادعى انه لغيره مع عدم الصارف لا يسمع منه ذلك، و المفروض أن المخاطب لم يقصده بما هو أعم، بل إنما قصده بنفسه، و أنه هو الملتزم حقيقة، و هذه هي نقطة الإشكال في حجية ظهور أنه لنفسه، فمع قصد الأعمية لا يمكن أن يكون للقاصد حجة بخلاف ما قلناه، فإن المفروض أنه لم يقصده إلا بنفسه، و بما أنه هو الملتزم.

109

في شرطية الاختيار

قوله (قدّس سرّه): لا الاختيار في مقابل الجبر. إلى آخره.

قد تقدم أن للقصد مراتب ثلاثة:

الأولى: قصد اللفظ، و يقابله النائم و الساهي.

و الثانية: قصد إيجاد المعنى باللفظ، و يقابله الهازل و أمثاله.

و الثالثة: قصد وقوع المعنى المنشأ المقصود إيجاده باللفظ في الخارج، بمعنى أن الغرض منه و الداعي له هو تحققه في الخارج، و يقابله المكره، فإنه لم يكن الداعي له لإنشاء المعنى باللفظ و إيجاده به هو تحققه في الخارج، بل الداعي له شي‌ء آخر، كدفع الضرر و غير ذلك، كما سيأتي، فإن إيجاد المعنى باللفظ، تارة يكون لصرف تحقق المنشأ من الخارج، و أخرى يكون لشي‌ء آخر مع كون قصد إيجاد المنشأ باختياره و إرادته و قصده محفوظا، و الا فلو كان قصد إيجاده ليس باختياره، لم يكن ذلك إراديا له، بل لم يكن في الحقيقة قاصدا لإيجاد المعنى باللفظ، و هذا يرجع إلى فقد القصد الذي تقدم البحث فيه في المسألة السابقة، و لا يدخل في مسألتنا، فإنه بذلك يخرج عن كون العقد عقدا، لما عرفت من أن قصد إيجاد المعنى مقوّم لعقدية العقد، و إنما الكلام في مسألتنا يرجع إلى اعتبار قيد زائد بعد تحقق مفهوم العقد، و لهذا احتيج إلى قيام الأدلة الشرعية على ذلك بخلاف‌

110

الأول، فإنه مجرد عدم تحقق مفهوم العقد كاف في بطلانه بلا حاجة الى دليل شرعي، و هل فوق عدم وجود الشي‌ء بطلان له حتى يحتاج إلى الدليل؟!، بل في الحقيقة لا يعقل الإكراه على القصد و الرضا بمعنى إجباره عليه، فإنه أمر نفساني ليس باختيار القاصد حتى يفرض الإجبار عليه، فلا معنى للإكراه، إلا أنه يوجد البيع مثلا لغرض دفع الضرر من الوعيد و التهديد المتعقبين بالمعاقبة، فيكون الداعي له غير داعي إيجاد المنشأ في الخارج و تحققه.

فتحصل أنه لا يتصور معنى للإكراه غير هذا المعنى، فلا حاجة للاستدلال عليه بالاستظهار من كلمات القوم و استدلالاتهم في غضون بعض المسائل، كما صنع المصنف، كما سيأتي.

قوله (قدّس سرّه): و ظاهره و إن كان رفع المؤاخذة. إلى آخره.

قد ذكرنا في الأصول (1): أن الرفع تارة يراد منه الرفع التكويني، و أخرى الرفع التشريعي، و إنما يحتاج إلى تقدير رفع المؤاخذة حيث يراد الرفع التكويني، إذ لا يعقل رفع ما اضطروا، و ما لا يعلمون، و أمثال ذلك تكوينا من الشارع بما أنه مشرع، فلذلك بدلالة الاقتضاء نلتزم بأن المرفوع هو شي‌ء آخر لا بد من تقديره، و هي جميع الآثار، أو خصوص المؤاخذة.

و قد استظهر شيخنا العلامة المصنف في رسائله و في مواضع متعددة من هذا الكتاب أن المرفوع هو المؤاخذة، و لكن حمل الرفع على الرفع التكويني بلا ملزم، مع أنه إنما يرفعها- هذه الأمور- بما أنه مشرع، فحمل الرفع على الرفع التشريعي هو الأنسب إن لم يكن هو المتعين، و معه يكون المرفوع هو نفس هذه المذكورات في الحديث، إذ لا شبهة في صحة رفعها تشريعا، فلا حاجة إلى تقدير، لسقوط دلالة الاقتضاء كما هو واضح، و مع إرادة رفع أنفسها لا بد أن يكون باعتبار رفع‌

____________

(1) الظاهر أن ذلك في كتابات و أبحاث له (قدّس سرّه) لا زالت مخطوطة.

111

جميع آثارها، أو آثارها الظاهرة. و قد ذكرناه مفصلا في الأصول.

و من الغريب ان الشيخ (قدّس سرّه) فر من تقدير جميع الآثار، و ادّعى ظهورها في رفع المؤاخذة، ثم حمل المؤاخذة هنا على المعنى الأعم من المؤاخذة الدنيوية و الأخروية.

وجه الغرابة: أنه على تقدير دلالة الاقتضاء، فالمراد من تقدير الآثار أو خصوص المؤاخذة ليس هو تقدير لفظها، بل الغرض ان اسناد الرفع إليها يكون مجازيا، و المحصص للمجازية و الإسناد هو أن المرفوع حقيقة هو جميع الآثار أو خصوص المؤاخذة، كما في قولهم «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» فإنه ليس في اللفظ تقدير الأهل، و إنما الاسناد اللفظي حقيقة إلى نفس القرية، و لهذا كان مجازا في الإسناد، و لكن لما كان نسبة السؤال إلى القرية لا يصح، فبدلالة الاقتضاء يدل أن المسند إليه واقعا هو الأهل، و إلا لو كان المقدر هو الأهل في اللفظ لما كان الإسناد مجازيا، بل كان حقيقيا كسائر الكلام، و التقدير لا يقتضي المجازية، لما ذكروا من أن المقدر في قوة الموجود.

و إذا كان الرفع ظاهرا في رفع المؤاخذة لا بد أن لا يراد رفع لفظ المؤاخذة، حتى أنه تارة يقال: إن المراد منها المؤاخذة الأخروية، و أخرى الأعم، بل لا بد أن يراد مفهوم المؤاخذة مع قطع النظر عن خصوص اللفظ، و هذا أمر واقعي أجنبي عن الاستظهار من اللفظ بتاتا.

فإن كان الظاهر هو رفع المؤاخذة الأخروية، فلا معنى لتعميمها للدنيوية، و إن كان الظاهر هو المؤاخذة بالمعنى الأعم فهو عبارة أخرى عن جميع الآثار، و هما بمعنى واحد سواء قدرت لفظ المؤاخذة بالمعنى الأعم أو ما يؤدي مؤداها، فيكون هذا المفهوم بما هو مع قطع النظر عن خصوصية لفظ هو الظاهر، و هو المرفوع حقيقة و واقعا، أي كان الإسناد إليه في الواقع أولاد و بالذات، فالقول بأنها‌

112

ظاهرة في خصوص المؤاخذة، لا جميع الآثار، ثم تعميم المؤاخذة للدنيوية، هذا تهافت غريب، لا ينبغي أن يصدر من مثل الشيخ (قدّس سرّه)! ثم إنه قد يشكل في تعميم الرفع لجميع الآثار حتى الآثار الوضعية في المعاملات، بأن الرفع لهذه الأمور في الحديث على نسق واحد، مع أن البيع و الإجارة و أمثالها من المعاملات لو اضطر إليها، لا شبهة بعدم رفعها بالضرورة من الدين، فإنه لا قائل: بأن من اضطر إلى بيع شي‌ء مثلا لدين أو غيره من سائر الحوائج أن بيعه غير صحيح، و أنه مرفوع لمكان الاضطرار إليه، فلا بد أن يكون رفع هذه بالنظر إلى جميع الآثار حتى الوضعية لاتحاد السياق.

و لكن المتأمل يرى أن هذا الإشكال كسراب بقيعة، ضرورة أن الحديث ظاهر أن رفع هذه الأمور لمكان المنّة و التوسعة على أمة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)، و رفع ما اضطر إليه في المعاملات خلاف المنة، و تضييق على العباد، فلا يعقل شمول مثل ذلك الحديث الرفع، بخلاف ما أكرهوا عليه في المعاملات، فإن في رفعه تمام المنّة على المكره و التوسعة عليه، فتدبر جيدا، فإنه حقيق به.

قوله (قدّس سرّه): إلا أن مجرد الاستشهاد. إلى آخره.

لا يخفى أنه إذا ورد الخبر تقية، و كان فيه تطبيق لكبرى على صغرى و لم يكن في نفس الكبرى تقية، لمكان الاتفاق عليها عند الجميع، فكما يمكن أن تكون التقية في نفس الصغرى، و يكون تطبيق الكبرى صحيحا، كذلك يمكن أن يكون في نفس التطبيق تقية أيضا، و هنا كما تكون التقية في نفس دعوى أن الحلف بالطلاق صحيحا، كذلك يمكن أن يكون في التطبيق و الاستشهاد أيضا تقية، فلا دلالة في هذه الرواية على عموم حديث الرفع لجميع الآثار واقعا.

و لكن يجاب عنه: أنه ليس في الصغرى تقية، و هي فساد الحلف بإطلاق في مقام الإكراه، و إنما التقية في لازم ذلك، حيث إن جواب الإمام (عليه السّلام) بفساد هذا‌

113

الحلف بالطلاق، لمكان الإكراه- مع أنه كان الواجب أن يجيبه بفساد مطلق هذا الحلف بالطلاق، لمكان عدم مشروعيته من أصله في الواقع- يدل على التقية في هذا العدول، فتكون التقية في عدول الامام عن تعليل فساد هذا الحلف بعدم المشروعية من أصله إلى الإكراه.

أما نفس أن المكره مرفوع عنه ما اكره عليه لمكان الحديث، فليس فيه تقية من هذه الجهة، و لا حاجة للإمام حينئذ لو أراد التقية إلى هذا التطبيق، إلا أن يكون هناك تقية أخرى في نفس الكبير، و هي تعميم الحديث، و لكنه لم يعلم ذلك و خلاف الفرض، فإن الفرض أن التقية في دعوى مشروعية الحلف بالطلاق ليس إلا.

فتسرية التقية إلى الاستشهاد تحتاج إلى مؤنة زائدة، و خلاف الظاهر، و من المعلوم أن مقتضى الأصل حمل كلام المتكلم على ظاهره، إلا مع العلم بالمخالفة أو ما يقوم مقام العلم، و ليس هنا في نفس الاستشهاد، فلا إشكال في التمسك بهذا الاستشهاد في إثبات التعميم الجميع الآثار في حديث الرفع، فتدبر.

114

في الإكراه

قوله (قدّس سرّه): و من هنا يعلم أنه لو أكره على بيع مال. إلى آخره.

فإن الإكراه إنما يترتب أثره إذا كان ما اكره عليه معتبرا في صدوره الرضا بوقوعه في الخارجي، الذي هو عبارة عن حفظ المرتبة الثالثة، و أما إذا كان الشي‌ء المكره عليه قد أسقط الشارع رضاه في نفسه مع قطع النظر عن الإكراه، كأداء الدين و أمثاله، فلا يعقل أن يكون الإكراه رافعا لأثره، فإن الإكراه- كما تقدم- ليس رافعا إلا للمرتبة الثالثة، و هي عبارة عن طيب النفس بوقوع الشي‌ء المكره عليه في الخارج، و إذا كان طيب النفس، قد أسقط الشارع اعتباره في نفسه، فلا يكون الإكراه رافعا لشي‌ء معتبر، حتى يبطل ما اكره عليه و يرتفع أثره.

فهنا حيث اكره على بيع ماله، أو إيفاء مال مستحق لا يكون للإكراه أثر بالنسبة إلى الإيفاء، فلا يكون للإكراه على القدر المشترك بما هو أثر، و لا إكراه على خصوصية بيع ماله، فإذا اختار بيع ماله، فلا بد أن يكون عن طيب نفس منه، لعدم الإكراه على الخصوصية.

قوله (قدّس سرّه): ثم إن إكراه أحد الشخصين على فعل واحد. إلى آخره.

لا يخفى أن إكراه أحد الشخصين، تارة يكون على فعل واحد، و أخرى على فعلين، بمعنى أن كل واحد منهما مكره على فعل غير الفعل الذي أكره عليه‌

115

الآخر كفاية، و كلام المصنف (قدّس سرّه) إنما هو في الأول، و إنما يتصور ذلك في مثل الوكيل و الموكل، أو الأولياء على شخص واحد، كالأب و الجد بالنسبة إلى الابن، و لا شبهة أنه يتحقق بذلك الإكراه لو فعل كل منهما لأنه يكون بمنزلة الواجب الكفائي، و يعاقب كل منهما لو تركاه معا، بل هو أشد من ذلك، لأن نسبة المال إليهما بنسبة واحدة.

نعم لو فرض أن الوكيل كان عالما برضا الموكل لم يصدق عليه الإكراه، لسقوط رضاه حينئذ، بل و كذا لو علم أحد الوليين رضا الآخر، فسبقه، و أما لو.

كان عالما بأن الموكل أو الولي الآخر غير راض، و لكن يعلم أنه يفعل هذا المكره عليه، فلو سبقه الفعل، فلا إشكال في صدق الإكراه عليه، لأن نسبة المال إليهما بنسبة واحدة، (1) فعلمه بأن الآخر يفعله لا يرفع كونه مكرها عليه، و لا يستلزم صدوره عن طيب نفسه.

هذا كله إذا كان أكرها كفاية على شي‌ء واحد، و أما لو أكره كل منهما على فعل مستقل كفاية، فإن علم كل منهما أن الآخر لا يفعله، فلا إشكال بصدق الإكراه على السابق لما سبق من أنه يكون كالواجب الكفائي.

و أما لو علم أحدهما دون الآخر، بأن الآخر يفعله، فسبق إلى الفعل، أو علم كل منهما بأن الآخر يفعله فسبق أحدهما، فالظاهر عدم صدق الإكراه، لأنه مع علمه بأن الآخر يفعله لا يكون متوقعا لترتب الضرر عليه لو تركه، لأنه إنما يتركه إلى بدل باعتقاده، و معه لا يترتب الضرر المتوعد به باعتقاده، فإذا سبق إلى الفعل لا يكون إلا عن طيب نفس منه، و إلا كان له المندوحة عن فعله.

و أما لو فعلا معا، ففي الصورة الأولى، يبطل فعل كل منهما بلا شبهه، لعدم صدوره عن طيب نفس من كل منهما، و في الصورة الثانية يبطل فعل من لم يكن‌

____________

(1) كتب المصنف (رحمه اللّٰه) في الهامش: «فيكونان كش.» و باقي الكلام غير واضح.

116

عالما بأن الآخر يفعله، و لا يبطل فعل الثاني، و في الصورة الثالثة لا يبطل فعل كل منهما لارتفاع أثر الإكراه بالنسبة إلى كل منهما، لصدوره عن طيب نفس منه، فيكون الإكراه بمنزلة العدم، و لكن تأمل الأستاذ دام ظله في مجلس، البحث، و تردد في الحكم في هذه الصورة، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و اعلم أن الإكراه قد يتعلق بالملك و العاقد. إلى آخره.

صور الإكراه بالنسبة إلى المكره تتصور على أربعة:

فإنه إما أن يكون المالك هو العاقد أو غيره، فإن كان الأول، بأن يكر، المالك على بيع ماله بنفسه، و محل الكلام أولا إنما كان في هذه الصورة، و إن كان الثاني، فإما أن يكون الإكراه على المالك و العاقد، أو على المالك دون العاقد، أو على العاقد دون المالك، فالصورة الأولى كإكراه الوكيل المطلق و الموكل على أن يبيع الوكيل، و لا إشكال بصدق الإكراه لو فعل الوكيل، و من هذه (1) الصورة لو أكره المالك على التوكيل، و اكره العاقد على قبول الوكالة و البيع.

و أما الصورة الثانية: و هو ما لو اكره المالك دون العاقد، فهي على قسمين:

فإنه تارة يكره المالك على التوكيل، و أخرى يكره على أن يحمل وكيله المطلق على البيع، و لا إشكال في صدق الإكراه في كل من القسمين و يبطل البيع، أما في الأول فلبطلان عقد الوكالة بذلك، فيكون العاقد فضوليا يتوقف على الإجازة، و سيأتي الكلام فيه.

و أما في الثاني فلأن رضا الوكيل من رضا الموكل، سواء علم الوكيل بالإكراه أم لم يعلم، و إن كان الحكم في صورة الجهل أوضح.

ثم لو رضي بعد ذلك المالك، ففي الصورة الأولى، تارة يكون رضاه بنفس الفعل الصادر، فيكون أجاز لنفس فعل العاقد، فإن كان ذلك الفعل مما تناله‌

____________

(1) في الأصل: هذا.

117

الإجازة و تصححه كعقود المعاوضات، فيكون ذلك العقد صحيحا، و إن كان من الإيقاعات، فلا بد أن يقع باطلا بناء على القول بأن الإجازة لا تصحح الإيقاعات الصادرة، و أخرى يكون رضاه بنفس عقد التوكيل، فيكون إذنا بالفعل من حين الرضا، و أما قبل ذلك فقد صدر الفعل بلا إذن و قد وقع باطلا، فلا تنفع الإذن المتأخرة.

نعم لو قلنا: بأن البحث في مسألة الفضولي من أن الإجازة ناقلة أو كاشفة جار في العقود الإذنية، و قلنا: إن هذا الرضا إجازة لعقد الوكالة، و اخترنا أن الإجازة كاشفة، يقع عقد الوكالة من أول الأمر صحيحا، فيترتب عليه صحة فعل الوكيل، و لكن جريان ذلك محل تأمل جدا، سيأتي الكلام فيه، إذا وفق اللّٰه تعالى، نسأله التوفيق و العافية و التسهيل، إنه خير مسؤول.

و في الصورة الثانية: و هي ما إذا كان الإكراه على أن يحمل المالك وكيله المطلق على العقد، فلو رضي المالك بعد ذلك بالعقد يكون كالإجازة للفضولي بلا شبهة، و يصح العقد إذا كان مما تنفع فيه الإجازة.

و أما الصورة الثالثة: و هي ما إذا كان المكره العاقد دون المالك، فهي على قسمين أيضا: فإنه إما أن يكون المالك هو الذي أكره العاقد، و إما أن يكون غيره، و كلام المصنف (قدّس سرّه) في القسم الأول و قد اختار (قدّس سرّه) أنه لا أثر للإكراه، و يقع العقد صحيحا.

و هو حق لوجهين:

الأول: إن الملك لما كان راجعا إلى المالك، فلا يكون رضا العاقد معتبرا في صحة العقد حتى يكون الإكراه رافعا له، و هذا يكون نظير إكراه المفلس على بيع ماله لوفاء دينه.

و الثاني: إن حديث الرفع لا يكون شاملا لهذا المورد، لأنه إنما يكون شاملا‌

118

لما في رفعه منة، و ليس في رفع أثر الإكراه عن هذا العقد منة على العاقد، و لا على المالك.

أما على المالك فلفرض أنه هو الذي أكره العاقد على العقد، بل يكون رفعه خلاف المنة.

و أما على العاقد، فلأن ذلك لا يعود إليه لا ضره و لا نفعه، فأي منة عليه في رفع الإكراه؟! أما القسم الثاني: فيكون العاقد كالفضولي يتوقف صحة عقده على إجازة المالك، و أما مجرد رضاه بذلك لا يكون إجازة، لأن المفقود في الفضولي أمران:

الأول: استناد العقد إلى المالك و قصد إنشائه باللفظ من المالك.

و الثاني: رضاه بوقوع العقد، و بعبارة أخرى: إن القصد في الفضولي مفقود بمرتبته الثانية و الثالثة، و مجرد الرضا إنما يكون حافظا لمرتبته الثالثة، و الإجازة هي التي تصحح استناد العقد إلى المالك، فلا يكفي مجرد الرضا.

و من هنا يظهر أن تصحيح العقد في القسم الأول لا يكفي فيه أن الرضا لا يعتبر من العاقد، فلا يرفعه الإكراه، كما في الوجه الأول، أو أن عقده غير مشمول لحديث الرفع، كما في الوجه الثاني، بل لا بد من تصحيح استناده إلى المالك الذي أكره العاقد، و مجرد رضاه لا يكفي في الاستناد إليه، كما تقدم، و تصحيح استناده إليه منحصر في تصحيح عقد الوكالة منه إلى العاقد الذي كان إكراهه على العقد توكيلا إكراهيا منه في الحقيقة.

و الحاصل: أن إكراه المالك للعاقد على العقد هو في الحقيقة توكيل على هذا العقد منه و إكراه على قبول الوكالة، فإن صححنا عقد الوكالة الذي كان إكراهيا، فالعقد الصادر من العاقد لا يحتاج تصحيحه إلى مؤنة زائدة، بل ينحصر في تصحيح الوكالة.

119

و الحق أن الوكالة و إن كانت إكراهية، إلا أنها غير مشمولة لحديث الرفع، لأنه ليس في رفعه منة على العاقد و لا على المالك، كما تقدم في الوجه الثاني، و هكذا ينبغي بيان الاستدلال بتصحيح الوكالة لا بتصحيح العقد من رأس، و بهذا يظهر ما في كلام المصنف (قدّس سرّه) من المسامحة.

و يظهر أيضا في التأييد ما في قوله أخيرا: و مما يؤيد ما ذكرناه حكم المشهور. إلى آخره.

فإن حكم المشهور بصحة بيع المكره بعد لحوق الرضا منه، إنما هو لمكان أن المالك المكره لم يفقد إلا المرتبة الثالثة من القصد و هي الرضا، و أما استناد العقد إليه و حفظ المرتبة الثانية، فهو من أول الأمر، لأن المفروض هو العاقد، و هو المالك، بخلاف ما لو كان العاقد المكره غير المالك، فإن المفقود فيه الاستناد إلى المالك دون الرضا، لأن المفروض أن العاقد غير المالك مع رضا المالك.

و الحاصل: أن المفقود في الأول هو الرضا دون الاستناد، و في الثاني الاستناد دون الرضا، فكيف يكون الحكم في الأول مؤيدا للحكم في الثاني؟!

في إكراه بيع عبد من عبدين

قوله (قدّس سرّه): فروع: و لو أكره على بيع واحد. إلى آخره.

الكلام في مخالفة فعل المكره لما اكره عليه، و هذا الفرع يشتمل على مسائل ثلاثة، فإن المخالفة إما أن تكون بالزيادة أو بالنقيصة، و على تقدير الزيادة فإما أن يكون الإكراه على واحد غير معين من اثنين و قد باعهما، أو واحد معين.

فالمسألة الأولى: ما كان الإكراه على واحد غير معين، و زاد في البيع المكره، كأن كان المكره عليه بيع أحد العبدين، فباع العبدين معا، و هذا تارة‌

120

يكون بين أحد الشيئين تلازم و لو بحسب العادة، بحيث كان الإكراه على الواحد الغير المعين إكراه على الجميع، كبيع أحد مصراعي الباب.

و أخرى لا يكون بينهما ذلك التلازم، كمثال العبدين.

فإن كان الأول، فالحق أنه لو باعهما معا يبطل البيع فيهما كما [هو] واضح، لأن المجموع في الحقيقة يكون مكرها عليه، و إن كان الثاني فالحق أنه لا يبطل البيع، كما قوّاه الشيخ المصنف (قدّس سرّه) لأنه خلاف المكره عليه.

بيان ذلك: إن إرادة بيع الواحد المعين في ضمن الجميع الذي كان مكرها عليه إرادة ضمنية تابعة للإرادة المطابقية، و بيع الجميع الذي هو مراد بالإرادة المطابقية لم يكن متعلقا للإكراه فلا بد أن يكون صادرا عن داع آخر غير امتثال المكره قطعا، و بذلك لا بد أن يكون عن اختياره و قدرته، فلا محالة تكون الإرادة الضمنية أيضا لا عن داع الإكراه، و إلا لما كانت الإرادة التضمنية تابعة للإرادة المطابقية.

و ببيان آخر: إن الإكراه على الواحد المعين في الحقيقة غير معقول، لاستحالة البعث نحو الغير المعين لا مفهوما و لا مصداقا، و الكلام فيه كالكلام في الواجب التخييري، بل المعقول في المقام و في الواجب التخييري أن المطلوب هو كل منهما لكن على نحو يجوز تركه إلى بدله، فكل من الشيئين مكره عليه، و لكن يجوز تركه إلى البدل، فكل من الشيئين مع ضمه إلى الآخر، متعلقا للإكراه، فلا محالة لا يصدر عن باعث الإكراه، بل لا بد أن يصدر عن داع آخر، و إلا فالإكراه لم يكن متعلقا إلا بأحدهما مع ترك الآخر، و هذا المعنى لم يفعله المكره لما باع العبدين (1) معا حتى يكون متعلقا للإكراه، فلم يقع شي‌ء منهما عن إكراه أبدا، و يصح البيع في الجميع.

____________

(1) في الأصل: العدلين.

121

و المسألة الثانية: ما كان الإكراه على واحد معين، فضم آخر إليه في البيع، و هذا أيضا تارة يكون بينهما تلازم، و أخرى لا يكون، و في الأول يبطل البيع في الجميع، و في الثاني يبطل المكره عليه المعين و يصح في الزائد، كما ذكره المصنف (قدّس سرّه)، و ذلك لأن هذا المعين كان متعلقا للإكراه بما هو و قد باعه كذلك، و اما الضميمة فلا يجعل ذلك عن داع آخر غير الإكراه، و لا يخرجه عن كونه متعلقا للإكراه، كما كان الأمر في غير المعين، كما أن المعين يمكن أن يقصد استقلالا لا تبعا، فلو كان المبنى في صحة البيع في المسألة الأولى هو الإرادة الضمنية، فلا يتمشى الكلام في المقام، لأن الواحد الغير المعين لا يمكن قصده استقلالا في ضمن الجميع، بخلاف المعين في نفسه فيمكن أن يكون بيعه للمكره عليه عن باعث الإكراه، و بيعه للضميمة عن داع آخر.

لكن الحق أن المبنى الأول في المسألة الأولى غير صحيح صغرويا كما أشرنا إليه، لاستحالة فرض الإكراه على الواحد الغير المعين، و إن أفاده الأستاذ دام ظله في مجلس البحث، و كيف كان فالمبنى الثاني في المسألة الأولى لا يتمشى هنا في المقام، لأن الواحد المعين كان متعلقا للإكراه بحده و قد باعه كذلك، فلا محالة يكون متعلقا للإكراه، سواء ضم إليه شي‌ء آخر أم لا.

و المسألة الثالثة: و هي ما لو باع بعض ما اكره عليه، و هو يتصور على وجهين: فإن المكروه عليه تارة مما لا يباع عادة إلا مرة واحدة، و كان الإكراه على بيعه مجموعا بما هو كذلك، و أخرى مما يصح أن يباع تدريجا بحسب العادة، و كان الإكراه مطلقا و لو على نحو التدريج، بحيث لو باعه تدريجا لحصل مقصود المكره- بالكسر- و اندفع الضرر.

فإن كان الأول فلو باع نصف ما أكرهه عليه، فلا إشكال لا يقع مصداقا للإكراه، لأنه لم يكره على البيع كذلك، و كذا لو باع النصف الثاني أيضا و هو‌

122

واضح.

و إن كان الثاني، فإن كان بيعه بقصد الامتثال للمكره على أن يبيع النصف الثاني، فلا ريب بوقوعه مكرها عليه، كما ذكره المصنف (قدّس سرّه)، و إن كان بيعه لرجاء رضا المكره بذلك و تخلية عن بيع النصف الآخر، فالظاهر أنه لا يقع مكرها عليه، خلافا لصريح الكتاب، بل لا بد أن يكون صادرا عن اختياره و إرادته، حيث إنه في الحقيقة يكون من قبيل التخلص عن الإكراه، لا وقوع في الإكراه، كما لو باع شيئا آخر لأجل رفع الإكراه عما أكره عليه.

توضيح ذلك: إن حقيقة ما يكون الشي‌ء واقعا في مصداق الإكراه أن يكون إرادة بيعه منبعثة عن نفس الإكراه بلا توسط و لا انضمام إلى داع آخر، أما لو كان إرادة البيع منبعثة عن داع غير داعي الإكراه، و لكن حدوث الداعي كان بسبب الإكراه، فإنه بتوسط الداعي الاختياري يخرج المراد عن كونه مكرها عليه، و كذا لو انضم داعي الإكراه إلى داع آخر بحيث لو انفرد كل منهما لما أثّر في الإرادة، فإنه مع عدم تمحض داعوية الإكراه لا يوجب صدق الإكراه عليه، و المقام من قبيل توسط الداعي الذي هو داعي التخلص عن بيع الجميع، و ليس هو نفس داعي الإكراه، و إن كان لولا الإكراه لما حصل هذا الداعي، فتأمل.

قوله (قدّس سرّه): مع احتمال الرجوع إليه في التعيين. إلى آخره.

لا يخفى أنه لو باع أحد العبدين بقصد وقوع البيع في الخارج، بأن كان عن رضاه و اختياره لا محالة يرتفع الإكراه لحصول غرض المكره، فلا مجال لبقاء الإكراه كالوجوب التخييري في التوصليات، فإنه لو فعل أحد فردي الواجب التخييري لا بقصد الامتثال لا محالة يسقط الوجوب، و لا يمكن أن يقع الفرد الثاني لو فعل مصداقا للوجوب، و حينئذ فلو باع العبد الثاني لا محالة يكون عن رضاه و اختياره لا عن داعي الإكراه، فيقع كل من البيعين صحيحا.

123

فلو ادعى العكس و أنه امتثل الإكراه ببيع العبد الثاني يكون اعترافا منه بصحة البيعين، لا أنه يرجع إليه في التعيين حتى يفسد البيع الثاني بدعواه.

نعم لو ادعى أن البيع الأول كان امتثالا للمكره و عن داعي الإكراه يسمع ذلك منه، فتدبر جيدا.

قوله (قدّس سرّه): و دعوى اعتبار مقارنة طيب النفس. إلى آخره.

لا يخفى أن اعتبار طيب النفس يتصور على أنحاء أربعة:

الأول: اعتباره و لو على نحو الشرطية في العقد، بمعنى أن العقد لا يكون مؤثرا إلا بطيب النفس مطلقا، و هذا لا إشكال باعتباره في الجملة، سواء كان طيب نفس العاقد، أو طيب نفس آخر غيره، كما في الوكيل و المكره بحق، و غير ذلك، و سواء كان مقارنا للعقد أو لا.

الثاني: اعتباره في العقد مقارنا له، فلا يكفي الرضا المتأخر، كما في الفضولي و المكره إذا رضي المالك، أو المكره بعد ذلك، و اعتباره على هذا النحو محل إشكال، لأن العقد بدون الرضا و طيب النفس لا يخرج عن كونه عقدا، لأن المفروض عدم اعتباره في تحقق مفهوم العقد، فالمطلقات مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) شاملة للخالي عن الرضا بتاتا أو المقارن، و الأدلة الدالة على بطلان العقد بدون الرضا- مثل حديث الرفع (3) و أمثاله (4) المقيدة للمطلقات، إنما المتيقن منها هو العقد المسلوب الرضا بتاتا، أما الملحوق بالرضا فمشكوك الدخول في المقيدات، فيتمسك بتلك المطلقات في إثبات صحته،

____________

(1) المائدة: 1.

(2) البقرة: 275.

(3) راجع الوسائل، كتاب الجهاد الباب 56 من أبواب جهاد النفس (مرجع مذكور).

(4) كقوله (عليه السّلام): «لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفسه»، و كقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ.

124

و إلى هذا يرجع كلام الشيخ المصنف (قدّس سرّه): «خالية عن الشاهد مدفوعة بالإطلاقات».

الثالث: اعتباره في تحقق مفهوم العقد، بحيث لا يكون العقد عقدا إلا بطيب النفس، و قد استضعف المصنف (قدّس سرّه) دعواه بأزيد من الدعوى الأولى، و هو حق، فإن العقد ليس إلا إيجاد المعنى باللفظ، و يتحقق هذا المعنى بقصد اللفظ، و قصد إيجاد المعنى باللفظ في مقابلة النائم في الأول و الهازل في الثاني، أما اعتبار الرضا بوقوعه في الخارج و طيب النفس بتحقق (1) مما يقطع بعدمه، لأن ذلك أمر خارج عن إيجاد المعنى باللفظ، لأنه ليس إيجاده باللفظ إلا استعمال اللفظ، و الاستعمال يتحقق بمجرد قصد المعنى، و إلا لما كان الكاذب في الإخبار أو الهازل مستعملا، مع أنه ضروري البطلان.

الرابع: اعتبار طيب نفس العاقد في تأثير العقد، بمعنى أنه لا يؤثر العقد أثره حقيقة إلا برضا نفس العاقد، بحيث يكون قصد العاقد لوقوعه في الخارج و طيب نفسه به جزء علة في التأثير واقعا كالعقد.

و بعبارة أخرى: تكون العلة المؤثرة في وقوع المعاملة تكوينا هو العقد مع طيب نفس العاقد، فمع فقده لا تتم علة التأثير، و معه فالرضا المتأخر لا يعقل معه تصحيح العقد، لاستحالة تأخر العلة عن المعلول أو جزء العلة الفاعلة لوجه من الوجوه، و إن ادعي جواز تأخر الشرط.

و هذا أضعف من الجميع كما أشار إليه المصنف (قدّس سرّه)، ضرورة ان الملكية و أمثالها من الأمور الاعتبارية يكفي في إيجادها إنشاؤها باللفظ الذي يتحقق بمجرد قصد إيجاد المعنى كما عرفت، غاية الأمر إن الشارع قد يعتبر أمرا زائدا على ذلك، مثل طيب النفس في بعض المقامات تسهيلا و منّة، كما في التسهيل‌

____________

(1) كذا.

125

و المنّة على المكره، و صيغة خاصة و أمثال ذلك، لا أن لطيب النفس تأثير حقيقي تكويني في إيجادها بالاعتبار، و إلا لكان المكره بحق لم يؤثر عقده حقيقة، لعدم العلة للتأثير، و إنما هو صرف تعبد من الشارع، بلا أن يحصل الأثر في الخارج، مع أنه لا قائل به، فإن المكره بحق عقده مؤثر حقيقة، و يحصل النقل و الانتقال لحصول قصد إيجاد المعنى باللفظ الكافي في التأثير، و المفروض لم يعتبر في الشارع شرطا زائدا.

قوله (قدّس سرّه): و يؤيد ذلك فحوى صحة عقد الفضولي. إلى آخره.

وجه الأولوية أن المفقود في العقد الفضولي أمران: استناده إلى المالك، و الرضا بوقوع مضمون العقد، و المفقود في المكره هو خصوص الأمر الثاني لفرض الاستناد إليه و أنه المنشئ للعقد، فإذا فرض صحة عقد الفضولي بالإجازة المتأخرة و الرضا المتأخر بالعقد- مع أن المفقود أمران- فصحة عقد المكره بالرضا المتأخر- مع أن المفقود أمر واحد- بالطريق الأولى.

و لكن قد يقال فيه: ان عقد الفضولي في نفسه له الصلاحية في التأثير، بلا [أن] يكون مانع في البين، و إنما لم يؤثر لنقصان سببيته باعتبار فقدانه للاستناد إلى المالك و رضاه به، فإذا انضم إليه ما نقص منه تم المؤثر فيؤثر أثره، بخلاف عقد المكره، فإن الشارع رفع تأثيره مع صلاحيته للتأثير، لا أنه نقص جزء من المؤثر، و الجزء الموجود باق على ما هو من الصلاحية، فإذا انضم إليه الجزء الآخر أثّر أثره، كما كان في العقد الفضولي، فيكون عقد المكره عدم تأثيره لوجود المانع الذي هو إلغاء الشارع له و عدم اعتباره، بخلاف عقد الفضولي، فإن عدم تأثيره لنقص في المؤثر، فلا يكون عقد المكره أولى من الفضولي، و إن كان المفقود في عقد المكره جهة واحدة و في الفضولي جهتان، فإنه بمجرد ذلك لا يكفي مع كون عقد المكره انما لم يؤثر لوجود المانع عن تأثيره.

126

اللهم إلا أن يقال: إنا (1) نستكشف من أدلة بطلان المكره هو اعتبار الرضا و طيب النفس في العقد على نحو الشرطية، فيكون فاقدا للشرط، فيكون ناقص التأثير، لا ان الشارع بالخصوص منع من عقد المكره، بحيث مع صلاحيته للتأثير ألغى الشارع تأثيره حتى يكون من قبيل المانع، فيكون على طبعه من صلاحيته للتأثير فعلا، و لكن فقده للرضا أوجب نقصان المؤثر لمكان اشتراطه بالرضا، فإذا انضم (2) اليه الرضا يؤثر أثره فتتجه الأولوية.

إلا أن الإنصاف أنه و إن سلم ذلك، لكن الاستناد في عقد المكره للمالك في الحقيقة كلا استناد، لمكان الإكراه، فيكون عقد المكره فاقدا للاستناد- لأن الاستناد إليه كلا استناد- و فاقدا للرضا، فلا يكون فرق بينه و بين عقد الفضولي من هذه الجهة، فلا تثبت الأولوية، و حمله على الفضولي يكون من باب القياس.

قوله (قدّس سرّه): أولا: إن المرفوع هي المؤاخذة. إلى آخره.

حاصله أنه حيث إن المرفوع في حديث الرفع (3) المؤاخذة الشاملة للمؤاخذة الدنيوية و الأخروية- كما تقدم- و مقتضى ذلك أن الذي يصح أن يكون مرفوعات في حديث الرفع هو ما كان عليه و ملزم به.

و أما الذي يكون له لا عليه، فذلك ضد المؤاخذة، فكيف يعقل شمول حديث الرفع له؟! و من المعلوم أن صحة ما اكره عليه برضاه بعد ذلك يكون له لا عليه، و يكون ضدا للمؤاخذة، فلا يكون مشمولا لحديث الرفع.

و لكن قد تقدم أيضا أن المرفوع ليس هو المؤاخذة بأي معنى من معانيها، لأن المراد من الرفع هو الرفع التشريعي لا التكويني، بل المرفوع هو نفس‌

____________

(1) في الأصل: ان.

(2) في الأصل: أنظم.

(3) الوسائل 15: 369، حديث 1 من الباب 56 من أبواب جهاد النفس. (مصدر مذكور).

127

الأحكام، إلا أنه لا بد أن يكون المرفوع ما فيه منّة على من رفع عنه.

و من المعلوم أن رفع أثر البيع المكره عليه إذا رضي بعد ذلك به يكون خلاف المنة، فلا يكون أيضا مشمولا لحديث الرفع على هذا المبنى، و على كل حال فالنتيجة واحدة.

قوله (قدّس سرّه): نعم قد يلزم الطرف الآخر. إلى آخره.

هذا استدراك من السابق، و هو رفع إلزام المكره بالبيع، فإن مقتضى عدم لزوم بيعه أن للمشتري أن يرجع المبيع إلى المكره و يفسخ، لسقوط اللزوم في البين، و نتيجة ذلك أن رضا المكره بعد ذلك لا أثر له في لزوم البيع، بعد أن كان المشتري له الفسخ و نقض البيع.

و حاصل الجواب: أن الإلزام المرفوع، إنما هو من طرف المكره دون الطرف الآخر إذ لا موجب في رفع إلزامه، فإن حديث الرفع إنما يرفع أثر ما أكره عليه من المؤاخذة، و هي ليس إلا لزوم البيع من طرف المكره، أما لزوم البيع من الطرف الآخر فليس من آثار الإكراه فلا يشمله حديث الرفع، و على مذاقنا فالجواب واضح، فإنه ليس في رفع إلزام الغير منة على المكره، مضافا إلى أن إلزام الغير ليس من آثار الإكراه و أحكامه حتى يكون مرفوعا، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و أما إلزامه بعد طول المدة باختيار البيع أو فسخه. إلى آخره.

بعد أن تقدم أن المشتري لم يرفع إلزامه بحديث الرفع، فليس له فسخ البيع، و المفروض أن البيع من طرف المكره غير ملزم، و نتيجته عدم جواز تصرف المشتري في المبيع، لعدم لزومه بعد من طرف البائع، فيكون ذلك ضررا على المشتري: إذا مضى عليه مدة طويلة لم يفسخ بها البائع و لم يمض البيع، فيكون مرفوعا عنه بمقتضى قاعدة الضرر و رفع ذلك بإلزام المكره بالفسخ، أو إمضاء‌

128

البيع بالرضا تقديما لحق المكره، فان امتنع فلا بد أن يقال: بأن للمشتري فسخ البيع، و أما إمضاؤه من قبله فمحل إشكال.

فاتضح أن إلزام المكره بذلك- أي الفسخ أو الرضا- ليس من آثار نفس ما أكره عليه حتى يكون مرفوعا بحديث الرفع، بل من نتائج شمول حديث الرفع لما اكره عليه، و من توابع حقه الثابت له بالإكراه المشمول للحديث، كما تقدم، فإنه لما كان مرفوعا عنه الإلزام مع عدم رفع الإلزام عن الغير، فمن حقوقه أن لا يتصرف الغير في المبيع، فبمضي المدة يتضرر المشتري، و تضرره إنما نشأ من ثبوت حق المكره بالحديث، و هو عدم جواز تصرف المشتري، و لازم التضرر إلزام المكره، فإلزامه لم يكن حاصلا من جهة صرف الإكراه، و من آثار نفس الإكراه، بل إنما جاء من ثبوت الحق له بحديث الرفع، حيث كان مكرها، فهو من آثار دلالة حديث الرفع.

و بذلك يتضح أنه لا يعقل رفع هذا الإلزام- و هو إلزامه باختيار البيع أو الفسخ- بحديث الرفع، لأنه إنما ثبت نتيجة شمول حديث الرفع لما اكره عليه، فكيف يعقل أن يكون مرفوعا به، و ما يثبت بالشي‌ء كيف يعقل رفعه به؟! و هذه من الضروريات التي قياساتها معها، فتدبر و افهم.

قوله (قدّس سرّه): ثم إن ما ذكرناه واضح على القول بكون الرضا ناقلا. إلى آخره.

أما وضوحه على تقدير كون الرضا ناقلا، فلأن المرفوع ليس إلا أثر نفس العقد الأول و ليس النقل به، و الرضا المتأخر غير مشمول لحديث الرفع، و به النقل.

و أما خفاؤه على تقدير الكشف، فلأن العقد لما كان مشمولا لحديث الرفع فهو غير ناقل، و لا موجب للزوم، فلا يعقل أن ينقلب عما هو عليه، و يكون‌

129

مؤثرا في اللزوم في ظرف كونه غير مشمول لحديث الرفع، و غير مؤثر في اللزوم، لأن المفروض ان الرضا ليس له التأثير في اللزوم، و إنما هو صرف كاشف عن العقد في ظرفه، و مرآة عن وقوع العقد.

و بعد التأمل يظهر الجواب، لأن القول في الكشف على وجوه: إما الكشف الحكمي و إما الكشف الحقيقي.

و الكشف الحقيقي إما أن يكون لأجل شرطية الرضا المتأخر للعقد على نحو الشرط المتأخر، و إما أن يكون لأجل شرطية التعقب بالرضا الذي هو عنوان مقارن للعقد، فيكون شرطا مقارنا، غاية الأمر يكون عنوانا ينتزع من لحوق الرضا المتأخر، كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّٰه في عقد الفضولي.

و إما أن يكون لأجل كشف الرضا حقيقة عن العقد و تأثيره، بلا أن يكون دخيلا، لا في نفس العقد على نحو الشرط المتأخر، و لا في اتصافه بالعنوان الانتزاعي المقارن، و هذا الوجه الأخير هو أردأ الوجوه في المسألة و أخس الأقوال، كما سيأتي إن شاء اللّٰه في الفضولي.

و الإشكال المتقدم إنما يتم بناء على هذا الوجه الأخير، حيث يكون في ظرف كونه مشمولا لحديث الرفع، فلا يؤثر اللزوم، [أو] غير مشمول لحديث الرفع، فيؤثر اللزوم، إذ لم تحدث خصوصية دخيلة تجعل ما كان مشمولا غير ما هو غير مشمول للحديث.

و أما بناء على أحد الوجوه الأخر الثلاثة فلا إشكال، كما هو واضح على تقدير الكشف الحكمي، لأن الكشف الحكمي حقيقته (1) النقل، فالتأثير حقيقة للرضا المتأخر.

و أما على الوجهين الآخرين، فلأن الرضا لما كان له دخل في الجملة،

____________

(1) في الأصل تكرار كلمة: (حقيقته).

130

فليس خروج العقد عن حديث الرفع بما هو مشمول له، بل لخصوصية منضمة إليه، و هي الرضا أو العنوان الانتزاعي، و هو التعقب بالرضا، و بما هو كذلك لم يكن مشمولا للحديث و غير مؤثر في اللزوم، و إنما كان مشمولا مع عدم هذه الخصوصية، فلا انقلاب كما هو واضح.

قوله (قدّس سرّه): و ثانيا إنه يدل. إلى آخره.

و حاصله: أن حديث الرفع كما تقدم إنما يرفع ما كان من آثار ما اكره عليه، و هو السببية التامة، أما الأثر الحاصل للإكراه بعد شمول الحديث كيف ان (1) يكون مرفوعا بالحديث، و هو ثابت بالحديث متأخر عنه، و من المعلوم أن جزئية العقد المكره عليه، و تأثيره بضميمة الرضا على القول به إنما هو نتيجة شمول حديث الرفع للعقد المكره عليه، لا من آثار نفس العقد المكره عليه، مع قطع النظر عن الإكراه و شمول الحديث حتى يعقل رفعه بالحديث، و هذا يكون نظير إلزام المكره باختيار البيع أو الفسخ، كما تقدم بيانه.

قوله (قدّس سرّه): لن يرد على هذا أن مقتضى. إلى آخره.

حاصله: أنه و إن كان الحديث لا يرفع جزئية العقد و تأثيره بضميمة الرضا المتأخر، إلا أنه حينئذ يبقى تأثيره مع الرضا المتأخر بلا دليل، و ذلك لأن حديث الرفع حاكم على الإطلاقات الدالة على السببية التامة للعقد، فيقيدها بما عدا الإكراه، لأنه يكون مفسرا لها، فلا تشمل حينئذ صورة الإكراه على كل حال، و تفسيره لها إنما هو بنحو يجعلها دالة على السببية التامة مع مقارنة الرضا، إذ هي بنفسها دالة على السببية التامة، فيفسر الحديث السببية التامة بالمقارنة مع الرضا.

و أما السببية الناقصة و التأثير مع الرضا المتأخر بأن يكون العقد سببا تاما كذلك لم تكن مشمولة للإطلاقات، لأنها دلت على ان العقد بنفسه سبب تام، فلا‌

____________

(1) كذا.

131

تشمل هذا العقد حينئذ، و بعد الحكومة و التفسير يكون نتيجتها سببيته التامة مع الرضا المتأخر، و الرضا في الفرض متأخر، و لم تكن أيضا هذه السببية مشمولة لحديث الرفع و مرفوعة به، فيبقى حينئذ تأثير العقد مع الرضا المتأخر بلا دليل، لا على الصحة و لا على الفساد، و مقتضاه الرجوع إلى الأصول، و لا شبهة أن الأصل في العقود الفساد.

و قد ترقّي المصنف بقوله (قدّس سرّه)، بل لو كان هنا ما يدل على صحة البيع بالمعنى الأعم من السببية المستقلة، كان دليل الاكتراء حاكما عليه مقيدا له، فلا ينفع انتهى. كما في بعض النسخ للكتاب.

و هو حق، لأن الحديث إنما يرفع أثر ما أكره عليه، فإن دل الدليل على السببية التامة للعقد فيرفع هذا الأثر، و إن دل على أعم من ذلك حتى السببية الناقصة فأيضا حديث الرفع يكون رافعا لها، فلا ينفع بعد ضميمة الرضا المتأخر.

إلا أنه حينئذ يكون حديث الرفع بنفسه دليلا على فساد عقد المكره لو تعقب بالرضا أيضا، بخلافه على الصورة الأولى، لأن الجزئية للعقد في السببية لم تكن على الصورة الأولى مشمولة للإطلاقات، فلا يكون الحديث رافعا لها، لأنه إنما يرفع الأثر الثابت للشي‌ء.

و أما في هذه الصورة فالمفروض أن هذا الأثر، و هو الجزئية في التأثير، و السببية ثابتة للعقد بمقتضى الإطلاقات، ففي الحقيقة أن الإيراد على هذه الصورة أشد منه على الصورة الأولى.

و لكنه هذا الكلام كله مبني على فرض غير واقع، لأن هذا إنما يتم إذا خلينا نحن و الإطلاقات و حديث الرفع بدون دليل آخر في البين، كما أن فرض ان هناك دليل دال على مطلق السببية حتى الناقصة فرض غير واقع.

فالتحقيق- كما أفاده (قدّس سرّه)- بقوله: اللهم إلا أن يقال. إلى آخره.

132

أن الإطلاقات بأنفسها إنما هي تفيد السببية المستقلة التامة للعقود، و لكن هناك أدلة أخرى غير حديث الرفع مقيدة للإطلاقات بالبيع الواقع عن رضا، سواء كان الرضا سابقا أو لا حقا، مثل قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1) و قوله (عليه السّلام): «لا يحل مال امرء إلا عن طيب نفسه» (2) و الإجماع، و حكم العقل بقبح أخذ مال الغير بدون رضاه، فتكون الإطلاقات بضميمة هذه المقيدات تدل على أن السبب التام للنقل هو العقد مع طيب النفس، و حينئذ ينظر حال حديث الرفع و حكومته على الإطلاقات، فنقول:

أن حديث الرفع إنما يكون حاكما على المطلقات مع مقيداتها لا عليها فقط، و ذلك في كل دليل حاكم، و بعبارة أخرى يكون حاكما على النتيجة التي تستفاد من الأدلة، لأنه ليس له نظر خاص إلى خصوص دليل، بل إنما ينظر إلى الأحكام الواقعية، و لو كانت مستفادة من مجموع الأدلة، و هذه النتيجة المستفادة من الإطلاقات مع مقيداتها لا يعقل أن يكون دليل الرفع حاكما عليها.

بيان ذلك: إن العقد إما أن يكون مكرها عليه أو غير مكره، بمعنى أنه وقع عن رضا من العاقد و إن كان مكرها عليه، فإما أن يتعقبه الرضا أو لا يتعقبه، فإن كان مكرها عليه بلا تعقب رضا أبدا فهو خارج عن الإطلاقات بضميمة المقيدات، فلا معنى لحكومة حديث الرفع، إذ لم يكن له أثر ثابت بالدليل حتى يرفعه الحديث.

و إن كان وقع عن رضا سابق، فلا يعقل أن يعرض عليه الإكراه حتى يشمله حديث الرفع، فهو خارج موضوعا.

____________

(1) النساء: 29.

(2) الوسائل 5: 120، حديث 1 و 3 من الباب 3 من أبواب مكان المصلي (باختلاف يسير) (مصدر مذكور).

133

و إن كان وقع عن إكراه ثم تعقبه الرضا الذي هو محل الكلام، فهذا المجموع المركب من العقد الإكراهي المتعقب بالرضا لم يكن إكراهيا حتى يكون مشمولا لحديث الرفع كالمقارن للرضا، فهو خارج موضوعا.

و أما نفس العقد الإكراهي فجزئيته للسبب ليس مما دلت عليه الأدلة، و إنما دلت- بضم المقيد إلى المطلق- أن العقد المنضم إلى الرضا سبب تام للتأثير، و لكن لازمه العقلي أن يكون العقد جزءا من السبب، و لكن لا يعقل أن يكون ذلك مرفوعا بحديث الرفع، أما أولا فلأنه أثر عقلي ليس بمجعول و لا ثابت بالدليل، و إنما هو لازم عقلي لمدلول الدليل، فلا يعقل الجعل حتى يكون مرفوعا، و أما ثانيا فعلى تقدير التسليم، فجزئيته إنما ثبتت له بوصف الإكراه، فكيف يعقل أن يكون مرفوعا بالإكراه؟! و لكن الإنصاف أن جزئيته ثبتت له لا من حيث إنه إكراهيا، كما أفاده الشيخ (قدّس سرّه): و ذلك لأن المفروض أن الأدلة بنتيجتها دلت على أن السبب التام هو العقد المرضي به مطلقا، سواء كان عن رضا سابق أو لاحق، فتثبت الجزئية للعقد مطلقا، سواء كان إكراهيا أو غير إكراهي، و لعله لذلك جعل (قدّس سرّه) لقوله: «لأن الإكراه مأخوذ فيه بالفرض» نسخة بدلا عنها، و هي قوله: «و هي تفيد الإشكال الأول».

قوله (قدّس سرّه): إلا أن يقال: إن أدلة الإكراه كما ترفع السببية. إلى آخره.

هذه العبارة مضروب عليها في بعض النسخ التي صححت- كما قيل- على ما صحح على نسخة الأصل، و الإنصاف يقتضي ذلك، لأنه قد تقدم أن حديث الرفع إنما يحكم على الأحكام الواقعية المستفادة، و لو من مجموع الأدلة، لا على دليل خاص، فهو غير رافع للسببية المستقلة المستفادة من الإطلاقات، لأن الإطلاقات لم تبق على إطلاقها، فهي حكم غير واقعي، و إنما هو ظاهري ساقط‌

134

بالمقيدات.

فالحديث غير رافع للسببية المستقلة، إذ لم تثبت حتى يقال: إن أدلة الإكراه كما ترفع السببية المستقلة فكذا.

و أما السببية الناقصة فهي ليست مدلولة للمطلقات حتى ترفع بالحديث، بل هي لازم عقلي للحكم بأن السبب التام هو العقد مع الرضا مطلقا المستفاد من مجموع الأدلة، فكيف يرفع بحديث الرفع كما تقدم؟! فالتحقيق في المقام الذي يليق أن يدوّن أن يقال: إنه قد عرفت أن حديث الرفع و كل دليل من قبيله مما يكون حاكما على أدلة الواقعيات كقاعدة الضرر إنما يرفع الحكم الثابت بأي دليل كان، سواء كان بدليل خاص واحد، أو بمجموع الأدلة، و ليس ناظرا إلى ظهور الأدلة بما هو ظهور الأدلة و لو لم تكن حجة، أو كانت معارضة بحجة أقوى بحيث أسقطتها عن الحجية.

فإذا فرضت أن هناك أدلة مطلقة مقيدة بأدلة أخرى، بحيث أسقطتها، عن حجيتها في الإطلاق، لا محالة لا يكون الدليل الحاكم ناظرا إلى إطلاقها، لأنه الدليل الحاكم إنما ينظر الحكم الثابت، و الإطلاق الساقط عن الحجية لا يثبت حكما حتى يكون ناظرا إليه، و إنما يفرض الحاكم ناظرا إلى الظهورات، باعتبار نظره إلى الحكم الواقعي الثابت بها، فلا يكون ناظرا إليها إلا و أن تكون الظهورات باقية على حجيتها.

و هذا بخلاف ما لو كان الدليل الثالث من قبيل المعارض لا الحاكم، فإنه يعارض المطلق الذي تقيد بالدليل المقيد، و العام الذي تخصص بمخصص، فان المعارضة إنما هي بين الظهورات، و توضيح ذلك موكول إلى محله.

فإذا ثبت من مجموع المطلق و المقيد حكم، فإن كان ذلك الحكم مخالفا للدليل الحاكم، بحيث يكون مما ينظر إليه فلا محالة يكون حاكما عليه، و إن كان مما‌

135

يوافقه فلا مجال للحكومة عليه، بل لا معنى لها.

إذ اتضح ذلك، فنقول في المقام، إن المطلقات الدالة على سببية العقد مستقلا في التأثير مقيدة بالأدلة الدالة على اعتبار الرضا، فيكون الحكم الثابت من مجموع المطلقات و المقيدات أن السبب للنقل و الانتقال هو البيع الواقع عن رضا سابق أو لاحق، و هذا يوافق دليل الرفع لا يخالفه، فلا يعقل أن يكون ناظرا اليه و حاكما عليه.

و أما المطلقات بما هي فلم تثبت حكما يرفعه الحديث، فلا يصح أن يكون الحديث ناظرا إلى نفس العقد، إذ لم يثبت له حكم مستقل، و إنما الثابت هو حكم واحد، و هو أن العقد بضم الرضا مطلقا سبب للنقل تام السببية، و هذا ليس إكراهيا حتى ينظر إليه الحديث في حكومته، فلا محالة لا يكون للحديث حكومة في البين على شي‌ء من الأدلة في المقام، لا المطلقات، و لا المقيدات، و لا بمجموعها باعتبار معناها المتحصل منها، فلا يرفع شيئا ثابتا، فتدبر جيدا.

قوله (قدّس سرّه): فتأمل.

يدل أمره بالتأمل هنا أن المسألة بعد محل إشكال عنده غير صافية من شوائب الشبهة، و لذا وقع منه (قدّس سرّه) التغيير و التبديل في عبارته (قدّس سرّه)، و قد عرفت بما لا مزيد عليه أن المسألة ليس بهذه الأهمية، و لا تحتاج إلى إطالة مثل هذا الكلام، فتدبر و تأمل حتى لا يختلط عليك الأمر.

قوله (قدّس سرّه): بقي الكلام في أن الرضا. إلى آخره.

لا يخفى أن النزاع في الكاشفية و الناقلية وقع في كثير من المباحث كالمقام، و الإجازة في العقد الفضولي، و إجازة المرتهن لبيع الراهن، و غير ذلك.

و الضابط في هذا النزاع الذي به يسري إلى جملة من الموارد التي لم يتفق فيها النزاع ليس هو صرف تأخر شي‌ء له دخل في تأثير المتقدم حتى في مثل‌

136

تأخر القبول بالنسبة إلى الإيجاب، بل- كما نقل عن بعض المحققين- هو أن يكون المتأخر ناظرا إلى المتقدم بلسان أن له التأثير، لا على وجه أن يكون من قبيل المتمم للعلة بحيث [يكون] بلا نظر الى مفاد المتقدم.

و بعبارة أخرى إن لسانه كان المتقدم هو تام التأثير بحيث أنه يكون مبينا (1) لذلك، و لعل ضيق العبارة يمنع عن تأدية المعنى المقصود، و لكن الغرض واضح بعد معرفة أن مثل القبول غير داخل تحت الضابط، لأنه ليس لسانه أن التأثير للمتقدم كالرضا في المقام، و الإجازة في عقد الفضولي.

و من هنا وقع التوهم في أن الأصل في مثل هذه الموارد هو الكشف، لأن (2) لما كان لسان الرضا أو الإجازة هو أن المتقدم ماض و مؤثر في نفسه، و حقيقته إمضاء ما سبق، فإذا قلنا بأن الرضا في المقام مما يعتبره الشارع، لا معنى لاعتباره إلى إمضاؤه بما يفيده و يدل عليه، و المفروض أنه إمضاء للعقد السابق، فاعتباره يرجع في الحقيقة إلى إمضاء نفس العقد السابق و صحته من حينه، فإذا لم يثبت المانع من ذلك، فلا محالة يكون كاشفا عن وقوع العقد من حينه.

و حاصل ما أجاب به المصنف أنه: نعم، إن الرضا أو الإجازة مفسران للسابق و ممضيان ما وقع على ما وقع عليه، إلا أنه ليس مفاد العقد وقوع الملك من حين العقد، فإن الإنشاء و إن كان في الحال، لكن زمن الحال ليس مأخوذا في المدلول، بل الحال هو زمن الإنشاء لا زمن المنشأ، فلا ينافيه وقوع المنشأ في زمان متأخر و ان كان الإنشاء زمانه حاليا، فحينئذ لا يكون مفاد العقد و مدلوله إلا النقل، فإن كان معتبرا في النقل عند الشارع في زمن التكلم، فلا محالة يكون تأثيره في ذلك الزمان، و إلا فلا بد من حصول ما يكون دخيلا في معتبر الشارع،

____________

(1) في الأصل: مبنيا.

(2) كذا.

137

و بعد ذلك يتحقق النقل.

و إن كان في استشهاد المصنف (قدّس سرّه) بالقبول و بالقبض و انقضاء زمن الخيار محل تأمل، لما عرفت من الضابطة لخروج هذه الأمور عن تلك الضابطة، فلا يجري فيها هذا الكلام، و على كل حال فالأمر سهل.

في صحة بيع العبد

قوله (قدّس سرّه): قال اللّٰه. إلى آخره.

لا يخفى أن الاستدلال بالآية المباركة (1) مبني على أن القيد توضيحي، و إلا لو كان احترازيا فلا يدل على أن شأن العبد كذلك، و الظاهر أن القيد توضيحي، لا كما ذكره السيد الطباطبائي في حاشيته (2) بقرينة مَمْلُوكاً، لأنه المملوك هو نفس العبد معنى، فإذا كان مملوكا قيدا توضيحيا يكون قرينة على أن ما بعده كذلك.

و لكن يبقى الكلام في عموم الآية، فإن الشي‌ء مرادف للموجود كما ذكروا، و هو نكرة في سياق النفي، فيدل على أن كل فعل من أفعاله، و كل حركة من حركاته هو ممنوع عنه، و لا يقدر عليه إلا بإذن سيده، حتى في مثل التكلم و النظر و النوم و القيام و القعود و هكذا، مع أن الظاهر أن الضرورة قائمة على عدم سلب قدرته عن مثل ذلك.

و الظاهر أن سياق مثل هذا العموم يأبى عن التخصيص، فنقول: إن الظاهر من الشي‌ء ليس على معناه و مفهومه المعهود، بل الظاهر أن المراد من الشي‌ء الأمر الذي يعتد به و يكون ذا أهمية في نظر العرف أو العقلاء الذي يكون استقلاله فيه يعدّ استقلاله عن المولى و خروجا عن زي الرقية و رسم العبودية، و هذا بخلاف مثل التكلم و النظر و السماع.

____________

(1) و هي ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ النحل: 75.

(2) الحاشية: 129. (مرجع مذكور).

138

و يؤيد ذلك، بل يشهد له قوله (عليه السّلام) في رواية زرارة «أ فشي‌ء (1) الطلاق» (2)، فإنه لو كان المراد منه مطلق الشي‌ء، فكون الطلاق شيئا أمر لا يخفى على أحد، فلا يحتاج إلى الاستفهام التقريري لأجل بيان دخوله في مفاد الآية، فتقرير الامام (عليه السّلام) للسائل- الذي هو تلقين له لكيفية الاستدلال بالآية- له الدلالة على أن المراد في الشي‌ء ليس هو مطلق الموجود المفهوم من إطلاقه، بل المراد أمر وراء ذلك، و الظاهر أنه ما ذكرنا.

و أما جعله كناية عن خصوص عناوين المسببات، كالنكاح و البيع أو الشراء- كما أفاده بعض الأجلة- فلا شاهد له و لا دلالة في الآية الشريفة، بخلاف ما استظهرناه، فإنه أمر يساعد عليه الاعتبار و العرف.

قوله (قدّس سرّه): بقرينة الرواية. إلى آخره.

لا يخفى أن العبد تارة نقول: إنه مسلوب العبارة، بحيث أنه لا أثر لعقده حتى مع إذن المولى له كالمجنون و الصبي على قول.

و أخرى: إن عبارته غير معتبرة، بمعنى انه لا يترتب عليها الأثر المقصود منها مع استقلاله، فتعتبر مع إذن المولى.

و استظهر المصنف من الآية، أن المراد الثاني، و خصوصا بقرينة الرواية، لأن الرواية كالنص في الثاني، حيث دلت على أنه يجوز نكاحه و طلاقه بإذن المولى بمفهوم الحصر، و هي قد ذكرت الآية استشهادا بها، فتكون قرينة على إرادة ذلك من الآية، و لكن ظهور ذلك من نفس الآية محل تأمل.

قوله (قدّس سرّه): إذ المحتاج إلى غيره. إلى آخره.

هذا تعليل لصحة إطلاق القدرة على الاستقلال، لا لظهور القدرة في الاستقلال.

____________

(1) في الأصل: «أفشى».

(2) الوسائل 22: 101 حديث 1 من الباب 45 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه. (مصدر مذكور).

139

المسألة الثانية: فيما يغرمه المشتري من الفضولي للمالك زائدا على الثمن

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

قوله (قدّس سرّه): إذا اغترم للمالك غير الثمن فإما أن يكون. إلى آخره.

اعلم أن الصور في زيادة الغرامة على الثمن تتصور على أقسام ثلاثة، كما ذكره المصنف (قدّس سرّه):

الأول: فيما إذا كان المبيع قيمته الفعلية حين الغرامة أكثر من ثمنه المسمى الذي اشتراه به المشتري من الفضولي، مثلما لو اشتراه المشتري بعشرة، و كانت قيمته السوقية حين الغرامة عشرين، و هذه الزيادة تارة تكون من حين البيع، و اخرى بعد البيع، بأن كانت قيمته السوقية حين البيع عين ثمنه المسمى له، و لكن بعد ذلك ارتفعت قيمته السوقية.

و الثاني: فيما إذا كان المبيع ذا منفعة استوفاها المشتري كالدار و الجارية و الحائط و الشاة، و غير ذلك، بأن سكن المشتري بالدار، و وطأ الجارية، و باع ثمر الحائط، و شرب لبن الشاة، إلى غير ذلك، فان هذه المنافع، لما كانت للمالك، فهو يستحقها، لأنها تابعة للعين، فإن كانت هذه المنفعة عينا كالتمر و اللبن و الصوف،

140

و كانت موجودة، فإنها ترجع إلى المالك، و لا يرجع بها المشتري على البائع، و لا كلام فيها، و إنما الكلام فيما إذا تلفت باستيفائه لها بالبيع أو الأكل أو غير ذلك، أو كانت المنفعة ليست عينا كالسكنى للدار، و قد استوفاها.

و الثالث: فيما إذا كانت الغرامة لم يحصل في مقابلها نفع للمشتري، و هذا يتصور على أنحاء.

فتارة، فيما إذا صرف على العين شيئا من المال، كمنفعة الجارية و عمارة الدار أو الحائط، أو أجرة النقل و الدلالة، و أمثالها، كما إذا كان المبيع منقولا، كالحنطة و التمر، و صرف أجرة على نقله، و كيالته و دلالته.

و أخرى، فيما إذا كان المبيع ذا منفعة، و لكن تلفت منفعته كما إذا تلف التمر، أو اللبن، أو لم يستوفها، و مضى وقت على استيفائها، كما إذا لم يسكن الدار، و لم يستأجرها إلى غير ذلك، أو لم تكن تلك المنفعة صالحة لأن يستوفيها هو، بأن لم تكن منفعة له كالولد المنعقد حرا، بناء على أنه ليس بمنفعة لأبيه.

و ثالثة، فيما إذا نقصت العين بأجزائها أو بأوصافها.

قوله (قدّس سرّه): و إن كان جاهلا. إلى آخره.

سواء كان جاهلا بأصل كون المال للغير، أو كان جاهلا بكونه مأذونا من المالك، مع العلم بأن المال ليس للبائع، و لكن ادعى البائع إذن المالك له فانكشف له كذب البائع في دعوى الإذن.

قوله (قدّس سرّه): فهو كشاهد الزور. إلى آخره.

حين أن شاهد الزور إذا رجع بعد ذلك عن شهادته يغرم ما ضمنه المشهود عليه لأجل شهادته، كما دلت عليه بعض الأخبار من جهة التغرير، و الغرض من تمثيل المصنف بيان أن قاعدة الغرور كما تجري في شهادة الزور أيضا تجري في المقام لتساوي المقامين من هذه الجهة، لأن شاهد الزور و البائع الفضولي كل منهما‌

141

قد أوقع المشهود عليه و المشتري في خطر الضمان.

و لا يخفى أن أخبار شاهد الزور موردها في ما لو أوجبت شهادته تلف شي‌ء من المشهود عليه من نحو مال أو قطع يد أو قتل، مع العلم بأنه ليس ذلك حقا عليه، فتدخل تحت قاعدة من أتلف، لأن الشاهد يكون سببا، لا تحت قاعدة الغرور، خصوصا مثل رواية الشهادة على السرقة أو الزنا، ضرورة أن الغرور إنما يصدق فيما إذا كان ما غربه المغرور عن جهل منه بحيث لو كان عالما لما تحقق مفهوم الغرور، فحقيقة التغرير ليس إلا الإيقاع في الجهالة، و من المعلوم أن المشهود عليه بالزور لم يكن جاهلا بما شهد عليه، و إنما يضمن ما شهد به عليه، أو يسلم نفسه للقطع أو القتل، فبحكم الحاكم قهرا عليه لا يتخيل أن ذلك حق عليه عن جهل منه و غرر، كما كان ذلك في المشتري المتصرف في المبيع المتخيل أنه حقه و في و ملكه.

نعم لو كان المشهود عليه زورا جاهلا، كما لو ادعاه آخر بدين، و لم يكن يعلم بأنه غير مدين أو مدين، و شهد الشاهد على الدين، فإنه يكون حينئذ مغرورا، إلا أن ذلك خارج عن مورد الأخبار.

و الحاصل أن أخبار شهادة الزور لا تصلح دليلا على قاعدة الغرور، و لا قياسا لما في المقام، و المسألة غنية عن التنظير، فإن قاعدة الغرور من المسلمات، و لا شبهة في جريانها في المقام.

ثم إن التقييد بما إذا رجع الشاهد عن شهادته ليس للاحتراز، بل لبيان معرفة أنه شاهد زور، كما هو مورد بعض الأخبار، و إلا فالرجوع لا خصوصية له، فإنه متى ما علم أنه شاهد زور و لو من قرينة خارجة، فإن المشهود عليه يرجع حقه.

142

قوله (قدّس سرّه): مضافا إلى ظاهر رواية جميل (1) أو فحواها. إلى آخره.

فالأول: بناء على أن الولد لا يعد منفعة مستوفاة لأبيه، فتدخل هذه المسألة في محل الكلام.

و الثاني: بناء على أنه منفعة مستوفاة، فيكون المقام أولى، فإن الرجوع فيما لا منفعة فيه أولى من الرجوع فيما فيه المنفعة، لأن الضرر في الأول أكثر و أعظم، و لهذا قال بعد ذلك: «و على التقديرين يثبت المطلوب». و‌

قوله (قدّس سرّه): مع أن في توصيف قيمة الولد. إلى آخره.

لأن القيد إذا ذكر لا بد أن يكون لفائدة، و الموصوف مستغن عن التوضيح حتى يكون توضيحا، و ليس محل توهم، لأن يرجع قيمة الولد الواقعية فيما تكون قيمته الحقيقية أعلى أو أقل من القيمة التي أخذت منه، لأنه إنما تضرر بمقدار ما أخذ منه، فلا يكون القيد احترازيا، فلم يذكر إلا للاستشارة إلى دخل كونه مأخوذا منه على هذا النحو في الحكم، فيكون كالعلة المنصوصة، فتأمل.

قوله (قدّس سرّه): (في الرواية) (2): و لا كتبت عليه كتابا، و لا أخذت منه براءة بذلك. إلى آخره.

المراد أنه لم يكتب لي كتابا بخصوص هذا الدين، و لا براءة عن كل دين، فإن المتعارف أنه إذا و في المدين الدائن، فإنه إما أن يكتب له بالوصول بهذا المال الخاص، و إما أنه يكتب له على العموم أنه بري‌ء الذمة عن كل دين، و لم يتعرض لخصوص هذا الدين الخاص.

قوله [(قدّس سرّه)]: فأخذت بالمال.

أي حكم الحاكم عليه بالمال، لا أنه أخذ منه.

____________

(1) الوسائل 21: 205، حديث 5 من الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء (مصدر مذكور).

(2) الوسائل 17: 340، حديث 1 من الباب 3 من أبواب عقد البيع و شروطه.

143

قوله [(قدّس سرّه)]: أنجم معلومة.

اي أوقات معلومة، لأن أنجم جمع نجم، و هو الوقت الذي يحل فيه أداء الدين.

قوله [(قدّس سرّه)]: قلت: «جعلت فداك». إلى آخره.

القائل هو الراوي، و هو زريق.

قوله [(قدّس سرّه)]: قال (عليه السّلام): «له قيمة ذلك، أو يكون». إلى آخره.

المستفاد من هذه العبارة من الرواية و ما قبلها أنه كما أن المالك مخير بين إعطاء المشتري القيمة أو الصبر، كذلك المشتري مخير بين أن يقلع ما غرس بنفسه، أو يأخذ القيمةُ، فيكون تخيير المالك مشروطا برضا المشتري المالك للغرس، فلا يجوز له أخذه و إعطاؤه القيمة بدون رضاه، كما أنه ليس للمشتري إلزام المالك بالصبر أو بتقبله.

قوله: و دفع النوائب. إلى آخره.

ظاهره أنه يرجع في ذلك على المالك لا على البائع الغاصب، مع أن ما صرفه في دفع النوائب نظير نفقة الجارية، كما أن ما صرفه في مصلحة المعيشة و الفرس، نظير عمار [ة] الدار، فهو داخل في المقام، و هو ما إذا كانت الغرامة لم يحصل في مقابلها نفع، فتخرج الصورة الأولى من هذا القسم الثالث عن حكم المقام، فلا يحكم بالرجوع فيما صرف على العين- كالنفقة على الجارية، و العمارة و آل. و آل. و أجرة النقل. (1)- بالرجوع على الغاصب، بل على المالك، لهذه الرواية، فإطلاق المصنف محل نظر.

نعم إلا أن يقال: أن كلام المصنف مخصوص بما إذا لم يكن ما خرج من المشتري عينا موجودة، لأن ذلك خارج عن قاعدة الغرور، إذ مع وجود عين ما‌

____________

(1) يوجد محل كلا فراغ متقطع كلمة طمست بالحبر.

144

يملكه لا بد من رجوعه به على المالك، و ما خرج منه في دفع النوائب يعم العين الموجودة و غيرها، و قاعدة الغرور تشمل ما خرج منه غير العين الموجودة، و الموارد الأخر مثل استيفائه للمنافع و غير ذلك، فيقع التعارض بين قاعدة الغرور و بين هذه الرواية، و لا ريب أن دليل قاعدة الغرور مقدم على هذه الرواية، لتأييده بالإجماع، فتدبر.

قوله: و فيه مع أنا نمنع ورودها. إلى آخره.

أجاب المصنف عن سكوت الروايتين (1) عن بيان رجوع المشتري على البائع بثلاث أجوبة:

الأول: يعم الروايتين، و الثاني: يخص الأولى، و الثالث: يخص الثانية:

أما الأول: فحاصله أن السكوت في مقام البيان ليس هو الا عدم البيان، لا بيان للعدم، فلا يكون دليلا على العدم، و حجة مع وجود الدليل، فلا يكون معارضا للدليل، لأن أصالة الإطلاق يتوقف جريانها على عدم القرينة، فيكون ورود الدليل قرينة رافعة لموضوع أصالة الإطلاق، و به يكون الدليل واردا على أصالة الإطلاق، فليست أصالة الإطلاق حينئذ جارية حتى تكون معارضة للدليل.

نعم لو كان الدليل في مقام بيان كل ماله دخل في المطلوب، فإن عدم البيان حينئذ يكون بيانا للعدم في الحقيقة، و يكون حينئذ معارضا للدليل، إلا أن إثبات أن الدليل كذلك، دونه خرط القتاد.

و لكن لا يخفى أن القرينة التي تمنع من التمسك بالإطلاق هي القرينة المتصلة، أما المنفصلة فلا، غاية الأمر أنه ينعقد ظهور المطلق، و تكون القرينة المنفصلة مقيدة للمطلق، لا أنها رافعة لإطلاقه، فتكون حاكمة لا واردة، و عليه ينبغي‌

____________

(1) أي رواية زرارة الآتي ذكرها من الشارح، و رواية زريق المتقدمة.

145

حمل كلام المصنف من عدم المعارضة، خصوصا أن الإطلاق السكوتي ليس في قوة الإطلاق اللفظي، و على كل حال فالمسألة واضحة.

و أما الثاني: فحاصله أن رواية زرارة (1) ظاهرها في مورد عدم تمكن المشتري من الرجوع على البائع، لأنه اشترى الجارية في غير بلاده، و استردها المالك بعد ذلك في بلاده، و ظاهره أنه لم يكن يعرف البائع، و يشعر بذلك قوله:

«اشتراها من سوق المسلمين» الظاهر منه عدم تعيين البائع، و من المعلوم أنه مع عدم معرفة البائع كيف يرجع عليه!؟

و أما الثالث: فحاصله أنه على تقدير القول بالرجوع بما غرمه للمالك في فرض رواية زريق (2)، فإما أن يرجع على الورثة أو على القاضي، و لا يصح له الرجوع على كل منهم.

أما الورثة فلأنه لم يكن هم المسلّطين له على مال الغير، إذ لم يكن (3) هم البائعين، (و لا تغرير منهم) (4)، و أما رجوعه عليهم بما لهم، كما في الرواية، فليس له دخل في المقام كما هو واضح.

و أما القاضي، فإنه و إن كان بائعا، إلا أنه إما أن يكون قضاؤه صحيحا أن لا، فإن كان قضاؤه صحيحا فلا تغرير منه، فكيف يرجع عليه؟

و إن لم يكن صحيحا- لأنه من المخالفين- فالظاهر أن المشتري عالم ببطلانه، لأنه إمامي، و الظاهر أنه يعلم ببطلان قضاء المخالف، فيكون البيع فاسدا.

و إذا كان المشتري عالما بفساد البيع من جهة أخرى غير جهة الفضولية، فسيأتي من المصنف (قدّس سرّه) أنه لا رجوع حينئذ على البائع، و سيأتي الكلام فيه.

____________

(1) الوسائل 21: 204، حديث 4 من الباب 88 (مصدر مذكور).

(2) تقدم ذكرها.

(3) كذا.

(4) كذا الظاهر، و هو مطموس في الأصل.

146

و لكن لا يخفى أن استظهار أن المشتري كان عالما بفساد القضاء، محل منع، فإنه إن كان لمجرد كونه إماميا، فإنه ليس لازم ذلك العلم بهذا الحكم، و إن فرض كونه مشهورا، و إن كان لمساق الرواية، فإن المستفاد من الرواية على العكس من ذلك، بداهة أنه لو كان عالما بفساد البيع لما كان له حق فيما غرسه، مع أن الإمام أثبت له الحق.

قوله: خصوصا في بعض الموارد. إلى آخره.

كما في سكنى الدار، فإن الضرر فيه أعظم من الضرر فيما لو كانت المنفعة عينا استوفاها المشتري كالثمرة.

قوله: لا يخلو عن شي‌ء. إلى آخره.

لما عرفت من المصنف (قدّس سرّه) من صدق الضرر في المقام، لأنه و إن وصل إليه نفع إلا أن المنفعة استوفاها بزعم أنها له مجانا لدعوى الغار له، فلو كان البائع صادقا في دعواه لما كان عليه خسارة قيمتها لو استوفاها، فخسارته لقيمتها ضرر أدخله عليه البائع بكذبه، فلا بد من رجوعه على البائع، لأنه هو الذي أضره.

قوله: مضافا إلى ما قيل عليه. إلى آخره.

القائل- كما قيل-: هو صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، و لا يخفى أن ظاهره التسليم لصاحب الرياض من عدم صدق الضرر في المقام، و إنما ناقشه في دعوى ابتناء قاعدة الغرور على الضرر، و ان المستند فيها هو قوة السبب على المباشر.

و أورد عليه المصنف: أولا: بأن صاحب الرياض لم يدع أن قاعدة الغرور مبتنية على قاعدة الضرر، بل هو يستفيد أن الدليل الدال على هذه القاعدة من الأخبار و الإجماع مخصوص بصورة الضرر.

و ثانيا: عدم ابتناء قاعدة الغرور على قوة السبب، لأن قوة السبب ليست‌

147

بنفسها دليلا، بل هي مبتنية على قاعدة (من أتلف.) فإن صدق الإتلاف بقوة السبب فذاك، و إلا فلا تصلح دليلا.

و من المعلوم أن الإتلاف إنما يصدق إذا كان صدور التلف من المباشر (لا) (1) يعد اختياريا (و إلا ف‍) (2) لا يعد منه إتلافا، و يكون كالآلة التي هي صرف موصلة للأثر، و انما التلف يكون من آثار السبب.

و أما إذا كان التلف صادرا عن المباشر بالاختيار، فيكون هو المتلف حقيقة، و ان كان بسبب غيره، و عليه فلو كان المقام من قبيل قوة السبب، فلا وجه لتغريم المشتري، لأنه و ان كان مباشرا الا انه صرف آلة، فليس منه إتلاف، فيكون كالمكره، فلا بد ان نقول: بأن المالك لا يجوز له مطالبة غير البائع.

و لو كان المقام من قبيل الثاني، فليس الإتلاف الا من المشتري، فلا وجه لرجوعه على البائع بدليل الغرور المبتنية- بناء على هذا القول- على قوة السبب المبتنية على الإتلاف.

قوله: فلا بد من الرجوع بالآخرة. إلى آخره.

هذا تفريع على جميع ما تقدم منه (قدّس سرّه) من بطلان ابتناء قاعدة الغرور على الضرر، و أن الضرر متحقق في المقام، و عدم ابتناء قاعدة الغرور أيضا على قوة السبب، لا تفريع على كلامه الأخير- و إن كان هو ظاهر العبارة- حتى يرد عليه أن كلامه الأخير مبتن على تسليم صدق الضرر في المقام، و أن دليل الغرور مختص بصورة الضرر، و بطلان الاستناد إلى قوة السبب، فكيف يستدل بعد ذلك بقاعدة الضرر، و بالإجماع المدعى من الإيضاح على تقديم السبب الأقوى، فتدبر؟!

قوله: و رجوع المحكوم عليه. إلى آخره.

قد عرفت الكلام‌

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر انها زائدة.

(2) كذا الظاهر، و ما بين القوسين مطموس.

148

في شهادة الزور، و قياس المقام عليها.

قوله (قدّس سرّه): و فيه تأمل. إلى آخره.

لعله إشارة إلى المنع من صدق المنفعة على حرية الولد، أو أشار إلى ما في تفسير صاحب المسالك لكلام المحقق، فان المحقق في الشرائع بعد أن ذكر رجوع المشتري على البائع فيما لم يحصل في مقابلته نفع، ثم ذكر في مسألة الولد الحر غرامة المشتري و الرجوع على البائع، ثم نقل قولا في مسألة (الغصب) (1) بتخيير المالك بمطالبة المشتري و البائع، قال: و فيه احتمال آخر (2)، و لكن صاحب المسالك وجه الاحتمال بإلحاق عوض الولد بما حصل له نفع في مقابلته (3).

و الأقرب في مراد المحقق إرادة التعبير بالرجوع على البائع، ابتداء في مقابلة التعبير بالرجوع على المشتري، كما اختاره المحقق، و مقابلة التخيير بمطالبته أيهما شاء، كما نقله، فيخرج كلام المحقق حينئذ شاهدا عن المقام.

قوله: ثم إن مما ذكرنا. إلى آخره.

هذا شروع في الكلام على القسم الأول، و هو ما كانت الغرامة لزيادة القيمة على الثمن.

قوله: فإنه لا يرجع بعشرة الثمن. إلى آخره.

ليس المراد أنه لا يرجع بنفس عشرة الثمن التي أعطاها للبائع، فإنه لا إشكال برجوعه عليه، لأنه ماله قد أخذها منه البائع بغير حق، بل المراد عدم رجوعه زيادة على رجوعه بعشرة الثمن بمثل عشرة الثمن، بمعنى أن المشتري إذا غرم للمالك عشرين يأخذ من البائع عشرته التي أعطاها له ثمنا، و العشرة الزائدة‌

____________

(1) ما بين القوسين لم يظهر بالتصوير لوجوده على جهة الهامش.

(2) شرائع الإسلام 3: 195. و تراجع المسألة في الشرائع 2: 8 و ص 53. (مصدر مذكور).

(3) مسالك الافهام 2: 213. ط. حجرية. (مصدر مذكور).

149

على مقدار الثمن، لا أنه يرجع بالعشرين التي أعطاها للمالك، و بعشرة الثمن التي أعطاها له.

قوله: و إلا لزم تلفه من كيس البائع. إلى آخره.

لا يخفى أن الاحتمالات في المقام ثلاثة:

الأول: و هو الذي اختاره المصنف أنه يرجع بالعشرة (1) الزائدة على مقدار الثمن، و العشرة التي بمقدار الثمن تخرج من كيسه.

الثاني: أنه يرجع بالعشرين جميعا، فيأخذ منه ثلاثين، عشرين ما خسره للمالك، و عشرة التي أعطاها للبائع ثمنا، و أشار إلى ردّه بقوله: (و إلا).

و الثالث: أنه لا يرجع عليه إلا بالعشرة التي أعطاها ثمنا، و لا يرجع بالعشرين جميعا، و أشار إلى ردّه بقوله: (و مما ذكرنا).

و حاصل ما يوجه به الثاني: أن المشتري لم يقدم إلا على أداء نفس الثمن، و أما القيمة الواقعية فلم يقدم عليها، فهو مغرور بالنسبة إليها، فلا بد أن يرجع على البائع في جميعها.

و أما عين الثمن فهو و إن أقدم عليه، إلا أنه لم يمضه الشارع حتى يلزمه بشخصه، و القيمة الواقعية لم يقدم عليها، فيكون مغرورا في جميعها.

و تفصيل الجواب: أنه قد عرفت معنى الغرور، و هو الإيقاع في الجهالة، و من المعلوم أن الثمن ليس هو العشرة التي أعطاها بشخصها، بل هو كلي العشرة، و لكن صدق الكلي بهذا الفرد، فهذا المقدار الكلي- و هو العشرة- لم يكن يوقعه البائع فيها بالجهالة، لأنه لو صدق البائع في دعواه لكان خاسرا لها، و إنما أوقعه في الجهالة بخصوص العشرة الزائدة، و يستكشف ذلك بأنه لو صدق البائع في دعواه لما خسر تلك العشرة، فخسارتها إنما نشأت من كذب البائع، فقد أوقعه فيها‌

____________

(1) في الأصل: بعشرة.

150

بالجهالة، و كان غارّا له بخلاف عشرة الثمن، فالغرور لم يتحقق إلا في العشرة الزائدة.

نعم لو قلنا بأن الثمن هو العشرة التي أعطاها بشخصها، و هي التي وقع عليها البيع لا كلي قيمة العشرة، لكان هذا التوهم في محله في الجملة، إلا أنه ظاهر البطلان، فإن البيع إنما يقع على قيمة العشرة بكلها، و لهذا للمشتري أن يدفعه أي عشرة كانت من الثمن، بالأوصاف التي وقع عليها العقد من كونها صحيحة، و من السكة الفلانية.

قوله (قدّس سرّه): و مما ذكرنا يظهر اندفاع. إلى آخره.

هذا، كما سمعت، بيان لدفع الوجه الثالث، و حاصل ما يوجه به أن المشتري إنما أقدم على ضمان العين، و كون تلفه منه، و من المعلوم أن المناط في الضمان في العقود الفاسدة هو الاقدام على الضمان لا على سبيل المجانية، فلا بد أن يضمن قيمته الواقعية بلغت ما بلغت، لأنه هي التي أقدم عليها بإقدامه على ضمان العين بقيمتها التي لها، فلم يتحقّق من الغرور.

و لقد أجاب عنه المصنف بجوابين:

الأول: إن المشتري لم يكن مقدما إلا على ضمان العين بالمسمى الخاص، لا على ضمانها بقيمتها الواقعية كيفما اتفقت، و حيث إنه لم يقدم إلا على الضمان بالثمن المعين، فيكون مغرورا في الزائد على المسمى.

فإن قلت: فعلى هذا لا وجه لتضمينه في العشرة الزائدة على الثمن و إرجاعه بعد ذلك على البائع، لأنه لما كان المناط في الضمان هو الإقدام، فهو كما قلتم لم يقدم إلا على الضمان بالثمن، فأي معنى لرجوع المالك بالزائد عليه؟! بل لا بد حينئذ أن يرجع به رأسا على البائع.

قلت: قد أشار المصنف إلى جوابه بقوله: «إلا أن الشارع جعل القبض.

151

إلى آخره».

و حاصله: أنه و إن كان الإقدام إنما هو على خصوص المسمى، لكن الشارع جعل القبض للعين بالعقد الفاسد إذا كان مقدما على ضمانها و لو بالمسمى، مضمنا له بقيمتها الواقعية، بلغت ما بلغت، فمتى قبض المشتري العين لا على نحو المجانية يكون. (1).

____________

(1) يلاحظ عدم الترابط مع ما بعده.

152

(1) مالا، و لذا انه يصح المصالحة عليه، بل و شؤون المعاملات، مثل البيع و أمثاله مما يقبله البدل.

و الحاصل انه متى ما كان للعين وصف ذو مالية معتبرة عند الشارع، فهو لا بد أن يكون مضمونا كالعين، فيكون اللاحق ضامنا لبدل العين و بدل بدلها، غاية الأمر أن أحد الضمانين يسقط موضوع الضمان الآخر على ما تقدم توضيحه، فتدبر.

و الثالث: أنه لو سلمنا ذلك- أي أن وصف كون العين مضمونة و ذات بدل مقبوض بتبع العين- كان مقتضاه ضمانه لمالكه، و هو مالك العين، لا لمن عليه البدل، فإن البدل الذي في ذمة السابق إنما هو لمالك العين، فبدله و هو ما في ذمة اللاحق أيضا يكون للمالك، و هو من له البدل، و لا وجه لكونه لمن عليه البدل، و هو الضامن السابق، و هذا أيضا واضح.

و جوابه يعلم من تقرير مراد المصنف سابقا، فان اللاحق ان ضمن ابتداء، فلا يكون ضامنا إلا للمالك ليس إلا، و إن ضمن السابق للمالك، فلا بد أن يكون اللاحق ضامنا لمن عليه البدل، لا للمالك، و ذلك لأن معنى ضمان البدل هو تدارك ذلك التدارك الحاصل من السابق، و لا يكون تداركا له إلا بإعطائه لمن عليه البدل، و إلا لما كان تداركا للتدارك، بل تداركا بعد تدارك.

و الحاصل: أن معنى ضمان البدل هو جبر ما فات من السابق، فكيف يعقل تحقق هذا المعنى بإعطاء بدل البدل للمالك؟! بل حقيقة لا يكون ذلك بدل البدل، بل بدل المبدل، و المفروض أنه ضامن لبدل البدل، و لا يحصل ذلك إلا بإعطائه لمن‌

____________

(1) كذا يبدأ الموجود في هذه التعليقة، و يلاحظ فقدان بدايته، بقرينة ما يأتي.

153

عليه البدل.

و السر في ذلك أن سبب الضمان هو العدوان الحاصل من اللاحق، فكما أن قبضه للعين عدوان بالنسبة إلى مالك العين، كذلك يكون عدوانا بالنسبة إلى السابق.

أما عدوانه بالنسبة إلى مالك العين فواضح، لقبضه ما يملكه بلا مسوّغ شرعي، و أما عدوانه بالنسبة إلى السابق، فلأنه لو كانت العين باقية في يد السابق لأمكنه أن يردها إلى صاحبها و تفرغ ذمته منها، فلما قبضها منه بغير حق، و أوجب ذلك تلفها، فقد فوت عليه ذلك، و أوجب تنجز ضمان العين ببدلها على السابق.

فعدوانه هذا سبب ضمان بدل العين الذي تداركه السابق، و أوجب جبر ما خسره بسببه، و بعد كون ضمانه للبدل جبرا لخسارة السابق، فكيف يكون ضامنا للمالك بدل البدل؟! الرابع: إن لازم ما ذكره أن يكون في مسألة ضمان الاثنين لواحد- بناء على صحته للضامن الأول- الرجوع على الضامن الثاني إذا دفع العوض إلى المضمون له، فإن الثاني قد ضمن ماله بدل في ذمة الضامن الأول، مع أنه ليس له ذلك، بل إنما يرجع إلى المضمون عنه لو ضمن بإذنه، و لو كان متبرعا فلا يرجع إلى أحد.

و أيضا في ضمان العهدة و ضمان الأعيان المضمونة، إذا قلنا بجواز الرجوع إلى كل من الضامن و المضمون عنه- كما استظهره المصنف منهم- يلزم جواز رجوع المضمون عنه إلى الضامن إذا فرض رجوع المالك عليه، و لا يمكن الالتزام به.

وجه اللزوم: أن الضامن إنما ضمن شيئا له بدل في ذمة المضمون عنه.

154

و أيضا بناء على مذهب العامة من كون الضمان: ضم ذمة إلى أخرى، يلزم جواز رجوع المضمون عنه إلى الضامن إذا رجع المالك عليه، لأنه يصدق على الضامن أنه ضمن شيئا له بدل، لكن فيما إذا كان المال المضمون ثابتا في ذمته من باب الغرامة، بأن يكون متلفا أو غاصبا، أو نحوهما فضمن عنه الضامن، و لا يمكن الالتزام به.

و جوابه: أن قياس هذه الأمور على المقام قياس مع الفارق، فإن ضمان الاثنين لواحد و إن كان الثاني منهما ضامنا ما له بدل في الواقع، لكن لم يضمنه بماله من الخصوصية الثابتة له، بل إنما ضمن نفس المبدل، و تعهد نفس درك العين لا بما لها من الوصف، و لم تكن العين مقبوضة له حتى يضمنها بما لها من الوصف بمقتضى عدوانه بالنسبة إلى المالك و الضامن الأول، كما في مسألتنا.

و الحاصل ان الفرق بين مسألتنا و هذه المسألة من وجهين:

الأول: إن الضمان في مسألتنا بسبب العدوان بالنسبة إلى المالك و السابق، و في هذه المسألة، لصرف التعهد للمالك فقط، و لم يكن متعهدا للضامن الأول، و لو تعهد للضامن الأول أيضا جبر ما يفوته بالتدارك و صححنا ذلك منه، لكان أيضا ضامنا لبدل البدل، كمسألتنا بلا فرق.

الثاني: إن سبب الضمان في مسألتنا هو قبض العين الذي يكون به العدوان، فلا بد أن يكون ضامنا لها بما لها من أوصافها، بخلاف هذه المسألة، ضرورة أنه لم يكن للضامن يد على المال، بل إنما كان ضمانه لصرف التعهد المقصور على درك العين فقط، فليس مجرد ضمان العين التي لها بدل- و ان لم يكن ذلك دخيلا في الضمان- يوجب ضمان ذلك الوصف، و هكذا الكلام في مسألة ضمان العهدة، و الأعيان المضمونة، و الضمان على مذهب العامة من ضمن ذمة إلى أخرى، فلا تغفل.