حاشية المظفر على المكاسب - ج1

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
218 /
155

الخامس: إنه إذا فرضنا أن العين بعد ما صارت في يد اللاحق رجعت إلى السابق، فتلفت في يده، فالظاهر أنه لا يجوز للسابق حينئذ إذا رجع المالك عليه أن يرجع إلى اللاحق، بل الأمر بالعكس، لا من تلف في يده هو السابق بالفرض، و لازم بيان المصنف (قدّس سرّه) أن يكون له الرجوع عليه، لأنه يصدق أنه- أي اللاحق- ضمن شيئا له بدل، بخلاف السابق.

و دعوى أنه بعد العود إليه يكون اللاحق سابقا و السابق لاحقا، فيصدق على السابق الذي صار لا حقا انه ايضا ضمن شيئا له بدل.

مدفوعة بأن الضمان انما حدث بإثبات يده الأولى، و في ذلك الحين لم يكن له بدل، و بعد العود اليه لا يحدث ضمان آخر، مثلا إذا غصب عينا و ضمن، فأعطاه غيره، أو أخذ منه قهرا، ثم رده ذلك الغير إليه لا يحدث ضمان آخر لأجل هذه اليد الثانية، بل الضمان الحادث أولا باق، و قرار الضمان حينئذ على الغاصب الأول إذا تلف المال في يده بعد العود إليه.

و لازم بيان المصنف (قدّس سرّه) أن يكون القرار على الغاصب الثاني، مع أنه لم يتلف في يده، فتدبر.

و الجواب: أنه كما قرر (رحمه اللّٰه) من أن الظاهر أنه لا يجوز للسابق، إذا رجع المالك عليه، أن يرجع على اللاحق إذا تلفت العين في يد السابق، و لكن ليس فيه إشكال على المصنف، فإن اللاحق إنما يضمن البدل إذا كان في قبضه للعين عدوان بالنسبة إلى السابق، فإذا تلفت العين في يده أو في يد من أعطاها له يتحقق ذلك العدوان، و يستقر الضمان.

و أما إذا أرجعها إلى السابق، فإنه و إن كان العدوان بالنسبة إلى المالك متحققا، لكنه يرتفع بالنسبة إلى السابق، لأن المفروض أنه أرجعها إليه، فلم يفوّت عليه شيئا حتى يكون ضامنا للبدل لو ضمن السابق نفس العين، فالمالك‌

156

على هذا يصح له الرجوع على اللاحق، لكن لا وجه لرجوع السابق على اللاحق حينئذ لو رجع عليه المالك، لارتفاع العدوان من اللاحق بالنسبة إلى السابق، و ليس السر في عدم رجوع السابق عليه هو ما ذكره من كون اللاحق صار سابقا، و السابق لا حقا، حتى يشكل عليه بما سطره، فتدبر.

و بقي إشكالان لا أهمية لهما، و يعلم جوابهما مما قدمناه.

157

شرائط العوضين

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و به نستعين و الحمد له و الصلاة على نبيه و آله (1).

الشرط الأول: المالية و الملكية:

قوله (قدّس سرّه): يشترط في كل منهما كونه متمولا، لأن البيع. إلى آخره.

ينبغي أن يقال: إن هنا شرطين:

أحدهما: أن يكون كل من العوضين مالا.

ثانيهما: أن يكون كل منهما ملكا لمن انتقل عنه.

و لا شك أن أحدهما غير الآخر، و سيجي‌ء.

أما اعتبار الأول، فلأن الغرض من البيع عند العرف الذي أمضاه الشارع المقدّس هو سد الحاجة، و قضاء ضرورة المعاش و غيره، بمقتضى العادات البشرية و مدنية الإنسان، فمن كان عنده شي‌ء من المال يبادله مع مال آخر عند غيره يحتاج إليه، و بهذا استقام الكون و استمر النظام الإنساني، فلا محالة لا يكون‌

____________

(1) قد أرخ المصنف (رحمه اللّٰه) هذه المجموعة من الأوراق ب‍ «يوم 10 ذي القعدة 1361 [ه‍.]».

158

متعلقا لغرض العقلاء، و يتوقف عليه النظام إلا المال و ما فيه المنفعة دون ما هو مسلوب المنفعة قطعا، و لذا كان البيع لغة: «مبادلة مال بمال»، كما هو في كل لغة و لسان، و لا اختصاص له باللغة العربية.

و بهذا يظهر أن التعليل لاعتبار المالية في العوضين بتعريف البيع بأنه «مبادلة مال بمال» غير كاف في الاستدلال، لأن الكلام ليس فيما هو الثابت لغة إلا أن يكون الغرض استكشاف المعنى العرفي للبيع الذي أمضاه الشارع، فيفهم منه اعتبار المالية في العوضين شرعا، و إلا فالتعريف اللغوي لا يستكشف منه الاعتبار الشرعي.

بقي الكلام في المناط في مالية المال عرفا، فنقول:

المال عرفا ما يتنافس على اقتنائه الناس، و لا تعد المعاوضة عليه سفها، و التنافس عليه لا بد أن يكون للحاجة إليه، و المنفعة المعتد به المنتظرة منه، و لا يتمكن من اقتنائه من دون البذل عليه.

و الحاجة اليه إما أن تكون طبيعية للبشر كالدار و العقار و الحبوب و نحوها، و إما أن تكون مجعولة كورق النقد و الطوابع البريدية، و المالية المعتبرة عند الحكومات في هذا العصر.

ثم الحاجة قد تكون عامة لجميع الناس، و قد تكون خاصة بواحد من الناس، و لكن ذلك الشخص يبذل على أفراد كثيرة من ذلك الشي‌ء مالا معتدا به، فيتنافس الناس على اقتنائه لأجل بيعه على ذلك الشخص، فيتبايعون عليه.

ثم حاجة عامة الناس قد تكون دائمية، و قد تكون في بعض الأوقات على نحو الكثرة أو نادرا، و لكنها حاجة يعتد بها عند الناس، كالأدوية و العقاقير.

أما ما لا تكون فيه حاجة أصلا، أو كانت نادرة مع كونه مبذولا لا يعد حفظه لتلك المنفعة النادرة إلا سفها، فلا يكون مالا، و لا يصح بذل المال بإزائه،

159

كالخنافس و الديدان.

نعم لو فرض أن الحاجة تعلقت بها في بلاد يندر وجودها فيها، لا شك تعتبر مالا يصح البذل عليه، و لا يعد سفها، بل لو كان الشي‌ء فيه حاجة ضرورية لا يستغني عنها، و لكنه مبذول للاقتناء مجانا بما يفضل على الحاجة، كالماء على النهر، و الحطب في الغابات، فإنه لا يعد مالا، أما لو لم يفضل على الحاجة، أو قصر عنها، فإن نفسه يكون مالا كالماء في المفازة، و الحطب في البلاد المتحضرة، و كذا لو كان الشي‌ء في زمان يحتاج إليه، و في زمان آخر لا يحتاج إليه كالثلج في الصيف و الشتاء، فإنه تارة يكون مالا، و أخرى لا يكون.

و منه يظهر أن مالية الشي‌ء قد تختلف باختلاف المواضع و الأزمنة لا وضعا ثابتا للشي‌ء.

و يتحصل من ذلك كله أن مالية الشي‌ء تتبع نسبة الحاجة إليه [و] إلى مقدار وجوده في أيدي الناس، و لو عند بعض الناس دون بعض، فإن كان مقدار الحاجة و وجوده متساويين، أو كان مقدار الحاجة أكثر كان مالا، و باختلاف هذه النسبة، تختلف قيمته ارتفاعا و هبوطا، و إن كان مقدار الحاجة أقل من مقدار وجوده في أيدي الناس على وجه لا يبقى مجال للتنافس على اقتنائه، كالماء على النهر، لا محالة يسقط عن المالية.

ثم إنه كما يشترط أن يكون كل من العوضين مالا عرفا، يشترط أن يكون مالا شرعا، فإنه إذا كان شي‌ء له خاصية معتد بها عند الناس من حيث هم ناس، لا بما هم متشرعون كالخمر و الخنزير، و قد نهى الشارع عنه و ليس فيه خاصية أخرى محللة، فإنه يسقط عن المالية شرعا، بل عرفا أيضا، لأن الخاصية قد سقطت عن الاعتبار شرعا، فلا يعتبرها العرف لهذه الناحية، فيعد بذل المال بإزائه سفها.

160

و أما اعتبار الشرط الثاني- أعني ملكية كل من العوضين- فللنبوي المرسل المشهور: «لا بيع إلا في ملك» (1).

و قيل: لا يعتبر في صحة البيع الملكية، لثبوت جواز بيع الزكاة قبل أن يملكها المستحق بالقبض، مع أنها الآن غير مملوكة لأحد، و أمثالها كالخمس و الأراضي المفتوحة عنوة، و لثبوت جواز بيع ما يعود إلى المسجد مثلا من خشب زائد و نحوه لصرف ثمنه على مصالحه و نحوه، لأنه لا يتعقل في مثل المقامات فرض الملكية خصوصا مثل المسجد، باعتبار أن الملكية تستدعي الإحاطة و السيطرة من المالك.

و هذا كلام لا ينبغي الركون إليه، فإن الملكية أمر اعتباري مجعول من المعتبر بالإنشاء، و ليست هي إلا الاختصاص، فكما يصح جعل الاختصاص لشخص عاقل قادر على التصرف، كذلك يصح جعله للجماد، أو لجهة عامة من فقراء و علماء و سادة، أو مصالح جميع المسلمين، كما في الأراضي المفتوحة عنوة، أو لجهة خاصة من مصالح المسلمين، كالمساجد و الربط.

كل ذلك إذا كان في جعل الاختصاص مصلحة تدعو للاعتبار، و عليه فنحن نقول بملك الجهة، و لا مانع منه إلا تخيل أن الملكية عبارة عن السلطنة و القدرة على التصرف، بينما ان ذلك من آثار الملكية المجعول لمن يصح منه ذلك.

أما ما لم يمكن كذلك كالجهة، فآثار الملكية جواز صرف المملوك في مصالح تلك الجهة، و لذلك لا بد من نصب متول للجهة قائما عليها، يكون هو المرجع في التصرفات، فإذا كانت الجهة عامة فولّيها الإمام أو من ينصبه الإمام.

و مما يجب التنبه له أن الشيخ (قدّس سرّه) لم يفرق بين اعتبار المالية و الملكية في ظاهر عبارته الأولى، و لذلك استدل على اعتبار المالية بالنبوي المرسل: «لا بيع إلا في‌

____________

(1) المستدرك 13: 230، حديث 3 من الباب 1 باختلاف يسير (مصدر مذكور).

161

ملك»، مع أن المالية و الملكية أمران متغايران، بينهما العموم و الخصوص من وجه، لصدق المملوكية على حبة الحنطة، مع أنها ليست بمال عند العرف قطعا، كما اعترف به الشيخ نفسه، و لصدق المال على المباحات الأصلية قبل أن يتملكها أحد، أو على الكلي قبل استقراره في الذمة.

قوله (قدّس سرّه): و ما لم يتحقق فيه ذلك فإن كان أكل المال في مقابله. إلى آخره.

يريد (قدّس سرّه) أنه إذا شك في كون الشي‌ء مالا فهو على ثلاث صور:

الأولى: أن يعد أكل المال في مقابله عرفا أكلا للمال بالباطل، فرجح فساد المعاوضة، و سره واضح، لأن العرف إذا عدّ أكل المال في مقابله أكلا بالباطل، فمعناه أنه لا يعتبر هذه المقابلة من البيع الصحيح عنده، فلا تكون ممضاة من الشارع، و إلا فنفس كون أكل المال في مقابله أكلا بالباطل عرفا لا يكون دليلا على فساد المعاملة شرعا، و لكنه إذ فرض أن بناءهم على ذلك فليس إلا لأنه ليس مالا عرفا، لأنه لا منشأ آخر يفرض في المقام لهذا البناء.

و الثانية: أن يثبت دليل من نص أو إجماع على جواز بيعه، و لا كلام في هذه الصورة.

الثالثة: إلا يثبت دليل على جواز البيع، و العرف لم يعرف منه البناء على أن الأكل في مقابله أكلا بالباطل، فقد قال الشيخ: أنه يرجع إلى عمومات صحة البيع و التجارة، أو خصوص المروي عن تحف العقول.

و لكن لا يخفى أن الرجوع إلى هذه العمومات لا يصح إلا بعد فرض أن المعاملة المشكوكة هي من البيع و التجارة عرفا.

أما إذا فرض- كما هو المفروض في المقام- الشك في كون المعاملة بيعا و تجارة عند العرف، على وجه يعدّون المال في مقابل المبيع أكلا بالباطل، فلا معنى‌

162

للتمسك بعموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) لأنه هذا يكون من باب إثبات الموضوع بالحكم.

قوله (قدّس سرّه): قبل اصطيادها. إلى آخره.

أي الوحوش و الأسماك، و قيّدها بذلك، لأنها بعد الاصطياد تكون مملوكة لمن اصطادها، و كان ينبغي تقييد الماء و الكلأ ب‍ «قبل الحيازة» على نسق الوحوش و الأسماك.

قوله (قدّس سرّه): و احترزوا أيضا عن الأرض. إلى آخره.

إن كان المراد من الملكية التي جعلوها شرطا هي الملكية الخاصة الشخصية التي هي المنصرف من إطلاق الملك، فلا يكون ذلك احترازا عن الأرض المفتوحة عنوة، كذلك (2) تكون احترازا عن الوقف مطلقا و الزكاة و الخمس، و أمثال ذلك، فلا حاجة للتقييد بكون الملك طلقا لإخراجها.

و إن كان المراد من الملكية معنى أوسع من ذلك- و هو مطلق الاختصاص المجعول لرقبة الأرض، أو غيرها من الأموال، و إن لم يستتبعها جميع آثار الملك من السلطنة التامة على جميع التصرفات- فلا يكون احترازا عن الأرض المفتوحة عنوة، لأنها مملوكة بنحو خاص من الملكية على ما سيأتي من المصنف (قدّس سرّه)، فيحتاج حينئذ إلى قيد زائد لإخراجها، كما صنعوا في إخراج الوقف و غيره، فلا يخلو ما ذكره المصنف وجها لإخراج الأرض المفتوحة عنوة باشتراط الملكية من شوب الأشكال.

و الحاصل أن للملكية مراتب خمسة، تختلف آثارها باختلافها:

الأولى: الملكية بالمعنى الأخص، و هي الملكية المطلقة لكل شخص‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2) كذا.

163

شخص، المستتبعة لملكية الانتفاع، و المنفعة، و للإرث، و للسلطنة بالتصرف بجميع أنحائه، فلو تعدد المالكون كان لكل شخص جزء معين على نحو الإشاعة.

الثانية: ملكية الوقف الخاص من قبل الموقوف عليه، فيملك الانتفاع به و منفعته، و إن كان لا يورث و لا يتصرف به على نحو ينافي الوقف.

نعم منفعته تورث و يتصرف بها كسائر التصرفات في الملك المطلق.

الثالثة: ملكية الوقف العام الذي يعم نوعا خاصا كالعلماء، أو المسلمين، أو أهل بلدة خاصة، أو مذهب خاص، و هو على حسب الوقف، فإما أن يكون لجميع الأفراد على نحو الاستغراق، أو لفرد على نحو البدل، أو لصرف وجود الطبيعة، سواء كان بفرد أو بأفراد، و هو كالوقف الخاص من جهة الاختصاص، و إنما يملك الانتفاع و المنفعة.

الرابعة: ملكية الزكاة و الخمس، و هو ملك لصرف وجود النوع، كنوع الفقراء، و المساكين، و المؤلّفة قلوبهم، و بني هاشم على وجه يكون النوع مصرفا له، فيملكه من قبضه منهم.

الخامسة: ملكية الأراضي الخراجية على القول بأنها مملوكة لجميع المسلمين، كما هو الظاهر من الأدلة على ما سيأتي، و الذي ثبت من الأدلة في ترتيب الأثر لهذه الملكية أن تصرف حاصلاتها في مصالحهم جميعا، و لا يورث هذا الملك، كما لا يورث في الأقسام الثلاثة السابقة.

و قد يقال: إنه لو كانت ملكا لجميع المسلمين على نحو الاستغراق، لكانت بينهم على نحو الإشاعة، فيملك كل واحد منهم جزءا مشاعا، فيتصرف فيه كما يتصرف في سائر أملاكه.

و لكنا نقول:

أولا: لما كان يمتنع حصر المسلمين، بل و حصر الأراضي، فلا يمكن تعيين‌

164

حصة كل منهم، فلا بد من صرف حاصلها في مصالحهم العامة، على أنه لا اختصاص لها بالموجودين، فنقع في امتناع آخر من جهة لزوم تجديد القسمة في كل آن يولد فيه مولود، و في كل آن يموت فيه ميت، و المواليد و الوفيات يمتنع أيضا حصرها عادة، فمتى يمكن أن يستوفي أحد من المسلمين حصته من الأراضي؟! و منه يتضح: أنه لا يمكن جعل مثل هذا الحكم- أعني إشاعة الأراضي المفتوحة عنوة بين المسلمين- و ان فرض في زمن خاص إمكان حصر المسلمين و مواليدهم و وفياتهم، و حصر الأراضي، لأن الامتناع في الزمان يكون كالحكمة لعدم جعل هذا الحكم، و لجعل حكم آخر، و هو صرفها في مصالحهم، و الحكمة لا يجب أن تطرد.

و ثانيا: إن الملكية ليست أمرا حقيقيا له آثار ثابتة ذاتية، فإذا لم تترتب تلك الآثار يكشف إنّا عن عدم الملكية، بل هي- كما قلنا- أمر اعتباري جعلي، و آثارها مجعولة أيضا، فيجوز أن تكون للملكية في مقام آثار مجعولة لم تكن مجعولة في مقام آخر، بل المجعول آثار أخرى، فترتيب الآثار لا بد أن يتلقى من الشارع المقدّس، و هي تختلف حسب اختلاف مقامات الملكية.

قوله (قدّس سرّه): الأول ما يكون مواتا بالأصل. إلى آخره.

الكلام في الموات بالأصل من جهات:

الأولى: إنها لمن؟ أ هي ملك للإمام أم من المباحات الأصلية، كالماء و الكلأ و الطير و السمك؟

و المجمع عليه عند الإمامية أنها للإمام، و من الأنفال.

الثانية: بعد كونها ملكا للإمام، هل يجوز التصرف بالإحياء بدون إذنه؟

لا شبهة بجواز التصرف في الجملة إجماعا، و لما ثبت من إذن الامام بذلك.

الثالثة: أن الذي يجوز له التصرف بالإحياء خصوص الشيعة، أو يعم جميع‌

165

المسلمين، أو يعم حتى الكافرين؟

في كل من ذلك روايات، و المعمّمة نص في العموم، مثل صحيحة محمد بن مسلم: «سألته عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، فقال: ليس به بأس».

إلى أن قال: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض، أو عملوه، فهم أحق بها، و هي لهم» (1)، فلا يقبل التخصيص بالروايات المخصصة في الشيعة، أو في مطلق المسلمين، لأنها ليست نصا في نفي الإباحة عما عداهم، كما في النبويين المذكورين في المتن: «ثم هي لكم مني أيها المسلمون» (2)، أو «ثم هي لكم مني» (3)، و كذلك الرواية المخصصة بالشيعة، كمصححة عمر بن يزيد: «كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول: من أحيى أرضا من المؤمنين فهي له.» (4).

و لا شك أن الظاهر يحمل على النص، فلا بد أن يكون التخصيص بالمسلمين أو الشيعة لجهة أخرى.

أما التخصيص بالمسلمين، فيجوز أن يكون لأن الخطاب معهم، و أما التخصيص بالشيعة فلبيان أن الغرض الأصلي من الإذن هم الشيعة، و لما امتنع الاذن لهم بالخصوص عمّم الحكم لجميع من أحياها، فيكون ذلك من باب حكمة التشريع التي لا يجب فيها الاطراد.

و من المعلوم أن تخصيص الحكم بخصوص الشيعة لا يترتب منه الغرض، فإن الأرض التي لم يحيها الشيعة لو لم تكن ملكا لمن أحياها لما جاز للشيعة‌

____________

(1) الوسائل 25: 411، حديث 1 من الباب 1 من إحياء الموات (مصدر مذكور).

(2) لم نعثر على حديث يتضمن هذه الجملة، و لكن في المستدرك حديث صدره متفق مع صدر هذا الحديث المذكور في المكاسب و هو «موتان الأرض للّٰه و رسوله». و أما ذيله فمختلف. راجع المستدرك 17: 111 حديث 2 من الباب 1.

(3) المستدرك 17: 112 حديث 5 من الباب 1.

(4) الوسائل 9: 549، حديث 13 من الباب 4 من أبواب الأنفال. لكن في الأصل «لهم» بدل: «له».

و الظاهر انه سهو القلم، و في الصفحة الآتية يذكر «فهي له» دون «فهي لهم».

166

التصرف في غلّاتها و منافعها بالشراء أو غيره، مع أنه لا يمكنهم الاستغناء عن غلات و منافع الأرضين المحياة من قبل غيرهم، فيتوقف حلية الأرض الموات للشيعة على حليتها لكل من أحياها.

الرابعة: إن الأرض الموات، هل يملكها المحيي مجانا، أو يجب عليه أداء خراجه إلى الإمام؟

يظهر من بعض الأخبار ذلك، كما نقله الشيخ (قدّس سرّه) في المتن، و لكن لما كانت هذه مما أعرض عنها الأصحاب، فلا تكون حجة، و الإجماع محقق على عدم وجوب الخراج.

الخامسة: إن الإحياء، هل هو سبب للملك كالحيازة في المباحات الأصلية، أو أنه يجعل الحق للمحيي في الأرض، فلا يجوز لغيره التصرف فيها، و يملك منافعها؟

المعروف هو الأول، و سيأتي البحث عنه في القسم الثالث للأرض، و هي التي عرضها الإحياء بعد موتها الأصلي.

قوله (قدّس سرّه): و عليه يحمل ما في النبويين. إلى آخره.

إنما قال: و عليه يحمل- مع أنهما ظاهران في الإباحة للمسلمين، فلا حاجة إلى الحمل- فلعل نظره إلى أن التمليك فيهما مطلق غير مخصوص بصورة الإحياء، فلا بد من حملها على صورة الإحياء، لثبوت كون الأرض الموات من الأنفال.

قوله (عليه السّلام): فهي له و عليه طسقها. إلى آخره.

الطسق على وزن فلس، كما عن المجمع (1)، و معناها- كما في النهاية-:

الوظيفة من خراج الأرض المقررة عليها، ثم قال فيها: «و هو فارسي معرب» (2).

____________

(1) الشيخ فخر الدين الطريحي: مجمع البحرين 5: 206 ط. المكتبة المرتضوية (إيران)- دون تاريخ.

(2) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث و الأثر 3: 124 ط. إسماعيليان (قم) سنة 1367 شمسي الموافق 1409 ه‍. ق.

167

و لا يخفى أن ظاهر قوله (عليه السّلام): «فهي له» (1) أنه يملك رقبة الأرض بالإحياء، و يجب عليه الخراج، كما أن الظاهر من قوله (عليه السّلام) في صحيحة الكابلي: «و له ما أكل منها» (2) أن المملوك هو ما أكل، فله ظهور في عدم مملوكية رقبة الأرض.

و لكن يمكن حمل الصحيحة على المصححة، فتدل هذه الأخبار: على أن أرض الموات تملك بالإحياء، و يجب فيها الخراج، فتكون حجة في الملك بالإحياء، و إن كانت غير حجة بالنسبة إلى وجوب الخراج، لإعراض الأصحاب عنها من هذه الجهة.

إلا أن يقال: إن لازم دلالتها على وجوب الخراج دلالتها على عدم ملك الرقبة، لأن الخراج هو أجرة الأرض، فيصرف ذلك ظهور الصحيحة عن ملكية الأرض بالإحياء، فتكون أيضا مما أعرض عنه الأصحاب من هذه الجهة، و الأحسن في تأويلها ما ذكره الشيخ في المتن: من أنها لبيان الاستحقاق، لا الوجوب الفعلي، فلا ينافي عدم وجوب الخراج فعلا.

قوله (قدّس سرّه): و لا يخصص عموم ذلك بخصوص بعض الأخبار. إلى آخره.

الظاهر أن هذا المطلق لا بد أن يحمل على مثل هذا المقيد، لأن القيد و ان سلمنا غلبته، إلا أن المقام مقام تحديد، ففيه مفهوم أن ما عدا ما ذكر في الرواية ليس من الأنفال، و لما قيد الأرض بالميتة، فيدل بمفهومه: أن الأرض العامرة بالأصالة ليست من الأنفال، و حمل القيد على وروده مورد الغالب يحتاج إلى دليل، و ليس هذا من باب حمل المطلق المثبت على المقيد المثبت، بل تقييد المطلق‌

____________

(1) في مصححة عمر بن يزيد المتقدمة.

(2) الوسائل 25: 414- 415 حديث 2 من الباب 3 من إحياء الموات (مصدر مذكور).

168

بالمقيد النافي، لأن تقييده إنما هو بالمفهوم لا بالمنطوق، كما أنه ليس هذا المفهوم حجيته منوطة بحجية مفهوم الوصف، بل لقرينة المقام، و هو التحديد.

و الحاصل فرق بين أن يقول القائل: «أكرم هاشميا»، و «أكرم هاشميا عالما»، فإن الثاني لا يقيد الأول، و بين أن يقول: «الواجب إكرامه هو الهاشمي»، ثم يقول: «الواجب إكرامه هو الهاشمي العالم»، فإن المقيد الثاني له مفهوم: أن الهاشمي غير العالم لا يجب إكرامه، فيقيد إطلاق المطلق، بخلاف الأول، فإنه لا يصلح لتقييد المطلق، فلا بد من حمله على شدة الاهتمام أو استحبابه أو الغلبة.

و مقامنا من قبيل الثاني لا الأول، لأن الرواية حصرت الأنفال في ما ذكر فيها، التي من جملتها: كل أرض ميتة لا رب لها.

على ان كلمة «ميتة» إنما هي قيد للأرض في نفسها، و ليس الموات من الأرض أغلب من العامرة، و إنما الأغلبية للأرض التي لا رب لها الميتة، و قيد لا رب لها إنما جاء متأخرا بعد تقييد الأرض بالميتة.

و إنما يصح فرض الأغلبية فيما إذا فرض أن تقيد الأرض ب‍ «لا رب لها»، ثم تقيد «بالميتة»، إذ تكون الأرض التي لا رب لها على قسمين: قسم غالب:

و هو الميتة، و قسم نادر: و هو العامرة.

إذا عرفت ذلك: فمقتضى حصر الأنفال فيما ذكرته بعض الأخبار، خروج الأرض العامرة التي لا رب لها من الأنفال، فيحتاج اعتبارها من الأنفال إلى دلالة دليل بالخصوص، و ليس.

و أما الإجماع فغير محقق، و قد ذكر بعضهم أن هذه المسألة غير محررة في كلمات الأصحاب، فكيف يستكشف إجماعهم؟! فالأقوى أنها من المباحات الأصلية التي تملك بالحيازة.

قوله (قدّس سرّه): و ان كانت العمارة من معمر، ففي بقائها على ملك معمرها أو خروجها عنه و صيرورتها ملكا لمن عمرها ثانيا، خلاف معروف (1).

ينبغي في تحرير البحث هنا‌

169

ان يقال: إن في المقام مسألتين.

الأولى: أن تكون الموات من الأراضي مملوكة قبل موتها بأحد أسباب الملك غير الإحياء، كالشراء، و العطية، و نحوهما، ثم عمرها معمر، فهل هذا المعمر يملكها بالإحياء، أو أنها باقية على ملك مالكها الأول، فيستحق على الثاني أجرة الأرض؟

فعن العلامة في التذكرة أنها لا تملك بالإحياء بلا خلاف، و نحن لم نر قولا صريحا لأحد بملكها بالإحياء.

الثانية: أن تكون مملوكة قبل موتها بالاحياء، بمعنى أنها ماتت و هي في ملك من أحياها، و لم تنتقل لأحد بيع و نحوه، فلو أحياها آخر ففي ملكه لها بالإحياء، أو بقائها على ملك معمرها الأول، خلاف معروف، كما قال المصنّف.

و غرض المصنف البحث هنا عن هذه المسألة الثانية، و لم يتعرض للأولى، و على كل، فقد اختار العلامة في التذكرة و جماعة ممن تأخر عنه: أنها تصير ملكا لمن عمرها ثانيا.

و قيل لم يعرف الخلاف في ذلك قبل العلامة، و الأرجح و الأوفق بالجمع بين الأخبار هو هذا القول، لأن الروايات في الباب على طوائف ثلاث:

الأولى: صحيحة معاوية بن وهب: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول: أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها، و كرى أنهارها، و عمرها، فإن عليه الصدقة- أي الزكاة- فإن كانت أرض لرجل قبله، فغاب عنها، و تركها فأخربها، ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض للّٰه و لمن عمرها» (1).

و هذه الصحيحة مطلقة بالنسبة إلى المالك الذي تركها فخربت، سواء كان‌

____________

(1) الوسائل 25: 414 حديث 1 من الباب 3 (مصدر مذكور).

170

ملكه بالإحياء أو بغيره، و هي تدل على أن الثاني يملكها بالإحياء، و لا معنى لاحتمال أنها للأول الذي عمرها، لأنه ليس فيها فرض أن الأول عمرها، بل فرضها أن الأول قبل المعمر الثاني قد تركها فأخربها، من دون دلالة على أنه كان أحياها.

و العجب أن يدّعي صاحب الجواهر أنها لم يفرض فيها السؤال عن وجود شخص آخر عمرها، مع أن صدر الرواية مع كلمة قبله صريح في فرض وجود شخص ثان قد عمرها.

الثانية: رواية سليمان بن خالد: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن الرجل يأتي الأرض الخربة، فيستخرجها، و يجري أنهارها، و يعمرها، و يزرعها، ما ذا عليه؟

قال: الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها، قال: فليؤد إليه حقه» (1).

و المراد بتأدية الحق، ليس إلا تأدية أجرة الأرض، و هذا دليل على أنها لا تزال على ملك مالكها الأول، و لم يملكها الثاني، و هي مطلقة بالنسبة إلى المالك الذي تركها، سواء كان ملكه بالإحياء أو بغيره، فهي معارضة لصحيحة معاوية على نحو التباين، لأن تلك تجعل ملك الأرض للمعمر الثاني مهما كان ملك الأول للأرض بالإحياء أو بغيره، و هذه لا تجعل له الملك، و إنما تبقى على ملك الأول مهما كان سبب ملكه، الإحياء أو غيره.

و لازم هذا التعارض أن يتساقطا، و لكن يمكن العمل بهما معا بحملهما على:

الطائفة الثالثة: و هي صحيحة الكابلي، ففيها: فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل منها، فإن تركها و أخربها، فأخذها رجل من المسلمين من بعده، فعمرها و أحياها، فهو‌

____________

(1) الوسائل 25: 415 حديث 3 من الباب 3 من إحياء الموات (مصدر مذكور).

171

أحق بها من الذي تركها» (1).

فقد خصت هذه الصحيحة بما إذا كان المالك الأول ملكها بالإحياء، فتحمل عليها صحيحة معاوية، و تخص رواية سليمان بما إذا كان السبب المملك للمالك الأول غير الإحياء، و هذا جمع عرفي لا بأس به، و هو خير من الطرح، و إن كانت هذه صحيحة الكابلي لا يعمل ببعض مضمونها من جهة وجوب الخراج، و لكن ذلك لا يضر في حجيتها، كما هو واضح.

و بهذا يظهر أنه لا مجال لاستصحاب ملكية المالك الأول مع وجود الدليل على أن الشك في المقام من قبيل الشك في المقتضي، فلا يجري الاستصحاب حتى مع عدم الدليل، لأنه يجوز أن يكون الإحياء سببا للملك ما دامت الحياة، فلا يكون سببا حدوثا و بقاء.

و بعبارة أخرى: يجوز أن يكون موضوع الملك هي الأرض المحياة بما هي محياة، لا الأرض بما هي رقبة أرض، فالشك فيه يكون شكا في اقتضاء الإحياء، لدوام الملك بعد موت الأرض.

و لو سلمنا جريان الاستصحاب، فلا ينفع في المقام، فإنه حتى لو علمنا ببقاء ملك المالك الأولى إلى حيث الموت- إذا دل الدليل على أن الإحياء من الثاني يكون سببا للملك- فلا مانع من الالتزام بأن الأرض بالإحياء تنتقل من ملك الأولى إلى الثاني، و لا حاجه إلى الالتزام بأن الموت مبطل لملك الأول، كما قيل بضرورة هذا الالتزام لمن يقول بملك الثاني بالإحياء، فإنه مع دلالة الدليل، لا مانع من الالتزام بانتقال المالك بالإحياء.

و لا يستغرب ذلك، و مثله واقع في الشريعة، فإن اللقطة للأشياء الحقيرة مملكة للملتقط، مع أنها إلى حين الالتقاط هي في ملك المالك الأصلي، و ليس‌

____________

(1) حديث 2 من المصدر السابق.

172

بنفس الضياع تنتقل منه، و ليس هذا من باب القياس، بل الغرض منه التمثيل لرفع الاستغراب، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): للمسلمين كافة إجماعا. إلى آخره.

قد تقدم نحو ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة بأن تصرف في مصالح المسلمين، فمن كانت في يده قد تقبلها ممن يجب أن يتقبلها منه، يجب عليه أداء خراجها على ما تقبلها، و خراجها هو الذي يصرف في مصالحهم.

و هذا ما لا شبهة فيه، كما لا شبهة في عدم جواز بيعها، و لا نقلها بأي نحو من أنحاء النقل، لأنها ليست ملكا لمن هي في يده «و لا بيع إلا في ملك» (1)، كما تقدم.

و كذلك بيعها تبعا للآثار، بمعنى أنها تكون جزءا للمبيع إلا أن يبيع الأولوية، و حق الاختصاص، و الاستثمار إذا كان مأذونا في نقل هذا الحق.

و الحاصل أن الأرض المفتوحة عنوة لما كانت ملكا لجميع المسلمين على النحو الذي ذكرناه، فمقتضى القاعدة أنه لا يجوز لأحد التصرف فيها بنحو من أنحاء التصرف، لحرمة التصرف في مال الغير.

و لكن الإمام (عليه السّلام) باعتبار كونه ولي المسلمين، فهو الذي يتصرف بها لصرفها في مصالحهم فقط، و لا يجوز لغير ذلك.

فإذا أذن لأحد بالعمل فيها بأجرة يؤديها، فلا يجوز له أن يسلّمها لغيره ببيع حقه فيها ليعمل فيها الغير بالأجرة المفروضة، أو يتصرف فيها التصرفات الأخرى، إلا إذا كان له عموم الإذن، لأن الأصل فيمن استأجر شيئا لينتفع به المنع من إيجاره لآخر، و من التصرفات الأخرى، إلا إذا كان مأذونا بذلك.

فينبغي أن يتكلم هنا في عموم هذا الإذن لبيع الحق، و التصرفات الأخرى‌

____________

(1) المستدرك 13: 230، حديث 3 من الباب 1 (مصدر مذكور).

173

في الأرض في زمان الحضور، أو في زمان الغيبة، سواء كان الآذن الإمام (عليه السّلام) أو نائبه- بناء على عموم ولايته- أو السلطان الجائر، بناء على أن الإمام قد أذن لمن يأذن له السلطان.

هكذا ينبغي تحرير النزاع في جواز التصرف: أنه هل هناك إذن عام بجميع التصرفات، حتى التصرف بنقل حق الاختصاص و الأولوية إلى الغير، أو أنه لا يجوز التصرف إلا فيما يتعلق باستثمار الأرض من غرس و نحوه؟

ظاهر عبارة المبسوط التي نقلها المصنف في الكتاب المنع من التصرفات مطلقا، بناء على أنه هو حكم الأصل.

و هذا صحيح أنه هو حكم الأصل، و لا حاجة إلى حمله على زمان الحضور، و عدم الإذن من الإمام (عليه السّلام) كما صنع (1) المصنف.

لكن الكلام في أنه: هل هناك مخرج عن هذا الأصل باستفادة عموم الإذن من الروايات، و قد فصّل في الدروس بين حال الحضور، فلا يجوز إلا بإذن من الإمام- و هذا على القاعدة- و بين حال الغيبة فيجوز التصرف؟

قلت: المعروف من ذوق الشارع في الأراضي الخراجية إلّا تبقى عاطلة لا يعمل فيها أحد، بل المرغوب فيه له أن ينتفع بها العاملون فيها، و ينتفع من خراجها المسلمون في مصالحهم العامة، بل المحبوب له أن تعمر جميع أصناف الأرض حتى الموات، لتعم الفائدة، و تقوى شوكة المسلمين.

فإذا أذن الإمام، أو من يقوم مقامه- الذي إذنه من إذن الإمام- لأحد من الناس بالقيام بعمارة الأرض الخراجية، فليس لخصوصية في شخص المأذون، بل إنما هو للمصلحة العامة، التي قد يقوم بها غيره من هو مثله، أو أقوى منه على عمارتها.

____________

(1) في الأصل زيادة: من.

174

فيفهم من ذلك أن الإذن بتعمير الأرض لمن تقبلها لا يختص بشخصه بما هو شخصه الخاص كما يتفق ذلك لمن يؤجر أملاكه الخاصة على شخص معين، بل بما هو يقوم بعمارتها و يقوى عليها.

فإذا أراد هذا المتقبل ان يحوّل هذا الحق من نفسه الى غيره ممن يقوم بعمارتها بثمن أو بغير ثمن، ليس فيه منافاة للغرض من إذن الإمام.

و لذا قال الإمام (عليه السّلام) في رواية صفوان التي ذكرها المصنف: «لا بأس يشتري حقه منها، و يحوّل حق المسلمين عليه، و لعله يكون أقوى عليها، و أملأ بخراجهم منه» (1).

فإن المفهوم من الرواية بعد المحاورة التي في صدرها: أنه لا مانع من بيع الحق ما دام حق المسلمين محفوظا، و هي دليل على أنه لا يحتاج كل تصرف إلى إذن خاص، ما دام خراج المسلمين مؤمنا محفوظا.

و يشهد لذلك رواية محمد بن مسلم: «قال: سألته عن ذلك قال: لا بأس بشرائها، فإنها إن كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدى عنها كما تؤدي عنها» (2).

و تؤيده صحيحة محمد بن مسلم: «قال: سألته عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، فقال: ليس به بأس، و قد ظهر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) على أهل خيبر فخارجهم على ان تترك الأرض في أيديهم و يعملونها و يعمرونها، و أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض، أو عملوه فهم أحق بها» (3).

حيث جعل نفس ثبوت الحق مناطا لجواز الشراء من ارض اليهود و النصارى، مستدلا بما فعل النبي مع أهل خيبر.

____________

(1) الوسائل 15: 155 حديث 1 من الباب 71 من أبواب جهاد العدو. (مصدر مذكور).

(2) حديث 3 من المصدر السابق.

(3) حديث 2 من المصدر السابق.

175

و غرض الإمام (عليه السّلام) الاستدلال على ثبوت الحق لليهود و النصارى فيما عمروه من الأرض بفعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، إما بعد ثبوت الحق فيظهر أن من المفروغ عنه عند السائل جواز البيع، و هذا يكشف عن أن من المسلمات عند المسلمين أنه يجوز لمن له حق في شي‌ء من الأرض أن يتصرف، فيبيع حقه منها لغيره، أما باقي التصرفات الأخرى التي لا تضر بخراج المسلمين،- لا سيما الراجعة لمنفعة القائم على الأرض، كالبناء و الغرس- فجوازها بطريق أولى، و لا يفرق فيه بين زمان الحضور أو الغيبة.

فالمتحصل من جميع ذلك أن المرجح: هو عموم الإذن في التصرفات التي لا تضر بمصالح خراج المسلمين، سواء كان في زمان الغيبة أو الحضور، و سواء كان الآذن الإمام أو نائبه، أو السلطان الجائز في موقع اعتبار إذنه.

بقي الكلام في أن التصرف ابتداء في الأرض الخراجية، الذي يثبت به حق الاختصاص- بعد تعذر تقبلها من الامام (عليه السّلام) و أخذ الإذن في زمن الغيبة منه- على أي شي‌ء يتوقف جوازه؟ على إذن الحاكم نائب الإمام؟ أو السلطان الجائر؟

أو لا يتوقف على شي‌ء؟ أو يفصّل بين القائمين على عمارتها، أو بين الأرضين؟ أو لا يجوز أصلا؟

فيه وجوه خمسة، ذكرها المصنف، و رجح ثالثها في عبارته، و هو توقفها على إذن الحاكم نائب الإمام، بناء على ما يختاره من عموم ولاية المجتهد الحاكم، و نيابته عن الإمام، على أن الثابت من الولاية هو اعتباره حاكما، لا يجوز رد حكمه و ما يلحق بذلك، لا ولايته على كل ما يتولاه الإمام.

و أما توقفه على إذن السلطان، فينبغي القطع بعدمه لا سيما فيما لا يقع تحت سلطانه من الأرض، لأنه بعد أن نعتبره ظالما غاصبا لحقوق الإمام، و تحرم إعانته و الركون إليه بأي شكل من الأشكال، كيف ننيط جواز التصرف بإذنه؟!

176

و أكثر ما ثبت جواز تقبل الأرض منه و تسليمه الخراج تقية، أو حفظا لوحدة المسلمين و جامعتهم، لعلمنا أنا مأذونون بذلك، و أين هذا من حرمة التصرف بدون إذنه واقعا بيننا و بين اللّٰه، و لو في أطراف الأرض خارجا عن سلطانه؟! و أما جواز التصرف مطلقا بناء على إباحتهم لشيعتهم، فمن الواضح أن ما أبيح للشيعة هو خصوص ما يرجع إلى ملك الإمام، أما في الأراضي الخراجية التي هي ملك للمسلمين فلم تثبت إباحتهم لها، و إذا أبيح الخراج، فلا يلزم إباحة نفس التصرف في الأرض.

إذا عرفت ذلك فلم يبق إلا أن نقول بعدم جواز التصرف في الأرض الخراجية مطلقا، ذلك التصرف الذي يثبت به حق الاختصاص، و لكن من جهة أخرى نكاد نقطع أنه ليس من مذاق الشارع المقدّس، كما سبق، أن تبقى الأرض مهملة بلا عمارة، و بلا استفادة أحد منها، و إذا تعذر تقبلها من الإمام و أخذ الإذن منه، فنحتمل إناطة الإذن برخصة نائب الإمام، أو السلطان، أو شي‌ء آخر.

و مقتضى قاعدة الاحتياط التوقف في التصرف حتى يحصل ما نحتمل دخله في الإذن، أما رخصة السلطان، فنكاد نقطع بعدم التوقف عليها، بخلاف رخصة نائب الإمام فإنه من المحتمل احتمالا قريبا من الواقع دخلها في الإذن، فلا بد أن نقول بدخلها في الإذن، و لكن لا لثبوت عموم ولايته، بل لقاعدة الاحتياط.

و إذا تعذر أخذ الإذن من نائب الإمام، فتحتمل دخل إذن عدول المؤمنين، لما هو معروف نظيره في الشرع من قيامهم مقام نائب الإمام، عند ما يعلم بضرورة تنفيذ شي‌ء يحتاج إلى الإذن مما يتعلق بمصالح المسلمين الدنيوية، و لم يتمكن من أخذ الإذن منه، فقاعدة الاحتياط حنيئذ تقتضي أخذ الإذن من عدول المؤمنين، و إذا تعذر ذلك، فيجوز التصرف مطلقا بلا توقيف على شي‌ء،

177

هذا ما يقتضيه الحق في المقام، و اللّٰه (1) العالم.

قوله (قدّس سرّه): لما يظهر من قوله (عليه السّلام) للمخاطب في بعض أخبار حل الخراج. إلى آخره (2).

قوله (قدّس سرّه): بل يدل عليه استمرار السيرة خلف عن سلف على بيع الأمور المعمولة. إلى آخره.

لم تثبت السيرة على بيع ما هو من أرض الخراج مع عدم تعيين الأراضي الخراجية في العراق، فيجوز أن يكون استمرار التصرف لجهل الأرض المأخوذ منها الطين بكونها خراجية، أو لمعلومية كونها ليست خراجية، و الأراضي التي يؤخذ منها الطين للآجر و نحوه غالبا من الأراضي الموات.

و على كل حال لا ينبغي التوقف من بيع الآجر و نحوه، لعدم معلومية الأراضي الخراجية بشخصها في العراق، فضلا عن غير العراق، فتدبر جيدا.

____________

(1) في الأصل: و أنه.

(2) في الأصل يوجد بعد هذا المتن بياض يسع خمسة أسطر تقريبا.

178

[الثاني] اعتبار كون الملك طلقا في العوضين

قوله (قدّس سرّه): و المراد بالطلق تمام السلطنة على الملك. إلى آخره.

إن من الواضح أن وصف الطلق من أوصاف المال المملوك، لا من أوصاف المالك و لا الملكية، و لذا جعلوه من شروط العوضين، فلا وجه لتفسيره بتمام السلطنة على الملك تارة، و بأن يكون المالك مطلق العنان أخرى، الذي يرجع إلى جعله وصفا للملكية في الأول، و وصفا للمالك في الثاني، بل المراد به حسب ظاهر كلمة الطلق و اشتقاقها، و حسب ظاهر كلمات القوم، كون المال مطلق العنان، بمعنى عدم تعلق لغير المالك فيه، مثل: حق الجناية، و حق الرهانة، فلا مانع إذا من جعله شرطا مستقلا، و يتفرع عليه ما ذكر من الفروع، مثل: عدم صحة بيع الوقف، و أم الولد، و ما تعلق به حق الرهن، و الجناية.

أما اعتبار هذا الشرط فمن القضايا التي قياساتها معها، لأنه إذا تعلق للغير حق مراعى عند الشارع في مال، فلا بد (1) لا يصح للمالك التصرف به كيف يشاء على وجه ينافي حق صاحب الحق، كالبيع و نحوه رعاية للحق الثابت، و إلا لما كان ذلك الحق مراعى و معتبرا شرعا، و لهذا يظن أن هذا الشرط منتزعا، و ليس شرطا مستقلا.

____________

(1) كذا.

179

و أما ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من إرجاع هذا الشرط إلى اشتراط أن يكون متعلق البيع مما يصح للمالك بيعه مستقلا، و هذا لا محصل له، لأن هذا عبارة أخرى عن أنه يشترط في المبيع صحة بيعه، و هذا من رد الصدر على العجز.

ففيه: أن كل شرط يرجع بالأخرة إلى اشتراط صحة المشروط، من باب رجوع الملزوم إلى لازمه، فإن لازم كل شرط في البيع أنه يصح للمالك بيعه معه، على أن اعتبار الطلقية ليس مختصا بخصوص التصرف بالبيع، بل كان تصرف في المال من شأنه منافاة حق الغير في المال، لا يجوز ما لم يكن المال طلقا سالما من حق لغير المالك يمنع من التصرف، مثل التصرف بالهبة، و الإجارة، و الصلح عليه، و الرهن، و نحو ذلك.

قوله (قدّس سرّه):- أي قول صاحب المقابيس في تعداد الحقوق المانعة-: و تعارض السبب المملك و المزيل للملك. إلى آخره.

بأن كان الأب حربيا أيضا، فقهره ابنه الحربي على استرقاقه و بيعه فيملكه بالقهر، و إذا ملكه انعتق عليه، لأنه أبوه، فيتعارض السبب المملك و المزيل للملك و هذا يمنع من صحة بيعه، بل من استرقاقه.

180

[في بيع] الوقف

قوله (قدّس سرّه): لا يجوز بيع الوقف إجماعا. إلى آخره.

قد استدل على عدم صحة بيع الوقف: بأن حقيقة الوقف هو إيقاف الشي‌ء في محله، و جعله ثابتا لا يزول، كالإيقاف الخارجي للشي‌ء الخارجي، و تثبيته على نحو لا يزول كالبناء و نحوه، فإنشاء الوقف هو اعتبار هذا المعنى، الذي من تمام معناه الدوام و الثبات، فيكون إيقافا و تثبيتا و حبسا اعتباريا، كإنشاء البعث بالصيغة الطلبية، فإنه اعتبار للبعث و التحريك الخارجيين، فإذا أمضى الشارع هذا الاعتبار كان ثابتا و واقفا بحكم الشارع حتى يزول بحكم الشارع أيضا، فلذلك لا يجوز بيع الوقف إلا بإذن من الشارع، لأن جواز البيع مناف لحقيقة الوقف المنشأ الذي أمضاه الشارع.

هكذا ينبغي تقرير هذا الاستدلال الذي نقل عن المرحوم السيد كاظم اليزدي في ملحقات العروة (1).

فلا يرد عليه ما قيل في تقريرات بعض أعاظم مشايخنا (قدّس سرّه): في أن مجرد كون المنشأ وقف الشي‌ء لا يقتضي لزومه، و عدم جواز بيعه من الواقف أو الموقوف‌

____________

(1) الملحقات ج 2: ص 252- 253 (منشورات مكتبة الداوري) قم. دون تاريخ.

181

عليه، فإن الهبة تمليك من المتهب، مع أنه يجوز الرجوع فيه (1).

وجه عدم وروده: أن اللزوم و الثبات من تمام معنى الوقف، لا أنه معنى زائد على المنشأ، حتى يحتاج لزومه إلى دليل آخر غير دليل الإمضاء، بخلاف الهبة التي معناها (2) التمليك مجانا، فإنه ليس من تمام معناها الثبات، و اللزوم، حتى ينافي معناها جواز الرجوع فيها.

و أما ما أفاده لإصلاح هذا الدليل بعد إيراده، فلا ينهض لإثبات المدعى، فإنه قال: نعم لو انضم إلى ذلك أمران، أحدهما: بالنسبة إلى الواقف، و هو خروج العين عن ملكه، فرجوعها إليه يحتاج إلى الدليل.

و ثانيهما: بالنسبة إلى الموقوف عليه، و هو أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، فليس لغيره التبديل (3) انتهى موضع الحاجة.

لأنا نقول: أما بالنسبة إلى الواقف، فهو مبني على أن الأصل في العقود هو اللزوم.

و أما بالنسبة إلى الموقوف عليه، فيتوقف على تمامية دلالة الخبر: «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (4)، و هذا الخبر ناقش في دلالته على المدعى نفس السيد الذي جعل هذا الخبر توجيها لكلامه.

و وجه المناقشة: أن المنصرف من «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها»، هي الشروط و القيود التي يعتبرها الواقف، لا لزوم الوقف و عدم جواز بيعه، و لذلك كان جعله دليلا مستقلا، كما صنع المصنف (قدّس سرّه) محل إشكال.

____________

(1) تقريرات الميرزا محمد حسين النائيني (بقلم الشيخ موسى الخونساري): منية الطالب 1: 344- 345 ط النجف 1358 ه‍.

(2) في الأصل: معناه.

(3) المصدر المتقدم ص 345.

(4) الوسائل 19: 175 حديث 1 من الباب 2 من الوقوف و الصدقات (مصدر مذكور).

182

قوله (قدّس سرّه): فإن الظاهر من الوصف كونها صفة. إلى آخره.

ذكر المصنف (قدّس سرّه) احتمالين لوصف الصدقة بقوله (عليه السّلام): «لا تباع و لا توهب» (1):

الأول: إنها صفة لنوع الصدقة، و بهذا الاحتمال يتم الاستدلال، و رجحه على الثاني.

بيانه: أن الظاهر من توصيف الصدقة بأنها لا تباع و لا توهب، بيان الفصل المقوّم لنوع هذه الصدقة، فيكون ذكر الصدقة من قبيل الجنس، و لا تباع و لا توهب من قبيل الفصل لنوع هذه الصدقة، و ما ذلك إلا تعبير ثان عن الوقف، فبدل أن يقول: «وقفت داري»، قال: «تصدقت بها صدقة لا تباع و لا توبة»، يعني «جعلت داري من نوع الصدقة الخاصة التي من حقيقتها و شأنها أنها لا تباع و لا توبة»، و من المعلوم إذا كان المقصود من الوصف بيان حقيقة هذه الصدقة و هي الوقف يتم الاستدلال بهذا الخبر.

و ليس غرض المصنف أن «صدقة» مفعول مطلق لبيان النوع، كما توهمه بعضهم، و غرّ هذا البعض ورود كلمة النوع في كلامه، و إنما غرضه النوع الذي هو من الكليات الخمسة، و قد صرح به بعد ذلك، إذ قال: مع أن هذا التقييد مما لا بد منه على تقدير كون الصفة فصلا للنوع أو شرطا خارجيا، و لا معنى لأن يراد من الصدقة المفعول المطلق، و هي ليست بمصدر، و لهذا وصفت بأنها لا تباع و لا توهب، و هل يصح وصف المصدر بأنه لا يباع و لا يوهب؟! ثم أي دخل في المقصود إذا جعلنا كلمة صدقة مفعولا مطلقا لبيان النوع، و إنما المدار في وصف كلمة صدقة بقوله: «لا تباع و لا توهب»، هل هو من قبيل الفصل لنوع من الصدقة الذي هو الوقف؟.

____________

(1) الوسائل 19: 186 حديث 3 من الباب 6 من الوقوف و الصدقات.

183

الاحتمال الثاني: أن يكون الوصف وصفا لشخص هذا الوقف، فيكون شرطا خارجا عن حقيقة النوع، و إنما اعتبر في شخص هذا الوقف المحكي عنه، فكون هذه الصدقة لا تباع، لأنه أنشأها و اعتبرها كذلك، لا لأن نوع هذه الصدقة ليس من شأنه و حقيقته البيع، و قد بعّد المصنف هذا الاحتمال من ظاهر التوصيف.

و قد ذكر له مبعّدين، غير ما ذكره أنه (1) من المخالفة للظاهر:

الأول: أنه لو كان هذا الوصف شرطا في شخص هذه الصدقة لاقتضى تأخره عن ركن العقد، أعني الموقوف عليه، لأن الأصل في الشرط في العقد أن يتأخر عن أركانه إذ أنه اعتبار فيه زائدا على حقيقته، لا سيما أن هذا الشرط على تقدير كونه شرطا إنما هو اشتراط على الموقوف عليهم، ألا يبيعوا و لا يهبوا، فالأولى أن يتأخر في الذكر عن الموقوف عليهم.

الثاني: أن الظاهر من قوله (عليه السّلام): «لا يباع و لا يوهب» (2) أنه لا يباع مطلقا، مع أن جواز البيع عند طرو المسوغات ثابت في الشريعة، فيكون اشتراط عدم البيع مطلقا من باب الشرط المحرم حلالا، المخالف للمشروع فيكون فاسدا، بل مفسدا.

و قد أجاب المصنف عن هذا بأن الإطلاق منصرف إلى خصوص البيع لا لعذر، فلا يكون مخالفا للمشروع كانصراف رواية ابن راشد (3).

مضافا إلى أن هذا التقييد بعدم العذر لا بد منه، سواء كانت صفة «لا يباع و لا يوهب» فصلا للنوع أو اشتراطا خارجيا، لأنه لو كانت فصلا، لا بد أن يراد‌

____________

(1) في الأصل كلمة مطموسة قدرناها: (أنه) و يحتمل كونها: (أولا).

(2) الوسائل 19: 199 حديث 3 من الباب 10 من الوقوف و الصدقات، الحديث، طويل، و جملة الشاهد في وسط صفحة 201.

(3) الوسائل 19: 185 حديث 1 من الباب 6 من الوقوف و الصدقات.

184

منه عدم جواز البيع في صورة عدم العذر المسوغ.

على أنه على تقدير أن تكون الصفة شرطا خارجيا يمكن إبقاؤها على إطلاقها، بخلاف ما إذا كانت فصلا، و ذلك عند ما يفرض أن الإمام كان عالما بعدم طرو مسوغات البيع في خصوص داره التي وقفها، فيمكن أن يبقى الوصف على إطلاقه و يستغنى عن تقييده على تقدير كونه شرطا، و لا بد من تقييده على تقدير كونه فصلا، لأنه حينئذ لا يختص بشخص هذا الوقف.

هذا حاصل ما أفاده المصنف، و لكن الإنصاف أن يقال: إن جواز البيع عند طرو المسوّغات لا يكون من قبيل التقييد، لإطلاق عدم جواز البيع، الثابت للوقف بما هو و بعنوانه الأولى، لأن طرو الاعذار من الانقسامات اللاحقة للوقف، فلا يشملها إطلاق أحكام الوقف بما هو في نفسه، كما إذا حكمنا بإباحة شي‌ء من حيث هو مطلقا، و لكنه قد يجب، لانطباق عنوان إطاعة الوالد عليه، فإن دليل وجوب الإطاعة لا يكون مقيدا لدليل إباحة الشي‌ء في نفسه، لأنه ليس شاملا للانقسامات اللاحقة، فلا مانع من إبقاء الصفة على إطلاقها في عدم جواز البيع إذا كانت فصلا للنوع، بخلاف ما لو كانت شرطا خارجيا، فإنها تكون اعتبارا خاصا لشخص هذا الوقف، لا حكما ثابتا للوقف بما هو في نفسه، و دعوى الانصراف حينئذ إلى خصوص البيع لا لعذر، لا منشأ لها.

و من هنا يظهر أن ما أفاده صاحب المقابس (رحمه اللّٰه) من التمسك بإطلاق المنع عن البيع، بناء على كون الوصف داخلا في أصل حقيقة الوقف صحيح من ناحية التمسك بالإطلاق، لكن لا على أن يكون إطلاقه شاملا حتى للانقسامات اللاحقة، كما هو غرضه الأصلي، حيث جعل ذلك من جملة الوجوه على بطلان بيع الوقف مطلقا، حتى مع العذر، فانظر كلامه في حجة المانعين عن بيع الوقف مطلقا.

فتحصل من جميع ما ذكرناه: أن أدلة المنع عن بيع الوقف، لا مانع من‌

185

إبقائها على إطلاقها، و إنما تكون محكومة لأدلة جواز البيع عند طرو المسوّغات، بخلاف ما لو اشترط واقف في وقفه عدم جواز البيع حتى مع طرو المسوّغ، فإنه يكون مخالفا للمشروع، و ليس كلام الإمام (عليه السّلام) في حكاية وقفه إلا كسائر صور الوقف التي يكتبونها الناس في بيان أوقافهم، فلو كان الوصف المذكور شرطا خارجيا لكان مخالفا للمشروع، و لا تكون الأدلة المسوّغة للبيع عند العذر حاكمة عليه، بل هي تكون مخلة في مصبّه، لأن المفروض أنه اعتبار خاص في الوقف الشخصي مع فرض ثبوت جواز البيع عند المسوّغات بدليلها، فلذا يكون هذا الوقف الخاص الذي أطلق فيه عدم جواز البيع مخالفا لهذه الأدلة، لا هي حاكمة عليه (1).

بخلاف ما لو كان فصلا للنوع، فإنه يكون بيانا لحقيقة الوقف، و يكون من الأدلة على حكم الوقف في نفسه، فتحكم عليه الأدلة المسوّغة للبيع عند العذر.

قوله: و مما ذكرنا ظهر أن المانع من بيع الوقف أمور ثلاثة. إلى آخره.

لم يتضح كيف ظهر مما سبق أن المانع هذه الأمور التي ذكرها، فإن الروايات ليس فيها إشارة، و لا في كلامه (قدّس سرّه) ما يقتضي ذلك، و على كل ففي ثبوت هذه الحقوق الثلاثة إشكال، فضلا عن كونها مانعة.

أما حق الواقف، فلأن الواقف إنما ملّك الموقف عليهم على اختلاف البطون على نحو لا يباع، فقد خرج المال الموقوف عن يده و ملكه، فأي معنى لبقاء حقه فيه، و كونه صدقة جارية ينتفع بها، فانتفاعه بنفس جعلها صدقة جارية، و على تقدير ثبوت هذا الحق، فلا يمنع من بيع الموقوف و استبداله بشي‌ء يكون صدقة جارية، و لعله يكون أعود في النفع فيزيد انتفاع الواقف إذا كان نماء‌

____________

(1) هذه الفقرة من قوله: «و لا تكون». الى قوله «هي حاكمة» كتبت على الهامش.

186

البدل أكثر من أصل الموقوف.

و أما حق البطون اللاحقة، فلأن المعدوم لا يمكن أن يثبت له الملك فعلا، كذلك لا يمكن ثبوت الحق له فعلا، و أما جعل الملكية على تقدير انعدام الطبقة السابقة، فهو ملك تقديري، و لا يقتضي ذلك ثبوت حق لهم فعلا، و على تقدير ثبوت الحق فلا يمنع من بيع الموقوف ليستبدل عنه بشي‌ء آخر يعود إلى البطون اللاحقة.

و أما حق اللّٰه تعالى، فقد عبر عنه المصنف (قدّس سرّه) بالتعبد الشرعي، و هو خلاف المعهود و المصطلح من كون الحق بمعناه يقابل الحكم، فلا معنى لجعله نفس الحكم، و تسميته حقا على نحو التسامح و التوسع في التعبير، هو معنى آخر أجنبي عما نحن بصدده من كونه حقا لله كسائر الحقوق لا يجوز التعدي عنه.

و الحاصل أن اعتبار الشارع للتقرب و التعبد حكم لاحق، على أن كونه مما يعتبر فيه التعبد و التقرب لا يقتضي عدم جواز البيع، فإن المعتبر فيه التقرب هو إنشاء الوقف من الواقف، و هو أجنبي عن جواز بيع الموقوف عليه و عدم جوازه.

نعم الذي يقتضي عدم جواز البيع هو حكم الشارع بعدم الجواز، و هذا واضح عدم كونه حقا، بل لا معنى لكونه حقا بأي معنى يفرض للحق.

قوله (قدّس سرّه): ثم إن جواز البيع لا ينافي. إلى أخره.

تقدم أن حقيقة الوقف هو إيقاف الشي‌ء و جعله ثابتا، فإنشاء الوقف هو اعتبار هذا المعنى، فإذا أمضى الشارع هذا الاعتبار كان الوقف ثابتا لا يزول، بحكم الشارع، إلى أن يزول بحكمه أيضا. و ليس جواز البيع في الحقيقة إلا جعله ممكن الزوال و الخروج عن المحل الذي وقف عليه، لا أنه بالجواز يزول عما هو عليه، و هذا يكون كتضعضع البناء الواقف الثابت الذي به يكون ممكن الزوال، فإذا صدر البيع زال عن محله، و إلا فلا معنى لكون الجواز مزيلا له، و إلا فإلى أي‌

187

محل آخر ينتقل؟!، أ فيعود إلى ملك الواقف و لا يقول به أحد؟! و الحاصل أن الحكم بجواز البيع هو تخصيص لدليل الإمضاء، لا إبطال للوقف، و هذا لا ينافي ما قلناه: إن الثبات و اللزوم من تمام معنى الوقف، و من مقتضيات ذاته، فإن ثباته شرعا إنما هو بمقدار ما يدل عليه دليل الإمضاء، فإذا كان دليل الإمضاء مخصصا بدليل جواز البيع، فيكون ثابتا شرعا حتى يحصل المسوّغ للبيع.

نعم يبقى شي‌ء، و هو أن بيع البائع للوقف عن نفسه عن المسوغ يتوقف على كونه مملوكا له ملكا مطلقا قبل صدور البيع، لأنه «لا بيع إلا في ملك» (1)، و لأن حقيقة المبادلة تقتضي ذلك، و إلا كيف يدخل الثمن في ملكه؟!، و عليه فلا يعقل أن يكون سببا لزوال الوقف، و هو يتوقف على زواله.

و لعله إلى هذا نظر صاحب الجواهر (2) (قدّس سرّه)، و إن كان ظاهر عبارته: أن جواز البيع يتوقف على بطلان الوقف، لا نفس البيع. و هذا الإشكال سار في جملة من الموارد، كتصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه بالتصرفات المتوقفة على الملك، و كتصرف الواهب فيما وهبه و ما إلى ذلك.

و لكن لا يخفى أن جواز بيع الوقف تارة يكون لتبديله بشي‌ء آخر يكون وقفا أيضا، و اخرى يكون عن نفس البائع، فإن كان الأول، فلا يحتاج في صحة البيع إلى انتقاله إلى البائع على أن يكون ملكا طلقا له، بل البائع إنما يكون كالولي أو الوكيل مع فرض بقاء المبيع على ما هو عليه إلى حين صدور البيع، و معنى بيعه:

تبديله بثمن يكون في مقامه، و حالّا محله، و هو ينتقل إلى محل الثمن، ثم الثمن إذا‌

____________

(1) الميرزا النوري: مستدرك الوسائل 13: 230 حديث 3 من الباب الأول. (مصدر مذكور).

(2) الشيخ محمد حسن النجفي: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 22: 368 ط. دار الكتب الإسلامية (طهران) سنة 1400 ه‍.

188

اشترى به شيئا يكون هذا الثمن الثاني وقفا أيضا و حالّا محل الثمن الأول، و هكذا الوكيل لو باع شيئا عن الموكل بثمن، ثم اشترى بالثمن شيئا آخر فإن (1) المثمن الثاني يدخل بنفس العقد في ملك الموكل، و لا حاجة إلى عقد جديد، فالبيع الأول يقتضي دخول الثمن في ملكه، و الثاني يقتضي دخول المثمن الثاني في ملكه أيضا.

و على هذا القياس ما نحن فيه، فان وقوع المثمن الثاني وقفا لا يحتاج إلى عقد وقف جديد، و لذا قيل: إن نفس التبديل كاف لوقوف البدل وقفا على حسب ما كان عليه الموقوف الأول، و لا يحتاج إلى عقد وقف جديد.

و إن كان الثاني، و هو ما إذا كان البيع عن نفس البائع، بأن يدخل الثمن في ملكه أو في ملكه و ملك شركائه في الوقف، فلا بد من القول بانتقاله قبل البيع إليه حتى يصح بيعه عن نفسه تحقيقا لمفهوم المبادلة التي هي حقيقة البيع، كما تقدم في عقد الفضولي بسط الكلام فيه، و لكن لا يلزم أن يبطل الوقف بنفس حكم الشارع بجواز البيع، بل لا بد دفعا للضرورة أن تقدر بقدرها، فيقال: بانتقاله إليه قبل البيع آنا ما، كما نقول في نظائره في سائر المقامات، و قد تقدم معنى ذلك في مبحث المعاطاة، فراجع.

بل على مسلك الشيخ المصنف (قدّس سرّه) في وقف الطبقات أنه تمليك لطبقة فطبقة، فالطبقة الموجودة هي المالكة فعلا، فتبيع ما هو ملكها، غاية الأمر أن للطبقات اللاحقة حقا في المبيع على ما يراه (قدّس سرّه)، و لكن لازم دلالة الدليل على جواز البيع سقوط هذا الحق بحكم الشارع.

قوله (قدّس سرّه): المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه. إلى آخره.

تقدم تحقيق مفهوم الوقف أنه إيقاف للشي‌ء و تأييده اعتبارا، و لازمه المنع عن البيع، فليس المنع مأخوذا في مفهومه، و لكنه لازم مفهومه الذي لا ينفك عنه،

____________

(1) في الأصل: فإنه.

189

و الى ذلك يشير كلام صاحب كشف الغطاء المتقدم الذي نقله المصنف، و لكن- كما قلنا في الحاشية السابقة- أن جواز البيع لا يستلزم بطلان الوقف، بل يكون دليله مخصصا لدليل الإمضاء.

قوله (قدّس سرّه): إذا عرفت أن مقتضى العمومات. إلى آخره.

ينبغي أولا تحرير الأصل في الأوقاف الذي قد يختلف باختلافها، فنقول:

الوقف على أنحاء خمسة:

(الأول): ما يكون من نوع تحرير الرقبة، فيكون إخراجا للشي‌ء عن المالية، و عن المملوكية، نحو تحرير رقبة العبد بعتقه، و هذا ما كان من قبيل وقف المشاعر، كالمساجد و أشباهها، و قد يلحق بها مثل الحسينية، و هي المحل الموقوف لإقامة الشعائر الحسينية.

(الثاني): ما يكون من قبيل المباحات، فيجعل كسائر المباحات ينتفع بها كل أحد، كالخانات الموقوفة في منازل الطرق و القناطر و نحوها، فتكون كماء النهر يستقي منه كل أحد، و هذا بحكم الأول من حيث كونه تحريرا.

(الثالث): ما يكون وقفا عاما على جهة مخصوصة كالمدارس الموقوفة لسكنى طلاب العلم، و ليس في هذا القسم تحرير لرقبة الموقوف، و قد تلحق بهذا القسم الحسينية.

(الرابع): ما يكون وقفا خاصا، كوقف الذرية سواء كان مؤبدا أو منقطعا.

(الخامس): ما يكون وقفا للوقف كحصير المسجد، و ضيائه، و نحوهما فيكون بمنزلة الوقف الخاص لشخص معين، و يكون المسجد بمنزلة الموقوف عليه.

فإن كان الوقف من قبيل الأول، فلما كان من قبيل تحرير الرقبة و خارجا عن ماليته، فلا يصح بيعه و عوده مملوكا، لأنه ليس مالا، و لذا أنه لا تضمن منفعته لو غصبت، و يلحق به الثاني، لأنه غير مملوك لأحد و إنما يباح به التصرف‌

190

كسائر المباحات، و هو لا تضمن منفعته أيضا كالأول.

و أما الأقسام الثلاثة الباقية، فوزانها واحد من كون الوقف فيها مملوكا للموقوف عليه، سواء كان الجهة كما في الثالث، أو الأشخاص كما في الرابع، أو الوقف كما في الخامس، و لما كان الموقوف فيها باقيا على ماليته لم تسلب، فالوقف جار على العين بما لها من المالية، فالمالية أيضا موقوفة تبعا للعين، فإذا ذهبت الجهة المقصودة من وقف العين، فالأصل يقتضي جواز تبديل العين احتفاظا بالمالية و تحصيلا للجهة المقصودة من الوقف، فيجوز بيعها و استبدالها بعين محصلة لتلك الجهة المقصودة، و لذا نقول: ان البدل يكون وقفا كالأصل بلا حاجة إلى صيغة وقف جديدة.

و منه يتضح أن مقتضى الأصل في الأمر الرابع- و هو وقف البطون- أنه إذا بيعت العين الموقوفة لعروض المجوز لا تكون ملكا لخصوص البطن الحاضر، بل يرجع البدل موقوفا كالمبدل، و لكن نقل عن الشرائع (1) أن دية العبد الموقوف تكون لخصوص البطن الحاضر، و التفرقة بينها و بين الثمن لا تخلو عن إشكال.

اللهم إلا أن يقال: إن الدية من قبيل المنافع للعين، لأنها غرامة تعبدية، و على ما تقدم لا فرق بين وقف أرض المسجد و آلات بنائه من الأخشاب و الآجر و نحوها، فإن أصل الأرض من باب التحرير، فلا يجوز بيعها، و الآلات من باب التمليك فيجوز، و إن وقع وقفهما في صيغة واحدة، لاختلاف حقيقتها، فيختلف حكم الوقف بالنسبة إلى كل جزء من الموقوف بالوقف الواحد.

فروع:

الأول: لو اشترى بثمن الوقف الذي جاز بيعه لطرو مسوغ بدلا عنه، فهل‌

____________

(1) شرائع الإسلام 2: 173 (مصدر مذكور).

191

هذا البدل- بعد فرض كونه وقفا- له حكم عدم جواز البيع كالأصل الا لطرو المسوّغات؟

وجهان، و الأقوى هو الثاني، لأن تبعية البدل للأصل في الوقفية إنما هي في المالية المحفوظة لا في خصوصية العين، فإن خصوصية العين لم تجر عليها صيغة الوقف، فإذا كان في التبديل مصلحة، فمقتضى ولاية الولي جواز استدلالها بعين أخرى، و الموقوف الذي بقي موقوفا و تابعا لوقف الأصل و هو المالية على حاله محفوظ في البدل و بدل البدل، على أن عدم جواز البيع حكم شرعي دل عليه الدليل، لا مما أنشأه الواقف فيقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو العين التي جرت عليها صيغة الوقف لعدم معلومية شمول دليله للبدل.

و من هذا الباب ما لو اشترى الولي من منافع الوقف كدكان المسجد و المدرسة شيئا كالحصير للمسجد أو المدرسة، و نحو ذلك، فيجوز للولي بيعه و تبديله إذا رأى المصلحة في ذلك من دون طرو المسوغات، لأن العين المشتراة لم تجر عليها صيغة الوقف أيضا، لأن وقفها تابع لوقف ثمنها الذي هو من منافع الوقف الأصلي.

الثاني: لو اتّجر بثمن العين الموقوفة للبطون بعد بيعها، فهل يختص ربحها بالبطن الحاضر، أو يكون تابعا للثمن؟ يمكن أن يقال: إن هذا الربح من قبيل منافع الأصل الموقوف، فيختص بالبطن الحاضر، و لكن التحقيق أن قياسه على المنافع و النماءات التي لها وجود. (1).

____________

(1) الى هنا ما عثرنا عليه من (بيع الوقف).

192

[بيع] أم الولد

قوله (عليه السّلام): و قل من يشتري أم ولدي. إلى آخره.

و لا يخفى ما في هذه العبارة من الحديث الشريف (1) من الإنكار على هذا السائل، و أن كونها أم ولده مانع عن بيعها بالبداهة، بحيث يدركه كل أحد، و لا يخفى ما فيه أيضا من الإشعار بعلية الحكم في نسبة ولدها إليه، فكأن كونها أم ولده جعل لها زيادة علاقة به، و تشبث بالحرية، فلا ينبغي، بل و لا يصح بيعها حيث جعل [استهجان بيعها بقوله «قل» الذي ليس الأمر فيه على حقيقته، بل للإنكار لأجل كونها أم ولده] و الحاصل أن عدول الإمام عن أن يقول: أم ولد إلى إضافته إلى نفس أب الولد، كما أن فيه دلالة على أنه من المستنكرات في ذلك العصر، كذلك فيه دلالة و إشعار بأنه بديهي الاستهجان في نفسه مع قطع النظر عن معروفية الحكم في نفسه عند الناس، و أن نفس كونها أم ولده كاف في المنع عن بيعها.

و من هنا يظهر للمتأمل أن الرواية مطلقة بالنسبة إلى كون المالك حيا أو ميتا، و إن اختص موردها بالحي، لذلك الإشعار المتقدم بالعلية، و أن الاستيلاد حق لأم الولد مانع عن البيع، فافهم و تذكر هذا المعنى لعله ينفعك فيما يأتي.

____________

(1) الوسائل 20: 407، حديث 1 من الباب 19 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

193

قوله (قدّس سرّه): الغير المستعقب بالعتق. إلى آخره.

حيث إن التصرف الناقل المستتبع للعتق، كنقلها إلى من تنعتق عليه بمجرد الملك، سيأتي الكلام فيه من أنه لا مانع من نقلها كذلك بجميع وجوه النقل.

قوله (قدّس سرّه): أو مستلزم للنقل كالرهن.

الرهن مثال لما يستلزم النقل، فان المرهون في معرض الانتقال، و يستلزم النقل إذا لم يؤد الدائن ما عليه.

قوله [(قدّس سرّه)]: منها جعل أم ولد ملكا غير طلق. إلى آخره.

فإن جعلهم أم الولد ملكا غير طلق- كما جعلوا الوقف كذلك و الرهن- دليل على المنع عن كل تصرف ناقل أو مستلزم للنقل، لأن الشي‌ء إنما يكون ملكا غير طلق إذا كان ممنوع النقل بجميع أنواعه.

و أما إذا كان لا يجوز بيعه فقط، و يجوز الصلح و هبته فهو طلق، و لا يخرج عن الطلقية بمجرد ذلك، حيث إن معنى كون الشي‌ء ملكا طلقا، أنه تام الملكية و مستقل به المالك، و مجرد كون بيعه ممنوعا لا يخرجه عن كونه تام الملكية، و مستقلا به المالك، ألا ترى ان الملك المجهول لا يجوز بيعه لمكان الجهل، و هو باقي على طلقيته لمكان جواز هبته، و الصلح عليه، و غير ذلك.

قوله: إن البائع لو فسخ يرجع إلى القيمة. إلى آخره.

وجه الاستشهاد بهذا: أن الفسخ نوع من النواقل.

قوله (قدّس سرّه): ثم إن عموم المنع لكل ناقل. إلى آخره.

لا يخفى ما في عبارة المصنف من المسامحة من العطف ب‍ «ثم»، فإن ما بعدها ليس أمرا آخر غير ما قبلها، مع أن جزمه بنسبته إلى عموم المسلمين مسامحة أخرى، و قد أخذه، كما ذكره أولا، استظهارا من عبائرهم، مع اعترافه ظاهرا بعدم النص في كلماتهم على هذا العموم، مضافا إلى نقله لمخالفة أحد سادة مشايخه‌

194

فتأمل.

قوله: لأصالة بقاء. إلى آخره.

و هي استصحاب المنع، لأن البيع كان ممنوعا بوجود الولد الصلبي، و قد يقال: إن هذا الاستصحاب من القسم الثالث من استصحاب الكلي، لأن المنع من جهة الولد الصلبي قد ارتفع قطعا، و المنع من جهة ولد الولد مشكوك الحدوث، و لم يكن له حالة سابقة، فتدبر.

قوله: و لصدق الاسم. إلى آخره.

أي اسم أم الولد حيث يطلق الولد على ولد الولد، و لا يخفى أن إطلاقه عليه إنما هو مجازا و صدقا على غير الحقيقة، لأن نسبة الإيلاد له بواسطة في العروض.

قوله: و تغليبا للحرية. إلى آخره.

لا يخفى إنما يغلب جانب الحرية على تقديره، إنما هو في مورد وجد مناطه في باب المزاحمة، لا أنه حتى في مورد تردد الشي‌ء بين كونه حراما أو لا، و في مثله، إما أن يرجع إلى البراءة في التكاليف، أو إلى القواعد المقررة في مثل المقام، كقاعدة السلطنة. و الحاصل أن القول الأول ينبغي أن يقطع بعدمه (1).

و أما التفصيل بين ما لو كان ولد الولد وارثا حيث تصل النوبة إليه بعدم وجود ما يمنعه من الإرث من الطبقة الأولى، و بين ما لو كان غير وارث لوجود أحد الطبقة السابقة، فيجوز البيع في الثاني و لا يجوز في الأول، لأن مناط المنع في الولد الصلبي، و هو كون أمه برجاء أن تعتق موجود في ولد ولدها الوارث لجده، و لكن لا يخفى هذا لو كان الدليل على المنع من البيع هو ذلك، و هو رجاء العتق.

و أما لو كان المنع من جهة دلالة الأخبار عليه، فاستفادة هذه العلة محل إشكال، بل محل منع، كما اعترف به المصنف، فالأقوى هو الوجه الثاني، و هو‌

____________

(1) هذه الفقرة- من قوله: «لا يخفى» الى قوله «يقطع بعدمه»- مضروب عليها بالقلم.

195

عدم المنع مطلقا، سواء كان وارثا أو لا.

قوله: فيتحقق بالمساحقة. إلى آخره.

حيث تقع المساحقة بين هذه الأمة و بين زوجة مولاها، أو أمته الأخرى، فينتقل الماء الذي حملته الثانية من المولى إلى الأولى بالمساحقة، فيكون هذا الماء ماءه، و الولد ولده.

قوله: فإن المتبادر من أم الولد. إلى آخره.

حيث إن هذا الاستعمال ليس بمعناه اللغوي، بل لأجل التقسيم و تنصيف الجواري بما هي جوار، و الولد الذي ولدته منه قبل أن يملكها ليس من حالتها بما أنها مملوكة له و جاريته.

قوله (قدّس سرّه): و العلة المذكورة غير مطردة، و لا منعكسة. إلى آخره.

أما أنها غير مطردة، فكما في موارد الاستثناء، فإن أم الولد- كما سيأتي- يجوز بيعها في ثمن رقبتها، مع أن العلة فيها موجودة، و هي كونها في معرض الانعتاق.

و أما أنها غير منعكسة، فكما في وقف الجارية، و رهنها، فإنه فيهما لا يجوز بيعها مع عدم وجود العلة، إذ ليست حينئذ في معرض الانعتاق.

قوله: كلية مستفادة من الأخبار. إلى آخره.

و العمدة في استفادة هذه الكلية إطلاق ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيما تقدم، و قد أشرنا إليه.

و أما باقي الأخبار، كرواية محمد بن مارد (1)، و صحيحة عمر بن يزيد (2)، فاستفادة الكلية منها محل تأمل، لاختصاص الأولى في حياة المولى، و الثانية في‌

____________

(1) الوسائل 21: 201، حديث 1 من باب 85 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

(2) الوسائل 18: 278، حديث 1 من باب 24 من أبواب بيع الحيوان.

196

مماته، و سيأتي التعارض بينهما.

نعم يمكن التمسك بإطلاقها في بعض الصور.

قوله: و هو غير ثابت. إلى آخره.

أي ما حكي عن السيد، فإن النسبة إليه لم تثبت صحتها.

قوله: بناء على حملها على أنها قد تعرض. إلى آخره.

أي بحمل «تباع و تورث» على التقليل، بأن تكون القضية مهملة، و إلا فحمله على إطلاقه- و أنه يصح بيعها مطلقا- مناف لما تقدم و يأتي من الأخبار.

الذي (1) قلنا هو الذي ينطبق [عليه] كلام المصنف، فلا استصحاب لجواز البيع بثمن الرقبة حتى يدفع بحكومة قاعدة المنع، كما لا استصحاب، للمنع حال الاستيلاد، كما أفاده (قدّس سرّه)، مضافا إلى أن العلم بجواز بيعها قد انتقض بيقين مثله حين الاستيلاد، للقطع بعدم جواز البيع مطلقا.

و إن كان العجز حاصلا قبل الاستيلاد ارتفع حين الاستيلاد، ثم حدث، و هي الصورة الرابعة، فربما يقال: بجريان استصحاب جواز بيعها بثمن رقبتها، و عدم جريان ما يعارضه، و هو استصحاب المنع حين الاستيلاد.

و لعله كلام المصنف ناظر الى هذه الصورة، أما استصحاب جواز بيعها بثمن رقبتها، فلأنه قبل الاستيلاد كان العجز حاصلا، فيتصور بيعها بثمن رقبتها جائزا، و لم ينتقض اليقين بيقين مثله، فإنه و إن كان حين الاستيلاد، و قد ارتفع العجز، لا يجوز بيعها، و لكن المنع إنما هو عن بيعها لا في الدين، إذ لا عجز، فجواز البيع بثمن الرقبة لم ينتقض باليقين بالمنع عنه.

و أما عدم جريان استصحاب المنع حين الاستيلاد فقد تقدم بيانه، و لكن جريان استصحاب الجواز محل إشكال، فإنه و إن لم نتيقن بالمنع عن بيعها بثمن‌

____________

(1) كذا.

197

رقبتها، إذ لا عجز حتى يتصور البيع بثمن الرقبة، و لكن حكم الجواز نقطع بعدمه من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و بعبارة أخرى: إنه لم يتصل زمن اليقين بزمن الشك.

قوله [(قدّس سرّه)]: أن يقال: برجحان إطلاق رواية عمر بن يزيد على إطلاق رواية ابن مارد. إلى آخره.

إذ لا تكون رواية ابن مارد شاملة بإطلاقها لمحل النزاع، و هو بيعها بثمن رقبتها حال الحياة، لظهور البداء في عدم الاضطرار و العجز، بخلاف رواية عمر بن يزيد فلا تعارض بينهما، و تكون رواية عمر بن يزيد دالة على جواز بيعها بثمن رقبتها حال الحياة.

قوله: و المسألة محل إشكال. إلى آخره.

حيث إن رواية عمر بن يزيد أيضا غير ظاهرة في شمولها لمحل النزاع، لظهور قوله: «تباع في الدين» (1) في كون البائع غير المولى فيما بعد الموت، فيرجع إلى قاعدة المنع.

قوله: و مما ذكرناه يظهر أنه لو كان نفس أم الولد. إلى آخره.

لأن العجز إنما رفع المانع من بيعها من جهة الاستيلاد، أما المانع من وجوب بيعها من جهة الاحتياج إليها، فالعجز لا يرفعه، فلو فرض أنها لم تكن أم ولد، و كانت محتاجا إليها في الخدمة لما وجب بيعها بثمن رقبتها.

قوله: بل ربما تأمل فيما قبله، فتأمل. إلى آخره.

و ذلك لأن قوله (عليه السّلام) في صحيحة عمر بن يزيد الأولى: «فأولدها و لم يؤد ثمنها» ظاهر في عدم تأدية ثمنها إلى الذي اشتريت منه.

و من المعلوم أن الثمن الذي استدانه من الغير و اشترى به الجارية يصدق‌

____________

(1) الوسائل 18: 278، حديث 2 من باب 24 من أبواب بيع الحيوان.

198

عليه أنه قد أدّاه إلى البائع.

و فيه أنه و إن كان الأمر في هذه الرواية كذلك، لكنه لا دلالة لها على نفي ما عداه، إذ لا مفهوم لها، و قوله: «أيما رجل.» إلى آخره، ليست بقضية شرطية حتى يكون لها مفهوم، كما ربما يتخيل، مع أن قوله (عليه السّلام) في صحيحة عمر بن يزيد الثانية: «. نعم في ثمن رقبتها». شامل لهذا الفرض بظهوره، لصدق ثمن الرقبة على الثمن الذي استدانه و اشتراها به، و لعله إلى هذا أشار بقوله: (فتأمل).

قوله: نعم لو أمكن الوفاء ببيع بعضها. إلى آخره.

رعاية لحق الاستيلاد، و جمعا بينه و بين حق الدائن.

قوله: و لو كان الثمن مؤجلا لم يجز للمولى. إلى آخره.

لعدم تحقق العجز بعد، أو لأن المستفاد من الروايات أن في الاستيلاد حق يجب مراعاته، إلا أن يكون هناك حق أولى منه يقدم عليه، و قبل حلول الأجل لم يكن للدائن حق منجز على المدين حتى يكون مقدما على حق الاستيلاد، فحق الاستيلاد حينئذ باق على حاله يجب مراعاته.

قوله: و في اشتراط مطالبة البائع. إلى آخره.

الوجوه في هذه المسألة ثلاثة:

الأول: أن جواز بيع أم الولد بثمن رقبتها مشروط بمطالبة الدائن، فلو لم يطالب لا يجوز بيعها كذلك.

الثاني: أنه يجوز بيعها كذلك مطلقا، سواء كان مطالبا أو لا، و على الثاني سواء كان راضيا بالتأخير بحيث يمتنع عن التسلّم أم لا، بأن كان راضيا بالتأخير و لا يمتنع عن التسلّم، أو لم يعلم برضاه بالتأخير و لا بإرادته للتعجيل، بل كان ساكتا.

و على كل حال، فيكتفى في جواز البيع باستحقاقه لماله، و لو امتنع عن‌

199

التسلّم، ضرورة أن امتناعه عن التسلّم لا يسقط حقه.

الثالث: أنه يجوز بيعها إذا لم يظهر منه الرضا بالتأخير، و لم يسقط حق الحلول، سواء كان مطالبا أو غير مطالب، فلو كان راضيا بالتأخير لا يجوز بيعها، بل يجوز تأخيره، و لا يخفى ما في عبارة المصنف من المسامحة من وجهين:

أحدهما: جعل الشق المقابل للرضا بالتأخير و إسقاط حق الحلول، هو عدم المطالبة، و كان ينبغي جعله هو عدم ظهور الرضا، و عدم إسقاطه لحق الحلول حتى يشمل صورة المطالبة و عدمها.

هذا و ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من كون الوجه الأول هو الأحوط، محل تأمل، فإنه إنما يكون عدم البيع هو الأحوط إذا كان الدائن راضيا بالتأخير، و اما مع عدم ظهور رضاه و عدم مطالبته فيقع التزاحم بين الحقين، حق الدائن و حق الاستيلاد، و الدين يجب أداؤه إذا لم يعلم رضا الدائن بالتأخير، فكيف يكون تقديم حق الاستيلاد هو الأحوط؟! و منه يظهر أن الأحوط هو الوجه الثالث.

قوله (قدّس سرّه): ففي وجوب القبول نظر. إلى آخره.

أما عدم وجوبه فمن جهة الإطلاق، و لأن وجوب إبقائها و عدم نقلها بالبيع مشروط بارتفاع العجز و عدم القدرة على الوفاء، فيكون رفع العجز كمقدمة وجوب.

و من المعلوم أن مقدمة الوجوب لا يجب تحصيلها، فلا يجب قبول المال من المتبرع لرفع العجز.

نعم لو بذل المال بحيث لا يحتاج الى القبول، فإنه لا يجوز رده حينئذ، و يجب عليه إبقاؤها، لأنه بمجرد البذل يرتفع العجز، كبذل الزاد و الراحلة للحج، فإنه يجب بمجرد البذل، لعدم الاحتياج إلى القبول حينئذ، فتحصل الاستطاعة بمجرد البذل، بخلاف ما لو وهبه ما لا يكفيه للزاد و الراحلة، فإنه لا يجب عليه‌

200

القبول، فلا يجب الحج، لأنه بمجرد الهبة لا تحصل الاستطاعة ما لم يحصل القبول، و لا يجب تحصيل الاستطاعة.

و كذا هنا، فإنه لو سلّمه المال من دون بذل لا يحتاج إلى القبول، لا يرتفع العجز، و لا يجب عليه رفع العجز، و لذا لم يوجبوا على المولى السعي في تحصيل الدين لرفع العجز، و أما وجوب القبول، فلأن في القبول جمع بين الحقين.

قوله: ففي وجوب تقديم الأول. إلى آخره.

يرجح الأول بالاحتياط، فإن بيعها على من تنعتق عليه أو بشرط العتق، جمع بين حق الدائن، و حق الاستيلاد في الجملة، بخلاف الثاني، و يرجح الثاني بإطلاق الأدلة.

قوله: و لو امتنع المولى عن أداء الثمن. إلى آخره.

هذا الفرع الرابع عشر من الفروع التي ذكرها المصنف.

و حاصله: أن امتناع المولى من غير عذر عن أداء ثمن رقبة أم الولد، هل حكمه حكم الإعواز أم لا؟

و على الأول: حيث ان الفرض امتناع المولى عن الأداء، فلا معنى للحكم بجواز البيع، كما في صورة الإعواز، لأنه بفرض إرادته للبيع يخرج عن الامتناع، و معه لا يجوز بيعها.

و الحاصل أن المولى يحرم عليه بيعها، فلا يعقل اشتراط ذلك بعدم الامتناع، فيكون جائزا عند الامتناع، و إلا للزم انقلاب المحرم مباحا، لأنه يكون مشروطا حينئذ بإرادته.

فلا بد أن يراد من كون حكم امتناعه حكم إعوازه، أنه يجوز للبائع أن يبيعها هو و يأخذ ماله من ثمنها مقاصة مطلقا، أو بإذن الحاكم حيث إن الحاكم ولي الممتنع.

201

و وجهه: أن المستفاد من الأخبار أن الوجه في جواز بيعها بثمن رقبتها في صورة الإعواز هو تقديم حق الدائن على حق الاستيلاد، حتى لا تغدر حقوق الدائن، و من المعلوم أن هذا المناط موجود في المقام، فيلزم تقديم حق الدائن على حق الاستيلاد، فيجوز للدائن بيعها بثمن رقبتها مقاصة.

و فيه أن حقيقة المقاصة أن ينزل المقاص منزلة، فحيث يمتنع يكون بمحله و بدلا عنه لامتناعه، و المفروض أن المولى بنفسه لا يجوز له بيع أم ولده من دون العجز، فكيف يحل البائع محله في بيع أم الولد حينئذ؟! و ترجيح حق الديان على حق الاستيلاد على تقدير استفادته من الأخبار، و أنه هو المناط، فإنما هو بالنسبة لمن عليه الحق و هو المولى، لأنهما حقان عليه فيتزاحمان في التأثير بالحكم الوضعي أو التكليفي، و أما بالنسبة إلى الدائن، فأحد الحقين له لا عليه، و الثاني لا له و لا عليه، بل لأم الولد و على المولى، فكيف يتزاحم الحقان بالنسبة إليه حتى يقدم أحدهما على الآخر؟!.

غاية الأمر أن من له الحق يجوز له استنجاز حقه ممن عليه، لكن بشرط أن يكون الغير- و هو من عليه الحق- له حق في الشي‌ء الذي يستنجزه منه، حتى يكون بمنزلته.

أما الشي‌ء الذي لا تصرّف للغير فيه، كيف يستنجز من له الحق حقه من ذلك الشي‌ء؟! نعم لو تعلق حقه بعين أم الولد لا في ذمة مولاها أمكن فرض ذلك، و لكن في المقام لم يتعلق حق البائع في غير أم الولد.

فتحصل أن الحق عدم جواز بيع أم الولد في هذه الصورة، لا مع إذن الحاكم و لا بدونها.

و أما الوجوه التي ذكرها المصنف توجيها لعدم جواز بيعها، فمنظور فيها كما‌

202

أفاده (قدّس سرّه):

أما الأول: فإن المنع و إن كان لحق أم الولد، فنفس امتناع المولى لا يسقط حقها، إلا أن الفرض أن للديان حق مقدم على حقها.

و أما الثاني: فإنه حتى نص الفتاوي لا يكون دليلا على المنع، فكيف يكون ظهورها دليلا؟! فإن ذلك لا يجعله أكثر من أن يكون مشهورا، و الشهرة غير معتبرة قطعا، على أن تكون دليلا برأسها.

و أما الثالث: فإن تغليب جانب الحرية و إن كانت قاعدة مسلّمة، لكن في غير المقام، و ذلك فيما إذا تحرر بعض المملوك أو كان أحد أبويه حرّا على شروط، على أنه هنا لا حرية لأم الولد من جميع الوجوه، و إنما هي متوقعة الحرية.

قوله: و في إلحاق الشرط المذكور في متن العقد. إلى آخره.

لا يخفى أن شرط الإنفاق مثلا تارة يكون من البائع على المشتري، بأن ينفق المشتري على البائع، و أخرى يكون من المشتري على البائع، و فرض الكلام في الصورة الأولى في أنه لو تعذر الإنفاق المشروط في ضمن العقد على بيع الجارية التي صارت أم ولد، هل يلحق ذلك بتعذر نفس الثمن، فتباع فيه، أم لا؟

وجهان: و مبنى الوجه الأول: أن للشرط قسط من الثمن بمعنى أنه إن كان من المشتري على البائع، فيكون في مقابله جزء من الثمن، فيكون بمنزلة جزء من المثمن، و إن كان من البائع على المشتري- كما هو محل الكلام- يكون في مقابله جزء من المثمن، فيكون بمنزلة جزء الثمن، و قد تقدم أنه إذا تعذر جزء الثمن يجوز بيع أم الولد، كما لو تعذر جميع الثمن، و حيث تعذر هذا الشرط فكأنما تعذر جزء الثمن.

و مبنى الوجه الثاني: أن الشرط ليس في مقابل جزء الثمن، و لا في مقابل جزء من المثمن أبدا، كما عليه المحققون كالأوصاف عدا وصف الصحة، كما يراه‌

203

الشيخ (قدّس سرّه)، بل إنما الشرط دخيل في زيادة قيمة المثمن أو نقيصته، و هو خارج عن الثمن و المثمن، فإن كان من المشتري على البائع أوجب زيادة القيمة، و إن كان بالعكس أوجب نقيصتها، كما في محل الكلام، فليس هو إلا واسطة في الثبوت لزيادة القيمة أو نقيصتها، و ليس في مقابل المثمن إلا الثمن المسمى، و الشرط خارج عنهما أبدا، فلا يكون بمنزلة الجزء من الثمن حتى يجوز بيع أم الولد مع العجز عنه.

قوله: و على العدم لو فسخ البائع. إلى آخره.

أي على تقدير الوجه الثاني- و هو عدم جواز بيع أم الولد- لو تعذر الشرط، فإنه على هذا التقدير حيث يتعذر الشرط و لا هناك شي‌ء يقوم مقامه يكون للبائع خيار الفسخ، فلو فسخ البائع، فهل تسترد بالفسخ أو لا؟

الظاهر أنها تسترد، لأنه إما أن لا يمنع الاستيلاد من الاسترداد، لعدم دخول الفسخ في العقود الناقلة التي منع منها في أم الولد، أو لعدم معلومية شمول دليل المنع لمثل هذا النقل.

و إما أن يمنع الاستيلاد من الاسترداد، لشمول دليل المنع لمثل الفسخ، فإن كان الأول فلا إشكال في الاسترداد.

و إن كان الثاني: فإنه جمعا بين حق الاستيلاد المانع من الاسترداد، و بين الحكم بالفسخ لا بد أن ينتقل إلى قيمة، أم الولد، و لكن الفرض فرض إعسار المولى، فهو لا يستطيع أداء القيمة، و حينئذ يجوز له بيعها لأداء قيمتها، لأن القيمة حينئذ تكون ثمن رقبتها، و إذا جاز بيعها بالقيمة، فلا مانع من استردادها، لأن المانع هو عدم جواز نقلها، و المفروض أنه جاز لأداء القيمة، فليكن الاسترداد جائزا من رأس.

فالقول بعدم جواز استردادها بنفسه يقتضي جوازه، فلا بد أن يكون‌

204

جائزا من أول الأمر.

قوله: و لإطلاق روايتي عمر بن يزيد المتقدمتين. إلى آخره.

فإن قوله (عليه السّلام): «لا» في الرواية الأولى جوابا عن قول السائل: «فيبعن فيما سوى ذلك من دين» بمنطوقه- بملاحظة السؤال- دال على أنه لا يجوز بيعها في سائر الديون ما عدا ثمن الرقبة.

و قوله (عليه السّلام): «نعم في ثمن رقبتها» في الثانية. (1) جوابا عن قول السائل: «تباع في الدين» بمفهومه- بملاحظة السؤال- أيضا دال على أنه لا يجوز بيعها في سائر الديون ما عدا ثمن رقبتها، لأن تخصيص الإمام (عليه السّلام) الجواز في خصوص بيعها بثمن رقبتها، مع أن السؤال عام، له دلالة مفهومية ظاهرة على عدم جوازه في ما سوى ذلك من الديون.

قوله (عليه السّلام): «و إن كان لها ولد، و ليس على الميت دين». إلى آخره.

الاستشهاد في هذه المقطوعة بهذه الفقرة المذكورة، حيث إنها دالة بعموم مفهومها، أنه لو كان على الميت دين فهي ليست للولد، أي أنها يجوز بيعها.

قوله [(قدّس سرّه)]: و عن نكاح المسالك أن الأقوى. إلى آخره.

لا يخفى أن ما نقل عن المسالك يوافق المشهور القائلين بالمنع من جهة، و يخالفهم من جهة أخرى.

أما موافقته لهم فهو من جهة المنع عن البيع مع استغراق الدين و عدمه، كما هو واضح.

و أما مخالفتهم، فمن جهة حكمه بلزوم أداء قيمة النصيب من مال الولد، مع أن ظاهر القائلين بالمنع من البيع و انعتاقها على ولدها، أنها تنعتق بمقدار نصيبه منها مجانا.

____________

(1) يوجد مقدار كلمة مطموس.