حاشية المظفر على المكاسب - ج1

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
218 /
205

قوله [(قدّس سرّه)]: و ربما ينتصر للمبسوط. إلى آخره.

هذا الانتصار لصاحب المقابيس (رحمه اللّٰه)، و لا يخفى أن هذه الوجوه الأربعة الآتية، منها ما هو رد على صاحب المسالك من جهة موافقته للمشهور في المنع و مخالفته للمبسوط، و منها ما هو رد عليه من الجهة الثانية، و هي حكمه بأداء قيمة النصيب.

و هذه الجهة كما خالف فيها المبسوط، خالف المشهور أيضا، كما عرفت، فلا يكون انتصارا للمبسوط خاصة في الرد عليها، فجعل هذه الوجوه الأربعة كلها انتصارا للمبسوط محل إيهام، و لكن الأمر سهل.

قوله [(قدّس سرّه)]: أولا بأن المستفاد مما دل على انها. إلى آخره.

هذا رد على المسالك من الجهة الثانية، و حاصله: أن المستفاد من الدليل الدال على أنها تعتق من نصيب ولدها أن ذلك من جهة استحقاقه للنصيب، و أن ذلك يكون مجانا بعد أن يكون ضامنا له، فلا يقوّم عليه، لكن يؤدّيه من ماله، فلو فرض استغراق الدين للتركة، و أنها مع ذلك تعتق من نصيب ولدها، كما لو لم يكن دين، فالديانة إنما تستحق من دينها فيما سوى نصيبه من ماله.

نعم لو كان نصيبه من جميع التركة لا يفي بقيمة أمه، فقد وقع الكلام في أن باقي الحصص، هل تقوم على الولد أو أن أمه تستسعى بها؟

قوله (قدّس سرّه): و ثانيا- بأن النصيب الذي. إلى آخره.

هذا الوجه الثاني رد على المسالك من الجهة الأولى فيكون انتصارا للمبسوط.

و حاصله: أن الدين إذا استغرق التركة، و إن كان ينتقل إلى الورثة، لاستحالة بقاء المال بلا مالك، حيث إن حق الديان لا يتعلق بعين التركة قطعا، فلا بد أن تكون التركة في ملك الورثة، غاية الأمر أن الورثة تمنع من التصرف‌

206

بالمال كالمحجور عليه، إذ تكون التركة بمنزلة ذمة الميت في تعلق استحقاق الديان، و لكن المنصرف من النصيب الذي ينسب إلى الوارث هو النصيب الذي هو غير ممنوع التصرف به، المستقر الثابت، و هو الفاضل من التركة بعد أداء الدين، فإذا دل الدليل على أن أم الولد تنعتق من نصيب ولدها، يراد منه هذا النصيب بالمعنى الثاني، لا النصيب الذي يحكم به تفصيا عن بقاء الملك بلا مالك.

قوله: و ثالثا- إن ما ادعاه من الانعتاق. إلى آخره.

و هذا الوجه أيضا رد على المسالك من الجهة الأولى، و حاصله: أنه لو سلم أن النصيب يطلق على هذا المعنى من النصيب، و لكن الملك الذي به تعتق أم الولد على ولدها لا يراد منه إلا الملك المطلق، فإنه المنصرف من إطلاق الملك في الأخبار و كلام الأصحاب، و أما الملك الغير المطلق فلم يدل دليل عليه، و لم ينص عليه الأصحاب.

و بعبارة أخرى: إنه و إن دلت الأخبار على وجوب أداء الدين، و أن الديانة يتعلق حقه بالتركة، لكن بشرط أن لا يعارضه حق آخر، كالوقف بالنسبة إلى حق الديان.

قوله (قدّس سرّه): و رابعا- أنه يلزمه على كلامه. إلى آخره.

هذا الوجه رد على المسالك من الجهة الثانية كالأول، و قد قيل: إنه لا محصل لهذا الوجه، و لكن الإنصاف خلافه.

و حاصله: أن لازم كلام المسالك، أنه لو كان نصيب الولد من التركةُ ما يساوي قيمة أمه، للزم تقويم ذلك عليه مطلقا سواء كان هناك دين مستغرق أم لا، و على التقدير الثاني يقوّم عليه، سواء كان نصيبه الثابت في الباقي بعد الديون و نحوها، و هو الذي لم يتعلق به حق الديان و غيره يساوي قيمة أمه أم لا، فهنا ثلاثة فروض:

207

الأول: أن يستغرق الدين التركة، و حينئذ لا يكون للولد نصيب ثابت في التركة، لأن حق الديان مقدم على الورثة، و لكنه له نصيب بالتركة غير ثابت، لاستحالة بقاء الملك بلا مالك، و على كلام المسالك أن أم الولد تنعتق عليه من نصيبه، و يؤدي هو ثمنها إلى الدائن من ماله، و المشهور يقولون: أنه تنعتق عليه مجانا من نصيبه من أمه خاصة. و الباقي يقوّم عليه أو تستسعى هي به، و يؤدى إلى الديان، و هذا الفرض لا كلام به هنا، و قد تقدم فيه الكلام في الوجه الأول.

الثاني: أن لا يستغرق الدين التركة، و يكون نصيب الولد الثابت من باقي التركة، بعد أداء الدين يساوي قيمة أمه، كما لو لم يكن هناك دين أصلا، و كان نصيبه من مجموع التركة يساوي قيمة أمه، فعلى كلام المسالك أنه بعد أن تنعتق أمه تقوّم عليه، فبمقدار نصيبه من أمه خاصة يسقط عنه، و الباقي من نصيبه في باقي التركة ما عدا أمه يبقى حقه فيه بالعين، و أما الباقي من أمه ما عدا نصيبه فيكون ضامنا له، و يجب أن يؤدي قيمته إلى الورثة، لأنه هو نصيب باقي الورثة من أمه، فإن شاء أدّى قيمته من نصيبه الآخر في باقي التركة، و إن شاء أدّى قيمته من ماله.

و هذا هو الذي لم يقله أحد من الأصحاب، و ذلك لأنهم يقولون: إن نصيبه رأسا ينحصر في أمه من مجموع التركة، و لا يبقى ضامنا لما يزيد على نصيبه من أمه خاصة، و لا يتعلق له حق بعين التركة الباقية أصلا، إذا لم يزد نصيبه من مجموع التركة على أمه، بل ينحصر نصيب الورثة من مجموع التركة فيما عدا أمه، و ليس للولد مشاركة الورثة فيما عدا أمه من التركة، على أن يؤدي للورثة قيمة الباقي من أمه ما عدا نصيبه منها، لأنه في الحقيقة بالنسبة إلى باقي التركة ما عدا أمه لا نصيب له منه، و كأنه ليس هو بوارث أصلا بالنسبة إلى الباقي.

الثالث: أن لا يستغرق الدين التركة، و يكون نصيب الولد الثاني من باقي‌

208

التركة بعد أداء الدين لا يساوي قيمة أمه، أي بأن يكون أقل منها.

و مقتضى كلامه أن تقوّم عليه جميعها، و يؤدي قيمة ما زاد على نصيبه منها إلى الورثة، و يلحق الورثة في نصيبه مما عدا أمه.

و فيه أيضا المخالفة للأصحاب كالثاني و أما أن لازم كلامه على هذا الفرض، و السابق مما يقطع ببطلانه، فلعدم تحقق سبب الضمان من الولد، و إنما الانعتاق حكم شرعي قهري، فلا وجه لضمانه.

هذا كله إذا كان نصيب الولد من أصل التركة يساوي قيمة أمه، أما إذا كان نصيبه من أصلها لا يساوي قيمتها، بأن كان ثلثها أو ربعها، و هكذا، فالتفصيل السابق آت فيه من حيث كون الدين يستغرق التركة أو لا يستغرقها، فإنه لو كان مستغرقا للتركة على كلامه (قدّس سرّه) يؤدي جميع قيمة أمه للديان، حتى الزائد على نصيبه من مجموع التركة، و على عدم الاستغراق يسقط من قيمة أمه عنه مقدار نصيبه منها، و يطلب بالباقي، و هذا أيضا لا يقوله الأصحاب كالفرضين السابقين.

قوله: و يمكن دفع الأول بأن المستفاد. إلى آخره.

حاصله أن ما ذكره المنتصر من أن المستفاد مما دل على أنها تعتق من نصيب ولدها، أنها تعتق مجانا غير مسلّم، بل غاية الأمر أنها دلت على أنها تعتق من نصيبه، و لو مع استغراق الدين، لا أنه مجانا، فمع عدم استغراق الدين لا بد أن يكون ذلك مجانا، إذ لا حق فيها حينئذ يعارض ذلك، بخلافه مع استغراق الدين، فلا ينافي انعتاقها من نصيب ولدها وجوب أداء قيمتها من ماله إلى الديان في صورة استغراق الدين.

و الحاصل أن مقتضى الجمع بين دليل انعتاقها، و بين الدليل الدال على أن الوارث لا يستقر له ما قابل نصيبه من الدين على وجه يسقط حق الديان، أن أم الولد تنعتق من نصيب ولدها، و يجب أداء قيمتها لها من مال الولد، أو أنها تسعى‌

209

به.

و ذلك لأن الديان لا يتعلق حقهم (1) بعين التركة، بمعنى أنه يكون مالكا لها، بل إنما يتعلق بقيمة العين بانتقال حقهم من ذمة الميت إلى ماله الذي خلفه، و الورثة لهم أن يوفوا حق الديان من غير التركة، و الامتناع عن أداء مقابلها، كما أن لهم الامتناع عن أداء العين، و إعطاء قيمتها له.

و لكن ذلك غير جار في أم الولد، للنهي عن بيعها، فلا يجوز للديان أخذها عن الدين حيث يمتنع الوارث عن أداء قيمتها، كما لا يجوز لولدها دفعها للديان وفاء له.

و حينئذ فإما أن يسقط حق الديان بالنسبة إلى قيمتها، و هذا غير صحيح للنهي الدال على بقاء حق الديان في التركة، فلا يجوز رفع اليد عن الدليل. و و إما أن لا يسقط حق الديان و هو المتعين، و حينئذ بعد بطلان تعلقه بعينها، فإما أن يتعلق حقه بقيمتها، على أن يدفعه الولد من ماله أو تستسعى هي به، و إما أن يتعلق حقه بمنافعها، كتعلق حق الديان بمنافع أم ولد المفلس، فإنه إذا فلس مولاها، و كانت أم ولد، فحق الديان حينئذ يتعلق بمنافعها، فتؤجر بمدة تفي بحق الديان.

فاتضح إلى هنا أن انعتاق أم الولد مع استغراق الدين لا يكون مجانا، بل يدور الأمر في الحقيقة بين أداءه قيمتها من مال الولد أو باستسعائها، و بين أداء منافعها بأجرتها.

قوله: و بين أن يتعلق حق الديان بقيمتها على رقبتها فتسعى فيها. إلى آخره.

كان الأولى في التعبير إسقاط صدر العبارة و هي قوله: «و بين أن يتعلق‌

____________

(1) في الأصل: حقه.

210

حق الديان بقيمتها»، لأنه تكرير لما سبق، و لأن هذا الوجه مع سابقه جعلهما وجها واحدا، حيث قال فيما سيأتي: فيدور الأمر بين الوجهين الأخيرين، و أراد بهما تعلق حق الديان بقيمتها مطلقا، سواء كان على من يتلف في ملكه و هو الولد، أو على رقبتها، و تعلق حقه بمنافعها، بل حق العبارة أن يقول: «أو على رقبتها.» إلى آخره، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و مما ذكرنا يظهر اندفاع الوجه الثاني. إلى آخره.

بيانه: أنه بعد ما تقدم أن أم الولد منهي عن بيعها، و أن حق الديان لا يتعلق بعينها، بل إما أن يتعلق بقيمتها أو بمنافعها، فلم تكن كسائر التركة مع استغراق الدين، حيث لا يكون نصيب الوارث منها ثابتا، بل تكون من النصيب الثابت، كما لو لم يكن دين، و يستقر نصيب الوارث عليها، إذ لم يكن حق الإرث مزاحم بحق الديان، لعدم تعلقه بعينها، على أن يكون له أخذها عند امتناع الوارث.

و كذلك يظهر الجواب عن الثالث، فإنه و إن كان من المسلّم أن انعتاق أم الولد لا يحصل إلا بملك طلق غير مزاحم بحق آخر، إلا أن أم الولد- كما عرفت- ملكها للوارث غير مزاحم بحق الديان، فهو ملك طلق، و لا ينبغي أن يقاس بالوقف الذي هو ملك للسابق و للاحق من البطون، فليس خالصا للسابق حتى تنعتق عليه لو كان أم ولد، بخلافها في استغراق الدين إذا لم تكن الديانة لها حق في نفس العين على سبيل الملكية، غاية الأمر إنما دل الدليل على أن حق الديانة لا يسقط بانعتاق أم الولد، فتدبر.

قوله (قدّس سرّه): و أما ما ذكره رابعا فهو. إلى آخره.

حاصله: أن ما ذكره في الوجه الرابع حق إذا جزمنا بوجوب أداء قيمتها على الولد من ماله، كما يقول صاحب المسالك، و لكن إذا قلنا باستسعائها، فلا موقع لهذا الإيراد بالكلية كما هو واضح، فلا يكون انتصارا للشيخ، إذ لا يثبت به‌

211

جواز بيع أم الولد مع الاستغراق، و إنما يكون صرف إبطال لما ذهب إليه صاحب المسالك، و بالالتزام باستسعائها يتم المطلوب.

قوله (قدّس سرّه): فالضابط حينئذ أنه ينعتق. إلى آخره.

حاصل هذا الضابط: أن الولد بانعتاق امه [يصبح] (1) ضامنا لشي‌ء، فإن كان مالكا لنصيبه و غير ضامن لأداء دين على أبيه يقابل نصيبه أو بعضه فذاك، و يكون انعتاقها من نصيبه.

و إن كان مالكا له و كان ضامنا لأداء ما يقابله جميعه من الدين، كما لو استغرق الدين، أو كان ضامنا لأداء ما يقابل بعضه من الدين، كما لو لم يستغرق الدين، فإنه و إن كان تنعتق أمة، إلا أن ما يقابل نصيبه أو بعضه من الدين يكون في رقبة أمه، و تستسعى به.

فمع صورة الاستغراق يكون جميع قيمتها في رقبتها، و مع عدمها يكون بعض قيمتها الذي يقابل الدين خاصة في رقبتها، و الباقي يكون من نصيب ولدها، فالولد لا تنعتق عليه أمه من نصيبه إلا إذا لم يكن ضامنا.

قوله: من نصيبه. إلى آخره.

متعلق بقوله: «ينعتق» أي أنه ينعتق على الولد من نصيبه ما لم يتعقبه ضمان، و لا يخفى حينئذ ما في العبارة من الإيهام، و الصحيح في تفسيرها ما ذكرناه سابقا.

قوله: و مما ذكرنا يظهر أيضا. إلى آخره.

أي مما تقدم من الضابط، و الكلام فيما لو كان لغير ولدها نصيب فيها مع استغراق الدين، فإنه بعد أن تقدم ان الولد غير ضامن للديان، و بطريق أولى عدم ضمان غيره من الورثة، و لا إشكال بانعتاق أم الولد و عدم سقوط حق‌

____________

(1) في صورة الأصل بياض بمقدار كلمة.

212

المالك، فلا يملك الوارث الآخر نصيبه منها مجانا، فلا بد أن تستسعى هي في أداء ما يقابل نصيب غير ولدها من الدين، أو أن الولد يضمن على القول الآخر، فاما أن الوارث الآخر هو يؤدي ما يقابل نصيبه من الدين إلى الديان فتنعتق عليه، و تسعى له لا للديان، أو يكون ولدها هو الضامن، و إما أن يخلي الوارث بينها و بين الديان، إذ لا يجوز إعطاؤها للديان. (1) دينه كسائر التركة، فتنعتق عليهم، و تضمن أو يضمن ولدها على القول الآخر.

قوله (قدّس سرّه): و أما حرمان. إلى آخره.

أي بأن تنعتق مع استغراق الدين، و يسقط حق الديان عن العين و القيمة في مقابلة جميع الأقوال المتقدمة، بأن يرثوها الورثة، كما لو لم يكن دين أصلا فتنعتق، و غير ولدها يأخذ قيمة حصته منها من ولدها أو منها، و لا يصرفه في الدين، و هو مخالف للأدلة الدالة على ثبوت حق الديان، مع عدم اقتضاء الدليل الناهي عن بيعها لسقوط حق الديان، لإمكان الجمع كما تقدم.

قوله (قدّس سرّه): و مما ذكرنا يظهر ما في قول بعض من أورد. إلى آخره.

المقصود من البعض هو صاحب المقابيس الذي تقدم إيراداته الأربعة على المسالك.

قوله: بشرط عدم كفاية. إلى آخره.

إذ مع كفاية بعضها يقتصر على مقام الضرورة، فإنه في الباقي لا تعارض بين حق الاستيلاد و حق الميت في الكفن.

قوله: بل اللازم ذلك أيضا. إلى آخره.

أي أن حق الميت في الكفن يقدم على حق الاستيلاد حتى مع القول بأن جواز بيعها مخصوص في صورة بيعها بثمن رقبتها لا للأولوية، لعدم تسليم تقديم‌

____________

(1) يوجد بياض بمقدار كلمة في صورة الأصل.

213

حق الميت على حق الدائن في ثمن رقبتها، لما سيأتي من المصنف- في قوله: اللهم إلا أن. إلى آخره- من التعارض ظاهرا بين دليل جواز بيعها بثمن رقبتها الشامل لصورة الحاجة إلى الكفن و غيرها، و بين دليل تقديم حق الميت في الكفن على الدين، سواء كان دين ثمن رقبتها أو غيره، و أن ذكر ان الدليل الثاني حاكم على الأول، فيتقدم حق الميت على الدين.

و الغرض أن الأولوية ليست بواضحة، فلا بد من الرجوع على كل حال إلى الدليل الدال على جواز بيع أم الولد في ثمن رقبتها مع وجود ما يقابل الكفن من المال، فيعلم منه أن حق الميت مقدم على حق الاستيلاد، و إلا لوجب إعطاء ما يقابل الكفن إلى الديان، و ترك بيع أم الولد.

قوله (قدّس سرّه): و توضيحه أنه إذا كان. إلى آخره.

أي توضيح النظر، و مرجع هذا النظر إلى عدم التعارض بين حق الديان و حق الميت، و إنما التعارض بين حق الميت و حق الاستيلاد، و حق الميت مقدم، فلا فرق حينئذ بين أن يكون هناك حق للديان أو لم يكن، بعد أن كان التعارض بين حق الاستيلاد و حق الميت على كل حال، و تقديم حق الميت في صورة وجود الدين، فيعلم تقديمه هنا أيضا.

قوله: اللهم إلا أن يقال. إلى آخره.

حاصله أن دليل بيع أم الولد في ثمن رقبتها الشامل لصورتي وجود حق الميت و عدمه، معارض لدليل تقديم الكفن على الدين الشامل لصورتي وجود دين ثمن رقبتها و عدمه، و يكون تعارضهما في صورة وجود دين ثمن رقبتها مع وجود حق الميت في الكفن، فالدليل الأول يقتضي بيعها في ثمن رقبتها، و يعطى للدائن، و ليس للكفن شي‌ء.

و الدليل الثاني يقتضي تقديم الكفن على الدين، و لو كان ثمن رقبتها، فما‌

214

كان للدين يكون للكفن. و لكن دليل تقديم الكفن على الدين حاكم على دليل بيعها في ثمن رقبتها، لدلالته على أن الدين بذاته مؤخر عن الكفن، و حق الميت مسقط للدين، مع حفظ عموم دليل تقديم الدين على حق الاستيلاد، فإذا سقط حق الاستيلاد بدين ثمن الرقبة بمقتضى الدليل [الأول] و سقط حق الدائن بحق الميت بمقتضى الدليل الثاني، لا محالة يكون مقتضاه تقديم حق الميت على حق الاستيلاد لفرض حياة حقه في ظرف انعدام حق الاستيلاد، و سقوطه بحق الدائن.

فيخصص حينئذ دليل جواز صرفها في ثمنها بما إذا لم يكن هناك حق للميت و لم يحتج الميت إلى الكفن، و عدم احتياجه تارة بنفسه حيث يكون له كفن موجود، و أخرى بواسطة غيره حيث يبذل باذل للكفن، فيسقط حق الميت قهرا و يحيى حق الدائن، أو يخصص الدليل بما إذا كان للميت ما يقابل الكفن من المال، و ذلك في صورة احتياجه إلى الكفن، فإنه و إن احتاج إلى الكفن إلا أن وجود ما يقابله يرفع معارضة حق الميت مع حق الدائن، فيتقدم حق الدائن على حق الاستيلاد بلا معارض.

و أما في صورة احتياجه الى الكفن و لم يكن عنده ما يقابله، فيكون خارجا عن عموم دليل جواز صرفها في ثمنها.

فاتضح أن تقديم حق الميت لمكان سقوط حق الاستيلاد بحق الديان الساقط بحق الميت، فلو لم يكن هناك دين- كما هو محل الكلام- فلا يكون حق الاستيلاد ساقطا بحق آخر ساقط بحق الميت، حتى يقدم حق الميت على حق الاستيلاد، و كما كان هناك فلا بد حينئذ من إقامة الدليل على تقديم حق الميت، إذ غاية ما ثبت أنه في صورة وجود الدين أن حق الاستيلاد منعدم بحق الديان في حال حياة حق الميت، لا لمكان تقديم حق الميت على حق الاستيلاد من حيث‌

215

هو، حتى يسري الحكم إلى مورد الكلام.

فقاعدة المنع عن بيع أم الولد في المقام غير ثابت تخصيصها.

و أما قاعدة تعلق حق الكفن بمال الميت، فإنه لا تصلح لأن تكون مخصصة لقاعدة المنع، حيث إن الظاهر أن تلك القاعدة مختصة بما إذا لم يكن حق سابق في المال مانع من التصرف به، و لذا لا يجوز إخراج الكفن من الوقف الخاص، فتدبر، و الاستيلاد من ذلك الحق السابق.

قوله: و لو فرض تعارض الحقين. إلى آخره.

أي حق الاستيلاد و حق الكفن، فإنه يرجع إلى استصحاب فساد بيعها قبل الحاجة إلى الكفن، لأنها كان بيعها فاسدا بالضرورة، فيشك بعد الموت لوجود حق الكفن.

و لكن يمكن أن يقال: بعدم جريان هذا الاستصحاب، لاختلاف الموضوع، فإن موضوع المنع قبل الحاجة هو مطلق بيعها، و موضوعه بعدها هو بعها في الكفن، كما تقدم نظيره في صورة طرو العجز، فلا يجري الاستصحاب، و لعله (قدّس سرّه) أشار إلى هذا بقوله: (فتأمل).

قوله: و أخذ الأجرة قبل العمل. إلى آخره.

لأنه لو أخذت الأجرة بعد العمل للزم تعطيل الميت عن الدفن، فجمعا بين حق الميت و حق الاستيلاد أنها توجد نفسها، و تأخذ الأجرة قبل العمل.

قوله (قدّس سرّه): إما إلى الحرية أو الرقية الخالصة. إلى آخره.

لأنه إما أن تنعتق من نصيب ولدها إذا لم يكن حق للديان، أو أنها تباع بثمن رقبتها مع وجود الحق، فلا يتصور أنها بعد موت المولى انها تبقى رقيّتها متزلزلة.

قوله: و الحاصل: أن المستفاد بالضرورة من النص. إلى آخره.

حاصله: أن الذي‌

216

دل عليه الدليل هو المنع عن النقل بالاختيار لمصالح نفسه، أما الانتقال القهري لوجود حق للغير يتعلق بعين أم الولد فغير مشمول للأدلة.

قوله (قدّس سرّه): فإن كانت الجناية خطأ، فالمشهور. إلى آخره.

لا إشكال أنه إذا جنى المملوك غير أم الولد خطأ على غير المالك أن المالك مخير بين أن يدفع المملوك جميعه إلى المجني عليه أو بعضه على قدر الجناية، و بين أن يفديه.

و اختلف في الفداء- على تقدير اختيار المالك له-:

فعن المشهور: أنه يكفي في الفداء أقل الأمرين من قيمتها و قيمة تقدير الجناية، و هي الأرش.

و القول الآخر: أنه يتعين الأرش، و هو قيمة الجناية، سواء كانت تزيد على قيمة المملوك أو تنقص.

و أما أم الولد، فقد اختلف فيها على أقوال أربعة:

أحدها: إلحاقها بسائر المماليك من التخيير بين الدفع و الفداء، كما عن المشهور.

ثانيها: إن جنايتها تتعلق برقبتها، كما عن الخلاف و السرائر و استيلاد المبسوط، بمعنى أنه يتعين دفعها.

ثالثها: إنه يتعين الفداء، كما نسب إلى ديات المبسوط نفي الخلاف عنه، و هو مخالف لما في استيلاده، لأنه فيه نفي الخلاف عن تعلق الجناية برقبتها.

و رابعها: إن جنايتها تتعلق في ذمتها، كما نسب إلى أبي ثور، فتتبع بعد العتق، و لا يجب على المولى قبله لا دفعها و لا فداؤها.

قوله (قدّس سرّه): و ربما يوجه بإرادة نفي الخلاف بين العامة. إلى آخره.

بقرينة استثناء‌

217

خلاف أبي ثور الذي هو من العامة.

قوله: و الأظهر أن المراد. إلى آخره.

هذا بيان لجميع آخر بين كلامي المبسوط في الاستيلاد و الديات، و حاصله:

أنه ليس المراد من كلامه في الديات من أن جنايتها على سيدها، أنه يتعين الفداء، كما فهم ذلك، بل المراد أن خسارته من كيسه، سواء كان بدفعها أو بفدائها في قبال من يقول: إن جنايتها تتعلق بذمتها، فلا يكون ناظرا إلى جهة تعيين الفداء أو الدفع، بل يكون مطلقا من هذه.

قوله: السيوري.

و هو المقداد (رحمه اللّٰه).

قوله (قدّس سرّه): فمندفع بما لا يخفى. إلى آخره.

أما الأول، فلأن حدوث الأثر الجديد، إن كان بحدوث استرقاق آخر، حتى يكون الاستقلال الجديد في التصرف حادثا بحدوثه، فلازمه اجتماع المثلين، و إن كان حدوث هذا الأثر بنفسه لا باسترقاق آخر، فلا دليل عليه، إذ الجناية إنما دل الدليل على استرقاق الجاني بها أو القتل، أما شي‌ء آخر فيحتاج إلى الدليل، فإذا امتنع الاسترقاق تعين الثاني.

و أما الثاني: فلأنه بعد أن كان الاسترقاق محالا، للزوم تحصيل الحاصل، أو اجتماع المثلين، لا يعقل أن يكون مشمولا للدليل، فلا بد من تخصيص الدليل على تقدير عمومه بحكم العقل تخصيصا لبيا.

و أما الثالث: فأولا- بأن عد مناسبة التخفيف بالمنع من التصرف للجاني عمدا صرف استحسان، لا يجعل دليلا على الحكم.

و ثانيا- بأن المنع من التصرف في أم الولد لم يكن علته التخفيف عليها حتى أنه بالجناية العمدية ترتفع العلة، بل العلة ما تقدمت من كونها في معرض الانعتاق، أو غير ذلك التي لا تزول بالجناية.

218

[الثالث] [من شروط العوضين] القدرة على التسليم

قوله (قدّس سرّه): أما كون ما نحن فيه غررا، فهو الظاهر من كلمات. إلى آخره.

الذي يريد أن يستفيده المصنف (قدّس سرّه) من الكلمات التي سينقلها، أمران:

الأول- أن المراد من الغرر هو الخطر لا الخديعة.

و الثاني- ان الغرر يشمل مثل المبيع الممتنع تحصيله، الغير المقدور تسليمه، كما هو محل الكلام، فلذلك يلزم النظر في الكلمات، و ملاحظة الجهتين.

قوله: و عن النهاية بعد تفسير الغرة بالكسر. إلى آخره.

لا يخفى أن تفسير ما عن النهاية الغرر بماله ظاهر يغر المشتري، و باطن مجهول لا يناسب الخطر، بل يناسب الخديعة، بل هو معنى الخديعة، كما أنه لا يشمل ممتنع التحصيل الغير المقدور تسليمه، فما ذكره المصنف- فيما سيأتي- من عدم منافاة ما في عن النهاية لهذا التفسير لم يظهر بالتأمل.

اللهم إلا أن يقال: ليس المراد بأن له ظاهر يغر المشتري أن المشتري يعلم من ظاهره أنه ممكن تحصيله و أنه لا عيب فيه، فيحمل على معنى الغفلة و الخديعة، بل المراد. (1).

____________

(1) الى هنا ينتهي ما بأيدينا من الأوراق المتضمنة لتعليقة الشيخ المظفر (رحمه اللّٰه) على قسم البيع من كتاب المتاجر