التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
455

و الجماعة و استتابة المرتدّ، كتوبة كلّ مذنب، و تضيّق وقت الجمعة إلى ساعة الزوال، و الكسوفين إلى الانجلاء، و الموالاة بين أعضاء الوضوء، إلى غير ذلك من المضيّقات إنّما هو لفوريّة الحكم الشرعيّ لا لصدق الموضوع العرفي، كما فيما نحن فيه من اعتبار الارتباط العرفي بين الإيجاب و القبول في صدق موضوع العقد عرفا، و كذا في سنة التعريف و اليوم إلى الليل و ثلاثة الحيض، و في أثناء القراءة و بين كلماتها و حروفها، و بين السلام و جوابه لصدق موضوعهما.

[و من جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه و قبوله]

قوله: «هذا موهن آخر للرواية (1). فافهم».

[أقول:] إشارة إلى أنّ الإخلال بالموالاة أشدّ و هنا من الإخلال بالترتيب، لصحّة سلب اسم العقد و موضوعه به دونه، إلّا أنّ عمل الأصحاب بالرواية كما هو جابر لموهن الإخلال في الترتيب كذلك جابر لموهن الإخلال بموالاته بذلك المقدار، المقدر إمّا من جهة عدم بلوغه حدّ صحّة سلب اسم العقد، و إمّا من جهة عدم إناطة صحّة النكاح بصدق العقد المركّب من الإيجاب و القبول، بل يكفي بالإيجاب المضرّ و خصوصا ممّن له الولاية الكلّية الإلهيّة الّتي هي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أموالهم، كتزويجه تعالى حوّاء من آدم و فاطمة من علي، و قوله تعالى فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا (2)، و قوله تعالى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ (3)، كما يكتفى بالبكر بالسكوت.

[و من جملة الشرائط الّتي ذكرها جماعة التنجيز في العقد]

قال: «و من جملة الشرائط الّتي ذكرها جماعة التنجيز في العقد .. إلخ».

أقول: عمدة الكلام في المسألة بعد تفصيل صور التعليق و أقسامه هو تشخيص كون الأصل في المسألة هل هو جواز التعليق ليحتاج الكلام في إثبات المنع إلى بيان المخرج الخارجي أوّلا و إلى بيان مقدار منعه ثانيا، أو هو عدم‌

____________

(1) الوسائل 15: 3 ب «2» من أبواب المهور ح 1.

(2) الأحزاب: 37.

(3) القصص: 27.

456

جوازه لئلّا يحتاج المنع في هذا التقدير إلى شي‌ء ممّا احتيج إليه في التقدير الأوّل و تشخيص هذا الأصل موقوف على تشخيص كون الإنشاء قابلا للتعليق أم لا؟

و فيه وجهان.

فالّذي جزم به الفصول (1) في مقدّمة مقدّمة الواجب هو قابليّة الإنشاء للتعليق، و عدّ منه كلّ واجب مطلق توقّف وجوده على مقدّمات مقدورة غير حاصلة.

و الّذي جزم به القوانين (2) في صدر قانون أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه و في قانون الخطاب الشفاهي هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق، و عدّ الواجبات المعلّقة المقرونة بأداة الشرط من الإخبار و الإعلام بكون وجوبها سيتحقّق عند تحقّق شروطها، لا من الإنشاء الفعلي.

و الّذي تمسّك الفصول (3) به على الأوّل هو استظهار الفرق بين قول المولى:

«إذا دخل وقت كذا فافعل كذا» و بين قوله: «افعل كذا في وقت كذا» في كون الظاهر من الأوّل إنشاء طلب مشروط حصوله بمجي‌ء وقت كذا، و من الثاني إنشاء طلب حالي و المطلوب فعل مقيّد بكونه في وقت كذا، و فساد ما يزعمه المانع مانعا من هذا الظهور الحامل له على تأويله بالإخبار و الإعلام، كالمثال الأوّل حسب ما سيأتي.

و أمّا التمسّك بمجرّد ما في المتن (4) من وضوح كون التعليق في الإنشاء أمرا مقصورا واقعا في العرف و الشرع كثيرا في الأوامر و المعاملات من العقود و الإيقاعات فللمانع منع هذا الوضوح و تأويل جميع ما يدعي ظهوره فيه من الأمثلة إلى الإخبار و الإعلام، أو كون التعليق في المنشئ لا الإنشاء، و في‌

____________

(1) الفصول الغرويّة: 80.

(2) قوانين الأصول 1: 124، 233- 234.

(3) الفصول الغرويّة: 80.

(4) المكاسب: 100.

457

الوجوب لا الإيجاب، و في المطلوب لا الطلب.

و الّذي يمكن التمسّك به للثاني وجهان:

أحدهما: ظهور تسميته بالواجب المعلّق في كون الوجوب معلّقا على حصول المعلّق عليه لا بالفعل كظهور الواجب المشروط في مثله أيضا.

و يمكن دفعه: بأنّ التسمية غير مطّردة مع المسمّى كالحدود اللفظيّة. ألا ترى اختلاف القوم في كون الحروف موضوعة بالوضع العامّ و الموضوع له العامّ، أو بالوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ مع اتّفاق الفريقين على تسمية من بالابتداء و إلى بالانتهاء.

و ثانيهما: أنّه إذا توقّف فعل الواجب على شي‌ء غير مقدور له امتنع وجوبه قبله، و إلّا لزم أحد الأمرين من عدم توقّفه عليه حيث وجب بدونه، أو التكليف بالمحال حيث ألزم المكلّف بالفعل في زمن يتعذّر فيه حصول ما يتوقّف عليه.

و يدفعه: أنّ المراد من وجوب الفعل قبل حصول ما يتوقّف عليه ليس كون الزمان المتقدّم ظرفا للوجوب و الفعل معا، بل المراد أنّه يجب على المكلّف في الزمان السابق أن يأتي بالفعل في الزمان اللاحق، كما يجب على المكلّف الممنوع من العبادة فيه مثلا أن يأتي بها خارجه في الزمان ظرف للوجوب فقط و الزمن اللاحق ظرف لهما معا، كالمكان الخارج عن المكان الممنوع من العبادة فيه بالنسبة إلى المكلّف الموجود فيه من غير فرق.

فإن قلت: إذا وجب الفعل قبل حصول ما يتوقّف عليه من الأمر الغير المقدور فوجوبه إمّا أن يكون مشروطا ببلوغ المكلّف إلى الوقت الّذي يصحّ وقوعه فيه، أولا، فإن كان الأوّل لزم أن لا يكون وجوب قبل البلوغ إليه كما هو قضيّة الاشتراط، و إن كان الثاني لزم التكليف بالمحال، فإنّ الفعل المشروط بكونه في ذلك الوقت على تقدير عدم البلوغ إليه ممتنع.

458

قلنا: إن أردت بالبلوغ نفسه اخترنا الشقّ الثاني، و نمنع لزوم التكليف بالمحال على تقديره، لأنّه إنّما يلزم إذا وجب عليه إيجاد الفعل المقيّد بالزمن اللاحق على تقدير عدم بلوغه إليه، و هو غير لازم من عدم اشتراطه بنفس البلوغ.

و إن أردت بالبلوغ ما يتناول بعض الاعتبارات اللاحقة بالقياس إليه ككونه ممّن يبلغ الزمن اللاحق منعنا توقّف الوجوب على سبق البلوغ أو مقارنته له، بل يكفي مجرّد حصوله و لو في الزمن اللاحق. فيرجع الحاصل إلى أنّ المكلّف يجب عليه الفعل قبل البلوغ إلى وقته على تقدير بلوغه إليه، فيكون البلوغ كاشفا عن سبق الوجوب واقعا، و عدمه كاشفا عن عدمه كذلك، لا أن يكون سببا.

و الفرق بين كاشفيّة البلوغ عن سبق الوجوب و بين سببيّته له أمر متعقّل لا يرتاب في تعقّله ذو عقل، بل و لا في وقوعه، و تحقّقه في العرف و الشرع كثير في الأوامر و المعاملات من العقود و الإيقاعات، كالوصيّة، و العقود الفضوليّة، و التوكيل، و النذر، و الظهار، و المكاتبة، و التدبير، و غير ذلك ممّا اتّفقوا على صحّة التعليق فيه.

و دعوى أنّها مخرجة عن الإنشاء إلى الإخبار و الإعلام بها يبعده أنّها إن كانت إخبارا عن تحقّق الإنشاء في السابق فخلاف المفروض، و إن كانت إخبارا عن تحقّقه في اللاحق فمضافا إلى أنّه أيضا خلاف المفروض هو مجرّد و عد يحتمل البداء و فسخ العزم، فكيف يؤثّر أثر الإنشاء فعلا من اللزوم و الالتزام؟! و الحاصل: أنّ استحالة تعقّل التعليق في الإنشاء ممنوعة.

بما يرجع حلّا: إلى الوجدان المعتضد بأصالة الإمكان و ظهور الأمر المعلّق في الإنشاء لا الإخبار.

و نقضا: إلى أنّه لو كان التكليف المشروط من باب الإعلام و الإخبار عن‌

459

حصول الطلب عند حصول الشرط لا من باب إنشاء الطلب المشروط لاحتمل الصدق و الكذب و من البيّن عدمه، و لاحتمل البداء و فسخ العزم بوفاء الوعد بحصول الطلب عند حصول الشرط المستلزم لعدم الذّم و العقاب على تركه و من البيّن بطلان اللازم.

فإن قلت: إنّ البيع المعلّق على حصول شي‌ء متراخ لو لم يرجع إلى الإخبار و الإعلام بالبيع عند حصول المعلّق عليه لزم إمّا انتقال المبيع إلى المشتري من حين العقد، و إمّا بقاءه تحت ملك البائع في مدّة الانتظار، و إمّا صيرورته ملكا لكلّ منهما في مدّة الانتظار.

أمّا الأوّل فهو من آثار العقد المنجّز بالوفاق فلا يترتّب على المعلّق، و أمّا الثالث فيستلزم اجتماع الضدّين، فتعيّن الثاني، و هو المطلوب.

قلت: نختار الشقّ الثالث، و نمنع لزوم اجتماع الضدّين منه، لأنّ اجتماعه إنّما يلزم من اجتماع الملكين المنجّزين. و أمّا الملك المنجّز لأحد فيجوز اجتماعه مع الملك المعلّق لآخر من غير اجتماع الضدّين البتّة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: تأسيس كون الأصل الأصيل في المسألة هو جواز التعليق، آخذا بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) بل و بعموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3) على وجه إلّا ما خرج بالدليل، و تشخيص كون النزاع في المسألة نزاع شرعيّ لا عقليّ، أعني: نزاع في ثبوت الدليل المخرج عن تحت الأصل و العمومات و عدمه شرعا لا نزاع في تعقّل التعليق في الإنشاء و عدمه عقلا، لما عرفت من أنّ التحقيق تعقّله، كما حقّقه الأستاذ، تبعا لاستاذيه‌

____________

(1) المائدة: 1.

(2) البقرة: 275.

(3) النساء: 29.

460

المصنّف (1) و الفصول (2)، و لكنّ الحقّ تعقّله، كما عرفت.

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم أنّ التعليق يتصوّر على ثمانية عشر صورة أو أزيد، و محلّ النزاع منها و إن كان بالنظر إلى إطلاق بعض فتاويهم يشمل جميع صور التعليق سوى الملحق بالتيمّن و التبرّك ك‍ «إن شاء اللّٰه» إلّا أنّ عمدة الدليل على منع التعليق في المسألة لمّا كان منحصرا في الشهرة و الإجماعات المنقولة- كما في المتن (3)- و في أصالة الفساد- كما في تعليلاتهم الأخر بالتوقيف و عدم تعقّل التعليق في الإنشاء- كان المتيقّن دخوله في معقدهما من أقسام التعليق قسمان:

أحدهما: ما كان التعليق فيه منافيا للجزم بالإنشاء، كتعليق الإنشاء على ما هو مشكوك الحصول، و ليس صحّة العقد معلّقة عليه في الواقع، كقدوم الحاجّ مثلا.

ثانيهما: ما كان التعليق فيه موجبا لتفكيك أثر العقد عن نفس العقد المؤثّر له، كتعليق العقد على أمر معلوم الحصول في المستقبل المعبّر عنه بالصحّة، كقول الواقف: «إذا جاء رأس الشهر فقد وقفته»، بل لا يبعد انحصار معقد المنع في القسم الأوّل.

و لكنّ الّذي استظهره الماتن (قدس سرّه) (4) تبعا لغير واحد هو دخول القسم الثاني أيضا في معقد المنع، و حينئذ فالممنوع من التعليق هو ما كان من أحد هذين القسمين على سبيل منع الخلوّ دون سائر أقسام التعليق ممّا كان معلوم الحصول ك «إن كان لي فقد بعته»، أو كان صحّة العقد معلّقة عليه ك‍ «إن كنت عاقلا أو مختارا فقد بعته»، فإنّ الظاهر المصرّح به في كلام غير واحد عدم دخول شي‌ء‌

____________

(1) المكاسب: 100.

(2) تقدّم ذكره في هامش (1) ص: 456.

(3) المكاسب: 99.

(4) المكاسب: 99.

461

منها في محلّ المنع.

أمّا وجه التعليق المنافي للجزم بالإنشاء في معقد الشهرة و الإجماعات المنقولة على المنع فلما صرّح به غير واحد منهم من أنّ هذا النحو من التعليق بعرضه عدم الحصول فينافي الجزم المعتبر في الإنشاء.

و أمّا وجه دخول التعليق الموجب لتفكيك أثر العقد عن نفس العقد المؤثّر على تقدير تسليم دخوله فلمنافاته لتأثير العقد الأثر، الّذي رتّبه الشارع على نفسه بواسطة مداخلة حصول المعلّق عليه في تأثيره أثره المترتّب على نفسه، فيخرج بواسطة تلك الواسطة في تأثيره عن العقود الشرعيّة إلى العقود المخترعة الّتي لا يشملها عموم (1): «الوفاء بالعقود».

و أمّا وجه عدم دخول سائر أقسام التعليق فلما في المتن (2) من: «أنّ تعليق العقد بما هو معلّق عليه في الواقع ليس تعليقا في الحقيقة في كلام المتكلّم» إلى آخر كلامه.

ثمّ إنّه قد علم ممّا ذكرنا أنّ الجزم المعتبر في صحّة المعاملات ليس كالجزم المعتبر في صحّة العبادات، فإنّ الجزم المعتبر في صحّة العبادة جزمان:

أحدهما: الجزم بمحبوبيّة تلك العبادة و مقربيّته، فلو تردّد في تأثرها القرب و عدم تأثّرها بواسطة اشتمالها على بعض ما يحتمل المانعيّة أو فقدها لبعض ما يحتمل الجزئيّة أو الشرطيّة بطلت.

ثانيهما: الجزم في فعلها و إيقاعها، فلو أوقعها على وجه الترديد بين فعلها أو قطعها بطلت أيضا، و الجزم المعتبر في صحّة العقود و المعاملات هو الجزم الثاني لا الأوّل، أعني: الجزم في إنشاء العقد لا الجزم في تأثيره المنشئ، فلو‌

____________

(1) المائدة: 1.

(2) المكاسب: 100.

462

أنشأ العقد على وجه الترديد في إنشائه و عدم إنشائه بطل، بخلاف ما لو أنشأه جزما على وجه الترديد في تأثيره المنشئ و عدم تأثيره فإنّه لم يبطل، كما لو باع شيئا مع التردّد في كونه ممّا يملك أو لا يملك، أو في أنّ مالكه يجيز أو لا يجيز، أو في اجتماع شروط المتعاقدين من البلوغ و العقل و الرشد و الاختيار و عدمه، فإنّ الترديد في شي‌ء من ذلك لا يقدح في صحّة العقد إذا لم يرجع إلى الترديد في أصل الإنشاء، سيّما إذا أطلق العقد لفظا و لم يصرّح بتعليقه على شي‌ء من ذلك، فإنّ الظاهر الاتّفاق على صحّة المطلق إنشائه لفظا، و إن كان في المعنى معلّقا على تقدير اجتماع ما يتردّد العاقد في اجتماعه من شروط العقد أو المعقود عليه أو المتعاقدين، و إن استظهر الماتن (1) من الشهيد في القواعد (2) خلافه، و هو الجزم بالبطلان، أو الدخول في محلّ النزاع.

و من هنا يظهر أنّ تكرار العقد الواحد بالصيغ المكرّرة من الفارسيّ و العربيّ و غيرهما من الخصوصيّات و الكيفيّات المحتملة من المتردّد في صحّة أيّهما غير قادح في الصحّة و إن كان إنشاء كلّ منها معلّقا في المعنى على صحّته بالخصوص و عدم تأثير السابق و اللاحق شيئا.

و ذلك إمّا لاختصاص النزاع في المسألة بالتعليق اللفظي دون المعنويّ.

و إمّا لاختصاصه بالتعليق المتسبّب لارتفاع أصل قصد الإنشاء دون الغير المتسبّب لارتفاع قصد الإنشاء، كما فيما نحن فيه.

لا يقال: إنّ التعليق في المنشئ متسبّب لارتفاع قصد الإنشاء في العقد لا محالة «و العقود تابعة للقصود» فما لم يشتمل على قصد ليس بعقد.

لأنّا نقول: كما أنّ الجزم بالطلب لا يتسبّب لارتفاعه القطع بعدم حصول‌

____________

(1) المكاسب: 99.

(2) القواعد و الفوائد 2: 237- 238 قاعدة 238.

463

المطلوب له فضلا عن الترديد في حصوله له، كذلك الجزم بالإنشاء لا يتسبّب، لارتفاعه القطع بعدم حصول المنشأ له، و عدم تأثير إنشائه المنشأ شرعا، فضلا عن الترديد في تأثيره المنشئ شرعا حتّى يرجع إليه، كما لا يخفى.

و من هنا يعلم أيضا أنّ المنشئ لو أنشأ عقدا على وجه الجزم قاطعا بعدم اجتماع شروط العقد أو المعقود عليه أو العوضين أو المتعاقدين صحّ عقده لو بان اجتماعه لذلك الشرط، فضلا عمّا لو أنشأه على وجه الجزم متردّدا في اجتماعه للشروط المذكورة ثمّ بان اجتماعه لها، إلّا أن يتسبّب الترديد في تأثّره الإنشاء، لارتفاع القصد عن أصل الإنشاء. و لعلّ إلى ذلك ينظر جزم الشهيد في القواعد (1) بالبطلان فيما لو زوّج امرأة يشكّ في أنّها محرّمة عليه فظهر حلّها، أو خالع امرأة أو طلّقها و هو شاكّ في زوجيتها، أو ولّى نائب الإمام (عليه السلام) قاضيا لا يعلم أهليّته و إن ظهر أهلا مع جزمه فيها بالإخراج عن ذلك بيع مال مورّثه لظنّه حياته فبان ميّتا، أو تزويج أمة أبيه فظهر ميّتا. فإنّ التفرقة بين الفروع المذكورة في حكمه بالبطلان في بعضها و بالصحّة في بعضها الآخر مع كون الكلّ من باب واحد لا وجه له سوى ما ذكرنا من رجوع الترديد في تأثير الإنشاء تارة إلى الترديد في أصل الإنشاء، و عدم رجوعه إليه تارة أخرى، فيبطل في الراجع، و يصحّ في غيره (2).

قوله: «بل جعل الشرط هو الجزم. إلخ».

[أقول:] الفرق بين التنجيز و الجزم أنّ التنجيز و التعليق من مقولة اللفظ، و الجزم الترديد من مقولة المعنى، و الأوّل من أوصاف العقود، و الثاني من أوصاف‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 462.

(2) من قوله: «في بعضها» الى قوله: «و يصحّ في غيره»- بزيادة (و اللّٰه العالم بحقائق أحكامه) في آخره- قد تكرر في نسخة الأصل بعد إتمام التعليقة على قوله: و فيه اشكال.

و قبل التعليقة على قوله: و من جملة الشروط في العقد .. إلخ. و الظاهر انّ التكرار حصل نتيجة إلحاق بعض التعليقات في الأثناء.

464

القصود.

و من هنا يعلم أنّ محلّ النزاع في التعليق على الأمر المتوقّع لا الواقع، و في الإنشاء لا المنشئ، و في الإيجاب لا الوجوب، و في الطلب لا المطلوب، و أنّ المدرك في هذه المسألة هو المدرك فيما تقدّم، فالدليل الدليل، و الأصل العملي هو الأصل العملي من أصالة الفساد و عدم النقل و الانتقال، و الأصل اللفظي هو الأصل اللفظي من إطلاق العقد و البيع و التجارة على المنجّز، و صحّة سلبها عن التعليق في الإنشاء دون المنشئ، و في الإيجاب دون الوجوب، و في الطلب دون المطلوب.

قوله: «العمدة في المسألة هو الإجماع .. إلخ».

[أقول:] فيه: أنّ الظاهر و إن كان ذلك إلّا أنّ تعليل المجمعين اشتراط التنجيز بمنافاة التعليق و الترديد للجزم في إنشاء العقد و صدقه أظهر في تعيّن الدليل في التعويل على التعليل و الأصل الأصيل، و هو إطلاق العقد في الإنشاء المنجّز، و أصالة الفساد في المعلّق دون كون المدرك الشهرة و الإجماع، كما هو الأظهر أيضا من سائر أدلّة المسألة و تعليلاتهم الآتية، و من المعلوم تقديم الأظهر على الظاهر.

قوله: «فالتعليق غير متصوّر فيه .. إلخ».

[أقول:] فيه: ما عرفت من أنّ تعليلهم نفي التعليق في الإنشاء بمنافاته الجزم المعتبر في صدق العقد دليل كون النفي بانتفاء الموضوع لا المحمول الغير المعقود كنفيهم حجّية مفهوم الوصف و اللقب من باب السالبة بانتفاء الموضوع أيضا.

قوله: «فلا ريب في أنّه أمر متصوّر واقع في العرف و الشرع كثيرا في الأوامر و المعاملات».

465

أقول: أمّا في الأوامر فكقوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا .. فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا* (1) فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) أي غدا.

و أمّا في العقود فكقولهم: «بعتك كذا بشرط كذا» أو «بعتك منفعة الدار أو الآبار و الأشجار بعد العام المستأجرة»، أي بعد العام المسبوق بإجارة الغير.

و أمّا في الإيقاع فكقولهم: «أنت حرّ بعد وفاتي» و «لك الثلث بعد وفاتي» و «عليّ كذا إن فعلت كذا» أو «لك كذا إن فعلت كذا» إلى غير ذلك من التعليق و الشروط الواقعة في العقود و العهود الصحيحة الصريحة في العرف و الشرع في الكتاب (3) و السنّة (4).

و لكن قد عرفت الجواب عنها بأنّ صحّة التعليق في أمثال ذلك إنّما هو في المنشئ لا الإنشاء، و في الوجوب لا الإيجاب، و في المطلوب لا الطلب، و في المعهود لا العهد، و في المنذور لا النذر. و تظهر الثمرة في وجوب مقدّمات الواجب المعلّق قبل دخول وقته و حصول شرطه، و وجوب إيجاد المقدّمات قبل وقت ذي المقدّمة كوجوب الطهارة للصوم بمجرّد الرؤية، و المحافظة على الاستطاعة و مقدّمات الحجّ بمجرّد الاستطاعة و لو قبل عام الحجّ بسنين، و وجوب المحافظة على المنذور و المعهود و المشروط على الناذر و العاهد و الشارط قبل حصول الشروط المتوقّعة، و في كون النماء المتخلّل بين المشروط و شروطها المتوقّعة في زمن التوقّع من الناقل على تقدير التعليق في النقل و من المنقول له و إليه على تقدير التعليق في المنقول لا هو المعمول.

قوله: «و الظاهر الفرق بين مثال الطلاق و طرفيه بإمكان الجزم فيهما،

____________

(1) المائدة: 6.

(2) البقرة: 185.

(3) المائدة: 1، الأسراء: 34.

(4) الوسائل 12: 352 ب «6» من أبواب الخيار.

466

دون مثال الطلاق. فافهم».

[أقول:] إشارة إلى توجيه الفرق بأنّ طلاق الأجنبيّة بزعم المطلّق تحصيل للحاصل المحال، بخلاف تزويج المحرّمة عليه.

أو إلى أنّ الفرق غير فارق، لأنّ المحال تحصيل الحاصل الواقعي، لا الزعمي الغير الحاصل في الواقع.

[و من جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب و القبول]

قوله: «لا يبعد الجواز».

[أقول:] و ذلك بناء على إرادة البائع بيع كلّ من نصفي المثمّن بنصف من الثمن، لا بيع المبيع منهما على وجه الاشتراك المطلق بكلّ الثمن على وجه يكون له الرجوع فيه إلى كلّ منهما على وجه الانفراد و الاجتماع.

قوله: «و فيه إشكال».

[أقول:] وجه الإشكال: احتمال إرادة البائع خلاف ما أراده المشتري من تعدّد الشراء و توزيع الثمن عليها.

[و من جملة الشروط في العقد أن يقع كلّ من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكلّ واحد منهما الإنشاء]

قال: «و من جملة الشروط في العقد أن يقع كلّ من إيجابه و قبوله في حال يجوز [لكلّ واحد] منهما الإنشاء».

أقول: الكلام في اعتبار هذا الشرط يقع تارة في بيان المراد، و اخرى في صحّة ما أراد.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فالظاهر من مجموع كلامه أنّ المراد من اعتبار هذا الشرط هو توقّف صحّة العقد على استمرار جميع شروط العقد و المتعاقدين و العوضين من أوّل زمان العقد إلى آخر زمان تمام السبب الناقل، و هو القبول في عقد البيع و الإجازة في عتق الفضوليّ و القبض في الوقف، و المركّب من الأوّلين في بيع الفضوليّ، و من الأخيرين في الوقف الفضوليّ، و من الأوّل و الثالث في عقد الهبة، و من المجموع الثلاثة في الهبة الفضولية، فيبلغ الحاصل من اعتبار كلّ من‌

467

الشروط الثلاثة: شروط العقد و العوضين و المتعاقدين في كلّ من المواضع الثلاثة الأوّل و الآخر و الوسط إلى اعتبار تسعة شروط، فلو أخلّ بشي‌ء منها بطل العقد.

و مثال الإخلال بشروط العقد هو إنشاء العقد أوّلا من غير رضا، ثمّ إلحاق الرضاء له قبل تمام السبب، أو إنشائه مع الرضاء ثمّ عرض البداء له قبل تمام السبب، سواء استمرّ عروضه أم زال قبل تمامه.

و مثال الإخلال بشي‌ء من شروط العوضين هو عدم قابليتهما للملك حين العقد، ثمّ عرض لهما القابليّة قبل تمام السبب كانقلاب ما هو خمر، أو مال للغير حين العقد إلى الخلّ، أو إلى مال نفسه بإرث و نحوه قبل تمام السبب أو العكس، أعني قابليّتهما للملك حين العقد ثمّ عرض لهما عدم القابليّة بانقلاب الخلّ خمرا، أو انتقال مال نفسه إلى وارثه بارتداد و نحوه قبل تمام السبب، سواء استمرّ عدم القابليّة أو زال قبل تمام السبب أيضا.

و مثال الإخلال بشي‌ء من شروط المتعاقدين هو عدم كمالهما بالبلوغ و العقل و الرشد حين العقد، ثمّ عرض لهما الكمال قبل تمام السبب أو العكس، أعني كمالهما حين العقد، ثمّ عرض لهما الحجر بسفه أو فلس أو إغماء أو جنون قبل تمام السبب، سواء استمرّ ذلك العارض أم زال قبل تمام السبب. فمقتضى إطلاق اعتبار هذا الشرط هو بطلان العقد بالإخلال به في جميع شقوق الإخلال المذكورة، حتّى في صورة ما لو أنشأ العقد مع اجتماع جميع الشروط ثمّ عرض لأحدهما قبل تمام السبب جنون ما أو إغماء أو انقلب الخلّ خمرا آنا ما ثمّ زال العارض من حينه قبل تمام السبب، هذا هو ظاهر المراد.

و أمّا الكلام في صحّة ما أراد فتفصيله: أنّ اعتبار هذا الشرط في العقود- مضافا إلى تخلّفه في الوصيّة حيث يجوز التخلّل بين إيجابه و قبوله بالردّ قبل الموت على المشهور، و في عقد المكره، حيث صرّحوا بجواز لحقوق الرضا له،

468

و في تزويج المالك أمته بجعل المهر عتقها، حيث اتّفقوا على جوازه مع عدم تسلّطها على البضع حين العقد- لا دليل على صحّة إطلاق اعتباره في جميع الشقوق المذكورة، إذ لا إجماع و لا شهرة من محصّل و لا منقول و لا غيرهما سوى ما ذكره الماتن (قدس سرّه) من عدم تحقّق معنى المعاقدة و المعاهدة عرفا عند الإخلال به، و هو لا ينهض دليلا على صحّة إطلاق اعتبار استمرار جميع الشروط من أوّل العقد إلى زمان تمام السبب، بحيث لو تخلّل فيما بين العقد و السبب المتمّم له إغماء أو جنون ما ثمّ زال من حينه بطل العقد، إذ من البيّن عدم قدح هذا النحو من الإخلال العارض في صدق التعاقد و التعاهد عرفا إذا زال من حينه قبل تمام السبب، فهل ترى من نفسك إخلال صدق التعاقد و التعاهد عرفا بمجرّد انقلاب الخلّ خمرا بعد إنشاء العقد آنا ما ثمّ عاد إلى أصله قبل تمام القبول؟! و توهّم دلالة إطلاق أدلّة اعتبار شروط العقد و المتعاقدين و العوضين على استمرار اعتبارها من أوّل العقد إلى زمان تمام السبب مدفوع بأنّ إطلاقها وارد مورد بيان حكم آخر، أعني: بيان فساد العقد الفاقد بشي‌ء منها رأسا كبيان فساد بيع الخمر و بيع الصبي و المجنون و نحوه من العقود الفاقدة للشروط من حين العقد إلى آخر تمام السبب.

و أمّا الجامعة لجميع الشروط حين العقد و حين القبول الفاقدة لها فيما بينهما آنا ما بواسطة عروض عارض زال من حينه فلا دليل على فسادها، لأنّ إطلاق أدلّة اعتبار الشروط المذكورة واردة مورد بيان حكم غير هذه الصورة قطعا، و عدم الدليل على فسادها دليل عدم فسادها، ضرورة صدق التعاقد و التعاهد، فيشملها عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

نعم، غاية ما يسلّم من عدم صدق التعاقد و التعاهد هو عدم صدقهما على‌

____________

(1) المائدة: 1.

469

صورة ما إذا كان عدم قابليّة المتعاقدين للإيجاب و القبول بموت أو جنون أو إغماء أو إكراه مستمرّ من أوّل العقد إلى آخر تمام السبب، دون ما إذا كان عدم قابليّتهما بواسطة عدم بلوغ فبلغ قبل تمام السبب، أو بواسطة سفه أو فلس فزال قبل تمام السبب، سيّما إذا عرض المانع من إغماء أو تنعّس بعد الإيجاب و زال قبل تمام السبب، فإنّ بقاء صدق التعاقد و التعاهد سيّما في الفرض الأخير ممّا لا ينبغي الإشكال فيه و إن قلنا بوضع ألفاظ المعاملات شرعا للصحيح، كما لا يخفى.

فتبيّن من ذلك أنّه لا دليل على صحّة إطلاق اعتبار الشرط المذكور في العقود سوى الاحتياط، بل لا تعرّض له في كلام أحد من القدماء و لا المتأخّرين، و إنّما هو من استنباطات متأخّر المتأخّرين الّتي استنبطها ظاهرا من إطلاق أدلّة اعتبار الشروط الواردة مورد بيان حكم آخر، كما عرفت.

و أمّا الإجماع الّذي نقل ادّعاءه شيخنا العلّامة عن شيخه صاحب الجواهر مشافهة فيما تقدّم (1) فمضافا إلى احتمال ورود إطلاق دعواه مورد بيان حكم آخر أيضا و كون الإجماع من اللبّيات الّتي لا إطلاق لها أصلا أنّ الإطلاق في دعواه على تقدير ثبوته موهون جدّا، لكن لا لمجرّد عدم حجّية الإجماع المنقول، بل لعدم اجتماعه لشرائط الحجّية على القول بالحجيّة.

[فرع لو اختلف المتعاقدان اجتهادا و تقليدا في شروط الصيغة]

قوله: «أردؤها أخيرها».

[أقول:] وجه رداءته: أنّ عدم القائل بسببيّة العقد المركّب منهما في النقل لا يستلزم عدم سببيّته في الواقع حتّى يجب استثناءه عن جواز اختلاف المتعاقدين، هكذا وجّه الرداءة شيخنا العلّامة.

____________

(1) تقدّم في ص: 453.

470

و لكنّه غير وجيه، أمّا على القول بوجوب اللطف الّذي هو طريقة الشيخ (1) فلوضوح منع عدم الملازمة بين عدم القائل بالسببيّة و عدم السببيّة، و أمّا على القول بعدم وجوبه فلأنّ مجرّد عدم القائل بسببيّته و إن لم يستلزم عدم السببيّة بالقطع إلّا أنّه يستلزمه بالظنّ لا محالة، و به الكفاية في حسن التحرّز عنه و استثناء فرضه عن الجواز و لو لم نقل بحجّية مثل ذلك الظنّ.

و على ذلك لم يكن التفصيل في القول بالصحّة أردأ الوجوه، بل كان أحسنها جميعا إن صحّ مبنى القول بالصحّة، و أحسن من خصوص القول بإطلاق الصحّة إن لم يصحّ.

و أمّا تحقيق صحّة هذا المبنى و عدمه- أعني: تشخيص كون الأحكام الظاهريّة المجتهد فيها- هل هي بمنزلة الواقعيّة الاضطراريّة ليكون الإيجاب بالفارسيّة من القائل بصحّته عند من يراه باطلا بمنزلة إشارة الأخرس و إيجاب العاجز عن العربيّة و كصلاة المتيمّم بالنسبة إلى واجد الماء، أم هي أحكام عذريّة لا يعذر فيها إلّا من اجتهد أو قلّد؟ فالمتكفّل له تفصيلا أواخر مبحث الإجزاء من أساسنا في الأصول و الصحّة غير بعيدة، و عليها من فحول المتأخّرين صاحب الضوابط (2) و القوانين (3). و مرجعها إلى دعوى مقدّمتين:

إحداهما: أنّ الشارع لم يجعل طريقا مخترعا إلى أحكامه الواقعيّة وراء إمضاء الطرق المنجعلة عند العقلاء في الوصول إلى مطالبهم و مقاصدهم.

و ثانيهما: أنّ سيرة العقلاء من الموالي بالنسبة إلى عبيدهم و من السلاطين بالنسبة إلى رعاياهم و من التجّار بالنسبة إلى عمّالهم على الاكتفاء بالأمارات، الّتي أمروا بها من جهة غلبة إيصالها إلى الواقع، على وجه تكون الوقائع النادرة‌

____________

(1) عدّة الأصول: 602.

(2) ضوابط الأصول: 184.

(3) قوانين الأصول 1: 130.

471

المتخلّفة عن مصادفة الواقع في نظرهم خالية عن الواقع، فيكون مطلوبيّة الواقع في أنظارهم مقصورا على الوقائع الغالبة المصادفة لا غير.

و مرجع ذلك إلى القناعة عن الواقع بمقدار مؤدّى الإمارة من المطابقة له غالبا عن المقدار الزائد، و هو المطابقة له دائما، لا إلى رفع اليد عن الواقع دائما و جعل الطريق موضوعا صرفا حتّى يبعده الوجدان و البرهان.

قوله: «إذا اعتقد اعتبار الموالاة، فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ استدراك هذه الصورة مستدرك و استثناء منقطع، لأنّ الكلام فيما لو اختلف المتعاقدان في صحّة العقد كالبيع في وقت النداء أو بغير العربيّة و الماضويّة ممّن يجوّزه أحدهما دون الآخر، لا فيما إذا اعتقد كلّ منهما بطلان الصيغة من طرف مقابله لا من طرفه، كإخلال أحدهما بترتيب ما لا يسوّغه الآخر، و الآخر بموالاة ما لا يسوّغه الأوّل، فإنّه باطل، لأنّ العقد المركّب من الصحيح و الباطل باطل و إن كان بطلانه من الطرف الآخر.

[مسألة لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد]

[لم يملكه و كان مضمونا عليه]

قوله: «و يدلّ عليه النبويّ» (1).

[أقول:] أمّا الخدشة في سنده بأنّه عامّي مدفوعة بانجباره بالشهرة، و أيّ شهرة بحيث لم يلف فقيها إلّا و تمسّك به في فقهه.

و أمّا الخدشة في دلالته بما عن العوائد (2) من دعوى إجماله بواسطة دوران معناه بين تقدير استقرار الضمان «على اليد» أو وجوب الحفظ عليه أو ظهوره في وجوب الحفظ دون استقرار الضمان- نظرا إلى أنّ كلمة «على» ظاهرة في الحكم التكليفي فلا يدلّ على الضمان- فأيضا ضعيفة:

أوّلا: بفهم المشهور الضمان منه خلفا عن سلف قرينة معيّنة لدلالته عليه، بناء على جابريّة الشهرة الدلالة.

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 389 ح 22.

(2) عوائد الأيّام: ص 316- 318.

472

و ثانيا: بأنّ من الواضح على كلّ من له أدنى خبرة بمحاورات العرف عدم إجمال مثل هذه العبارة، بل ظهورها في الضمان ممّا يكاد أن يلحق بالنصوص، كما في أشباه هذه العبارة و أنظارها من أيّ لغة كانت. ألا ترى قول العرب الأخذ عليه أو برقبته و قول الفرس: «دست دست را ميشناسد و هر كه برده بپاى أو است»، كالنصّ (1) الصريح في الدلالة على الضمان، فكيف بقول من أبلغ الكائنات و لغته الّتي هي أفصح اللغات؟

هذا، مع أنّ الأصل و الغالب عدم الإجمال و ندوره جدّا في المحاورات، سيّما من الشارع الّذي معناه البيان و شأنه التبيان، و سيّما في الأحكام.

و بالجملة فقوله الشريف (صلى اللّٰه عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2) كالنصّ الصريح في أنّ تقديره على صاحب اليد عهدة ما أخذ أو دركه أو ضمانه أو ما يؤدّي مؤدّاها حتّى يؤدّي، لا واجب عليه حفظ ما أخذ.

أمّا تقدير الاستقرار دون الوجوب فلأنّ الظرف فيما نحن فيه مستند إلى عين من الأعيان، فهو ظاهر في الحكم الوضعي ك‍ «عليه مال» أو «دار»، لا أنّه مستند إلى فعل من أفعال المكلّفين ك‍ «عليه أكل» أو «شرب» أو نحوهما من الأفعال حتّى يكون ظاهرا في الحكم التكليفي. مضافا إلى أنّ الأحكام الوضعيّة عندنا أيضا منتزعة عن الأحكام التكليفيّة، و ليست بأمور مستقلّة حتّى ينافيها الأحكام التكليفيّة.

و أمّا تقدير الضمان دون الحفظ فلرجوعه إلى التقدير الأوّل و هو تقدير الاستقرار لا إلى تقدير آخر وراءه، بخلاف الحفظ فإنّ تقديره يستلزم تعدّد المقدّر، و الأصل عدمه. و أمّا عدم تقدير الأداء أو الردّ عوض الحفظ فلأنّه مضافا‌

____________

(1) تقدّم ذكره في ص: 471.

(2) عوالي اللئالي 1: 389 ح 22.

473

إلى منافاتهما الأصل أيضا منافيان للغاية بقوله: «حتى يؤدّي».

فتلخّص من ذلك: أنّ دلالة «على اليد ما أخذت» على الضمان إمّا من جهة ظهور كلمة «على» في الحكم الوضعي لا التكليفي بواسطة إسناده إلى العين لا الفعل.

و إمّا من جهة ضميمة القرائن الخارجيّة، من فهم المشهور، و ملاحظة الأشباه و النظائر العرفيّة، و أصالة عدم الإجماع، و غير ذلك، معينة بتقدير الضمان.

إلّا أنّه على التقدير الأوّل لا تقدير للضمان، و إنّما هو منتزع من نفس تعلّق الظرف بالاستقرار فلا يقدّر بتقدير آخر وراء تقدير الاستقرار، بل تقدير الاستقرار مغني عن تقديره، بخلافه على التقدير الثاني و يعضد قاعدة اليد قوله (عليه السلام) (1) في الأمة المبتاعة: «إذا وجدت مسروقة» إلى آخر قول المصنّف: «فهو كالتالف لا المتلف.

فافهم» (2). فتأمّل.

إشارة إلى أنّ ضمان المتلف على تقدير كونه من باب «من أتلف مال غيره فهو له ضامن» ظاهر في الإتلاف الفعليّ لا الشأنيّ و التنزيليّ، بخلاف ضمان اليد فإنّه يعمّ حتّى المنافع الناشئة من المالك بحبس ملكه من الاستنفاع و الاستخدام به مدّة الحبس و المنع.

ثمّ إنّ هذا كلّه في بيان أصل دلالة الحديث الشريف على الضمان في الجملة في مقابل السلب الكلّي.

و أمّا بيان مقدار الدلالة و كميّته فتفصيله: أنّ المراد من «اليد» المضمّن هل هو اليد المستقلّ على المال، أو الأعمّ منه و من المشترك فيه؟ وجهان، بل قولان، استظهر الأوّل شيخنا العلّامة دام ظلّه، و الثاني عن صاحب الجواهر (3).

____________

(1) الوسائل 14: 592 ب «88» من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 3.

(2) المكاسب: 101.

(3) جواهر الكلام 22: 257.

474

فكلّ من الأيادي المشتركة في المال المضمون عليه ضامن على الأوّل بالاستقلال لكلّ المال، و على الثاني بنسبته مع الشركاء، فإن كانت الشركة بين اثنين فكلّ منهما ضامن للنصف، أو بين ثلاثة فللثلث، أو بين أربعة فللربع، و هكذا، فلا يجوز لصاحب المال مطالبة كلّ من الأيادي المشتركة في ماله المضمون عليه للقدر الزائد عن مقدار شراكة اليد فيه، لأنّ الأيادي المشتركة مجموعها يد واحد في الضمان، لا كلّ واحدة منها يد مستقلّة، فالمتعلّق بالمجموع ضمان واحد لا ضمانات متعدّدة على حسب تعدّدهم، و يشهد على ذلك نسبة العرف المال إلى مجموع الأيادي المشتركة لا إلى كلّ واحد منهم إذا سئلوا عن كون المال في يد من.

و أمّا الأيادي المتعاقبة بالاستقلال فالظاهر من إطلاق «على اليد» و عمومه الحكمي هو تعلّق الضمان بكلّ منها على وجه الاستقلال فيختار المالك بين مؤاخذة المال من الجميع و بين مؤاخذته من كلّ من شاء منهم على وجه الاستقلال، لكن بأداء الواحد يسقط عن الباقين، كما يسقط الدين عن ذمّة المديون بأداء الغير عنه.

ثمّ المراد من «اليد» المضمّن هل هو يد الاستيلاء و لو لم تجتمع مع الجارحة، أم يد الجارحة و لو لم تجتمع مع الاستيلاء، أم كلاهما معا؟ وجوه، أوجهها الأوّل، و على ذلك فمجرّد استيلاء المستولي مضمّن للمستولى عليه و إن كان تحت جارحة الغير، و مجرّد يد الجارحة غير مضمّن ما لم يكن على وجه الاستيلاء.

ثمّ اليد المزاحمة ليد المالك في ملكه على وجه الإشاعة هل هي كاليد المزاحمة له عل وجه التعيين في موجبيّة الضمان بقدر حصّة اشتراكها إن نصفا فبالنصف و إن ثلثا فبالثلث و هكذا، أم لا يوجب الضمان بالبعض كما لا يوجبه‌

475

بالكلّ؟ وجهان، من انّ اليد المشتركة في المال على وجه الإشاعة يد تامّ بالنسبة إلى حصّة الشراكة كاليد المشتركة فيه على وجه التعيين فيلحقها ما يلحقها من الضمان بقدر حصّة الاشتراك، و من أنّ اليد المشتركة في المال المشاع يد ناقص بالنسبة إلى كلّ جزء من أجزاء المشاع، كما أنّه كذلك بالنسبة إلى كلّ المال المشاع بينهما و المضمن من اليد ظاهرا هو اليد التامّ لا الناقص، فلا يلحق الناقص ما يلحق التام من الضمان.

و بعبارة اخرى: أنّ نسبة اليد إلى كلّ جزء من أجزاء المشاع هو نسبته إلى كلّ المال المشاع، فكما أنّه لا يضمن الكلّ من جهة نقصان اليد بالنسبة إلى الكلّ كذلك لا يضمن البعض من جهة نقصان اليد بالنسبة إلى البعض أيضا.

ثمّ إنّ حبس الحرّ و منعه عن المنافع العائدة إليه بحرفة أو صنعة هل هو كحبس العبد و منعه عن المنافع العائدة إلى موالاة بحرفة أو صنعة في موجبيّة ضمان تلك المنافع، أم لا؟ وجهان، أظهرهما الثاني، لأنّ منافع كلّ شي‌ء تابعة لأصله، فمنافع الحرّ تابعة للحرّ، فكما أنّ الحرّ لا يصدق اليد عليه بمجرّد الاستيلاء عرفا فكذا منافعه الفائتة منه بالاستيلاء المانع منها، بخلاف العبد فإنّه لمّا صدق عليه اليد عرفا بالاستيلاء استتبعه منافعه فمنافع الحرّ تابعة للحرّ، فكما أنّ الحرّ لا يضمن بالاستيلاء فكذا منافعه لا تضمن به، إلّا أن تضمن بقاعدة «لا ضرر»، و هو على تقدير نهوضه إلى التضمين خارج عمّا نحن فيه من إثبات التضمين بقاعدة اليد.

ثمّ الأوقاف هل هي كالأملاك في تعلّق الضمان بأخذها للمأخوذ منه؟

وجهان، أوجههما أنّه إن كان الأخذ داخلا في الموقوف عليهم و شريكا معهم فلا ضمان عليه و إن ارتكب المعصية في منع المأخوذ منه حقّ الأولويّة الثابتة له بالسبق، و إلّا فعليه الضمان، كما لا يخفى على المتأمّل.

476

[القول في بيان قاعدة الضمان و عكسها]

قوله: «المراد من «العقد» (1) أعمّ من الجائز و اللازم. إلخ».

أقول: محصّل الكلام في معنى قولهم: «كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، و كذا العكس أن يقال، أمّا المراد من العقد فأعمّ من الجائز و اللازم، بل و ممّا كان فيه شائبة الإيقاع، أو كان أقرب إليه، فيشمل الجعالة و الخلع، لكن حكما لا اسما، فالجاعل يضمن بالعقد الفاسد للمجعول له، كما أنّه يضمن له بالعقد الصحيح، و الخالع زوجته بإزاء مال يضمن لها ذلك المال بالخلع الفاسد، كما يضمن لها قطع العلقة الزوجيّة بالخلع الصحيح. و أمّا سائر الإيقاعات فلا يشمله حكما، كما لا يشمله اسما، بل و في شمول الجعالة و الخلع حكما تأمّل أيضا سيأتي وجه في عداد المستثنيات.

و أمّا المراد من عموم (2) العقود فليس باعتبار خصوص الأنواع، بل أعمّ منه و من الأصناف، أخذا بعموم العقود حسب ما في المتن (3). و أمّا بحسب الأشخاص فلا يتعقّل لخصوص شخص العقد من حيث هو شخص صحيح و فاسد بالفعل حتّى يندرج تحت عموم القاعدة.

و أمّا المراد من الضمان فهو و إن احتمل له معان عديدة:

أحدها: كون تلفه في ملكه لا ملك غيره، نظرا إلى أنّ تلف المال مملوكا للتالف فيه نوع من دخول الضرر و النقصان على نفسه في ماله، ليس فيه ذلك الضرر و النقصان لو تلف مملوكا للغير، فإنّ الأكل شيئا من مال نفسه يدخل عليه ضررا و نقصانا لا يدخل عليه ذلك الضرر و النقصان لو أكله من مال غيره بضيافة أو إباحة، و لكن هذا معنى مجازي لا يطلق عليه الضمان حقيقة، فلا يقال: إنّ الإنسان ضامن لأمواله.

____________

(1) في المكاسب: «بالعقد».

(2) المائدة: 1.

(3) المكاسب: 102.

477

ثانيهما: كون دركه و خسارته في ماله الأصلي، فيكون ضمان الشي‌ء بمعنى أنّ له ما بإزاء و عوض في ماله الأصلي في مقابل المجانيّات و اللاعوض الصرف، و الضمان بهذا المعنى تارة يكون بإزاء عوضه الجعلي، و تارة يكون بإزاء عوضه الواقعي و هو المثل و القيمة، و تارة ثالثة بإزاء أقلّ الأمرين من الجعلي و الواقعي، و إذا انضمّ إلى هذه المعاني الأربعة للضمان احتمال تفكيك معناه في الجملتين و عدم تفكيكه تبلغ الاحتمالات ثمانية.

إلّا أنّ الظاهر الواضح من ظاهر الضمان و حقيقته- مضافا إلى معونة الخارج أيضا- هو إرادة الضمان المقابل للمجان في الجملتين من غير تفكيك، دون إرادة ما عداه من سائر الاحتمالات السبعة، كما يظهر للمتأمّل بأدنى تأمّل.

و أمّا المراد من الفاسد فأعمّ ممّا يكون فساده بواسطة فقد شي‌ء من شروط العقد أو المتعاقدين أو العوضين.

و أمّا المراد من اقتضاء الصحيح الضمان فهو اقتضائه له بنفسه، فلو اقتضاه الشرط المتحقّق في ضمن العقد الصحيح ففي الضمان بالفاسد من هذا الفرد المشروط فيه الضمان تمسّكا بهذه القاعدة إشكال حسب ما في المتن (1).

و أمّا المراد من الصحّة فهو الصحّة الشرعيّة لا الجعليّة ليكون الموضوع هو العقد الّذي وجد له بالفعل صحيح و فاسد، لا ما يفرض تارة صحيحا و اخرى فاسدا، إلى آخر ما في المتن.

ثمّ إنّ هذا كلّه في بيان معنى القاعدة: و أمّا المدرك لها فما يصلح للمدركيّة لها و لو في الجملة وجوه:

منها: الإجماع المنقول عن الجواهر (2) استظهاره على كلّ من طرفي‌

____________

(1) المكاسب: 102.

(2) انظر جواهر الكلام 22: 258 و ج 25: 227.

478

القاعدة أصلا و عكسا.

و منها: الإقدام على ما يظهر من الشيخ (1) في كلّ من طرفي القاعدة أصلا و عكسا أيضا.

و منها: قاعدة اليد، كما صرّح به الشهيد (2) في طرف الأصل دون العكس.

و منها: قاعدة نفي الضرر و حرمة مال المسلم على ما احتمله الماتن (قدس سرّه) (3) في طرف الأصل دون العكس أيضا.

كما أنّ منها قاعدة الأولويّة الّتي تمسّك بها الشيخ (4) في طرف العكس دون الأصل.

فمجموع ما يحصل ما يصلح مدركا للقاعدة خمسة وجوه، و المشترك صلوحه لكلّ من طرفي القاعدة الإجماع و قاعدة الإقدام، و المختصّ بطرف الأصل قاعدتي اليد و نفي الضرر، و بطرف العكس الأولويّة، فالحاصل لطرف الأصل أربعة مدارك و لطرف العكس ثلاثة، و يحصل للقاعدة من ملاحظة ضمّ كلّ من مدارك أصلها الأربعة إلى كلّ من مدارك عكسها الثلاثة اثنتي عشر صورة، يتّحد مدرك الطرفين في بعضها، و يختلف في بعضها الآخر.

أمّا مدركيّة الإجماع المنقول استظهاره على كلّ من طرفي القاعدة ففيه: أنّ مسلّميّة كلّ من طرفي القاعدة في الجملة و إن كان ضروريّا بحيث لا يرتاب فيه جاهل فضلا عن عالم إلّا أنّ من المعلوم عدم انعقاد الإجماع على أصل القاعدة، لعدم وجودها في كلام من تقدّم على العلّامة، بل الإجماع إن كان فهو على مدرك القاعدة لا على نفس القاعدة.

____________

(1) انظر المبسوط 2: 149.

(2) الظاهر أنّ مقصوده الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 4: 56.

(3) المكاسب: 103.

(4) لم نعثر عليه في مظانّه.

479

و أمّا الإقدام فهو و إن سلم مدركيّته لأصل القاعدة و عكسها في الجملة إلّا أنّ الماتن أورد على الإقدام.

أوّلا: بعدم تحصيل دليل له.

و ثانيا: بانتقاضه طردا و عكسا، و لكن لا ورود لشي‌ء من إيراديه، و يعلم ذلك من التعرّض أوّلا: لبيان معنى الإقدام. و ثانيا: لبيان دليله. و ثالثا: لبيان دفع موارد نقضه و مستثنياته.

فنقول: أمّا الإقدام في المقام فعبارة عن التواطي و التراضي الّذي يوقعه الشخص لشخص آخر على شي‌ء.

و أمّا الدليل على صحّة القيام بمقتضاه فمضافا إلى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) و «طيب النفس» (3) قيام السيرة القطعيّة من لدن زمان المعصوم (عليه السلام) إلى يومنا هذا على مجرّد التواطي و التراضي في أكثر معاملاتهم، من غير اجتماع شروط العقد و لا المتعاقدين و لا العوضين بحيث يعدّون القيام بمقتضاه من الأمور الصحيحة الواقعيّة من غير نكير و لا شبهة تعرض لهم في صحّته، و ما هو إلّا من جهة تقرير المعصومين (عليه السلام) و إمضائهم، فإنّ عدم ردع المعصوم عن العمل المتداول في زمانه بما يقرب من تسعمائة سنة مع اطلاعهم به عادة و تمكّنهم من الردع دليل قطعي على إمضائه و تقريره إيّاهم، و إلّا لردعوا، و لو ردعوا لشاع و ذاع حتّى قرع الأسماع، مثل شياع الردع عن القمار و الربا و نحوهما، و إذ ليس فليس، بل الواجب على المعصوم (عليه السلام) عدم الاكتفاء في الردع، سيّما عن الفعل المتداول عموم البلوى به بالحوالة إلى أصالة الحرمة، و القناعة عن التصريح بعموم و نحوه، بل لا بدّ له من المبالغة في الردع تصريحا‌

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

(2) النساء: 29.

(3) الوسائل 3: 424 ب «3» من أبواب مكان المصلّي ح 1.

480

و تنصيصا في المحافل و المساجد و المجامع و المنابر حتّى يملئ الأسماع و يكثر الاطّلاع، حسما لمادّة العذر، و إتماما للحجّة الواجبة عليه من باب اللطف و التقريب إلى الطاعة و التبعيد عن المعصية لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1)، كما كان دأبهم و سجيّتهم على هذا المنوال في بيان أحكام الحرام و الحلال.

و ممّا ذكر ظهر الدليل للإقدام و قوّة ما حكاه شيخنا العلّامة دام ظلّه عن مفتاح الكرامة (2) من صحّة جميع ما يتواطؤ و يتراضى عليه الناس فيما بينهم من المعاملات و إن لم تجتمع لشي‌ء من شروط العقد كالإيجاب و القبول و العربيّة و الصراحة و التنجيز و الترتيب و الموالاة، و لا لشي‌ء من شروط العوضين كالتعيين و قابليّة المبيع للتمليك و غير ذلك، و لا لشي‌ء من شروط المتعاقدين كالبلوغ و العقل و الاختيار إلّا ما أخرجه الدليل من التواطي كما في القمار و الربا و النكاح.

لا نقول: بكفاية مجرّد الرضا في تحقّق عنوان العقد و ترتيب آثاره الخاصّة بعنوان العقد حتّى ينافيه فقد الشروط المقرّرة لكلّ من العقود المتداولة، بل إنّما نقول بكفاية مجرّد الرضا في إباحة ما تراضوا عليه المتراضيان، و إن لم يندرج تحت أحد عناوين العقود المضبوطة في كتب الفقهاء، و لم يترتّب عليه شي‌ء من الآثار الخاصّة بشي‌ء من تلك العناوين المضبوطة للعقود، بل كان معاملة مستقلّة بمقتضى أصالة عدم ترتّب شي‌ء من الآثار الخاصّة بعنوان أحد العقود، فإنّ ضبط العقود في عدد معيّن من جهة بيان الآثار الخاصّة بها شرعا، لا من جهة بيان انحصار الصحّة و الإباحة في الاندراج تحت شي‌ء منها.

____________

(1) الأنفال: 42.

(2) مفتاح الكرامة 4: 159.

481

و كذا لا نقول: بكفاية رضا الصبي و المجنون في صحّة المعاملة مطلقا و لو لم يكن مميّزا، بل إنّما نقول بكفاية رضائه و إقدامه في موارد رضا العقلاء و رضا نفسه لو كان عاقلا بالغا، أو في مورد إحراز رضا الوليّ فيه من شاهد حال الناس و نحوه.

لا يقال: قد لا يكون للصبي و المجنون وليّ.

لأنّا نقول: لا يخلوان عن الوليّ، إذ لا أقل من وجود حاكم شرع إذا لم يكن لهما أب و لا جدّ و لا وصيّ، أو عدول المؤمنين إذا لم يكن مع ذلك حاكم شرع أو الإمام (عليه السلام) إذا لم [يكن] غيره.

و من هنا يظهر أيضا دفع وسوسة بعض الوسواسيين في معاملة الصبيان مطلقا حتّى في الأمور الحقيرة و لو كان الصبي مراهقا للبلوغ و أعقل من ابن سينا، و في مباشرة ما يتعلّق بالصبيان حتّى في مثل الدخول في دارهم و الجلوس هنيئة على فراشهم و لو لأجل التعزية و الفاتحة لأبيهم أو العيادة لأنفسهم، مع أنّه من موارد رضا العقلاء و رضا أنفسهم أيضا لو كانوا عقلاء، بل ربّما يكون في الاجتناب عن مثل قبول ضيافتهم و هديّاتهم اللائقة بحالهم فضلا عن مثل الدخول في دارهم أو الجلوس على فراشهم لأجل تعزيتهم أو عيادتهم أو إصلاح شأنهم نوع من الجفاء بحقّهم، المؤدّي إلى ترك المواصلة و المواجهة و الإفادة و الاستفادة المخالف لسيرة الناس و رضا العقلاء، الكاشفة عن تقرير المعصوم و رضائه بعد اطلاعه و عدم ردعه، فكما أنّ أكل أموال اليتامى ظلما و عدوانا حرام موبق عند الشرع و العقلاء كذلك الاجتناب التامّ عن كلّ ما يتعلّق بهم حتّى اللائق بحالهم بذله في تعزية أو ضيافة أو إصلاح شأن ربّما يعدّ جفاء و إهانة بحقّهم عند الشرع و العقلاء، سيّما إذا كانوا من ذوي الشئون و البيوت الّذين ينخفض شأنهم و ينكسر اعتبارهم بسدّ ذلك الباب عليهم.

482

و بالجملة: لا ينبغي للمكلّف التفريط في الاحتياط من جهة المؤدّي إلى خلاف الاحتياط من جهات، كما لا ينبغي الإفراط في مساهلة أمر الدين المؤدّي إلى عدم المبالاة باليقين، بل خير الأمور أوسطها.

و بالجملة: قد علم ممّا ذكرنا اندفاع ما أورده الماتن (1) على مدركية الاقدام لقاعدة الضمان بأن دليل الاقدام مطلب يحتاج الى دليل لم نحصله، لما عرفت (2) سبيل تحصيله من عموم الآيات و الأخبار و السيرة القطعيّة بأسهل ما يكون، و يزيد على سهولة تحصيل دليل الإقدام من تلك السبل ملاحظة انحصار سبيل تحصيل أدلّة سائر القواعد المقرّرة عند المتشرّعة في تلك السبل أيضا.

و إذا انجرّ إلى ها هنا الكلام فلا بأس في التعرّض لقاعدة الإعراض و إن كان خارجا عن المقام، لكونه كالضدّ للإقدام، إلّا أنّ الأشياء كما قد تعرف بأنظارها قد تعرف بأضدادها.

فنقول: الإعراض في المقام هو خلع علقة القلب عن المال، و عن أنوار الفقاهة تفسيره بإقالة الملك مع المالك الحقيقي، و لعلّه أضبط من حيث الطرد و العكس. و تمام الكلام في المرام يتمّ في ضمن التفصيل:

أوّلا: بتأسيس الأصل في بقاء ملكيّة المال المعرض عنه بعد تحقّق الإعراض و عدم بقائه.

و ثانيا: ببيان وجوب الدليل على خروج المعرض عنه عن ملك المعرض و عدمه.

و ثالثا: بتشخيص لحقوق المعرض عنه بالإباحات المالكيّة بعد الإعراض أو الشرعيّة.

____________

(1) المكاسب: 103.

(2) في ص: 479- 480.

483

و رابعا: بتشخيص مبدأ خروج المعرض عنه عن ملك المعرض، و منتهى ملكيّة عن المعرض عنه على تقدير الخروج.

فالكلام إذن في مراحل:

أمّا المرحلة الاولى: فتفصيل الكلام في خروج المعرض عنه عن ملك مالكه بمجرّد الإعراض و عدمه راجع إلى الشكّ في مقدار قابليّة ملكيّة المالك للملك و استعداده، و أن ملكيّة المالك ملكه ملكيّة دائمة أو ما دام لم يحصل الإعراض، فإذا حصل خرج عن ملكه و دخل في المباحات الشرعيّة، فالمورد إذن من موارد استصحاب الكلّي المردّد بين ما هو باق جزما و ما هو مرتفع كذلك، المعبّر عنه في الأصول بالشكّ في الاستعداد، و الممثّل له باستصحاب كلّي الحيوان الدائر بين البقّ و الفيل إلى أطول زمان يمكن عيش الفيل فيه.

فالفاضل القميّ (1) (قدس سرّه) على منع صحّة استصحاب الكلّي المشكوك في استعداده، لبنائه على انحصار دليل حجّية الاستصحاب في الظنّ الحاصل من الغلبة، و انصراف أخبارها أيضا إلى موارد الظنّ و الغلبة، و من المعلوم عدم الظنّ و الغلبة في بقاء المشكوك المردّد بين ما هو باق جزما و ما هو مرتفع كذلك.

و من عداه كصاحب الفصول (2) و الماتن (3) (قدس سرّه) على الصحّة في أصولهما، اعتمادا في حجّية الاستصحاب على عموم أخبار «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و منع انصرافها إلى موارد الظنّ و الغلبة، كما هو الأقرب إلى الظاهر.

و أمّا المرحلة الثانية: فتفصيل الكلام فيها: أنّ الإعراض إمّا أن يكون معلوم التحقّق بتصريح المعرض و نحوه، أو معلوم العدم كذلك، أو ظاهرا من حال المعرض أو من طرحه و الانصراف عنه أو مشكوكا. أمّا الإعراض المشكوك‌

____________

(1) قوانين الأصول 2: 70 و 73.

(2) الفصول الغرويّة: 379.

(3) فرائد الأصول: 371.

484

تحقّقه فكالمعلوم عدم تحقّقه بأصالة العدم. و أمّا المعلوم تحقّقه بتصريح و نحوه بل و كذا الظاهر من شاهد حال و نحوه فلا ريب في خروج المعرض عنه معه عن ملك المعرض و رجوعه إلى المباحات الّتي تتملّك بمجرّد الحيازة و القصد، و ذلك لقيام السيرة القطعيّة المستمرّة من زمن المعصوم إلى يومنا هذا على تملّك المسلمين المعرض عنه بمجرّد الحيازة و القصد و ترتيب آثار الملكيّة عليه، مستندين في ذلك إلى خروجه عن ملك المعرض و لحوقه بالمباحات، الّتي يكون الناس فيها شرع من غير نكير و لا شبهة منع، و هو كاشف قطعي عن تقريره (عليه السلام) و رضائه، إذ لو لم يرض لردع، و لو ردع لشاع و ذاع حتّى قرع الأسماع، و إذ ليس فليس.

أمّا ملازمة عدم رضائه للردع فللزوم تبليغ الأحكام من باب اللطف و التقريب إلى الطاعة و التبعيد عن المعصية، و هو إن كان مشروطا باطلاع المعصوم من الطرق البشريّة و تمكّنه من الردع إلّا أنّهما محرزان فيما نحن فيه، لقضاء العادة باطلاع المعصومين (عليه السلام) على الأمر المتداول فعله و عموم البلوى به فيما يقرب من تسعمائة سنة. و أمّا تمكّنه فمضافا إلى أصالة عدم المانع منه معلوم العدم لعدم تقيّة و لا غيرها من الموانع، سيّما المانع المستوعب جميع ذلك الزمان الطويل، فإنّه أيضا من المحالات العاديّة المعلوم عدمه بقضاء العادة.

و أمّا ملازمة الردع للوصول إلينا فلتوفّر الدواعي و قضاء العادة به أيضا، و إذا كان الواجب عليه الردع عن كلّ ما لا يرضى به و لم نقف على صدور ردع منهم (عليه السلام) عمّا كان متداولا بين الناس مع تحقّق اطلاعهم (عليه السلام) به و تمكّنهم (عليه السلام) من الردع عنه كان ذلك كاشفا قطعيّا عن رضائهم به و إمضائهم إيّاه، سيّما فيما نحن فيه، فإنّه من أوضح موارد كاشفيّة السيرة عن تقرير المعصوم و رضائه، إلّا أن ينكر كاشفيّة السيرة رأسا في شي‌ء من موارد الفقه، كما لا يبعد عن دأب‌

485

الوساوسة، و إلّا ففي أيّ مورد من موارد الفقه إذا سلم فيه كاشفيّة السيرة فما نحن فيه أوضح منه.

و ممّا ذكرنا يعلم أنّ الأصل في كلّ سيرة هو الكاشفيّة عن الرضا و التقرير إلّا ما ثبت عند الردع القاطع للعذر، كما في التعرّض لإعراض الناس في غيابهم، و السبّ و السخرية و الاستهزاء في حضورهم، إلى غير ذلك من السيرات المعلوم ردع المعصومين (عليه السلام) عنها بأبلغ وجوه الردع، و استنادها إلى مجرّد المسامحة و عدم المبالاة في الدين، حتّى لو سئلوا الناس عن وجه سيرتهم لاعترفوا بتقصيرهم أو اعتذروا بما ليس عذرا، بخلاف ما لو سئلوا عن وجه سيرتهم على العمل الغير الثابت فيه ردع فإنّهم يجيبون بإصابتهم، و به الكفاية فارقا بين السيرتين، و مبطلا لمقايسة أحدهما بالآخر.

هذا كلّه مضافا إلى النصوص الدالّة أيضا على خروج المال عن ملك مالكه بالإعراض.

فمن النصوص ما وقفنا عليه في باب النوادر في باب القضاء و الأحكام من السرائر: و روى الحسين بن علي بن يقطين، عن أميّة بن عمر، عن الشعيري «قال:

سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضه بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله اللّٰه أخرجه، و أمّا ما اخرج بالغوص فهو له و هو أحقّ به» (1).

أقول: و لعلّ وجه الفرق عدم تحقّق الإعراض المخرج عن الملك فيما أخرجه البحر فهو لأصحابه، بخلاف ما تركه أصحابه آيسين منه، فإنّ الظاهر من شواهد الحال تحقّق إعراضهم عنه فهو لمن وجده و غاص عليه، لأنّه صار بمنزلة المباحات.

____________

(1) السرائر 2: 195.

486

و مثل هذا الخبر خبر آخر في السرائر أيضا «فيمن ترك بعيره من جهد في غير كلإ و ماء فهو لمن أخذه، لأنّه خلّاه آيسا منه و رفع يده عنه، فصار مباحا. ثمّ قال ابن إدريس: و ليس هذا يعني التعدّي عن مورد الخبرين قياسا، لأنّ مذهبنا ترك القياس، و إنّما هذا- يعني ذكر الغوص و البعير في مورد الخبرين- على جهة المثال، و المرجع فيه- يعني في التعدّي- إلى الإجماع و تواتر النصوص دون القياس و الاجتهاد. ثمّ قال: و على الخبرين إجماع أصحابنا منعقد» (1)، انتهى كلام السرائر، مشتملا على ما فيه كفاية و غنية للمستدلّ من دعوى الإجماع و تواتر النصوص.

هذا، مع ما يظهر للمتتبّع في سائر مطاوي كلماتهم و فتاويهم من كون خروج المعرض عنه عن ملك المعرض من المسلّمات الّتي لا نزاع لهم فيه، و أنّه إن كان لهم نزاع فهو في تشخيص الصغرى و هو تحقّق الإعراض ببعض شواهد الحال و عدمه، أو في تشخيص كون المعرض عنه بعد إباحته بالإعراض باقيا في ملك المعرض، ليكون من الإباحات المالكيّة المتقدّرة بقدر رضا المالك من التصرّف و أنواع التصرّف، أو خارجا عن أصل ملكه ليكون من الإباحات الشرعيّة المترتّب عليها جواز جميع التصرّفات المالكيّة، دون التقدير بقدر و لا التخصيص بنوع.

فلاحظ كلام العلّامة في باب المساقاة من التذكرة (2): فرع لو باع أحد شجرة واقعة في أرض مشاع بينه و بين غيره فقطع المشتري الشجرة و قطع أصوله و بقي بعض العروق الصغار الغير المعتنى به و نبت منها دوي و جاء آخر فربّاه حتّى صارت شجرة فهل هو من المشتري، أو من المحيز، أو من جميع الشركاء في‌

____________

(1) السرائر 2: 195.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 341.

487

الملك، أو من البائع الأوّل؟ الأظهر إن كان المحيز يسقي تلك العروق قبل نبات الدوي فهو مال المحيز إذا علم إعراض المشتري- كما هو ظاهر الحال- و إن ربّاها بعد نباته و صيرورته شيئا له ماليّة فهو مال المشتري، إلّا إذا علم منه الإعراض بعد النبات فمال المحيز، و أمّا الشركاء فلا حقّ لهم، لانقطاع الحقّ به.

و قال أيضا في باب المزارعة: «إذا زارع أحد في أرضه فسقط من حبّه شي‌ء و نبت في ملك صاحب الأرض عاما آخر فهو لصاحب الأرض عند علمائنا، و قال الشافعي: لأنّه عين ماله كما لو بذره قصدا، و قال أحمد: يكون لصاحب الأرض، لأنّ صاحب البذر قد أسقط حقّه بحكم العرف و زال ملكه عنه، لأنّ العادة ترك ذلك لمن حازه، و لهذا أبيح التقاطه و زرعه، و لا خلاف في إباحة التقاط ما رماه الحصاد من سنبل و حبّ، فجرى ذلك مجرى نبذه على سبيل الترك فصار كالشي‌ء التافه يسقط منه كالتمرة و اللقمة و النوى، و لا شكّ أنّه لو التقط النوى و غرسه كان له دون من سقط، و ليس بجيّد، لأنّ الحقّ و الملك يزولان بالإعراض، بل به و بالاستيلاء، فإذا لم يحصل الثاني و نبت الحبّ لم يكن من جملة ما تمثّل به» (1) انتهى.

و لكنّك قد عرفت من الأدلّة المتقدّمة كالسيرة و النصوص و الإجماع و التواتر المنقولين عن السرائر (2) ظهور كون الإباحة في المعرض عنه إباحة شرعيّة صادرة عن قبل الشارع على مجرّد تحقّق الأعراض، لا إباحة مالكيّة حتّى تقدّر بقدر رضا المالك من التصرّف و نوعه، و كون مبدأ تلك الإباحة الشرعيّة و منتهى ملكيّة المعرض عن المعرض عنه هو من حين تحقّق الإعراض و خلع علقة القلب عن المال، لا من حين استيلاء يد المتصرّف عليه بالتصرّفات‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 340.

(2) تقدّم ذكر مصدره في ص: 486.

488

المالكية و كون الإعراض الظاهر من شاهد الحال بمنزلة الإعراض المعلوم بتصريح و نحوه في الآثار و الأحكام. فراجع، فلا نطيل بإعادة الكلام، و أفراد كلّ بمقام. هذا كلّه في بيان دليل الإقدام و تقريب تحصيله، دفعا لما زعمه الماتن (قدس سرّه) (1) من عدم تحصيل دليله.

بقي الكلام في زعمه الآخر، و هو موارد نقضه و مستثنياته.

فمن جملة ما زعمه (قدس سرّه) من مستثنياته و موارد نقضه ما أشار إليه بقوله: «إذ قد يكون الإقدام موجودا و لا ضمان كما قبل القبض» (2).

و فيه أوّلا: منع وجود إقدام المشتري على ضمان المبيع و لو تلف قبل القبض حتّى يكون ذلك من موارد انفكاك الإقدام عن الضمان، بل الموجود إنّما هو إقدامه على ضمانه لو تلف بعد القبض لا مطلقا، و لهذا لو صرّح المشتري بضمان المبيع مطلقا ضمنه مطلقا و لو تلف قبل قبضه.

و ثانيا: سلّمنا دلالة نفس الشراء على اقدام المشتري على ضمان المبيع مطلقا، إلّا أنّ عدم ضمانه مع ذلك لو تلف قبل القبض إنّما هو للنصّ الخاصّ به، و لهذا لا يتعدّى عنه إلى عقد النكاح حيث إنّ الزوج يضمن صداق الزوجة و لو تلفت قبل تمكين نفسها منه، الّذي هو بمنزلة القبض.

و منها: ما أشار إليه بقوله: «و قد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري».

و فيه ما تقدّم في معنى قاعدة «كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» من أنّ ظاهر العبارة كون الموضوع هو العقد الّذي وجد له صحيح و فاسد بالفعل، لا‌

____________

(1) المكاسب: 103.

(2) المكاسب: 102.

489

ما يفرض تارة صحيحا و اخرى فاسدا، فتخلّف الضمان عن الإقدام في المثال المذكور لا يوجب كون المثال من مستثنيات قاعدة «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، لأنّ خروج المثال عن تحت القاعدة خروج موضوعي لا حكمي، و لا كونه من مستثنيات مضمنيّة الإقدام، لأنّ مضمنيّة الإقدام لا ينتقض عمومه بمضمنيّة غير الإقدام أيضا من اليد و الإتلاف و التسبيب، و كذلك تمثيله الآخر لتفكيك الضمان عن الإقدام بما إذا قال: «بعتك بلا ثمن» أو «أجرتك بلا ثمن» لا يعدّ من مستثنيات قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده». لأنّه إن أريد من البيع بلا ثمن البيع الحقيقي فهو و إن أوجب الضمان مع عدم الإقدام عليه إلّا أنّ خروجه عن القاعدة خروج اسمي لا حكمي، لعدم كونه ممّا له صحيح و فاسد بالفعل، بل هو فاسد فقط لتنافي ظاهر البيع لنفي الثمن. و إن أريد منه الإعارة مجازا بناء على قرينيّة نفي الثمن لصرف البيع إلى الإعارة فليس فيه ضمان حتّى يصلح مثالا لما مثّل به، لأنّ صحيح العارية لا يضمن فكيف فاسدها؟! و لعلّ تقوية الشهيد (1) عدم الضمان فيه ناظر إلى انصراف المثال إلى العارية، و إلّا فالضمان متوجّه لولاه بقاعدة اليد.

و من جملة ما يحتمل توهّم كونه من مستثنيات مضمنيّة الإقدام و موارد نقضه هو بيع الصبي و إقباضه المبيع حيث لا يضمن الصبي.

و يندفع هذا الوهم أيضا: بمنع عدم ضمان الصبي إذا كان مميّزا، و منع تحقّق إقدامه على الضمان إذا كان غير مميّز، ففيما يتحقّق إقدامه على الضمان لا ينفكّ عن الضمان، فيما ينفكّ عن الضمان لم يتحقّق فيه إقدامه عليه.

و من جملة ما يحتمل توهّم كونه من المستثنيات أيضا: هو صورة علم الدافع بفساد البيع مع جهل القابض حيث يزعم أنّ الدافع في هذه الصورة هو الّذي‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (2) ص: 478.

490

سلّطه عليه، و المفروض أنّ القابض جاهل، فيكون مغرورا فلا يضمن.

و يدفعه أيضا: أنّ دليل رجوع الغار على من غرّ إن لم يشمل المغرور بواسطة الجهل في الحكم- كما في الفرض- فلم ينفكّ الضمان عن الإقدام فيه، و إن كان يشمله كان عدم الضمان في المقام بواسطة حكومة قاعدة الغرر على قاعدة الإقدام، و من المعلوم أنّ تخريج بعض الموارد عن تحت القاعدة بواسطة حكومة دليل آخر لا يوجب انتقاض أصل القاعدة رأسا، كما أنّ تخريج بعض أفراد العامّ عن تحته لا يوجب سقوطه عن الحجّية في الباقي.

و لكنّ التحقيق اختصاص دليل رجوع المغرور إلى من غر بمن نشأ غروره عن الجهل بالموضوع دون الناشئ غروره عن الجهل بالحكم- كما فيما نحن فيه- إمّا من جهة عدم معذوريّة الجاهل بالحكم. و إمّا من جهة عدم صدق المغرور على الناشئ جهله من الجهل بالحكم الشرعي. و إمّا من جهة أنّ العبارة المذكورة- أعني: رجوع الغار إلى من غرّ- ليست برواية مسندة و لا مرفوعة، و إنّما هي معقد الإجماع، فيقتصر فيها على المتيقّن، و ليس لنا في قاعدة رجوع الغار إلى من غر سوى وقوع هذه العبارة معقد الإجماع، الكاشف عن وجود مدرك له رواية أخرى و لا حديث آخر إلّا قوله (عليه السلام): «لا غرر في البيع» (1). و لعلّ هذا هو الوجه في عدم رجوع المغرور بأمنيّة الطريق المتلف للأموال مثلا إلى من غرّه.

و توضيح هذا بأزيد من ذلك يظهر من التعرّض لتفصيل الكلام أوّلا: في معنى الغرر، و ثانيا: في مدركه، و ثالثا: في تأسيس الأصل المعوّل عليه في موارد الشكّ و أفراده الخفيّة.

فنقول: أمّا معنى الغرر لغة فهو الخدعة، و في عرف المتشرّعة هو التسبيب‌

____________

(1) الوسائل 12: 330 ب «40» من أبواب آداب التجارة ح 3.

491

لغرامة شخص مال الغير أو لخسارته مال نفسه بإباحة مال عليه ليأكله أو بذل جارية ليطأها أو مركوب ليركبه، بزعم أنّه من مال المبيح ثمّ يستبان بعد الأكل و الوطء و الركوب أنّه من مال نفسه أو من مال ثالث فيغرمه، ثمّ يرجع في الخسارة و الغرامة إلى من غرّه.

ثمّ المعتبر في رجوع المغرور إلى الغار بل في صدق الغرور عرفا جهله بالغرر، و أن يكون جهله به مستندا إلى الجهل في الموضوع، كالجهل بكون المباح له مالا للمبيح. و أمّا إذا استند إلى الجهل في الحكم الشرعي- كالجهل بكون المقبوض بالبيع الفاسد ممّا يضمن القابض شرعا- أو الجهل بكون العقد بالفارسي مثلا فاسدا موجبا للضمان القابض به فلا يرجع المغرور إلى الغار، إمّا لعدم صدق الغرر حينئذ عرفا، أو للشكّ في صدقه عرفا فيرجع إلى أصالة عدم ضمان الغار شرعا، أو لعدم معذوريّة الجاهل في الأحكام شرعا، أو لعدم إطلاق دليل رجوع المغرور إلى الغار في هذا الفرض لكونه دليلا لبيّا يجب الاقتصار فيه على المتيقّن.

ثمّ و هل يعتبر في ضمان الغار قصده إدخال الخسارة و الغرامة على المغرور، أم لا يعتبر قصده ذلك بل يكفي في ضمانه مجرّد استناد الخسارة و الغرامة إليه و لو لم يقصده كما لو أباح له وطء جارية بظنّ أنّها له فبانت للغير؟

وجهان أظهرهما الثاني، لإطلاق الغرر على ما من شأنه الضرر و الغرامة و إن لم يقصده الغار.

نعم، يعتبر في رجوع المغرور إليه أن تكون الخسارة و الغرامة الداخلة عليه مستندة في العرف أو العادة إلى نفس الغرر، لا إلى سبب أقوى كالمباشرة و نحوه، و تشخيص الاستناد إليه عرفا و عدمه أمر يختلف باختلاف الموارد و الخصوصيّات، ففي بعضها الاستناد إلى نفس الغرر معلوم، كما في مثل إباحة‌

492

الجارية حيث يكون استناد الوطء عرفا و عادة إلى التغرية بإباحتها معلوم من العرف و العادة، بخلاف مثل الإخبار عن أمنيّة الطريق المخوف بوجود القطّاع فيه حيث إنّ استناد تلف مال المغرور بسلوك ذلك الطريق إلى نفس الغار عرفا و عادة، مع أنّ مباشرة السالك أقوى مشكوك، بل معلوم العدم، ففيما علم من العرف و العادة استناد الخسارة أو الغرامة إلى نفس الغرر لا إشكال في الرجوع إلى الغار، و فيما علم عدمه لا إشكال في عدمه، و فيما شكّ الاستناد إليه عرفا و عادة يرجع إلى أصالة أصالة العدم، أعني: عدم ضمان الغار خسارة المغرور و الغرامة الداخلة عليه.

و ممّا ذكرنا يعلم أنّ عدم ضمان الغار أو تأمّل العلماء في ضمانه في بعض الموارد راجع إلى عدم صدق الغرر، أو الشكّ في صدقه، أو لقصور دليله عن الإطلاق، أو لمعارضته بسبب أقوى، لا أنّه راجع إلى انتقاض أصل القاعدة، كما يتوهّمه القاصر عن فهم كلمات العلماء و الجمع بينهما، بل الظاهر أنّه لا مورد لانتقاض قاعدة «رجوع المغرور إلى من غرّ»، و لا لقاعدة التسبيب إلّا مورد الطبابة المخصّصة بدليل خاصّ، و هو قوله (عليه السلام): «الطبيب ضامن و لو كان حاذقا» (1)، بل في ظنّي أنّي رأيت في بعض كتب الحديث للعلّامة المجلسي بعض ما يعارضه من الأخبار الدالّة على عدم ضمان الطبيب و إن ادّعى شيخنا العلّامة الشهرة على ضمانه بطبابة و لو لم يستند خطاءه إلى تقصير أصلا، و اللّٰه أعلم.

و من جملة ما لعلّه يتوهّم كونه من موارد نقض مضمنية الإقدام أيضا مسألة ضمان الأجير على خياطة ثوب- مثلا- إذا أفسد الثوب و لو كان حاذقا من غير تفريط، و الحال أنّه غير مقدم على الضمان، و لا متصرّف بيد العدوان، بل متصرّف بالإذن، و مع ذلك يحكم عليه بالضمان.

____________

(1) انظر الوسائل 19: 194 ب «24» من أبواب موجبات الضمان ح 1.

493

و يندفع أيضا هذا النقض نقضا: بمسألة ضمان الطبيب مع إذنه في الطبابة من قبل الشارع و ولي المريض، فبما يجيب يجاب.

و حلّا: بأنّه إن فسّرنا الإحسان من قوله تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (1) بما يضمن نفع الغير من الأفعال كالأمانة و الوديعة- كما عليه جماعة من الأصحاب- كان ضمان الأخير مع عدم إقدامه على الضمان من جهة أنّ مطلق الإذن له لمّا كان أعمّ من الإذن على وجه الاستيمان و الإذن على وجه الضمان و العامّ لا يدلّ على الخاصّ لم يوجب إخراج يد الأجير عن عموم قاعدة «على اليد» و إدخاله في يد المحسنين «الّذين ليس عليهم سبيل»، كما لم يوجب إخراج الطبيب عن قاعدة التسبيب و إدخاله في المحسنين أيضا.

و إن فسّرنا الإحسان بما لا حرج فيه و إن لم يشتمل على المنافع العائدة إلى الغير- كما استظهره شيخنا العلّامة دام ظلّه من عدم تعديته ب‍ «إلى» في الآية (2)- كان مقتضى القاعدة عدم ضمانها، لاندراجهما عند عدم التفريط و التقصير المفروض في عموم «المحسنين الّذين ليس عليهم سبيل»، كما عليه جماعة من الفقهاء (3)، إلّا أنّ القائلين بضمانهما مع ذلك إنّما يستندون إلى الدليل الخاصّ المخرج- كعموم «الطبيب ضامن» و «الأجير ضامن»- لصورتي التفريط و عدمه.

و لعلّ الحكمة في ضمانهما ملاحظة الشارع وجود المصلحة العامّة القاضية لشدّة المحافظة على أموال الناس و نفوسهم، و ترك المسامحة و المساهلة المؤدّية إلى تلف النفوس و أموال الناس، فإنّ ملاحظة هذه المصلحة العامّة و شدّة الرأفة و الرحمة الكامنة تقتضي أن يكون إضمان الطبيب و الأجير حتّى عند عدم التفريط‌

____________

(1) التوبة: 91.

(2) التوبة: 91.

(3) المبسوط 3: 242، الكافي في الفقه: 347، المراسم: 196.

494

و التقصير أبقى للنفوس و الأموال، كما في مصلحة تشريع القصاص، لكونه أبقى للحياة.

و بالجملة: فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الإذن المسقط للضمان ليس مطلق الإذن، بل المسقط هو خصوص الإذن المقصود منه الأمان بتنصيص المالك، كما في الأمانات و الودائع، أو بحكم الشارع، كما في مقبوضات الأجير و الصانع إذا أفسدت لا بسببهما، لاندراجهما في المحسنين و الأمناء شرعا.

و أمّا إذا أفسدت بسببهما كالقصار يخرق أو يحرق و الحجّام يحني في حجامته و الختان يختن فسبق موسه الحشفة و تجاوز حدّ الختان. فلو لا النصوص (1) الخاصّة الدالّة على ضمان الصانع و لو كان حاذقا و احتاط و اجتهد لأمكن اندراجهما في المحسنين و الأمناء أيضا، إلّا أنّه لا مناص عنها، بل قد حكي الإجماع عن المرتضى رحمة اللّٰه (2) على الضمان الأجير و الصانع المألوف، لا بسببهما و إن كان الإجماع على الضمان، لا بسبب ممنوع، لأصالة البراءة، و لكون يد الأجير و الصانع يد الأمانة إذا كان التلف لا بسببهما.

بقي الكلام في بيان أنّ الإذن المتعقّب للتصرّف فيما يحرم التصرّف فيه بلا إذن هل يؤثّر أثر الإذن المقارن للتصرّف في الأحكام الشرعيّة و هو الإباحة و سقوط العقاب، و في الأحكام الوضعيّة و هو صحّة التصرّفات الماضية من البيع و نحوه و سقوط ضمان المتصرّف فيه عنه؟ قولان: حكي الأوّل عن الجواهر (3).

و التحقيق في هذا الفرع أن يفصّل بين ما إذا كان دليل المشروط بالإذن و الرضا من التصرّفات لبّيا فلا يؤثّر الإذن المتعقّب أثر الإذن المقارن، سواء كان دليل الاشتراط لبّيا أيضا أم لفظيّا، للزوم الاقتصار على القدر المتيقّن من‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في ص: 492.

(2) الانتصار: 225.

(3) جواهر الكلام 22: 285.

495

المشروط اللبّي. و بين ما إذا كان دليل المشروط لفظيّا فيتمسّك بعمومه و إطلاقه على عدم اشتراط اقتران الإذن و الرضا بالتصرّف و لو كان دليل شرطيّة الإذن و الرضا لفظيّا؛ لأنّ إطلاق شرطيّة الإذن إذا لم ينفع مقتضى إطلاق دليل المشروط و هو عدم تقييد شرطيّة الشرط بالاقتران لا يضرّه شيئا.

هذا ما يقتضيه القاعدة، و لكن الإجماع قائم ظاهرا على حرمة التصرّف في مال الغير فعلا للعالم بتعقّب رضائه أو إرضائه، و على ضمان المتصرّف فيه و عدم صحّة التصرّفات الماضيّة فيه من البيع و نحوه.

ثمّ استظهار هذا الإجماع ليس من جهة توهّم استحالة تأخير الشرط عن المشروط و تأثير المتأخّر في المتقدّم حتّى يندفع بأنّ الشرط المتأخّر لا يؤثّر بنفسه في المشروط المتقدّم، بل المؤثّر في المشروط المتقدّم اعتبار لحوقه له، ككونه ممّا يتعقّبه الشرط، فالمؤثّر في المشروط المتقدّم هو كونه ممّا يتعقّبه الشرط لا نفس الشرط المتأخّر عنه حتّى يستحيله العقل، و لا ريب أنّ اتّصاف المشروط بما سيتحقّق أمر مقارن للمشروط، كاتّصافه بما قارنه من الشروط، بل استظهار الإجماع المذكور إنّما هو من مراجعة العقل المستقلّ بقبح الظلم، و كون التصرّف في مال الغير من دون رضائه ظلم و إن علم بأنّه سيحصل منه الرضا بالإرضاء أو غيره، و من مراجعة الأفهام المأنوسة بالفقه و الشرع، فإنّ من راجع وجدانه المأنوس بالفقه و الشرع قطع بحرمة وطء الزوجة المعقودة من دون الرضا و إن علم برضاها أو إرضائها فيما بعد، و كذا يقطع بحرمة أكل مال الناس، و بطلان الصلاة في ثوب الناس، أو الطهارة بماء الناس، إلى غير ذلك من الموارد الغير المقترن فيها التصرّف في أموال الناس بطيب النفس و إن علم المتصرّف بحصول الرضا و طيب النفس فيما بعد.

نعم، إن كان خلاف فهو في الاكتفاء بالرضا الشأنيّ المتقدّم فيه الكلام في‌

496

بعض تذنيبات المعاطاة بالتفصيل، و أمّا الرضا التعليقي المتأخّر حصوله عن التصرّف حقيقة فالظاهر الإجماع على عدم كفايته في إباحة التصرّفات المتقدّمة و صحّتها و سقوط ضمانها، بل غاية فائدة الرضا المتجدّد هو الإبراء و الصحّة و سقوط الضمان من حين التجدّد لا ممّا قبله.

فتلخّص من ذلك أنّ للإذن و الرضا و طيب النفس أقسام كثيرة و أحكام مختلفة فلا يشتبه عليك بعضها ببعض و انتظر لتمام البسط في أقسام الإذن و أحكامه إلى مسألة العقد الفضولي، فإنّ لتمام البسط فيها مجال أوسع.

و من جملة ما لعلّه يتوهّم أو توهّم كونه من مستثنيات قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»: عقد النكاح حيث يضمن بصحيحه و لو لم يدخل و لا يضمن بفاسده إذا لم يدخل اتّفاقا، و كذا المكاتبة حيث يضمن بصحيحها و لا يضمن بفاسدها اتّفاقا، و كذا المسابقة يضمن بصحيحها و لا يضمن بفاسدها عند الشيخ (1) و المحقّق (2) و غيرهما، خلافا لآخرين.

و يندفع هذا الوهم أيضا مضافا إلى القول بأجرة السبق في المسابقة من جماعة: بأنّ المراد ممّا «يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» خصوص ما كان الضمان بصحيحه واقعا بالمطابقة في إزاء ما يعود نفعه من الغير إلى الضامن، دون ما لم يكن للضمان بصحيحه ما بإزاء أصلا كالإيقاعات، أو كان للضمان بالصحيح فيه ما بإزاء لكن لم يعد نفعه إلى الضمان كالسبق في المسابقة، أو عاد نفعه إلى الضامن لكن لم يكن من الغير كمال المكاتب- بالفتح- للمكاتب- بالكسر- حيث إنّ العوض و المعوض ملك السيّد، أو كان العائد إلى الضامن من منافع غيره لكن لم يكن الضمان واقعا بالمطابقة في إزائه، كما في عقد النكاح فإنّ ضمان الضامن‌

____________

(1) المبسوط 6: 302.

(2) شرائع الإسلام 2: 286.

497

المهر بصحيحه ليس ناظرا إلى إزاء ما يعود إليه من منافع الزوجة، لعدم ازدياد المنافع العائدة منها إليه على المنافع العائدة منه إليها من التمتّع و غيره، بل الضمان للمهر نظره بالمطابقة إلى نوع من الهديّة و التحيّة و الإكرام، كما لا يخفى على اولي الأفهام، و لهذا لا يذكرون المهر في عقد النكاح بعنوان العوضيّة، بخلاف ثمن المبيع في عقد البيع. و أيضا لا يسترجع المهر بعد العقد لو تلفت الزوجة قبل التمكين منها، بخلاف ثمن المبيع فإنّه يسترجع إذا تلف المبيع قبل القبض:

فالفرق بين ثمن المبيع و المهر من حيث الناظريّة إلى العوضيّة و عدمه مع مشاركتهما في حصول العوضيّة لا محالة كالفرق بين دلالة الأخبار على النسبة الخارجيّة و عدم دلالة الإنشاء عليها مع مشاركتهما في ثبوت الخارج المطابق و اللامطابق لا محالة، و كالفرق بين التخصيص و الحكومة مع مشاركتهما في المفسريّة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ جميع ما احتمل كونه من مستثنيات قاعدة الضمان و الإقدام و موارد نقضه إنّما يكون استثناء على تقدير التسليم من باب التخصّص لا التخصيص.

بقي الكلام في تحقيق الحال عن مستثنيات عكس قاعدة الضمان، أعني:

«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

فمن جملة ما يزعم كونه من مستثنياته هو العين المستأجرة، حيث إنّ صحيح الإجارة لا يوجب ضمان العين المستأجرة و فاسدها يوجبه على ما عن الرياض (1) و مجمع البرهان (2).

و يندفع أيضا: بأنّ عدم ضمان العين المستأجرة بالعقد الصحيح إن كان من‌

____________

(1) رياض المسائل 6: 18.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 10: 68.

498

مقتضيات القاعدة- أعني: من مقتضيات التسليط على المنافع، بناء على أنّ التسليط على منافع العين تسليط على نفس العين، فالإذن فيها إذن في العين- كان ضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد ممنوعا، لكون المفروض أنّ الإذن في المنافع إذن في عينها، و اليد المأذونة يد محسن لا يد عدوان، بناء على أنّ الإحسان عبارة عمّا لا حرج فيه لا أنّه صفة زائدة عليه حتّى يختصّ بالأمانات و الودائع، و كانت قاعدة الضمان حينئذ غير مخصّصة و لا متخصّصة بالعين المستأجرة.

و إن كان عدم ضمان العين المستأجرة بالعقد الصحيح من مقتضيات الدليل الخارج عن القاعدة- أعني: الإجماع بناء على أنّ التسليط على منافع العين لا يقتضي التسليط على نفس العين، و الإذن فيها لا يقتضي الإذن فيه، بحيث لو لا قيام الإجماع على عدم ضمان العين المستأجرة بالعقد الصحيح لقلنا بالضمان فيه- كان ضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد مسلّما، إلّا أنّه خارج عن قاعدة «ما لا يضمن بالتخصّص لا التخصيص»، لأنّ المراد من المضمون مورد العقد و مورد العقد في الإجارة المنفعة، فالعين يرجع في حكمها إلى القواعد حسب ما أشار إليه المتن هذا هو الجواب.

و أمّا كون التسليط على المنفعة تسليط على عينها و عدمه فالتحقيق فيه التفصيل، و أنّه يختلف باختلاف العادة في الموارد، ففيما كانت العين المستأجرة من الأعيان الّتي يكون التسليط و الإذن فيها من لوازم التسليط و الإذن في استيفاء منافعها عادة- كالثياب و الألبسة- لم تضمن العين في فاسد الإجارة كما لم تضمن في صحيحها، و فيما كانت العين المستأجرة من الأعيان الّتي لم يكن التسليط و الإذن فيها من لوازم التسليط و الإذن في استيفاء منافعها- كما هو الغالب في استئجار السفن و دوابّ السفر- ضمن العين في صحيح الإجارة إذا أخذها بوجه‌

499

الإجارة لا بإذن آخر، فضلا عن الضمان في فاسدها، لكن لا لكون مجرّد الإذن لا يسقط الضمان، إلّا إذا كان على وجه الإيداع و الأمان، بل لأنّا و إن قلنا بكون مجرّد الإذن مسقط للضمان و مطلق ما لا حرج فيه داخل في الإحسان إلّا أنّ المفروض عدم حصول مجرّد الإذن أيضا في العين، نظرا إلى أنّ المفروض عدم كون الإذن في العين من لوازم الإذن في استيفاء المنفعة، و عدم حصول إذن آخر وراء دفع المؤجر العين، بناء منه على استحقاق المستأجر لها لحقّ الانتفاع فيه و المفروض عدم الاستحقاق، فيده عليه يد عدوان موجبة للضمان.

لا يقال: إنّ زعم المؤجر استحقاق المستأجر لها داعي للإذن و الرضا بأخذ العين، لا قيد للإذن و الرضا حتّى ينتفي المقيّد بانتفائه.

لأنّا نقول: زعم المؤجر استحقاق المستأجر لها لا يقتضي أزيد من الإذن المقيّد بالاستحقاق المنتفي بانتفائه، فالإذن المطلق الّذي لا ينتفي بانتفاء المقيّد يحتاج إلى مقتضى آخر و المفروض عدمه. و من التأمّل فيما ذكرنا تعرف دفع سائر المستثنيات المرقومة في المتن لقاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» أيضا، و اللّٰه العالم بحقائق أحكامه.

قوله: «يوجب ذلك تفكيكا في العبارة. فافهم».

[أقول:] إشارة إلى أنّ عدم التفكيك يستلزم استعمال الضمان في مقابل المجان، الأعمّ من تداركه بعوضه الواقعي و الجعلي كاستعمال الأمر من قوله:

«اغتسل للجمعة و الجنابة» في مطلق الطلب و لو مجازا، لئلّا يلزم التفكيك أو استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى.

قوله: «و تداركه (1) بردّ الثمن. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى ما تقدّم آنفا من أنّ تلف المبيع من بائعه و ردّ ثمنه إلى‌

____________

(1) في المكاسب: «و يتداركه».

500

صاحبه لا يطلق عليه الضمان و إن أطلق عليه الخسران و النقصان.

[الثاني من الأمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فورا إلى المالك]

قوله: «الثاني من الأمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض [بالبيع الفاسد] وجوب ردّه».

أقول: بعد ما فرغ الماتن من تفريع الضمان على عدم تملّك المقبوض بالبيع الفاسد بقاعدة اليد و قاعدة الإقدام أخذ في بيان تفريع الأمر الثاني، و هو وجوب ردّه فورا، و الكلام تارة في فرعيّة وجوب الردّ فورا لعدم التملّك بالبيع الفاسد و عدم فرعيته له، و تارة أخرى في بيان أنّ مئونة الردّ على المشتري أو البائع.

أمّا الكلام في الأوّل فتفصيله: أنّهم اختلفوا في فوريّة وجوب ردّ المقبوض بالبيع الفاسد و عدمه على قولين.

و تحقيق الكلام فيه: أمّا من حيث الأصل العملي فمع عدم وجوب الردّ أخذا بأصالة البراءة لا يقال: بمعارضته بأصالة عدم وجوب المئونة على البائع و بأصالة براءة ذمّة البائع عن وجوب الاسترداد.

لأنّا نقول: مضافا إلى معارضتهما بأصالة عدم وجوبهما على المشتري لا يصلحان لمعارضة أصالة براءة ذمّة المشتري عن الردّ، و ذلك لأنّ أصالة عدم وجوب الاسترداد على البائع لا أثر له حتّى يصلح لمعارضة، ما له أثر من الأصول. و أمّا أصالة عدم وجوب المئونة عليه فلأنّه و إن كان له أثر إلّا أنّه من قبيل المحكوم و المزال بالنسبة إلى أصالة براءة ذمّة المشتري عن الردّ، فلا يصلح للمعارضة أيضا.

و أمّا من حيث الأصل اللفظي فمع وجوب الردّ على المشتري فورا للوجوه المرقومة في المتن الّتي منها عموم حذف المتعلّق المعبّر عنه بعموم المقتضي و المقتضى، لكونه من شئون دلالة الاقتضاء المستفاد من قوله: «لا يحلّ مال امرء‌

501

مسلم إلّا عن طيب نفسه» (1)، حيث يدلّ على تحريم جميع الأفعال المتعلّقة به الّتي منها كونه في يده.

إلّا أن يناقش أوّلا: بأنّ كونه في يده أمر عدمي ليس فعل من الأفعال.

و ثانيا: سلّمنا، لكنّه من الأفراد النادرة للأفعال المتعلّقة بمال الغير أو الأندرة منها، كالنظر إلى ماله أو تخيّل ماله فلا يشمله عموم حذف المتعلّق، كما لا يشمل النظر إلى مال الغير أو تخيّله، فإنّ عموم حذف المتعلّق كعموم التشبيه، و عموم المنزلة عموم حكمتي لا يتعدّى عن الأفراد الشائعة و الغالبة، و لكن للتأمّل في كون الكون في اليد من الأعدام لا الأفعال، بل و في كونه من الأفعال النادرة على تقدير فعليّته مجال واسع.

هذا، مضافا إلى أنّ في مجرّد الشهرة المحكيّة عن مجمع الفائدة (2) و فهم الأصحاب الكفاية في وجوب الردّ، و لا يعارضها نسبة الخلاف إلى الأصحاب في السرائر (3)، حيث قال: المقبوض بالبيع الفاسد بمنزلة المغصوب عند الأصحاب إلّا في الإمساك، لعدم ثبوت النسبة، و لاحتمال إرادة صورة الجهل بالفساد على تقدير ثبوتها أو صورة تعميم الإذن في القبض، كما يومئ إليه تعليله بذلك، و ديدنهم في التعاطي و التبادل على ذلك، بخلاف النسبة الاولى إلى الأصحاب فإنّه لا يحتمل فيها ما يحتمل في الثانية، فهي كالنصّ و الحاكم على النسبة الثانية في التقديم عليها على تقدير ثبوتها، بل لا يبعد التمسّك على وجوب الردّ أيضا ببناء العقلاء على إلزام الأخذ بردّ المأخوذ و إلزام القابض بردّ المقبوض، إلّا أنّ للتأمّل في ثبوته بل و في كشفه عن حكم العقل المستقلّ مجال واسع، بل منع واضح، لأنّ ديدن الناس و سيرتهم جارية في التعاطي و التقابض على تعميم الإذن‌

____________

(1) الوسائل 3: 424 ب «3» من أبواب مكان المصلّي ح 1.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 8: 193.

(3) السرائر 2: 326.

502

في القبض، لا تخصيصه بصورة إمضاء الشارع له.

و أضعف من ذلك الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1)، بناء على أنّ تقديره على اليد وجوب ردّ ما أخذت. و وجه أضعفيّته ما تقدّم من فساد مبناه و أنّ كلمة «على» إنّما تكون ظاهرة في الحكم التكليفي إذا أضيفت إلى فعل من أفعال المكلّفين، و أمّا إذا أضيفت إلى الأعيان- كما فيما نحن فيه- فهي ظاهرة في الحكم الوضعي و هو الضمان.

و أضعف من ذلك أيضا الاستدلال عليه ب‍ «حتّى تؤدّي». ثمّ هذا كلّه في تشخيص وجوب الردّ على المشتري.

و أمّا تشخيص كون مئونة الردّ على المشتري أو البائع فممّا لا كلام و لا إشكال في تفريعه على فوريّة الردّ و عدمه، فإن قلنا بعدم فوريّة الردّ كانت المئونة على البائع، و إن قلنا بفوريّته- كما عرفت أنّه الأظهر الأشهر- كانت المئونة على المشتري، لدلالة وجوب كلّ شي‌ء على وجوب ما لا يتمّ إلّا به من المقدّمات و عدم وجوبه على عدم وجوبها.

لا يقال: إنّ وجوب مقدّمة الواجب خلافي، بل المشهور المنصور على عدم وجوبها.

لأنّا نقول: الخلاف إنّما هو في وجوبها الشرعي الاستقلالي، المترتّب عليه تعدّد الثواب و العقاب، و غير ذلك. و أمّا وجوبها العقلي التبعي المترتّب عليه اللابدّيّة و المطلوبيّة التبعيّة فممّا لا خلاف فيه و لا إشكال، بل هو من مستقلّات العقل.

نعم، قد يشكل في إطلاق وجوب مئونة الردّ على المشتري من جهة شمول «ما لو كان في ردّه مئونة كثيرة إلّا أن يقيّد بغيرها بأدلّة نفي الضرر»، كما‌

____________

(1) تقدّم ذكر في هامش (2) ص: 472.

503

قاله الماتن (قدس سرّه) (1)، إلّا أنّ في إطلاق التقييد بغيرها أيضا إشكال، من جهة شمول ما لو أوجب إدخال المئونة على المشتري الضرر الكثير به، فإنّ أدلّة نفي الضرر كما يقتضي نفي وجوب المئونة على المشتري إذا أوجب به الضرر كذلك يقتضي نفي وجوبها على البائع إذا أوجب به الضرر الكثير.

فالتحقيق في رفع الإشكال هو أن يقال: بوجوب مئونة الردّ على المشتري، إلّا إذا أوجب ردّه كثرة المئونة فتجب على البائع، إلّا إذا عورض بلزوم الضرر على البائع أيضا فيجب تحمّل أقلّ الضررين مع اختلافهما بالكثرة و القلّة، و مع التساوي القرعة أو الرجوع إلى المشتري، نظرا إلى أنّ أدلّة نفي الضرر عنه معارضة بأدلّة نفيه عن المشتري، فيتساقطان و يرجع إلى الأصل، و هو وجوب المئونة على المشتري من باب المقدّمة لوجوب الردّ عليه.

[الثالث أنه لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرد كان عليه عوضها]

قوله: «فنفي الضمان محتجّا بأنّ الخراج بالضمان» (2).

أقول: إنّ ما احتجّ به قاصر عن الحجّية سندا و دلالة، أمّا سندا فلكونه عاميّا مرسلا غير منجبر، و أمّا دلالة فلأنّ الباء و إن كانت للسببيّة و المقابلة إلّا أنّ الضمان فيه محتمل للضمان الجعلي و هو العوض الجعلي الّذي تراضوا به و أمضاه الشارع، كما في المضمون بالعقد الصحيح، و محتمل للضمان الواقعي و هو العوض الواقعي، أعني: المثل أو القيمة و إن لم يتراضيا عليه، و على كلّ من معنيي الضمان الجعلي و الواقعي يحتمل الضمان لضمان العين و لضمان المنافع فيحصل، لقوله (عليه السلام): «الخراج بالضمان» (3) على تقدير صحّة سنده أربعة من المعاني:

أحدها: كون المنافع المستوفاة من العين بإزاء الضمان الجعلي المتعلّق بالعين، و يختصّ مجّانية المنافع بالعقد الصحيح المتعلّق بعينها ببيع و نحوه.

____________

(1) المكاسب: 104.

(2) عوالي اللئالي 1: 219 ح 89.

(3) عوالي اللئالي 1: 219 ح 89.

504

ثانيها: كون المنافع المستوفاة من العين بإزاء الضمان الجعلي المتعلّق بالمنافع بإجارة و نحوها، و إطلاق الضمان بهذا المعنى كثير التداول في لسان العرف فيقولون: فلان ضمن بستانا، و ضمن أرضا أو نهرا، و قلّ ما يقولون:

استأجر أرضا أو نهرا، و لا خلاف في صحّة الخراج بالضمان بكلّ من هذين المعنيين، إلّا أنّه لا ربط له بشي‌ء من المعنيين فيما نحن فيه.

و ثالثها: كون المنافع المستوفاة بإزاء الضمان الواقعي المتعلّق بالمنافع، و هو بهذا المعنى دليل ضمان عوض المنافع المستوفاة من العين المقبوض بالعقد الفاسد على المشتري لا دليل عدم ضمانها، كما توسّل به الوسيلة (1).

رابعها: كون المنافع المستوفاة من العين بإزاء ضمان العين بالضمان الواقعي، و هو بهذا المعنى و إن دلّ على عدم ضمان المنافع المستوفاة من العين المغصوبة فضلا عن المقبوضة بالبيع الفاسد إلّا أنّ حمله على هذا المعنى- مضافا إلى عدم ذهاب أحد من المسلمين إليه سوى أبي حنيفة (2)، و إلى ورد صحيحة أبي ولاد (3) و غيرها (4) على ردّه و طعنه- ليس بأولى من حمله على سائر المعاني الأخر، سيّما على المعنى الثالث، بل لو سلّمنا أولويّته كفى في انصرافه عنه و تعيين غيره من سائر المعاني الشهرة، بل الإجماع المحكي على ضمان المنافع المستوفاة.

قوله: «و إنّما تملّك الانتفاع الّذي عيّنه المالك. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى احتمال كون الخراج أعمّ من المنفعة و الاستنفاع، مضافا إلى ما في أصل الخبر من الضعف الغير المنجبر، و الفرق أنّ تمليك المنفعة يقبل‌

____________

(1) الوسيلة: 255.

(2) المحلّى لابن حزم 8: 139، و الوسائل 13: 255 ب «17» من أبواب أحكام الإجارة ح 1.

(3) الوسائل 13: 255 ب «17» من أبواب أحكام الإجارة ح 1.

(4) الوسائل 13: 255 ب «17» من أبواب أحكام الإجارة ذيل ح 1.