التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
55

باب تفاوت الذوات الصحيحة و المعيبة، و التامّ و الناقص عن الخلقة الأصليّة. فهو في نظر العرف من قبيل خيار العيب لا التدليس، و لهذا لا يتعاطون سكّة غير السلطان بوجه من الوجوه، و لا يفرضون في إزائه ماليّة أصلا، و لا يعبئون به رأسا، بل يجعلون تفاوته أشدّ من تفاوت المعيب بأشدّ وجه. نعم، لو كان تفاوته من باب تفاوت سكّة سلطان مع سلطان آخر- من حيث شدّة الرغبة، و ضعفها- كان من خيار التدليس لا العيب.

[القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة]

قوله: «يطرح ظاهر كلّ بنصّ الآخر. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى منع كون الروايتين من قبيل المتعارضين بالنص و الظاهر و العام و الخاص حتى يطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر، كأكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق، بل تعارضهما من قبيل تعارض المتبائنين، كأكرم العلماء و لا تكرم العلماء، في عدم إمكان الجمع الدلالتي العرفي بينهما إلّا بشاهدين صارفين موجبين لطرح كلّ من ظاهريهما، بحمل «أكرم» على العدول و «لا تكرم» على الفسّاق.

و المفروض عدم الشاهد العرفي الموجود بين النصّ و الظاهر كالعام و الخاص، فتعيّن الرجوع فيهما إلى المرجّحات السنديّة الموجبة لطرح أحدهما رأسا و العمل بالآخر كلّا، كما هو القاعدة المسلّمة في علاج المتعارضين المتبائنين، حيث إن طرح أحد سنديهما خير من طرح كلّ من ظاهريهما.

قوله: «و الفرق بين مؤاجرة البيت لبيع الخمر فيه و بيع الخشب على أن يعمل صليبا أو صنما لا يكاد يخفى».

أقول: و يمكن أن يقال أولا: بمنع الفرق.

و ثانيا: لو سلّم ندور بيع المسلم الخشب على أن يعمل صنما فإنما هو في مثل زماننا لا زمان الصدور حتى يمنع من حمل الصادر عليه.

56

و ثالثا: سلّمنا، لكن الندور المانع من حمل المطلق عليه إنما هو ندور الاستعمال لا ندور الوجود. نعم، ندور الوجود مانع من حمل الواقعة الموجودة لا المسألة المفروضة عليه.

و رابعا: سلّمنا، لكن ندور اشتراط الحرام في البيع دون الإجارة إنما هو من جهة تضمّن البيع من حيث كونه تمليك العين لجميع منافعه المحلّلة و المحرّمة، فلا حاجة إلى اشتراط المحرّم، بخلاف الإجارة، فإنها لمّا كانت عبارة عن تمليك منفعة فيحتاج إلى تعيينها بالاشتراط.

و خامسا: سلّمنا ندور اشتراط الحرام في البيع من جميع الوجوه، لكنّه إنما يمنع من حمل المطلق عليه فقط، لا من حمله عليه و على غيره بالعموم. و بعبارة:

أن ندور اشتراط الحرام في بيع الخشب في الخبر (1) إنما يمنع من حمل قوله (عليه السلام):

«لا يجوز» عليه فقط بالخصوص، و لا يمنع من حمله عليه و على غيره من سائر الأفراد غير النادرة، أعني: غير المشترط فيه الحرام، خصوصا بالنظر إلى عموم النكرة في سياق النفي، و عموم ترك الاستفصال في جواب السؤال.

قوله: «على وجه يكون دخيلا في زيادة الثمن».

أقول: لا مقيّد عرفا و لا شرعا و لا عقلا لتقييد قصد الصفة المحرّمة في البيع على وجه يكون دخيلا في زيادة الثمن، إذ يكفي في صدق «ثمن المغنّية سحت» عرفا و شرعا و عقلا أن يقصد الثمن في إزاء المغنّية بوصف المغنّية و لو لم يكن الثمن دخيلا في زيادة الثمن، بل و لو لم يكن ثمن و عوض على المنقول المحرّم بصلح أو هبة، إذ من المعلوم أن المانع من صحّة تعلّق النقل و الانتقال بالمغنية و حرمة ثمنها ليس إلّا من جهة قصد المحرّم و الفاسد من اللهو و الغناء، و من البيّن أن هذا المناط المنقّح- و هو فساد المقصود و حرمته- لا يفرّق بين حصوله في‌

____________

(1) الوسائل 12: 127 ب «41» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

57

ضمن البيع أو الهبة أو الصلح أو سائر الانتقالات، و لا مقيّد لكونه في ضمن البيع، فضلا عن التقييد بمدخلّية الوصف في زيادة الثمن.

قوله: «و إن كانت نادرة .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن فرض النفع المحلّل لوصف الحرام من اللهو و الغناء غير واقع شرعا، فضلا عن فرضه مقيّدا بغير النادر المعتدّ به، إلّا على بعض ما يوافق العامّة من الأقوال الشاذّة في جواز مثل الغناء في خصوص القرآن، و جواز اجرة المغنّية في خصوص العرائس.

و ثانيا: لو سلّمنا، لكن ندور نفعه و عدم ندور نفعه مثل قلّة اجرة نفع الغناء و كثرته ممّا لا يجدي في حلّية الغناء و حرمته بعد فرض صدق الغناء المحرّم، فضلا عن أن يجدي المنفعة الكثيرة المعتدّ بها عن الحلّية و الخروج عن الحرمة، دون المنفعة النادرة القليلة غير المعتدّ بها النازلة منزلة العدم، مع أنها أولى بالحلّية و الخروج عن الحرمة. نعم، لو فرض نصّ الشارع بأن ثمن المغنّية و نفع الغناء حلال أمكن تنزيل المنفعة النادرة القليلة منزلة العدم في الخروج عن موضوع النفع المحلّل، بخلاف المنفعة الكثيرة المعتدّ بها. و أمّا فيما نصّ الشارع بالعكس و أن ثمن المغنية و نفع الغناء سحت و حرام (1)- كما هو المفروض- فالأمر بالعكس.

نعم، الذي يجدي تفصيله في الحلال هو أن يقال: إن المنفعة المحلّلة لمثل اللهو و الغناء إن كان حلّيتها بالأصل- كما هو الظاهر- فهو لا يقاوم عموم النصّ المحرّم لثمن المغنية و منفعة الغناء (2) المفروض. و إن كان بالنصّ ففيه أولا: أنه لا نصّ. و ثانيا: على تقديره فالمرجع في حلّيتها و عدمها و ترجيح أحد النصّين على الآخر إنما هو إلى إعمال المرجّحات الدلالتيّة أو السنديّة، لا إلى ندور النفع و عدمه و قلّته و كثرته، كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 12: 84 ب «16» من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل 12: 84 ب «16» من أبواب ما يكتسب به.

58

قوله: «هذا في غاية البعد، إذ لا داعي للمسلم .. إلخ».

أقول: قد تقدّم (1) منع بعده من وجوه عديدة، لا أقلّ من كون البعد على تقدير تسليمه مبنيّا على إرادة صورة الاشتراط النادر فقط، و أمّا في ضمن العموم بانضمام فرد آخر من العموم إليه كالمقصود منه الحرام من دون اشتراطه- كما أفتى بحرمته هو آنفا- بل و غير المقصود منه الحرام إذا علم ترتّبه عليه- كما يقتضيه العموم- فلا بعد فيه.

قوله: «فالأولى حمل الأخبار المانعة على الكراهة .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن حملها على تجوّز الكراهة ليس بأولى من بقائها على ظاهر الحرمة و العموم، و تقييد الأخبار المجوّزة بصورة عدم قصد الحرام من بيع العنب و العصير، كما هو الغالب من حال المسلم، بل و بصورة عدم العلم بإعماله خمرا حين البيع و إن علم به بعده، أو علم بأن عمل المشتري تخمير العنب كلّية لا خصوص هذا العنب، فإن خبر جواز بيع العنب لمن يعلم أنه يعمله خمرا (2) لا يأبى من الحمل على العلم به بعد البيع، أو العلم بأنه خمّار يعمل العنب خمرا لكن لا يعلم بإعماله هذا العنب خمرا. و لو أبى عنه فليس بأبعد من حمل نصوص المنع على الكراهة. و الاستشهاد عليه بقوله (عليه السلام): «بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلّا أحبّ إليّ و لا أرى به بأسا» (3) لا شاهد فيه، فإنه مثل قولك: الحلال أحبّ إليّ من الحرام، و قوله تعالى السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (4) وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ (5).

____________

(1) في ص: 55.

(2) الوسائل 12: 169 ب «59» من أبواب ما يكتسب به ح 5.

(3) الوسائل 12: 170 ب «59» من أبواب ما يكتسب به ح 9، و فيه: و لا أرى بالأول بأسا.

(4) يوسف: 33.

(5) الضحى: 4.

59

سلّمنا إباء أخبار الجواز من الحمل على ذلك، و لكن لا تأبى من الحمل على التقيّة، لموافقة العامّة، خصوصا قوله (عليه السلام): «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنه يصنعه خمرا» (1)، فإن شاهد الحال القطعي من الامام (عليه السلام) آب من الاقتحام في التقريب إلى الآثام و لو كان المرام من المكروه لا الحرام.

و ثانيا: أن المرجع في تعارض ما نحن فيه من الأخبار المجوّزة و المانعة ليس إلى المرجّحات الدلالتيّة فضلا عن الحمل الكراهة، لعدم كون التعارض فيما نحن فيه من قبيل النصّ و الظاهر و الظاهر و الأظهر حتى يجمع بينهما بالحمل، بل من قبيل المتبائنين المتعيّن فيهما المرجّحات السنديّة و طرح المرجوح، و من جملة المرجّحات السنديّة المنصوصة موافقة الكتاب و السنّة الموافقة للأخبار المانعة عموم قوله تعالى وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (2) وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ (3) و الإثم و البغي و اجتنبوا ظاهر الإثم و باطنه وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ (4) فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ (5) بناء على عموم الظالم نفسه و هو الخمّار، و فحوى النصوص المانعة من إعانة الظالم في المباحات بل في الطاعات، كقوله (عليه السلام) لصفوان الجمّال: «كراؤك هذا الرجل .. إلخ» (6).

قوله: «و ربما زاد بعض المعاصرين على اعتبار القصد اعتبار وقوع المعان عليه في تحقّق مفهوم الإعانة».

____________

(1) الوسائل 12: 169 ب «59» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(2) المائدة: 2.

(3) الأنعام: 151.

(4) هود: 113.

(5) الأنعام: 68.

(6) الوسائل 12: 131 ب «42» من أبواب ما يكتسب به ح 17.

60

أقول: أمّا هذا المعاصر فهو صاحب الفصول. و أمّا دعواه: فهو اعتباره في حرمة مقدّمة الحرام زيادة على قصد الحرام فيها التوصّل بها إلى الحرام (1)، و فصّل في المقدّمات بين الموصلة و غيرها في التنبيه الأول من تنبيهات مقدّمة الواجب من فصوله (2).

أمّا دليله على ذلك: فهو أن دليل مطلوبيّة شي‌ء للغير لبّي عقلي، فيقتضي مطلوبيّة ما ترتّب ذلك الغير عليه دون غيره، فيعتبر في المطلوب فيه المقيّد حيثيّة كونه مقيّدا، و هذا لا يتحقّق بدون القيد الذي فعل الغير (3).

و أمّا جوابه: فهو أن علّة وجوب المقدّمة إن كان وصفا اعتباريّا منتزعا من وجوب الغير و ترتّبه عليه- كما يقتضيه الدليل المذكور- فإنما يقتضي الوجوب العقليّ اللابدّي الراجع إلى الوصف بحال المتعلّق المبائن، الذي لا يجدي أثرا حقيقيّا في الموصوف، كتوصيف الرجل بأنه عالم أبوه، و مبنى النزاع إنما هو على تقدير وجوبها بغير ذلك المعنى.

و إن كان وصفا حقيقيّا قائما بحصول ذي المقدّمة فممتنع، لأنه بالنظر إلى كونه علّة لوجوب المقدّمة يلزم سبق المعلول على العلّة، و بالنظر إلى كونه معلولا لوجود المقدّمة يلزم أن يعود من جانبه فائدة إلى العلّة. و كلاهما محال. أمّا الأول فظاهر. و أمّا الثاني فلما قرّر في المعقول من استحالة أن يعود من جانب المعلول أثر أو فائدة و كمال إلى العلّة، لأكمليّة مرتبة العلل من مرتبة المعلولات، كما هو معنى من معاني أن أفعال اللّٰه ليست معلّلة بأغراض.

و إن كان قائما بنفس المقدّمة، فإن أريد من المقدّمة العلّة التامّة فهو خلاف المفروض، و خروج عن البحث. و إن أريد فيها الأعمّ فليست العلّة القائمة بنفسها‌

____________

(1) الفصول الغروية: 81.

(2) الفصول الغروية: 86.

(3) الفصول الغروية: 81.

61

للمطلوبيّة و المبغوضيّة إلّا أهليّة الإيصال بها مطلقا، سواء ترتّب عليها الغير أم لم يترتّب، بل و سواء قصد فاعل المقدّمة الوصول بها إلى ذي المقدّمة أم لم يقصده، لأن المدار و الاعتبار في الاتّصاف بالأوصاف و تحقّقها إنما هو على مجرّد حصول ملكتها و قوّة الاقتدار على صدور الوصف و إن لم يصدر فعلا. و بعبارة: أن المراد من المقدّمة الموصلة إن كان الإيصال الفعلي فلا شي‌ء من المقدّمات كذلك، إلّا العلّة التامّة الخارجة عن محلّ النزاع. و إن كان الإيصال الشأني و المدخليّة القابليّة فجميع المقدّمات كذلك، و هذه صفتها.

و هذا تفصيل جواب المصنف، عنه بقوله: «فإن حقيقة الإعانة على الشي‌ء هو الفعل بقصد حصول الشي‌ء، سواء حصل أم لا». إلّا أنه يرد عليه أنه بما تجيب عن المقدّمة الموصلة تجاب به عن المقدّمة المقصودة، فإن حقيقة الإعانة على الحرام هو الإتيان ببعض مقدّماته، سواء قصد بها الحرام أم لا. فكما أن ترتّب ذي المقدّمة على المقدّمة من الغايات الخارجة التي لا مدخليّة له في معنى المقدّمية و لا في حكمها، كذلك قصد ترتّبه عليها من الضمائم و المقارنات الخارجيّة التي لا مدخليّة له في معنى المقدّمية و لا في حكمها.

قوله: «فظهر الفرق بين بيع العنب و بين تجارة التاجر .. إلخ».

[أقول:] يعني: الفرق الاسمي في صدق الإعانة و عدمه بين الفرعين، و في استناد ذلك الفرق الاسمي إلى مدخليّة القصد في البين.

أقول: فيه أولا: إمكان منع الفرق بين الفرعين اسما و حكما، و الحكم بحرمة كلّ ما يوقع الغير في الحرام من المقدّمات و المعونات، و إن بلغت في البعد و الضعف و التسلسل ما بلغت، و لو لم تكن موصلة بل و لا مقصودة منها الحرام، بل و لا وجوديّة، كعدم بذل الطعام لمن يخاف تلفه، حيث استدلّ المبسوط و غيره‌

62

على حرمته بأن فيه إعانة على قتل مسلم (1)، مع أنه مقدّمة عدميّة غير مقصود به القتل. و كما استدلّ جمع من الأعلام في باب اشتراط خلوّ السرب من الموانع لوجوب الحج، بأن أخذ الخادة (2) و المال من الحاجّ ظلما من موانع وجوب الحج، لما فيه من الضرر المنفي و الإعانة على الظلم الحرام (3).

و ثانيا: سلّمنا الفرق المذكور بينهما، لكن لا نسلّم كونه فرقا اسميّا، من صدق الإعانة على البيع المقصود به الحرام، و عدم صدقها على التجارة و الحجّ و نحوهما ممّا يقصد به المباح و الطاعة، بل هو مستند إلى الفرق الحكمي و اختلاف الجهة الحكميّة بينهما، إذ كما أن التجارة و الحجّ مقدّمة و معونة و سبب لكلّ من استنفاع نفسه و دينه و من إنفاع غيره الظالم له، كذلك بيع العنب لعاصر الخمر مقدّمة و إعانة و سبب لكلّ من جلب منفعة تملّكه الثمن و من حدوث مفسدة تملّك غيره المثمن.

إلّا أن المرجع عند الدوران لمّا كان بمقتضى العقل إلى ارتكاب أقلّ القبيحين و الأخذ بأقوى السببين و أعظم الفائدتين، و كان ذلك المرجع مختلفا في البين و متفاوتا بين الفرعين، اختلف الحكمان.

و من البيّن أن الأقوى سببا و مسبّبا و فائدة- عقلا و نقلا- إنما هو ترجيح التجارة على تركها، لما في فعله من قوام المعاش و المعاد، و في تركه من الفساد و الإفساد، و ترك بيع العنب لعاصره خمرا، لما في فعله من الفساد و الإفساد، و في تركه من السداد و الرشاد.

مضافا إلى أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة. و قوله (عليه السلام): «ما اجتمع‌

____________

(1) المبسوط 6: 285.

(2) كذا في النسخة الخطيّة.

(3) مسالك الافهام 2: 141، مدارك الأحكام 7: 62، الحدائق الناضرة 14: 141.

63

الحلال و الحرام إلّا و غلب الحرام الحلال» (1) يقتضي الحرمة في المقام من جهة التغليب العقلي و الشرعي، لا من جهة صدق المعاونة على الحرام فيه دون صدقه في التجارة و الحج، و لا من جهة مدخليّة قصد الحرام في صدق المعاونة عليه اسما، و لا مدخليّته في الحرمة حكما، بل لو لم يقصد البائع الحرام في بيع عنبه لعاصره خمرا لم نأب من حرمة بيعه أيضا، من جهة بقاء صدق المعاونة و تغليب الحرمة شرعا و عقلا. كما أنه لو لم نقل بتغليب الحرام الحلال في مثله لم نأب من تجويز بيعه له و إن قصد الحرام، لأن قصد الحرام على القول بحرمته إنما هو حرام عقلي لا شرعي، بل قبحه قبح فاعلي لا فعلي من باب التجرّي، خارج عمّا نحن فيه، و لا دخل له بحرمته من حيث المقدّميّة و صدق الإعانة على الحرام شرعا، بل المعاونة صادقة عرفا حتى لو لم يعلم بها، كما لو باع العنب لعاصره خمرا من غير قصد و لا علم، غايته أن عدم حرمته عليه إنما هو بعموم قاعدة حديث الرفع، لا من جهة عدم صدق المعاونة.

و الحاصل: أن الفرق بين الموارد المعاونة إن سلّم فليس من جهة الفرق في صدقها اسما، و لا من جهة مدخليّة القصد بل و لا العلم في صدقها عرفا، بل إنما هو من جهة اختلاف الحكم المختلف باختلاف مدركه من المعقول و المنقول و القواعد و الأصول.

و ثالثا: لو سلّمنا الفرق الاسمي في أفراد المعاونة، و مدخليّة قصد الحرام في صدقها عرفا، فإنّما يسلّم في تميّز المشتركات لا مطلقا، يعني: في خصوص ما إذا كان فعل المعاون من الأفعال المشتركة بين المعاونة على الإثم و غيره، و لم يكن له تميّز خارجي إلّا القصد، مثل السفر المشترك بين الطاعة و المعصية، و ضرب اليتيم المشترك بين العدوان و الإحسان، حيث لا يتميّز إلّا بالقصد، كما‌

____________

(1) سنن البيهقي 7: 169.

64

في كلّ فعل ذي جهات. مثلا: لو فرضنا أن للخمّار في ذمّتي عنبا يجب بذله له أداء لدينه، و عنبا يحرم بذله له لتخمير و نحوه، و فرضنا اندفاع أحد العنبين إليه، فإن كان المدفوع إليه ممتازا من حيث الكمّ و الكيف و الوزن و الوصف كان اعتبار تعيينه بالقصد تحصيلا للحاصل، كما فيما نحن فيه. نعم، لو لم يكن له جهة مميّزة و معيّنة غير القصد اعتبر في تعيينه و تميّزه القصد، لكنّه خارج عن محلّ الفرض.

و من هذه الأبواب ينفتح باب الجواب عن شبهة الجبر في استناد أفعال العباد من الصلاح و الفساد إلى مسبّب الأسباب، فإن جميع تهيئة أسباب الخير و الشرّ من الإيجاد و ما دونه من الحكيم المطلق إنما هو من باب اللطف و المعرضيّة للثواب و السعادة لا العقاب و الشقاوة، و بقصد الإحسان و الامتحان لا الحرمان و العدوان، و استناد الفعل إلى أقوى السببين و العلّتين من المباشر و السبب و الفاعل و العادل.

قوله: «و إلّا لزم التسلسل. فافهم».

[أقول:] أي: إن لم يشترط في حرمة المقدّمات و المعونات قصد الحرام لزم تسلسل الحرمة في سلسلة المقدّمات و المعونات إلى ما لا نهاية له، من المعاملات و المغارسات و الصناعات، بل التجارات و الإحسانات، المعلوم لفاعلها بالعلم الإجمالي الانتهاء إلى الحرام و الشرّ و الفساد، إلى أن ينتهي إلى ألطاف ربّ العباد بالنسبة إلى أهل الفساد، فيلزم حرمة جميع المعاملات، بل و جواز الجبر على اللّٰه تعالى.

قوله: «فافهم».

[أقول:] لعلّة إشارة إلى عدم إمكان منع الملازمة، بإبداء الفرق بين المقدّمات المحرّمة من حيث القرب و البعد و القوّة و الضعف و الخفاء و الجلاء و العلم و الجهل، إلّا من حيث القصد و عدم القصد.

65

و لكن قد عرفت ما فيه من إمكان منع الملازمة، بإبداء الفرق الحكمي بينها من حيث الحرمة و عدم الحرمة، المختلفة باختلاف مدرك الحكم لا صدق الاسم، حسب ما تقدّم (1) بأبلغ وجه.

قوله: «نعم لو ورد النهي بالخصوص عن بعض شروط الحرام، كالغرس للخمر، دخل الإعانة عليه في الإعانة على الإثم .. إلخ».

[أقول:] و فيه: أيّ فرق بين النهي الخاص عن بعض مقدّمات الحرام في إفادته النهي عنه مطلقا و لو لم يقصد به الحرام، و بين النهي العام عن عموم مقدّمات الحرام في عدم إفادته النهي عنها إلّا مع القصد؟

يعني: أيّ فرق بين قوله: لا تغرس للخمر، و بين: لا تعاون عليه؟ فإن عمّ النهي الخاص النهي عن الغرس له مطلقا و لو لم يقصده إذا علم به، فليعمّه النهي العام أيضا عن مطلق التعاون عليه ببيع و غيره مطلقا و لو لم يقصده إذا علم به، و إلّا إذا لم يعمه النهي العام إلّا مع القصد إلى الحرام- كما زعمه- لم يعمه النهي الخاص أيضا إلّا مع القصد إليه.

قوله: «محلّ تأمّل، إلّا أن يريد الفحوى».

[أقول:] وجه التأمّل ظهور الإعانة في المقدّمات الوجوديّة، و ترك بذل الطعام لخائف التلف من المقدّمات العدميّة التركيّة لتلفه، فلا يشمله صدق الإعانة إلّا بالفحوى، يعني: بأولويّة ترك اللقمة من شقّ كلمة في إهلاك النفس المحترمة.

قوله: «يمكن التفصيل في شروط الحرام .. إلخ».

أقول: فيه أن هذا التفصيل- و هو عدم انحصار منفعة العنب في الحرام- لا يوجب تفاوت حرمة البيع بعد فرض علم البائع بإعماله خمرا كما هو المفروض، فإنه بعد فرض العلم يصير أيضا محصور الفائدة في الحرام، فإن حصر فائدة‌

____________

(1) في ص: 62- 63.

66

المبيع في الحرام تارة بحسب العادة و تارة بحسب العلم بإعماله فيه، و لو لم يفد العلم حصره لم يفده القصد أيضا، بل و لا العادة أيضا.

قوله: «نظر إلى ذلك .. إلخ».

أقول: بل الأظهر ممّا تقدّم أن نظرهما في تجويز بيع العنب دون السلاح إنما هو أخبار الجواز في بيع العنب، التي عرفت علاجها بالطرح أو الحمل على التقيّة أو على صورة عدم العلم، لا أن نظرهما إلى التفصيل و الفرق المذكور بين البيعين، لما عرفت منع الفرق أوّلا، و عدم كونه فارقا ثانيا.

قوله: «فإن تملّك المستحلّ للعصير منحصر فائدته عرفا عنده في الانتفاع به حال النجاسة، بخلاف تملّك العنب».

أقول: فيه أولا: منع الفرق و انحصار فائدة العصير عرفا في الانتفاع به حال النجاسة، لإمكان الانتفاع به عرفا في غير الشرب أو بعد التخليل أو ذهاب الثلثين، خصوصا في بيع السلاح، فإنه يمكن انتفاع المحارب به في غير محاربة المسلمين، على نحو ما يمكن انتفاع الخمّار بالعنب في غير التخمير.

و ثانيا: سلّمنا الفرق المذكور بين البيعين، إلّا أنه غير فارق في البين بعد فرض العلم بانحصار فائدة تملّك العنب للخمّار في التخمير لا غير.

و ممّا يشهد على صدق ما ادّعيناه من صدق التعاون المحرّم عرفا و شرعا على مطلق المعاونة و لو لم يقصد به الحرام إذا علم الوصول إليه- مضافا إلى ما تقدّم من المتن و الشرح من قوله: «من أكل الطين فقد أعان على نفسه»- وجوه:

منها: قوله تعالى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لٰا نَصَبٌ وَ لٰا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لٰا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّٰارَ وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ (1). بتقريب أنه إذا ثبت حكم الجهالة شرعا، و صدق اسم‌

____________

(1) التوبة: 120.

67

العمل الصالح عرفا على مطلق مقدّماته و غاياته المقصودة و غير المقصودة من التعب و النصب، ثبت حكم الحرام و صدق المعاونة عليه كذلك على مطلق مقدّمات الحرام و غاياته مطلقا و إن لم يقصد به الحرام إذا علم بترتّبه عليه.

و منها: عموم قوله تعالى مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً (1). نظرا إلى أن وجه التشبيه كون المستبدّ في قتل- كالمبدع- معاونا على قتل جميع الناس، من جهة اتّحادهم مع المقتول في الاخوّة أو في شأنيّة البنوّة، أو معاونا على تأسّي جميع الناس به في التجرّي على القتل، مع عدم قصد القاتل معاونة الغير على القتل قطعا. و كذلك وجه تحمّل القاتل جميع ذنوب المقتول في النصوص (2) الأخر إنما هو من جهة معاونته و سببيّته لعدم تلافي المقتول و تداركه ذنوبه لو أراد.

و منها: عموم قوله (عليه السلام): «من سنّ سنّة سيّئة كان له وزر من عمل بها» (3) مع عدم قصد الفاعل عمل عامل.

و منها: عموم قوله (عليه السلام): «لا تعلّموا العلم لغير أهله فتظلموه» (4) مع عدم قصد المعلّم ظلم المتعلّم فيما علم عدم أهليّته.

و منها: ما ذكره الشهيد في المنية و غيره في آداب المفتي من أنه لا يجوز الفتوى بمرّ الواقع إذا ترتّب عليها المفسدة، مستشهدا بفتوى ابن عبّاس لمن استفتاه هل للقتل توبة؟ بقوله: «لا، مع قوله في المجلس لآخر: نعم، فلما سئل عن اختلاف الجوابين قال: «علمت من السائل الأول إرادة قتل فقلت له: لا توبة للقتل، لئلّا أعاونه عليه، و من الثاني الإياس من رحمة اللّٰه فقلت: نعم، لئلّا ييأس‌

____________

(1) المائدة: 32.

(2) الوسائل 19: 7 ب «1» من أبواب القصاص في النفس ح 16.

(3) صحيح مسلم 2: 704 ح 69.

(4) البحار 108: 15 و فيه «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها».

68

من روح اللّٰه» (1).

و منها: ما اتّفق لعلّامة أساتيدنا الأعلام من تحريمه التنباك كلّية، لمّا استلزم استعماله معاونة الكفّار الخارجة على أغراضهم الفاسدة.

قوله: «و كيف كان فلو ثبت تميّز موارد الإعانة من العرف فهو، و إلّا فالظاهر مدخليّة قصد المعين».

أقول: فيه أولا: إمكان أن يقال: أمّا تميّز موضوع الإعانة من قوله تعالى:

وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ (2) وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ أي: القبائح مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ* (3) وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ (4)، فظاهر عرفا و لغة في مطلق ما يقوى به الحرام، و ما يقرّب إليه من مقدّماته و ما يتوقّف عليه الحرام عقلا أو عرفا أو شرعا، لفظا أو فعلا، شطرا أو شرطا، وجودا أو عدما، من غير مدخليّة قصد المعين الإعانة و المقدّميّة، بل و لا العلم بمعاونته و مقدّميّته و ترتّب الحرام عليه في تحقّق موضوع الإعانة و القرب و التقوى عرفا، كما لا مدخليّة للقصد بل و لا للعلم في تحقّق موضوع الإثم و الفاحشة و شرب الخمر و سائر الموضوعات المحرّمة نفسها، من الغناء و الزنا و القتل و الجرح من المحرّمات النفسيّة، فالغيريّة كذلك، من غير فرق من حيث الإطلاق و التقييد، و ذلك لما تقرّر في الأصول من أن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعيّة لا المعلومة، فضلا عن المقصودة.

و لو سلّمنا الشكّ في إجمالها فهو خلاف الأصل الأصيل في وضع الألفاظ غالبا، كما قرّر في باب المجمل و المبيّن، بل و خلاف وضع الشرع و وظيفته و معناه، فإن معنى الشرع و وضعه و وظيفته البيان لا الإجمال. و أمّا تميّز حكم‌

____________

(1) منية المريد: 299، ذكره في آداب الفتوى.

(2) المائدة: 2.

(3) الانعام: 151.

(4) الأعراف: 33.

69

الإعانة و ما يقرّب إلى الحرام و يقوّيه و يترتّب عليه و يتوقّف عليه من المعونات و المقدّمات على كثرتها و تشتّت أقسامها المذكورة من القريب و البعيد فهو الحرمة، لعموم النكرة في سياق النفي من قوله وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ (1) وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ (2)، و لم يخرج من عموم حكمها العقلي و النقلي- أعني: تبعيّة المقدّمات لذي المقدّمة عقلا و شرعا- إلّا ما يخرجه حديث: «رفع عن أمّتي تسعة، و منها: السهو و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما أكرهوا عليه، و ما اضطرّوا إليه» (3). فالإعانة على ما لم يعلم ترتّب الحرام عليه من المقدّمات و المعونات و المقوّيات بأنواعها مرفوعة المؤاخذة بعموم «لا يعلمون».

و أمّا التجارات و الصناعات و المغارسات و الحرف و بعض العبادات- كالحج- فمرفوعة المؤاخذة بعموم «ما أكرهوا عليه» (4)، فإن ما يأخذه الجائر من التجارات و الحجّاج و يقوى به و يستعين به الجائر و الظالم إنما هو بالإكراه المرفوع من الأمّة، بل و بعموم: «ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه» (5)، فإن التجارات و الصناعات ممّا اضطرّوا إلى فعلها في معاشهم و معادهم و ممّا لا يطيقون تركها، بخلاف بيع العنب لعاصره خمرا، و عقد النكاح للمترتّب عليه فساد الملاهي و الحرام، و تعليم العلم لصارفه في الباطل، ممّا يطاق تركها و لم يضطرّوا إلى فعلها بوجه، فلا يقاس على التجارات و الصناعات المضطرّ إلى فعلها من جميع الوجوه في الخروج حكما عن عموم المنع عن المعاونة، بل هي باقية في عموم المنع عن المعاونة عقلا و نقلا، لأصالة عدم التخصيص و حجّية المخصّص في الباقي.

و ثانيا: لو سلّمنا الإجمال و مدخليّة القصد في اسم المعونة أو حكمها فإنما‌

____________

(1) المائدة: 2.

(2) الأنعام: 151.

(3) الوسائل 11: 295 ب «56» من أبواب جهاد النفس ح 1.

(4) المصدر المذكور آنفا.

(5) المصدر المذكور آنفا.

70

هو في خصوص ما إذا اشترك فعل بين ذي جهتين، مثل ضرب اليتيم المشترك بين التأديب و الإحسان و بين الظلم و العدوان، و السفر المشترك بين المعصية و الطاعة حيث لا تميّز بوجه إلّا بالقصد، بخلاف ما نحن فيه ممّا هو متميّز من دون قصد. نعم، قصد الحرام لو كان له مدخليّة في الحرمة فإنما هو حرمة خارجيّة من جهة التجرّي بنفس القصد، لا من جهة حرمة نفس الفعل المقرون به الذي نحن فيه، كما لا يخفى.

قوله: «بأن دفع المنكر كرفعه واجب، و لا يتمّ إلّا بترك البيع فيجب».

أقول: قد يورد على هذا الاستدراك: أنّك إن اعتبرت القصد في صدق المعاونة على بيع العنب لعاصره خمرا، اقتضى اعتباره أيضا في صدق المنكر على ذلك البيع و ترك المنكر على ترك ذلك البيع، لعدم الفرق، بل للأولويّة القطعيّة. و إن لم تعتبر القصد في صدق المنكر على بيع العنب لعاصره خمرا، و لا في صدق ترك المنكر على ترك ذلك البيع، اقتضى عدم اعتبار القصد في صدق المعاونة على ذلك البيع أيضا، لعدم الفرق، بل للأولويّة القطعيّة.

قوله: «إلّا أنه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم أنه سيهمّ بالمعصية».

[أقول:] تعجيز من يعلم أنه سيهمّ بالمعصية تارة برفع المعونات و المقدّمات الموجودة عنده و إتلاف الأسباب المملوكة له كإتلاف العنب و المال المملوك لمن يعلم أنه سيهمّ بتخميره أو تبذيره، و تارة بترك معاونته و عدم تمكينه و تمليكه أسباب المعصية غير الموجودة و غير المملوكة. و الذي لم يقم دليل على وجوب تعجيزه إنما هو القسم الأول، حيث إن العنب و المال المملوك لمن يعلم أنه سيخمّره و يبذّره و يفسده لم يدخل في المنكر بعد حتى يجب أخذه أو إتلافه أو‌

71

تحجيره من مالكه، و لا في المعاونة على الخمر (1) حتى يحرم فعله و يجب تركه، بل التعرّض له حينئذ من قبيل القصاص الممنوع قبل الجناية، و العقاب المرفوع قبل المعصية، لم يقم دليل على وجوبه إلّا على شريعة الخضر (عليه السلام) في قتل الغلام و خرق السفينة، و يحتمله بعض الأحكام الجارية في الرجعة على يدي الحجّة (عليه السلام).

و أمّا القسم الثاني من تعجيزه عن المعصية بعدم تمكينه من الأسباب غير الموجودة له، و ترك تمليكه العنب غير المملوك له، فالدليل على وجوبه و حرمة تركه كلّ من عموم أدلّة النهي عن المنكر و المعاونة على المحرّم (2)، و صدق موضوع معاونة الحرام و المنكر عرفا على ترك تعجيزه بهذا المعنى عن المعصية، من غير فرق في الصدق العرفي بين من همّ فعلا بالمعصية و بين من يعلم أنه سيهمّ بها بعد.

و توهّم اختصاص صدق المنكر و المعاونة عرفا على خصوص من همّ بها فعلا لا من سيهمّ بعدا، ممنوع بأنه لو كان كذلك لم تدل مناهي المنكر و معاونة الإثم على حرمة مقدّمة من مقدّمات المنكر و الحرام أصلا، و لم يبق للمعاونة المحرّمة مورد رأسا، لأن الإثم و المنكر قبل وجوده ليس بمحرّم فعلي حتى يحرم مقدّماته، و بعد وجوده لا مقدّمة له، فيلزم نفي المورد للحرمة، و هو باطل، فالملزوم مثله.

قوله: «و ما نحن فيه من هذا القبيل .. إلخ».

أقول: الذي من قبيل الوجوب الجمعي المشروط باجتماع آحاده- مثل وجوب حمل الثقيل على من يتحمّله من الجماعة، الساقط عن الواحد عند عدم‌

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الصحيح: المنكر.

(2) المائدة: 2، الوسائل 11: 393 ب «1» من أبواب الأمر و النهي.

72

اجتماع البقيّة معه في الحمل- إنما هو مثل وجوب انعقاد الجمعة على عدد الانعقاد، حيث لم يحصل الانعقاد الواجب بالأقلّ من عدد الانعقاد، و وجوب جهاد الكفّار على عدد الغلب، حيث لم يحصل الغرض الموجب منه بالأقلّ من عدد الغلب.

و أمّا نحن فيه من مثل تمليك العنب لعاصره خمرا فهو من قبيل الوجوب الآحادي تركه و الحرام الآحادي فعله، لا الجمعي كالجهاد و الجمعة، و ذلك لأن النهي عن المنكر لا ينحصر في خصوص ترك المنكر حتى يجب على خصوص من يحصل بنهيهم تركه مجتمعا من الجماعة، دون من لم يحصل بنهيه تركه منفردا من الآحاد، بل الواجب من نصوصه جميع مراتب النهي عن المنكر على وجه الترتيب و الأقرب فالأقرب إلى ترك المنكر، أعني: ترك المنكر رأسا ثمّ الأقرب فالأقرب إليه، من تقليله و تخفيفه، و وجوب المهاجرة من بلده، و وجوب هجر فاعله و تفضيحه و تشنيعه، و ترك المداهنة معه، و الجلوس على خوانه، و مجالسته و مرافقته، و اخوّته و مؤاخاته و محبّته، و الركون إليه، و الرضا ببقائه، و معاونته و مجاورته و إجابته و تأمينه و تصديقه، و التسليم عليه و جواب السلام عليه، و النظر إلى وجهه، و إعانته حتى في المباحات، بل و في الطاعات، مثل كراء الجمال له في الحج، إلى أن تنتهي مراتب النهي عن المنكر إلى الإعراض القلبي و التبرّي القلبي عنه، إلى غير ذلك ممّا يقصم الظهور من مراتب وجوب النهي عن المنكر الواجب على الآحاد فردا فردا، مع عدم حصول ترك المنكر بها التي عقد في كلّ من كتب الأصول- كالوسائل و غيره- لكلّ من مراتبه العديدة بابا مستقلّا من النصوص الأكيدة الشديدة: منها: باب وجوب هجر الفاسق، و هجر فاعل المنكر، و التوصّل إلى إزالته بكلّ وجه ممكن، و لو بتفضيحه و تشنيعه و هجره و الإعراض عنه و لو بالقلب، كقوله (عليه السلام): «لآخذنّ البري‌ء بذنب السقيم، و لأحملنّ ذنوب‌

73

سفهائكم على علمائكم» إلى أن قال (عليه السلام): «ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون، و ما يدخل علينا به الأذى، أن تأتوه فتؤنّبوه و تعذلوه و تقولوا له قولا بليغا؟! قلت: جعلت فداك إذا لا يقبلون منّا، قال: اهجروهم و اجتنبوا مجالستهم» (1). إلى غير ذلك.

قوله: «و أمّا ما تقدّم من الخبر في أتباع بني أميّة فالذمّ فيه إنما هو على إعانتهم بالأمور المذكورة في الرواية .. إلخ».

أقول: فيه أولا: ما عرفت من أن النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب (2) و السنّة (3)- الدالّة بعمومها على عموم النهي عن جميع معونات الحرام و المنكر، و مطلق مقدّماته و مراتبه و أنحائه و أقسامه- غير منحصرة في الرواية الخاصّة في مذمّة المعاونة لبني أميّة.

و ثانيا: أن الذمّ على المعونات المذكورة في الرواية لو لم يكن معلّلا بالعلّة المنصوصة العامّة- كمضمون قوله (عليه السلام): لو لا ما يتوصّل إلى ذي المقدّمات من المنكرات و المحرّمات- لما جاز التعدّي منها إلى سائر مقدّمات الحرام و المنكر، لما في التعدّي و الإلحاق من القياس الممنوع، خصوصا مع الفارق من حيث المقدّمة و ذي المقدّمة، و أمّا بعد استدلال الإمام (عليه السلام) بعموم تلك العلّة المنصوصة العامّة لحرمة مطلق ما يتوقّف و يترتّب و يلزم منه الحرام و المنكر فلا وجه لمنع التعدّي و الإلحاق، بدعوى الخصوصيّة و الفرق الملغى في نظر الشارع المستدلّ بعموم العلّة المنصوصة.

لا يقال: لا علّة منصوصة في الرواية حتى يؤخذ بعمومها.

____________

(1) الكافي 8: 158 و 162 ح 150 و 169، الوسائل 11: 414 و 415 ب «7» من أبواب الأمر و النهي 2 و 3.

(2) آل عمران: 104، الأعراف: 157، التوبة: 71.

(3) الوسائل 11: 403 ب «3» من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

74

لأنّا نقول: لا فرق في مفاد العلّية و عمومها عرفا بين قولك: لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو علّة حرمة الخمر الإسكار، و بين قولك: لو لا الإسكار ما حرم الخمر، في عموم علّة الحرمة لكلّ مسكر من خمر أو بنج أو غيره. و كذلك ما نحن فيه لا فرق في مفاد العلّية و عمومها بين ما لو قال: حرم إعانة بني أميّة لأنه يؤدي إلى سلب حقّنا أو أن علّة حرمة إعانتهم هو التأدية إلى سلب حقّنا، و بين قوله: لو لا إعانتهم ما سلب حقّنا، في عموم علّية جهة الإعانة و المقدّمية و السببيّة لكلّ ما يؤدّي إلى كلّ منكر و حرام من أيّ مقدّمة و سبب، من غير مدخليّة لشي‌ء من خصوصيّة سبب و لا مسبّب و لا مقدّمة و لا ذي مقدّمة في الحرمة، سوى جهة المقدّميّة و السببيّة و التوقّف و الترتّب المشترك بين جميع المقدّمات و ذي المقدّمات و الأسباب و المسبّبات.

قوله: «يسقط وجوب الجزء إذا علم بعدم تحقّق الكلّ في الخارج .. إلخ».

أقول: سقوط الجزء بعدم تحقّق الكلّ و الشرط بعدم تحقّق المشروط، و المقدّمة بعدم تحقّق ذي المقدّمة، كالعكس و هو عدم المشروط بعدم الشرط و الكلّ بعدم الجزء و ذي المقدّمة بعدم المقدّمة، إنما هو مقتضى القاعدة العقليّة الأوّليّة المورودة بعمومات قاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور» (1) و «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2)، بل و بخصوص نصوص (3) عمومات حرمة جميع مراتب المنكرات على وجه الترتيب المقرّر، من دفع أصل المنكر إلى أن ينتهي إلى أقلّ ما يمكن، من تفضيحه و تشنيعه و الإعراض عنه و عن مجلسه و بلده إلى غير ذلك، إلى أن ينتهي إلى الإعراض القلبي. و حينئذ فلا يسقط الكلّ بسقوط جزء منه، و لا المشروط بسقوط شرطه، بل الميسور الباقي من مراتبه العديدة لا‌

____________

(1) عوالي اللئالي 4: 58 ح 205.

(2) عوالي اللئالي 4: 58 ح 207.

(3) الوسائل 11: 403 ب «3» من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

75

يسقط بسقوط المعسور، و يتعدّد المطلق بتعدّد تلك المراتب.

[القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا]

قوله: «و تحريم هذا مقصور عن النصّ، إذ لا يدخل ذلك تحت الإعانة».

أقول: و فيه ما عرفت من منع كلّ من العلّة و المعلول.

أمّا منع العلّة فلأنه و إن لم يدخل تحت الإعانة من جهة فرض عدم القصد و عدم العلم بترتّب الحرام عليه، إلّا أنه يكفي في الدخول تحتها بانحصار فائدة بيع السلاح لأعداء الدين حال الحرب في الإعانة عليه، كما اعتبره سابقا في الصدق العرفي، و اشتراطه آنفا بقوله: «بحيث يصدق حصول التقوّي لهم بالبيع».

و أمّا منع المعلول فلعدم انحصار حرمته على وجه القاعدة الكلّية في الدخول تحت الإعانة، بل يكفي الدخول فيما لا يتمّ المنكر إلّا به، حسب ما ذكره هو.

قوله: «شبه الاجتهاد في مقابل النصّ، مع ضعف دليله».

أقول: أمّا وجه كونه شبه اجتهاد لا اجتهادا في مقابل النصّ، فلأنه بالنظر إلى استناد حكمه إلى عموم حرمة المعاونة المقابل للنصّ (1) الخاص بالجواز يكون اجتهادا في مقابل النصّ، و بالنظر إلى عدم استناد حكمه إلى صرف قاعدة مقدّمة الحرام حرام، بل إلى عموم النصّ بحرمته، لا يكون اجتهادا في مقابل النصّ.

و أمّا ضعف دليله- و هو عموم حرمة المعاونة- فمبنيّ على عدم صدق المعاونة على ما لم يعلم و لم يقصد منه الحرام. و لكن قد عرفت ضعف هذا المبنى حتى على مبناه.

قوله: «بحيث يصدق حصول التقوّي لهم بالبيع».

[أقول:] لا يقال: مع فرض عدم العلم و عدم قصد التقوّي بالبيع كيف يصدق‌

____________

(1) الوسائل 12: 69 ب «8» من أبواب ما يكتسب به.

76

التقوّي به؟ و يشترط اعتباره في الحرمة.

لأنّا نقول: فرض عدم العلم و القصد في البيع لا ينافي صدق التقوّي و الإعانة عرفا. أمّا على ما اخترناه فلعدم توقّف الصدق الاسمي على العلم و القصد. و أمّا على مختار المصنف فلانحصار فائدة بيع السلاح على المحارب حال الحرب في التقوّي به.

و كيف كان فاشتراط صدق التقوّي بالبيع المذكور في الحكم بحرمته ينافي قوله: «و حينئذ فالحكم مخالف للأصول، صير إليه للأخبار المذكورة». و ذلك لأنه إن كان المراد بالأصول أصل البراءة و الحلّ و «الناس مسلّطون» فالحكم بحرمة البيع المذكور و إن كان مخالفا لها إلّا أنه غير مشروط بصدق التقوّي به عرفا. و إن كان المراد من الأصول عموم قاعدة حرمة التقوّي و التعاون على الإثم فالحكم بهذه الحرمة و إن كان مشروطا بصدق موضوع التقوّي و التعاون إلّا أنه غير مخالف للأصول حتى يصار إليه للأخبار، و يقتصر في مخالفتها الأصل على المتيقّن من بيع خصوص السلاح، دون سائر أسباب التقوّي و التعاون.

قوله: «و فيه تأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى دعوى انصراف الحقّ و الباطل إلى الديني، أي: إلى الكفر و الإسلام لا الصلاح و الفساد.

و فيه أولا: منع الانصراف، لعدم الصارف.

و ثانيا: لو سلّمنا، لكن المنع لا ينحصر في تقوّي الباطل، بل تقوّي الفساد، و المعاونة على الإثم أيضا منصوص المنع في مناهي الكتاب (1) و السنّة، خصوصا في رواية تحف العقول (2).

____________

(1) المائدة: 2.

(2) تحف العقول: 331.

77

[النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء]

قوله: «و فيه تأمّل، لأن منافع كثير من الأشياء التي ذكروها في المقام يقابل عرفا بمال و لو قليلا، بحيث لا يكون بذل مقدار قليل من المال بإزائه سفها .. إلخ».

أقول: و في وجه التأمّل الموجّه بهذا الوجه نظر.

أمّا أولا: فمن جهة أن الباطل من قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* (1) هو خلاف الصحيح، أي: ما لا أثر و لا ثمر له، لا خصوص ما يعدّ سفها، و لعلّه أعمّ من السفه.

و ثانيا: لو سلّمنا كون الباطل ما يعدّ سفها، لكن تقييد مالا يعدّ سفها ببذل مال قليل في إزائه دون الكثير ممنوع، لأن ما لا يسفّه على بذل قليله لا يسفّه على كثيره من جهة أصل المعاملة، و لو سفّه بذل الكثير فليس من حيث أصل المعاملة الذي هو محطّ النظر، بل من حيث وصف الباذل بالسفه، و هو مانع عرضي خارجي، خارج عن محطّ النظر. فالبذل المانع من صحّة أصل المعاملة الذي هو محطّ النظر لا يفرّق بين قليله و كثيرة، فإذا لم يسفّه على قليله و يسفّه على كثيره. و البذل المختلف بين قليله و كثيره- بحيث لا يسفّه على قليله و يسفّه على كثيره- غير مانع من صحّة أصل المعاملة، و خارج عن محطّ النظر.

و ثالثا: سلّمنا كون الباطل ما يعدّ سفها، لكن يحتمل أن يكون السفه منوطا بنظر الشرع، أو نظر من يكشف عنه، كالعقل السليم أو إجماع العلماء أو العقلاء المعصوم من الخطأ، لا مطلق العرف و العقلاء ممّن لا يعصم عن الخطأ.

و يشهد على ذلك وجوه:

منها: أن وظيفة العقل و العقلاء على تقدير اعتباره هو تشخيص الأحكام،

____________

(1) النساء: 29.

78

و أمّا تشخيص موضوع السفه فمرجعه إلى العرف الخاص الشرعي، فإن لم يكن فإلى العام لا العقلاء.

و منها: أن المرجع فيما هو من هذا السنخ من الموضوعات الكلّية المستنبطة المرتّب عليها الأحكام الشرعيّة، من الصفات النفسيّة كالتميّز و العقل و الصبا و البلوغ و العلم و المعرفة و الرشد و السفه و العدالة و التقوى و العصمة و الكفر و الإسلام و الإيمان و نحوها، إنما هو إلى نظر الشرع لا مطلق العرف و العقلاء، فليكن المرجع في أكل المال بالباطل و السفه كذلك.

و منها: أن السفه المانع من صحّة العقد الذي هو من صفات العاقد المقابل للرشد المعتبر في صحّة العقود، اختلف الفقهاء في أنه هل [هو] ملكة العدالة الشرعيّة في جميع الأمور، أو في خصوص التصرّفات الماليّة بحيث له قوّة الاعتدال في حفظ المال من السرف و الإفساد و التبذير و التقتير، أو مطلق قوّة حفظ المال من الإتلاف، لقوله (عليه السلام) في تفسير الرشد: «أن لا يشتري الدرهم بدرهمين» (1)؟ فإذا كان المرجع في هذا السفه الذي هو من صفات العاقد إلى الشرع، فليكن السفه الذي هو من صفات العقد و أصل المعاملة كذلك.

و منها: الاستقراء في غالب ما لا يعدّه العقلاء سفها، خصوصا في أعصارنا، و هو في نظر الشرع من أسفه السفهاء، كبيع الخمر و جلود الميتة و المسكرات، و آلات الملاهي و القمار و الملاعب، و الغناء و الدفوف و الطبول، و الشعبذة، و كتب الضلال، و أشعار الجاهليّة و اللغويّة و الملهية، كالحافظ و اليغما و التأني (2)، و القهوة و الغرشة و الترياك و التنباك و الچائي و الوافور، ممّا يوجب‌

____________

(1) الوسائل 13: 430 ب «44» في أحكام الوصايا ح 8، «و فيه: الذي يشتري الدرهم بأضعافه».

(2) كذا في النسخة الخطّية.

79

النقص و الفتور و الإسراف و التبذير، ممّا لا يعدّونه سفها، و الحال أن شاهد حال الأنبياء و الأوصياء و سنّتهم و سيرتهم قولا و فعلا على تسفيه ما هو من هذا القبيل و ما دونه بمراتب، كأكلك التمر و لفظك النواة و شربك الماء و إراقة فاضله، حيث نصّ الشرع بكونه من السرف المبغوض (1)، مع أن العرف و العقلاء لا يعدّون من السرف ما هو فوقه بأضعاف مضاعفة.

و هكذا أكل التمر مع السمن كلّ يوم (2)، و تصدّق المحتاج لعياله بدرهم على غيرهم (3)، حيث نصّ الشارع بكونه من السرف.

و هكذا الأكل على الشبع (4)، و فيما بين البكرة و العشيّ (5)، حيث علّل النهي عنه بكونه إفسادا للبدن، مع بناء الأطبّاء بل عقلاء الزمان على العكس.

و هكذا نهي الشارع عن السرف في ماء الوضوء بأكثر من مدّ و الغسل بأكثر من صاع (6)، مع تنصيصه بأن الواجد قدر ما يتوضّأ به بمائة و ألف أو مائة ألف درهم يتوضّأ بذلك المبلغ و لا يتيمّم (7)، مع تسفيه العقلاء شراء ما يتوضّأ به بهذا المبلغ الكذاف (8)، و عدّه من الغرر و الإسراف.

و هكذا أمره بلباس التقوى (9) و التواضع (10)، و لبس الخشن و الغليظ و الصفيق، و تقصير الثوب و رقعه و خصف النعل (11)، و نهيه عن لباس‌

____________

(1) الخصال 1: 10 و 93 ح 36 و 37.

(2) لم نعثر عليه في مظانه.

(3) الخصال 1: 10 و 93 ح 36 و 37.

(4) الوسائل 3: 574 ب «2» من أبواب أحكام المساكن ح 2.

(5) لم نعثر عليه في مظانه.

(6) لم نعثر عليه في مظانه.

(7) الوسائل 2: 997 ب «26» من أبواب التيمم.

(8) كلمة فارسيّة، و تكتب في اللغة الفارسيّة: گزاف، و معناها: الغالي و النفيس.

(9) الوسائل 1: 371 ب «13» من أبواب آداب الحمام.

(10) الوسائل 11: 215 ب «28» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه.

(11) الوسائل 3: 375 ب «29» من أبواب أحكام الملابس.

80

الشهرة (1) و الرقيق و الليّن (2) و ملابس العجم و مطاعمهم (3)، مع الأمر بإجادة الأكفان و المغالاة في أثمانها بما بلغ ثمن برد واحد أربعين أو أربعمائة دينار (4)، مع قصور فهم العقلاء عن إدراك الحكم المكمونة لاختلاف الحكم و توفيق الجمع بينها بأشدّ قصور و أعظم فتور.

قوله: «و لا مانع من التزام جواز بيع كلّ ماله نفع .. إلخ».

[أقول:] لا يقال: كفى بأصالة الفساد و استصحاب عدم النقل و الانتقال مانعا منه.

لأنّا نقول: الأصل العمليّ المذكور لا يقاوم الأصل اللفظيّ، و هو عموم:

وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (5). و لو شكّ في صدق البيع على ما يشكّ في صدق الماليّة عليه فعموم تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (6)، إلّا أن يستظهر بمانعيّة عموم لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* (7)، بناء على عموم الباطل لمثله.

قوله: «لا من حيث عدم المنفعة المتعارفة. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن المنع عن بيع النجس لو كان لتعبّد النجاسة لا من حيث عدم المنفعة لما ورد النصّ باستثناء ما فيه منفعة، من بيع المملوك (8) الكافر، و كلب الصيد و الحائط و الماشية (9)، و الزيت النجس للاستصباح (10)،

____________

(1) الوسائل 3: 358 ب «17» من أبواب أحكام الملابس ح 5.

(2) الوسائل 3: 364 ب «21» من أبواب أحكام الملابس.

(3) الوسائل 16: 508 ب «80» ب استحباب التواضع ح 1.

(4) الوسائل 2: 749 ب «18» من أبواب التكفين.

(5) البقرة: 275.

(6) النساء: 29.

(7) البقرة: 188.

(8) الوسائل 13: 86 ب «16» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(9) الوسائل 12: 82 ب «14» من أبواب ما يكتسب به.

(10) الوسائل 12: 66 ب «6» من أبواب ما يكتسب به.

81

و شحم الميتة للصابون (1) و نحوه.

قوله: «الإشكال في تعيين المنفعة النادرة و تميّزها عن غيرها، فالواجب الرجوع في مقام الشكّ إلى أدلّة التجارة و نحوها».

أقول: فيه أولا: أن الموضوع المستنبط في نصوص المقام لحكم الحلّ و الحرام إنما هو ما فيه الصلاح و الفساد، لا المنفعة و عدم المنفعة. و لعلّ بينهما فرقا، من حيث إن الصلاح و الفساد عبارة عن العلل و الحكم المكمونة الواقعيّة للحكيم المطلق في أحكامه، ليكون المرجع في تميّز المشكوك منه إليه لا إلى غيره.

و ثانيا: سلّمنا، لكن إلغاء الشارع لبعض المنافع لعلّه ليس من جهة ندورها و تنزيلها منزلة العدم، بل من جهة عدم كونها منافع في نظر الحكيم و الصواب، و العقل السليم من اولي الألباب، و كون المتّبع في تشخيص المنافع إنما هو نظر ربّ الأرباب، و أن ما يزعمه غيره من الأطبّاء من بعض المنافع فيها فهو خطأ زعميّ، كما يرشد إليه تفسير الإمام (عليه السلام) لقوله تعالى «قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ» (2) بالنفع الزعمي، تسمية للشي‌ء باسم ضدّه، مماشاة من الكرام مع الخصوم اللئام، و بلاغة في الكلام، و تمهيدا للإلزام و الإفحام، كتسمية الخليل كلّا من الشمس و القمر و الكوكب هٰذٰا رَبِّي* (3) تمهيدا لإبطاله، و قوله (عليه السلام): «ما جعل اللّٰه في شي‌ء من الحرام شفاء» (4).

و ثالثا: سلّمنا، لكن ندور المنفعة على تقديره إنما هو صارف المطلقات، لا عمومات قوله (عليه السلام): «و كلّ شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك‌

____________

(1) مستدرك الوسائل 13: 73 ب «6» من أبواب ما يكتسب به ح 7.

(2) مستدرك الوسائل 17: 83 ب «27» من أبواب الأشربة المحرّمة ح 2.

(3) الأنعام: 76، 77، 78.

(4) الوسائل 17: 77 ب «50» من أبواب الأطعمة المباحة ح 4، و فيه: من المرّ شفاء.

82

كلّه حلال بيعه و شراؤه .. إلخ» (1).

و رابعا: سلّمنا، لكن المرجع في الندور المشكوك صارفيّته إنما هو إلى أصالة إطلاق المطلق و عدم صارفيّة مشكوك الصارفيّة له، لا إلى الإطلاقات الخارجيّة من أدلّة التجارة.

و خامسا: سلّمنا مرجعيّة الخارج لا الداخل، لكن الرجوع في مشكوك الصارفيّة إلى ما ذكره المصنف من أدلّة التجارة ليس بأولى من الرجوع إلى عموم:

لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* (2).

قوله: «و الفرق أن الأول لا يملك .. إلخ».

أقول: تفصيل الفرق بين الأقسام و الأحكام في الملك و المال هو أن يقال:

إن الشي‌ء إمّا ملك و مال كالدراهم و الدنانير، أو ليس بملك و لا مال كالحشرات، أو ملك لا يتموّل كالحبّة من حنطة، أو بالعكس مال لا يتملّك، كالمساجد و القناطر و الأوقاف العامّة و المشارع و الشوارع.

أمّا الذي يملك و يتموّل- كالماء و النار و الكلإ- فلا إشكال في ثبوت أحكام اليد الملكيّة عليها من التملّك و التمليك و الضمان. كما لا إشكال في عدم ترتّب شي‌ء من أحكام اليد الملكيّة على ما لا يملك و لا يتموّل، كالحشرات و الفضلات، لعدم الملكيّة، بل و لا اليد الأولويّة و لا حقّ الاختصاص، لعدم الماليّة و العلاقة الشرعيّة.

و أمّا قول المصنف: «منع حقّ الاختصاص فيه مشكل، مع عموم قوله (صلى اللّٰه عليه و آله):

«من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من المسلمين فهو أحقّ به (3)، مع عدم أخذه قهرا ظلما عرفا».

____________

(1) الوسائل 12: 54 ب «2» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(2) البقرة: 188.

(3) سنن البيهقي 6: 142، و فيه اختلاف يسير.

83

ففيه: منع عموم الموصول إلّا لما يملك أو يتموّل، كالسبق إلى السوق و المسجد أو إحياء أرض أو حيازة ماء أو كلإ، و لو بقرينة سائر النصوص المصرّحة بذلك، أو ظهور السبق و الاستباق في مثلها لا غير، و منع عدّ أخذ مثل الذباب و القمّل و البرغوث من أحد قهرا ظلما، لأنه فرع ثبوت حقّ الاختصاص الشرعي، و الأصل عدمه.

نعم، لو استدلّ عليه بمثل قوله (عليه السلام) في نهج البلاغة: «و لو ملئت لي الدنيا ذهبا على أن أظلم نملة في قشر شعيرة ما فعلت» (1) لكان أوضح.

و لكن مع ذلك في دلالته على المدّعي تأمّل، من جهة أن ثبوت حقّ اختصاص النملة في قشر الشعيرة لا يستلزم حقّ اختصاص الإنسان على النملة الذي هو المطلوب. و من جهة كونه في مقام بيان مراتب كمال الزهد و التقوى المستحبّ لا الواجب، مثل قوله (عليه السلام): «و لو أن قطرة خمر وقعت في بحر ثم جفّ البحر ثم نبت عليها نبات ثمّ أكل منها شاة ثم اشتبه الشاة في قطيعة ما أكلت من تلك القطيعة» (2).

و أمّا الذي يتموّل و لا يملك- كالمساجد و القناطر و الشوارح و المشارع و الكتب الموقوفة- فلا إشكال في ثبوت حقّ الاختصاص للسابق إليها، و لا في حرمة المزاحمة و المدافعة لحقّه، لعموم: «من سبق إلى شي‌ء فهو أحقّ به» (3).

و يتفرّع على حرمته بطلان صلاة المزاحم لحقّ الاختصاص كالغاصب، على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي في مكان واحد. بل و لا في ضمان المزاحم و المدافع لحقّ الاختصاص بالمثل و القيمة لذي الحقّ كالغاصب، لعموم:

____________

(1) نهج البلاغة: 247 رقم الخطبة 224، لم نجده بهذا المعنى و وجدنا فيه: «و اللّٰه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّٰه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته».

(2) لم نعثر عليه، و وجدنا نظيره في تفسير الكشاف 1: 260.

(3) الوسائل 3: 542 ب «6» من أبواب أحكام المساجد ح 1، و فيه: موضع بدل شي‌ء.

84

«على اليد ما أخذت» (1). إلّا إذا كان المزاحم شريكا للمزاحم بالأصالة لو لا حقّ الأسبقيّة، كما لو سبق إلى المشارع و الشوارع و الموقوفات العامّة المشتركة بين المزاحم و المزاحم بالأصالة، فإنه يحرم مزاحمة السابق إليهما، لعموم حقّ الأسبقيّة، إلّا أنه لا يضمن المزاحم للمزاحم مقدار المزاحمة، لحقّ الشركة بينهما، و عدم صدق «على اليد ما أخذت» على اليد المشاركة في المأخوذ. نعم، لو لم يكن شريكا- كما لو أتلف الوقوف على الموقوف عليهم- فإنه يضمن لهم المثل و القيمة، لعموم: «على اليد ما أخذت» (2).

و أمّا الذي يملك و لا يتموّل- كحبّة من حنطة، أو مسّ يد الغير أو ثوبه أو حائطه- فلا إشكال في حرمة المزاحمة لمالكه من غير إذنه، لكونه غصبا عدوانا، و ظلما منهيّا عنه بقوله تعالى: «و عزّتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم و لو مسحا بكفّ و لو كفّ بكفّ» (3) وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (4). و لأن حرمة الكثير المتموّل منه تقتضي حرمة القليل غير المتموّل منه بالاستصحاب.

إنما الخلاف في ضمانه على الغاصب و المتلف له مطلقا، أو عدمه مطلقا كما عن التذكرة (5)، أو التفصيل بين ضمان المثليّ منه و عدم ضمان غير المثليّ منه، وجوه بل أقوال أقواها الضمان مطلقا، و أضعفها العدم مطلقا، و أوسطها التفصيل.

أمّا وجه أقوائيّة الضمان مطلقا فلعموم قاعدة: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (6) خرج منه ما لا يملك، و بقي ما يملك مطلقا و لو كان غير مثليّ.

____________

(1) سنن البيهقي 6: 95.

(2) سنن البيهقي 6: 95.

(3) البحار 6: 30 ضمن ح 35.

(4) الزلزلة: 8.

(5) التذكرة 1: 465.

(6) سنن البيهقي 6: 95.

85

فإن قلت: ضمان المثليّ منه بالمثل ممكن التأدية، و لكن تضمين غير المثليّ منه بالمثل غير مماثل، و بالقيمة غير متقوّم و لا متموّل بالفرض، فالتكليف بتضمين غير المثليّ يستلزم التكليف بما لا يطاق المستحيل على مذهب العدليّة، فيسقط التضمين، و يخرج عن عموم: «على اليد ما أخذت».

قلت: أولا نمنع الملازمة نقضا: بما لو عرض تعسّر المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ على الضامن، و بما لو علم أصل الدين و جهل قدره أو وصفه أو هما، بل و لو جهل مع ذلك صاحبه، فبما يتخلّص به عن الضمان ثمّة يتخلّص به هنا.

و حلّا: بأنه كما «لا يسقط الميسور بالمعسور» (1) كذلك لا يسقط المقدور بالمعذور، بل يتخلّص عن ضمانه بكلّ ما تيسّر و قدر عليه و لو بصلح و نحوه، إذ كما أن العقل مستقلّ في الحكم بضمان نفس العين و وجوب ردّ العين ما دامت باقية، و بالأقرب فالأقرب إليها إذا انتفت و تعذّرت، و هو المثل في المثليّ أو القيمة في القيميّ، كذلك يحكم بالأقرب فالأقرب من أبداله الميسورة و أجزائه الباقية إذا انتفى الأصل و تعذّر المثل و الكلّ، فلا يسقط المضمون به رأسا بتعذّر أصله أو وصفه أو قدره أو جزئه أو أحد إبداله.

و ثانيا: سلّمنا الملازمة، لكن نمنع بطلان اللازم، و هو قبح التكليف بما لا يطاق إذا كان بسوء اختياره، كالمتوسّط بسوء الاختيار في الأرض المغصوبة.

و ما نحن فيه كذلك، فإن المتعرّض بسوء اختياره لغصب غير المثليّ غير المتموّل لم يقبح عقلا تضمينه بالمثل بل و بالقيمة، فضلا عن تضمينه بالقدر الميسور من غيره.

و ممّا ذكرنا يظهر وجه القول بالتفصيل و ضعفه، فضلا عن القول بعدم‌

____________

(1) عوالي اللئالي 4: 58 ح 205.

86

الضمان و سقوطه رأسا.

[النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه]

[المسألة الأولى تدليس الماشطة حرام]

قوله: «و في عدّ و شم الخدود من جملة التدليس تأمّل .. إلخ».

أقول: في كلّ من وجه التأمّل و توجيه رفعه نظر. أمّا وجه التأمّل في عدّ الوشم من التدليس بقوله: «لأن الوشم في نفسه زينة» فلإمكان منع كون الوشم كالاكتحال و التنظيف و لبس الحليّ و الجديد و الخاتم و نحوها ممّا هو زينة في نفسه، لا لأجل اشتباه خلاف الواقع بالواقع و تدليس العرض بالأصل و الكذب بالصدق و العرضيّ بالخلقيّ، بل إنما هو كسائر أفراد التمشيط من التحمير و التبييض و التدهين و نحوها ممّا من شأنه أن يحدث الزينة، لأجل اشتباه العرضيّة بالخلقيّة و تدليس الوصف الظاهر بالواقع، حتى إن الاكتحال في العين الزرقاء تدليس و في السوداء زينة نفسيّة. و المدار و العبرة في حكم التدليس و إن كان على التلبّس الفعليّ، إلّا أن المدار في عدّ الشي‌ء من أسباب التدليس و أمثلته إنما هو على إمكان التدليس به و شأنيّته للتدليس، و إلّا لعمّ التأمّل في جميع أمثلة التدليس و أسبابه، حتى التحمير و وصل الشعر حيث لا يلتبس الصفة العرضيّة بالخلقيّة.

قوله: «فإن ذلك».

[أقول:] يعني: التفصيل بين الوصل بشعر الإنسان فيعدّ تدليسا و شعر الحيوان فلا يعدّ تدليسا لا مدخل له في التدليس، لأن وصل الشعر بالشعر إن كان تدليسا لم يفترق فيه بين الوصلين، و إن لم يكن تدليسا فكذلك.

قوله: «إلّا أن يوجّه الأول بأنه قد يكون الغرض من الوشم أن يحدث في البدن نقطة خضراء حتى يتراءى بياض سائر البدن و صفاؤه أكثر .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن سببيّة الوشم لأكثريّة بياض البدن إنما هو توجيه كونه زينة لا تدليسا، إذ ما من زينة نفسيّة إلّا و يحدث في محلّها صفة زائدة، حتى‌

87

التنظيف و الغسل و لبس الحليّ و الجديد. فالتوجيه بإحداث الوشم أكثريّة بياض البدن توجيه عدم كونه تدليسا، و أمّا توجيه كونه تدليسا فإنما هو بإحداث التباس الوشم العرضيّ بالخلقيّ، لا بأكثريّة ظهور البياض به، فإن إحداث أكثريّة الوصف إنما هو في كلّ زينة نفسيّة، و لولاه لم يكن زينة نفسيّة، بل عمّ التدليس لجميع المزيّنات النفسيّة بأسرها حتى التنظيف و التكشيف.

و ثانيا: سلّمنا، لكن توجيه تدليس الوشم بكون الغرض منه إحداث أكثريّة بياض البدن مبنيّ على ما تقدّم من اعتبار قصد الحرام في مقدّماته و أسبابه، و قد عرفت منعه بأبلغ وجه.

و ثالثا: لو صحّ توجيه تدليس الوشم بكون الغرض منه التدليس لصحّ ذلك لتوجيه التدليس في جميع المزيّنات النفسيّة بأسرها، حتى التنظيف و لبس الحلّي و الجديد بمجرّد قصد التدليس.

قوله: «و لعلّه أولى من تخصيص عموم الرخصة بهذه الأمور».

أقول: وجه أولويّة حمل المناهي على الكراهة من تخصيص عموم الرخصة أن التخصيص كلّية و إن كان في نفسه أرجح المجازات طرّا، إلّا أنه في خصوص تخصيص عموم الرخصة بما عدا الواصلة من سائر الفقرات ينافي ظهور اتّحاد سياق سائر الفقرات للواصلة الصريحة في الرخصة.

هذا، و لكن لا يخفى أن خبر (1) الرخصة خاصّ بزينة الزوجة لزوجها، فيخصّص بها عموم (2) حرمة النبويّ المذكور بالزينة لغيره، من لزوم تدليس أو إيذاء لا مصلحة فيه أولا زينة يعتريه، بل يوجب قبح المنظر، كأغلب أقسام الوشم المتداول في الأعراب و أهل البوادي، و ثقب الأنوف، خصوصا بين‌

____________

(1) الوسائل 12: 94 ب «19» من أبواب ما يكتسب به ح 3.

(2) الوسائل 14: 114 ب «8» من أبواب مقدمات النكاح ح 6.

88

المنخرين، مضافا إلى النهي (1) عن خزم (2) الأنوف، و أنه من دأب الجاهليّة نسخها الإسلام.

و الحاصل: أن تخصيص عموم حرمة الفقرات الأربع في النبويّ المذكور بصورة التدليس أو الإيذاء لغير مصلحة مسوّغة شرعا- كما يشهد عليه عموم خبر الرخصة- أولى من حمله على الكراهة، و إن كان حمله على الكراهة أولى من إبقائه على عموم الحرمة و تخصيصه بغير الواصلة، [كما] قاله المصنف.

قوله: «إن التدليس بما ذكرنا إنما يحصل بمجرّد رغبة الخاطب».

أقول: لو كان التدليس يحصل بمجرّد الترغيب بالأمر الواقعي لكان جميع المرغبّات و إظهار المزيّنات و المحسّنات بأسرها من التدليس المحرّم، حتى التنظيف و غسل الوجه و كشف للخاطب و المشتري (3) تدليس محرّم. و هو ممنوع جدّا. بل لزم انحصار الاجتناب عن التدليس في إخفاء المحاسن و استتارها عن الناظر الخاطب و المشتري بالستر و الاحتجاب، و هو مع القطع ببطلانه أقوى و أشدّ تدليسا. بل و لزم عدم جواز النظر إلى محاسن من يريد تزويجها أو شراءها من النساء و الإماء، و من الإجماع و الضرورة جوازه، و جواز تمكين الناظر منه.

لا يقال: لو لم يحصل التدليس بمجرّد مزيّة الرغبة لوجب النظر دفعا للتدليس و الغرر عن الخاطب و المشتري.

لأنّا نقول: عدم وجوبه ليس من جهة تفاوت الرغبة به، بل من جهة عدم تفاوت المقصود الأصلي من الزوجيّة و هو البضع، و من الجارية و هو الاستخدام به. و لهذا لا يعدّ انتفاء البكارة عيبا من العيوب الموجبة لخيار الفسخ، مع أنها من‌

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانه.

(2) كلّ شي‌ء ثقبته فقد خزمته، انظر لسان العرب 12: 174.

(3) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّ الرفع باعتباره خبرا ل‍ «انّ» المقدّرة بعد «حتى»، و فرض «من التدليس» خبرا ل‍ «لكان» في أول الكلام.

89

أعظم المرغوبات و مزيد الرغبات شرعا و عرفا، فضلا عمّا دونها من المرغوبات.

قوله: «و إمّا لأن المشارطة في مثل هذه الأمور لا يليق بشأن كثير».

أقول: يحتمل ثالثا: أن تكون كراهة المشارطة على المشّاطة من جهة كراهتها النفسيّة، فتكره المشارطة عليها بالتبعيّة.

و رابعا: من جهة مرغوبيّتها النفسيّة على وجه ينافيها الشرطيّة.

و خامسا: لعلّ الحكمة في كراهة المشارطة كونها من الأعمال اليسيرة السهلة التي ينبغي عدّها من التحيّات و التأليفات، المنافية للاشتراطات أو للأخوّة و المروّات، أو يوجب القساوة و التنفّرات.

[المسألة الثانية تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير و الذهب حرام]

قوله: «المسألة الثانية: تزيين الرجل بما يحرم عليه .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أن اتّفاق النصوص و الفتاوى إنما هو على عموم النهي، و تحريم لبس الحرير و التختّم بالذهب على الرجال دون النساء و لو لغير التزيين، فتخصيص الحرمة و التشبّه بخصوص التزيين تخصيص بلا مخصّص.

و ثانيا: أن مقتضى البلاغة و البراعة و المناسبة هو التطبيق و المطابقة بين الأجوبة و الأسئلة، و الدليل و المسألة، و العنوان و البرهان، كما لا يخفى على من له براعة الاستهلال و البلاغة في مقتضى الحال.

قوله: «لا مجرّد لبس أحدهما لباس الآخر مع عدم قصد التشبّه».

أقول: بل الأظهر من التشبّه و التأنّث عموم تشبّه أحدهما بالآخر، سواء كان في خصوص التزيين أم في غيره، و سواء كان في خصوص الأفعال الخاصّة كملوطيّة الرجل و مساحقة المرأة، أو مجرّد الشكل و الصورة كحلق اللحى للرجل و الرأس للمرأة، أو في محض الكيفيّة و السيرة كتكشّف المرأة و تستّر الرجل، أو في محض اللباس و الحلية كلبس الرجل القناع و المرأة المنطقة، أو في محض التكلّم و اللهجة، أو في الكنية و التسمية كمخاطبة الرجل نفسه بخطاب المرأة‌

90

و بالعكس، أو تسمية الرجل باسم المرأة أو كنيتها و بالعكس، أو في محض المحبّة و الرغبة لكلّ منهما في عمل الآخر، من غير اعتبار التزيّن و لا التوصّل و لا القصد و لا العلم في موضوعه و لا في حكمه، سوى ما يقتضيه حديث الرفع امتنانا.

و الدليل على التعميم المذكور من حيث الموضوع و الحكم وجوه:

منها: كون اللبس و التشبّه و التأنّث كسائر الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعيّة، الأعمّ من المقصود منه ترتّب الحرام و عدمه، و من المعلومة و عدمها، فلا مدخليّة لوصف التزيّن و لا للقصد و لا للعلم في صدق موضوعها عرفا و لا شرعا، و لا في انسحاب الحرمة إليها.

و منها: أن قوله (عليه السلام): «و نهى المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها» (1) يدلّ بالفحوى و الأولويّة القطعيّة على حرمة التشبّه بهم فيما هو أشبه من اللباس، كالتشبّه بهم في الصورة أو السيرة، و بالإطلاق و مفهوم الموافقة أو بتنقيح المناط أو الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل فيما يساوي التشبّه في اللبس، كالتشبّه في اللهجة و التسمية، أو فيما دونه كالتشبّه في الميل و الرغبة.

و منها: الاستقراء في الموضوعات العرفيّة و الشرعيّة المحرّمة، حيث لم يعثر المتتبّع فيها على ما يعتبر القصد أو العلم في شي‌ء منها على وجه الموضوعيّة، سوى ما كان من الأفعال المشتركة التي لا تتميّز إلّا بالقصد ممّا هو خارج عن محلّ الكلام، كالعقود التابعة للقصود. و أمّا قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر» (2) فإنما هو على وجه الطريقيّة و الامتنان بحديث الرفع. و أمّا قوله: «لا عمل إلا بالنيّة» (3) فالمراد بها القربة الخاصّة بالعبادة.

____________

(1) الوسائل 3: 355 ب «13» من أبواب أحكام الملابس ح 2.

(2) الوسائل 2: 1054 ب «37» من أبواب النجاسات ح 4، و فيه: نظيف بدل طاهر.

(3) الوسائل 1: 33 ب «5» من أبواب مقدّمة العبادات.

91

و منها: أن إناطة الشارع الحكيم حكم المحرّمات و المنهيّات بقصد الحرام دون غير القصد و قصد الغير ينافي الحكمة المحكمة و العلّة المنصوصة لكلّ منها بغير القصد، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، و الدم بالقساوة، و الميتة بالنجاسة، و الخنزير بالخباثة، و البول بالقذارة، و الطين بالمضرّة، و الإسراف و التبذير و القمار و الربا بالمفسدة، إلى غير ذلك من علل الشرائع و حكم المناهي و الموانع الآبية من التخصيص بالقصد و نحوه.

و منها: أنه لو اعتبر القصد فيها لزم خروج جميع المحرّمات عن الحرمة النفسيّة إلى الحرمة الغيريّة المقيّدة بصورة انضمام القصد الحرام لا غير، فيحلّ جميع المحرّمات النفسيّة- حتى الخمر و الزنا- بعدم قصد العنوان أو قصد العدم.

و منها: أنه لو كان القصد أو العلم شرطا أو شطرا في صدق موضوع المحرّمات لم يكن في رفعها عن الجاهل و المخطئ بحديث الرفع (1) امتنان، بل و لا صدق رفع، لارتفاع كلّ مشروط بارتفاع شرطه في نفسه لا برفع رافع، بل يكون رفع المرتفع في نفسه من تحصيل الحاصل المحال.

قوله: «بأن الظاهر من التشبّه صورة علم المتشبّه».

أقول: بل الأظهر ما عرفت من عموم الوضع و اللفظ، و عدم مدخليّة العلم و الجهل في موضوعه و لا في حكمه. مضافا إلى أن العلم الإجمالي منجّز للتكليف، و ليس بجهل و لا في حكم الجهل عقلا و لا شرعا، و إلّا لجاز ارتكاب كلّ من أطراف الشبهة المحصورة بالتدريج. بل جاز ما أورد عليه الفصول (2) من أن يتعمّد العامد بإخفاء درهمه أو ديناره في دراهم الغير فيتناول كلّا منها متدرّجا معتذرا بجهله الحرام، و كذلك يخفى حليلته في الأجنبيّات و يطأ كلّا منها معتذرا‌

____________

(1) الوسائل 11: 295 ب «56» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه.

(2) الفصول الغروية: 362.

92

بجهله المحرّمة. بل جاز للخنثى أن تطأ جاريتها و توقع نفسها موطوءة لمولاها.

بل جاز للخنثى أن تتزوّج بكلّ من الذكر و الأنثى، معتذرا بجهله و عدم علمه بالحرام التفصيلي حين الفعل تدريجا.

لا يقال: إن استصحاب الحرمة في اللحوم و الفروج مانع من مجرى أصالة الحلّية و الإباحة في مشكوك الحلّية فيما نحن فيه.

لأنّا نقول اعتراضا: لو كان مانعا لمنع استصحاب حرمة الحرام المشتبه قبل الاشتباه عن ارتكاب كلّ شبهة محصورة.

و حلّا: بأن مانعيّته عند الخصم إنما هو قبل العلم الإجمالي بانقطاع استصحاب حرمة الحرام الواقعي و معارضته باستصحاب حلّية الحلال الواقعي قبل عروض الشبهة، و أمّا بعد عروضها فتعارضا [و] تساقطا، و يرجع في محلّهما إلى مقتضى الأصل الحاكم بالإباحة أو العقل الحاكم بالتحريم مقدّمة لتحصيل الواقع.

و من الفروعات المتفرّعة على هذا الأصل العليل- و هو اعتبار القصد و العلم التفصيلي بالحرام في تحريمه- توهّم بعض جواز نقل الأموات المستلزم للهتك المحرّم للمؤمن المحترم، من الانتفاخ و نشر الرائحة و الانفساخ، بقصد الاحترام لا الهتك.

بل و جواز نقلها بعد الدفن بقصد الأمانة لا الدفن و إن استلزم النبش المحرّم، مع تصريح السرائر (1) و بعض الأساتيد الأعلام بأنه من بدائع (2) الإسلام.

بل و جواز ضرب الطبول المحرّمة في جنب القبّة الرضويّة عليه آلاف سلام و تحيّة التي هي محلّ مختلف الملائكة، و إيذاؤهم و إيذاء الإمام (عليه السلام)، و هتك‌

____________

(1) السرائر 1: 170.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و الصحيح: بدع، لأنها جمع البدعة، و أمّا البدائع فهي جمع البديعة.

93

الحرمات بقصد التعظيمات.

بل و جواز الكذب و الغناء و ضرب الطبول و الشيپور، و سائر المحرّمات المبتدعة من الشبيه و غيره، في مراثي سيّد الشهداء بقصد البكاء و الإبكاء لا الكذب و الغناء.

بل و من أعظم ما ابتلينا به من انطماس آثار مشايخنا الأعلام تجويز بعض المعاصرين حلق اللحى، و سائر البدائع (1) المبتدعة في تعزية سيّد الشهداء إذا قصد البكاء و الإبكاء دون التشبيه و الغناء. و هل هو إلّا الزمان الموعود بقوله (عليه السلام):

«سيأتي زمان لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه، و من القرآن إلّا درسه، و من الإيمان إلّا رسمه» (2)؟!. يستحلّون الربا بالبيع، و الرشوة بالهديّة، و الخمر بالفقّاع و النبيذ، و بقصد التداوي و الاستشفاء، كاستحلال اليهود صيد السبت بالحيلة، و الحنفيّ نكاح المحارم بلفّ الحرير، و بيع الخمر بالاستنابة، و المالكيّ وطء الغلام بالمتعة، و التولّي من قبل الجائر بقصد التخفيف، و إعانة الجائرين و الظالمين بالدخول في أمرهم و سوادهم بقصد تعظيم شوكة الإسلام لا بقصد الظلم و الحرام. و من هنا هجروا الفرائض و السنن، و اتّبعوا الشهوات و الفتن، و الملاهي و المناهي في السّر و العلن.

و من أعظم ما ثلم به الإسلام بعد فقد أساتيدنا الأعلام تسليط طاغية الزمان الكفّار الخارجة على ثغور الإسلام، بحيث لم يبق للإسلام شأن و لا احترام.

و أعظم ثلمة حدثت بعد السقيفة على الإسلام أن السلطان عبد العزيز العثماني لمّا بلغ غاية الاقتدار طلب كتاب قانون الفرانسة الذي ابتدعه سفاؤهم،

____________

(1) انظر الهامش (2) في الصفحة السابقة.

(2) أنظر جامع الأخبار للشعيري: 129، ثواب الأعمال: 301 ح 4.

94

و أجراه في جميع ممالكه على خلاف كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و لم ينكر عليه أحد من فقهائهم و لا وزرائهم، و لا من تخلّفه ممن بعده من سلاطينهم.

و في كلّ من هذه الحوادث العظيمة، و البدائع (1) الشنيعة، و الثلم المستحدثة، في أعمارنا القاصرة و أيّامنا الفاترة، من أقوى شواهد تصديق ما استحدثه السلف، و ابتدعه الأول، من تحريف الكتاب و السنّة، و هجر أهل الصواب و الملّة، و تغيير الوصيّة بالأذيّة، و من أصدق من اللّٰه حديثا حيث قال:

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (2)، سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ* (3) وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا* (4)، و كفى بذلك عبرة لأولي الأبصار، و اقترابا للفرج و الانتظار، ليملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا.

[المسألة الثالثة التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة حرام]

قوله: «هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم، مع كونه أخصّ من المدّعي».

أقول: أمّا وجه عدم نهوضها لإثبات التحريم فناظر إلى أن الظلم و الإيذاء و الغيبة و التفضيح إنما هو ذكر النقص و العيب و الذمّ، دون ذكر المدائح و المحاسن المفروض.

و فيه: أن النقص و الظلم و الإيذاء و التفضيح الحاصل من ذكر المحاسن، بحسب الكيفيّة المتعارفة في أشعار التشبيب المسمّى بالفارسيّة التصنيف، أشدّ و أعظم و أقبح و أظلم من النقص و الظلم في الكميّة بالسبّ و القذف و اللعن و الطعن بالسنان، لأنه في النفوس و النصوص أبقى من بنيان مرصوص.

و ما أبعد ما بين ما قاله المصنف من عدم نهوض حرمة الإيذاء و الظلم‌

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية، و الصحيح: بدع.

(2) الانشقاق: 19.

(3) الأحزاب: 38.

(4) الأحزاب: 62.

95

و التفضيح لحرمة التشبيب، و بين ما ابتلينا بطوائف ممّن لو قلت له: رحم اللّٰه أمّك أو أختك أو زوجتك، قتلوك و ضربوك، و يستقبحون تسمية النساء حتى بالكنى، و إذا أرادوا التسمية عنها في خطاب أو كتاب سمّوها باسم ولدها موصوفا له بلفظ «بزرگ» يعني: الكبير، حتى إنهم يستقبحون إدخال الميتة العجوزة من القواعد في القبر من وراء الثياب و الكفن حتى عند الضرورة، كمثل بني أميّة يجتنبون من دم البعوضة و لا يجتنبون من قتل الحسين (عليه السلام).

و أمّا أخصّيّة الأدلّة المذكورة و أعميّتها من المدّعى فممنوع، لأن التشبيب غير المؤذي نادر لا يقدح خروجه بإطلاق مطلق التشبيب المدّعى. و حرمة الإيذاء بالنثر أيضا لا يقدح في تخصيص المدّعى بالشعر، لوضوح الحكم، و أن إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه.

قوله: «من جهة اختلاف الوجوه المتقدّمة للتحريم».

أقول: و إن لم ينهض التفضيح و الإغراء من وجوه التحريم على حرمة التشبيب لمن لم يعرفها السامع، إلّا أن مثل الإيذاء و الغيبة كاف في النهوض على تحريمه.

لا يقال: إن الإيذاء و الظلم الحرام إنما هو الإيذاء و الظلم الفعليّ لا الشأنيّ.

لأنّا نقول: الإيذاء الشأني فيما نحن فيه كالغيبة و السرقة المخفيّة إنما هو فعليّ واقعيّ لا شأنيّ، إلّا من جهة وجود المانع من العلم به، لا من جهة عدم وجود المقتضي به.

قوله: «لم يحرم عليه الاستماع .. إلخ».

أقول: وجه عدم حرمة الاستماع و وجوب نهيه عن المنكر مبنيّ على أصالة الصحّة في فعل المسلم، و لكن مجراها إنما هو فيما له جهة صحّة متعارفة غير نادرة، مثل البيع غير الربوي بالنسبة إلى الربوي، بخلاف ما كان مبناه الفساد‌

96

أصالة و الجهة المصحّحة له على خلاف الأصل، كبيع الوقف و أمّ الولد و الكذب و الظلم و الغيبة و التشبيب، فإنه لا يحمل على الصحّة بمجرّد احتماله بعد المعارضة بالغلبة.

[المسألة الرابعة تصوير ذوات الأرواح حرام]

قوله: «و لا يحصل به تشبّه بحضرة المبدع تعالى».

أقول: عدم حصول التشبّه بحضرته تعالى في تصوير غير ذي الروح إن كان من جهة اختصاصه تعالى بخلق ذوي الأرواح دون غيرها من الشمس و القمر و الكواكب و الأشجار و الأزهار، ففيه منع واضح، فإن إبداع جميع المخلوقات من ذي الروح و غيره إنما هو من خصائص إبداعه و عجائب صنعه الخاصّ به تعالى.

و إن كان من جهة ما صرّح به من حصول تصوير غير ذي الروح بدون قصد التصوير أحيانا، ففيه أولا: عدم الفرق غالبا في اقتران حصول كلّ فعل بقصده، خصوصا التشكيل و التمثيل و لو لم يكن من ذي الروح.

و ثانيا: عدم اعتبار القصد في صدق موضوع التشكيل و التمثيل.

و ثالثا: لو سلّم اعتباره فلازمه اختصاص حرمة التمثيل و التصوير بالمقصود به التشبّه، و عدم حرمة غير المقصود به ذلك حتى من ذوي الأرواح.

و قد عرفت ما فيه من النقض و الإبرام، بل العمدة في مستند التفصيل بين ذي الروح و غيره هو النصوص لا غير.

قوله: «فتعيّن حملها على الكراهة دون التخصيص بالمجسّمة».

أقول: و المعيّن لحمل النهي عن مطلق المنقوش على الكراهة ليس إلّا عدم حرمة مطلق المنقوش، و هو قرينة صارفة لا معيّنة للحمل على الكراهة، مع أرجحيّة التخصيص من المجاز و لو بالمجسّم.

قوله: «فلو دعت الحاجة إلى عمل شي‌ء يكون شبيها بشي‌ء من خلق اللّٰه و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس .. إلخ».

97

أقول: إن كانت الحاجة الداعية إلى تشبيه حيوان مسوّغة شرعا للتشبيه الحرام، كضرورة أو إكراه أو رفع ضرر أو عسر منفيّ شرعا، كإقامة صورة جسم إنسان في الليل في المزارع و البساتين و الدور لتخويف السرّاق و السباع المفسدة و الحيوانات المؤذية عن الضرر و الإضرار، فهو مسوّغ له مطلقا و لو بقصد الحكاية. و إن لم تكن الحاجة الداعية مسوّغة له شرعا، كتصوير صورة الأباليس و الأجنّة لداعية إحراقها أو تقبيح منظرها أو ملاعبة الصبيان، أو تصوير صور الأنبياء و الملائكة لتعظيمها و تحسين منظرها، فلم يجز مطلقا و لو لم يكن بقصد الحكاية.

قوله: «و منه يظهر النظر فيما تقدّم عن كاشف اللثام».

[أقول:] أي: و من إناطة حكم حرمة التمثيل بقصد الحكاية يظهر النظر فيما تقدّم عن كاشف اللثام (1) من تعميم كراهة الصلاة في ذي التماثيل لذوات الأعلام.

و فيه أولا: إمكان منع النظر في تعميم الكراهة لذوات الأعلام بمنع استفادة التعميم إلى عموم التماثيل، بل إلى تنقيح مناط كراهة التماثيل في مطلق ما يشغل الإنسان و يلهيه النظر إليه في الصلاة، من نقوش كان الشاغل و الملهي أو من أعلام.

و ثانيا: لو سلّمنا استناد التعميم إلى عموم التماثيل فوجه النظر فيه إنما هو من جهة منع العموم و تخصيصه بغير الأعلام بحسب النصّ و الفتوى و الحكمة، لا من جهة عدم قصد الحكاية في الأعلام و قصدها في سائر النقوش، و إلّا لدار الحكم مدار القصد مطلقا حتى في ذي الروح.

قوله: «و ليس فيما ورد من رجحان تغيير الصورة بقلع عينها أو كسر رأسها دلالة عليه».

____________

(1) كشف اللثام 1: 194.

98

[أقول:] و ذلك إمّا من جهة كون الراجح هو التغيير الماحي للصورة لا مطلق التغيير. و إمّا من جهة عدم الملازمة بين رجحان التنقيص فيها و بين تجويز الناقص ابتداء، كما لا ملازمة بين جواز اقتناء ما تصوّر و حرمة عمل التصوير.

قوله: «ففي حرمته نظر، بل منع».

أقول: فيه أنه لو كان المانع منحصرا في مطلقات: «من مثّل مثالا (1) أو صوّر صورة» (2) لكان لمنع إطلاق المثال و الصورة على مثل الكفّ و القدم منه وجه، من دعوى الانصراف، و لكن في عموم مثل قوله (عليه السلام): «نهى أن ينقش شيئا من الحيوان» (3) «و نهى عن تزويق البيوت» (4) لتنقيش جزء من الحيوان لا مانع منه عرفا.

قوله: «هو قضاء العرف. فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أن قضاء العرف بالفرق المذكور إنما هو بين النفي و الإثبات المتعلّق بذي الأفراد، كالنكرة في سياق النفي و الإثبات، لا بذي الأجزاء من المركّب.

و فيه: منع الفرق، ألا ترى أن نهي الحائض عن الصلاة نهي عن الشروع في كلّ جزء من أجزائها و إن لم يتمّها، و عن قراءة العزائم نهي عن كلّ من أجزائها حتى البسملة، و كذلك عن المقامرة و المنازعة و المجادلة و المكالمة، بخلاف الأمر بالمركّب من الصلاة و الوقوف و المبيت، لا يتحقّق صدق الامتثال إلّا بإتمام الجزء الأخير من المجموع المركّب.

قوله: «الممنوع هو إيجاد الصورة، و ليس وجودها مبغوضا حتى يجب

____________

(1) الوسائل 2: 868 ب «43» من أبواب الدفن ح 1.

(2) الوسائل 12: 220 و 221 ب «94» من أبواب ما يكتسب به ح 6 و 9.

(3) الوسائل 12: 220 ب «94» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(4) الوسائل 3: 560 ب «3» من أبواب أحكام المساكن ح 1.

99

رفعه .. إلخ».

أقول: الملازمة بين حرمة الشي‌ء و حرمة غاياته كالملازمة بين حرمة الشي‌ء و حرمة مقدّماته عقليّة.

و يمكن الاستدلال عليه بكلّ من الأدلّة الأربعة.

فمن الكتاب قوله تعالى حكاية عن الخليل (عليه السلام) فَرٰاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (1) فَجَعَلَهُمْ جُذٰاذاً (2). و قوله تعالى حكاية عن الكليم في العجل المصنوع لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (3).

و من السنّة يكفي مثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في النبويّ المتقدّم (4): «و لا تدع صورة إلا محوتها» (5).

و من الإجماع استدلال الفقهاء على قبول الشهادة بوجوب أدائها، و على وجوب أدائها بوجوب تحمّلها، في قوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ (6)، و على وجوب الحذر بوجوب التحذير في آية النفر (7).

و من الاستقراء ما ترى من حرمة التخمير و وجوب إتلاف الخمر، و حرمة صياغة الأصنام، و آلات القمار، و الدفوف و الطبول و الملاهي، و أواني النقدين، و وجوب كرها و تضييعها، و حرمة كتابة كتب الضلال، و حرمة حفظها بعد الكتب، و حرمة إيجاد النجاسة في المسجد و وجوب رفعها، و حرمة الغصب و إبقاء‌

____________

(1) الصافّات: 93، 94.

(2) الأنبياء: 58.

(3) طه: 97.

(4) لم يتقدّم منه «(قدس سرّه)» و لكن سوف يأتي منه في ص: 102.

(5) الوسائل 3: 562 ب «3» من أبواب أحكام المساكن ح 8.

(6) البقرة: 228.

(7) التوبة: 122.

100

المغصوب في يد الغاصب، و حرمة أكل الحرام و وجوب تهوّعه و تقيّئه بعد الأكل، بل و استبراء الجلل، و حرمة شروع الحائض في الصلاة و وجوب قطعها بعد الشروع، و حرمة إبداع بدعة و وجوب ردّها و ردّ من افتتن أو رضي بها، إلى غير ذلك من موارد الملازمة بين حرمة الشي‌ء و حرمة ما يترتّب عليه من الغايات.

و الموهم لمنع الملازمة أمران:

أحدهما: حرمة تصوير التماثيل، و ما ورد من عدم حرمة اقتناء ما يوطأ منها في الفرش و البسط (1).

و فيه: أنه لو سلّم ذلك فهو خروج عن الأصل بالنصّ، كخروج تصوير غير الروحاني عن عموم حرمة التصاوير بالنصّ (2).

و ثانيهما: ما ترى من أن حرمة بعض المقدّمات الفعليّة، من مثل ركوب الدابّة المغصوبة للتوصّل إلى مقصد صحيح، من حجّ أو جهاد أو فتح أو سبي حربي أو حمل ماء طهارة أو ساتر صلاة أو أداء دين أو خمس أو زكاة، لا تقتضي حرمة الغايات المرتّبة عليها بعد وجودها و حصولها، و لا يؤمر بإرجاع المحمول بعد الحصول و الوصول إلى محلّ الأصول و النكول عن القبول، و استرداد الأحمال و الأثقال و الكفّار المسبيّة و المستسلمة، بغير الدعوة و الطرق المشروعة من الإذن و الرخصة، إلى حالها الأصلي و محلّها الأولي.

و طريق دفع هذا الوهم أيضا أن يقال: إن لمثل ركوب الدابّة المغصوبة أو سلوك الطريق الممنوع فعلين متداخلين و إيجادين كلّيين، يستتبع كلّ منهما أثره الخاصّ به و غايته المرتّبة عليه. فالغاية المترتّبة على غصب الدابّة المركوبة إنما هو وصول الدابّة المغصوبة إلى المقصد، فيستتبعه حكم الغصب الموصل إليه في‌

____________

(1) الوسائل 3: 564 ب «4» من أبواب أحكام المساكن ح 2.

(2) الوسائل 3: 560 ب «3» من أبواب أحكام المساكن.

101

المنع و وجوب الدفع إلى مالكها الأوّلي و محلّها الأصلي. و أمّا وصول الأثقال و بلوغ المآل إلى مقاصد الحلال- من الطهارة و الصلاة و الحجّ و الزكاة و سبي الكفّار و استسلام الأشرار- فهي من الغايات المترتّبة على طيّ المسافة الكلّية، فيستتبعها في المشروعيّة، و إن كانت في ضمن الطرق المحرّفة و الكيفيّة الممنوعة.

و لكن لا يخفى أن رفع هذا التوهّم بذلك الجواب- كرفع توهّم امتناع اجتماع الأمر و النهي في محلّ واحد- مبنيّ على ما هو الظاهر المشهور المنصور من تعلّق الأحكام بالكلّيات لا الأفراد إلّا من باب المقدّمة.

قوله: «لأن عمل الصور ممّا هو مركوز في الأذهان .. إلخ».

[أقول:] و فيه أولا: أن السؤال عن التصوير لا الصورة و التمثيل لا المثال و التنقيش لا المنقوش بعيد عن حال السائل الذي هو من أصحاب الإجماع، و أجلّ و أعلم من كان من أصحاب الصادقين، الذي لا يخفى على من دونه حرمة العمل بخلاف حرمة المعمول، بل و بعيد عن بلاغة السائل الذي هو محمد بن مسلم الثقفي الكوفي الذي هو أبلغ أصحاب الصادقين، إذ لو كان السؤال عن نفس العمل لا المعمول لسأل عن التصوير و التمثيل لا الصورة و المثال. فالسؤال عن التماثيل ظاهر في المثال و الصورة لا التمثيل و التصوير، كما أن السؤال عن الخمر في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ (1) ظاهر في السؤال عن نفسهما لا تصنيعهما.

و ثانيا: لو سلّمنا عدم ظهوره في السؤال عن نفس الصورة لا التصوير، فلا أقلّ من أن حذف المتعلّق مضافا إلى ترك الاستفصال في جواب السؤال يفيد عموم حرمة كلّ من التمثيل و المثال.

____________

(1) البقرة: 219.

102

قوله: «إضافيّ بالنسبة إلى هذين القسمين، يعني: لم يحرم من القسمين إلّا ما ينحصر فائدته في الحرام .. إلخ».

أقول: فكأنّه قال: لم يحرم من صنعتي التخمير و عمل السيوف و السكّين بالخصوص إلّا ما يحرم فائدته، كالتخمير بالنسبة إلى الخمر لا عمل السيف بالنسبة إلى السيف بالخصوص، لا أن كلّ ما حرم صنعته بالعموم حرم فائدته بالعموم.

هذا، و لكن فيه: أن الحصر الإضافيّ المذكور تخصيص في عموم الحصر بلا قرينة مخصّصة، بل القرينة المعمّمة له موجودة، لا تخفى على من راجع أحكام الصناعات و أقسامها من رواية تحف العقول (1) من جهات عديدة، من جهة عموم لفظ الحصر، و عموم انسياقه سياق أنواع البرابط و المزامير و الشطرنج و كلّ ملهوّ به و الصلبان و الأصنام، و عموم ذيله بقوله: «و جميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها» (2) حيث إنه ظاهر في عموم المصنوع لا الصناعة، و عموم صدره بذكر صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحانيّ أيضا، ممّا يقتضي دخول الصور المنقوشة في عموم ذيله: «إنما حرّم اللّٰه الصناعة التي هي حرام كلّها، التي يجي‌ء منها الفساد محضا .. إلخ» (3). مضافا إلى وروده في مساق تعليل حرمة الغايات بحرمة الصناعات، و مورد إعطاء القاعدة و الضابطة الكلّية.

قوله: «و أمّا النبويّ (4) فسياقه ظاهر في الكراهة، كما يدلّ عليه عموم الأمر بقتل الكلاب، و قوله (عليه السلام) في بعض هذه الروايات: و لا قبرا إلا

____________

(1) تحف العقول: 335.

(2) تحف العقول: 336.

(3) تحف العقول: 335.

(4) الوسائل 3: 562 ب «3» من أبواب أحكام المساكن ح 8.

103

سوّيته .. إلخ» (1).

أقول: فيه أولا: منع سياقه في الكراهة، لأن المكروه اقتناؤه من الكلاب لا يجوز قتله، فالأمر بقتله قرينة تخصيصه بالموذي و العقور المحرّم اقتناؤه.

و أمّا تسوية القبر فليس إلّا في بعض الروايات، مضافا إلى عدم استبعاد حرمته بالنظر إلى كونه بدعة.

و ثانيا: لو سلّمنا سياق الكراهة، فليس بقرينة صارفة، لظهور الأمر في الوجوب.

قوله: «و أمّا رواية عليّ بن جعفر (2) فلا تدلّ إلّا على كراهة اللعب بالصورة».

أقول: بل الظاهر من «لا يصلح»: لا يجوز، لا الكراهة، و من اللعب بها هو النظر إليها و اقتناؤها من حيث كونها تماثيل لا من حيث اللعب بها، بقرينة عدم كونها من الملاعب و الملاهي، كالدفوف و الطبول و المزامير.

نعم، هي و إن كانت من الملهيات إلّا أن كونها من الملهيات إنما هو باعتبار النظر إليها لا اللعب بها.

قوله: «و أمّا ما في تفسير الآية فظاهره رجوع الإنكار إلى مشيّة سليمان .. إلخ».

أقول: بل الأظهر من قوله: «ما هي بتماثيل الرجال و النساء» (3) رجوع الإنكار إلى نفس المعمول لا العمل، و لو بقرينة أن الظاهر من يَعْمَلُونَ لَهُ (4) باعتبار أن المعنى لشوكة سلطنته و عزّة مملكته و ملكه إنما هو المعمول لا العمل.

____________

(1) انظر الهامش (4) في الصفحة السابقة.

(2) الوسائل 12: 221 ب «94» من أبواب ما يكتسب به ح 10.

(3) الوسائل 3: 561 ب «3» من أبواب أحكام المساكن ح 4 و 6.

(4) سبأ: 13.

104

قوله: «و أمّا الصحيحة (1) فالبأس فيها محمول على الكراهة لأجل الصلاة أو مطلقا. [مع دلالته على جواز الاقتناء و عدم وجوب المحو] (2).

أقول: حمل البأس على الكراهة مجاز بلا قرينة. و كذا التخصيص بكونها لأجل الصلاة تخصيص بلا مخصّص.

قوله: «مع دلالته على جواز الاقتناء و عدم وجوب المحو».

[أقول:] فيه: أن دلالته على ذلك إنما هو بعد التغيير الماحي للصورة لا مطلقا، كما يشهد عليه صريح الخبر الأخير: «فغيّر رأسه فجعل كهيئة الشجر» (3).

قوله: «و أمّا ما ورد من أن عليّا (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال» (4).

أقول: الاستدلال بالحديث الأوّل، أي: بأن عليّا كان يكره الصور في البيوت (5)، معنى (6) عن ضميمة لم يكن يكره الحلال حتى يقال بعدم دلالة الضميمة، لأن إطلاق الإكراه على الحرام في عرف الشرع و القدماء إلى زمان المتأخّرين اصطلح على ما يقابل الحرمة، فلا يحمل عليه الإطلاق.

قوله: «و أمّا رواية (7) الحلبي فلا دلالة لها».

أقول: دلالتها إنما هو ظاهر لفظ «أمرت».

قوله: «فهي معارضة بما هو أظهر و أكثر».

____________

(1) الوسائل 3: 564 ب «4» من أبواب أحكام المساكن ح 3.

(2) ما بين المعقوفتين وردت في النسخة الخطّية، و الظاهر أنها زائدة من سهو قلمه الشريف «(قدس سرّه)»، لأنه علّق عليها بعد هذه التعليقة.

(3) الوسائل 3: 565 ب «4» من أبواب أحكام المساكن ح 7.

(4) الوسائل 12: 447 ب «15» من أبواب الربا ح 1.

(5) الوسائل 3: 561 ب «3» من أبواب أحكام المساكن ح 3.

(6) كذا في النسخة الخطّية، و العبارة مشوّشة جدّا، و لعلّ المراد: لا بضميمة «لم يكن يكره الحلال» ..

(7) الوسائل 3: 565 ب «4» من أبواب أحكام المساكن ح 7.