التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
105

أقول: أما الأكثريّة فممنوعة، بل معكوسة، كما لا يخفى على من راجع نصوص الملازمة، فإنها الأكثر من نصوص المنع.

و كذلك الأظهريّة في نصوص منع الملازمة ممنوعة، بل معكوسة، فإن من أمعن النظر فيها وجدها بين ما دلّ على نفي البأس عن خصوص الصلاة في بيوت التماثيل، لا عن اتّخاذ التماثيل في البيوت الذي هو المدّعي، كصريح صحيحتي الحلبي (1) و عليّ بن جعفر (2) و ظاهر روايتي أبي بصير (3)، فإنها بقرينة الفرق بين نفي البأس عمّا يوطأ في الفرش و البسط دون ما نصب على الحائط و السرير- الراجع إلى الفرق بين ما يكون النظر إلى شاغلا ملهيا عن الصلاة كالمنصوب، و ما لا يكون ملهيا كالموطوء في الفرش- ظاهرة في تخصيص نفي البأس عن الصلاة في بيت التماثيل لا عن التماثيل، لكون الفرق المذكور فارقا لحكم الصلاة لا لحكم التماثيل، فلا ربط لها بالمدّعى و هو اتّخاذ التماثيل. و بين ما دلّ على المنع من التماثيل حتى ينزع الستر بها أو يقطع رءوسها و يفسدها، كالخبرين الآخرين (4)، و هما على خلاف المدّعى أدلّ منه على المدّعى. و لو سلّم فغاية الأمر دلالتها على وجود التماثيل في بيوت الصلاة أو مطلق البيوت، و هو أيضا أعمّ من المدّعى و هو جواز اتّخاذها فيه، إذ لا ملازمة بين وجود الممنوع و الرضا به و إمضائه، كما أن وجود الكفرة و الأصنام في بيوت الأنبياء و المسجد الحرام لا يدلّ على الرضا و الإمضاء.

____________

(1) الوسائل 3: 461، 463 ب «32» من أبواب مكان المصلي ح 2 و 10.

(2) الوسائل 3: 461، 463 ب «32» من أبواب مكان المصلي ح 2 و 10.

(3) الوسائل 3: 564 ب «4» من أبواب أحكام المساكن ح 2، و ج 12: 220 ب «94» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(4) الوسائل 3: 321 ب «45» من أبواب لباس المصلي ح 20، و ص 463 ب «32» من أبواب مكان المصلي ح 12.

106

قوله: «و منه يظهر أن ثبوت البأس في صحيحة زرارة (1) السابقة مع عدم تغيير الرءوس إنما هو لأجل الصلاة».

أقول: ما أبعد بين دعوى المصنف ظهور النصّ المانع من نفس التماثيل في المنع عن الصلاة في بيت التماثيل، و بين دعوى ظهور النصوص (2) المصرّحة بجواز الصلاة في بيت التماثيل في جواز اقتناء التماثيل، فإن كان النصّ المثبت للبأس في التماثيل لأجل الصلاة لا التماثيل، فلتكن نصوص نفي البأس عن الصلاة في بيت التماثيل أيضا لأجل الصلاة لا التماثيل بالطريق الأولى.

و إن كان نصوص نفي البأس عن الصلاة في بيت التماثيل مع كثرتها و صراحتها لأجل التماثيل لا لأجل الصلاة، فليكن النصّ المثبت للبأس في التماثيل مع وحدته و صراحته لأجل التماثيل لا الصلاة بالطريق الأولى أيضا.

[المسألة الخامسة التطفيف حرام]

قوله: «فإن جرت المعاوضة .. إلخ».

أقول: و صور المسألة بحسب الاستقراء أربعة، لأن المعاوضة بين المطفّفين إمّا على الموزون الكلّي، أو الشخصي، أو الشرطي، أو الوصفي.

و لا إشكال في صحّة الأول، و لا في بطلان الثاني، لعدم مانعيّة التطفيف الشخصي و النقيصة الفرديّة الربويّة من صحّة الكلّي، و مانعيّته من صحّة الشخصي.

و إنما الإشكال في الأخيرين. و الأقوى رجوع الشرطي إلى الكلّي في الصحّة، و ثبوت خيار تخلّف الشرط، و الوصفيّ إلى الشخصيّ في الفساد و عدم الصحّة، للزيادة الربويّة.

و أمّا قوله: «و يمكن ابتناؤه على أن لاشتراط المقدار مع تخلّفه قسطا من

____________

(1) الوسائل 3: 564 ب «4» من أبواب أحكام المساجد ح 3.

(2) الذي قد تقدّم منها الأحاديث في ص: 105.

107

العوض أم لا، فعلى الأول يصحّ، دون الثاني».

[أقول:] ففيه أولا: فساد المبنى المذكور و عدم صحّته شرعا، لأن الأمور الاعتباريّة كالشرط و الأجل ممّا لم يعتبر في إزائها شرعا و لا عقلا قسط من الثمن الخارجي، و لا ممّا هو من سنخه من الأمر الاعتباري، فهي في حكم العدم الصرف، لا يترتّب على وجودها و انضمامها إلى المعاملات الربويّة ما يترتّب على وجود الأشياء الواقعيّة و انضمامها إلى المعاملة الربويّة من التصحيح و الإصلاح.

و لهذا كان انضمام كلّ شي‌ء- و لو شقّ ثمرة- من الأشياء الواقعيّة الخارجيّة إلى الطرف الناقص من المعاملات الربويّة مصلحا لفساده و مصحّحا لبطلانه، لما في إزائه قسط من الثمن، بخلاف انضمام الأمور الاعتباريّة من الشرط و الأجل و إن بلغ ما بلغ في الكثرة، لا يصلح فساده و لا يصحّح بطلانه، و لا يوجب ضمانه لا بمثله و لا بغيره. و لهذا لو غصب شيئا من النقدين في مدّة مديدة لم يلزم الغاصب بعد ردّه بضمان مثل المدّة أو قيمتها.

لا يقال: لو لم يكن للأجل قسط من الثمن لم يجز بيع الشي‌ء نسيئة بأزيد من بيعه نقدا.

قلنا: صحّة الزيادة ليست لأجل كونها في إزاء الأجل، بل لو جعلت في إزائه فسد البيع قطعا، و إنما هو من جهة جعل مجموع الثمن في إزاء تمام المثمن لا الأجل.

و أمّا قولهم: «للأجل قسط من الثمن» فإنما معناه المبالغة المستفادة من الشرع من أن الزيادة الاعتباريّة الحكميّة في حكم الزيادة الحقيقيّة، لكن لا في تصحيح الربا و إصلاح فساده كما فيما نحن فيه، بل في إيجاد الربا و إيجاب فساده.

و ثانيا: لو سلّمنا صحّة المبنى المذكور، لكنّه لا يصحّح المعاملة الربويّة‌

108

و لا يصلح فساده الشرعي قطعا، لصدق موضوع الربا و الزيادة عرفا، و عموم حرمته شرعا حتى للزيادة الاعتباريّة الحكميّة، و الاقتصار على المتيقّن من تخصيصه نصّا، و هو انضمام الأشياء الواقعيّة إلى طرف النقيصة، لا الأمور الاعتباريّة و الزيادة الحكميّة.

و ثالثا: لو سلّمنا أن للأجل قسطا من الثمن و أن انضمامه إلى طرف النقيصة مصلح لفساده، و لكن لا نسلّم أن لاشتراط المقدار مع فرض تخلّفه قسطا من الثمن، و مصلحا لفساد الزيادة الربويّة، للفرق بين انضمام الأجل الممدود و الشرط المتخلّف، حيث يمكن جبران النقيصة الحقيقيّة بضميمة الأجل الممدود عرفا و إن لم يكتف بها شرعا، بخلاف انضمام اشتراط الكمال و التماميّة مع فرض عدمها في طرف النقيصة، فإنها و إن كانت زيادة لفظيّة اعتباريّة إلّا أنها في المعنى تزيد في النقيصة الذاتيّة نقيصة تخلّف الشرط، فكيف يمكن تداركها الزيادة الربويّة و إصلاح فسادها؟! و رابعا: لو سلّمنا تصحيح المبنى المذكور للشرطيّ من المعاوضة الربويّة لصحّحت الوصفيّ منها، بل و لزم تصحيح المؤجّل و المؤقّت من جميع المعاملات الربويّةانضمام أجل ممدود أو وقت‌إلى طرف النقيصة بالطريق الأولى، و اللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله.

[المسألة السادسة التنجيم حرام]

قوله: «بل يجوز الإخبار بذلك إمّا جزما .. إلخ».

أقول: بل‌يجوز الإخبار عن الأوضاع الفلكيّة المسمّى بالنجوم لا جزما و لا ظنّا بوجه من الوجوه، إلّا على وجه النقل ما لم يستلزم الإغراء بالجهل، فضلا عن الإخبار عن أحكامها من الشرّ و الخير و السعد و النحس، و فضلا عن جواز القبول و الحجّية و الاعتماد عليها، و فضلا عن جواز الاعتقاد بها و ترتيب أحكام الصدق عليها، و ذلك لوجوه من النقل و العقل‌

109

منها: أن الإخبار عنها على غير وجه النقل رجم بالغيب، و إخبار عن الواقع بالوهم و الريب، و هو نوع من الكذب و العيب، كسائر الإخبارات غير المستندة إلى الحسّ كالمسموعات و المحسوسات، و لا إلى الحدس الناشئ عن مبادئ محسوسة، كالإخبار عن الملكات النفسيّة من مثل العدالة و الطبابة و الاجتهاد، بل المستندة إلى الأسباب الوهميّة و الخياليّة الصرفة التي لا تفيد لمتعارف الناس الأصحّاء المعتدلين المزاج السالمين عن مرض الإعوجاج إلّا صرف الوهم و الخيال، كقطع القطّاع و ظنّ الظنّان المستند إلى السحر و الشعبدة و الرمل و الجفر و الفال و القيافة و السكر و النوم و القمار و الكهانة، ممّا لا ينبغي لعاقل أن يستند إليه أو يعتمد عليه إلّا على وجه نقل الأكاذيب و الأعاجيب، إذ ليس لغير علام الغيوب سبيل و لا معرفة و لا دليل إلى الإخبار عن وراء الجدار فضلا عن أحوال الفلك الدوّار، و لا يدّعي من الفنون ما لا تراه العيون إلّا مجنون أو مأبون، كما قال تعالى إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّٰا إِنٰاثاً (1) الآية.

و منها: أنه لو جاز الإخبار عن أوضاع الفلك الدوّار لوجب ترتيب الآثار، إذ لو كان لجوازه مقتضى كحرمة الكتمان وجب، و إلّا فلم يجز، لقوله (عليه السلام) في جواب ما حقّ اللّٰه على العباد؟: «أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون» (2).

و إذا وجب الإخبار وجب القبول و ترتيب الآثار، من الصوم و الصلاة و الحجّ و الإفطار و أحكام العيدين و صلاة الخسوفين، و إلّا للغا الإخبار، و خرج عن المضمار، و اللازم باطل فالملزوم مثله.

و منها: عموم النصوص المستفيضة بل المتواترة المانعة من التنجيم مطلقا، من جميع الوجوه، قولا و فعلا، و إخبارا و اعتقادا، و تعليما و تعلّما، و استحلالا،

____________

(1) النساء: 117.

(2) الوسائل 18: 112 ب «12» من أبواب صفات القاضي ح 4.

110

بالنصّ و الظهور و السياق، و جميع وجوه الدلالات، كقوله (عليه السلام): «المنجّم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون» (1) و أنه «كافر كذّاب» (2) و أن «كتابه يحرق» (3).

و قوله (عليه السلام) في ديوانه:

خوّفني منجّم أخو خبل * * *تراجع المرّيخ في بيت الزحل

فقلت:

دعني من أكاذيب الحيل * * *المشتري عندي سواء و زحل (4)

و منها: اتّفاق النصوص و الفتاوى على أن المعتمد على حساب التنجيم بالطلوع و الغروب و الزوال و الهلال و الكسوف و الخسوف في الصوم و الصلاة و الإفطار و الحج استوجب الحدّ و التعزير، بل الارتداد و القتل لو استحلّه، لعموم قوله (عليه السلام): «من أحلّ حراما و حرّم حلالا فقد خرج عن الإسلام» (5). و قوله (عليه السلام): «من قال للنواة حصاة، أو للحصاة نواة، و دان به فقد خرج عن الإسلام» (6). و لو كان المنجّم عادلا، و إن بعد فرض اجتماع العدالة معه، بل و لو كان جازما، بل و لو بالجزم المركّب، لأنه جزم في غير محلّه كالجهل المركّب، لم يعذر فيه الجاهل و المخطئ قطعا، و إلّا لكان الجازم بالباطل من جميع الكفّار- خصوصا الجازم بدين الآباء- معذورا، و هو باطل بالإجماع و الضرورة.

و منها: الاستقراء التامّ الحاصل للمتتبّع من كثرة خطئهم و اختلافهم، و تخطئة بعضهم لبعض في كلّ وضع من أوضاع الأفلاك من حيث الكمّ و الكيف،

____________

(1) الوسائل 12: 103 ب «24» من أبواب ما يكتسب به ح 7.

(2) الحديث ملفق من حديثين، انظر نهج البلاغة: 105 الخطبة 79.

(3) الوسائل 8: 268 ب «14» من أبواب آداب السفر إلى الحج ح 1.

(4) ديوان الامام علي (عليه السلام): 109.

(5) الوسائل 13: 164 ب «3» من أحكام الصلح ح 2، نقلا بالمعنى.

(6) الوسائل 18: 92 ب «10» من أبواب صفات القاضي ح 13، نقلا بالمعنى.

111

بحيث يكون الاعتماد على كلّ منها ترجيحا بلا مرجّح، و إن كان الاختلاف يسيرا و قليلا.

و منها: ما شاهدنا من أول عمرنا إلى الحين من إخبار المنجّمين المخصوصين بكلّ من السلاطين، بأن الحركات الفلكيّة في هذه السنة تدلّ على الصحّة و السلامة، و القوّة و العافية، و الإقبال و الغلبة لكلّ من السلاطين و عساكرهم و ممالكهم، و مع ذلك كثيرا ما يتّفق العكس و الضدّ، و خوارق العادات و حدوث الحوادث العظيمة، من الطاعون و الوباء، و القحط و الغلاء، و الشدائد و الغناء، و الموت و العناء، و الكرب و البلاء، إلى ما لا يعدّ و لا يحصى، من اتّفاق أكل الناس بعضهم بعضا، و بلوغ الموت في الناس إلى حدّ الفناء. حتى شاهدنا هلاك كثير من الدول و السلاطين، و ملوك الأرضين، و استخلاف آخرين، على عكس إخبار المنجّمين لهم بالغلب و التمكين، و الأمن و التأمين، و الإقبال و التسكين. حتى إنّي سمعت علّامة أساتيدنا الأعلام- مع كمال مهارته و تبحره في علم النجوم- كان يخطّئهم، حاكيا عن السيّد الجزائري أن ديدن علماء العصر أنهم إذا أرادوا الحسنى من الشروع في شي‌ء أو سفر سألوا المنجّمين في ذلك، فكلّما أخبر المنجّمون به خالفوهم فيه، فرأوا الحسنى و الظفر فيه لا زال.

و منها: أن قول المنجّمين في كلّ واقعة و حكم معارض و مرجوح بتكذيب المخبر الصادق بالعموم و الخصوص، و الكلّية و الجزئيّة، و الالتزام و الملازمة.

أما تكذيبهم بالعموم و الكلّية ففي مثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «من صدّق المنجّم فقد كذّب القرآن و الرسول» (1).

و أمّا بالخصوص و الجزئيّة، ففي خصوص هلال الصوم و العيدين ورد‌

____________

(1) الوسائل 12: 104 ب «24» من أبواب ما يكتسب به ح 11، نقلا بالمعنى.

112

النصوص بالمنع عن التظنّي و الحساب بقوله (عليه السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (1) و للّٰه درّة من ضابط كلّي. و هكذا في خصوص الحركة و المسافرة ورد المنع من الاعتماد بقول المنجّم، كما لا يخفى على من راجع نصوص الباب (2).

و أمّا تكذيبهم بدلالة التعريض و الالتزام فبوجوه:

منها: ما نراه بالحسّ و الوجدان من اختلاف رؤية الهلال في النقص و الكمال، بواسطة اختلاف كيفيّة سيره من حيث السرعة و البطء، و لازمة اختلال الحساب في جميع الأبواب من حيث التسبيب و الأسباب، لأن أوضاع النجوم و أحكامها مبنيّة على إدراك كنه مقادير حركات النيّرين و أحوالها، من حيث الكيفيّة و الكميّة و الانفراد و الاجتماع و الافتراق و التركيب مع أحوال سائر الكواكب، و من المحسوس المعلوم عدم إدراك غير المعصوم على كنه حقيقة مقادير سيرها و أحوالها.

مع أن المحسوس لنا من مقادير سيرها و أحوالها و صفاتها بآلات الرصد و الزيج إنما هو على قدر حسّنا القاصر الفاتر في الظاهر، لا على قدر ما هي عليها في الواقع للحاضر الناظر. بل لم يبلغ المحسوس الظاهر بالنسبة إلى الواقع من أحوالها إلّا بمقدار النم (3) من أليم.

ألا ترى انّ حرارة الشمس المحسوسة لنا في الأرض من علو السماء الرابعة أعظم من حرارة النار بما لا يحصيه إلّا علّام الغيوب، فكيف يحيط به غيره؟! و هكذا مقدار سير فلك الأفلاك لا يحيط به إلّا خالق الأفلاك.

بل و يضاف إلى الجهل و العجز عن إدراك كنه مقادير أحوالها المفردة الجهل و العجز عن أحوالها المركّبة، من الاجتماع و الاقتران و الاتّصال، و سائر الأوضاع‌

____________

(1) الوسائل 7: 182 باب «3» من أبواب أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل 8: 268 ب «14» من أبواب آداب السفر إلى الحج و غيره.

(3) كلمة فارسيّة تعطي معنى: القطرة. و اليمّ: البحر.

113

و الأحوال الدخيلة قطعا في أوضاعها و خواصّها و تأثيراتها و أحكامها، كما يصدّقه قوله (عليه السلام): «إن كثيره لا يدرك، و قليله لا ينتج» (1).

و من جملة ما يستلزم اختلال نظم الحساب و اطّراده و كذب المنجّم نصوص ردّ الشمس على سليمان (عليه السلام) لمّا توارث في الحجاب قال (عليه السلام): «ردّوها عليّ» (2)، و على يوشع النبيّ (عليه السلام) و على أمير المؤمنين مرّتين (3). و نصوص أن الجمعة أقصر الأيّام وقتا و أسرعها سيرا لتعذيب الكفّار به، كردّ الشمس في كلّ يوم إلّا يوم الجمعة، كما في السماء و العالم عن الكافي عن الرضا (عليه السلام): «أن اللّٰه تعالى يجمع أزواج المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذّب اللّٰه أرواح المشركين بركود الشمس ساعة، فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود، رفع اللّٰه عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود» (4). و من البيّن أن لازم كلّ ذلك تكذيب جميع مبادئهم و فساد مبانيهم من اطّراد نظم الحساب و مقادير سير الكواكب و أحوالها و أوضاعها المفردة و المركّبة من الاتّصال و الاقتران و الاجتماع و الافتراق.

و ممّا يستلزم كذبهم أن اطّراد صدقهم في حسابهم و إخبارهم عن تأثير الكواكب و خواصّها يستلزم بطلان إعجاز الأنبياء في أخبار المغيّبات و إيجاد خوارق العادات، من إحياء الأموات و إبراء الأكمه و الأبرص و الغلب و العطب، لاستناد ذلك إلى تأثير الكواكب و فنون العلم و المهارة العادية الحاصلة لكل من ارتاض في تحصيلها، كالسحر و الشعبدة و الكهانة و الطبّ و الحساب و الهندسة، و اللازم باطل [في] كلّ الشرائع و الملل، فالملزوم مثله.

____________

(1) الوسائل 12: 101 ب «24» من أبواب ما يكتسب به ح 1، مع اختلاف.

(2) لم نعثر عليه في مظانه.

(3) البحار 58: 242 ح 22.

(4) الكافي 3: 416 ح 14.

114

و ممّا يستلزم كذبهم و بطلانهم اتّفاق نصوص المعصومين على انحصار سبب الخسوفين و الزلازل- كسائر الأسباب المخوفة- في كثرة المعاصي المسبّبة لانطماس النيّر في بحر فلكه، و حيلولة الفلك بينه و بين الأبصار بأمر الملائكة الموكّلين عليه، كما يشهد عليه الأمر بالفزع و الجزع و الصلاة و الدعاء لردّهما و كشفهما (1)، لأنهما من أعظم آيات العظمة و النعم الجسيمة، فإذا بلغت الذنوب إلى حدّ الكثرة توجّهت النقمة إلى انطماس النعمة في بحر فلكه، على عكس ما زعمه المنجّمون من أن سبب الخسوف حيلولة الأرض للقمر و الكسوف حيلولة القمر للشمس. و العقل البديهي حاكم على قبح ترجيح المرجوح و هو تصديق مثل المنجّم و الكاهن و الساحر الكاذب من النفوس الشريرة، و تكذيب المخبر الصادق من النفوس الطاهرة القدسيّة.

فإن قلت: لو لم تكن الحيلولة سبب الخسوفين فمن أين يعرف الحال بها في البين؟

قلت: حصول معرفة الكسوفين بالحيلولة في البين لا يقتضي سببيّة الحيلولة للكسوفين، و لا ينافي كون الحيلولة أو ما يؤدّي إليها من العلامات المقارنة علامة لسبب الخسوفين، و هو انغماس النيّرين في بحر الفلك، لا أنها نفس السبب المخسف، كما أن طلوع النجم المغربي علامة مقارنة لغروب الشمس، لا أنه سبب غروبها و أن غروبها بسبب حيلولته، و كما أن سرعة النبض و حرارة الملمس علامة مقارنة للحمى، لا أنهما سبب الحمى، بل السبب لها هو تعفّن الأخلاط و حيلولته.

فإن قلت: لو كان سبب الخسوفين كثرة المعاصي و عظمها لا الحيلولة، فما وجه اختصاص الخسوف بمنتصف الشهر و الكسوف بآخره، مع اشتراك الأزمنة‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 340 ح 1، البحار 26: 10 ح 2.

115

كلّها في كثرة المعاصي؟ فما وجه اختصاص الخسف ببعضها دون بعض؟

قلت: وجهه أنه لمّا كان كلّ من الوقتين هو منتهى كمال كلّ من النيّرين الأعظمين، و أن منتهى عظم المعاصي و اللمم عند منتهى كمال النعم، و أن منتهى رفع القلم و تأخير آثار النقم عند انتهاء أمد الكرم و حيلولة الأجل و الرقم، اختصّ الخسوفان، بحسب الغالب في الوقتين على ما تراه في البين.

و ممّا يستلزم أيضا كذب المنجّمين و اختلاط الحساب عليهم، و عدم اطّراد تخمينهم، ما تواتر في الأخبار، و اشتهر في الآثار، و دلّ عليه العقل و الاعتبار، من كتب الخاصّة و العامّة، كما في البحار وقوع الكسوف و الخسوف يوم عاشور و ليلته (1)، حتى بدت الكواكب فيها نصف النهار، على ما رواه البيهقي (2) و غيره، و يوم وفاة الخليل (عليه السلام) (3) في عاشر الشهر (4) أيضا. و أن آيتين تكونان قبل قيام القائم (عليه السلام) لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام): كسوف الشمس في نصف رمضان، و القمر في آخره (5).

قال الشهيد في الذكرى في جملة فروع أحكام صلاة الكسوف: «الرابع: لو جامعت صلاة العيد، بأن تجب بسبب الآيات أو بالكسوفين، نظرا إلى قدرة اللّٰه تعالى و إن لم يكن معتادا» (6).

و عن الفقيه: «إن الذي يخبر به المنجّمون فيتّفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف من شي‌ء، و إنما يجب الفزع فيه إلى المساجد و الصلاة لأنه آية تشبه‌

____________

(1) البحار 91: 154.

(2) السنن الكبرى 3: 37.

(3) كذا في النسخة الخطّية، و المراد بالخليل إبراهيم بن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، انظر الهامش (2) هنا.

(4) السنن الكبرى 3: 36.

(5) البحار 58: 153.

(6) الذكرى: 246.

116

آيات الساعة» (1).

و في البحار لمّا نقل تفصيل الفلاسفة في حصر سبب الكسوف في حيلولة القمر بين الشمس و الأبصار، و سبب الخسوف في حيلولة الأرض، أجاب بوجوه:

منها: أن هذه مقدّمات حدسيّة ظنية معارضة بالمثل، و إمكان أن تكون هذه الاختلافات لجهة أخرى، كما قال ابن هيثم في اختلاف تشكّلات القمر:

يجوز أن يكون ذلك لأن القمر كرة مضيئة نصفها دون نصف، و أنها تدور على مركز نفسها بحركة متساوية بحركة فلكها، فإذا كان نصفه المضي‌ء إلينا فبدر، أو المظلم فمحاق، و فيما بينهما يختلف بقدر ما تراه.

و منها: إمكان أن يكون الفاعل المختار يحدث فيه نورا بحسب إرادته في بعض الأحيان دون بعض.

و منها: إمكان أن يكون عند حدوث تلك الأسباب يقع المرور على البحر أيضا، و يكون له أيضا مدخل في ذلك، و امتناع الخرق و الالتئام على الأفلاك، و عدم جواز الحركة المستقيمة فيها، و امتناع اختلاف حركاتها، و أمثال ذلك لم يثبتوها إلّا بشبهات واهية و خرافات فاسدة لا يخفى و هنا. مع أن القول بها يوجب نفي كثير من ضروريّات الدين، المعراج و نزول الملائكة، و الأنبياء و عروجهم، و خرق السماوات و طيّها، و انتشار الكواكب و انكسافها، في القيامة و في الدنيا، إلى غير ذلك ممّا صرّح به في القرآن و الأخبار المتواترة (2).

قوله: «و إن كان يقع الاختلاف .. إلى تفاوت يسير».

أقول: إذا كان محلّ الكلام في الاعتماد على قولهم إنما هو في محلّ‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 341 ذيل ح 1.

(2) البحار 58: 151.

117

الاختلاف لا الوفاق فلا فرق بين كون الاختلاف يسيرا، كما في أخبارهم بكون القمر في العقرب أو الخسوفين، أم كثيرا كما في رؤية الهلال و سائر الأحوال.

قوله: «و يمكن الاعتماد في مثل ذلك على شهادة عدلين منهم .. إلخ».

أقول: إن صحّ الإخبار عن أوضاع النجوم و كان له محمل صحّة صحّ الاعتماد على المخبر عنه مطلقا و لو كان كافرا، من باب اعتبار قول أهل الخبرة فيما يختصّ بمعرفتهم و إخباراتهم، كقول اللغوي و المقوّم و الطبيب و سائر إخبار أهل الخبرة، و إلّا فلا يصحّ الاعتماد عليه مطلقا و لو كان عادلا، بل و لو أفاد أو استفيد من القطع، لأنه جهل مركّب ليس في محلّه، كقطع القطّاع و ظنّ الظنّان.

مضافا إلى عدم إمكان اجتماع العدالة مع اعوجاج السليقة بهذه المثابة، كما لا تجتمع العدالة مع الوسواس و قطع القطّاع و ظنّ الظنّان.

قوله: «كما حكي أنه اتّفق لمروّج هذا العلم .. إلخ».

أقول: فيه أولا: أكثريّة شعور الكلاب من شعور رئيس الملّة و الحكمة و الأسطرلاب ممّا لا يصدّقه أولو الألباب.

و ثانيا: لو صحّت الحكاية و صدقت لكانت على خلاف المطلوب و بطلانه أدلّ، و هو أعلميّة الكلاب في علم النجوم و الحساب و فهم الخطأ و الصواب من رأس رئيس أولي الألباب الذي هو قطب الأقطاب، و ما خطّأه الكلب من حساب النجوم كيف يعدّه العاقل في عداد العلوم؟!

قوله: «إن مقتضى الاستفصال .. إلخ».

أقول: لا استفصال في الحديث بين القضاء بالنجوم و عدمه حتى يفصّل في حكمه، إلّا على مفهوم اللقب و دلالة إثبات شي‌ء على نفي ما عداه، و هو عليل.

و كذلك رواية المحاسن (1) لا تدلّ عليه إلّا بمفهوم السالبة بانتفاء الموضوع‌

____________

(1) المحاسن: 349 ح 26.

118

غير المعتبر.

قوله: «لأنها ظاهرة في الحكم على سبيل البتّ، كما يظهر ذلك من قوله (عليه السلام) .. إلخ».

أقول: أمّا الأخبار- فضلا عمّا عرفت من الآثار و الاعتبار- فظاهرها العموم لا التخصيص بالحكم، فضلا عن التخصيص بالاعتقاد، فضلا عن التخصيص بالبتّ. و أمّا قوله (عليه السلام): «فمن صدّقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة» (1) فليس أيضا بظاهر في التخصيص بصورة البتّ، إلّا من باب أن إثبات الشي‌ء ينفي ما عداه.

قوله: «فهو أسلم».

أقول: الإخبار عن حوادث أحكام النجوم من الخير و الشرّ بطريق جريان عادة اللّٰه على وقوع الحادثة عند الاقتران و الاتّصال الكوكبي، و إن سلم عن فساد عقيدة اقتضائها على وجه العلّية أو السببيّة أو المقتضي الراجع إلى اعتقاد الشرك و الكفر، إلّا أنه لم يسلم عن الكذب و الرجم بالغيب و الافتراء المحرّم على اللّٰه عقلا و نقلا، بواسطة ما عرفت من تخلّف العادة و عدم اطّرادها دائما و لا غالبا.

هذا كلّه مضافا إلى عدم اعتبار القصد و الاعتقاد في صدق موضوع الحرمة و الفساد في شي‌ء من موضوع الحرف و الصناعات و مقولة العلوم و الملكات، إلّا ما كان من مقولة الأديان أو الشهادات. فلا موهم لتخصيص عمومات النهي عن النجوم بشي‌ء من مراتب القصد و الاعتقاد، إلّا ما كان حكمه الكفر و القتل، فإنه بقرينة الكفر ربما يخصّص بمعتقد العلّية و الشرك.

نعم، ربما سرى الوهم في تخصيص عمومات النهي عن النجوم بالحكم على سبيل البتّ، لا مجرّد الإخبار عن أوضاعها، بل و لا عن أحكامها، بل و لا‌

____________

(1) نهج البلاغة: 105 الخطبة 79، مع اختلاف.

119

الحكم بها على سبيل المقتضي أو جريان عادة اللّٰه، من موهمات اعتبار النجوم.

منها: الأخبار المنقولة في السماء و العالم عن ربيع الأبرار الزمخشري عن عليّ (عليه السلام): «من اقتبس علما من النجوم من حملة القرآن ازداد به إيمانا و يقينا، ثم تلا إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ (1) الآية» (2).

و فيه أيضا: «إيّاكم و التكذيب بالنجوم، فإنه علم من علوم النبوّة» (3).

و عن الكاظم (عليه السلام) لمّا سأله هارون عن النجوم و ما ورد فيه عن العامّة قال (عليه السلام): «إن هذا حديث ضعيف و إسناد مطعون فيه، و اللّٰه تبارك و تعالى قد مدح النجوم، و لو لا أن النجوم صحيحة ما مدحها اللّٰه عزّ و جلّ، و الأنبياء كانوا عالمين بها، و قد قال اللّٰه تعالى في حقّ إبراهيم (عليه السلام) وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (4)، و قال في موضع آخر فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ (5)، فلو لم يكن عالما بعلم النجوم ما نظر فيها و ما قال: إنّي سقيم، و إدريس (عليه السلام) كان أعلم أهل زمانه بالنجوم، و اللّٰه تعالى أقسم بمواقع النجوم، وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (6) و قال وَ النّٰازِعٰاتِ غَرْقاً إلى قوله فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً (7) يعني بذلك اثني عشر برجا و سبعة سيّارات، و الذي يظهر بالليل و النهار بأمر اللّٰه عزّ و جلّ و بعد علم القرآن ما يكون أشرف من علم النجوم، و هو علم الأنبياء و الأوصياء و ورثة الأنبياء الذين قال‌

____________

(1) يونس: 6.

(2) ربيع الأبرار 1: 117.

(3) ربيع الأبرار 1: 117.

(4) الأنعام: 75.

(5) الصافّات: 88- 89.

(6) الواقعة: 76.

(7) النازعات: 1 و 5.

120

اللّٰه تعالى وَ عَلٰامٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1)، و نحن نعرف هذا العلم» (2).

إلى غير ذلك من المراسيل الضعيفة الشاذّة الموافقة للعامّة و التقيّة، ممّا لا يقاوم النصوص الناهية سندا و لا دلالة بوجه من الوجوه.

مضافا إلى إمكان الجمع بحمل أخبار صحّة النجوم على العلم المخزون الخاصّ المخصوص بالأنبياء و الأوصياء، بقرينة إضافته إلى حملة القرآن و تخصيصه بالأنبياء.

أو على القدر الذي يهتدى به في البرّ و البحر، كما صرّح باستثنائه في نصوص المنع.

أو على مثل ما يستدلّ بأفولها على حدوثها، و بحدوثها على محدثها، كما فسّر به علم نجوم الخليل (عليه السلام)، و الاستدلال عليه بقوله تعالى إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ (3).

أو على أنه كان له أصل في الجملة قبل الإسلام، كالطيرة و الكهانة، و تعليم هاروت و ماروت السحر، و استراق الشياطين السمع إلى الكهنة، ثم اختلّ وضعها و رفع أثرها بالإسلام، كرفع أثر الكهانة و السحر و الطيرة به.

أو على أنه كان صحيحا حين لم تردّ الشمس على يوشع بن نون و أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما ردّ اللّٰه الشمس عليهما ضلّ فيها علماء النجوم، كما هو صريح بعض الأخبار الآتية (4). و لا شبهة في أن حمل الأخبار الموهمة لصحّة علم النجوم على كلّ من هذه المحامل الخمسة إنما هو بقرينة معيّنة منصوصة، فلا يقاس عليها حمل النصوص الناهية عنه على شي‌ء من محامله الأربعة المذكورة‌

____________

(1) النحل: 16.

(2) فرج المهموم: 107 ح 25.

(3) يونس: 6.

(4) لم يأتي منه «(قدس سرّه)»، و لكن قد تقدم منه في ص: 133.

121

في المتن، إذ ليس على شي‌ء منها قرينة بيّنة و لا مبيّنة، مع كون القياس مع الفارق سندا و دلالة من جهات عديدة.

و من موهمات صحّة النجوم الموهمة لتخصيص عموم. نصوص المنع ما ورد مستفيضا من كراهة السفر و التزويج و القمر في العقرب و المحاق (1)، و استحباب الغسل في النوروز (2)، و الحجامة في سابع حزيران (3)، و الاستشفاء بماء النيسان (4).

و يدفعه: أن هذه الأحكام- كسائر الأحكام الشرعيّة- مبنيّة على الحقائق الواقعيّة لا المسامحات العرفيّة، إلّا أن الاختلاف فيها لمّا كان يسيرا بالغاية، و كان أحكامها من السنن لا الفروض، و لم يسأل عن موضوعاتها الشارع المبيّن كما سئل عن موضوع الفروض في الغروب و الأهلّة حتى يبيّن هنا كما بيّن هناك موضوعاتها الواقعيّة، لا جرم صار البناء فيها على المسامحة تسامحا في أدلّة السنن.

قوله: «من عدا الفرق الثلاث الأول، إذ الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث من أكفر الكفّار لا بمنزلتهم».

أقول: فيه أن من عدا الفرق الثلاث الأول من الفرقتين الأخيرتين ليستا بكافرتين قطعا، نظرا إلى أن الأولى منهما- و هي الاعتقاد بتبعيّة حركة الفلك لإرادة اللّٰه و مجبوليّته لها- عين الحقّ و النصوص المطلقة، كقوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّرٰاتٌ بِأَمْرِهِ (5) و في الرعد:

____________

(1) الوسائل 8: 266 ب «11» من أبواب آداب السفر إلى الحج و غيره، و ج 14: 80 ب «54» من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه.

(2) الوسائل 2: 960 ب «24» من أبواب الأغسال المسنونة.

(3) مستدرك الوسائل 13: 85 ب «11» من أبواب ما يكتسب به ح 41.

(4) مهج الدعوات: 419- 420.

(5) النحل: 12.

122

وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى* (1) و في إبراهيم:

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ (2).

و أمّا الثانية- و هي الاعتقاد بأن اختيارها في التأثير عين اختياره تعالى-:

فلأنه و إن لم يكن دليل على ثبوته إلّا أنه لا دليل أيضا على كفره، بل و لا على بطلانه، لثبوت نظيره في النفوس الملكيّة، كاللوح و القلم و جبرائيل و ميكائيل و عزرائيل، بل و في النفوس البشريّة المعصومة بنصّ وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ* (3)، بل و في النفوس الفلكيّة بظاهر قوله تعالى فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً (4). و ظاهر قوله تعالى وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (5). و ظاهر قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في السماء و العالم عن أبي ذرّ: «قلت: يا رسول اللّٰه أين تغيب الشمس؟ قال: في السماء، ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة معها الملائكة الموكّلون بها، ثم تقول: يا ربّ من أين تأمرني أن أطلع، أ من مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قوله تعالى وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهٰا (6) الحديث» (7). بل ربما أثبتوا الاختيار في جميع الأشياء بظاهر قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (8).

و كيف كان، فلو لم يثبت الدليل على صحّة الاعتقاد الخامس كالرابع فلم‌

____________

(1) الرعد: 2.

(2) إبراهيم: 33.

(3) الإنسان: 30.

(4) النازعات: 5.

(5) يس: 40.

(6) يس: 38.

(7) التوحيد: 280 ح 7، و فيه: فتخرّ ساجدة فتسجد معها الشمس.

(8) الأسراء: 44.

123

يثبت على بطلانه، فضلا عن الدليل على كفره. فتعيّن انحصار كفر المنجّم من حيث الاعتقاد في الفرق الثلاث الأول لا غير. و أمّا قوله: «الفرق الثلاث من أكفر الكفّار لا بمنزلتهم». ففيه أن تنزيل المنجّم منزلة الكافر إنما يصحّ على ما استظهرناه من عموم موضوع التنجيم المحرّم لما عدا فرق الاعتقاد، من جميع سائر معانيه المجرّدة عن اعتقاد الكفر، من جهة كونه من مقولة العلوم و الملكات كالحرف و الصناعات، فيشمل عموم التحريم النظر في النجوم و التعليم و التعلّم و الإخبار عن أوضاعه، فضلا عن أحكامه، فضلا عن الحكم به على وجه جريان عادة اللّٰه بالتأثير عندها، فضلا عن الحكم به على وجه الاقتضاء. و يشملها أيضا عموم صدق التنزيل بالسحر و الكهانة و الكفر، للملازمة، و صدق عموم المنزلة بالكفر في سوء الوبال و الفعال و عظم الخطيئة و المآل.

و أمّا على ما استظهره المصنف من خروج جميع ما عدا فرق الاعتقاد من سائر المعاني المتقدّمة، بدعوى انصراف موضوع التنجيم عنها إلى صورة الاعتقاد، و خروج صور الاعتقاد الثلاث من عموم المنزلة، لعدم صدقها على أكفر الكفرة، فيلزمه خلوّ المورد أصلا و رأسا، لعمومات المنع عن علم التنجيم و الحساب.

قوله: «مع صحّة عقائدهم الإسلاميّة فغير معلوم دخولهم في المنجّمين».

أقول: فيه أولا: أن اجتماع صحّة العقيدة مع استخراج النجوم و تخريص المنجّم مجرّد فرض محال، كفرض اجتماع العدالة مع الوسواس و قطع القطّاع.

و ثانيا: لو سلّمنا صحّة عقائدهم الإسلاميّة فإنما هو مانع من خصوص كفر المنجّم و دخوله في خصوص نصوص كفر المنجّم، لا من دخوله في عموم المنجّم و سائر أحكام لعنه و تكذيبه و ذمّه و التحذّر منه و الطعن عليه و تنزيله منزلة الكاهن و الساحر.

124

قوله: «و يؤيّده ما رواه في البحار (1) .. إلخ».

أقول: فيه منع التأييد بمكاتبة النوبختي، لما فيها من قصور المقاومة لنصوص ذمّ المنجّم سندا و دلالة و كيفيّة و كمّية و اعتضادا، من جهات شتّى، بل من جميع الجهات.

قوله: «و القولان باطلان .. إلخ».

أقول: حاصل الكلام في الوجه الثاني من وجوه اعتقاد سببيّة النجوم للتأثيرات على وجه المدخليّة الناقصة: أنهم اختلفوا في حكم المعتقد به على أقوال:

أحدها: الكفر. و هو المنقول عن المجلسي (2). قال المصنف: و لعلّ وجهه المخالفة للضرورة. أقول: أو الموافقة لعموم نصوص تكفير المنجّم.

و ثانيها: التخطئة و العصيان. و هو المنقول عن الشهيد في قواعده (3). قال المصنف: و لعلّ وجهه عدم المقتضي لصحّته من العقل و النقل. أقول: أو وجود المانع من صحّته، من عموم النهي و المنع من التنجيم.

و ثالثها: صحّة الاعتقاد به. و هو المنقول عن القاشاني (4).

قال المصنف: و هو خلاف المشهور.

أقول: فيه أن الذي هو خلاف المشهور إنما هو صحّة الاعتقاد بتأثيراته الشخصيّة الجزئيّة المعيّنة عند المنجّمين، الذي هو محلّ النزاع، و أمّا الاعتقاد بتأثيراته الكلّية الإجماليّة الواقعيّة على ما هي عليها في الواقع، الخارج عن محلّ النزاع، الذي هو مراد الكاشاني في إثبات البداء به، فليس بخلاف المشهور، بل‌

____________

(1) بحار الأنوار 58: 250 ح 36.

(2) بحار الأنوار 58: 308.

(3) القواعد و الفوائد 2: 35.

(4) كتاب الوافي 1: 507- 508 ب «50» من أبواب معرفة مخلوقاته و أفعاله سبحانه.

125

هو المشهور المنصور المتّفق عليه ظواهر نصوص الكتاب و السنّة.

بل ظاهرها أن الأجرام السفليّة فضلا عن العلويّة لها تأثير و عقل و روح و شعور و اختيار و إرادة و إطاعة أيضا، و إن كان الذي فيها من العقل و الروح و الشعور مخالفا لما في سائر ذي العقول و الشعور كمّا و كيفا، فإن مقدوراته تعالى غير متناهية كمّا و لا كيفا، و لا يحيطون بشي‌ء من علمه إلّا بما شاء (1)، كما قال تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (2).

وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلّٰا أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ (3). و قوله:

إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا (4). و قوله لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ (5).

و قوله تعالى: للسماء و الأرض ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ (6). فإن ظاهر استناد القول و الأمر و الإطاعة و ضمير من يعقل إليهما تضمّنهما لضرب من العقل و الروح و الشعور.

و قوله تعالى وَ النُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ* (7) وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ (8) وَ جَعَلْنٰاهٰا رُجُوماً لِلشَّيٰاطِينِ (9)

____________

(1) البقرة: 255.

(2) الأسراء: 44.

(3) الأنعام: 38.

(4) الأحزاب: 72.

(5) الحشر: 21.

(6) فصّلت: 11.

(7) النحل: 12.

(8) إبراهيم: 33.

(9) الملك: 5.

126

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ (1) فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً (2) و قوله وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ (3) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (4).

و قوله (عليه السلام) في دعاء الصحيفة عند رؤية الهلال: «أيّها الخلق المطيع الدائب السريع» (5) الدعاء و التسليم و التوديع له و مخاطبته بخطاب من يعقل. و قوله (عليه السلام):

«يا من بكت عليه السماء و الأرض بالدماء» (6) «و إن الأرض لتشكو من بول الأغلف» (7) و نوم الغافل و عصيان العاصي، و تستغفر للمطيع و تشهد للمصلّي و الساجد. إلى غير ذلك ممّا لا يعدّ و لا يحصى.

بل الضرورة على صحّة نسبة الآثار المحسوسة إلى الكواكب و الأفلاك، كقول الموحّد: أنزلني الدهر، و أنبتنا الربيع، و أصهرنا الشمس، و أضاءنا القمر، و شفانا الطبيب، و سقانا المطر. إلى غير ذلك.

و لكن قد عرفت أن ذلك كلّه إنما يدلّ على صحّة التأثيرات الواقعيّة في النجوم على ما هي عليها في الواقع، دون التأثيرات المستخرجة بالتخمين و التخريص و الرجم بالغيب الذي هو عيب و ريب. و الاستدلال على صحّتها و صحّة معتقدها بتلك النصوص المذكورة من قبيل المغالطة و الإشارة إلى الصورة المنقوشة بقول: هذا فرس، و كلّ فرس صاهل، فهذا صاهل.

قوله: «الثالث استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار .. إلخ».

____________

(1) الصافّات: 88 و 89.

(2) النازعات: 5.

(3) الرعد: 13.

(4) النور: 24.

(5) الصحيفة السجاديّة: 216.

(6) ذكر نظيره في البحار 45: 206 و 215 ح 13 و 38.

(7) الوسائل 15: 160 ب «52» من أبواب أحكام الأولاد ح 1، مع اختلاف.

127

أقول: الكلام في هذا الوجه الثالث هو الكلام في الوجه الثاني السابق، من حيث الصحّة و البطلان، و الوجوه و الأقوال، و ما هو حقيقة الحال من المختار و مدلول الأخبار.

قوله: «بل في بعض الأخبار ما يدلّ بظاهره على ثبوت التأثير للكواكب .. إلخ» (1).

أقول: مدلول هذه الأخبار كمدلول النصوص المتقدّمة إنما هو ثبوت التأثير الواقعي لها على ما هي عليها في الواقع، الخارج عن محلّ الكلام. و الاستدلال عليها بالأخبار المذكورة من قبيل المغالطة و الإشارة إلى الصورة المنقوشة بالحقيقة الكلّية الواقعيّة. بل هي على نفي المدّعى و بطلانه أدلّ من الدلالة على المدّعى و صحّته بأبلغ وجه.

[المسألة السابعة حفظ كتب الضلال حرام في الجملة]

قوله: «حفظ كتب الضلال لا يحرم إلّا من حيث ترتّب مفسدة الضلالة قطعا أو احتمالا قريبا .. إلخ».

أقول: محصّل شقوق المسألة: أن كتب الضلال إمّا أن يكون فيها مفسدة فعليّة، أو شأنيّة. و على كلّ منهما: إمّا قطعيّة، أو ظنّية عبّر عنها المصنف بالاحتمال القريب. و إمّا لم يكن فيها مفسدة، أو كان فيها مفسدة فعليّة معارضة بمصلحة أقوى، أو شأنيّة معارضة بأقوى أو أقرب.

أمّا الشقوق الأربعة الأول فلا ريب في حرمتها و دخولها في عموم ما سبق من الأدلّة العقليّة المقدّمية التوصّليّة و النقليّة المطلقة.

و أمّا الأربعة الآخر فلا دليل على حرمتها و دخولها فيما تقدّم من الأدلّة إلّا على تقدير إطلاق معقد عدم الخلاف غير القاصر عن الإجماع، أو إطلاق سائر الأدلّة على الوجه الدالّ على حرمتها بالحرمة النفسيّة و المفسدة الذاتيّة، لا الغيريّة‌

____________

(1) الاحتجاج 2: 250.

128

الموصلة إلى مفسدة الضلال و الإضلال، كحرمة الخمر و الغناء و القمار و الزنا و الملاهي و الأشعار.

و على كلّ تقدير فالمراد من كتب الضلال إما مطلق ما يكون باطلا في نفسه مع الغضّ عمّا يترتّب عليه من الضلال و الإضلال، ككتب النجوم و السحر و الشعبدة و الرمل و الجفر، و ملاهي الرقص و القمار و الغناء و الأشعار و الشطرنج و الأعداد و الفال، و كتب الأكاذيب و الأباطيل.

و إمّا مطلق ما وضع لحصول الضلال، أي: ما من شأنها أن تضلّ، كأكثر كتب العرفان و فلاسفة الزمان و الطبيعيّين و شعراء الجاهليّة و الصوفيّة و البابيّة و الشيخيّة و المخالفين، و كبعض الظواهر المنكرة و المتشابهات المؤوّلة شرعا ممّا من شأنها الضلال بالنسبة إلى الجهّال الغافلين عن قرائن الأحوال.

و إمّا ما يوجب الضلال و ليس له في الكتب المضلّة مثال، إذ ليس فيها في حقيقة الحال ما يوجب الضلال و الإضلال إلّا بضميمة سوء الفعال و الإعوجاج عن الاعتدال، لوجوب اللطف و إزاحة العلّة، ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة.

فتعيّن إما إرادة المعنى الأول من كتب الضلال، كما هو مدلول إطلاق بعض الأدلّة النقليّة (1)، و إمّا الثاني، كما يقتضيه الدليل العقلي و هو التعاون على الإثم و العدوان. و لازم الأول هو عدم الماليّة في كتب الضلال، لا حرمة الحفظ و وجوب الإتلاف، و لازم الثاني الثاني.

قوله: «نعم، توجب الضلالة لليهود و النصارى قبل نسخ دينهما».

أقول: بل لا فرق في موجبيّة الكتب المحرّفة الضلالة و دخولها في كتب الضلال بكلا معنييه بالنسبة إلى المسلمين و غيرهم، و لا بالنسبة إلى ما قبل النسخ‌

____________

(1) الوسائل 8: 268 ب «14» من أبواب السفر إلى الحج و غيره ح 1.

129

و بعده، بل و لا بالنسبة إلى العالم بالنسخ و الجاهل. بل هي من أوضح أفراد كتب الضلال، و إلّا لم يكن لها مثال في حال.

غاية الفرق أنها بالنسبة إلى المسلمين- و بعد بداهة نسخها- توجب الضلال بمعنى الشبهة في مقابل البداهة، و بالنسبة إلى اليهود و النصارى قبل نسخها توجب الضلال الشأني، بمعنى الضلال لو لا المانع من تحصيل الحاصل، و بعد نسخها توجب الثبات على الضلال و تقوّيه و تشييده، و محق الحقّ و توهين الدين و هتكه.

و لو لم يكن فيها إلّا ما فيها من شدّ عزم الضالّين على الضلال، و إيهام عوام المسلمين- كالمخالفين- لشبهة الحقّية و الصحّة و الحلّية في مثل نكاح المحارم، و حلّية الخمر و النبيذ، و تخطئة الأنبياء و تخميرهم (1)، و الفجور بمحارمهم عند تخمير العقل و لو قبل النسخ، و التسبيح و التهليل بالرقص و الدفّ و العود و المزمار، و ارتداد هاروت و ماروت من الملائكة المعصومين، و شبهة الجبر و التفويض و التجسيم، و جواز الرؤية على اللّٰه، إلى غير ذلك من الشنائع و القبائح و الأباطيل المضلّة السارية من تلك الكتب المحرّفة إلى أكثر فرق الإسلام، فهو كاف في صدق الضلال و الإضلال، بل هو في أضلّ ضلال، و أكفر الأحوال، و من أسوأ سوء الظنّ و الفعال بأحكام ذي الجلال، و أحوال ذوي العصمة و الكمال.

و غاية توجيه منع المصنف من إطلاق إيجابها الضلال مع ذلك كلّه لعلّه الجمود على كون التحريف هو مطلق الزيادة و النقيصة مع الغضّ عن كيفيّة تحريفها، على وجه لا يخلو عن أحد مراتب الضلال و الإضلال على سبيل منع الخلوّ، أو الجمود على مرتبة من مراتب الضلال الفعلي و الغضّ عن تعدّد مراتبها بما لا يحصى، و عن تعيين كون المراد من ضلال الكتب وضعها للضلال الشأني،

____________

(1) أي: نسبة شرب الخمر إليهم، كما نسب إليهم ذلك في الأناجيل المحرّفة.

130

و أن فعليّتها الضلال ليس له مثال، و لا يحصل في حال، و أنه ما من شي‌ء من أنواع الكفر و الضلال و الشرك و الإضلال إلّا و هو مملوء منها بالتحريف، و منسوب فيها بالتوصيف إلى اللّٰه و إلى خلفائه، تعالى اللّٰه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

مضافا إلى أن مجرّد وجود الباطل في مقابل الحقّ، و الكتاب المحرّف في مقابل القرآن، لا يقصر في هتك الحقّ و تقوّي الكفر و توهين القرآن من نصب الأصنام في المسجد الحرام، و حكومة الظلّام في مقابل الإمام، و بناء مسجد ضرار في مقابل مسجد الأخيار.

و ممّا ذكرنا يظهر لك أن حكم تصانيف المخالفين بأسرها من الأصول و الفروع و الحديث و التفسير حكم الكتب المحرّفة، بل هي هي طابق النعل بالنعل. و أن منع المصنف من شمول الأدلّة لها إلّا القليل ممّا ألّف في الجبر و نحوه ممنوع بما عرفت، من أن المراد بكتب الضلال إن كان مرتبة فعليّة من الضلال فليس له مثال في حال، حتى ما استثناه من القليل المؤلّف في الجبر. و إن أريد به سائر مراتبه الشأنيّة فلا يخلو شي‌ء منها من شي‌ء من مراتب الضلال الشأني، و لو بإيثار الثبات، و إلقاء الشبهات، و تقديم المتشابهات على المحكمات، و تفسير القرآن بالرأي و الاستحسان، و القول في الدين بقياس الشياطين، و تأويل النصوص بأهواء النفوس، و تحريف الكتاب بغير حساب، و جعل الأكاذيب الباطلة من جملة الأدلّة، كاستدلالهم على طهارة المنيّ بما عن أبي هريرة عن عائشة أنها كانت تحكّ المنيّ من ثوب النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) (1)، أي: لم تغسله، فقد ترى ما فيه من ضعف الدلالة و السند، و إثبات الفاسد بالأفسد، إلى غير ذلك ممّا فيه من مفسدة شوب الفطرة السليمة، و اعوجاج السليقة المستقيمة، و الانحراف عن الدين القيّمة.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 238 ب «32» حكم المني، تلخيص الحبير 1: 32 ح 21، لكن الحديث لم يرد عن أبي هريرة.

131

[المسألة الثامنة الرشوة حرام]

قوله: «و يدلّ عليه الكتاب و السنّة».

أقول: بل الأدلّة الأربعة. فمن الكتاب قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (1). و قوله تعالى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبٰارِ وَ الرُّهْبٰانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ (2). وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ (3). و قوله تعالى أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ (4).

و من العقل وضوح كون الرشوة ظلما قبيحا، خصوصا على الحكم بالباطل، و خصوصا للآخذ، و خصوصا مع الغناء و تعيّن القضاء. مضافا إلى دلالة الفطرة السليمة على قبحه و حسن تركه، حتى عند الكفرة و الملاحدة و خارجي المذهب، فقد نقل في قضاء السرائر أن عمر بن عبد العزيز المرواني في زمان خلافته «أهدي إليه تفّاحة فلم يقبلها، فقيل له: إن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يقبل الهديّة، قال:

إنها للنبيّ و في زمانه هديّة، و لنا في هذا الزمان رشوة» (5). إلى غير ذلك.

قوله: «قلّما يستعمل الرشوة إلّا فيما يتوصّل به إلى إبطال حقّ .. إلخ».

أقول: محصّل المفاد ممّا يصطاد: أن في كون الرشوة بذل شي‌ء على مطلق ما لا يجوز البذل عليه من حكم أو تطلّب أمر، أو خصوص ما إذا كان المبذول عليه حكما أو أمرا باطلا، أو الأعمّ منه و ممّا يكون حقّا، بأن يكون الرشوة مطلق ما يبذل لتحصيل غرض الباذل مطلقا حقّا كان أو باطلا، أو خصوص ما يبذل على الحكم بالباطل دون الأمر الباطل، وجوها بل أقوالا أربعة.

و عن المختلف تفصيل خامس، و هو جواز الرشى مع عدم الغناء و عدم‌

____________

(1) البقرة: 188.

(2) التوبة: 34.

(3) النساء: 161.

(4) المائدة: 42.

(5) كتاب السرائر 3: 178، لكن الحديث ذكره في ب الهبات و النحل و ليس في القضاء.

132

تعيّن القضاء، و عدم جوازه مع الغناء أو تعيّن القضاء (1). و لكن الوجوه السابقة تفصيل في موضوع الرشى، و الخامس تفصيل في حكمه.

و الأشهر الأظهر في كلّ من المقامين العموم و الإطلاق، لعموم الأدلّة و إطلاقها، إلّا ما لا يصلح للتخصيص ممّا يوهمه، مثل قوله: «و ممّا يدلّ على عدم عموم الرشى لمطلق الجعل على الحكم ما تقدّم في رواية عمّار بن مروان (2) من جعل الرشى في الحكم مقابلا لأجور القضاة».

و يدفعه: أن حمل المطلق على المقيّد عرفا إنما هو مع اتّحاد حكمهما، كأعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة، و أمّا مع اختلاف حكمهما، كأعتق رقبة و أطعم رقبة مؤمنة، فلا يحمل المطلق على المقيّد. و كذلك ما نحن فيه، فإن قولك: أجور القضاة سحت، و أمّا في الحكم فهو الكفر باللّه، فليس بظاهر في اتّحاد الحكم حتى يكون قرينة على الحمل و اتّحاد الموضوع. و من هنا لا يتأتّى الحمل في الأحكام الندبيّة و الوضعيّة، لقابليّتهما التعدّد، بخلاف مراتب الإلزام. فقوله (عليه السلام):

«أجور القضاة سحت» «و أمّا في الحكم فهو الكفر» نظير قوله: الظلم حرام، و أمّا بآل الرسول فهو أحرم و أشدّ، في عدم اقتضاء الحمل.

و مثل قوله: «في رواية يوسف بن جابر فيمن لعنه النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة» (3).

و يندفع: لكن لا بما في المتن من حمل الاحتياج فيه على الاحتياج إلى نوعه لا شخصه، لأنه خلاف الظاهر، بل لأن مفهوم و هو لا يحرم سؤال الرشوة ممّن لا يحتاج إليه الناس من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. مضافا إلى عدم حجّية مفهوم الوصف.

____________

(1) مختلف الشيعة: 342.

(2) الخصال 1: 329 ح 26.

(3) الوسائل 18: 163 ب «8» من أبواب آداب القاضي ح 5.

133

و مثل قوله (عليه السلام) في رواية حمزة بن حمران: «إنما ذاك الذي قضى بغير علم و لا هدى من اللّٰه ليبطل به الحقوق، طمعا في حطام الدنيا» (1).

و يندفع: لكن لا بمجرّد دعوى كون الحصر إضافيّا حتى يقال إنه خلاف الظاهر، و إن لم يكن خلافه، بل لو سلّمنا ظهوره في الحصر الحقيقي إلّا أنه مع ذلك لا يدلّ على حصر حرمة الرشى بالقضاء الباطل. أمّا على تقدير كون اللام في قوله «ليبطل به الحقوق» للعاقبة و المآل، كما في قوله تعالى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (2) فواضح أن بطلان المآل بسوء عاقبة الفعال لا ينافي ترتّبه على نيّة العكس، أعني: قصد القضاء بالحقّ بواسطة اقترانه بقصد الرشى، كما أن جميع العبادات المقرونة بغير الخلوص يترتّب عليها سوء عاقبة البطلان و إن قصد بها الصحّة. و أمّا على تقدير كون اللام المذكورة للغاية فلأن القضاء بالرشى باطل شرعا و إن قضى بالحقّ واقعا، كما في مقبولة ابن حنظلة:

«و ما يحكم له- أي: السلطان الجائر و قاضي الجور- فإنما يأخذه سحتا، و إن كان حقّه ثابتا» (3). فتأمّل.

و مثل قوله: «كما يظهر بالتأمّل في رواية يوسف (4) و عمّار (5)».

و يدفعه: وضوح عدم ظهور الروايتين في اختصاص حرمة الرشى بصورة الاستغناء بالتأمّل، بل الظهور بالعكس. مضافا إلى توقّف التخصيص على المخصّص و الانصراف على الصارف، و إذ ليس فليس، خصوصا مع عموم [حرمة] أجور القضاة.

____________

(1) الوسائل 18: 102 ب «11» من أبواب صفات القاضي ح 12.

(2) القصص: 8.

(3) الوسائل 18: 98 ب «11» من أبواب صفات القاضي ح 1.

(4) الوسائل 18: 163 ب «8» من أبواب آداب القاضي ح 5.

(5) الخصال 1: 329 ح 26.

134

و مثل قوله: «لما تقرّر عندهم من حرمة الأجرة على الواجبات العينيّة». «و لا مانع من التكسّب بالقضاء من جهة وجوبه الكفائي».

و يدفعه: ما سيأتي من أن فعل الواجب مطلقا و لو كان كفائيّا- ما لم يسقط بفعل الغير- غير قابل عرفا و لا شرعا للماليّة و الملكيّة، حتى يصحّ المعاوضة عليها بالاجور و الماليّات، كالعبادات. و حينئذ فإن جعل العوض و الأجر على نفس فعل الواجب فلا يصحّ مطلقا و لو في الكفائيّ و التوصّلي. و إن جعل العوض و الأجر على ما يقارن فعلها من إيجاد الداعي و نحوه صحّ حتى في الواجب العيني، بل العبادات فضلا عن الكفائيّ و التوصّليّات.

قوله: «و أمّا ما تقدّم في صحيحة ابن سنان (1) من المنع من أخذ الرزق من السلطان فقد عرفت الحال فيه».

[أقول:] أي: من كون الآخذ غير أهل، أو كون المأخوذ من غير بيت المال، كما في الفقيه في جواب من قال لعليّ (عليه السلام) و اللّٰه إنّي لأحبّك، فقال له:

«و لكنّي أبغضك، قال: و لم؟ قال (عليه السلام): لأنّك تبغي في الأذان كسبا، و تأخذ على تعليم القرآن أجرا». و قال (عليه السلام): «من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة» (2). و فيه أيضا عن الصادق (عليه السلام): «أنا أقرأ القرآن فتهدي إليّ الهديّة فأقبلها؟ قال: لا، قلت: إن لم أشارطه، قال: أ رأيت إن لم تقرأ كان يهدى لك؟ قلت: لا، قال: فلا تقبله» (3).

قوله: «و أمّا الهديّة، و هي ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودّة الموجبة للحكم له، حقّا كان أو باطلا .. إلخ».

أقول: فيه أنه إن أريد بالهديّة معناها الحقيقي فهو كالهبة و التحيّة و العطيّة‌

____________

(1) الوسائل 18: 161 ب «8» من أبواب آداب القاضي ح 1.

(2) من لا يحضر الفقيه 3: 109 ح 461، و فيه اختلاف يسير.

(3) من لا يحضره الفقيه 3: 110 ح 462، و فيه اختلاف يسير.

135

وزنا و معنى و حكما، لأن معناه ما يبذل بقصد التفضّل و الإحسان، لا لغرض فساد و بطلان، على عكس الرشوة، محكوم عليه بالحسن و الرجحان لا الحرمة و البطلان، بالأدلّة الأربعة.

و إن أريد بها معناها المجازي بقرينة الحكم عليه بالغلول و السحت، فهو و إن كان كذلك إلّا أن معناه ما يبذل ظاهرا و صورة على وجه الهديّة و الإحسان، و معنى و باطنا بقصد الرشوة و البطلان مطلقا، سواء قصد منه الحكم بتوسّط إيثار المودّة الموجبة له أم بدون الواسطة، فإن ذلك غير فارق معنى و لا حكما بين الرشوتين، بل الفارق الخفاء و الظهور في البين. مضافا إلى أنه لو سلّم الفارق المذكور بينهما لزم تقديم الهديّة على الحكم لا تأخيرها، لامتناع تأخّر السبب عن المسبّب، و الحال تأخيرها في تفسير السحت بقوله (عليه السلام): «هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثم يقبل هديّته» (1).

قوله: «و للرواية توجيهات».

أقول: أمّا وجه احتياجها إلى التوجيه فلمخالفة حرمة الهديّة بعد قضاء الحاجة، لظهورها في معنى العطيّة و الإحسان الممدوح عقلا و نقلا.

و أمّا التوجيهات فيجمعها أن قبول الهديّة للقاضي الحاجة إمّا أن يكون مع قصد كلّ من الباذل و القابل الرشى في القضاء و الإهداء، أو مع قصد الباذل لا القابل، أو العكس، أو لا مع قصد أحدهما الرشى.

و أمّا في صورتي قصد الباذل الرشى فتحرم الهديّة ذاتا و نفسا، لكونها الرشى اسما و حكما.

و أمّا في صورتي عدم قصد الباذل فهي و إن لم تحرم ذاتا و نفسا، لعدم صدق الرشى اسما، إلّا أن مقتضى ظاهر الرواية، و عموم «هدايا العمّال غلول‌

____________

(1) الوسائل 12: 64 ب «5» من أبواب ما يكتسب به ح 11.

136

و سحت» (1)، و أصالة عدم التخصيص و التقييد بلا مخصّص و لا مقيّد، هو حرمتها من باب المقدّمة، للتجرّي و الاقتحام في مزالّ الأقدام، و الوقوع في معرض الحرام، و استحلال جميع الآثام بالحيل و الأوهام، فإن النفس إذا اعتادت بالهدايا لم تخف الوقوع في البلايا، و إذا ذاقت حلاوة التحف أمنت من الوعيد و الأسف، و استحلّت الحرام بالحيل و الحرف، فإن النفس لأمّارة بالسوء إلّا ما رحم، و لا عاصم إلّا من عصم.

و لعلّ ما ذكرنا من حمل الوجهين الأخيرين من الهديّة المحرّمة على الحرمة الغيريّة المقدّميّة أولى من حمل المصنف إيّاهما على المبالغة في رجحان التجنّب عن قبول الهدايا، لأن الأول محمل حقيقيّ أو أقرب مجاز من الثاني.

قوله: «لا لأجل الرشوة، لعدم الدليل عليه، عدا بعض الإطلاقات المنصرف إلى الرشى في الحكم، بل لأنه أكل للمال بالباطل .. إلخ».

أقول: فيه أولا ما عرفت من منع عدم الدليل عليه بعد عموم الرشى و إطلاقها عليه، و منع التخصيص بلا مخصّص و الانصراف بلا صارف.

و ثانيا: سلّمنا، لكن الفرق بين ما يحرم لأجل الرشوة فيحرم قبضه، و ما يحرم للأكل بالباطل فلا يحرم قبضه بل يحرم تصرّفه، ممنوع جدّا، و لا وجه له أصلا، لأن النهي عن الأكل كناية عن مطلق التصرّف، كالنهي عن التأليف في:

فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ (2) حيث إنه كناية عن مطلق الضجر.

قوله: «و أمّا بذل المال على وجه الهديّة الموجبة لقضاء الحاجة المباحة فلا خطر فيه، كما يدلّ عليه ما ورد .. إلخ».

[أقول:] و فيه أولا: منع حلّية الهديّة الموجبة لقضاء الحاجة المباحة، لعموم‌

____________

(1) الوسائل 18: 163 ب «8» من أبواب آداب القاضي ح 6، و فيه: هدية الأمراء غلول.

(2) الأسراء: 23.

137

النصوص المحرّمة لهدايا العمّال، خصوصا المفسّر للسحت بقوله (عليه السلام): «هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثمّ يقبل هديّته» (1) صريح في حرمة الهديّة الموجبة لقضاء الحاجة.

و ثانيا: منع دلالة ما استدلّ به عليه من قوله: «لا بأس ببذل الرشوة ليتحرّك من منزله ليسكنه» (2) فإنّه إنّما يدلّ على حلّية الرشوة في إزاء الحقوق الماليّة الخارجة عن محلّ الكلام، لا الأحكام الشرعيّة و لا الأمور غير الماليّة التي هي محلّ الكلام.

و ثالثا: منع دلالة ما استدلّ به على التفصيل في الرشوة بين الحاجة المحرّمة و غيرها برواية أبي بصير (3)، لأنّها إنّما تدلّ على التفصيل في الرشوة بين ما يدفع به الظلم فيباح لدافعة لا لآخذه، و ما يوجبه فتحرم مطلقا. و هو أيضا تفصيل في الرشوة بين المحرّم و غيره من الحقوق الماليّة، لا الأحكام الشرعيّة و لا الأمور غير الماليّة، بل تفصيل بين الإرشاء و الرشوة، و ما يدفع الضرر و يصلح المال، و ما يوجب الإضرار و يفسده، و هو خارج عن محلّ الكلام بكلا شقّيه.

قوله: «و المراد المنزل المشترك كالمدرسة و المسجد و السوق».

أقول: وجه تخصيصه بالمنزل المشترك من حقوق الاختصاص دون الأملاك الخاصّة و المشتركة المشاعة لعلّه من جهة عدم إطلاق الرشوة على ما بإزاء الحقوق الملكيّة، و إنّما يطلق عليها الثمن أو مال الإجارة، و إنّما أطلق مجازا على ما بإزاء الحقوق الماليّة المشتركة كالأوقاف تنزيلا لها منزلة الأملاك الخاصّة‌

____________

(1) الوسائل 12: 64 ب «5» من أبواب ما يكتسب به ح 11، مع اختلاف يسير.

(2) الوسائل 12: 207 ب «85» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

(3) الوسائل 12: 409 ب «37» من أبواب أحكام العقود ح 1، و فيه عن الصيرفي.

138

الخارجيّة.

قوله: «و لو لم يقصد بها المقابلة، بل أعطى مجّانا ليكون داعيا على الحكم، و هو المسمّى بالهديّة، فالظاهر عدم ضمانه، لأنّ مرجعه إلى هبة مجّانيّة فاسدة .. إلخ».

أقول: الفرق بين صور الرشوة الثلاث كون المقصود بالمحاباة في الأوّل المقابلة للحكم، و في الثاني المقابلة لسببه الداعي إليه من إيثار المحبّة الموجبة للحكم، و في الثالث جعل الداعي مقرونا بالإرشاء لا عوضا مقابلا للرشوة.

و حكم الأوّلين حكم الهبة المعوّضة بعوض فاسد في ضمان المأخوذ.

و حكم الثالث حكم الهبة المجّانيّة الفاسدة، بعد فرض عموم (1) حرمة الرشى لكلّ منها في عدم ضمان المأخوذ.

قوله: «لأنّ مرجعه إلى هبة مجّانيّة فاسدة، إذ الداعي لا يعدّ عوضا .. إلخ».

أقول: بل و يمكن إرجاعه إلى هبة مجّانيّة صحيحة لا يضمن بصحيحه كما لا يضمن بفاسده، أو هبة معوّضة بعوض صحيح كذلك، نظير الهبة و العطيّة و الصدقة على الكفّار أو المنافقين لأجل تأليف قلوبهم إلى الإسلام أو الإيمان، على وجه المعاوضة و المقابلة أو الداعي و المقارنة للرشى المباح شرعا. و لكن إمكان ذلك مبنيّ على تقدير أن يكون الرشى كالكذب مقتضيا للقبح و الحرمة ما لم يمنع منه مانع ضرورة أو يعارض بأقوى مصلحة كإنجاء مسلم و نحوه، و إلّا فعلى تقدير كونه كالظلم علّة تامّة للقبح و الحرمة فلا يتأتّى الصحّة في شي‌ء من‌

____________

(1) الوسائل 12: 61 ب «5» من أبواب ما يكتسب به.

139

كيفيّاته و مراتبه بوجه من الوجوه، إلّا بالخروج الموضوعي عن حقيقة العدوان إلى محض الإحسان.

قوله: «و كونها من السحت إنّما يدلّ على حرمة الأخذ لا على الضمان».

أقول: حرمة الأخذ و إن لم يدلّ على ضمانه بنفسه إلّا أنّه يدلّ عليه بضميمة الملازمة العقليّة الثابتة سابقا بين حرمة الشي‌ء و حرمة غاياته، كدلالة حرمة التصوير على حرمة إبقائه و وجوب محوه، و حرمة الأكل على حرمة إبقائه في الجوف و وجوب تقيّئه، و دلالة وجوب تحمّل الشهادة على وجوب أدائها، و وجوب أدائها على وجوب قبولها. و منه دلالة حرمة أخذ الرشوة على حرمة إبقائها و وجوب ردّها و ضمانها، إلّا ما خرج بإسقاط ضمانه من قبل المالك الحقيقي، كإسقاطه ضمان الخمر و الخنزير و آلات اللهو و القمار، أو من قبل المالك المجازي، كإسقاطه ضمان المجّانيّات و ما أذن بإتلافه أو إهلاكه.

قوله: «فروع في اختلاف الدافع و القابض».

أقول: أمّا أقسام الاختلاف في الضمان و عدمه فكما أشار إليه المصنّف ثلاثة، لأنّ منشأ الاختلاف إمّا من جهة الاختلاف في صحّة الهديّة و فسادها بعد الاتّفاق على تحقّق الهديّة.

و إمّا من جهة الاختلاف في أصل تحقّق الهديّة و عدمه، بأن يدّعي القابض الهديّة، و الدافع ينكرها و يدّعي الرشوة.

و إمّا من جهة الاختلاف في مضمونيّة المدفوع الفاسد و عدمه، بأن يدّعي الدافع أنّه رشوة أو هديّة فاسدة مضمونة، و القابض يدّعي أنّه هديّة فاسدة غير مضمونة.

و أمّا مورد الاختلاف ففيما أشار إليه المصنّف بقوله: «إذا كانت الدعوى‌

140

بعد التلف» إذ لو كانت قبله كانت الدعوى رجوعا في الهبة على التقديرين، و انتفى أثر الخلاف في البين.

و أمّا مرجع الاختلاف، فلتقديم قول القابض أصالة البراءة، و عدم الضمان، و استصحاب عدم تحقّق سببه. و لتقديم قول الدافع أصالة الضمان، بمعنى عموم:

«على اليد» (1)، و أعرفيّة الدافع بنيّته الراجع إلى قاعدة: «من ملك شيئا ملك الإقرار به» و أصالة الصحّة في فعل المسلم، الراجع إلى أمارة غلبة الصحّة في فعل المسلم، و إلحاق الظنّ الشي‌ء بالأعمّ الأغلب. و لكن مجرى الأخير فيما عدا الوجه الأخير.

ثمّ إنّ هذه الأصول الثلاثة المقتضية للضمان و إن كانت متراكمة متوافقة في اقتضاء الضمان، إلّا أنّ كلّا منها حاكمة على كلّ ما في طرف القابض من أصالة البراءة و عدم الضمان و استصحاب عدم سببه. أمّا أصالة الصحّة فلكونها من الأمارات الناظرة إلى الواقع، النازلة منزلة الواقع، الرافعة لموضوع كلّ الأصول و القواعد. و أمّا قاعدتا اليد و أعرفيّة الناوي بنيّته فلأنّهما قاعدتان مجعولتان في مورد استصحاب العدم، و هو قرينة معيّنة لحكومتهما على الاستصحاب الحاكم على سائر الأصول، و حاكم الحاكم حاكم. و لعلّ قوله:

«فافهم» إشارة إلى ذلك.

قوله: «و يحتمل العدم، إذ لا عقد مشترك هنا اختلفا في صحّته و فساده .. إلخ».

أقول: مجرى أصالة الصحّة في فعل المسلم لا يختصّ بعقوده، بل يعمّ مطلق أفعاله و نيّاته، بل و أقواله لو لا الدليل المخرج لقول الفاسق من آية النبإ (2).

____________

(1) عوالي اللئالي 2: 345 ح 10.

(2) الحجرات: 6.

141

و هو أصل موضوعيّ، بل أمارة معتبرة بالأدلّة الثلاثة، مقدّمة بل حاكمة على جميع الأصول، إلّا أن يعارض بمثله، من غلبة الفساد و فساد الاعتقاد في بعض البلاد.

[المسألة التاسعة سبّ المؤمنين حرام في الجملة]

قوله: «سبّ المؤمنين حرام في الجملة بالأدلّة الأربعة».

أقول: أمّا من الكتاب فيكفي قوله تعالى وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ (1) وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (2) وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً (3) وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (4) الآية. و قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (5).

قوله: «السبّ و الشتم بمعنى واحد».

أقول: بل الظاهر أنّ الشتم عرفا خاصّ بسبّ الأقارب، المسمّى بالفارسيّة:

بدشنام، و السبّ مطلق الذمّ، المسمّى بالفارسيّة: ناسزا. نعم، السبّ و الذّم بمعنى واحد.

قوله: «و لو لا لقصد الإهانة غيبة محرّمة».

أقول: مثل ما لو قصد المغتاب بالغيبة ذمّ الفعل لا الفاعل و لو استلزمه في الخارج، أو قصد بتوصيفه المذموم تشخيص الفاعل لا الذمّ، مثل الأعمى و البادي. و لكن دخول أمثال ذلك في الغيبة لا يستلزم حرمتها شرعا كما زعمه المصنّف.

و يمكن فرض الغيبة أخصّ مطلقا من السبّ، باعتبار التخصيص بالغياب دون الحضور، و أعمّ مطلقا باعتبار تخصيص السبّ بذكر المناقص و المعايب،

____________

(1) الحجرات: 11 و 12.

(2) الحجرات: 11 و 12.

(3) البقرة: 83.

(4) النحل: 125.

(5) الأحزاب: 58.

142

و تعميم الغيبة لمطلق ما يكره المغتاب و لو بذكر محامده التي لا يرضى بإظهارها و إبرازها، لمصلحة، أو خوف مفسدة تقيّة، أو حسد على نفسه أو ماله أو عرضه.

قوله: «و يمكن أن يستثنى .. إلخ».

أقول: بل و يستثنى منه نسبة الذمّ إليه، بل السبّ و القذف و القتل، في مقام الولاية العامّة و السلطنة التامّة الإلهيّة التي للنبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)- و آله (عليهم السلام) بعموم:

«أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (1) و كذا في مقام الشهادة على جرحه، أو الاستشارة و الاستعلام عن حاله، أو لمصلحة دفع مفسدة المنكر عنه، أو دفع مضرّة شرّ الظالم عنه، كما لو قصد الظالم أذيّة مؤمن فتدفع شرّه بنسبة الجنون إلى ذلك المؤمن، كما عن الصادق (2) (عليه السلام) أنّه كان يلعن و يظهر التبرّي من بعض خواصّه من أمثال زرارة، فإذا سئل اعتذر بقوله تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ ..

فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا (3). إلى غير ذلك من المصالح المسوّغة للسبّ شرعا أو عقلا، كما أنّ طبيبا ممّن يقرب عصرنا عالج بحران أحد الأكابر بإكثار سبّه و شتمه في حضوره مصلحة لجلب بحرانه.

قوله: «أنت و مالك لأبيك (4). فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى أنه لو حمل الحديث على ظاهر الحقيقة لا المبالغة فلا يزيد في الظهور على قوله (عليه السلام): «العبد و ما يملك لمولاه» (5) في تخصيص حقّه بالملك و المال لا الحال و الأحوال. يعني: كما أنّ للمولى حقّ الولاء و الملكيّة في مال عبده، كذلك للأب حقّ القوت و النفقة و الولاية في مال ابنه، لا حقّ سبّه‌

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) الوسائل 20: 196 خاتمة الكتاب ذيل رقم 489.

(3) الكهف: 79.

(4) الوسائل 12: 196 ب «78» من أبواب ما يكتسب به ح 8.

(5) لم نجده بهذا اللفظ و وجدناه بلفظ آخر انظر مستدرك الوسائل 13: 429 ب «3» من أبواب الحجر ح 1.

143

و إيذائه، كما يشهد به مورد الخبر، إذا جاء رجل إلى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) بأبيه يطالبه إرثه من امّه و هو صغير، فسأل النبيّ أباه فقال: أنفقته عليه و هو صغير، و أكلت بقدر قوتي، فقال النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) لابنه: «أنت و مالك لأبيك» (1).

[المسألة العاشرة السحر فهو حرام في الجملة]

قوله: «الشهيدين (2) عدّا من السحر: استخدام الملائكة و استنزال الشياطين في كشف الغائبات .. إلخ».

أقول: هذا القسم من السحر داخل في قسم أكاذيب السحرة و دعاواهم الباطلة التي لا حقيقة لها أصلا و رأسا. و إنّما عدّه من عدّه من السحر حملا لأكاذيبهم الباطلة على الصدق و الحقيقة، مشيا على الظاهر، و طردا للأقسام، و غضّا عن الضرورة على بطلانه بالأدلّة الأربعة.

فمن الكتاب ظهور قوله تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ (3) في عدم ازدياد تأثيره على قدر التفرّق، و أنّ ذلك منتهى تأثيره، بقرينة ذكره في مقام تعظيم السحر و تهويله، فلو وقع به أعظم لكان هو الحريّ بالذكر، لأنّ الأمثال عند المبالغة في المقال لا تضرب إلّا بأعلى الأحوال.

و تفسير قوله تعالى وَ جٰاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (4) الذي كان عددهم على ما قيل اثني عشر ألف ساحر، و سحرهم أعظم ما يمكن لهم بقوله تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ (5) و قوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ (6) فلو قدروا في نصب الحبال على أزيد من الخيال، الخالي عن حقيقة الحال، لم يتركوه في الفعال، و لم يقرّ كلّهم على نفسه بالضلال و الإضلال، و لم يخرّوا بالسجود‌

____________

(1) الوسائل 12: 196 ب «78» من أبواب ما يكتسب به ح 8.

(2) الدروس 3: 164، مسالك الأفهام 3: 128.

(3) البقرة: 102.

(4) الأعراف: 116.

(5) الأعراف: 116.

(6) طه: 66.

144

و الإذلال، بمجرّد ما شاهدوا في القبال من حقيقة الإبطال، و لم يجوّزوا الاحتمال المبطل للاستدلال. و كيف يمكن استكشاف الغيب بالسحر و استخدام الجنّ، و قد نفاه اللّٰه تعالى عنهم بقوله فَلَمّٰا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مٰا لَبِثُوا فِي الْعَذٰابِ الْمُهِينِ (1) و قوله تعالى فَلٰا يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ (2)؟! و من السنّة ما يأتي عن الاحتجاج في آخر سؤال الزنديق عن الصادق (عليه السلام) «أ فيقدر الساحر على أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك؟ من جوابه (عليه السلام): «هو أعجز من ذلك و أضعف من أن يغيّر خلق اللّٰه» (3) الحديث.

و من الإجماع ما يظهر للخبير البصير من اتّفاقهم على عجز الساحر و إن بلغ ما بلغ، من تسخير ذبابة أو بقّة أو نملة أو قملة أو فأرة و لو اجتمعوا له، و إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، فكيف بتسخير حيّة أو عقرب أو كلب أو سبع، فضلا عن تسخير الجنّ و الكواكب؟! مضافا إلى أنّ هذا القسم من السحر لو كان لبان بأكثر بيان من سائر أقسامه المبيّنة في أزماننا، من خواصّ تركيب الأدوية الغريبة، و الآلات العجيبة المستحدثة للتعيل (4) و الساعة و المارتين و الطوب، و المراكب الناريّة، و عكس الأشكال و الأفعال و الأقوال، و سائر فنون الخيال و عجائب الأحوال، لأنّ توفّر الدواعي على التسخير أشدّ و فوائده‌

____________

(1) سبأ: 14.

(2) الجن: 26 و 27.

(3) الاحتجاج: 340.

(4) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّه اسم آلة كانت آن ذاك. كما و أنّ المراد بعكس الأشكال و الأفعال و الأقوال: آلة التصوير و السينما و التسجيل. و الطوب هي المدفع من الأسلحة، و يقال لها بالفارسيّة: توپ. و المارتين أظنّها اسما لنوع من الأسلحة كالبندقيّة الرّشاشة.

و المراكب الناريّة هي السفن البخاريّة.

145

أعظم [من] سائر أقسام السحر، خصوصا من فراعنة الدول و سلاطين الجور المحيطين بجميع أقسام السحر و أنحائه و مراتبه، إلّا هذا القسم الذي اتّفقت آراؤهم على استحالته و امتناعه عقلا و نقلا و عادة.

و أمّا من العقل فلضرورة العقل على قبح إجراء المعجزة على يد الكذبة، و إقدار السحرة على خوارق العادة و كشف المغيبات، المبطل للمعجزات بإبداء الاحتمال المبطل للاستدلال.

قوله: «أو بتمزيج القوى السماويّة بالقوّة الأرضيّة، و هي الطلسمات».

أقول: تمزيج القوّتين بغير الآلات المعدّة له و الأسباب الخفيّة له محال.

و بها عبارة عن مثل اكتساب حرارة الشمس بالزجاجة المحرقة لما قابلها، و ضياء الشمس و القمر بالآلات المضيئة في الظلماء و نحوه، ممّا تداول عند الكفرة.

و على كلّ تقدير فلا ربط لها بالطلسمات، لأنّ الطلسمات تمزيج حروف مقطّعة عند شرف الشمس و نحوه، يدّعون أنّها الاسم الأعظم، كسائر الأكاذيب المجعولة في تأثير جلّ الختوم و الياسين المغربي و سائر الطلسمات و المربّعات و المركّبات.

قوله: «السابع تعليق القلب، و هو أن يدّعي الساحر أنّه يعرف علم الكيمياء و علم السيمياء و الاسم الأعظم حتى يميل إليه العوام، و ليس له أصل».

أقول: و ليت شعري إذا لم يكن لدعوى علوم الكيمياء و السيمياء و الاسم الأعظم أصل مع إمكانها العقلي بل العادي، فكيف بدعوى علم الغيب و تسخير الجنّ و الأرواح و الكواكب و الملائكة من المحالات العقليّة و النقليّة و العاديّة بالضرورة و الأدلّة الأربعة؟!

قوله: «و أمّا غير تلك الأربعة، فإن كان ممّا يضرّ بالنفس المحترمة فلا إشكال أيضا في حرمته».

أقول: فيه أنّه إن كان المدار في المسألة على الجمود بظواهر الفتاوى‌

146

و إطلاق النصوص (1) المحرّمة للسحر فمن البيّن أنّ مقتضاها عموم حرمة السحر ذاتا، و نفسا، كحرمة الظلم و الكذب و الخمر و اللواط و القمار، و عدم الفرق و التفصيل بين ما يصدق عليه السحر من جميع أفرادها و أقسامها المتقدّمة، سواء ضرّ بالمسحور أم لا، و سواء كان المسحور حيوانا أو إنسانا، و سواء كان جنّيا أو بشرا، و سواء كان فلكا أو ملكا، خصوصا الأقسام المنصوصة في مثل خبر الاحتجاج (2) و فتوى المجلسي (3) و نحوه. فلا وجه للتفصيل بين الأربعة و غيرها، و لا بين ما يضرّ و ما لا يضرّ.

و أمّا إن كان المدار فيها على تنقيح المناط القطعي الحاصل من مثل قوله تعالى وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبٰابِلَ هٰارُوتَ وَ مٰارُوتَ وَ مٰا يُعَلِّمٰانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّٰى يَقُولٰا إِنَّمٰا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلٰا تَكْفُرْ (4) الآية، و مثل قوله (عليه السلام) للساحر: «حلّ و لا تعقد» (5)، من عدم كون حرمة السحر ذاتيّا نفسيّا، بل غيريّا مقدّميّا دائرا مدار ما يترتّب عليه من الضرر و الإضرار و الكفر و الاستكبار، كما هو المختار، فمن البيّن عدم حرمة شي‌ء من أقسامها بالذات أصلا و رأسا حتى الأقسام الأربعة، بل و حتى الاستخدام و استكشاف المغيبات على فرض إمكانه ما لم يضرّ أو يكفر، ضرورة أنّ الحرام النفسي ممّا يمتنع عقلا نزوله من وحي السماء و تعليمه من الملك و الأنبياء، كما نصّ به الآيات (6) و الإنباء (7)، بل خصّ إبداعه و تعليمه بالشياطين، كالخمر و اللواط و الشرك و الأصنام و سائر أصناف الحرام.

____________

(1) الوسائل 12: 105 ب «25» من أبواب ما يكتسب به.

(2) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 144.

(3) البحار 59: 277- 297.

(4) البقرة: 102.

(5) الوسائل 12: 105 ب «25» من أبواب و ما يكتسب به ح 1.

(6) البقرة: 102، الأعراف: 116، يونس: 77، 81.

(7) الوسائل 12: 105 ب «25» من أبواب ما يكتسب به.

147

و أيضا الحرام النفسي ممّا لا يجوز دفعه به، كما لا يجوز رفع الظلم بالظلم، و لا دفع الشتم بالشتم، و لا رفع الخمر بالخمر، و لا دفع القمار بالقمار، بخلاف السحر، فإنّه يجوز دفع السحر بالسحر، كما يجوز دفع السمّ بالسمّ. و هو أيضا ممّا يدلّ على عدم حرمته النفسيّة، كما هو مضمون الآيات و الروايات المسوّغة دفع السحر بالسحر. إلّا أن تحمل النصوص المسوّغة على حال الضرورة المبيحة للمحظورات، بسبب انحصار دفع السحر بالسحر دون غيره، أو على جوازه في الشريعة السابقة دون اللاحقة، كما احتملها المصنّف بدعوى الانصراف و الاستظهار، إلّا أنه تأمّل في المحمل الأخير.

بقوله: «و فيه نظر».

[أقول:] وجه النظر أنّ ثبوته في الشريعة السابقة كاف، لاستصحاب بقائه في اللاحقة ما لم يثبت الناسخ. و ليته تأمّل في المحمل الأوّل أيضا، بتقريب ما تقدّم من أنّه إن بني في النصوص (1) المحرّمة للسحر على ظهورها في الحرمة النفسيّة كفى به صارفا و معيّنا لحمل النصوص (2) المجوّزة على حال الضرورة، من غير حاجة إلى معيّن و مخصّص آخر في نفس النصوص المجوّزة. و إن بني في النصوص المحرّمة على المختار من عدم الحرمة النفسيّة فلا وجه لحمل النصوص المجوّزة على الضرورة أو الشريعة السابقة، لتوافق النصّين و عدم المعارضة في البين.

قوله: «و عمل السيمياء ملحق بالسحر اسما أو حكما».

أقول: فيه أن دخوله اسما واضح. و أمّا حكما فمبنيّ على حرمة اسم السحر نفسا، و أمّا على عدم تحريمه النفسي فلا وجه لإطلاق تحريم شي‌ء من أقسامها، حتى التسخير لدفع السحر، أو إذا كان المسخّر حربيّا أو مؤذيا.

____________

(1) الوسائل 12: 105 ب «25» من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل 12: 105 ب «25» من أبواب ما يكتسب به.

148

قوله: «و المراد به- على ما قيل- إحداث خيالات لا وجود لها في الحسّ».

[أقول:] يعني: إحداث أسباب أو تركيب آلات و أدوية تصرف الخيال عن عدم الشي‌ء إلى وجوده، و تلبس الصورة بالحقيقة، كما سحروا الكليم به. كما أنّ الكيمياء أيضا تركيب أدوية لتلبيس صورة الفضّة و الذهب بحقيقته.

[المسألة الحادية عشرة الشعوذة فهو حرام بلا خلاف]

قوله: «و يدلّ على الحرمة بعد الإجماع- مضافا إلى أنّه من الباطل و اللهو- دخوله في السحر».

أقول: فيه أنّ دخوله في الباطل و اللهو و السحر لا يستلزم أصل الحرمة فضلا عن إطلاقها.

[المسألة الثانية عشرة الغشّ حرام بلا خلاف]

قوله: «الغشّ حرام بلا خلاف».

أقول: بل بالأدلّة الأربعة، لأنّه نوع من المكر و التلبيس و الظلم القبيح عقلا و نقلا، فمن الكتاب قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ (1) الآية.

قوله: «إلّا أن ينزّل [الحرمة- في موارد] الروايات الثلاث (2)- على ما إذا تعمّد الغشّ برجاء التلبيس على المشتري و عدم التفطّن له .. إلخ».

أقول: فيه أوّلا: منع إمكان التنزيل على التعمّد و القصد، لإباء الحكم العقليّ- و هو قبح الظلم- عن التخصيص.

و ثانيا: لو سلّمنا إمكان التخصيص فلا موجب له، و الأصل عدمه في المشكوك. و خروج ما لا يخفى من الغشّ لا يوجب خروج ما خفي بمسامحة المشتري، لأنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي، خصوصا و خروج ما لا يخفى‌

____________

(1) الأنعام: 82.

(2) الوسائل 12: 208 و 220 ب «86 و 9» من أبواب ما يكتسب به ح 8 و 1 و 2.

149

منه إنّما هو بالتخصّص لا التخصيص و الخروج عن موضوع الغشّ، بخلاف ما خفي بمسامحة المشتري، فإنّه على تقدير خروجه إنّما يخرج عن حكم الحرمة، و هو تخصيص بلا مخصّص.

هذا كلّه، مع أنّ المشتقّ حقيقة في المتلبّس لا المنقضي و لا ما لم يتلبّس بعد. و من البيّن أنّ ما خفي من الغشّ، بمسامحة المشتري من الغشّ المخفيّ فعلا و غير المخفيّ شأنا، يعني: من شأنه أن لا يخفى على المشتري لو لم يتسامح في التفطّن به، و لكن قد خفي فعلا بمسامحته. و حينئذ كيف يلغى حكم الغشّ المخفيّ فعلا بواسطة عدم خفائه الشأني؟!

قوله: «فالعبرة في الحرمة بقصد تلبيس الأمر على المشتري».

أقول: فيه إمكان أن يقال: أمّا في موضوع التلبّس و تحقّق اللبس و الاشتباه فلا يعتبر القصد قطعا. و أمّا في حكمه بالحرمة فغاية ما اعتبره حديث الرفع (1) هو العلم و الاختيار، فيكون الخارج عن الحرمة هو صورة الجهل بالتلبيس أو الإكراه و الاضطرار، دون صورة عدم القصد بالتلبيس مع العلم بتحقّقه، بل و مع القصد به تبعا في ضمن قصد البيع أصالة لا محالة.

قوله: «و في التفصيل المذكور في رواية الحلبي (2) إشارة إلى هذا المعنى».

أقول: بل الأظهر كونه إشارة إلى التفصيل بين ما لا يغشّ به كخلط الماء في اللبن بقدر ما يصلحه مخيضا، و في العسل بقدر ما يصلحه و يصفّيه من الشمع، و في اللحم بقدر ما يصلحه مرقا، و منه خليط الذهب و الفضّة بقدر ما يصلحه للصياغة، و بين ما يغشّ به المسلمين كالقدر المفسد و الزائد على القدر المصلح،

____________

(1) الوسائل 11: 295 ب «56» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 1.

(2) الوسائل 12: 421 ب «9» من أبواب أحكام العيوب ح 3.

150

فإنّ القدر المصلح من أمثال ما ذكر خارج عن الغشّ اسما لا حكما حتى يكون تفصيلا بين المقصود به الغشّ و عدمه، كما لا يخفى على من راجع الرواية.

قوله: «و أنت خبير بأنّه ليس الأمر كذلك .. إلخ».

أقول: وجه الفرق بين مسألة شراء هذا الصحيح فإذا هو معيب، و مسألة الاقتداء بهذا الإمام الهاشمي فإذا هو غيره: بأنّ مسألة الاقتداء من موارد تعارض الاسم و الوصف، و أنّ الشبهة فيه موضوعيّة، باعتبار عروض الاشتباه للناوي في كون النيّة الأصليّة و المقصود الأصلي له بالذات هل هو شخص الإمام المشتبه اتّصافه بالهاشمي، أو وصفه المشتبه انطباقه على الشخص، بعد معلوميّة حكم كلّ من الفرضين، و انحصار الشبهة في الموضوع الصرف.

و أنّ مسألة شراء هذا الصحيح المنكشف كونه معيبا ليس من هذا الباب، بل وصف الصحّة ملحوظ فيه على وجه الشرطيّة لا الوصفيّة. و لو فرض على وجه الوصفيّة فالصحيح في المبيع هو المقصود الأصلي المتبوع للعقود، إذ المعيب المغاير للصحيح لا يكون مقصودا في البيع، بخلاف الوصف المغاير للاسم في الإمام قد يكون مقصودا بالأصالة في المأموم.

هذا، و لكن الفرق المذكور بين المسألتين ممنوع، فإنّ المعيب المغاير للصحيح لا يكون مقصودا في البيع مع العلم بالعيب. و أمّا مع الجهل به- كما هو المفروض- فقد يكون مقصودا بالذات و الأصالة، خصوصا إذا لم يخرجه العيب عن اسم المبيع و جنسه و إطلاقه المقصود بالبيع أصالة و بالذات، كمزج الأدنى في الأعلى، أو الماء في اللبن كما مثّل به الممثّل لمسألة الشراء بالاقتداء.

و يشهد على ما ذكرنا من عدم الفرق بين المثالين اشتراكهما في وجهين الصحّة و الفساد، بل الأقوى في بيع المعيب الصحّة، كما صرّح به المصنّف في آخر المسألة، مع أنّه لو كان الفارق كون الصحّة فيما نحن فيه ملحوظا على وجه‌

151

الشرطيّة أو مقصودا على وجه الأصالة لتعيّن فيه الفساد لا محالة، و لم يبق للصحّة فيه وجه فضلا عن كونه الأصحّ، أمّا على الأوّل فلمكان الشرطيّة، و أمّا على الثاني فلمكان التبعيّة.

و أمّا ما استشهد به على فساد بيع المعيب. بقوله: «و لذا اتّفقوا على بطلان الصرف فيما إذا تبيّن أحد العوضين معيبا من غير الجنس». فعلى تقدير تسليمه مفارق لما نحن فيه من المعيب بالجنس إلى المعيب بغيره الخارج المخرج عمّا نحن فيه.

[المسألة الثالثة عشرة الغناء لا خلاف في حرمته في الجملة]

قوله: «و قد يخدش في الاستدلال بهذه الروايات (1) بظهور الطائفة الاولى بل الثانية في أنّ الغناء من مقولة الكلام، لتفسير قول الزور به».

أقول: فيه أوّلا أنّ استظهار ذلك مبنيّ على دعوى ظهورين:

أحدهما: دعوى ظهور آية (2) قول الزور في القول الباطل، على أن يكون البطلان وصفا لنفس القول، كالكذب و السبّ و النميمة و البهتان و الغيبة، لا وصفا لكيفيّته، كالغناء و اللغو و اللهو.

و ثانيهما: دعوى ظهور الأخبار المفسّرة (3) له بالغناء في تخصيص حرمة القول الباطل الذي هو ظاهر الآية في خصوص المكيّف بكيفيّة الغناء الذي هو ظاهر الرواية.

و كلا الظهورين ممنوعان:

أمّا الأوّل: فلأنّ القول الموصوف بالبطلان و إن كان ظاهرا في الباطل نفسه لا بكيفيّته، إلّا أنّ المضاف إلى الباطل قد يعمّ الباطلين، إذ يكفي في النسبة أدنى ملابسة، فلا يختصّ وصف الزور بالباطل نفسه، خصوصا الوصف غير المعتمد‌

____________

(1) الوسائل 12: 225 ب «99» من أبواب ما يكتسب به ح 2 و 8 و 9 و 20 و 26.

(2) الحج: 30.

(3) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) من هذه الصفحة.

152

على موصوف و لا مضاف كالآية الثالثة (1)، إلّا أن تقدّر: لا يشهدون المشاهد الزور، و هو خلاف الأصل، بل و كالآية الثانية (2)، إلّا أن تقدّر: لهو الحديث بحديث اللهو، و هو خلاف الأصل أيضا. فلا وجه لتخصيصها بالباطل نفسه لا الباطل بكيفيّته.

و أمّا الثاني: فلأنّ ظهور تفسير القول الباطل بالغناء في التخصيص و التفسير بالأخصّ ليس بأولى من ظهوره في التفسير بالأعمّ، أعني: تفسير الباطل بنفسه في الأعمّ منه و من الباطل بكيفيّته، أو التفسير بالفرد الأخفى و هو الغناء من باطل الكيفيّة، ليدلّ بالفحوى و الأولويّة على الفرد الأجلى من الكذب و السبّ و الافتراء من الباطل بنفسه، بل هذا هو الأولى و المتعيّن لوجوه:

منها: أصالة عدم التخصيص فيما لو دار التفسير بين التخصيص و عدمه.

و منها: استلزام التخصيص المذكور لعدم حرمة الأقاويل الباطلة المنفكّة عن الغناء، كما استلزم عدم حرمة الغناء المنفكّ عن الأباطيل، و اللازم باطل فالملزوم مثله.

و منها: أنّ ظهور سائر الأخبار و الآية الثانية و الثالثة، و سائر الآيات كقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (4)، و ما ورد في تفسير قوله تعالى وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا (5) الآية، و تفسير‌

____________

(1) الفرقان: 72.

(2) لقمان: 6.

(3) المؤمنون: 3.

(4) الفرقان: 72.

(5) الوسائل 12: 228 ب «99» من أبواب ما يكتسب به ح 15، و الآية، الأنبياء: 16، 17.

153

قوله تعالى السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1)، و نصوص (2) حرمة ثمن الجارية المغنّية، أظهر و أكثر و أصحّ و أصرح من الآية الاولى في الدلالة على حرمة مطلق الغناء، فلتحمل الاولى عليها، حملا للظاهر على الأظهر، و كون الأخبار كالقرآن يفسّر بعضه بعضا.

و منها: أنّ الأبلغ في الكلام، و الأغلب بتفسير الإمام (عليه السلام)، و الأوفق بما ورد (3) في المقام من أنّ القرآن ذو وجوه و بطون، و إنما يفهم القرآن من خوطب به، إنّما هو عدم حمل تفسير قول الزور بالغناء على التفسير بالأخصّ، بل حمله على التفسير بالأعمّ أو بالفرد الخفيّ و الأخفى، لأنّه محلّ الحاجة و البلوى.

قوله: «فالمحرّم هو ما كان من لحون أهل الفسق و المعاصي .. إلخ».

أقول: فيه أوّلا: أنّه و إن ورد: «أقروا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجي‌ء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانيّة ..» الخبر (4)، ألّا أنّ لحون أهل الفسوق مجمل المراد غير مضبوط المفاد من حيث الكمّ و الكيف، فلا يحمل عليها ما هو أبين و أظهر و أكثر و أجلى و أصحّ و أصرح من نصوص الغناء، إذ كما يحتمله يحتمل السرعة في قراءة القرآن أو تفريق كلماته، كما ورد: لا تهذّه هذّ الشعر، و لا تنثره نثر الرمل، و لا على وجه القساوة و لا الغفلة، بل أقروه بالحزن و الرقّة و البكاء و التباكي و تحسين الصوت و حضور القلب و الترتيل و الوجل، إلى غير ذلك ممّا هو أعمّ من الغناء مطلقا أو من وجه.

____________

(1) الوسائل 12: 231 ب «99» من أبواب ما يكتسب به ح 29، و الآية، الأسراء: 36.

(2) الوسائل 12: 86 ب «16» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(3) لم نجده بهذا اللفظ و وجدناه بألفاظ اخرى، انظر البحار 92: 78 ب «8».

(4) الوسائل 4: 858 ب «24» من أبواب قراءة القرآن ح 1.

154

و ثانيا: لو سلّمنا المدار عليه فالنهي إنّما هو عن إعماله في خصوص قراءة القرآن لا مطلقا، كما هو المدّعى.

و ثالثا: لو سلّمنا إطلاق النهي عنه، لكن مقتضى القاعدة ملاحظة النسبة بينه و بين سائر نصوص النهي عن الغناء، و الرجوع إلى حمل المطلق منهما على المقيّد و العامّ على الخاصّ، دون العكس و هو التعدّي عن الغناء لو كان أخصّ إلى مطلق الصوت اللهوي. إلّا أن يوجّه بإرجاع النزاع إلى تعارض اللغات، الراجع فيه إلى تقديم المثبت على النافي، أي: العامّ على الخاصّ. و لكن ينافيه الرجوع في تعارض كونه مطلق الترجيع أو الخاصّ بالمطرب إلى ترجيح الخاصّ بالطرب على مطلق الترجيع.

إلّا أن يوجّه تقديم المثبت على النافي هناك، بدعوى رجوع النافي فيه إلى أنّه لا أدري الإثبات الراجع إلى الدراية، و تقديم النافي هنا بدعوى رجوعه إلى الاطّلاع على خطأ المثبت، و استناد إثباته إلى مجرّد الاستعمال الأعمّ من الحقيقة، أو الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقّن، و الرجوع فيما عداه من الشبهة الحكميّة التحريميّة إلى أصالة الإباحة.

و لكن الفارق بين النفيين غير بيّن، و لا مبيّن في البين، بل البيّن و المبيّن بحسب القواعد رجوع التعارض على تقديره في الأوّل إلى تعارض النصّين، المحكوم فيه بتحكيم الخاصّ على العامّ، و في الثاني إلى تعارض قول اللغويّين المحكوم فيه بالعكس، و هو تحكيم العامّ على الخاصّ.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ مقتضى القواعد و رعاية البلاغة و الحكم و المصالح المقتضية لتفسيره (عليه السلام) جميع آيات الزور و اللهو و اللغو و اللعب بالغناء (1) لا غير، إنّما هو جعل المدار في المحرّم من تعارض نصّي الغناء و غيره على الغناء وجودا‌

____________

(1) الوسائل 12: 225 ب «99» من أبواب ما يكتسب به.