التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
155

و عدما عموما و خصوصا بلغ ما بلغ، و رفع اليد عمّا سواه من الصوت اللهوي و لحون أهل الفسوق، دون العكس كما لا يخفى. و من تعارض قولي اللغوي في كونه الترجيع أو خصوص المطرب إنّما هو على تقديم المثبت و هو مطلق الترجيع على النافي و هو خصوص المطرب، و يوافقه الاحتياط في الشبهة التحريميّة أيضا.

قوله: «و توجيه كلامهم بإرادة ما يقتضي الطرب و يعرض له بحسب وضع نوع ذلك الترجيع و إن لم يطرب شخصه لمانع».

أقول: الفرق بين هذا التوجيه الإطراب بالمقتضي نوعه و إن لم يطرب شخصه لمانع، و بين ما ادّعاه الشهيد الثاني (1) و غيره من تعميم الإطراب لما من شأنه الإطراب لو لم يمنع منه مانع، مع كون الإطراب في كليهما شأنيّا مقدّرا فعليّته على عدم وجود المانع: أنّ المقتضي للإطراب في التعميم شأنيّ بحسب شخصه، و في التوجيه فعليّ بحسب نوعه. و المانع في التعميم مانع من أصل اقتضاء الترجيع الطرب كالبكم، و في التوجيه مانع من بروزه و ظهوره لا من اقتضائه كالصمّ. نظير مانعيّة صفاء الماء من تغيّره بمقدار من الدم بحيث لو لا صفاؤه لتغيّر فعلا، و مانعيّة صبغه بلون الحمرة من بروز تغيّره التقديريّ الفعلي بحيث لولاه لبرز و ظهر تغيّره، حيث يعدّ وصف التغيّر في الأوّل شأنيّا و في الثاني فعليّا، مع عدم ظهوره الفعلي في الفرضين.

و كذلك مانعيّة غلظة الصوت من إطرابه تارة يكون مانعا من أصل اقتضائه، كما لو كان الترجيع في الخفّة بحيث لا يقتضي بنفسه الإطراب الفعلي إلّا مع انضمام حسن الصوت و عدم غلظته، و تارة يكون مانعا من بروز إطرابه و ظهوره، كما لو كان الترجيع في الشدّة بحيث يقتضي بنفسه الإطراب الفعلي من غير‌

____________

(1) مسالك الافهام 3: 126.

156

انضمام حسن الصوت، إلّا أنّ غلظة الصوت مانع من بروزه و ظهوره. فيعدّ إطرابه في الأوّل شأنيّا لا فعليّا، و في الثاني فعليّا لا شأنيّا. و المانع في الأوّل من أصل الإطراب، و في الثاني من بروزه و ظهوره لا اقتضائه.

قوله: «لعدم الدليل على حرمة الغناء إلّا من حيث كونه باطلا و لهوا و لغوا و زورا».

أقول: بل الأمر بالعكس، أعني: لا دليل على إطلاق حرمة الباطل و اللهو و اللغو و اللعب و الزور إلّا من حيث كونه غناء، بعد تفسير من لا ينطق عن الهوى من أئمّة الهدى (1) جميع الأصوات الباطلة من اللهو و اللغو و اللعب و الزور بالغناء قولا واحدا، إذ لو كان لها ضابط أضبط و لفظ أبين و معنى أبلغ و أجمع من لفظ الغناء لفسّرها به لا بالغناء، و لو كان للتفسير بالغناء في عرف الشارع إجمال أو احتمال ممّا طرأ في عرفنا المتأخّر لوقع السؤال و الاستفصال عنه للمشافهين به عن الإمام (عليه السلام)، و إذ ليس فليس، و لو كان لبان.

و أمّا ما ذكره من حرمة سائر أقسام اللهو بالآلة كالأوتار، و بالصوت و الآلة كالقصب و المزمار، فليس لمحض إطلاق اللهو حتى يتمسّك به على حرمة الصوت اللهويّ أيضا، بل إنّما هو بالنصّ الخاصّ الذي لا يقاس.

لا يقال: لو كان الغناء و أبين و أبلغ من اللهو فما حكمة عدم تنصيص القرآن به؟

لأنّا نقول: لعلّ حكمته أنّ شأن السلطان الإجمال في البيان، و حوالة البيان إلى وسائط الترجمان، و كثرة الأعوان و مصالح الاقتران، المشار إليه بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله):

«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه و عترتي» (2) لئلّا يستغنوا عن مسألة الأوصياء، و يقولوا ما قال القائل: كفانا كتاب اللّٰه!!

____________

(1) الوسائل 12: 225 ب «99» من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل 18: 19 ب «5» من أبواب صفات القاضي ح 9.

157

و أمّا حكمه الرجوع بعد هذا البيان إلى الإجمال و الكتمان و الحرمان و الخسران، فلعلّ حكمته شدّة الافتتان و الامتحان في أبناء الزمان بهجر القرآن و الأقران من خلفاء الرحمن، و الانهماك في العصيان و سخف الورع و الإيمان، و ملاهي الچائيّ و القليان، و اتّباع الهوى و الأوثان، و كفرة يونان.

قوله: «ثمّ إنّ اللهو يتحقّق بأمرين، أحدهما: قصد التلهّي و إن لم يكن لهوا، و الثاني: كونه لهوا في نفسه».

أقول: إن اعتبر ظاهر إطلاق مناهي اللهو و اللغو- كقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (1) لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ (2) الآية، و قوله (عليه السلام) في جواب الصيد اللهو: «ما للمؤمن و الملاهي، إن المؤمن لفي شغل شاغل» (3)- فمن البيّن أن ظاهر إطلاقها هو تحقّق اللهو بكلّ واحد من الأمرين لا بمجموع الأمرين، نظرا إلى أنّ ما كان لهوا في نفسه فلا مدخليّة للقصد في تحقّقه عرفا، و ما لم يكن لهوا في نفسه كان القصد محقّقا له من دون الانضمام إلى الآخر، لأصالة عدم التخصيص. و أمّا خروج بعض التلهيّات كاللعب باللحية و السبحة- على تقديره و تقدير كونه من باب التخصيص لا التخصّص- فلا يوجب خروج الباقي، لأنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي.

و إن لم يعتبر ظاهرها، بأن حملت على الكراهة أو فسّرت بالغناء، فلا وجه لحرمة اللهو و لو جمع الأمرين.

قوله: «الجمع بين هذه الأخبار يمكن بوجهين».

أقول: الفرق بين الوجهين: أنّ الأول تفصيل في حرمة الغناء من حيث موارده، أعني: في مورد قراءة القرآن لا في غيره، كالتفصيل بالعكس، و التفصيل‌

____________

(1) المؤمنون: 3.

(2) المنافقون: 9.

(3) مستدرك الوسائل 13: 216 ب «79» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

158

بين الأعراس و غيره. و الثاني: تفصيل في حرمة الغناء من حيث نفسه، أعني:

الحرمة الغيريّة في نفسه و النفسيّة في غيره، و هو جوازه في نفسه و حرمته لغيره من المقارنات الخارجة.

كما أنّ الفرق بين هذين الوجهين و مختار المصنّف من حرمة الصوت اللهوي دون مطلق الغناء: أنّ مختاره تفصيل في حرمة الغناء من حيث أفراده، كالتفصيل بين المطرب و غيره.

كما أنّ الأظهر الأشهر حرمته مطلقا من حيث نفسه، و من حيث أفراده المطربة و غيرها، و من حيث موارده في القرآن و غيره، و في الأعراس و غيرها، و في الحروب و غيرها، حتى الهلهلة في الأعراس، كالتصفيق و الرقص و دقّ الإصبعين. و كذلك الهوسة لتشييد الحروب الخاصّ بالعرب، كاختصاص المزيقة (1) و الطبل بحروب الكفرة و الإعلام بالوقت و غيره. و منه الطبل المعمول للإعلام على سطح صحن الرضا (عليه السلام) من أعظم منكرات بدع الإسلام. و كذلك الترادف و التجاوب في اللطميّات بجميع أنحائها من الغناء المهيّج للطرب، و أنحاء ما يسمّيه الفرس بآوازه خوانى، من السرود (2) و التصنيف و الشلوى (3) و هفت بند و ذاكري. و كذلك ما يتغنّى به النسوان لملاعبة الصبيان و مناومة اليقظان. و كذلك تهليلات العامّة بهيئة الاجتماع و الاختراع، و سائر مبتدعات الصوفيّة في كيفيّة الذكر و التصدية و الدعاء من التطريب المبتدع.

قوله: «و النسبة بين الموضوعين عموم من وجه .. إلخ».

أقول: أمّا توجيه النسبة فبفرض مادّة الاجتماع في الغناء المقرون بالأباطيل و قراءة القرآن، و افتراق حرمة الغناء عن تحسين القراءة في الغناء‌

____________

(1) و هي الموسيقى.

(2) كلمة فارسيّة بمعنى النشيد.

(3) كلمة فارسية بمعنى التغنّي.

159

المقرون بالباطل، و العكس في الترجيع الراجع إلى التجويد في القراءة لا الغناء.

هذا، و لكن توجيه العموم و الجمع بينهما بذلك غير وجيه:

أمّا أوّلا: فلمنع كون التعارض بينهما عموما من وجه، بل هو من قبيل التباين الكلّي فإنّ تحسين الصوت و ترجيعه و تزيينه، بقرينة الإضافة إلى القراءة، و شاهد الحال القطعي من قراءة الأنبياء و الأئمّة و الصلحاء و العلماء و القرّاء السبعة و غيرهم خلفا عن سلف، هو خصوص الترتيل المأمور به من حفظ الوقوف و أداء الحروف، و ما يرجع إليه من المدّ و التفخيم و الترقيق، و سائر ما يرجع إلى محسّنات القراءة و علم التجويد. و لا ريب أنّه مبائن للغناء مباينة الضحك للبكاء و النكاح للزنا و البيع للربا، خصوصا على اعتبار الطرب في الغناء، فإنّ كلّا من الموضوعين و إن اشتركا في السنخيّة و الغاية إلّا أنّهما كالمتضادّين لا يجتمعان، كالملح في الطعام حيث إنّ المقدار المصلح منه للطعام يضادّ المقدار الزائد المفسد له في الاسم، فلا يجتمعان في الإرادة، و لا يعمّ أحدهما الآخر في الدلالة.

و أمّا ثانيا: فلو سلّمنا عدم الضدّية و البينونة بين الموضوعين و كون النسبة عموما من وجه في البين، إلّا أنّ هذا النحو من العموم في حكم المعدوم و التباين المعلوم عند أرباب العلوم، لوجوده في كلّ سحت و حرام، حتى اللواط بالغلام بالنسبة إلى أدلّة الإحسان و الإكرام، و إدخال السرور في قلب الأيتام، و حتى الزنا و السرقة بالنسبة إلى استحباب الصدقة، و حتى بذل ثمن الخمر و العذرة بالنسبة إلى أدلّة الحجّ و العمرة. و يشهد على ذلك قوله (عليه السلام): «لا يطاع اللّٰه من حيث يعصى» (1) و «لا طاعة لمخلوق في سخط الخالق» (2). و كتابه (عليه السلام) إلى معاوية:

سمعتك تبني مسجدا من جباية * * *و أنت بحمد اللّٰه غير موفّق

____________

(1) انظر مجمع البحرين 4: 372.

(2) نهج البلاغة: 500 رقم 165.

160

كمطعمة الرمّان ممّا زنت به * * *جرت مثلا للخائن المتصدّق

فقال لها أهل البصيرة و التقى * * *ويل لك لا تزني و لا تتصدّق

(1) و أمّا ثالثا: فلو سلّمنا تعارض العموم من وجه بين الموضوعين و عدم المرجّحات الداخليّة الدلالتيّة في البين، إلّا أنّ المرجّحات الخارجيّة السنديّة من العقل و النقل و الأصحّية و الأصرحيّة و الأشهريّة، خصوصا مخالفة العامّة من المرجّحات المنصوصة من جميع الوجوه، في طرف عموم (2) حرمة الغناء دون جوازه أصلا و رأسا، لأن جوازه و لو في بعض الأفراد و الموارد من الشواذّ النادرة الضعيفة سندا و دلالة و موافقة لفتوى العامّة (3) و عملهم و ديدن ملوكهم و سلاطينهم و أهل طريقتهم و تصوّفهم، المأخوذة من ديدن الكفرة و كتبهم المحرّفة، كما في مزامير أهل الذمّة: «هلّلوني سبّحوني برقص و عود و مزمار، فإنّ اللّٰه يحبّ شعبه».

و لو لم يكن إلّا الإجماع العملي و السيرة القطعيّة من العلماء الإماميّة و الحكماء الربّانيّة و الصلحاء الدينيّة على استقباح الغناء و استنكاره لكفى به مرجّحا لعموم الحرمة، و كاشفا قطعيّا عن رأي المعصوم.

و أمّا رابعا: فلو لم يكن مرجّح إلّا قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في خطبة الوداع: «معاشر الناس ما من شي‌ء يقرّبكم إلى الطاعة و يبعّدكم عن المعصية إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‌ء يقرّبكم إلى المعصية و يبعّدكم عن الطاعة إلّا و قد نهيتكم عنه» (4) لكفى به مرجّحا، لعموم (5) حرمة الغناء، خصوصا المطرب منه، حيث إنّه بديهيّ التقريب إلى معصية اللهو و اللغو و التبعيد عن طاعة الذكر و الشكر.

____________

(1) البحار 34: 430.

(2) تقدّم ذكر مصادره في هامش (1) ص: 151.

(3) المجموع 12: 322.

(4) الكافي 2: 74 ح 2.

(5) تقدّم ذكر مصادره في هامش (1) ص: 151.

161

و أمّا خامسا: فلو سلّمنا التعارض و انتفاء المرجّحات من جميع الجهات فلا نسلّم التساقط و الرجوع إلى البراءة و الإباحة، بل الأشهر تقديم الناقل، و إلّا ففي التخيير و الإباحة أو التوقّف و الاحتياط وجوه و أقوال.

قوله: «و الظاهر أنّ شيئا منها لا يوجد بدون الغناء على ما استفيد من كلام أهل اللغة».

أقول: فيه ما عرفت من مصادمة هذا الاستظهار لبداهة البينونة و الضدّيّة عرفا بين الغناء و ما يرجع إلى علم التجويد و الترتيل في القراءة، و أنّه لا يطلق الغناء على أحد القراء فضلا عن الأنبياء، بل نسبة الغناء إليهم عرفا كنسبة الزنا قبحا، و أنّ تفسير الغناء عن بعض اللغويّين (1) بمدّ الصوت و ترديده و تزيينه أو تحسينه أو ترقيقه أو ترجيعه إنّما هو تعريف لفظيّ، و هو تبديل لفظ بلفظ أعمّ أشهر، مثل قولهم: السعدانة نبت، لا تعريف معنويّ حتى يعمّ النباتات المباينة له.

قوله: «قد يكون للرجل الجارية تلهيه، و ما ثمنها إلّا ثمن الكلب (2).

فتأمّل».

[أقول:] لعلّه إشارة إلى ضعف ما ذكره من صراحة تلهّيه في حرمة مطلق الغناء، لاحتمال الانصراف إلى اللهو بالآلة أو بالباطل، كما هو المعهود المتعارف في زمان صدور الرواية.

أو إلى ضعف ما ذكره سابقا من عدم ظهور شي‌ء من الروايات في شي‌ء من جواز الغناء، بأنّ ظاهر «لا بأس بالغناء إذا لم يعص به» كما في الأولى (3)، أو «ما لم يزمر به» كما في الثانية (4)، أو «ما لم يدخل عليها الرجال» كما في‌

____________

(1) المصباح المنير: 455، النهاية لابن الأثير 3: 319، الصحاح 1: 171- 172.

(2) تقدّم ذكر مصدره في هامش (2) ص: 153.

(3) الوسائل 12: 85 ب «15» من أبواب ما يكتسب به ح 5.

(4) مسائل علي بن جعفر: 156 ح 219.

162

الأخيرتين (1)، هو جوازه في نفسه ما لم يقترن بالأباطيل و المزمار و دخول الرجال، لا أنّه مجرّد إشعار في خصوص الأخيرة حتى يصحّ رفع اليد عنه لأجل إطلاقات الحرمة.

فالإنصاف في الجواب تسليم ظهور تلك الأخبار في المعارضة لنصوص الحرمة النفسيّة، إلّا أنّ الترجيح مع ذلك لنصوص الحرمة دلالة و سندا. و اعتضادا من جهات عديدة.

أمّا ترجيحها دلالة، فلوضوح أظهريّتها و أصرحيّتها في عموم حرمة الغناء من ظهور المعارض في جوازه.

و أمّا سندا، فلأكثريّتها منها جدّا، حتّى صرّح المصنّف و غيره بتواترها، دون معارضها. و كذا أصحّيتها و أشهريّتها على وجه يعدّ معارضها من الشاذّ النادر المطروح.

و كذا أبعديّتها من التقيّة و موافقة العامّة، المعلّل بكون الرشد في خلافهم (2)، خصوصا بقرينة السؤال في المعارض عن الغناء في العيدين أو عن كسب المغنّية في الأعراس الخاصّة بدأب العامّة لا غير.

و أمّا اعتضادا، فلاعتضاد نصوص (3) الحرمة بالكتاب و السنّة المتواترة، و بالسيرة القطعيّة من العلماء، و الصلحاء خلفا عن سلف إلى أن ينتهي إلى عصمة الأنبياء و الأوصياء، و بأصالة تقديم الناقل، و ما يقتضيه الحكم العقليّة و المصالح الشرعيّة و السياسات المدنيّة من تأسيس القواعد على وجه الكلّية، و حسم مادّة الفساد على وجه الاطّراد، كما في تشريع العدد و الحداد، و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في خطبة الوداع: «معاشر الناس ما من شي‌ء يقرّبكم إلى المعصية و يبعّدكم عن الطاعة إلّا‌

____________

(1) الوسائل 12: 84 و 85 ب «15» من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 3.

(2) الوسائل 18: 80 ب «9» من أبواب صفات القاضي ح 19.

(3) تقدّم ذكر مصادره في هامش (4) ص: 160.

163

و قد نهيتكم عنه» (1) الحديث.

هذا كلّه، مضافا إلى معارضة تلك النصوص المجوّزة لما في الوسائل (2) و المستند (3) ممّا هو أصحّ سندا و أصرح دلالة، من النصوص المحرّمة للغناء و كسبه أو لشراء المغنّيات و بيعهنّ، كقوله: «المغنّية ملعونة ملعون من أكل كسبها» (4)، و مرسلة الفقيه: «أجر المغنّي و المغنية سحت» (5) إلى غير ذلك.

قوله: «يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانيّة» (6).

[أقول:] أي: الرهبانيّة التي ابتدعوها الصوفيّة.

قوله: «لا يجوز تراقيهم» (7).

[أقول:] أي: لا يتجاوز ترجيعهم القرآن التراقي، جمع ترقوة: العظام المحيطة بالصدر المركّب عليها الرقبة، كناية عن فساد قراءتهم و عدم قبوله و صعوده إلى السماء، كما قال تعالى وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ (8). و هو أبلغ معنى من جعله المصنّف إشارة إلى أنّ مقصودهم عدم تدبّر معاني القرآن.

قوله: «و من المعلوم أنّ مجرّد ذلك لا يكون غناء إذا لم يكن على سبيل اللهو».

أقول: هذا إنّما يتمّ على القول بجعل الغناء الصوت اللهوي أو المطرب، و أمّا على تقدير القول بأنّه مطلق الترجيع فرفع المنافاة بين الترجيعين إنّما يكون بجعل الترجيع المحبوب في القرآن هو المقدار المصلح للقراءة، الراجع إلى علم‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (4) ص: 160.

(2) انظر الوسائل 12: 86 ب «16» من أبواب ما يكتسب به.

(3) انظر مستند الشيعة 2: 341.

(4) الوسائل 12: 103 ب «24» من أبواب ما يكتسب به ح 7.

(5) الفقيه 3: 105 ح 436.

(6) تقدّم ذكر مصدره في هامش (4) ص: 153.

(7) تقدّم ذكر مصدره في هامش (4) ص: 153.

(8) الفاطر: 10.

164

التجويد و الترتيل، كالمدّ في محلّه، دون المقدار المفسد له، كالمدّ في غير محلّه، فالمقصود من ترجيعه أن لا يقرأ بغير محسّنات علم القراءة.

قوله: «و إلّا فيحكم بإباحته للأصل».

[أقول:] أي: لا بكونه مقدّمة لغير حرام، كما يظهر من قوله: «و على أيّ حال فلا يجوز التمسّك في الإباحة بكونه مقدّمة لغير حرام».

و فيه أوّلا: أنّه إذا فرض عدم عموم حرمة الغناء للغناء الموجب للبكاء المستحبّ شمله إطلاق دليل استحبابه قطعا، فلا مجرى لأصالة إباحته، لأنّه دليل حيث [لا] دليل، و الإطلاق أقوى دليل.

و ثانيا: لو سلّمنا عدم شمول إطلاق المستحبّ له، أو عدم سلامته من المعارض، فلا مجرى أيضا لأصالة الإباحة فيما هو من مقولة العبادات المتوقّفة على التوقيف و التلقي من الشارع كما و كيفا، فإنّه و إن لم يعمه دليل الحرمة إلّا أنّ الحرمة التشريعيّة المستلزمة للفرية على اللّٰه فيما لم يأذن به اللّٰه بمضمون آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ (1)، اللازمة من التعبّد بعباديّة البكاء في ضمن الغناء، كاف أيضا في حرمته، فلا مجرى أيضا لأصالة إباحته.

و ثالثا: لو سلّمنا إباحته بأيّ وجه و لو بالأصل لتمّ استدلال المستدلّ على إباحته و نفي حرمته بإعانته على البكاء، و لم يبق للتفريع على إباحته بالأصل وجه، لمنع الاستدلال بقوله: «فلا يجوز التمسّك في الإباحة بكونه مقدّمة لغير حرام».

قوله: «فلا دليل على تحريمه لو فرض شمول الغناء له، لأنّ مطلقات الغناء منزّلة على ما دلّ على إناطة الحكم فيه باللهو و الباطل من الأخبار المتقدّمة، خصوصا مع انصرافها في أنفسها- كأخبار المغنّية- إلى هذا الفرد».

____________

(1) يونس: 59.

165

أقول: فيه ما عرفت من عموم (1) أدلّة تحريم الغناء و عدم المخصّص و المنزّل و الصارف لها بوجه من الوجوه. مضافا إلى أصالة عدمها.

و دعوى المصنّف دلالة الأخبار المتقدّمة على إناطة الحكم باللهو و الباطل، فقد عرفت ما فيه أولا: من كون الأمر بالعكس، و هو إناطة الحكم فيها بالغناء لا غير.

و ثانيا: سلّمنا، لكن لا نسلّم كون اللهو و الباطل غير الغناء عرفا، بل هو هو، خصوصا بعد تفسيره بالغناء و تفسير الغناء بمطلق الترجيع.

و ثالثا: سلّمنا المغايرة بينهما و إناطة الحكم بخصوص اللهو و الباطل دون مطلق الغناء، لكن لا نسلّم كونه من قبيل العلّة المنصوصة، بل هو من قبيل العلّة المستنبطة التي ليست بحجّة، خصوصا فيما هو كالاجتهاد في مقابل النصّ.

قوله: «فلم أجد ما يصلح لاستثنائه .. إلخ».

أقول: ما يصلح لاستثنائه وجوه:

منها: خروجه عن موضوع الغناء و اسمه من قبيل التخصّص و الاستثناء المنقطع، لا التخصيص و الاستثناء المتّصل، و ذلك لاعتبار الطرب- و هو خفّة العقل- في موضوعه فعلا أو شأنا، و لا عقل للحيوانات رأسا فضلا عن خفّته.

و سوقها بالحداء إنّما هو بتخويفها أو تشويقها على السري لا لإطراب الغناء.

و منها: السيرة المستمرّة خلفا عن سلف على سوق الإبل بالحداء من غير نكير.

و منها: تقرير النبيّ به لعبد اللّٰه بن رواحة، بل أمره به، على ما حكاه الجواهر (2) و كاشف اللثام (3). و ما في المتن من ضعف سنده أو دلالته مجبور‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في هامش (1) ص: 151.

(2) جواهر الكلام 22: 50.

(3) كشف اللثام 2: 373.

166

بالشهرة و السيرة.

قوله: «و العمل بها تبعا للأكثر غير بعيد».

أقول: قد عرفت ما فيها سندا و دلالة و معارضة، و أنّها لا تقاوم عموم (1) النصوص المحرّمة للغناء من جهات عديدة، من جهة الأصحيّة و الأصرحيّة و الأشهريّة، و الأبعديّة عن العامّة و التقيّة عملا و فتوى، و الأوفقيّة بكتاب اللّٰه و السنّة المتواترة و السيرة القطعيّة، بل للمصالح و الحكم العقليّة، حسب ما تقدّم.

مضافا إلى معارضتها في نفسها بما سيأتي من الوسائل و المستند في ضمن أبواب البيع من النصوص المحرّمة للغناء و كسبه و شراء المغنّيات و بيعها و ثمنها، إذ لو كان لها جهة إباحة لم يحرم بيعها و لا شراؤها و لا ثمنها مطلقا.

بل ليست أخبار جواز الغناء في الأعراس (2) إلّا كأخبار جواز الدفّ فيها و في الختان، المأخوذة عن العامّة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله): «أعلنوا بالنكاح، و اضربوا بالغربال» (3)، يعني: الدفّ. و عنه (صلى اللّٰه عليه و آله): «الفصل بين الحلال و الحرام الضرب بالدفّ عند النكاح» (4). و ما عن صحيح البخاري عن أبي هريرة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله): «اختتن إبراهيم (عليه السلام) بعد ثمانين سنة بقدوم على دفّ» (5)، و القدوم آلة ينحت بها النجّار.

و في المجمع (6) تفسير الدفّ فيه بالجنب.

و هي مع معارضتها بأخبار الطعن و التكذيب، و معلوميّة الجعل و الفرية على النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) من وجوه لا تخفى، مأخوذة من كتب محرّفة اليهود و النصارى، كما في‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في هامش (1) ص: 151.

(2) الوسائل 12: 84 ب «15» من أبواب ما يكتسب به.

(3) نصب الراية لأحاديث الهداية 3: 168.

(4) سنن ابن ماجة 1: 611 ح 1896.

(5) صحيح البخاري 4: 170، و ليس فيه على الدفّ.

(6) مجمع البحرين 5: 59.

167

مزاميرهم: «هلّلوني سبّحوني برقص و عود و مزمار»، كما في إنجيلها: «يا عيسى لا تكثرنّ شرب الماء، و اصنع خمرا، فإنّه أصلح لمعدتك». إلى غير ذلك من القبائح و الفواحش و الفضائح غير المعدودة، المنسوبة فيها إلى أنبيائهم و الملائكة، بل و إلى ربّهم، تعالى اللّٰه و خلفاؤه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

[المسألة الرابعة عشرة الغيبة حرام]

قوله: «نعم، لو أرجعت الكراهة إلى الوصف الذي يسند إلى الإنسان تعيّن إرادة كراهة ظهورها، فيختصّ بالقسم الأوّل».

أقول: فيه منع تعيين إرادة كراهة ظهورها و تخصيصها بالقسم الأوّل برجوع الكراهة إلى الوصف، لأنّ كراهة الوصف خصوصا العاهات لا العادات- كالجذام و البرص و العمى و العور و الحول و الجنون و السفه و الجهل و الفقر- كما قد يكون باعتبار ظهور ما خفي منها، كذلك قد يكون باعتبار إظهار ما لم يخف منها، و باعتبار نفس وجودها، و باعتبار الإسناد إليها و التعيير بها دون وجودها و ظهورها، فكراهة الوصف غير معيّنة لإرادة ظهور ما هو مستور، بل المعيّن له و المخصّص به لو كان فإنّما هو الأخبار المعيّنة للغناء يكشف المستور لا الظاهر و الظهور.

قوله: «وافق الأخبار».

[أقول:] أي: أخبار (1) اعتبار كشف المستور في الغيبة.

أقول: و هو الأوفق بوظيفة تفسير اللغوي- كالصحاح (2)- لموضوع الغيبة، بخلاف تفسير المستور بمعنى غير المتجاهر، فإنّه تفصيل في حكم الغيبة لا موضوعه، خاصّ بوظيفة الفقيه لا اللغوي.

قوله: «لكن المثبت لكون الغيبة حقّا بمعنى وجوب البراءة منه ليس إلّا

____________

(1) الوسائل 8: 602 و 604 ب «152 و 154» من أبواب أحكام العشرة.

(2) الصحاح 1: 196.

168

الأخبار غير النقيّة».

أقول: بل لا إشكال في اعتبارها سندا و دلالة و اعتضادا. أمّا سندا فلاستفاضة سند كلّ من أخبار حقّيته و كفاية الاستغفار في مبرئيّته، خصوصا أخبار حقّيته، خصوصا مستندة خبر الكراجكي (1) و فقرأت الصحيفة السجّاديّة (2) منها، بل لا يبعد تواترها، إذ قد عمل بها من لم يعمل بأخبار الآحاد كالسرائر (3).

و أمّا أخبار مبرئيّته بالاستغفار فهي و إن لم تكن بتلك المثابة في الاعتبار و الاستفاضة، إلّا أنّها لا تخلو عن الاعتبار، خصوصا السكونيّين (4)، فإن السكونيّ و إن ضعّف بتهمة العاميّة إلّا أنّه لا أصل لها، و قضاوته محمولة على الصحّة أو التقيّة.

و أمّا دلالة مبرئيّة الاستغفار للغيبة فلظهور إطلاق الأخبار و سياقها في المبرئيّة، خصوصا عند تعذّر الاستبراء بغير الاستغفار.

و يعضده أنّ الغيبة و إن كانت من حقوق الناس، إلّا أنّها ليست كحقوق الجنايات حتّى يتوقّف إبراؤها على القصاص، و لا كحقوق القذف و السرقة حتّى يتوقّف إبراؤها على الحدّ، و لا كحقوق الماليّة حتّى يتوقّف على ردّ المثل و القيمة، بل إنّما هي من الحقوق المتوقّف إبراؤها على الإرضاء و رفع الإكراه الحاصل من الغيبة و لو شأنا. و من البيّن أنّ الاستغفار له من أعظم أسبابه المرضية له و الرافعة‌

____________

(1) كنز الفوائد 1: 306.

(2) الصحيفة السجادية: 198، و ص 332.

(3) السرائر 2: 69، ذكر قسم من صدر الحديث و تمامه في كشف الريبة ص 110.

(4) كذا في النسخة الخطيّة، و هو سهو تبعا لسهو الشيخ الأعظم في المكاسب، لأنّ الموجود عن السكوني هي رواية واحدة، و هي المروية في الوسائل 11: 343 ب «78» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 5، و أمّا الرواية الأخرى المنسوبة للسكوني- كما في المكاسب- فهي مروية عن حفص بن عمير، كما في الوسائل 8: 605 ب «155» من أبواب أحكام العشرة ح 1.

169

لإكراهه من الاستحلال أو الاعتذار منه، بل و من الإقرار بخطائه عند سامع غيبته، خصوصا عند تعذّر الاستحلال منه بموته و نحوه، أو عدم رضاه بالاستحلال إلّا بطلب شي‌ء زائد على الاستحلال من الأموال و الأفعال.

و يؤيّده أيضا أنّ الاستغفار استحلال من مولى العبد المملوك و وليّ أمره و مالك رقبته، و هو لا يقصر من الاستحلال من نفس العبد إن لم يكن هو الأولى بالعفو و الاستعفاء.

و لو سلّمنا عدم كون الاستغفار سببا مرضيا له و مبرئا عنه، فلا أقلّ من كونه بدلا عنه كبدليّة المثل و القيمة عن العين المضمونة عند تعذّر ردّها، و بدليّة ردّ العين المضمونة إلى ورثة الميّت، بل لا يقصر عن بدليّة الصدقة شرعا عن اللقطة و المال المجهول المالك عند تعذّر الردّ إلى صاحبها.

ثمّ المراد من مبرئيّة استغفار المغتاب بالكسر للمغتاب بالفتح هل هو الاستغفار له على وجه النيابة، أو الهديّة، أو الصدقة، أو التحيّة و الزيارة، أو الدعاء؟

فهل يستغفر المغتاب بالكسر لنفسه بقصد النيابة عن المغتاب بالفتح كما يقضي عنه دينه و حجّه و صلاته و زكاته؟

أو بقصد الهديّة بثوابه له، كإهداء ثواب التلاوة و صلاة الزيارة للمزور و صلاة الوحشة للمدفون؟

أو بقصد الصدقة عنه، كالصدقة باللقطة و الأموال المجهولة المالك عن صاحبها؟

أو بقصد التحيّة، كالزيارة و التسليم على وجه التعارف و التعظيم؟

أو على وجه الدعاء له بالمغفرة، كما يدعو لإخوانه المؤمنين بالمغفرة في ظهر الغيب، في صلاة الليل و صلاة الميّت بقوله: اللّٰهم اغفر لفلان؟

170

و هو الأظهر من قوله، (عليه السلام): «كفّارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته» (1)، و الأشبه بالمثليّة و البدليّة بين العوض و المعوّض، فإنّ الأشبه بالغيبة تداركه بالاستغفار للمغتاب بالفتح لا المغتاب بالكسر.

و يؤيّده نصوص أرجحيّة الدعاء لإخوانه المؤمنين في ظهر الغيب من الدعاء لنفسه، و قوله (عليه السلام): «إذا مات ابن آدم انقطع منه كلّ شي‌ء ما عدا ثلاث:

صدقة جارية، أو ولد صالح يستغفر له، أو علم ينتفع به» (2).

ثمّ الاستبراء من غيبة المملوك و الصبيّ المميز المحرّم الغيبة هل هو بالاستحلال منه و الاستغفار له، أم من مولاه و وليه، أم منهما معا، أم التفصيل بين المملوك و الصبيّ، أم بين الاستحلال و الاستغفار؟ وجوه.

و التحقيق أن يقال: أمّا الاستغفار له فلا مانع من مبرئيّته عن اغتياب كلّ من العبد و الصبيّ، بعد عموم المقتضي و إطلاق مبرئيّته.

و أما مبرئيّة الاستحلال، فإن قلنا بعموم قوله: «لا يجوز أمر الصبيّ حتى يبلغ» (3) و عموم قوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (4) توقّف الاستحلال من المولّى عليه على إجازة وليّه، كما هو مقتضى القول بعدم صحّة عبادات الصبيّ و معاملاته حتى يبلغ أو يجيزه الوليّ، و إلّا- أي: و إن لم نقل بعموم المنع و المانع- صحّ الاستبراء منهما كالاستغفار لهما من غير إجازة، كما هو مقتضى القول بشرعيّة عبادات الصبيّ و صحّة معاملاته.

ثمّ الاستبراء من الإيذاء و الجناية على الميّت بغيبة أو ضرب أو نبش قبر بغير ما له مقدّر شرعيّ، هل هو بالاستغفار و الصدقة عنه، أم بالاستحلال من‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في هامش (4) ص: 168.

(2) عوالي اللئالي 2: 53 ح 139، نقلا بالمضمون.

(3) الوسائل 1: 30 ب «4» من أبواب مقدّمة العبادات ح 2.

(4) النحل: 75.

171

وارثه و وليّه؟ وجهان أقواهما الأوّل.

ثمّ الاستبراء من الإيلام و الجناية على الحيوان بغير ما أبيح شرعا، أو ما يضمنه الجاني لمالكه، فهل هو بالتوبة و الاستغفار من خالقها، كما يقتضيه عموم (1) مكفّريّة التوبة و الاستغفار، أو بالتلافي عليها بالتوسعة و الرفاهة في مأكلها و مشربها و الفكّ و التخفيف و التخلية عن سبيلها لو أمكن، أو ليس له مبرّئ شرعيّ سوى الجزاء و القصاص المقرّر لها في الحشر من المؤلم، كما هو من شئون العدل و قضيّة عدله المنصوص في قصاص الحيوانات بعضها من بعض، و قضيّة استصحاب حقّها إلى يوم الجزاء؟

وجوه أظهرها الأوّل، و أشبهها الأخير، و أوسطها الوسط، لما ورد من التوصية بالترفّه على الحيوانات أو فكّها و الشفاعة في عتقها، كما في الروايات المستفيضة. منها: ما في بصائر الدرجات عن جابر الأنصاري قال: «بينما نحن يوما من الأيّام عند رسول اللّٰه قعود إذ أقبل بعير حتى برك و رغا و تسيل دموعه، قال (صلى اللّٰه عليه و آله): لمن هذا البعير؟ قالوا: لفلان، قال: عليّ به، فقال له: بعيرك هذا يزعم أنه ربّي صغيركم و كدّ على كبيركم، ثم أردتم أن تنحروه، قالوا يا رسول اللّٰه: لنا وليمة فأردنا أن ننحره، قال: فدعوه لي، قال: فتركوه، فأعتقه رسول اللّٰه، فكان يأتي دور الأنصار مثل السائل يشرف على الحجر، فكان العواتق يحسبن له حتى يجي‌ء فيقلن: هذا عتيق رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، فسمن» (2).

قوله: «فإنّ من لا يبالي بظهور فسقه بين الناس لا يكره ذكره بالفسق».

أقول: هذه حكمة استثناء المتجاهر لا علّة، و إلّا لم يحتج إلى استثنائه، و خرج عن موضوع اسم الغيبة لا حكمه، كالاستثناء المنقطع: فالعمدة في استثنائه‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في هامش (4) ص: 168، البحار 75: 257 ح 48.

(2) بصائر الدرجات: 348 ح 5.

172

النصوص، و العلّة المستنبطة منها أنّ من لم يراع حرمة ربّه العظيم لم يراع الربّ حرمته بين الناس.

قوله: «و مفهوم قوله (عليه السلام): «من عامل الناس فلم يظلمهم ..» (1) الحديث».

[أقول:] لا يقال: إن هذا المفهوم أعمّ من المدّعى، لاقتضائه استثناء مطلق الفاسق المصرّ و لو لم يتجاهر، كما أفتى به المجمع (2).

لأنّا نقول: عموم هذا المفهوم معارض بعموم منطوق المستفيضة (3) المفرّقة بين المستور و الظاهر، و مخصّص بمفهوم «إذا جاهر الفاسق» (4) الخبر.

قوله: «و ينبغي إلحاق ما يتستّر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح».

أقول فيه: إن كان المدار في جواز غيبته على إطلاق: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة له» (5)- كما هو الأظهر-، صحّ إلحاق ما استتر به بما تجاهر فيه مطلقا و لو كان فوقه في القبح لا دونه. و إن كان المدار فيه عليه تقييد إطلاق: «من تجاهر بالفسق» بخصوص المتجاهر فيه- نظرا إلى أنّ الحكم المتعلّق بالوصف المناسب مشعر بالعلّية- لم يصحّ إلحاق ما استتر به بما تجاهر فيه و لو كان دونه في القبح، فضلا عن المساوي و الأقبح.

قوله: «و لعلّ هذا هو المراد ب «من ألقى جلباب الحياء» (6)».

أقول: فيه أنّه إن خصّص إلقاء جلباب الحياء- الذي هو كناية عن التجاهر و الإعلان- بخصوص العظائم و الكبائر من المعاصي، كان الحكم بجواز الغيبة فيه أولى بالتخصيص بخصوص ما تجاهر فيه دون ما تستّر به، و لو كان المتستّر به‌

____________

(1) الوسائل 18: 293 ب «41» من أبواب الشهادات ح 15.

(2) مجمع البيان 2: 131.

(3) الوسائل 8: 604 ب «154» من أبواب أحكام العشرة.

(4) الوسائل 8: 604 ب «154» من أبواب الأحكام العشرة ح 3.

(5) الوسائل 8: 604 ب «154» من أبواب الأحكام العشرة ح 3.

(6) مستدرك الوسائل 9: 129 ب «134» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

173

دون المتجاهر به في القبح. و إن لم يخصّص التجاهر بخصوص كبائر المعاصي، بل بني على ظاهر إطلاقه التجاهر و لو بالصغيرة، كان الحكم بجواز غيبة المتجاهر أولى بالإطلاق و العموم و لو فيما تستّر به، سواء كان المتستّر به دون المتجاهر به أو فوقه.

قوله: «ففيه إشكال، من إمكان دعوى ظهور روايات الرخصة فيمن لا يستنكف عن الاطّلاع على عمله مطلقا .. إلخ».

أقول: فيه ما عرفت أوّلا: من أنّ المتجاهر بالفسق- على ما هو الظاهر من إطلاقه، و العلّة المستنبطة من نصوصه- هو مطلق المتظاهر في مقابل المتستّر، لا خصوص غير المستكره من ظهوره في مقابل المستكره منه، و إلّا لكان خارجا عن موضوع اسم الغيبة لا حكمه، كالاستثناء المنقطع.

و ثانيا: سلّمنا، لكن إطلاق غير المستكره من تجاهر فسقه في بلد كاف في انسحاب حكمه إلى بلد التستّر و الغربة، لأنّ انسحاب حكم إطلاق التجاهر في مكان إلى المكان المتستّر فيه لا يقصر في الإطلاق من انسحاب حكم إطلاق التجاهر في معصية إلى المعصية المتستّر فيه، خصوصا إذا كان دونه في القبح، و من الزمان المتجاهر فيه إلى الزمان المتستّر به، كالأيّام و الليالي المتبرّكة، خصوصا إذا كان دونه في القبح، و من الحال المتجاهر فيه- كحال الغضب- إلى الحال المتستّر به، خصوصا إذا كان دونه في القبح. فإطلاق التجاهر بالنسبة إلى معصية دون معصية، و بالنسبة إلى زمان دون زمان، و بالنسبة إلى حال دون حال، و بالنسبة إلى ناظر دون ناظر، إذا كان متساوي النسبة في إطلاق الحكم بالرخصة، فكذلك بالنسبة إلى مكان دون مكان، و بالنسبة إلى بلد دون بلد. فإذا اقتصر على التخصيص بالمتيقّن من حيث المكان، فليقتصر عليه من حيث أفراد المعصية و أزمنتها و شاهديها و أحوال العاصي و حالاته، و لا أظنّ التزم فقيه به.

174

و ثالثا: سلّمنا أنّ إطلاق التجاهر في مكان خاصّ معارض بإطلاق التستّر في المكان المتستّر به و إطلاق حرمة غيبة المتستّر بالأمر المستور، لكن- مضافا إلى أنه مشترك الورود، و منقوض بأن إطلاق كلّ مخصّص بالكسر معارض بإطلاق المخصّص بالفتح- فيه: أن إطلاق المستثنى- و هو التجاهر- كنفس المستثنى، فضلا عن عموم الحكم عليه بأنّه لا غيبة له، مقدّم على إطلاق المستثنى منه و هو حرمة غيبة المستور قطعا، كتقدّم الحاكم على المحكوم و عموم العلّة على المعلول.

و رابعا: سلّمنا التوقّف أو التساقط بعد المعارضة، لكن المرجع بعده إلى أصل البراءة و الإباحة لا الاحتياط و الحرمة، على ما هو المشهور المنصور في الشبهات الحكميّة التحريميّة.

قوله: «و مناط الثاني إظهار عيوبه فلا يجوز إلّا بمقدار الرخصة».

[أقول:] لا يقال، كلّ من جاز سبّه و ذمّة في المحضر جاز إظهار عيوبه في الغياب بالأولويّة، لأنّ سوء المحضر أغلظ عقوبة.

لإمكان منع الأولويّة، بل و دعوى العكسيّة في الغالب، بأنّ التأذّي و الأذيّة بإظهار العيوب المستورة لمن لم يطّلع عليها قد يكون أشدّ من التأذّي بالسبّ و الذمّ حضورا بأضعاف مضاعفة. و ذلك لأنّ السبّ حضورا و إن كان أصرح ذمّا و أغلظ هتكا من الغيبة، إلّا أنّ الغيبة من جهة الانتقال فيها من الملزوم- و هو إظهار العيب- إلى لازمة- و هو الذمّ و التنقيص- يكون كالكناية أبلغ من التصريح، لأنّه كدعوى الشي‌ء ببيّنة و برهان، و هو أقبح و أفحش من السبّ. إلّا أن يقال: بأن المسوّغ للأمرين لمّا كان إطلاق التجاهر بالشين، و عموم لا حرمة و لا غيبة له في البين، اقتضى اتّحاد حكم المسألتين و إن اختلف الموضوعان.

قوله: «لعدم عموم في الآية [و عدم نهوض ما تقدّم في تفسيرها

175

للحجّية .. إلخ]» (1).

أقول: فيه أولا: أنّ المستثنى بقوله تعالى إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ (2) و إن لم يكن له عموم كعموم قوله (عليه السلام): «إذا جاهر الفاسق فلا حرمة له و لا غيبة» (3)، ليعمّ جواز تظلّم المظلوم بإظهار مناقص الظالم و لو لم تكن ظلما كالعور و الحول، أو كانت ظلما لكن بالنسبة إلى نفس الظالم كشرب الخمر و ترك الصلاة، أو بالنسبة إلى غير المتظلّم لا المتظلّم، إلّا أنّ إطلاقه و إن لم يشمل لما ذكر من الأفراد لكنّه شامل لمطلق التظلّم و لو عند من لا يزيل الظلم عنه، و ذلك لانتفاء المقيّد الصارف لإطلاق مَنْ ظُلِمَ عن هذا المقدار من التظلّم، و إن وجد الصارف له عن المقدار الزائد عليه.

و ثانيا: سلّمنا الصارف لهذا الإطلاق عمّا نحن فيه، لكن لا صارف لإطلاق: «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» عن التظلّم عند من لا يزيل الظلم، بل تظلّم المظلوم بمقدار المظلوميّة و عدم الزيادة على المثليّة قسم من التقاصّ و القصاص على قدر الحقّ، الكافي في جوازه العقل بل و الأصل، و لو لم يرد فيه نصّ. و عدم التمكّن من إزالة الظلم لا يمنع من التظلّم رأسا، كما أن عدم التمكّن من استيفاء الحقّ لا يمنع من حقّ المطالبة، و لا من حقّ العقوبة و المؤاخذة، و إن لم يفد إلّا تسجيل العذاب، كما ورد: «ليّ الواجد يحلّ عرضه و عقوبته» (4) و «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (5)، بل منع المظلوم من التظلّم عند من لا يزيل ظلمه مزيد في ظلمة، فلا يجوز.

____________

(1) يلاحظ أن العبارة ما بين المعقوفتين قد علق عليها السيّد المحشّي «(قدس سرّه)» في هنا.

(2) النساء: 148.

(3) الوسائل 8: 604 ب «154» من أبواب أحكام العشرة ح 4.

(4) الوسائل 13: 90 ب «8» من أبواب الدين و القرض ح 4.

(5) عوالي اللئالي 4: 58 ح 207.

176

قوله: «و عدم نهوض ما تقدّم في تفسيرها للحجّية».

[أقول:] و ذلك لعدّ تفسير القميّ (1) من الروايات الموقوفة، و العيّاشيّ (2) من المضمرة. و لكن يمكن توجيهها بأنّ شاهد حال الراوي فيها يعدّها في عداد المسانيد الظاهرة في الحجيّة.

قوله: «مع أنّ المرويّ عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها المحكيّ عن مجمع البيان: «أنّه لا يحبّ الشتم في الانتصار إلّا من ظلم» (3) الحديث».

[أقول:] فيه: أنّ معنى الانتصار بالشتم ليس الشتم عند من ينتصر به و يزيل ظلمه، بل معناه مطلق التظلّم و معارضة المظلوم الظالم بالظلم المماثل، و مغالبة المشتوم الشاتم بالشتم، و استيفاء كلّ حقّ بمثله بما يجوز الانتصار به في الدين، أي: بمقدار ما يجوز المعارضة و المقابلة به في الدين، و هو المثليّة لا التشفّي بالزيادة. و حينئذ فتظلّم المظلوم بالظلم و المشتوم بالشتم و المذموم بالذم انتصار على الظالم بمثل ظلمه و بما يجوز الانتصار به في الدين، خصوصا إذا كان بما دون المثل كمّا أو كيفا، و عند من لا يرجى منه، إزالة ظلمه و استيفاء تمام حقّه، بل لو زاد على المثل بأضعاف لم يخرج عن صدق الانتصار و إن خرج عن حكمه.

قوله: «و ما بعد الآية لا يصلح للخروج بها عن الأصل الثابت بالأدلّة العقليّة و النقليّة».

أقول: فيه: أنّ ما بعد الآية- و هو مفهوم حصر إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّٰاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (4)- كمنطوق ما قبل الآية هو عموم نفي السبيل عن الظلم بحقّ، و هو تظلّم المظلوم و استيفاء ظلمه بالمثل‌

____________

(1) تفسير القمي 1: 157.

(2) تفسير العياشي 1: 283 ح 296.

(3) مجمع البيان 2: 131.

(4) الشورى: 42.

177

و الظلم بحقّ على وجه التقاصّ و القصاص بحقّ. و من البيّن أنّ هذا المقدار من التظلّم بالمثل خارج عن موضوع الأدلّة العقليّة- و هو قبح الظلم- و النقليّة- و هو عموم وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (1) و لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ (2)- من باب التخصّص لا التخصيص حتّى يقتصر في الخروج على المتيقّن، ضرورة أنّ استيفاء المظلوم حقّه من الظالم بالمثل و ما دونه و لو كان من حقّ الأولويّة لا الحقوق الواجبة لا يعدّ ظلما و لا حراما، بل يكفي في جوازه العقل، بل و الأصل، و لو لم يكن عليه عموم و لا نصّ.

نعم، لو أردنا إثبات جواز التظلّم بالزيادة على المثل كمّا أو كيفا، كتظلّم المظلوم بغير ما ظلم به من إظهار المناقص غير الظلميّة كالعور و الحول، أو بما ظلم الظالم به نفسه لا غيره كشرب الخمر و ترك الصلاة، أو بما ظلم به شخص ثالث غير المتظلّم، توقّف على إطلاق أو عموم المسوّغ من النصوص.

قوله: «الظاهر من الجواب أنّ الشكوى إنّما كانت من ترك الأولى».

أقول: كما يحتمل أن يكون المراد من الكامل البالغ أعلى مراتب الكمال لتكون، الشكوى من ترك حقّ الأولويّة، كذلك يحتمل البالغ أدنى درجاته لتكون الشكوى من تركه الحقوق الواجبة، و الاحتمال مبطل للاستدلال.

و لكن يسهّل الخطب أنّ هذا الخبر و إن لم يظهر منه المدّعى إلّا أنّ الخبر السابق (3): «من استقضى فقد أساء» (4) صريح فيه، مضافا إلى ظهور خبري العيّاشي (5) و المجمع (6) في تفسير «من ظلم» بمن لم يحسن ضيافة الضيف، مضافا‌

____________

(1) الحجرات: 12.

(2) النساء: 148.

(3) لا يخفى أنّه لم يسبق ذكر منه «(قدس سرّه)».

(4) الوسائل 13: 100 ب «16» من أبواب الدين و القرض ح 1.

(5) تقدم ذكر مصادرهما في هامش (2 و 3) ص: 176.

(6) تقدم ذكر مصادرهما في هامش (2 و 3) ص: 176.

178

إلى إطلاق نفس الآية، و عموم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1).

بل قد عرفت أنّ التظلّم بالمثل و لو عن حقّ الأولويّة خارج عن موضوع الظلم و الغيبة اسما لا حكما، فيكفي في جوازه العقل و الأصل، و لو لم يكن له عموم و لا نصّ.

قوله: «فالأحوط عدّ هذه الصورة من الصور العشر المتقدّمة (2) التي رخّص فيها في الغيبة لغرض صحيح أقوى من مصلحة احترام المغتاب».

أقول: أمّا الصور العشر المتقدّمة فهي ما جمعها في آخر الأمر الأوّل من معاني الغيبة بقوله: «ثمّ الظاهر المصرّح به في بعض الروايات (3) عدم الفرق في الغيبة بين ما كان نقصا في بدنه، أو نسبه، أو خلقه، أو فعله، أو قوله، أو دينه، أو دنياه حتّى في ثوبه، أو داره، أو دابّته».

و أمّا المراد من ترخيص الغيبة فيها لغرض صحيح فهو ما ذكره في الأمر الثالث فيما استثني من الغيبة بقوله: «و اعلم .. إلخ».

قوله: «فإنّ خيانته قد تكون أقوى مفسدة من الوقوع في الغيبة».

[أقول:] وجه الأقوويّة أنّه قد يترتّب على ترك النصح بترك غيبة الخائن إتلاف المال و الحال، و النفوس و الناموس، المفوّضة إلى الخائن المستتر و الفاسق المضمر، بالوكالة و الأمانة و الشراكة و الوصلة، خصوصا بتوصية الأموات و تولية الموقوفات.

و بواسطة ترك نصح المستشير و عدم التحذّر و التحذير من الخائن و الشرير‌

____________

(1) البقرة: 194.

(2) يلاحظ أن في المكاسب: الآتية، بدل: المتقدّمة، و تعليقة السيّد المحشّي «(قدس سرّه)» تبتني على نسخته من المكاسب، و هي نسخة مغلوطة، و الصحيح ما في المتن، و هي عشر صور ذكرها في نفس الصفحة، ابتداء من س: 18.

(3) مستدرك الوسائل 9: 117 ب 132 من أبواب أحكام العشرة ح 19.

179

يترتّب الضرر الخطير على المستشير، بل و العذاب الكثير على الخائن الفقير، بخلاف اغتيابه لأجل التحذّر و التحذير، فليس فيه سوى التعبير عمّا فيه من التحقير و إظهار ما في الضمير.

قوله: «مع ظهور عدّة من الأخبار في وجوبه».

[أقول:] كقوله (عليه السلام): «اذكروا المرء بما فيه ليحترزه الناس» (1).

قوله: «و احتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل».

أقول: فيه أوّلا: أنّ أصالة عدم كونها متجاهرة بعد فرض كونها عاصية من قبيل الشكّ في الحادث، المعارض فيه أصالة عدم التجاهر بأصالة عدم التستّر، لا الشكّ في الحدوث حتى يعتبر فيه الأصل، نظير الشكّ في كون المعصية الصادرة غيبة أو سبّا، و كون الفاعل رجلا أو امرأة، ممّا لا مجرى للأصل فيها عند العقل و العقلاء.

و ثانيا: أنّ أصالة عدم تجاهرها دليل حيث لا دليل على ظهور تجاهرها من عموم: «لا تدفع يد لامس» (2)، مع فرض حبسها و تقييدها و المنع من الدخول عليها، بل أيّ تجاهر أجهر من ذلك.

و ثالثا: سلّمنا، لكن مجرّد عدم ردّ غيبتها النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يدلّ على تقرير جواز غيبتها، فإنّه إنّما يدلّ على تقريره لو لا رادع معلوم من مثل قوله تعالى:

وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (3) الآية، و لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ (4).

و رابعا: سلّمنا عدم رادع معلوم، لكن عدم ردع النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) إنّما هو من جهة عدم تحقّق الغيبة، و هو إظهار العيب المستور عليه (صلى اللّٰه عليه و آله)، لإحاطة علمه (صلى اللّٰه عليه و آله) بجميع‌

____________

(1) جامع السعادات 2: 321.

(2) الوسائل 18: 414 ب «48» من أبواب حدّ الزنا ح 1.

(3) الحجرات: 12.

(4) النساء: 148.

180

الأحوال و الفعال بواسطة العلم الحصولي و عرض الأعمال. و حينئذ فلا دلالة في أمثال تلك الروايات على جواز غيبة المستفتي عنه للمستفتي، سوى كون مصلحته أقوى من مصلحة تركها، كأقوائيّة مصلحة كشف عورة المريض على الطبيب من مصلحة سترها، فيقتصر في جوازها على قدر الضرورة و حالها و محلّها لا غير.

قوله: «إلّا أنّ ما يدلّ على كونه من الكبائر كالرواية (1) المذكورة [و نحوها] ضعيفة السند».

[أقول:] و يمكن النظر فيه أوّلا: بانجبار سندها بالشهرة و الاستفاضة، بل التواتر حسب ما سيأتي. و أمّا دلالتها فصريحة في أنّها كالغيبة من الكبائر، بل التصريح في بعضها بأنّ السامع عليه وزر المغتاب سبعين مرّة (2).

و ثانيا: لو سلّمنا، لكن يكفي في أنّ سماع الغيبة كالغيبة من الكبائر كونه أحد ركني الغيبة، كالعقد المتوقّف تحقّقه على كلّ من الإيجاب و القبول و المزاوجة، المتوقّف تحقّقه على كلّ من الزوج و الزوجة [و الصفّ و المقاتلة من قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا (3)] (4) المتوقّف تحقّقه على الاثنينيّة، كما هو الظاهر أيضا من قوله (عليه السلام): «السامع للغيبة أحد المغتابين» (5) على قراءته بالتثنية لا الجمع، كما هو الظاهر.

قوله: «فيحمل فعل القائل على الصحّة ما لم يعلم فساده».

____________

(1) كشف الريبة: 64.

(2) الوسائل 8: 99 ب «152» من أبواب أحكام العشرة ح 13.

(3) الصف: 4.

(4) ما بين المعقوفتين ورد في النسخة الخطّية، و لم نر له وجها صحيحا، و لعلّه من طغيان قلمه الشريف «(قدس سرّه)»، و وضعناه في المتن كما هو عليه.

(5) كشف الريبة: 64.

181

[أقول:] و يمكن النظر فيه أولا بما في القوانين (1) و أصول المصنف (2) من أنّ أصالة الصحّة إنّما تقتضي الصحّة الفاعلي لا الحاملي.

و ثانيا: سلّمنا الصحّة الحاملي، لكن مجراها فيما لم يكن الأصل فيه الفساد من الأفعال، كالبيع و الشراء و نحوهما ممّا يكون الصحّة و الفساد فيه على السواء، لا كبيع الوقف و الربا و الخمر و النجس و الرشى و الظلم و الجور و الزنا ممّا كان الأصل فيه الفساد و الفحشاء، إلّا ما صحّ بإكراه أو استثناء، خصوصا في هذه الأزمنة و البلاد، الغالب فيها الفساد و الجهل و العناد، و سوء الفعال و الاعتياد بالملاهي و الرقاد، لقوله (عليه السلام): «لا تثقنّ بأخيك كلّ الثقة، فإنّ صرعة الاسترسال لا تستقال» (3). و ما في نهج البلاغة: «إذا استولى الفساد على الزمان و أهله ثمّ أحسن رجل الظنّ برجل فقد غرّر» (4). و قوله (عليه السلام): «إذا كان الجور أغلب من الحقّ، لا يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيرا حتّى يعرف ذلك منه» (5).

قوله: «و لعلّ وجه زيادة عقابه أنّه إذا لم يرده تجرّي المغتاب على الغيبة، فيصرّ على هذه الغيبة و غيرها».

أقول: مضافا إلى أنّ عدم ردّ المغتاب يوجب تجرّيه، بل و إصراره عليه بغير حساب، بل و استحلال ما عاب و اغتاب، إلى حدّ الارتداد و الخلود في العقاب، بل و يوجب سوء الظنّ و الارتياب في كلّ ما لا يدركه من الحقّ و الصواب، و لو كان من كلام أولي الألباب و أحكام ربّ الأرباب. مضافا إلى أنّ كون السماع الجزء الأخير للعلّة التامّة للاغتياب، و كونه عمدة الأسباب، كاف في‌

____________

(1) انظر قوانين الأصول 2: 126.

(2) فرائد الأصول: 417.

(3) الوسائل 8: 502 ب «102» من أبواب أحكام العشرة ح 4.

(4) نهج البلاغة: 489 رقم 114.

(5) البحار 78: 370، نقلا بالمضمون.

182

تضاعف العقاب.

قوله: «و الظاهر أنّ الردّ غير النهي عن الغيبة».

[أقول:] و ذلك الظهور الردّ و النصر و الانتصار، خصوصا بقرينة ما يترتّب عليه من كثرة الأجر و الآثار في تخطئة المغتاب بأنّه غير مصاب، لا مجرّد منعه عن الاغتياب الذي هو إبراز عيب المعاب، فإنّ مجرّد ذلك ليس ردّا على المغتاب، بل لا يخلو في نفسه عن نوع اغتياب، و تصديق المغتاب فيما أعاب، فكيف يترتّب عليه ذلك الثواب؟! و من هنا يظهر أنّ ردّ الغيبة على المغتاب الواجب على السامع لا يجوز بمثل: لا تكذب على أخيك و لا تتّهمه، أو لا تفتر عليه، أو قد فسقت، أو لعنت، أو نممت فيما نسبته، أو وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّٰاكٍ أَثِيمٍ (2) هَمّٰازٍ مَشّٰاءٍ بِنَمِيمٍ (3) فإنّ أمثال ذلك من باب ردّ الفاسد بالأفسد، و انتهاك حرمة الحاضر لردّ انتهاك حرمة الغائب، و هو أحد المحرّمين، بل أقواهما غير الجائز من باب ردّ الغيبة، و إن جاز من باب النهي عن المنكر المتوقّف عليه.

و لا يجوز أيضا بمثل قولك لا تغتب، أو لا تجهر بالسوء، و لا تظهر معايب أخيك، و لا تعيّبه بما فيه، لاستلزامه تصديق المغتاب فيما أعاب، نظير قول المولى لعبده: طلّق زوجتك، فإنّه إمضاء لعقده، فلا يجب عليه الطلاق، بخلاف ما لو قاتل: لم أمض عقدك، فإنّه طلاق، و نظير اجتهاد الشافعيّة (4) في مقابل نصوص:

«التائب كمن لا ذنب له» (5) بأنّ التوبة عن ذنب إقرار به فيؤخذ به.

____________

(1) الهمزة: 1.

(2) الجاثية: 7.

(3) القلم: 11.

(4) المغني لابن قدامة 12: 81.

(5) الوسائل 11: 358 و 360 ب «86» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 8 و 14.

183

بل الردّ الواجب على السامع للغيبة من باب ردّ الغيبة إنّما هو بمثل قولك:

لا تسئ الظنّ بأخيك، فإنّ بعض الظنّ إثم، و احمل فعل أخيك على أحسنه، أو لعلّ ما أخطأت أو سهوت أو اشتبهت في الإعابة، أو لعلّ ما المعاب معذور شرعا بسهو أو نسيان أو غفلة، أو مقهور في الإساءة بإكراه أو اضطرار أو علّة، فإنّ هذا هو ردّ الغيبة لا غير.

قوله: «و الظاهر إرادة الحقوق المستحبّة التي ينبغي أداؤها .. إلخ».

أقول: بل الأظهر خصوصا من قوله (عليه السلام): «لا براءة له منها إلّا بأدائها أو العفو» و قوله: «فيقضى له عليه» (1) إنّما هو الحقوق الواجبة، و ذلك لظهور انصراف حقوق الأخوّة في الكامل العارف المؤدّي لحقوق الأخوّة الإيمانيّة حقّ الأداء. و من المعلوم أنّ مثله واجب المجازات بالمثل بل الأحسن، لقوله تعالى:

هَلْ جَزٰاءُ الْإِحْسٰانِ إِلَّا الْإِحْسٰانُ (2) وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا (3) و قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا (4) الآية. غاية الأمر وجوب تلك الحقوق بالوجوب الكفائيّ لا العيني. و يدلّ عليه اتّفاق النصوص و الفتاوى على وجوب إقامة المعتكف في المسجد، و عدم جواز الخروج إلّا لأمر واجب، كجنازة أو عيادة أو جمعة أو لقضاء حاجة مؤمن.

و حينئذ فما يرى من عدم وجوب تلك الحقوق إنّما هو بواسطة قيام من به الكفاية، كردّ سلامه و حضور جنازته و تسميت عطسته و قضاء حاجته، أو بواسطة تجاهره بالفسق، المسوّغ لغيبته، أو بواسطة تضييعه حقوق الأخوّة المسقط لحقوق نفسه بالمقاصّة أو التهاتر في الحقوق، خارج بالتخصّص لا التخصيص.

____________

(1) الوسائل 8: 550 ب «122» من أبواب أحكام العشرة ح 24.

(2) الرحمن: 60.

(3) النساء: 86.

(4) الحجرات: 10.

184

و لو سلّم فهو مقدّم على التجوّز بحمل الحقوق على الحقوق المستحبّة، خصوصا مع استلزامه التخصيص بغير ما وجب من الحقوق، كردّ سلامه و حفظ حليلته. مضافا إلى أنّ العامّ المخصّص من تلك الحقوق الواجبة بالاستحباب حجّة في الباقي، فكيف يحمل جميع الحقوق على الاستحباب مع اختصاص التخصيص بالمستحبّ- على تقدير التسليم- ببعضها؟!

قوله: «ثمّ إنّ ظاهرها و إن كان عامّا إلّا أنّه يمكن تخصيصها بالأخ العارف بها المؤدّي لها».

أقول: و يمكن النظر فيه أولا: بأنّ التخصيص خاصّ بفرض الحقوق واجبة، و أمّا على ما فرضت من كونها مستحبّة فلا يتأتّى التخصيص في المستحبّات، لأنّ تعدّد مراتبها يوجب الجمع بينهما و رفع المنافاة.

و ثانيا: لو سلّمنا تخصيص الحقوق بالأخ الكامل، لكن المخصّص لا ينحصر فيما ذكر من النصوص، بل فيها ما هو أصحّ و أصرح جدّا، مثل ما نقله البحار: «من أنّ زيد النار دخل على أخيه الرضا (عليه السلام) فسلّم فلم يردّ عليه الجواب، فقال: أنا ابن أبيك و لا تردّ عليّ جوابي؟ فقال (عليه السلام): أنت أخي ما دام أطعت اللّٰه، فإذا عصيته لم يكن بيني و بينك إخاء» (1) الحديث.

و ما في نهج البلاغة من قوله (عليه السلام): «و اللّٰه لقد رأيت عقيلا و لقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعا، و رأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنّما اسودّت وجوههم بالعظلم، و عاودني مؤكّدا، و كرّر عليّ القول مردّدا، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أنّي أبيعه ديني، و اتّبع قيادة مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنف من‌

____________

(1) البحار 49: 221 ح 10.

185

ألمها، و كاد أن يحترق من مسيسها» (1) إلخ.

و ما في الاحتجاج في آخر احتجاجات الرضا (عليه السلام): «أنّه (عليه السلام) لمّا ولي ولاية العهد دخل إليه آذنه فقال: إنّ قوما بالباب يستأذنوك، يقولون: نحن من شيعة عليّ.

فقال (عليه السلام): أنا مشغول فاصرفهم.

فصرفهم إلى أن جاءوا هكذا يقولون و يصرفهم شهرين، ثمّ أيسوا من الوصول فقالوا: قل لمولانا: إنّا شيعة أبيك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و قد شمت بنا أعداؤنا في حجابك، و نحن ننصرف عن هذه الكرّة، و نهرب من بلادنا خجلا و أنفة ممّا لحقنا، و عجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا بشماتة أعدائنا.

فقال (عليه السلام): ائذن لهم ليدخلوا، فدخلوا فسلّموا عليه فلم يردّ عليهم، و لم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما.

و قالوا: يا ابن رسول اللّٰه ما هذا الجفاء العظيم و الاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب، أيّ باقية تبقى منّا بعد هذا؟

فقال الرضا (عليه السلام): أقروا وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ما اقتديت إلّا بربّي عزّ و جلّ و برسوله و بأمير المؤمنين (عليه السلام).

إنّ شيعته: الحسن و الحسين و سلمان و أبو ذر و المقداد و عمّار و محمد بن أبي بكر، الذين لم يخالفوا شيئا من أمره، و أنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، و مقصّرون في كثير من الفرائض، و تتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في اللّٰه، و تتّقون حيث لا تجب التقيّة، و تتركون التقيّة حيث لا بدّ من التقيّة لو قلتم: إنّكم مواليه و محبّوه، و الموالون لأوليائه و المعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم، و لكن هذه مرتبة شريفة ادّعيتموها، إن لم تصدّقوا قولكم بفعلكم هلكتم، إلّا أن‌

____________

(1) نهج البلاغة: 346- 347 رقم (224)، و فيه بدل «مسيسها» «ميسمها».

186

تدرككم رحمة ربّكم.

قالوا: يا بن رسول اللّٰه فإذا نستغفر اللّٰه و نتوب إليه من قولنا، بل نقول كما علّمنا مولانا: نحن محبّوكم و محبّو أوليائكم، و معادو أعدائكم.

فقال الرضا (عليه السلام): فمرحبا بكم يا إخواني و أهل ودّي ارتفعوا، فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه.

ثمّ قال لحاجبه: كم مرّة حجبتهم؟ قال: ستّين مرّة.

قال: فاختلف إليهم ستّين مرّة متوالية، فسلّم عليهم و أقرأهم سلامي، فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم و توبتهم، و استحقّوا الكرامة لمحبّتهم لنا و موالاتهم، و تفقّد أمورهم و أمور عيالاتهم، فأوسعهم نفقات و مبرّات و صلات و دفع معرّات» (1).

[المسألة الخامسة عشرة القمار و هو حرام إجماعا]

قوله: «فإن ظاهر ذلك أن محلّ الخلاف هنا هو محلّ الوفاق هناك».

[أقول:] و ذلك لظهور تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض الذي هو محلّ الوفاق هناك في الحرمة التكليفيّة الذي هو محلّ الخلاف هنا، لا خصوص الحرمة الوضعيّة و هو الفساد هناك.

قوله: «ليس بحرام إلّا أنّه لا يترتّب عليه الأثر».

[أقول:] أي: أثر صحّة المراهنة و الزوم الوفاء بها.

قوله: «لكن هذا وارد على تقدير القول بالبطلان».

[أقول:] يعني: إيراد ظهور الخبر (2) في نفي حرمة نفس فعل المراهنة وارد أيضا في نفي حرمة المؤاكلة به، مع ما عرفت من الاتّفاق على بطلانه و حرمة أكل المال بالباطل، و أنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

____________

(1) الاحتجاج: 440- 441.

(2) الوسائل 16: 114 ب «5» من أبواب كتاب الجعالة ح 1.

187

قوله: «حرام أيضا. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى إمكان تخصيص قوله (عليه السلام): «لا شي‌ء في المؤاكلة» (1) بنفي الحرمة دون نفي الضمان، كما في الجاهل بحكمها، أو بنفي الضمان دون الحرمة، كما في أكل الرشوة المبذولة على وجه الهديّة، على ما اختاره المصنّف من إرجاعها إلى الهبة الفاسدة، أو بنفي الصحّة و آثارها لا نفي الحرمة و لا الضمان، كما لعلّه الأظهر.

و عليه، فالخبر على تقدير صحّته مناف لصحّة المراهنة، لا لحرمتها، و لا لضمان المؤاكلة بها، فيوافق المشهور المنصور، لا أنّه يخالفه.

قوله: «إلّا أن يقال: بأن مجرّد التصرّف من المحرّمات العلميّة .. إلخ».

أقول: فيه أوّلا: أنّ الجهل في سائر الأنام و إن كان عذرا مغيّرا في الظاهر للحرام، بواسطة تقييد الأحكام بالعلم و الإعلام، إلّا أنّ الاقتحام في خلاف الواقع للإمام، و تفويت الواقع عليه و لو حال الجهل و المنام، نقص تامّ و نقض عامّ لغرض الحكيم العلّام، من نصبه على الأنام حتى على الملائكة الكرام، و جعله مظهرا للعدل و الاعتصام، و هدى إلى باب السلام، و مصباحا في الظلام، و مرآة لأوصاف الجلال و الجمال و الكمال، كما قرّر في محلّه عقلا و نقلا، بل بكلّ من وجوه الأدلّة الأربعة بأبلغ وجه و أجمع.

و ثانيا: أنّ حديث (2) تقيّؤ الإمام (عليه السلام) ضعيف السند بسهل بن زياد، و اشتراك أحمد بن محمد. مضافا إلى شذوذه، و موافقته العامّة، و كونه من الآحاد التي لا يجوز التعويل عليها في أصول الدين.

و ثالثا: أنّه ضعيف الدلالة، لأنّ تقيّؤ المأكول المقامر به بعد الإخبار إنّما يستلزم الجهل بحرمته حين الأكل لو حصّله الغلام من مال غير الإمام بالمقامرة،

____________

(1) الوسائل 16: 114 ب «5» من أبواب كتاب الجعالة ح 1.

(2) الوسائل 12: 119 ب «35» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

188

و أمّا لو حصّله بالشراء من مال الإمام (عليه السلام)- كما هو ظاهر الخبر (1)- فمجرّد مقامرة الغلام به بعد الشراء لا يوجب حرمته، بل و لا كراهته على الإمام (عليه السلام)، حتى يكون التقيّؤ بعد إخباره بالحال من جهة حصول العلم بحرمته بعد الجهل به حين الأكل.

بل يكون التقيّؤ حينئذ إمّا من جهة مجرّد رفع الاستكراه الطبعي الحاصل لنفسه من الإخبار، أو لغيره المخبر فيه بلعب القمار، نظير غسل اليد بعد الأكل من وسخ الطعام لا النجاسة.

أو من جهة ردع الغلام و نهيه عن منكر المقامرة بتقيّؤ ما قامر به، حيث إنّ فعل التقيّؤ أشدّ إنكارا و ردعا على الغلام المقامر من نهيه القوليّ عن المقامرة، كما لا يخفى أنّ الأفعال أشدّ تأثيرا من الأقوال في اقتضاء التأسّي و متابعة الحال.

أو من جهة مصلحة تحريص الناس على شدّة التحرّز عن المقامرة، كتصريحه على شدّة التحرّز من الخمر بقوله (عليه السلام): «لو وقعت قطرة منه في بحر، ثم جفّ البحر و نبت عليها نبات، فأكل ذلك شاة، ما أكلت من لبن تلك الشاة» (2).

أو من جهة مصلحة تحمية الناس عن أكل مال الغير بالمقامرة بواسطة تقيّؤ مال نفسه المقامر به، كتحميتهم بقوله (عليه السلام): «اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا فيه البأس» (3). و قوله (عليه السلام): «خالفوهنّ في المعروف، حتى لا يطمعن في المنكر» (4).

أو من جهة المماشاة مع المخبر بأكل ما قامر به الغلام، بضرب من التقيّة أو السياسات المدنيّة، كما كان ديدنه (صلى اللّٰه عليه و آله) المداراة، و قوله (عليه السلام):

«دار الناس، فإن عقولهم لا تتحمّل» (5). و قوله (عليه السلام): «كلّم الناس على قدر‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 187.

(2) لم نجده بلفظه، و وجدنا نظيره في الكشاف 1: 260.

(3) تحف العقول: 60.

(4) نهج البلاغة: 105 رقم «80».

(5) أخرج ذيله مع اختلاف في الصدر السيد الزبيدي في اتحاف السادة 6: 265.

189

عقولهم» (1). و قوله (عليه السلام) في باب الروضة من الكافي: «و اللّٰه لو لا أن يقول الناس إنّ محمدا استعان بقوم فلمّا ظفروا بعدوّه قتلهم، لقدّمت كثيرا من أصحابي و ضربت أعناقهم» (2).

و روى العامّة (3) و الخاصّة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)، كالصدوق في المجالس، أنّه قال: (صلى اللّٰه عليه و آله) لعليّ: «يا عليّ و اللّٰه لو لا أنّي أخاف أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك اليوم قولا لا تمرّ بملإ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك يتبرّكون به» (4).

قوله: «و إرادة نفي جواز العقد عليه في غاية البعد».

أقول: نفي الجواز بدلالة الاقتضاء في منفيّات الحقيقة المتعذّرة في لسان الشارع، إن لم يكن أقرب من نفي الصحّة فلا أقلّ من دخوله في عموم حذف المتعلّق، و هو نفي مطلق الحكم الشرعي، سواء كان وضعيّا أو تكليفيّا، لأنّ التخصيص يحتاج إلى مخصّص و الانصراف إلى صارف، و الأصل عدمه.

قوله: «و على تقدير السكون فكما يحتمل نفي الجواز التكليفي فيحتمل نفي الصحّة».

[أقول:] فيه: أنّ الاحتمال المبطل للاستدلال إنّما هو المورث للإجمال، و قد عرفت أنّ نفي الجواز التكليفي إن لم يكن أظهر فلا أقلّ من دخوله في عموم حذف المتعلّق، أعني: نفي مطلق الحكم الشرعي الأعمّ منهما.

قوله: «العوض أيضا غير مأخوذ فيه. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى إمكان الفرق بانصراف فعل القمار إلى خصوص المقامرة‌

____________

(1) الكافي 1: 23 ح 15، و فيه: إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم .. إلخ.

(2) الكافي 8: 345 ح 544.

(3) علل الحديث 1: 313 ح 941، و ليس فيه: لا تمرّ بملإ .. إلخ، بل فيه بدله: و ذكر الحديث.

(4) أمالي الصدوق 86 ح 1، و ص 489 ح 9.

190

بعوض، بخلاف انصرافه إلى المقامرة بالآلة، نظرا إلى أنّ الآلة اسم يبعد أخذه في مفهوم الفعل، بخلاف العوض و المراهنة، فإنّه من سنخ الفعل، و انصراف الفعل إلى الفعل كانصراف الاسم إلى الاسم ممكن، بخلاف انصراف كلّ إلى غير سنخه.

[المسألة السادسة عشرة القيادة من الكبائر]

قوله: «و هي، من الكبائر».

أقول: و الدليل على حرمته و كونه من الكبائر كلّ من الأدلّة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (2)، و فحوى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ (3) الآية.

و من السنّة ما ورد (4) في حدّه، و في تفسير (5) الواصلة و المستوصلة. و من الإجماع ما ادّعاه جماعة من الإجماع صريحا على حرمته، و عدّه في عداد الكبائر المجمع عليه. و من العقل كونه من أعظم مقدّمات الحرام المحرّمة عقلا و شرعا.

[المسألة السابعة عشرة القيافة و هو حرام في الجملة]

قوله: «هو الذي يعرف الآثار».

أقول: تعريفه بذلك مأخوذ من صرف ادّعائهم معرفة الآثار، كتقسيم السحر بتسخير الكواكب و الأفلاك و الجنّ و الملائك، أخذا من صرف دعاويهم الباطلة و خرافاتهم العاطلة و أكاذيبهم المجعولة، التي يصدّقهم الجاهل الغافل عنها، كدعوى الصوفيّة الطريقة و المرشديّة، و الكشفيّة الكشف، و العرفانيّة المعرفة، و الحكميّة الحكمة.

فالحقّ تعريف القائف بمدّعي معرفة الآثار لا حقيقة، و هو الاستناد في‌

____________

(1) النحل: 90.

(2) المائدة: 2.

(3) النور: 19.

(4) الوسائل 18: 424 و 429 ب «1 و 5» من أبواب حدّ السحق و القيادة.

(5) الوسائل 12: 94 ب «19» من أبواب ما يكتسب به ح 3.

191

تشخيص الأنساب و الطوالع و العواقب و أحوال المرضى و الغيّب و السرقة و السارق إلى علامات شعريّة و شباهات وهميّة و مبادئ غير حسّية، المورثة لقطع القطّاع و ظنّ الظنّان في النسوان و الصبيان، خصوصا في بعض البلدان، مثل كيّ الصبيان لبقاء الولدان، و هو من بدائع الشيطان، كالفوّال و الرمّال و الكشّاف و الصرّاف.

قوله: «و الظاهر أنّه مراد الكلّ».

أقول: بل زاد في الجواهر (1) تقييد حرمتها بما إذا جزم به أو رتّب عليه محرّما من المواريث و الأنكحة، إلّا أنّه لا مخصّص و لا صارف لتقييد إطلاق نصوص حرمتها و لا لمعاقد الإجماع على حرمتها بأحد الأمرين، خصوصا على تقدير اندراجها في الكهانة و النجوم أو الرجم بالغيب و الظنين، و أنّ بعض الظنّ إثم، و قتل الخرّاصون، و خصوصا بملاحظة وقوع القيافة نصّا و فتوى في سياق مطلقات النهي عن النجوم و الكهانة، و عداد المكاسب من المحرّمات النفسيّة لا الغيريّة، كالقمار و القيادة.

قوله: «و لذا نهي في بعض الأخبار (2) عن إتيان القائف و الأخذ بقوله .. إلخ».

أقول: و إن كان المنهيّ فيها إتيان القائف و الأخذ بقوله، إلّا أنّ المعلوم في الخارج أنّه لا وجه لحرمة إتيانه و الأخذ بقوله إلّا حرمة نفس القيافة، كما لا وجه لحرمة استماع الغناء و الغيبة إلّا حرمة نفس الغناء و الغيبة، و لا لحرمة إتيان القمار و تصديق الفاسق و الكاذب إلّا حرمة نفس المقامرة و الفسق و الكذب.

فالاستدلال بتلك الأخبار أدلّ على خلاف المدّعى منه على المدّعى.

و ثانيا: سلّمنا عدم دلالة النهي عن إتيانه و الأخذ بقوله على حرمته نفسا،

____________

(1) جواهر الكلام 22: 92.

(2) الوسائل 12: 108 ب «26» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

192

إلّا أنّ إطلاق معقد سائر النواهي و الإجماع كاف في حرمته النفسيّة، مضافا إلى الظاهر سياقها و عدّها في عداد المكاسب المحرّمة نفسا لا غيرا، كالكهانة و القمار و الغيبة و الكذب.

قوله: «كما يشهد به ما عن الكافي .. إلخ».

أقول: محلّ الشاهد من هذا الخبر على إنكار القضاء بالقيافة على العامّة قوله (عليه السلام): «ابعثوا أنتم إليهم، و أمّا أنا فلا» (1)، بناء على أنّه لعدم المشروعيّة لا لرفع التهمة. فما عن الحدائق (2) من الاستدلال به على عدم الحرمة محلّ نظر، لقصور الخبر من معارضة ما عرفت من وجوه، منها موافقة العامّة (3) و احتمال التقيّة، و أن يكون قوله (عليه السلام): «ابعثوا أنتم .. إلخ» لعدم المشروعيّة لا لدفع التهمة، أو للعلم بصدقها في خصوص المقام، و إلّا فعدم جواز الأخذ بها على وجه ترتيب آثار المواريث بل الإمامة العامّة مسلّم، بل ضروريّ الحرمة في الشريعة.

قوله: «في الخبر: «ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون» (4)».

[أقول:] أي: أسمر اللون و أسوده. مقصودهم التعريض على الجواد بإنكار ما قاله الرضا (عليه السلام): «هو ابني» و أنّه من شيف الأسود مولاه، كما يظهر من صريح الرواية الأخرى، و تشبيهه فيها بإبراهيم بن رسول اللّٰه في رمي مارية القبطيّة، بل و من ذيل هذه الرواية على ما فصّلت في الباب التاسع من مدينة المعاجز (5) بأصرح وجه.

[المسألة الثامنة عشرة الكذب حرام بضرورة العقول و الأديان]

قوله: «الكذب حرام بضرورة العقول و الأديان .. إلخ».

أقول: دلالة كلّ من الكتاب و السنّة و الإجماع عليه واضح. و أمّا ضرورة‌

____________

(1) الكافي 1: 322 ح 14.

(2) الحدائق الناظرة 18: 182- 184.

(3) صحيح مسلم 2: 1081.

(4) الكافي 1: 322 ح 14.

(5) مدينة المعاجز 7: 264 ح 4، و فيه: أنّه من شنيف الأسود .. إلخ.

193

العقول فإنّما هو على قبحه و نقصه الذاتي لا حرمته الشرعيّة، فإنّ الإخبار بخلاف الواقع كذبا لا يزيد قبحا و نقصا على الخباثة و القذارة و القساوة و الشقاوة الذاتيّة التي في أولاد السفاح و الشياطين من النفوس الخبيثة الشريرة، و مع ذلك لم تترتّب العقوبة على مجرّد الخباثة الذاتيّة و الشقاوة الأصليّة قبل إبرازها بالمخالفة الفعليّة. إلّا أن يفرض الكذب في الجملة كالكذب على اللّٰه سببا أو كاشفا عن سوء السريرة و التجرّي الحرام عقلا، أو أنّ المراد من حرمته الحرمة في الجملة الأعمّ من الحرمة النفسيّة و الغيريّة، أو الكبيرة و الصغيرة، أو المقتضي للحرمة لا العلّة التامّة، و إلّا لكان حرمته كالظلم من مستقلّات العقل الآبية من التخصيص بالمسوّغات، و البحث عن تلك المحتملات و المباحثات.

قوله: «و كتب اللّٰه عليه بتلك الكذبة سبعين زنية» (1).

[أقول:] و وجه تضاعف عقوبته بسبعين زنية أنّ الكاذب مع وجود خوف كشف الخلاف فيه و اسوداد وجهه و سقوطه عن أعين الناس، ليس على كذبه شي‌ء من القوى الشهويّة الباعثة على الزنا و لا الغضبيّة الباعثة على الظلم، و كلّما ضعف سببه تضاعف عقوبته، كزنا المحصن و المحصنة و الشيخ و الشيخة. و لهذا يقبل توبة المرأة و المرتدّ الملّي دون الرجل الفطري، و يقتل ساحر المسلم دون الكافر، و يكفر المستحلّ و لو لم يفعل المعصية، و لا يكفر الفاعل و لو أصرّ بالمعصية.

قوله: «هذا أولى من تقييد المطلقات المتقدّمة».

[أقول:] وجه الأولويّة أنّ إثبات كون الكذب على اللّٰه من الكبائر لا ينفي ما عداه حتى يقيّد المطلقات، بخلاف المطلقات، فإنّها نافية للتقييد بدون المقيّد.

قوله: «و يستفاد منه أنّ عظم الكذب باعتبار ما يترتّب عليه من

____________

(1) مستدرك الوسائل 9: 86 ب «120» من أبواب أحكام العشرة ح 15.

194

المفاسد».

أقول: هذا مفاد الصغير و الكبير من الكذب بالنسبة لا المطلق، و هو لا ينافي كون الكذب في نفسه كبيرة على الإطلاق، فإنّ كلّ كبيرة و لو كان أكبر الكبائر في نفسه على الإطلاق- حتّى الكفر و الشرك منه- ما هو صغير بالنسبة إلى ما يترتّب عليه من المفاسد، و هو لا ينافي كبيريّته في نفسه. ألا ترى أنّ قتل النفس المحترمة من الكلاب صغير بالنسبة إلى قتل سائر الحيوانات، و هو صغير بالنسبة إلى قتل ذمّي، و هو صغير بالنسبة إلى قتل مسلم، و هو صغير بالنسبة إلى مؤمن، و هكذا إلى ما لا نهاية له.

قوله: «ما من أحد (1) الخبر يدلّ على أنّ الكذب من اللمم».

أقول: بل الأظهر دلالته على أنّ الكذب بصيغة المبالغة لا الكاذب بصيغة الفاعل من يغلب منه تعمّد الكذب لا من يندر منه الكذب قليلا، إذ ما من أحد إلّا و يكون منه النادر القليل، خصوصا على وجه الخطأ و السهو و النسيان. فكلّ من السؤال و الجواب في نفسه- مضافا إلى ظاهر المطابقة- ظاهر في بيان معنى المبالغة من مثل قوله تعالى سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّٰابُ الْأَشِرُ (2)، هل يعمّ مطلق الكذب ليعمّه حكمها، أو يخصّ بالزيادة ليخصّها الحكم؟ فالتخصيص بالزيادة يجعل الكذب المطلق صغيرة بالنسبة إلى الزائد الخاصّ لا مطلقا، كما هو المدّعى.

قوله: «و فيه أيضا إشعار بأنّ مجرّد الكذب ليس فجورا».

أقول: فيه أنّ احتمال أن يكون قوله: «إنّ الكذب يهدي إلى الفجور» (3)

____________

(1) الوسائل 8: 573 ب «138» من أبواب أحكام العشرة ح 9.

(2) القمر: 26.

(3) الوسائل 8: 577 ب «140» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

195

الكذب المعهود الذكري- و هو خلف الوعد أو الهزل- ممّا لا نضايق كونه صغيرة في نفسه، لا أنّ مطلق الكذب ليس فجورا حتى يثبت المدّعي.

قوله: «المبالغة في الادّعاء و إن بلغت ما بلغت ليست من الكذب».

أقول: لا دليل على خروج المبالغة عن الكذب سوى السيرة القطعيّة على المبالغة بين المسلمين بل المعصومين، من غير نكير، بل ربما يعدّون المبالغة من البلاغة. و لكن السيرة دليل جوازها لا خروجها عن اسم الكذب عرفا، خصوصا بالنسبة إلى أصل الزيادة، فإنّه و إن كان أصل الدعوى في محلّه صدقا واقعا إلّا أنّ الزيادة و إن كان في محلّه إلّا أنّه كذب ظاهرا، إلّا أنّه لا ينافي جوازها، بل و لا عدّها في البلاغة، كسائر المجازات العقليّة اللغويّة، المتأخّر عنها القرائن الصارفة.

قوله: «إلّا إذا بني على كونه كذلك في نظر المادح، فإنّ الأنظار تختلف .. إلخ».

أقول: المدار في كذب الإخبار على مخالفة الواقع لا اختلاف الأنظار، ألا ترى أنّ إخبار الأحول عن الواحد بالاثنين و الصفراويّ عن الحلو بالمرّ كذب لا صدق، مع موافقة الأخبار بنظر المخبر و ذائقته؟!

قوله: «فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب .. إلخ».

أقول: تفصيل الكلام في بيان الأقسام و الأحكام و تحرير محلّ النزاع في المرام هو أن يقال: لا إشكال في أنّ صدق الخبر و كذبه هو المطابقة و اللامطابقة للواقع، إنّما الإشكال في أنّ الطريق إلى هذه المطابقة و اللامطابقة للواقع- بحسب الصدق العرفي، لا الجواز الشرعي الدائر مدار المسوّغات الشرعيّة، أو الضروريّات العقليّة المبيحة للمحظورات، المقدّرة بقدرها عقلا- هل هو بإرادة اللافظ و دلالة اللفظ كما هو الفرد المتيقّن من الصدق و الكذب عرفا، أو بالإرادة‌

196

مطلقا كما عن المشهور و مختار المصنّف، أو بالدلالة مطلقا كما عن بعض الأفاضل؟ وجوه بل أقوال. و ثمرة النزاع تظهر في جواز الكذب للمورّي مطلقا حتى لغير التقيّة و الضرورة المبيحة للمحظورات على المشهور، و عدم جوازه على القول الآخر إلّا لمسوّغ شرعيّ أو عقليّ.

و أمّا شقوق الأقسام و الأمثلة ففي هذا الشكل:

أ) الصدق هو المطابق للواقع 1- بالدلالة و الإرادة معا كقول الشيعي: عليّ أمير المؤمنين، فإنّه صدق على القولين بالدلالة و الإرادة.

2- بالدلالة كقول السنّيّ: عليّ أمير المؤمنين، مورّيا: من قبل الناس، صدق على غير المشهور بالدلالة، كذب على المشهور بالإرادة.

3- بالإرادة كقول الشيعيّ: عمر أمير المؤمنين، مورّيا: بالجور، صدق على المشهور بالإرادة و التورية، كذب على غير المشهور بالدلالة.

ب) الكذب اللامطابق للواقع.

1- كقول الشيعيّ: عمر أمير المؤمنين، مورّيا كذب على القولين بالدلالة و الإرادة.

2- كقول السنّيّ: عمر أمير المؤمنين كذب على غير المشهور بالدلالة صدق على المشهور بالإرادة.

3- كقول السنّيّ: عليّ أمير المؤمنين، مورّيا كذب على المشهور بالإرادة صدق على غيره بالدلالة.

و أمّا تحقيق الحقّ من الأقوال، فيترجّح كون الخبر المخالف للواقع بجميع أقسامه الخمسة المتداخلة في ثلاثة من الستّة كذبا حقيقيّا، للتبادر، و صحّة السلب. و يصدّقه وجوه‌

197

منها: ضرورة قبح الخطاب بظاهر و إرادة خلافه بدون نصب قرينة صارفة، و من المعلوم أن لا وجه لقبحه سوى الكذب، و المفروض أن لا يترتّب عليه مفسدة سوى الإغراء بالجهل الكذبي.

و منها: أنّ التورية بمحض الإرادة لو كانت مخرجة عن اسم الكذب عرفا لجاز الكذب بها مطلقا حتّى لغير التقيّة و الضرورة، و لا للمصلحة المسوّغة عقلا أو شرعا، بل حتّى في جميع الأقارير و الوصايا و الحلف و اليمين الكاذبة و الشهادات الباطلة إذا لم يترتّب عليها مفسدة خارجيّة، بل جاز السبّ و القذف و الكفر بمحض التورية، بل لزم قبول الإنكار بعد الإقرار بدعوى التورية، بل لزم سقوط الحدّ بدعوى التورية، بل و قبول دعوى التورية في جميع العقود و الإيقاعات الاختياريّة و لو لم تكن لإكراه أو مصلحة مسوّغة. و اللوازم كلّها باطلة بالضرورة، فالملزوم مثلها.

و منها: أنّ التورية لو كانت مخرجة عن الكذب لما صحّ تكذيب المنافقين الشاهدين بالرسالة بقوله تعالى وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ (1)، و لا تكذيب المغرور في العصيان بكرم ربّه بقوله تعالى كَلّٰا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (2)، و لا تكذيب الأعراب إذ قالوا: «أمنّا» بقوله تعالى قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا (3)، و لا تكذيب مدّعي المحبّة بقوله (عليه السلام): «لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل» (4) إلخ.

و منها: لو كانت التورية مخرجة عن الكذب لوجب الخروج بها عنه في جميع المسوّغات الشرعيّة و العقليّة حتى في التقيّة و الضرورة، لوجود المخلص و المندوحة بالتورية عن الكذب، و لا ضرورة مع المناصّ و المندوحة، خصوصا‌

____________

(1) التوبة: 107.

(2) الانفطار: 9.

(3) الحجرات: 14.

(4) لم نعثر عليه في مظانّه.

198

في نصوص تقيّة الإمام المعصوم المنزّه عن كلّ نقص و حرام، فإنّه و إن لم يجب عليه التورية فيها للخروج عن الكذب الحرام، إلّا أنّه يجب لمزيد التنزيه و الاعتصام، اللائق بمراتب الإمام، و خلفاء الملك العلّام. و مع ذلك لم يلتزم أحد من الأعلام بلزوم التورية في أخبار التقيّة على كثرتها بشي‌ء من التأويل و إن بعد، بعد الحمل على التقيّة بمجرّد موافقة العامّة، و هو أقوى شاهد صدق على المطلوب.

و قد استدلّ المصنّف على كون التورية مخرجة عن الكذب بوجوه:

منها: قوله: «و لذا صرّح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التورية عند الضرورة بأنّه يورّي بما يخرجه من الكذب .. إلخ».

و فيه أوّلا: ما سيأتي منه من منع مسلّمية وجوبها إلّا على ظاهر ما نسبه إلى المشهور في خصوص الضرورة الملجئة إلى الحلف كاذبا، و أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الترخيص في الحلف كاذبا عدم اشتراط التورية فيها أصلا و رأسا.

و ثانيا: لو سلّمنا، فإنّما هو في خصوص الضرورة المجلئة إلى الحلف كذبا، لا مطلق موارد الضرورة إلى الكذب بغير الحلف، فضلا عن موارد عدم الضرورة. و حينئذ، فيحتمل أن يكون اعتبارها في خصوص الحلف على تقدير تسليمه لأجل التبعيد عن هتك عظم الحلف باللّه المنهيّ بالاختيار و لو كان صادقا، فإنّ التورية و إن لم تخرجه عن حقيقة الكذب بالجملة، إلّا أنّه يبعّده عن الحقيقة في الجملة، و من البيّن أنّ الضرورات المبيحة للمحظورات كما تقدّر بقدرها كمّا فكذا تقدّر بقدرها كيفا، فيقتصر فيما خالف الأصل على المتيقّن من جواز الحلف للضرورة بكيفيّة التورية لا مطلقا.

و منها: ما استدلّ به المصنّف أيضا من سلب الكذب عن تورية إبراهيم (عليه السلام)

199

في قوله تعالى إِنِّي سَقِيمٌ (1) بإرادة السقيم في دينه، و في قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ (2) بإرادة اشتراطه ب‍ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ (3) و عن قوله تعالى أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ (4) بإرادة سارق يوسف (عليه السلام)، و عن قول الجارية للمستأذن على مولاها: «ليس هو هاهنا» (5)، و عن حلف الصحابي بأنّ المصحوب أخوه (6).

و يمكن الجواب أوّلا: بأنّ المراد من نفي الكذب عن التورية فيها لعلّه نفي حرمته لا نفي حقيقته، كما في قوله (عليه السلام): «لا ذنب مع الندم» (7) و «لا إصرار مع الاستغفار» (8) و «لا إسراف في خير» (9).

فإن قلت: على تقدير كون النافي لحرمة الكذب هو الضرورة المبيحة لكلّ محظور حتّى الكفر، كقوله: لكلّ من الكوكب و القمر و الشمس: هذا ربّي هذا ربّي (10)، و توطئة للنفي و مقدّمة للسلب، فما وجه التورية بعد نفي حرمة الكذب للضرورة؟

قلت: لعلّ وجه التورية مع انتفاء حرمة الكذب للضرورة لأجل مزيّة التنزيه، و تبعيد مراتب النبوّة عن بعض شوائب منافاة المروّة و مناقص الكذب في الجملة، و إن لم ينتف صدقه بالجملة، نظرا إلى أنّه الأليق بمنصب النبوّة و العدالة و العصمة.

____________

(1) الصافات: 89.

(2) الأنبياء: 63.

(3) الأنبياء: 63.

(4) يوسف: 70.

(5) الوسائل 8: 580 ب «141» من أبواب أحكام العشرة ح 8.

(6) سنن أبي داود 3: 224 ح 3256.

(7) انظر مجمع البحرين 6: 174.

(8) مجمع البحرين 3: 364.

(9) عوالي اللئالي 1: 291 ح 154.

(10) الأنعام: 77، 78.

200

و ثانيا: سلّمنا كون التورية في الآيات و الروايات مخرجة عن الكذب، لكنّه في خصوص ما لم تكن التورية على خلاف الظاهر، كما في المجملات من الآيات (1) و الروايات (2) المستدلّ بها، لا فيما له ظاهر و يورّي بإرادة خلافه من غير قرينة صارفة، كما هو المدّعى. فالاستدلال بها على تقدير الدلالة خارج عن المقالة.

قوله: «و العقل مستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين».

أقول: فيه أوّلا: أنّ ارتكاب أقلّ القبيحين إنّما مجراه في خصوص ما لو دار أمر المكلّف الواحد لا المكلّفين بين ارتكاب أقلّ القبيحين العقليّين أو الضررين الدنيويّين، كما لو أكره المكلّف مخيّرا بين كذب أو كذبين أو ظلم أو ظلمين أو شتم أو شتمين في غير الدماء، أو قطع إصبعه أو قطع حياته، بخلاف ما لو دار الأمر في ارتكاب أقلّ القبيحين أو الضررين بين مكانين، كارتكاب أحد للأقلّ و الآخر للأكثر، كما فيما نحن فيه، فإنّ الأمر دائر بين ارتكاب قبح كذب و ارتكاب الآخر ما هو أقبح منه: فإنّه لا يرجّح العقل ارتكاب قبيح لدفع الأقبح عن الغير. ألا ترى أنّه لا يجوز الظلم و لو بأقلّ ما يكون لدفع ظلم من هو أشدّ ظلما على الناس، و إلا لصحّ الظلم من كلّ من يكون ظلمه أقلّ من ظلم الآخر، و لو كان ابن سعد بالنسبة إلى شمر، و هو بمكان من القبح العقلي و خلاف الضرورة.

و كذا لو دار الأمر في ارتكاب أقلّ القبيحين الشرعيّين لا العقليّين، أو الضررين الأخرويّين لا الدنيويّين، فإنّه لا يحكم العقل أيضا بتعيين الأقلّ، بل يرجع فيه إلى ترجيح الشرع، كما لو دار الأمر بين سرقة درهم أو تفويت ألف صوم أو صلاة ألف يوم فلا يرجّح الأقلّ، بل يتعيّن الأكثر. و ما نحن فيه أيضا من‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (1 و 2) ص: 199.

(2) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (1 و 2) ص: 199.

201

هذا القبيل، فإنّ حرمة الكذب شرعيّ لا عقليّ حتّى يترجّح الأقلّ مطلقا.

قوله: «إلّا أنّه يمكن القول بالعفو عنه».

أقول: إمكان العفو شرعا عن الكذب ذي المصلحة مع إمكان التورية و عدم توقّف المصلحة على الكذب، مبنيّ على ما ذكرنا من عدم مخرجيّة التورية عن الكذب، أو على عدم كون الكذب علّة تامّة للقبح العقليّ، بل هو مقتض لقبحه، حتّى يجوز طرد المانع منه شرعا أو عقلا، و إلّا فالعلّة التامّة للقبح العقلي يأبى من التخصيص و العفو عنه قطعا.

قوله: «لأنّ النسبة بين هذه المطلقات».

[أقول:] أي: ما دلّ على جواز الكذب مطلقا مع الاضطرار- و هو عدم التمكّن من التورية- و عدمه، و بين جواز كلّ ما اضطرّ إليه من الكذب و غيره.

«عموم من وجه، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب. فتأمّل».

لعلّه إشارة إلى منع استبعاد التقييد، لكن لا بما ذكر بعد بقوله: «هذا مع إمكان منع الاستبعاد»، بل بأنّ المقيّد بالاضطرار لا ينحصر في مثل الخبر الأخير الأعمّ من وجه حتّى يستبعد التقييد به، بل بما قبل الآخر، و هو قوله (عليه السلام): «إذا حلف الرجل لم يضرّه إذا أكره أو اضطرّ إليه» (1)، فإنه أخصّ مطلقا من سائر المطلقات، فلا يستبعد تقييدها به.

أو إشارة إلى منع أصل التقييد لا استبعاده، بما عرفت من أنّ تقييد مطلق جواز الكذب بصورة الاضطرار- و هو عدم معرفة التورية- إنّما يصحّ لو كانت التورية مخرجة عن الكذب، و قد عرفت عدم مخرجيّته عن كذب ما هو ظاهر في الكذب بوجه، و أنّ اعتبارها في خصوص الحالف كذبا على القول به لعلّه لخصوص تبعيد الحلف باللّه عن بعض مراتب الكذب الصريح، تحفّظا على مزيد‌

____________

(1) الوسائل 16: 137 ب «12» من أبواب كتاب الإيمان ح 18.

202

تعظيم الجلالة من الهتك بالكذب الصريح.

و أمّا ما تقدّم (1) من آية تورية الخليل (عليه السلام) و الصّديق (عليه السلام) و أخبار تورية غيرهم فقد عرفت خروجها عن محلّ النزاع أوّلا: بدلالتها على جواز التورية لا وجوبها المتنازع فيه. و ثانيا: بالتورية فيما ليس له ظاهر يخالفه، لا فيما له ظاهر يخالفه الذي هو محلّ الكلام.

قوله: «يمكن الفرق بين المقامين .. إلخ».

أقول: يمكن منع هذا الفرق بأنّه إن تعلّق الإكراه في العقد و الإيقاع بالمعنى الحقيقيّ الواقعي، فكذلك الإكراه المتعلّق بالحلف متعلّق بالحلف على المعنى الحقيقيّ الواقعي، و إن تعلّق فيهما بالأعمّ من الحقيقيّ فكذلك الإكراه المتعلّق بالحلف من غير فرق.

قوله: «و هذا بخلاف الكذب، فإنّه لم يسوّغ إلّا عند الاضطرار إليه، و لا اضطرار مع القدرة».

أقول: و يمكن منع هذا الفرق أيضا بما عرفت من تسويغ الكذب عند عدم الاضطرار أيضا، بل و عند عدم الإكراه أيضا، لمصلحة من المصالح، فلا فرق من هذه الجهة أيضا.

نعم، يمكن الفرق بينهما بأنّ الإكراه المتعلّق بالإنشاء بمجرّده مخرج عن الإنشاء الحقيقي و مانع منه بدون التورية، بخلاف الإكراه المتعلّق بالأخبار، فإنّه غير مخرج إيّاه عن حقيقة الإخبار و غير مانع منه إلّا بالتورية.

أو بأنّ المكره عليه في الإنشاء ليس بحرام و لا قبيح حتّى يحتاج إلى التورية المخرجة عنه، بخلاف المكره عليه في الإخبار فإنه كذب محرّم قبيح يحتاج إلى التورية المخرجة عنه.

____________

(1) راجع ص: 199.

203

أو بأنّ التورية المعتبرة في اليمين الكاذبة إنّما لأجل التحفّظ عن هتك عظم الحلف بالكذب الصريح، حيث إنّه منهيّ شرعا حتّى بالصدق، فلا ينافي اعتباره في الإنشاء الكذب، لعدم المنع و الهتك فيه.

قوله: «لأنّ التقيّة تتأدّى بإرادة المجاز و إخفاء القرينة».

[أقول:] بخلاف الاستحباب، فإنّه مجاز بلا مئونة إخفاء القرينة. مضافا إلى أن الاستحباب أقرب المجازات إن لم يكن مجازا مشهورا راجحا على الحقيقة. مضافا إلى موافقة قاعدة التوسّع في أدلّة السنن.

قوله: «فخبّت نفسه» (1).

[أقول:] من الخبّ بالفتح و التشديد: الخداع و الفساد و الإفساد.

قوله: «قد ورد في أخبار (2) كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة».

أقول: و إن عارضها بعض ما تقدّم من النهي عن و عد الكذب للصبيّ، إلّا أنّه يمكن الجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة، أو على غير الزوجة، أو بما إذا لم يرد الموعد الوفاء من أوّل الأمر، أو بما إذا لم يترتّب على وعد الكذب مصلحة الألفة أو دفع مفسدة النفرة.

[المسألة التاسعة عشرة الكهانة]

قوله: «الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم».

أقول: بل المنصوص (3) حرمة مطلق الرجم بالغيب، سواء كان على سبيل الجزم أو غيره، و سواء كان مسبوقا بالسؤال عنه أم لا؟ و سواء كان بالتنجيم أو الكهانة أو القيافة أو الفال أو الرمل و الجفر، بأيّ قسم من أقسامها المجعولة حتّى التفاؤل بالقرآن، فضلا عن التفاؤل بكتاب الحافظ و المثنوي، و الإصغاء بالمسموع‌

____________

(1) الوسائل 8: 579 ب «141» من أبواب أحكام العشرة ح 6، و فيه و في المكاسب المطبوع: فتخبث.

(2) الوسائل 8: 578 ب «141» من أبواب أحكام العشرة.

(3) الوسائل 12: 108 ب «26» من أبواب ما يكتسب به.

204

في الطرق، و نحوها من المجعولات التي لا نهاية لها بين الجهّال.

[المسألة العشرون اللهو حرام]

قوله: «و لا يبعد أن يكون القول بجواز خصوص هذا اللعب، و شذوذ القول بحرمته .. لأجل النصّ على الجواز فيه بقوله: لا بأس».

أقول: أمّا النصّ فهو خبر علاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام): «سئل عن شهادة من يلعب بالحمام، قال (عليه السلام): لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قال: فإنّ من قبلنا يقولون: قال عمر هو الشيطان، فقال: سبحان اللّٰه أما علمت أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال:

إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه، ما خلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل، فإنّها تحضره» (1).

و أمّا الاستدلال به على جواز اللعب بالطيور فأشذّ من القول بحرمته، لوجوه:

منها: عدم الوقوف على توثيق علاء بن سيابة، غير ما يروي عنه أبان من عثمان الثقة على يقول. و على تقدير وثاقة الراوي فالرواية شاذّة عملا و رواية.

و منها: عدم مقاومته لعموم الآيات و شهرة روايات قبح اللعب بجميع الأشياء و حرمة كلّ ملهوّ به في خبر تحف العقول (2)، بل و لا لظاهر فتواهم الظاهر في الإجماع على حرمة صيد اللهو، و عموم تعليل النصّ فيه بقوله (عليه السلام): «ما للمؤمن و الملاهي، إنّ المؤمن لفي شغل شاغل» (3)، و على فسق اللاعب بالطيور و عدم قبول شهادته، و عدم صحّة المسابقة و المراهنة بالطيور بلا عوض، فإنّه لا وجه لحرمتها سوى كونه لهوا و لعبا.

و في السرائر: «و قول شيخنا في نهايته: و تقبل شهادة من يلعب بالحمام، غير واضح، لأنّه سمّاه لاعبا، و اللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه،

____________

(1) الوسائل 18: 305 ب «54» من أبواب كتاب الشهادات ح 3.

(2) تحف العقول: 335- 336.

(3) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 157.