التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
205

فكيف تقبل شهادته؟ و إنّما أورد لفظ الحديث إيراد لا اعتقادا» (1). بل في المستند (2) عن حقّ اليقين للمجلسي و غيره نفي الخلاف عن حرمة مطلق الملاهي. بل عن الأردبيلي في شرح الإرشاد (3) و غيره نقل الإجماع عليه، بل استظهر هو الإجماع المحقّق عليه.

و منها: موافقة الخبر للتقيّة و مذهب العامّة و أخبارهم من جواز المسابقة بالطيور و القدم و المصارعة، و أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) سابق عائشة بالقدم مرّتين سبق في إحداهما و سبق في الأخرى (4)، و أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) صارع ثلاث مرّات كلّ مرّة على شاة فصرع خصمه في الثلاث و أخذ ثلاث شياه (5)،، و أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «أعلنوا النكاح بالغربال» (6) يعني: الدفّ. و قال (صلى اللّٰه عليه و آله): «الفصل بين الحلال و الحرام الضرب بالدفّ» (7). و عن أبي هريرة أنّ الخليل إبراهيم (عليه السلام): «اختتن بعد ثمانين سنة بالدفّ» (8). إلى غير ذلك من مزخرفاتهم غير اللائقة بصبي عاقل، فضلا عن رئيّ (9) عادل، فضلا عن نبيّ كامل، مظهر أوصاف الكمال و مرآة صفات ذي الجلال.

و منها: احتمال أن يكون المراد بلعب الحمام في خبر الجواز اتّخاذها للاستئناس بها، أو لإنفاذ الكتب، أو للفرخ، أو لتنفير الشياطين، أو نحو ذلك من المصالح المسوّغة، كما احتمله بعض الأعلام.

أقول: بل و احتمل الغلط في نسخ الحمار بالحمام، و كون المراد: لا بأس‌

____________

(1) السرائر 2: 124.

(2) مستند الشيعة 2: 637.

(3) مجمع الفائدة 8: 41.

(4) سنن أبي داود 3: 29 ح 2578.

(5) تلخيص الحبير 4: 162 ح 24 ح 2024.

(6) تقدّم ذكر مصادرهم في هامش (3- 5) ص: 166.

(7) تقدّم ذكر مصادرهم في هامش (3- 5) ص: 166.

(8) تقدّم ذكر مصادرهم في هامش (3- 5) ص: 166.

(9) فلان رئيّ قومه: صاحب رأيهم و وجههم. أساس البلاغة: 149.

206

بالمسابقة بالحمار، كما يدلّ عليه استدلال الإمام (عليه السلام) على جوازه في ذيل الخبر (1) باستثناء الخفّ و الحافر.

قوله: «فجعل إبليس و قابيل المزاعف و الملاهي» (2).

[أقول:] و في المجمع: «في الحديث أنّ اللّٰه بعثني لأمحق المعازف و المزامير» (3) جمع معزف، بكسر الميم، و هي الدفوف و غيرها ممّا يضرب بها.

قوله: «القول بحرمته شاذّ مخالف للمشهور و السيرة».

أقول: أمّا شذوذه و مخالفته المشهور فقد عرفت منعه جدّا في صريح السرائر (4) بأنّ اللاعب بجميع الأشياء قبيح، و اللاعب بها فاسق لا تقبل شهادته.

و صريح خبر تحف العقول: «و كلّ ملهوّ به حرام» (5). و عموم تعليل المنع عن صيد اللهو بقوله (عليه السلام): «ما للمؤمن و الملاهي، إنّ المؤمن لفي شغل» (6). و ما عن المجلسي (7) من نفي الخلاف عن حرمة مطلق اللهو. بل و عن الأردبيلي و غيره في شرح الإرشاد (8) نقل الإجماع عليه، بل قد استظهر المستند (9) الإجماع المحقّق عليه.

و أمّا السيرة فالكاشف منها غير موجود قطعا، خصوصا في مقابل عموم الآيات و الروايات الرادعة لها، و الموجود منها غير كاشف، لأنّها سيرة الجهّال و أهل الضلال، المتجاهرة حتّى في ضروريّ الحرمة من أقسام اللهو و اللعب.

____________

(1) تقدم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 204.

(2) الوسائل 12: 233 ب «100» من أبواب ما يكتسب به ح 5، و فيه و في المكاسب:

المعازف بدل المزاعف.

(3) مجمع البحرين 3: 318.

(4) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 205.

(5) تقدّم ذكر مصدره في هامش (2) ص: 204.

(6) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 157.

(7) تقدّم ذكر مصادرها في الهوامش (2- 4) ص: 205.

(8) تقدّم ذكر مصادرها في الهوامش (2- 4) ص: 205.

(9) تقدّم ذكر مصادرها في الهوامش (2- 4) ص: 205.

207

و لو سلّمنا خروج ما خرج بالنصّ و السيرة، لكنّه لا يقدح في عموم حرمة البقيّة و أصل الكليّة. فإخراج النصّ و السيرة للهو المسابقة و الرياضة و ملاعبة الزوجة و الصبيان عن حرمة اللهو و اللعب و البطلان، لا يقضي بإخراج ملاهي الچائي و الوافور و العكار (1) و القليان، فضلا عن الدفّ و الرقص في العرس و الختان، فإنّها من عمل الشيطان، و شبهة لا تصادم العقل و البرهان.

قوله: «أمّا اللعب فقد عرفت أنّ ظاهر بعض ترادفهما».

أقول: بل الأظهر من اللغة و العرف عدم ترادفهما، و أنّ الباطل الذي لا فائدة فيه من فعل الجوارح هو اللعب، و من الكلام هو اللغو، و من الأعمّ منهما هو اللهو. و لهذا يقيّد تارة بلهو الحديث، و اخرى بفعل اللهو.

بقي الكلام في مستثنيات المقام ما لم يتعرّض له الأعلام، كما تعرّضوا لمستثنيات الكذب في الغيبة و سائر ما تقدّم من عناوين الحرام.

فنقول: من المستثنيات بالأدلّة الثلاثة السبق و الرماية و الملاعبة للنسوان، خصوصا الصبيان، بالهزّ و اللعب و اللغو و الإلهاء، لإنامة اليقظان بقدر الإمكان.

و منها: الرياضة بالمصارعة و المسابقة و الركض و المشي بالأقدام، و حمل الأثقال و جرّ الأجرام، للأغراض العقليّة و رفع الأمراض الرطوبيّة. و لكن لمّا كان المسوّغ لذلك منحصرا في الضرورة قدّر بقدرها كمّا و كيفا، و بما إذا انحصر إصلاح سوء المزاج في خصوص هذا اللهو من العلاج، و إلّا فلا ضرورة مع المندوحة، و لا يضيق المجال مع سعة الحال و وجود الأبدال، إلّا بفرض المحال بانتفاء الحلال.

و منها: السباحة، لنصوص استحبابها، و أنّ من حقوق الولد على والده تعليمه السباحة، خصوصا لسكّان سواحل البحار و الأنهار الكبار التي هي‌

____________

(1) كذا في النسخة الخطّية مهملة، و لعلّها تصحيف: السيگار، و هي السيجارة.

208

معرض الغرق.

و منها: السياحة في الصحاري و البلاد، لكن لخصوص تجارة أو زيارة أو تحصيل عبرة أو صنعة مشروعة لا غير مشروعة، كسياحة القلندريّة و الصوفيّة، لمزيد العلّية و الضلالة الأبديّة. و الدليل عليه قوله تعالى فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ (1) و السّٰائِحُونَ الرّٰاكِعُونَ (2)، و قوله (عليه السلام):

تغرّب عن الأوطان في طلب العلى * * *و سافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج همّ و اكتساب معيشة * * *و علم و آداب و صحبة ماجد

(3) و منها: الدعابة و المزاح، لقوله (عليه السلام): «ما من مؤمن إلّا و فيه دعابة» (4). و كان فيه (صلى اللّٰه عليه و آله) دعابة (5). و كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يداعب الرجل يريد أن يسرّه (6). و في الحديث: «إن اللّٰه يحبّ المداعب في الجماعة بلا رفث» (7) أي: الممازح فيه بلا فحش. «قيل: و ما الدعابة؟ قال (عليه السلام): المزاح و ما يستملح» (8). و لكن من المعلوم و لو بشاهد حال المؤمن و المعصوم أنّ المطلوب من الدعابة و المزاح إنّما هو خصوص ما يسرّ و لا يضرّ.

و منها: الاستئناس و التنزّه و التفرّج بالمفرّحات و المفرّجات المباحة، من الطيور و النساء و البنين و المياه و الخضر و الرياحين، و لكن بما لا يؤدّي إلى مثل السكر و تضييع العمر و الإجحاف و الإسراف في الإتراف المحرّم، و ذلك لأنّ‌

____________

(1) التوبة: 2.

(2) التوبة: 112.

(3) ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام): 45.

(4) الوسائل 8: 477 ب «80» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

(5) انظر مستدرك الوسائل 8: 407 ب «66» من أبواب أحكام العشرة ح 1.

(6) الوسائل 8: 478 ب «80» من أبواب أحكام العشرة ح 4.

(7) الوسائل 8: 478 ب «80» من أبواب أحكام العشرة ح 5.

(8) الوسائل 8: 477 ب «80» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

209

المسوّغ له من قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ (1)، و من العقل الحاكم بإباحة كلّ ما فيه منفعة خالية عن أمارة المضرّة، مقيّد بنصوص وَ لٰا تُسْرِفُوا* (2) و الإسراف أمر يبغضه اللّٰه، و أنّه أمارة المضرّة، و بفحوى النهي عن صيد اللهو المعلّل بعموم: «ما للمؤمن و الملاهي، إن المؤمن لفي شغل شاغل» (3).

و ممّا ذكرنا يندفع ما توهّم استثناؤه بسيرة أهل الزمان، من ملاهي الچائيّ و القليان، و الوافور و القهوة و الفنجان، و جلوس القهاوي بكبر و طغيان، و هل هو إلّا من عمل الشيطان، و سفاهات يونان، و إسراف و تبذير و خسران، و مضعّفات العقل و الأبدان بل الإيمان، سيّما الوافور الموجب للفتور في الجنان و الأركان، المبتدعة في البلدان لتضييع العمر و الحرمان، و التبعيد عن الطاعة و الجنان، و التقريب إلى العصيان و النيران؟ أم هو من حكمة لقمان، و أتباع إمام الزمان و التأسّي بخلفاء الرحمن. فيا أيّها الثقلان هل يستوي الحقّ و البطلان، و الربح و الخسران، و الفسق و الإيمان، مثل الفريقين كالأعمى و الأصمّ و البصير و السميع هل يستويان؟

و منها: ما توهّمه بعض الأعلام تبعا لجهّال العوام من استثناء ما لم يقصد به اللهو الحرام من الملاهي و الآثام، كضرب الطبول للإفهام، و الأطواب للإعلام، و تشديد الحروب و الاقتحام، أو لتعظيم الإمام، و شعائر الإسلام، و المشعر الحرام، بزعم الإكرام و الاحترام، إنّما هو من بدع الإسلام في تحليل الحرام، و هتك الإمام بزعم الإكرام، و الإعظام بأعظم الآثام، كما هو دأب العوام، ضرورة أنّ الأحكام تابعة لأساميها لا لقصود فاعليها، و إلّا لصحّ العدوان بقصد الإحسان، و السرقة‌

____________

(1) الأعراف: 32.

(2) الأعراف: 31، الأنعام: 141.

(3) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 157.

210

بقصد الصدقة، و الفجور بقصد السرور، و ما هو إلّا قول زور، و ناشئ عن الغرور، و راجع إلى كفر الكفور.

و منها: توهّم جملة من الأعيان استثناء الدفّ و الغناء في العرس و الختان، لأخبار عامّية، كقوله: «أعلنوا النكاح بضرب الغربال» (1) أي: الدفّ، و «الفصل بين الحلال و الحرام بضرب الدفّ» (2). و عن أبي هريرة أنّ الخليل إبراهيم (عليه السلام) اختتن بعد ثمانين سنة بالقدوم و الدفّ (3).

و منها: توهّم استثناء المصارعة و المسابقة بالأقدام تبعا للعامّة المتّهمة، بأنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) سابق عائشة مرّتين فسبق في إحداهما و سبق في الأخرى (4)، و أنّه صارع رجلا على شاة ثلاث مرّات فغلبه و أخذ منه ثلاث شياه (5)، إلى غير ذلك من فروعهم المبنيّة على أصولهم الباطلة و أخبارهم الكذبة، المنافية لضرورة المذهب و نصوص الكتاب و السنّة و الفطرة العقليّة.

[المسألة الثانية و العشرون معونة الظالمين في ظلمهم حرام]

قوله: «و الوجه فيه واضح من جهة قبحه عقلا».

أقول: و هل قبحه العقلي من باب الكذب المقتضي للقبح، أم من باب الظلم الذي علّة تامّة للقبح؟ وجهان الأقرب الثاني، لاختصاص نصوص الباب بغير ذمّ الكذّاب، و لأنّ ذمّ العادل بالفسق ظلم لشخص العادل المذموم، و بالعكس ظلم لنوع العادل بالمفهوم، فهو على كلا تقديرية ظلم معلوم أو مفهوم. و تظهر ثمرة الوجهين في مستثنيات الباب كمّا و كيفا.

و أمّا ذمّ من يستحقّ الذمّ فالأصل جوازه، بل قد يجب بالعرض، لعروض مصلحة شرعيّة، كما أنّه قد يحرم لعروض غيبة محرّمة أو خوف تقيّة أو مفسدة.

و كذلك مدح من يستحقّ المدح، الأصل أيضا جوازه بالأصالة، و لكن قد يعرضه‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرها في هامش (3) ص: 166.

(2) تقدّم ذكر مصادرها في هامش (4) ص: 166.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في هامش (5) ص: 166.

(4) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (4) ص: 205.

(5) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (5) ص: 205.

211

الوجوب، لوجوب شكر المنعم، و من لم يشكر الناس لم يشكر اللّٰه، كما قد يعرضه الحرمة، لخوف تقيّة، و الاستحباب لإدخال السرور، و الكراهة لإغراء الغرور، كما في الخبر: «أحبّ إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي» (1) و «حثوا وجوه المدّاحين بالتراب» (2).

قوله: «و أمّا لدفع شرّه فهو واجب».

أقول: في أصل وجوب المدح و الذمّ المحرّمين عقلا لمطلق رفع الشرّ فضلا عن إطلاق وجوبه نظر، ضرورة أنّ الضرورة المبيحة للمحظورات شرعا بعموم:

لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (3) وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4) وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (5)، و حديث (6) رفع التسع، لا تجوّز أصل ما فرض ظلما لدفع الشرّ مطلقا، فضلا عن وجوبه له مطلقا، بل إنّما تقدّر بقدرها كمّا و كيفا. فإن كان الشرّ ممّا يتحمّل عادة فلا تسوّغ الضرورة المدح المحرّم له عقلا أصلا و رأسا، فضلا عن وجوبه له. و إن كان ممّا لا يتحمّل عادة سوّغت الضرورة الأمر المحرّم له، لكن على وجه الجواز لا الوجوب، فأين مورد أصل الوجوب فضلا عن إطلاقه؟

نعم، لو كان المدح و الذمّ جائزا بالأصالة- كمدح من يستحقّ المدح و ذمّ من يستحقّ الذمّ- أمكن عروض الوجوب عليه لمصلحة ملزمة. و أمّا ما كان بالأصالة حراما ذا مفسدة عقليّة- كذمّ الممدوح و مدح المذموم، الراجع إلى الظلم‌

____________

(1) تحف العقول: 366.

(2) الوسائل 12: 132 ب «43» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(3) البقرة: 286.

(4) الحج: 78.

(5) البقرة: 185.

(6) الوسائل 5: 345 ب «30» من أبواب الخلل ح 2.

212

الشخصيّ المعلوم أو النوعيّ المفهوم بالفرض- فلا يعقل عروض المصلحة الملزمة عليه.

مضافا إلى أنّه لو صحّ عروض الوجوب و المصلحة الملزمة للمدح و الذمّ المحرّمين لما صحّ للمعصومين تحسين كلّ ممّن اختار القتل على التقيّة بالمدح و الذمّ المحرّمين بتعجيله إلى الجنّة، و من اختار التقيّة به على القتل بتفقّهه في الأمر. بل لوجب النكير و الإنكار من المعصومين على من اختار القتل من أصحابهم على المدح و الذمّ المحرّمين، كوالدي عمّار و أبي ذرّ و حجر بن عديّ و ميثم التمّار و عبد اللّٰه بن عفيف و محمّد بن أبي عمير و يعقوب بن إسحاق، و سائر كبار الأصحاب، المشهورة قضاياهم في كتب الرجال.

قوله: «و إنّ لي ما بين لابتيها» (1).

أقول: أمّا الواو فحاليّة، و الجملة حال من فاعل «عقدت». و لابتيها تثنية لابة، هي الحرّة بالفتح ذات الأحجار السوداء، و جمعها لابات. و ضمير الهاء إن كان راجعا إلى المدينة كما في الحديث: «حرم رسول اللّٰه المدينة، ما بين لابتيها صيدها» (2) كان المراد من لابتيها الحرّتين العظيمتين المكتنفتين بها، و فسّر بما بين السورين، أو بما بين ظلّ عائر و وعير، يعني: ما أحبّ أن أعقد لهم عقدة و الحال أن لي ما بين سوري المدينة و حدّيها. و إن كان راجعا إلى الدنيا كان لابتاها كناية عمّا بين المشرق و المغرب، يعني: ما أحبّ أن أعقد لهم عقدة و الحال أنّ لي ما بين المشرق و المغرب، كقوله (عليه السلام): «لو أعطيت السبع الأقاليم على أن أظلم نملة في قشر شعيرة ما فعلت» (3).

____________

(1) الوسائل 12: 129 ب «42» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(2) الوسائل 10: 285 ب «17» من أبواب المزار و ما يناسبه ح 5.

(3) نهج البلاغة: 347 خ 224.

213

قوله: «أو المسنّاة يصلحها» (1).

[أقول:] المسنّاة بضمّ الميم- نحو المرز بكسر الميم-: مجمع التراب المحجّر للأرض المحياة.

قوله: «ما أحبّ ظاهر في الكراهة».

[أقول:] و فيه نظر، لأعميّته من الكراهة، فيحمل على خصوص الحرمة، لنصوصها الخاصّة، تقديما للخاصّ على العامّ و الأظهر على الظاهر، خصوصا بعد تعليل «ما أحبّ» بقوله: «إنّ أعوان الظلمة .. إلخ» (2).

قوله: «و أمّا أعوان الظلمة فهو من باب التنبيه على أنّ القرب إلى الظلمة و المخالطة معهم مرجوح».

[أقول:] و فيه: أنّ تقييد الأعوان- الذي هو جمع العون، الظاهر في معنى الفعل و حدث المصدريّة، الظاهرة في مطلق الإعانة و لو في المباحات، خصوصا بقرينة التصريح فيه بقوله: «ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء» (3)، و في خبر آخر بقوله: «لا تعنهم على بناء مسجد» (4)- بخصوص الإعانة على وجه الاعتياد و الانتساب، و جعل الإعانة لهم عادة و حرفة مستمرّة كالملكة، خلاف الأصل الأصيل، و تخصيص العموم بلا دليل. و دعوى الانصراف- مضافا إلى أنه بلا صارف- إنّما هو من خصائص الإطلاق، لا يتأتّى في عموم: «لا تعنهم على بناء مسجد» (5) و «أنّ أعوان الظلمة في سرادق من النار» (6).

قوله: «و أمّا رواية صفوان (7) فالظاهر منها أنّ نفس المعاملة معهم ليست

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرهم هامش (1) ص: 212.

(2) تقدّم ذكر مصادرهم هامش (1) ص: 212.

(3) تقدّم ذكر مصادرهم هامش (1) ص: 212.

(4) الوسائل 12: 129 ب «42» من أبواب ما يكتسب به ح 8.

(5) تقدّم ذكر مصدره في هامش (4) هنا.

(6) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 212.

(7) الوسائل 12: 131 ب «42» من أبواب ما يكتسب به ح 17.

214

محرّمة، بل من حيث محبّة بقائهم .. إلخ».

[أقول:] و فيه و أيضا: ما تقدّم من أنّ تقييد حرمة نفس المعاملة فيه بحرمتها من حيث المحبّة، و تقييد حيث المحبّة بالمحبّة الخاصّة المحرّمة من حيث قصد الإعانة في الظلم، أو الإعانة المنصرفة إلى خصوص الإعانة المستمرّة الدائمة، خلاف الظاهر و الأصل الأصيل، و انصراف بلا صارف و لا دليل. بل الظاهر من تعليل الحرام بالأمر العامّ تعميمه الحرام، لا تخصيصه بغير المقام، و صرفه عن المرام.

و بعبارة: ظاهر الرواية- خصوصا بمعونة أنّ الأخبار كالقرآن تفسّر بعضها بعضا- أنّ نفس الكراء و المعاملة معهم حرام لسبب و علّة أنّه مستلزم لعموم المحبّة، و مطلق الركون و التولّي و المودّة المحرّمة لمن حادّ اللّٰه و رسوله، و المنافية للتبرّي و هجر أهل الفسوق و المعاصي، كما يدلّ عليه بالعموم و الأولويّة نصوص الكتاب و السنّة المتواترة في وجوب هجر الفاسق و التبرّي منه، بل التبعّد من ساحة أهل المعاصي، و النظر في وجوههم، و الركون إليهم، و القعود معهم، و المداهنة معهم، فضلا عن المعاملة و الإعانة لهم، كقوله وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1) فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ (2) وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (3) وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (4) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهٰاجِرُوا مٰا لَكُمْ مِنْ وَلٰايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ (5)

____________

(1) هود: 113.

(2) الأنعام: 68.

(3) الأنفال: 25.

(4) المائدة: 51.

(5) الأنفال: 72.

215

وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَرٰاءٌ مِمّٰا تَعْبُدُونَ (1). إلى غير ذلك ممّا لا يخفى كتابا و لا سنّة من النصوص (2) المستفيضة المتواترة التي لا معارض لها و لا صارف، كما في رسالة آيات الظالمين الدالّة بعمومها على عموم حرمة إعانة الظالم مطلقا و لو في المباحات.

و أمّا حرمة إعانة في الظلم فلا اختصاص له بالظلم، بل الإعانة على مطلق الإثم و العدوان حرام، بل الإعانة على الظلم إنّما هو من عين الظلم المحرّم عقلا، الآبي من التخصيص قطعا، بخلاف مطلق الإعانة و لو في المباحات، فإنّه و إن حرم نفسا مطلقا إلّا أنّه كسائر المحرّمات النفسيّة الشرعيّة مخصّصة بمثل قوله تعالى إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (3) و إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً (4) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ (5) وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (6) وَ مٰا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ لٰكِنْ ذِكْرىٰ (7) أي: لأجل الموعظة و ذكر الآخرة، أو لدفع ضرر و إضرار، أو لتأليف قلب، أو إتمام حجّة، أو لتفريج كربة عن مؤمن أو فكّ أسره، كما في المستفيضة الآتية، أو نحو ذلك من الضرورات المبيحة للمحظورات، و موارد اللطف الواجب على الحكيم من تقريب العباد إلى الطاعة و تبعيدهم عن المعصية.

و من هنا سرى الخلط و الوهم إلى مثل المصنّف و من تقدّمه من صاحب‌

____________

(1) الزخرف: 26.

(2) الوسائل 12: 127 ب «42» من أبواب ما يكتسب به.

(3) النحل: 106.

(4) آل عمران: 28.

(5) البقرة: 173.

(6) الحج: 78.

(7) الأنعام: 69.

216

الجواهر (1) و الرياض (2) و غيرهم، في إنكار حرمته النفسيّة، أو تخصيصها بخصوص إعانة الظالم في ظلمه، أو بقصد غرض محرّم من تقوية سلطانه و شوكته، أو لحبّ الدنيا و رئاسته، أو الإعانة المعدّة له من خواصّه، أو إعانة الظالم من المخالفين دون الظالم من أهل الدين. و الكلّ تقييد بلا مقيّد، و جمع بلا شاهد، بل مناف لحجّية العامّ المخصّص في الباقي.

و دعوى قصور السند و الدلالة في بعضها، أوّلا ممنوع بما تقدّم. و ثانيا على تقديره منجبر بشهرة الروايات و كثرتها عددا و صحّة و صراحة، و بموافقة الكتاب و الاحتياط، و مخالفة العامّة في العمل و الرأي و التقيّة، و كفى به في الجبر و الحجّية. كيف و ظلمة أهل الدين كنساء النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و المنافقين عذابهم مضاعف لا أخفّ، مع أنّ خصوص المورد لا يخصّص عموم الوارد.

و دعوى صاحب الجواهر (3) أنّ هذا مخالف للسيرة القطعيّة. فيه: أنّ المسلّم من مخالفة السيرة إنّما هي في الضرورات المبيحة للمحظورات لا مطلقا.

ألا ترى سيرة الصلحاء و العلماء على كمال الامتناع و الإباء من مصاحبة الجهلة، فضلا عن الظلمة، و فضلا عن إعانتهم؟! و يكفيك الرجوع فيما ذكره منتهى المقال (4) في أحوال صاحب المدارك و المعالم و الشيخ الحرّ و بحر العلوم، و ما شاهدناه برأي العين من سيرة المصنّف، و سيّد مشايخنا الأعلام و سائر أساتيدنا الكرام، من كمال الإباء و الامتناع من ملاقاة سلاطين الزمان، فضلا عن إعانتهم.

تنبيه: و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ الفقهاء و إن لم يتعرّضوا في الفقه إلّا لحرمة إعانة الظلمة من جهة مناسبة تعلّقه بالمكاسب، إلّا أنّ المحرّم بحسب الأدلّة لا‌

____________

(1) جواهر الكلام 22: 159.

(2) رياض المسائل 5: 35.

(3) جواهر الكلام 22: 53.

(4) منتهى المقال 2: 386 رقم 729، ص 359 رقم 3089، و لم نعثر على الشيخ الحرّ.

217

ينحصر في مطلق إعانتهم، بل يعمّ مطلق الإعانة على الإثم و العدوان، لقوله:

وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (1)، بل و يعمّ مطلق إعانة الفاسق، لكونه ظالما لنفسه، بل و يعمّ مطلق الركون إليهم و القعود معهم، لعموم وَ لٰا تَرْكَنُوا (2) فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ (3)، بل و يعمّ مطلق النظر إلى وجوههم، بل و إلى زيناتهم و محاسنهم و مناظرهم المعدّة لجلب القلوب و عيون النّظارة، لعموم قوله تعالى وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا (4) الآية، و ما تقدّم عن تفسير العيّاشي (5)، و النظر إليهم على العمد من الكبائر، بل و مطلق حبّهم، بل و مطلق الرضا بفعلهم، بل و مطلق المداهنة معهم، بل و مطلق عدم التبرّي منهم، و عدم الهجر لهم، و عدم الردع و الإعراض عنهم، كما لا يخفى على من راجع آيات الظالمين، إلّا لضرورة أو تقيّة أو إتمام حجّة أو تفريج كربة من الضرورات المبيحة للمحظورات.

تنبيه آخر: و يتفرّع على ما اخترناه من أصالة حرمة مطلق إعانة الظلمة و لو في المباحات بالحرمة النفسيّة إلّا لضرورة مسوّغة فروع كثيرة الابتلاء و عامّة البلوى:

منها: أنّه لو اضطرّ المعين بالإعانة المحرّمة بالاضطرار، أو التقيّة و الإكراه و الإجبار، أو الجهل و الخطأ و الإعسار، المستندة إلى سوء الاختيار، كالدخول في محلّة الأشرار أو التقرّب إليهم بالجوار أو الاتّجار و الاشتهار، فهل يوجب هذا الاضطرار المعذوريّة و الاعتذار، أو يلحق هذا الاضطرار بحكم الاختيار؟ وجهان‌

____________

(1) المائدة: 2.

(2) هود: 113.

(3) الأنعام: 68.

(4) طه: 131.

(5) في ص: 176.

218

بل قولان، من عموم (1) أدلّة رفع العسر و الحرج و الاضطرار، و من استناد الاضطرار الناشئ عن الاختيار إلى الاختيار عرفا و عقلا و شرعا. أمّا عرفا فلاستناد الأفعال القوليّة الاضطراريّة إلى الاختيار عرفا. ألا ترى استناد القتل عرفا إلى الرامي و الرمي بالاختيار، لا السهم المرميّ بالاضطرار، و استناد الإحراق عرفا إلى المحرق المختار لا إلى النار؟!.

و أمّا عقلا فلتجويز العقل و العقلاء التكليف بغير المقدور الناشئ عن الاختيار. و لهذا حكموا على المتوسّط في الأرض المغصوبة بالتخلّص عن الغصب و النهي عن الغصب، و على القطّاع بمخالفة قطعه و إن كان جهلا مركّبا، و على الجاهل المقصّر بعدم المعذوريّة، و على المخطئ في أصول الدين بعدم المعذوريّة.

و أمّا شرعا فلما تقدّم (2) من منع صفوان عن إكرائه الجمال الظالم مع إكراهه و اضطراره، فليس إلّا لاستناد ذلك الإكراه و الاضطرار إلى اختياره الجماليّة، و لهذا باع جماله. و لما في الوسائل (3) و غيره باب مبوّب من النصوص المستفيضة الصريحة في وجوب تحمّل المشقّة الشديدة، فيغسل من تعمّد الجنابة و إن أصابه ما أصابه، دون من احتلم، فإنّه يتيمّم. و ما ورد من أنّ: «من سنّ سنّة سيّئة كان له وزر من عمل بها» (4)، مع أنّ عمل العامل بالبدعة خارج عن اختيار المبدع.

و ما ورد (5) في تائب بني إسرائيل عمّا ابتدعه من الدين أنّه لا تقبل توبته‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في هامش (3 و 6) ص: 211.

(2) في ص: 214.

(3) الوسائل 2: 986 ب «17» من أبواب التيمّم.

(4) صحيح مسلم 2: 704 ح 69.

(5) تفسير الامام (عليه السلام): 252- 257.

219

حتّى يحيي من مات على دينه و يرجعهم عنه. و في المرتد الفطري (1) من أنّه يقتل و لا يستتاب، أي: لا تقبل توبته، مع كونه مأمورا بالتوبة. و قوله تعالى فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا (2) يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ (3) أي:

ظهور القائم، على ما في تفسير الإمام (عليه السلام) (4) لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً (5).

و ما ورد (6) من تكليف المصوّرة يوم القيامة بالنفخ في الصورة، و تكليف الظلمة بردّ المظلمة، و قوله تعالى ارْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً (7)، بل الظاهر من نفس أدلّة الرفع، بل صريح بعضها مثل: «ما حجب اللّٰه علمه عنه فهو موضوع» (8)، و «ما غلب اللّٰه عليه فهو أولى بالعذر» (9) أنّ المرفوع خصوص ما كان من قبل اللّٰه لا من قبل نفسه، حتى السهو و النسيان و خطأ المجتهد، و خوف الجبان و الوسواس و كثير الشكّ، و قطع القطّاع و ظنّ الظنّان.

و على ذلك فلا يستباح شي‌ء من المقدّمات الاختياريّة المفضية بالاضطرار إلى إعانة الظلمة و الأشرار و الكفّار، بل يجب التخلّص، منها مقدّمة للتخلّص عمّا يترتّب عليها من الإعانة المحرّمة و لو كانت اضطرارا، إلّا إذا اضطرّ أيضا إلى نفس المقدّمة المفضية إلى الحرام. و لو لا ذلك الاضطرار لم يستبح شي‌ء من الحرف و الصناعات و التجارات و الزراعات أصلا و رأسا، إذ ما من شي‌ء منها إلّا‌

____________

(1) الوسائل 18: 544 ب «1» من أبواب حدّ المرتد.

(2) غافر: 85.

(3) الأنعام: 158.

(4) تفسير العسكري (عليه السلام): 478.

(5) الأنعام: 158.

(6) الوسائل 12: 220 ب «94» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(7) الحديد: 13.

(8) الوسائل 18: 119 ب «12» من أبواب صفات القاضي ح 28.

(9) الوسائل 5: 353 ب «3» من أبواب قضاء الصلوات ح 13.

220

و يفضي إلى إعانتهم المحرّمة لا محالة.

و منها: أنّ العسر و الاضطرار المبيح لمحظورية الإعانة المحرّمة هل هو عسر نوعيّ ليكون حصوله في أغلب أفراد المكلّفين أو أغلب أحوال المكلّف موجبا لاطّراد حكم الرفع بالنسبة إلى الجميع حتى بالنسبة إلى الفرد النادر من المكلّفين و الحال النادر من المكلّف غير المتعسّر عليه و فيه اجتناب الإعانة المحرّمة، أم هو عسر شخصيّ دائر مدار موضوعه الشخصيّ الفعلي وجودا و عدما فلا ينسحب حكم العسر و الاضطرار المرفوع عن أغلب الأفراد و الأحوال إلى الفرد النادر و الحال النادر؟ وجهان بل قولان، من عموم قوله (عليه السلام): «بعثت على الشريعة السمحة السهلة» (1) «و أن شيعتنا لأوسع ما بين السماء و الأرض، و الخوارج ضيّقوا على أنفسهم» (2)، و من أنّ ظاهر رفع العسر و الاضطرار، خصوصا بقرينة سياق رفع السهو و النسيان، كون العسر علّة للرفع، فلا ينفكّ عن معلوله المرفوع، بل يدور مداره وجودا و عدما.

و أمّا أغلب أحكام الشريعة السمحة السهلة المنوطة بالعسر النوعي، كقصر المسافر المنوط بمشقّة السفر على الأغلب و لو لم يتعسّر على الكلّ و في الكلّ، و مسيس الحاجة الضروريّة إلى الحديد في الأغلب لرفع نجاسته عن الكلّ و في الكلّ، فإنّما هو بقرينة الإلحاق و اتّحاد السياق، كقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في جواب الأعرابي ما لنا نقصّر و قد أمنّا؟: «صدقة تصدّق اللّٰه بها عليكم فاقبلوها» (3)، و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك» (4). إلى غير ذلك من دليل الاتّحاد و الاطّراد، و إلحاق النادر بالغالب من الأفراد، و هو الأشهر الأظهر.

____________

(1) مستدرك الوسائل 1: 419 ب «59» من أبواب آداب الحمام ح 9.

(2) البحار 80: 82 ح 2.

(3) مسند أحمد 1: 25، تلخيص الحبير 1: 58.

(4) عوالي اللئالي 2: 21 ح 43.

221

و يتفرّع عليه أنّ العسر و الضرورة المبيحة للإعانة المحرّمة إنّما تقدّر بقدرها كمّا و كيفا، و زمانا و مكانا، وجودا و عدما. فلو اضطرّ إلى الإعانة المحرّمة بقدر أو حال أو زمان أو مكان لم يجز له التعدّي عن محلّ العسر و الضرورة إلى الزيادة أصلا و رأسا كأكل الميتة.

و منها: أنّه لو اضطرّ إلى الإعانة أو المعاملة أو الوصلة المحرّمة أو غير المكافئة في محلّ أو زمان أو مكان، ثمّ زال ذلك العسر و الإكراه و الاضطرار المبيحة له، و تمكّن المعين من الإقالة و استرجاع المعونة و استرداد المئونة و الصلة و الهديّة و انفساخ العقود المكرهة و الازدواج غير المكافئ، فهل يجب عليه الاسترجاع و الاسترداد و الإقالة و الفسخ و الانفساخ مع بقاء العين و صدق المعونة، أم لا؟ وجهان بل قولان، من عموم (1) أدلّة الرفع و استصحاب بقاء الحكم المرفوع على ما كان، و من أنّ حكم الإكراه و العسر المرفوع كحكم السهو و النسيان المرفوع حكم اضطراريّ عقليّ يقدّر بقدره، فإذا زال موضوع الاضطرار زال حكمه، فلا سبيل إلى استصحابه مع تبدّل موضوعه، بل يرجع فيه إلى حكمه الاختياريّ الأصليّ الأوّلي، و هو حرمة الإعانة. كما أنّه لو أعين الإعانة المحرّمة من غير ضرورة مسوّغة ثمّ طرأ الاضطرار المبيح لم يجز استرداد المعونة، فيتبدّل حكم الاضطرار بتبدّل موضوعه، كما يتبدّل حكم الاختيار بتبدّل موضوعه. و هو ظاهر.

و منه يعلم أيضا أنّه لو زال وصف الظالم عرفا المنوط به حرمة معونته شرعا أزيل عنه الحكم بحرمة معونته، و لكن إذا كان الزوال بمزيل شرعيّ- كالتوبة و ردّ المظلمة، لا بمجرّد عزل و انعزال، و انتفاء المال و اختلال الحال بالقهر و الاستيصال- فإنّه مستصحب الموضوع عرفا و الحكم شرعا. كما أنّه لو انعكس‌

____________

(1) تقدم ذكر مصدره، في هامش (6) ص: 211.

222

الفرض، و تبدّل صفة غير الظالم المباح إعانته بوصف الظلم المحرّم إعانته شرعا، انعكس الحكم، و استرجع المعونة و استردّ الصلة و أقيل البيعة و انفسخ الزوجيّة، مع المكنة و بقاء عين المعونة و صدق المعونة باستبقائه. كما أنّ شرط المكافأة في الدين المنوط به صحّة نكاح المتزاوجين، لو انفقدت بعد العقد بارتداد و فسق مانع من النكاح، انفسخ العقد و حصل البينونة و الفراق.

و هكذا وصف الفسق و العدوان، المانع شرعا من وجوه الكرامة و الإحسان، دار مداره الحكم وجودا و عدما. فلو أعين الفاسق بمعونة محرّمة ثمّ زال فسقه لم يسترجع المعونة المحرّمة و إن بقيت عينها، بل استحلّت عليه و إن لم يتب، لزوال اسم الفاسق و العاصي و الزاني بمجرّد الترك عرفا فيزول حرمة إعانته شرعا و إن لم يتب و لم يحصل وصف العادل، لوجود الواسطة عرفا بين العادل و الفاسق في التارك للوصفين.

و ما يقال: من أنّ تركه التوبة الواجبة فورا من جملة الإصرار فيه: أنّه في حكم الإصرار شرعا، لا اسمه المنصرف إلى الفعل عرفا، بخلاف وصف الظلم، فإنّه لا يزول بمجرّد الترك ما لم يتب و يردّ المظلمة. و لعلّ الفارق إطلاق الظلم على الظالم لنفسه شرعا، و عدم انصرافه إلى الظالم لغيره عرفا، بخلاف الفاسق.

و هكذا الحكم لو انعكس فأعين العادل بإعانة محلّلة من برّ و إحسان و كرامة و تيجان ثمّ ارتدّ أو طرأ عليه الفسق و العدوان، ففي وجوب استرجاع المعونة و استرداد الصلة و انفساخ البيعة و العقد مع المكنة و بقاء عين المعونة و صدقها وجهان، من عموم أدلّة النقل و الانتقال و لزوم الوفاء بالعقد (1) في الحال و المآل و استصحاب الحكم و الحال، و من أنّ قاعدة أنّ الأحكام تابعة لأساميها‌

____________

(1) المائدة: 1.

223

و عموم (1) أدلّة النهي عن التعاون و المواصلة و المعاملة و المصاحبة حاكمة على عموم (2) أدلّة النقل و الانتقال و لزوم الوفاء بالعقد و المقال، فيجب هجره و التبرّي منه باسترجاع المعونة و نشوز الزوجة و فسخ البيعة و استرداد الصلة و الوصلة.

و منها: أنّه على تقدير القول بحرمة إعانة الظالم و الفاسق و حبّة و الرضا بفعله و وجوب هجره و التبرّي منه مطلقا و لو في المباحات، فهل هو حرام مطلقا، و يجب التبرّي عنه مطلقا، أي: من جميع الجهات و الحيثيّات، حتى من حيث أبوّته و أخوّته و قرابته و رحميّته و فقره و احتياجه و إيمانه و إسلامه و كرمه و شجاعته و علمه و مدافعته و سائر محامده، أم هو حرام من حيث خصوص ظلمه و فسقه و عصيانه لا غير، فيجوز بل يجب إعانته و صلته و حرمته و سائر ما كان له من حقوق الأبوّة و الاخوّة و القرابة و الرحميّة و الإيمان و الإسلام و القيافة و حقّ الجوار؟ وجهان بل قولان، صرّح الجواهر (3) و الرياض (4) بالثاني، لعموم أدلّة أحكام الجهات و الحيثيّات، أي: عموم حقّ الأبوّة و الاخوّة، بل استصحاب حكمها فيما لو طرأ عليها حيثيّة الظلم و العدوان.

و الأظهر الأوّل، لظهور حكومة عمومات النهي عن إعانة الظالم و الفاسق على جميع ماله من أحكام الحيثيّات و الجهات من الكرامات و الاحترامات و النسب و الحسب، و مقابلة المهاجر و الأنصار أرحامهم في المقاتلة و الجهاد و النخوة بالقرابة، بأنّ الإسلام قطع الأرحام، و احتجاج الإمام (عليه السلام) على من اعتذر في مخالفة حقّ بوجوب إطاعة أبيه بعموم قول النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا طاعة لمخلوق في‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 190.

(2) تقدّم مصادره في هامش (7) ص: 213.

(3) جواهر الكلام 22: 54.

(4) رياض المسائل 5: 37.

224

سخط الخالق» (1).

مضافا إلى عموم قوله تعالى كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ (2). و إجماع العلماء قولا و فعلا على إجراء جميع الحدود و التعزيرات من الولد على والديه، و من غير الهاشميّ على الهاشميّ العلوي و لو كان أعلم العلماء، و لم يراعوا حيثيّة الأبوّة و السيادة و الأعلميّة بوجه من الوجوه.

مضافا إلى أنّ نهي المعصوم صفوان عن حبّ البقاء من حيث إعطاء الكراء، و عن الركون إلى السلطان من حيث خصوص الإعطاء بقدر تناول العطاء، نصّ صريح على حرمة الولاء و وجوب الهجر و البراء من جميع الأنحاء.

مضافا إلى أنّ تخصيص جميع النواهي الناهية عن إعانة الظلمة و حبّ بقائهم و الركون إليهم على كثرتها و استفاضتها و تواترها و صحّتها و صراحتها في العموم بخصوص حيثيّة الظلم و الفسق، تخصيص لها بالفرد النادر الأندر، بل المعدوم، إذ ما من ظالم و فاسق و لا كافر حتى إبليس و قابيل و فرعون و قارون و أبي لهب و منافقي هذه الأمّة إلّا و فيه حيثيّة أخرى، بل حيثيّات لا تخفى، من العبادة و القرابة و المصاحبة و الهجرة و المجاهدة و الأسنّية و الأسبقيّة و غيرها من الحيثيّات الحسبيّة و النسبيّة.

مضافا إلى أنّ من أمثال القرآن ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا فَلَمْ يُغْنِيٰا عَنْهُمٰا مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النّٰارَ مَعَ الدّٰاخِلِينَ (3)، و قوله تعالى في ابن‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (2) ص: 159.

(2) النساء: 135.

(3) التحريم: 10.

225

نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ (1)، و قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ الْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً (2)، و قوله تعالى في عالم بني إسرائيل وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ الْغٰاوِينَ .. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ (3) الآية.

مضافا إلى ما في البحار: «من أنّ زيد النار كان يدخل على أخيه الرضا (عليه السلام) فيسلّم عليه و لم يردّ عليه الجواب، فقال: أنا ابن أبيك و لا تردّ عليّ جوابي! فقال (عليه السلام): أنت أخي ما دام أطعت اللّٰه، فإذا عصيته لم يكن بيني و بينك إخاء- إلى أن قال (عليه السلام)- المحسن منّا له كفلان من الثواب، و المسي‌ء منّا له ضعفان من العذاب» (4).

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ قوله تعالى يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا الْعَذٰابُ (5) و قوله تعالى إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ (6) سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ (7) صريح في أنّ حيثيّة الأحساب و الأنساب توجب تضاعف العذاب و أشدّية العقاب.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ فتح هذا الباب من الريب و الارتياب يوجب تحليل كلّ حرام من البدء إلى الختام لنفع مثل الأيتام، و تحليل السرقة لأجل الصدقة، و تحليل الميسر و الخمور بقصد المنافع و السرور، و ثمن العذرة لأجل الحجّ و العمرة، و تحليل الملاهي و الغناء لأجل البكاء و الإبكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام)،

____________

(1) هود: 46.

(2) الجمعة: 5.

(3) الأعراف: 175- 176.

(4) البحار 49: 217- 218 ذيل ح 2 و ذيل ح 3.

(5) الأحزاب: 30.

(6) النساء: 145.

(7) التوبة: 101.

226

و تحليل اللواط لتحصيل الذلّ و الانحطاط، و استماع تغنّي الفاجرة لأجل تذكّر الآخرة، إلى غير ذلك ممّا يضحك الثكلى من مزخرفات صوفيّة العامّة العمياء، من الخطأ و السفه و الجفاء الساري إلى بعض الجهلاء.

و منها: الإعانة أو قبول الولاية لأجل التوصّل بها إلى إقامة واجب أو ترك حرام لا يتمّ ذلك الواجب و ترك الحرام إلّا بها، كإقامة الحدود و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و دفع المظلمة و كشف الكربة، و نحوه من الواجبات. و ظاهر المشهور جوازها بقول مطلق. و لعلّه مبنيّ على إنكار حرمتها النفسيّة، كما يشهد به استدلالهم بالمقدّمية التي لا تأتي إلّا في المباحات.

و كيف كان، فالحقّ التفصيل باعتبار أنّ الإعانة المحرّمة إمّا في ظلم أو غيره. و على كلّ منهما: إمّا أن يكون لأجل توصّل المعين إلى ما تعيّن على نفسه، أو على غيره من الواجبات و ترك المحرّمات ممّا لا يتمّ إلّا به.

أمّا الإعانة المحرّمة لأجل توصّل المعين إلى ما تعيّن على نفسه من الواجبات فلا إشكال و لا خلاف في جوازها و لو في المحرّمات الظلميّة، لرجوع الأمر فيها إلى الضرورة المبيحة للمحظورات، و قاعدة جواز ارتكاب أقلّ القبيحين مقدّمة لفعل أهمّ الواجبين المعيّنين، لضرورة الداعية له في البين، كما في تزاحم الحقّين و التزام أهمّ الواجبين. كما لا يجوز تلك الإعانة الظلميّة من المعين و لو كانت أقلّ قليل لأجل التوصّل إلى ما تعيّن على غيره من الواجبات و ترك المحرّمات، و لو كان من أهمّ الفرائض و أعظم العزائم المعيّنة عليه، ضرورة قبح الظلم الاختياري بالذات لمصلحة الوصول إلى ما تعيّن على الغير من الواجبات، الآبي من التخصيص عقلا و نقلا. أمّا عقلا فبالضرورة. و أمّا نقلا فلقوله تعالى:

عَلَيْهِ مٰا حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ مٰا حُمِّلْتُمْ (1) و لٰا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ (2)

____________

(1) النور: 54.

(2) المائدة: 105.

227

وَ لٰا تُطِعِ الْكٰافِرِينَ* (1) وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (2) وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ (3). و قوله (عليه السلام): «شرّ الناس من ظلم الناس لغيره» (4).

و قوله (عليه السلام) لمّا قيل له في معاوية أنصبه شهرا و اعزله دهرا: «هيهات هيهات» (5).

«و لو أعطيت السبع الأقاليم على أن أظلم نملة في قشر شعيرة ما فعلت» (6).

إنّما الإشكال في جواز القسم الثالث من الإعانة المحرّمة، و هي الإعانة غير الظلميّة لأجل التوصّل إلى مصلحة ما تعيّن على الغير و هو المستعان لا المعين، من واجب أهمّ أو ترك حرام أعظم من حرمة إعانة المعين له، نظرا إلى أنّ هذا القسم من الإعانة المحرّمة لم يسوّغها الضرورة المسوّغة للقسم الأوّل، و لم يمنعها مانع القسم الثاني من الظلم القبيح الذاتي الآبي من التخصيص.

فمقتضى عموم أدلّة حرمة الإعانة الحاكمة على أصل الإباحة و عموم حسن المعاشرة هو حرمة تلك الإعانة، و لكن مقتضى استثناء هذا القسم من عموم أدلّة الحرمة بقوله تعالى ذٰلِكَ ذِكْرىٰ (7) و قوله (عليه السلام): «إلّا لتفريج كربة عن مؤمن أو فكّ أسره» (8) و قوله (عليه السلام): «كفّارة العامل للسلطان قضاء حوائج الإخوان» (9) و قوله (عليه السلام): «فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك يكون واحدة بواحدة» (10) هو جواز هذا القسم من الإعانة المحرّمة و لو لمصلحة الغير، كتجويز‌

____________

(1) الأحزاب: 1.

(2) هود: 113.

(3) الكهف: 28.

(4) مستدرك الوسائل 12: 99 ب «77» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 8.

(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 233.

(6) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 212.

(7) هود: 114.

(8) الوسائل 12: 140 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 9.

(9) الوسائل 12: 139 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 3.

(10) الوسائل 12: 140 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 9.

228

الشارع الكذب النافع لرفع ظلم أو فتنة أو إنجاء مسلم أو تقيّة و إن حرم بالأصالة.

و هذا بخلاف القسم الثاني من الإعانة في الظلم اختيارا، فإنّه و إن كان أقلّ قليل لا يسوّغه التوصّل إلى ما تعيّن على الغير و إن توصّل بها إلى فعل ما هو من أعظم المصالح أو ترك ما هو من أقبح القبائح، ضرورة انتفاء المسوّغ للظلم الاختياريّ عقلا، و إبائه من التخصيص قطعا، و فرض المصلحة الكلّية النوعيّة و إن بلغت ما بلغت كثرة إلّا أنّها لا تسوّغ المفسدة الذاتيّة الاختياريّة عقلا. نعم، لو لم تكن فيها مفسدة ذاتيّة- كقبح الكذب المحرّم شرعا- سوّغتها المصلحة الكلّية شرعا و إن رجعت إلى الغير.

فإن قلت: ما الفرق و الفارق بين الظلم المسوّغ في القسم الأوّل لرفع ما هو أعظم ظلما، و بين هذا الظلم غير المسوّغ لرفع ما هو أعظم من باب جواز ارتكاب أقلّ القبيحين؟

قلت: الفرق و الفارق و هو استناد الإعانة الظلميّة في الأوّل إلى الاضطرار، و في الثاني إلى الاختيار. و ارتكاب أقلّ القبيحين إنّما يسوّغ الأقلّ فيما لو اضطرّ إلى القبيح و دار أمره بين الأقلّ و الأكثر، جوّز له العقل ارتكاب الأقلّ: فالاضطرار سوّغ القبيح و الدوران عيّن الأقلّ، بخلاف الإعانة الظلميّة فيما نحن فيه، فإنّها و إن كانت من المعين أقلّ قليل ما يفرض من غير المعين، إلّا أنّ دوران الأمر بين ظلم المعين و لو كان بأقلّ ما يكون و ظلم غيره و لو بأكثر ما يكون يخرج المعين عن الاختيار إلى الاضطرار في أصل الظلم حتى يكون مسوّغا لأقلّه.

فإن قلت: أقلّ المسوّغ له إطلاق نصوص قوله تعالى اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ (1). و قوله (عليه السلام): «كفّارة العامل للسلطان قضاء حوائج‌

____________

(1) يوسف: 55.

229

الإخوان» (1). قوله (عليه السلام): «فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك يكون واحدة بواحدة» (2). و قوله (عليه السلام): «ما من جبّار إلّا و معه مؤمن يدفع اللّٰه به عن المؤمنين» (3). «إنّ للّٰه تعالى في أبواب المظلمة من نوّر اللّٰه به البرهان» (4) الحديث.

أو لعلّ المسوّغ ما له ادّعاه الجواهر (5) من السيرة القطعيّة على إعانة النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) المنافقين المبطنين للكفر و الظلم بفنون الإعانات و المداراة و حسن المعاشرات و بذل الصدقات. و هكذا أمير المؤمنين لمّا أسّر عائشة فأحسن أسرها (6). و هكذا سيرة الحسن و سائر الأئمّة. و هكذا سيرة الخلّصين من الصحابة، كعمّار و ابن مسعود و ابن أحنف قد تولّوا على الكوفة من قبل عمر.

و هكذا سلمان قد تولّى على المدائن. و هكذا عليّ بن يقطين من قبل هارون، و عبد اللّٰه النجاشي تولّى الأهواز، إلى غير ذلك.

قلت: النصوص المذكورة- كالإجماع العملي ذي جهات- كقضايا الأحوال التي كستها الإجماع لا تفيد العموم في المقال، لطروّ الاحتمال المبطل للاستدلال، لاحتمال كونه من الإعانة في المباحات لا المحرّمات، كمجرّد المصاحبة و المراودة و المجالسة لمجرّد التوصّل به إلى عموم مصالح الناس و إصلاح أمورهم، أو في المحرّمات غير الظلميّة، كالإعانة على الملهيات و المسكرات لترك أعظم المحرّمات من الظلم و التهلكات. و لو سلّم كونه في الظلم‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (9) ص: 227.

(2) تقدّم ذكر مصدره في هامش (10) ص: 227.

(3) الوسائل 12: 134 ب «44» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(4) مستدرك الوسائل 13: 130 ب «39» من أبواب ما يكتسب به ح 3، نقلا بالمضمون.

(5) تقدّم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 216.

(6) مصنّفات الشيخ المفيد 1: 415.

230

فلعلّه في الضرورات المبيحة للمحظورات، كما يشهد به مواقع من السؤال و الجواب في كتاب النجاشي (1) إليه (عليه السلام).

و منها: أنّ ما يدفعه الدافع إلى الجائر باسم الخاوة و التذكرة و السلاميّة و القرنطينة و حقّ المرور و العبور، لتخلية السرب عن طريق الحجّ أو الزيارة، أو لدخول الكعبة أو المقام أو المشاهد المشرّفة، أو لإقامة التعزية، أو لرفع التقيّة، أو لنقل الأموات أو لدفنها في بعض الأماكن المشرّفة، أو لإحقاق حقّ، أو الرجوع إلى شرع، أو لتسنين سنّة، أو ابتياع بيعة، أو اكتساب حرفة أو صنعة، إلى غير ذلك ممّا دوّنه الديوانيّون و ابتدعه المبتدعون المفسدون في الأرض، فهل هو من الإعانة و الرشوة المحرّمة، ليسقط وجوب ما يتوقّف عليها من الواجبات فضلا عن المستحبّات و المباحات، كما عدّه بعض من موانع تخلية السرب المشروط بها وجوب الحجّ، مستدلّا عليه بأنّ ما يدفعه إلى الظالم لأجل رفع المنع إعانة على ظلمه المحرّم، أم هو تحمّل ظلم لا إعانة ظلم كما قيل؟ وجهان بل قولان.

و الحقّ أن يقال كلّية: إنّ ظاهر الأدلّة أنّ ذلك كلّه من باب الرشوة أو الإعانة المحرّمة للظالم نفسا، فلا يسوّغها إلّا ما سوّغ سائر المحرّمات، أو سوّغ الرشوة و الإعانة المحرّمة للظالم في سائر المقامات، من ضرورة أو اضطرار أو إكراه أو مسيس حاجة أو سدّ خلّة أو تفريج كربة أو تقيّة، فقد تقتضي الضرورة أو الحاجة أو التقيّة في بعض الأزمنة و الأمكنة و بعض الأحوال و بعض الأعمال جوازها، و في غيرها العدم ففي مثل زمان بني أميّة و المتوكّل المنحصر فيه تشريع الزيارة و ترويجها في تحمّل الرشوة و الظلم و الخوف قد يجوز بل قد يجب، و في غير زمان حصر التشريع و غير مكان حصر الطريق في الرشوة و تحمّل الظلم فلا يجوز، و فيمن لا يتعسّر و لا يتضرّر بدفع الرشوة و الإعانة قد يجوز بل قد يجب،

____________

(1) كشف الريبة: 122 ح 10.

231

و فيمن تعسّر أو تضرّر بها لا يجوز، و فيمن اضطرّ أو احتيج إلى الاستطراق المتوقّف على الرشوة و الإعانة قد يجوز، بل يجب، و في غيره فلا.

و حينئذ فيشكل الحال في حكم أكثر الأسفار و الأعمال و المكاسب المتوقّفة على المقدّمات المحرّمة من رشوة أو إعانة، من حيث الحكم بالإباحة أو الحرمة و القصر و الإتمام، سيّما لو كان المال المدفوع في هذه الطرق على وجه الجزية و الصغار لأشرّ الكفّار و الفجّار من أوقر الأخيار و الأبرار، المستلزم لهتك شعائر الإسلام، و توهين عزائم بيوت اللّٰه الحرام و مشاهده العظام، كما دوّنه حكّام هذا الزمان، فلا إشكال في أنّه حرام فوق حرام و إن خالف سيرة الخواصّ و العوام.

و منها: أنّ حضور جماعة المخالفين، و تشييع جنائزهم و عيادة مرضاهم و طبابة أمراضهم، و حسن معاشرتهم و إكرام ضيافتهم، و مزاوجتهم و مناكحتهم، و توجيه أباطيلهم و نقل أقاويلهم، و تحمّل شهاداتهم و فصل خصوماتهم، و تعظيم أساتيدهم و تكريم أكبارهم، و أداء حقوقهم و ترك عقوقهم، هل هو من إعانة الظلم و العصيان و التعاون على الإثم و العدوان، كما يقتضيه عموم (1) أدلّة حرمة الركون و التعاون، أما لا، كما يقتضيه عموم (2) النصوص الآمرة بحسن المعاشرة لهم و حسن المعروف إليهم؟ وجهان بل قولان، أظهرهما المنع كلّية إلّا لضرورة أو تقيّة، لأنّ النصوص الآمرة بحسن المعاشرة معهم و إن كانت مستفيضة صريحة صحيحة- بل حاكمة و مخصّصة للنصوص الناهية عن الركون و إعانة الظلمة، لورودها مورد خصوص المخالفين- إلّا أنّها خاصّة مختصّة في نفسها و بتنقيح المناط القطعي من الخارج بخصوص صورة التقيّة أو الضرورة أو الحاجة أو إتمام‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في

(2) تقدّم ذكر مصادره في هامش (8 و 10) ص: 227.

232

الحجّة أو قطع المحجّة، كما يدلّ عليه الأدلّة الثلاثة بل الأربعة الصريحة في وجوب التبرّي و البراءة منهم (1)، و الدعاء و اللعن و على جنائزهم بعد التكبير الرابع (2)، و عليهم بعد الصلوات الخمس في المأثور من التعقيبات و في قنوت كلّ صلاة، بل كان عليّ (عليه السلام) (3) يقنت بلعن صنمي قريش في كلّ غدا. و كما يدلّ عليه أيضا النصوص (4) الناهية عن تزويجهم بالمؤمنات دون العكس، و عن عتق المملوك منهم (5)، و عن مطلق الصدقات من الزكاة و الفطرة (6)، بل و من الحبوة، بل و من وجوه الكرامة.

مضافا إلى خصوص نصوص تخصيص التولّي بالمؤمنين و التبرّي بالمنافقين في قوله تعالى: و الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (7). و الْمُنٰافِقُونَ وَ الْمُنٰافِقٰاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ (8). و قوله تعالى:

لٰا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (9)، و خصوص منع صفوان (10) عن إكرائهم الجمال، و غيره عن المجالسة و المصاحبة لهم، و قوله (عليه السلام):

«لو لا أن بني أميّة وجدوا من يجبي لهم الصدقات و يشهد جماعتهم ما سلبوا حقّنا».

____________

(1) مستدرك الوسائل 12: 317 ب «37» من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبها ح 1.

(2) مستدرك الوسائل 2: 253 ب «4» من أبواب صلاة الجنازة ح 1 و 3.

(3) البحار 85: 260 ح 5.

(4) الوسائل 14: 424 ب «10» من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه ح 3.

(5) الوسائل 16: 19 ب «17» من أبواب كتاب العتق ح 3.

(6) مستدرك الوسائل 7: 149 ب «15» من أبواب زكاة الفطرة.

(7) التوبة: 71.

(8) التوبة: 67.

(9) الممتحنة: 1.

(10) تقدّم ذكر مصدره في هامش (7) ص: 213.

(11) الوسائل 12: 144 ب «47» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

233

و أمّا مصاحبة المعصومين مع بعض المنافقين فمن قضايا الأحوال التي كستها الإجمال و الاحتمال المبطل للاستدلال، فلعلّه بنيّة إتمام الحجّة أو ضرورة محوجة أو لقطع محجّة، كما نقل من مصاحبات و مجادلات مؤمن الطاق مع أبي حنيفة ما يتمّ بها الحجج البالغة و المحجّات القاطعة التي هي من أعظم المجاهدات الواجبة. فمنها لمّا قال له أبو حنيفة: جاء شيطان الطاق، أجابه بداهة أَنّٰا أَرْسَلْنَا الشَّيٰاطِينَ عَلَى الْكٰافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (1). و لمّا قال له: مات إمامك، قال: و أمّا إمامك فمن المنظرين. و لمّا قال له: إن كنت صادقا في الرجعة فأقرضني مائة دينار استرجعها منّي في الرجعة، قال: ائتني بضامن يضمنك أن ترجع بصورة إنسان، لا مسوخ كلب أو خنزير. و لمّا قال له: إذا مات ميّتكم كسرتم يده اليسرى ليعطى كتابه بيمينه، قال: أمّا هذا فجعل، و لكنّكم إذا مات ميّتكم حصّنتموه بجرّة من ماء لئلّا يعطش في المحشر، فيردّه عليّ (عليه السلام) عن الكوثر. و لمن أنشد: من رأى صبيّا ضالّا، قال مؤمن الطاق: أمّا الصبيّ الضالّ فلم أره، و لكن الشيخ الضالّ هذا، يعني: أبا حنيفة (2). إلى غير ذلك من احتجاجاتهم البليغة المسوّغة لحرمة المصاحبة قطعا.

و يتفرّع على ذلك فروع:

منها: عدم وجوب تجهيز ميّتهم علينا، من تغسيل و لا تكفين و لا تدفين و لا صلاة، إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلّ، كما قال اللّٰه تعالى وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لٰا تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ (3). و قول المجتبى (عليه السلام) لمعاوية لمّا قال أعلمت ما صنعنا بأصحاب أبيك؟ قال: «ما صنعتم؟ قال: قتلناهم و غسلناهم و كفّناهم و صلّينا عليهم و دفنّاهم، قال (عليه السلام): خصمك القوم، و أمّا نحن إن قتلنا‌

____________

(1) مريم: 83.

(2) الاحتجاج: 381، اختيار معرفة الرجال: 190، منتهى الآمال 2: 176.

(3) التوبة: 84.

234

أصحابك ما كفّناهم و لا غسلناهم و لا صلّينا عليهم و لا دفنّاهم» (1).

و أمّا تجهيز ميّت فسقة الشيعة فلا بدّ أن يكون خارجا بالدليل ما لم يخرج الفاسق عن السبيل، إلّا حرمة النبش و النقل المستلزم للهتك باقية تحت الأصل الأصيل في اختصاصها بالمؤمن لا الفاسق.

و منها: عدم صحّة إتيان الظالم بل مطلق الفاسق شيئا من سهام الزكاة إلّا سهم المؤلّفة، بل و لا الفطرة إلّا للضرورة، حتّى إنّ المخالف لو استبصر لم يقض شيئا من عباداته الموافقة لمذهبه إلّا الزكاة، لوقوعه في غير أهله، كما هو منصوص (2) أيضا.

و كذلك الخمس و الحبوة و الخراج و المقاسمة من بيت المال تؤخذ منهم و لا تعطى لهم، إلّا ما يأخذه السلطان الجائر قهرا فيسقط عن المأخوذ منه، و يجوز استنقاذه منه باسم الجائزة و الهبة و الشراء، كما هو منصوص: «لك المهنّأ، و عليه الوزر» (3).

و كذلك التزويج، يجوز أن يتزوّج من الظالم و الفاسق، و لا يجوز تزويجهم المؤمنة، لنصوص (4) اشتراط المكافأة في الإيمان، و أنّ المرأة تأخذ بدين بعلها، بخلاف العكس.

فلو تزوّجت المؤمنة بالمخالف عصيانا أو جهلا بالحكم أو بالموضوع، أو تنصّب و استنّ العاقد بالمؤمنة بعد العقد، فهل يحكم ببطلان عقدها أو انفساخه،

____________

(1) انظر الاحتجاج: 296- 297، و لكن ذكر هذا الكلام ضمن احتجاج الحسين (عليه السلام) مع معاوية.

(2) الوسائل 6: 148 ب «3» من أبواب المستحقّين للزكاة.

(3) الوسائل 12: 56 ب «51» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(4) الوسائل 14: 43 ب «25» من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه.

235

نظرا إلى استفادة شرطيّة المكافأة في الإيمان من النصوص (1) الناهية عن تزويجهم، أو يحكم بوجوب اختيارها النشوز و عدم ترتيب أحكام المزاوجة، جمعا بين مقتضى العقد و وجوب التبرّي؟ و على الثاني فهل للحاكم فسخه أو جبره على الطلاق عند الامتناع؟ وجوه، أظهرها بطلان العقد و اشتراط المكافأة في الإيمان. و على تقدير عدمه فالأظهر من عموم أدلّة الولاية للحاكم جبر الممتنع على الطلاق، لحكومة أدلّته على كون: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (2)، لقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (3) و السلطان وليّ الممتنع.

و منها: عدم صحّة عتق المملوك لهم هنا و إن صحّ منهم لنا، لعموم مفهوم:

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ* (4). و قوله (عليه السلام) لمن أعتق خادما: «ردّها في ملكها ما أغنى اللّٰه عن عتق أحدكم، تعتقون اليوم و يكون علينا غدا، لا يجوز لكم أن تعتقوا إلّا عارفا» (5). و كذا عدم صحّة طلاقهم لهم و إن صحّ لنا منهم، من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم (6) من الأحكام الضرورية.

من منها: عدم صحّة النذر و الصدقة و الوقف و قضاء الوليّ الصلاة و الصيام و الحجّ عنهم، و صحّة العكس، بل وجوبه، لعموم لٰا تَجِدُ قَوْماً .. يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ (7). وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ (8). و عموم:

____________

(1) الوسائل 14: 423 ب «10» من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه.

(2) سنن ابن ماجة 1: 672 ح 2081.

(3) الأحزاب: 6.

(4) النساء: 92.

(5) الوسائل 16: 19 ب «17» من أبواب كتاب العتق ح 3.

(6) الوسائل 15: 321 ب «30» من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 5، 6.

(7) المجادلة: 22.

(8) التوبة: 113.

236

وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لٰا تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ (1). و عموم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَهُمْ (2). إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ (3). و أمّا صحّة قضاء الوليّ عن أبيه الفاسق دون المنافق فالنصّ و الإجماع هو الفارق.

و منها: هل تحلّ لهم المباحات الأصليّة من الماء و الكلإ و النار؟ و هل تحلّ لهم الصدقات و الوقفيّات من مستثنيات الخمس و إحياء الموات و حقّ السبق إلى السوق و المساجد و حقّ الحيازات، نظرا إلى العمومات من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «الناس شرع سواء في النار و الماء و الكلإ» (4) «و من أحيا أرضا فهي له» (5) «و من سبق إلى مكان فهو أحقّ» (6)، أم يختصّ ذلك كلّه بغير الفاسق و المنافق؟ لورودها مورد الامتنان الخاصّ بأهل الإيمان لا الفسق و العصيان من عبدة الشيطان، و لتخصيص عمومات الإباحات و الصدقات بخصوص قوله: «ما كان لنا فهو لشيعتنا» (7). بل بخصوص: «أحللنا لشيعتنا الأطيبين» (8). و بفحوى مفهوم الوصف و القيد من قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ (9). لِمَنِ اتَّقىٰ (10).

و قوله (عليه السلام): «و لو أنّ غير موالي عليّ دخل البحر فاغترف غرفة قائلا: بسم اللّٰه و الحمد للّٰه، ثمّ شرب لم يشرب إلّا كدم مسفوح أو لحم خنزير» (11).

____________

(1) التوبة: 84.

(2) التوبة: 80.

(3) المنافقون: 6.

(4) الوسائل 17: 331 ب «5» من أبواب إحياء الموات ح 1.

(5) الوسائل 17: 326 ب «1» من أبواب إحياء الموات.

(6) الوسائل 3: 542 ب «56» من أبواب أحكام المساجد ح 2.

(7) الوسائل 6: 384 ب «4» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام ح 17.

(8) الوسائل 6: 379 الباب المتقدّم ح 3.

(9) البقرة: 173.

(10) البقرة: 203.

(11) لم نعثر عليه في الكتب الحديثيّة، و وجدناه في مجمع البحرين 2: 432.

237

و منها: التلمّذ عندهم و التعلّم منهم و الرجوع إلى تفاسيرهم و أقوالهم و أفعالهم و التشبّه بأعمالهم من غير ضرورة مسوّغة، و دخل في تصديق الفاسق و تكريم المنافق و الركون و المودّة و التشبّه بالأعداء، لعموم قوله تعالى: «قل لعبادي لا تطعموا مطاعم أعدائي، و لا تلبسوا ملابس أعدائي، و لا تشبّهوا بأعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي» (1). مضافا إلى خصوص قوله (عليه السلام): «من أصغى إلى أحد فقد عبده، فإن كان عن اللّٰه فقد عبد اللّٰه، و إن كان عن غيره فقد عبد غير اللّٰه» (2).

و منها: أداء الشهادة عند القاضي الفاسق أو المنافق فضلا عن الجائر من الركون المنهيّ، فلا يجوز إلّا لضرورة مسوّغة أو إحقاق حقّ واجب أو إتمام حجّة أو قطع محجّة، كمحاجّة فاطمة (عليه السلام) و إقامتها الشهود عند أبي بكر على أحقّية ما في يد تصرّفها من ملكيّة فدك (3).

و منها: التحكّم و التحاكم إلى الفاسق أو المنافق من غير ضرورة مسوّغة، فإنّه حرام بالأدلّة الثلاثة، منها قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا .. يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (4). و في مقبولة ابن حنظلة: «سألت الصادق (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما من منازعة في حقّ أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا، و إن كان حقّه ثابتا، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و إنّما أمر اللّٰه أن يكفر‌

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 248 ب «10» من أبواب أحكام اللباس ح 4.

(2) الوسائل 12: 111 ب «28» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(3) الاحتجاج: 97.

(4) النساء: 60.

238

به» (1) الحديث.

لا إشكال في كون أصل التحاكم إلى الجائر بل و كذا الأخذ بحكمه حراما إنّما الإشكال في حرمة المأخوذ إذا كان حقّا لآخذه، خصوصا إذا كان عينا لا دينا. و هو أظهر الوجوه.

أمّا إذا كان دينا فلأنّ تعيين الحاكم غير معيّن له، لأنّه تعيين من لا حكم لتعيينه شرعا، و تعيين مالكه أيضا كذلك، لأنّه تعيين جبرا.

و أمّا إذا كان عينا فهو و إن استبعد حرمته مع كونه حقّا لآخذه بمحض الاقتران بحكم الجائر، إلّا أنّ الاستبعاد اجتهاد في مقابل إطلاق النصّ بحرمته.

مضافا إلى رفع الاستبعاد بكون المراد حرمته عرضا بحكم الجائر من حيث حكمه، لا ذاتا مخرجا عن ملك مالكه إلى ملك غاصبه، و لا موجبا عليه ضمانه و غرامته كحرمة مال الغير، بل تكون العين المأخوذة حراما على الغاصب من جهة غصبه، و على الآخذ من جهة أخذه بحكم الجائر.

فلو أغمض في الأخذ عن حكم الجائر، و لم يلتزم في الأخذ بحكمه، بل التزم في أخذه بحكم الشارع و حقّ الواقع، فلا إشكال في حلّيته مطلقا، حتى في صورة ما إذا كان الحقّ دينا كلّيا و عيّنه الجائر في عين، و لكن أخذه الآخذ بعنوان التقاصّ لا الالتزام بتعيين الجائر. و نظيره في تحريم الأعيان المملوكة المحلّلة بمجرّد عروض عارض تحريم الذبيحة بمجرّد ذكر غير اللّٰه، و حرمة العبادة بمجرّد نيّة التشريع أو الرياء و السمعة، و تحريم وطء الحليلة بمجرّد تشبيهها بالأجنبيّة أو تخيّلها أجنبيّة، و تحريم مال المرتدّ على نفسه بمجرّد ارتداده، إلى غير ذلك من أشباه المسألة ممّا يرفع الاستبعاد عنها، كما لا يخفى.

و يتفرّع عليه فروع:

____________

(1) الوسائل 18: 98 ب «11» من أبواب صفات القاضي ح 1.

239

منها: أنّه لو أخذ الآخذ حقّه بعنوان الالتزام بحكم الظلّام مستحلّا له، أو بحكم الجائر في المقام، كما هو دأب العوام، ارتدّ عن الإسلام، لاستحلاله الحرام، مضافا إلى فعله الحرام و إن كان جاهلا بالأحكام.

و منها: حقوق الوصاية و التوصية على الأموات و تولية الأوقاف هل يصحّ أن يجعل للفاسق و المنافق، نظرا إلى عموم: «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، و عمومات الأمر بالتوصية و الأوقاف على حسب آراء واقفيها، أم لا يصحّ؟

وجوه بل أقوال أظهرها العدم مطلقا، لوجوه:

منها: أنّ التوصية و التولية ائتمان، فلا يصحّ إلى الفاسق فضلا عن المنافق.

و أنه موادّة و إحسان، فلا يصحّ و لا يليق بأهل العصيان و العدوان. و أنّه إكرام و احترام، فلا كرامة للفاسق و الظلّام.

و منها: فحوى قوله تعالى وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ (2)، بناء على تفسيره بالصبيان و النسوان، و كون الفاسق أسفه.

و منها: فحوى قوله (عليه السلام) في النساء: «تطيعوهنّ في حال، و لا تأمنوهنّ على مال، و لا تذروا لهنّ تدبير العيال» (3). و عموم تعليله بأنهنّ ناقصات العقول (4)، مع كون الفاسق أنقص.

و منها: فحوى: «لا تعلّموا العلم لغير أهله فتظلموه، و لا تمنعوه من أهله فتظلموهم» (5).

و منها: فحوى قوله (عليه السلام) في تميّز دم العذرة عن الحيض بتطوّق القطنة‌

____________

(1) عوالي اللئالي 2: 138 ح 383.

(2) النساء: 5.

(3) الوسائل 14: 129 ب «94» من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه ح 7.

(4) نهج البلاغة: 105- 106 ح 80.

(5) البحار 1: 140 ح 30.

240

و عدمه: «هذا سرّ اللّٰه فلا تذيعوه، دعوا الناس على ما اختار اللّٰه لهم من ضلال» (1).

و منها: عموم إخفائهم الحقّ و الصواب عن أكثر الأصحاب، بل عدم انتقال علومهم- على ما نقل- إلّا إلى أربعة (2): سلمان، و جابر الجعفي، و يونس بن عبد الرحمن.

و منها: فحوى النصوص (3) الناهية عن بيع السلاح على أعداء الدين مطلقا أو عند محاربة المسلمين. إلى غير ذلك ممّا يدلّ بالفحوى و الأولويّة على عدم ائتمان الفاسق، و عدم قابليّته و لياقته للائتمان بالتوصية و التولية.

و منها: أنّ توصية المكلّف الفاسق و جعل التولية و التوصية له سفه شرعيّ ينافي العقل و الرشد المعتبر في العقود و الإيقاعات، خصوصا على القول بتفسير الرشد بالعدالة في مطلق الأحوال، أو في خصوص حفظ المال عن الإسراف و التبذير و الاضمحلال.

و منها: أنّ جعل الشارع الوصاية و التولية للفاسق حكم ضرريّ على الأنفس و الأعراض و الأموال، و هو منفيّ بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا ضرر في الإسلام» (4).

فإن قلت: إنّ الحكم الضرريّ إنّما هو لازم خيانة الفاسق لا نفس فسقه، و خيانته مجبورة بحكم العزل و الانعزال، كما أنّ بيع المغبون ضرره مجبور بحكم الخيار لا بطلان أصل البيع.

قلت: الفرق كون المغبون بمجرّد العلم بغبنه قادرا على جبر غبنه بالخيار، بخلاف الأيتام و الأموات و القصّر، فإنّهم غير عالمين و لا قادرين على جبر ضررهم و قصورهم إلّا بنفي صحّة تولية الفاسق عليهم من البدء.

____________

(1) الوسائل 2: 535 ب «2» من أبواب الحيض ح 1.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و كأنّ السيّد المحشّي «(قدس سرّه)» نسي الرابع و لم يذكره.

(3) الوسائل 12: 69 ب «8» من أبواب ما يكتسب به.

(4) عوالي اللئالي 3: 210 ح 54.

241

فإن قلت: كما يصحّ توكيل الفاسق و المنافق بالإجماع، فليصحّ توصيته و توليته أيضا.

قلت: القياس باطل، مضافا إلى وجود الفارق، من حيث إنّ التوكيل تحميل و التولية تجميل، و من حيث إنّ خطر خيانة الوكيل منجبر بحياة الموكّل و قدرته على عزله، بخلاف الموصى و المولّى عليه القصّر.

فإن قلت: سيرة المسلمين على جعلهم التوصية و التولية للإخوان و البنين و لو كانوا من أفسق الفاسقين، كتوصية مسلم بن عقيل إلى ابن سعد أمير الفاسقين.

قلت: هذه السيرة من قضايا الأحوال التي اعتراها الإجمال و الاحتمال المبطل للاستدلال، لاحتمال الضرورة أو التقيّة أو ضرب من الوكالة لا الوصاية.

و منها: ولاية الأب و الجدّ هل تثبت للفاسق و المنافق، نظرا إلى عموم:

فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (1) و عموم: «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (2) و عموم:

«ليس لها مع الأب أمر» (3) و عموم: «سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال (عليه السلام):

هو وليّ أمرها» (4) و في أخبار أخر هو الأب و الجدّ، أم يعتبر في ولايتهما الوثوق و العدالة؟ وجهان، أظهرهما الثاني، لوجوه:

منها: فحوى قوله (عليه السلام) في نكاح من تشاحّ فيه الأب و الجدّ: «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّا» (5) بناء على شأنيّة المضارّة- و هو الفسق- لا فعليّتها.

____________

(1) النساء: 25.

(2) الوسائل 14: 205 ب «4» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 5.

(3) الوسائل 14: 207 ب «6» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 3.

(4) الوسائل 14: 212 ب «8» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 2.

(5) الوسائل 14: 218 ب «11» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 2.

242

و فحوى قوله الآخر: «إذا كان الجدّ مرضيّا» (1)، بناء على تفسيره بمن ارتضى دينه، كقوله وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ (2) أي: دينه، بل التائب عن الكبائر، كما هو الظاهر من مرسلة ابن أبي عمير المنقولة في إكسير السعادة (3)، و ظاهر سؤال السائل: «فإن هوي أبو الجارية هوى، و هوى الجدّ هوى، و هما سواء في العدل و الرضا» (4). بل و فحوى ترجيحه الجدّ مع فرض مساواتهما في العدل و الرضا أيضا بقوله (عليه السلام): «أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ» (5) إنّما هو اعتبار العدالة و مانعيّة الفسق حين التشاحّ، و بضميمة عدم القول بالفصل يتمّ المطلوب.

و عموم فحوى قول الصادق (عليه السلام) عمّن سأله عن الذي بيده عقدة النكاح، فقال (عليه السلام): «الذي يأخذ بعضا و يترك بعضا، و ليس له أن يدع كلّه» (6)، نظرا إلى أن مانعيّة عفو الكلّ عن نفوذ الولاية دالّة بالأولويّة على مانعيّة الفسق و النفاق عن نفوذها. فتأمّل.

و منها: عموم قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» (7)، و من المعلوم أن ولاية الفاسق و المنافق على وجه النفوذ في مال القصّر و نفسه و عرضه و دينه حكم ضرريّ يوجب الضرر و الإضرار، حتّى في دين المولّى عليه، و إخراجه عن الإيمان إلى الفسق و العصيان و الإثم و العدوان، و موالاة عبدة الشيطان.

و منها: أنّ الفاسق سفيه غير رشيد شرعا، فلا ينفذ أمره في نفسه فكيف ينفذ في غيره المولّى عليه القصّر؟! خصوصا على القول بتفسير الرشد بالعدالة في‌

____________

(1) الوسائل 14: 218 ب «11» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 4.

(2) الأنبياء: 28.

(3) اكسير السعادة: 41- 42.

(4) الوسائل 14: 218 ب «11» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 4.

(5) الوسائل 14: 218 ب «11» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 4.

(6) الوسائل 14: 213 ب «8» من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 3.

(7) تقدّم ذكره مصدره في هامش (4) ص: 240.

243

مطلق الأحوال، أو في خصوص حفظ المال عن الإسراف و التبذير و الاضمحلال.

فمن لم يكن له ولاية على نفسه فكيف يكون له ولاية على غيره؟! أمّا الكبرى فبديهيّة.

و أمّا الصغرى فلعموم قوله تعالى أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ (1). و عموم وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (2) أَلٰا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهٰاءُ وَ لٰكِنْ لٰا يَعْلَمُونَ (3) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ (4) إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (5). و عموم وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً (6)، خصوصا على تفسير السفهاء بالصبيان و النسوان، و أسفهيّة أهل الفسق و العصيان، و الظلم و العدوان.

و فحوى قوله (عليه السلام) في النساء: «لا تطيعوهنّ في حال، و لا تأمنوهنّ على مال، و لا تذروا إليهنّ تدبير العيال» (7). و تعليله بنواقص العقول (8)، مع كون الفاسق أسفه و أنقص عقلا منهنّ.

و عموم ما في الصافي (9) في شرح سورة الحمد قال (صلى اللّٰه عليه و آله): «أكيس الكيّسين من حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت، و إنّ أحمق الحمقاء من اتّبع نفسه هواه، و تمنّى على اللّٰه الأماني».

و ما في ترجمة البحار عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله): «قسّم العقل ثلاثة أجزاء، فمن كانت‌

____________

(1) السجدة: 18.

(2) البقرة: 130.

(3) البقرة: 13.

(4) البقرة: 171.

(5) الفرقان: 44.

(6) النساء: 5.

(7) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (3 و 4) ص: 239.

(8) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (3 و 4) ص: 239.

(9) تفسير الصافي 1: 84.

244

فيه كمل عقله، و من لم تكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة باللّه عزّ و جلّ، و حسن الطاعة، و حسن الصبر على أمره» (1).

و عموم ما في الكافي فيمن وصف بالعقل و كان مبتلى بالوضوء، فقال (عليه السلام):

«و أيّ عقل له و يعبد الشيطان»؟! (2).

و عموم فحوى قوله (عليه السلام): «إنّ شارب الخمر سفيه لا يزوّج» (3). إلى غير ذلك في باب العقل و الجهل من الكافي و غيره، ممّا لا يحصى صحّة و صراحة و كثرة و دلالة على أنّ الفاسق سفيه و غير رشيد، و متّصف بالحماقة و الغيّ و ضدّ الرشد، كما عن الشيخ (4) و الراوندي (5) و أبي المكارم (6) و فخر الإسلام (7)، بل عن الغنية الإجماع على اعتبار العدالة في الرشد.

و أمّا استدلال الجواهر (8) كالمشهور على عدم اعتبار العدالة في معنى الرشد بصدقه فيما دونها عرفا، فهو ممنوع بعد سلبه عنه، و إطلاق ضدّه عليه شرعا فيما عرفت من نصوص الكتاب و السنّة، ضرورة تقديم عرف كلّ متكلّم و اصطلاحه على عرف غيره، و لهذا حكموا بنجاسة الفقّاع و العصير النبيّ إذا غلى بمجرّد قوله (عليه السلام): «خمر» (9) مع عدم مساعدة العرف عليه.

و كذلك استدلاله بسيرة المسلمين بل و ضرورة الدين على المعاملة مع‌

____________

(1) البحار 77: 158 ح 145.

(2) الكافي 1: 12 ح 10.

(3) الكافي 5: 299 ح 1، و ص 348 ح 2.

(4) الخلاف 3: 284.

(5) فقه القرآن: 72- 73.

(6) غنية النزوع: 252.

(7) إيضاح الفوائد 2: 55.

(8) جواهر الكلام 26: 51.

(9) الوسائل 17: 288 ب «27» من أبواب الأشربة و الأطعمة ح 4.

245

الفاسقين و المنافقين و المشركين و الخمّارين، لعلّها كالسيرة على معاملة المسرفين و المبذّرين، و تزويج الخمّارين، و الركون إلى الظالمين، و مشابهة أعداء الدين.

و كذا الاستدلال بلزوم العسر و الحرج في الدين لو قلنا بفساد معاملة الفاسقين و المنافقين.

فأمّا بالنسبة إلى الفاسقين بعضهم مع بعض فبمنع بطلان اللازم، لأنّ فساد معاملاتهم المشروطة بالرشد. بمعنى العدالة كفساد عباداتهم المشروطة صحّتها بالإيمان و قبولها بالتقوى و العدالة، إنّما هو بسوء اختيارهم في حال اختيارهم، و ما في الاختيار لا ينافي الاختيار، و المقدور بالواسطة مقدور.

و أمّا بالنسبة إلى الرشيد العادل المعامل مع الفاسقين و المنافقين فبمنع لزوم العسر، و إمكان تصحيحها في حقّه و من طرفه، و إن كان باطلا من طرف الفاسق و في حقّه بوجوه:

منها: من باب قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» المحلّل لنا مطلّقات العامّة و المشركين مع فسادها في الواقع، و أثمان الخمر و الخنزير المحلّلة على المسلم أخذها عوض دينه من الذمّي.

و منها: أنّه من باب إمضاء وليّ الأمر و إجازته لنا المعاملة مع الفاسقين، من باب الولاية العامّة و اللطف العامّ الواجب على الإمام (عليه السلام) بالنسبة إلى الأطيبين من شيعته، كما قال (عليه السلام): «شيعتنا منّا خلقوا من فضل طينتنا» (1). «ما أنصفناهم إن أخذناهم» (2). «ما كان لنا فهو لشيعتنا» (3). «أبحنا لهم المناكح لتطيب ولادتهم، و المتاجر لتحلّ مآكلهم، و المساكن لتصحّ صلاتهم» (4).

و منها: تصحيحها بالنسبة إلى عدول المؤمنين من باب التوسعة و توسيع‌

____________

(1) أمالي الطوسي 1: 305.

(2) مستدرك الوسائل 7: 303 ب «4» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام ح 3.

(3) تقدّم ذكر مصدره في هامش (7) ص: 236.

(4) مستدرك الوسائل 7: 303 ب «4» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام ح 3.

246

الشارع لنا في طريق الرشد و عدم السفه، بأن اكتفى في طريقه بأصالة الصحّة في أفعال المسلمين عند عدم العلم برشدهم و سفههم، كما وسّع علينا في طريق العدالة بمعنى الملكة، بظنّ العدالة، أو بحسن الظاهر، أو ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق. و في طريق النسب بظنّ النسب، بل و بقاعدة الفراش. و بصحّة الأخبار بمجرّد الوثوق بالراوي، أو بظنّ الصدور في الرواية. و في موضوعات الحلال و الحرام و الطهارة و النجاسة المشتبهة بأصالة الطهارة و الإباحة.

و منها: تصحيحها بالنسبة إلينا من باب الضرورة المحوجة، أو التقيّة اللازمة، أو العسر و الحرج المنفيّ عن الدين، و الضرر و الإضرار المنفيّ في الإسلام نوعا أو شخصا.

لا يقال: إنّ التوسعة في الطريق ليس بأولى من العكس.

لأنّا نقول: التوسعة في الطريق جمع بين الحسنين و أقلّ القبيحين، و عمل بالحقّين، و أخذ بالحكمتين: حكمة الواقع بالالتزام، و ما يقتضيه ضرورة المقام.

فروع: منها: لو أوصى الموصي أو وليّ الواقف فاسقا، فهل تبطل الوصاية و التولية إليه بالخصوص، و يرجع أمر الوصاية و التولية إلى المتولّي العامّ و هو الحاكم، فإن لم يكن فعدول المؤمنين كما في سائر الأمور الحسبيّة، أم تبطل الوصاية و الوقفيّة من أصله، و يرجع الوصيّة إلى الورثة و الوقف إلى الواقف، كما لو لم تقع الوصيّة و الوقفيّة من أصله؟ وجهان الأظهر الأوّل، لعموم (1) الوفاء بالعقود، و استصحاب بقاء صحّة أصل الوصاية و الوقفيّة بعد فساد التولية، و ذلك لتحقّق صدق موضوع الوصاية و الوقفيّة، بل و حصول شرطه الذي هو رشد الموصي و الواقف بالفرض.

و أمّا رشد الوصيّ و المتولّي فعلى تقدير اعتباره هو شرط صحّة تعيينه للشخص‌

____________

(1) المائدة: 1.

247

المعيّن، فانتفاؤه انتفاء للتعيين المشروط به، و فساده فساد للأمر المعيّن المنوط به، دون انتفاء أصله و فساد صدقه الموجودان بالفرض. فتلك الوصيّة و الوقفيّة حينئذ كالوصيّة و الوقفيّة غير المعيّن لها وصيّ أو متول، أو المعيّن الذي فات أو مات المعيّن فيه، في الرجوع إلى الأمور الحسبيّة الراجعة إلى الحاكم، و مع فقده فإلى عدول المؤمنين.

و كذا الحكم لو جعل التولية و الوصاية إلى مؤمن عادل ثمّ فسق الوصيّ و المتولّي بعد تحقّق الوصاية و التولية، فإنّ الأمر يرجع إلى الحاكم.

أمّا لو عاد إلى العدالة فهل يرجع الأمر إليه- نظرا إلى زوال المانع، فيقتضي المقتضي أثره- أو يبقى أثر المانعيّة و إن زال المانع؟ وجهان، أوجههما الثاني، استصحابا لبقاء ما كان على ما كان، كاستصحاب نجاسة الكرّ المتغيّر إذا زال تغيّره من قبل نفسه، و إن كان شكّا في المقتضي. و هذا بخلاف الحال في الولاية الأصليّة التي للأب و الجدّ و الحاكم و عدول المؤمنين فإنّه لو زال عنهم الفسق المانع و عادوا إلى العدالة عاد فيها الولاية الأصليّة، فرقا بين الولاية الأصليّة و الجعليّة، حيث إنّ المقتضي في الأصليّة لا يزول بوجود المانع، فإذا زال المانع اقتضى المقتضي أثره، بخلاف الجعليّة بجعل الجاعل فإنّ المقتضي فيها هو الجعل زال بوجود مانعة، فإذا زال مانعة لا يعود إلّا بجعل حادث آخر مفروض العدم، فلا يعود بعد زواله.

و منها: أنّه إذا بطلت وصاية الوصيّ و تولية المتولّي و ولاية الفاسق بفسق أو خيانة أصليّ أو عارض بعزل أو انعزال و كان تصرّفه و تعيينه و تقسيمه مال المولّى عليه و الموقوف عليه على وجه الجور و العدوان فهل يجوز للمولّى عليه و الموقوف عليه تناول ما عيّنه له و قسّمه عليه من الحقوق الإرثيّة و الوقفيّة و الارتزاق- كما يجوز لعموم الناس تناول حقّ الخراج من الجائر بأيّ وجه اتّفق،

248

و للمغصوب منه تناول الغصب من الغاصب بأيّ وجه أمكن- أم لا يجوز لهم ذلك، كما لا يجوز لغير هم تناول ما في اليد العادية بشراء و ابتياع و لو كان على وجه الغبطة و مصلحة المولّى عليه؟ و هو الأظهر، لفحوى قوله (عليه السلام): «ما يأخذه بأمر السلطان فهو سحت و إن كان حقّا ثابتا له» (1).

و أمّا حلّ أخذ الخراج للشيعة من السلطان الجائر فإنّما خرج عن الأصل بالنصّ الفارق، و الإذن الفائق عن الإمام الصادق (عليه السلام)، و الوحي الناطق بأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أموالهم، بقوله (عليه السلام): «لك المهنّأ و عليه الوزر» (2).

و أمّا حلّ أخذ المغصوب منه العين المغصوبة من الغاصب فللفرق الفارق بين أخذ العين المغصوبة من غير تعيين و تقسيم من ليس له التعيين و التقسيم، و من غير أن يكون بعنوان أمر الغاصب و حقّه، و بين العكس فيما نحن فيه، من حيث إنّ تعيين المشترك و تقسيم المشاع من الإرث و الموقوف عليه ممّن ليس له التعيين و التقسيم لا يجوز للوارث و الموقوف عليه أخذه إلّا بضرب من التقاصّ، و إذن من له التعيين و التقسيم من الحاكم أو عدول المؤمنين.

نعم، لو انحصر الوارث و المال الموروث فيما لا يحتاج أخذه إلى تعيين و تقسيم من ليس له تعيينه، لم يحتج حلّه إلى الأخذ بتقاصّ أو إذن من له الولاية، و كان المولّى عليه كالمغصوب منه في جواز أخذ حقّه ممّن ليس له ولاية شرعيّة، و كان يده يدا عادية.

و منها: هل تكون العدالة شرطا و الفسق مانعا في ولاية عدول المؤمنين، و التصدّي للأمور الحسبيّة، و هي الواجبة وجودها بعد تعذّر الحاكم من أيّ شخص كان و على أيّ وجه اتّفق، كما هو الأصل، و ظاهر من عبّر بعدول‌

____________

(1) الوسائل 18: 98 ب «11» من أبواب صفات القاضي ح 1.

(2) تقدم ذكر مصدره في هامش (3) ص: 234.

249

المؤمنين، و ظاهر صحيحة محمد بن إسماعيل فيمن مات بغير وصيّة و خلّف صغارا و متاعا و جوازي، فباع عبد الحميد المتاع و أراد بيع الجواري، فما ترى؟

قال (عليه السلام): «إذا كان القيّم مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس» (1)، بناء على كون المراد بالمثليّة العدالة لا الفقاهة، لأنّه مناف لإطلاق مفهومه، و هو ثبوت البأس مع عدم الفقيه و لو مع تعذّره، و لا مجرّد كونه من أهل الولاية أو الوثاقة و رعاية الغبطة و لو من باب الأخذ بالمتيقّن في مخالفة الأصل، و ظاهر موثّقة زرعة: «إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس» (2)، بناء على أنّ المراد بالثقة العدالة و لو من باب الأخذ بالمتيقّن في مخالفة الأصل، أو من باب حمل المطلق على المقيّد بالعدالة في صحيحة إسماعيل بن سعد: «لا بأس إذا رضي الورثة بالبيع و قام عدل في ذلك»؟ (3) أم لا تكون العدالة شرطا و لا الفسق مانعا، كما هو ظاهر من عبّر- كالشهيد في قواعده (4)- بأنّه يجوز للآحاد مع تعذّر الحكّام تولية آحاد التصرّفات الحكميّة على الأصحّ، كدفع ضرورة اليتيم، لعموم تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ (5). و قوله (عليه السلام) «و اللّٰه تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (6). و قوله (عليه السلام): «كلّ معروف صدقة» (7).

وجهان، أوجههما التفصيل في أحكام فعل المتصدّي للأمور الحسبيّة بين سقوط التكليف عن المكلّف بفعله و إسقاطه عن الغير، فلا تعتبر العدالة و لا يمنع‌

____________

(1) الوسائل 12: 270 ب «16» من أبواب عقد البيع و شروطه ح 2.

(2) الوسائل 13: 474 ب «88» من أبواب الوصايا ح 2.

(3) الوسائل 12: 269 ب «16» من أبواب عقد البيع و شروطه ح 1.

(4) القواعد و الفوائد 1: 406 قاعدة «148».

(5) المائدة: 2.

(6) سنن ابن ماجة 1: 82 ح 225.

(7) وسائل 6: 321 ب «41» من أبواب الصدقة ح 1 و 2.

250

الفسق، و بين نفوذ فعله و إنفاذه إلى سائر المكلّفين، فتعتبر العدالة و يمنع الفسق.

و ذلك لأنّ الأمر المأمور به عقلا أو نقلا إمّا أن يكون المطلوب حصوله و وجوده من مأمور خاصّ على وجه خاصّ كالعبادات، و حكمه أن لا يصحّ إلّا على وجه القربة لا غير، و من المسلم لا الكافر، و لا يقبل إلّا من العادل لا الفاسق.

و إمّا أن يكون المطلوب حصوله من مأمور خاصّ على وجه التقييد، كالوظائف الخاصّة بالحاكم من الفتوى و الإفتاء و إجراء الحدود و القضاء، و حكمه الاختصاص بالحاكم، فلا يصحّ بل و لا ينفذ من غيره. أو على وجه التعدّد المطلوبي، كالعبادات بالنسبة إلى التقوى، حيث لا تقبل إلّا من المتّقين، و لكن يصحّ من غيرهم.

و إمّا أن يكون المطلوب حصوله كيف ما اتّفق، لا من مأمور خاصّ و لا على وجه خاصّ، كالواجبات التوصّليّة، من دفع الميّت و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و حفظ النفوس و الأعراض و الأموال في الجملة، و هو المتيقّن من الأمور الحسبيّة التي هي مورد ولاية عدول المؤمنين بعد تعذّر الحاكم. و لمّا كان المطلوب من تلك الأمور الحسبيّة الحصول من الحاكم و لكن على وجه التعدّد المطلوبي لا التقييدي صحّ فعله من أيّ مأمور كان و لو فاسقا أو كافرا، بل و على أيّ وجه اتّفق و لو على وجه الإكراه و الإجبار، و يسقط بفعله التكليف عن الفاعل، بل و عن سائر شركائه المكلّفين به، فلا يجب عليهم إعادة ما فعله المتصدّي من دفن الميّت و حفظ اليتيم، و لو كان المتصدّي فاسقا أو كافرا. و لكن لا ينفذ فعله من التسلّط على أخذ غرامات الدفن و نفقات الحفظ ببيع و ابتياع ماله و سقوط ضمانه و إنفاذ معاملاته، لا بالنسبة إلى المولّى عليه و لا بالنسبة إلى غيره، إلّا إذا كان المتصدّي لتلك الأمور هو الوليّ العامّ، كالحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين‌

251

عند تعذّره.

و الحاصل: أنّ الأمور الحسبيّة من حيث هي هي المطلوب منها هو حصول الفعل بأيّ وجه اتّفق، و من حيث اللزوم و الإلزام و الالتزام هو الحصول من الحكّام، و مع التعذّر فمن عدول الأنام، فهي من الحيث الأوّل من الواجبات التوصّليّة الصرفة الساقطة بفعل كلّ فاعل و لو كان فاسقا، و من الحيثيّة الثانية من الوظائف الخاصّة التي لا تنفذ إلّا من الحاكم، و مع تعذّره فمن عدول المؤمنين.

فروع: منها: لو تصدّى العادل لشي‌ء من الأمور الحسبيّة، كما لو باع أو ابتاع شيئا لدفع ضرريّة القصّر و الأيتام ثمّ فسق، أو بالعكس، فهل ينفذ بيعه و ابتياعه في حقّ الغير من المولّى عليه و غيره، أم لا؟ وجهان، الأوجه التفصيل بين الفرض الأوّل فينفذ، و العكس فلا ينفذ إلّا بإجازة جديدة بعد العود إلى العدالة.

و منها: أنّه لا إشكال في أنّ المتصدّي لشي‌ء من الأمور الحسبيّة مع حضور الوصيّ و الوليّ من غير أن يستأذنهما فاعل للحرام و الفسق. و لكن هل يبطل بذلك فعله إذا كان عبادة- كغسل الميّت و تحنيطه و الصلاة عليه، نظرا إلى نهيه عن تلك العبادة من غير استيذان من له الإذن- أم لم يبطل، نظرا إلى عدم تعلّق النهي بنفس الصلاة؟ وجهان، مبنيّان على امتناع اجتماع الأمر و النهي و عدمه. فعلى الامتناع تبطل العبادة و تجب الإعادة، و لا يسقط لا عن الفاعل و لا عن غيره. و على الجواز يصحّ، و يسقط عن الفاعل و إن أثم، بل و عن الوليّ و الوصيّ أيضا، لكن لا مطلقا بل بناء على إجراء أصالة الصحّة الحامليّة في فعل الأثيم.

و منها: أنّ مقتضى أدلّة الولاية عدم جواز تقدّم أحد- و إن كان نائبا عامّا- على الوليّ الأصلي في التصدّي للأمور الحسبيّة ما دام الأصليّ حاضرا، إلّا بإذنه أو تعذّره، و إن صحّ و سقط- بل و أسقط التكليف- بفعل غير المأذون عصيانا.

252

كما لا يجوز تقدّم عدول المؤمنين فيها على حاكم الشرع و لا على الوليّ و الوصيّ ما دام حاضرا، إلّا بإذنه أو تعذّره و إن صحّ و سقط و أسقط التكليف بفعل غير المأذون عصيانا.

كما لا يجوز تقدّم غير العادل على العادل فيها ما دام حاضرا إلّا بإذنه و إن صحّ و سقط و أسقط التكليف بفعل غير المأذون عصيانا، و وجب عليه أيضا كفاية.

نعم، لو تعذّر الوليّ الأصلي قام مقامه المنصوب الخاصّ أو العامّ، كما لو تعذّر المنصوب قام مقامه عدول المؤمنين بالنصّ و الإجماع.

و أمّا لو تعذّر المنصوب الخاصّ و العامّ كحاكم الشرع العادل و عدول المؤمنين فهل يقوم الفقيه غير العادل مقامه و غير عدول المؤمنين مقامهم عند تعذّرهم- كما كانوا يقومون مقام الفقيه العادل عند تعذّره- أم لا؟ كما هو الأصل الأصيل، و الاقتصار على النصّ و الدليل فيما خالف أصالة عدم الولاية و السبيل بالنسبة إلى النفوذ و الإنفاذ، و إن اقتضى أصالة البراءة و الصحّة السقوط و الإسقاط بفعل كلّ فاعل و لو كان فاسقا.

لا يقال: قاعدة «الميسور لا يسقط بالمعسور» يقتضي سقوط شرطيّة العدالة في الولاية مع عدم سقوط المشروط بها و هو الولاية، كما لا يكتفى بصلاة العاري عند تعذّر الساتر.

لأنّا نقول: وصف العدالة ميسور لكلّ مأمور، فلا يسقط بالمعسور، لأنّ التعذّر بالاختيار في حكم الاختيار.

و منها: لو تعذّر كلّ من له الولاية الشرعيّة من الحاكم و عدول المؤمنين بواسطة تعذّر الوصف أو الموصوف فهل يقوم عدول المؤمنات مقامهم في الولاية الشرعيّة في الأمور الحسبيّة من حيث اللزوم و الإلزام و النفوذ و الإنفاذ- كما قام العدول مقام الحاكم عند تعذّره- أم لا تقوم مقامهم و لو تعذّروا، لأنّ الأصل‌

253

الأصيل عدم الولاية و السبيل إلّا بالمتيقّن من النصّ و الدليل، فلا يجوز العدول عن العدول إلى البديل و لو تعذّر الأصيل؟

و الأظهر ثبوت ولاية العادلة عند تعذّر العدل، لكن لا لإلحاقها بالعدول نصّا أو إطلاقا أو قياسا حتى يمنع ذلك جدّا، بل لأنّ أمرها بالأمور الحسبيّة- خصوصا إذا انحصر كلّي التكليف و المكلّفين فيها- أمر بلوازمها من نفوذ البيع و الابتياع الحسبي في حقّ المولّى عليه و غيره، و إلّا لزم سقوط تكليفها بالأمور الحسبيّة، أو الالتزام في أمرها باللغويّة، و الأوّل خلاف للفرض، و الثاني خلاف العقل.

فكما استدلّوا بآية (1) حرمة كتمان ما في أرحامهنّ على وجوب تصديقهنّ، و بآية الإنذار (2) على وجوب تصديق المنذر لئلّا يلزم اللغويّة، كذلك يستدلّ بالأوامر الحسبيّة كقوله تعالى تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ (3) و «عونك الضعيف صدقة» (4) على نفوذ بيع العادلة و ابتياعها في الأمور الحسبيّة لئلّا يلزم اللغويّة. و ليس حكم العكس كذلك، و هو ما لو انحصر المكلّف بالأمور الحسبيّة في فاسق أو فاسقة، فلا يتعيّن له الولاية الشرعيّة لتقييد الأوامر الحسبيّة فيه بالعدالة الميسورة له، فلا تسقط بالمعسور.

و منها: هل لعدول الجنّ ولاية شرعيّة في الأمور الحسبيّة على الناس في عرض الناس أو في طولهم و عند تعذّرهم، أو ليس لهم ذلك لا عرضا و لا طولا إلّا على أنفسهم؟ وجوه، من عموم أدلّة الاشتراك و الخطاب على وجه العرضيّة‌

____________

(1) البقرة: 228.

(2) التوبة: 122.

(3) المائدة: 2.

(4) الوسائل 11: 108 ب «59» من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ح 2.

254

بقوله تعالى أَيُّهَ الثَّقَلٰانِ (1) يٰا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ (2)، و من انصراف الأوامر الحسبيّة إلى الناس، و لكنّه بدويّ من كثرة الاستئناس، بل لا يتأتّى في العمومات، فضلا عن المنصوصات. و لو سلّمنا الانصراف فلا أقلّ من كون عدول الجنّ في طول عدول الإنس و عند تعذّرهم، كولاية العادلة عند تعذّر العادل.

و منها: هل للصبيّ العادل ولاية شرعيّة في الأمور الحسبيّة في عرض ولاية عدول المؤمنين أو في طولهم كولاية العادلة في طول العادل و تعذّره، أو لا ولاية له فيها لا عرضا و لا طولا كالفاسق و البهائم؟ وجوه مبنيّة على شرعيّة عبادته و صحّة معاملته و عبارته و عدالته. فإن قلنا بها قلنا بولايته في عرض ولاية سائر العدول، لعموم الخطاب و أدلّة الاشتراك، من غير فرق سوى ارتفاع قلم المؤاخذة و العقوبة، دون أصل التكليف و الولاية. و إلّا فإن قلنا بقابليّته العدالة كان ولايته في طول ولاية عدول المؤمنين، كولاية العادلة في طول ولايتهم، و إلّا فالأصل عدم ولايته لا عرضا و لا طولا. و الأظهر الأشهر الأوّل، كما أسلفناه في عبادته و معاملته حرفا بحرف.

و منها: هل يعتبر اشتراط العدالة أو مانعيّة الفسق في صحّة عبادة المعين و الأجير و النائب و الوكيل لقاعدة اقتضاء الشغل اليقيني البراءة اليقينيّة و استصحابا لبقاء ما كان في الذمّة على ما كان، أم لا يعتبر، لأصالة الصحّة؟ وجوه.

و تحقيق الحال أن يقال: إنّ الكلام تارة في صحّة عبادة الوكيل و الأجير، بمعنى السقوط عن نفسه و استحقاق الأجرة عليه.

و تارة في إسقاطه ما في ذمّة غير الأصيل، بحيث لو كان الأصيل أو الوليّ أو الوصيّ عاجزا عن مباشرة الوضوء و الغسل، و الطواف و السعي و الهدي و الحجّ‌

____________

(1) الرحمن: 31.

(2) الأنعام: 130.