التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
255

أو الصوم و الصلاة و الخمس و الزكاة و الكفّارة و غيرها من الديون فاستعان و استناب بالغير في ذلك كان فعل الغير من الأجير و الوكيل مسقطا ما في ذمّة الأصيل، كما كان يسقط ما في ذمّة نفسه بسبب الإجارة و الاستنابة.

و محلّ النظر في الثاني أيضا- أعني: إسقاط فعل الوكيل ما في ذمّة الأصيل- تارة ناشئ عن الشكّ في أصل وقوع الفعل عن الوكيل و عدمه.

و تارة ناشئ عن الشكّ في أنّ ما فعله الوكيل عن الأصيل هل وقع على وجه الصحّة ليجزي عن الأصيل، أم لا؟

و تارة ثالثة ناشئ عن الشكّ في أنّه لو ادّعى الوكيل الفراغ عن العبادة الموكّل فيه و المستأجر عليه هل ينفذ في حقّ الأصيل ليبرأ ما في ذمّته و يسقط عنه التكليف، أم لا؟

و تارة رابعة ناشئ عن الشكّ فيما لو تلبّس الوكيل بفعل مترتّب شرعا على الفراغ عمّا وكّل فيه أو استأجر عليه، أو بفعل مشروط شرعا بالفراغ عمّا و كلّ فيه أو استأجر عليه، هل ينفذ ذلك الفعل من حيث الملازمة لإسقاط ما في ذمّة الأصيل و عدمه؟ فهذه مسائل ستّ:

أمّا الاولى: فلا خلاف و لا إشكال في أنّه و إن اعتبرت العدالة و التقوى في قبول العبادات بل و غيرها، إلّا أنّه لا إشكال و لا خلاف في عدم اعتبارها في صحّة عبادة العامل لنفسه، بل و لغيره نيابة أو وكالة أو تبرّعا بحسب الواقع.

و أمّا المسألة الثانية: و هي ما لو شك الأصيل في فعل الوكيل و وقوعه من البديل و عدمه، كما لو استأجر الأجير أو وكّل الوكيل في العبادة فمات الأجير و الوكيل قبل العلم بفعله و فراغ ذمّته، فلا شكّ و لا ريب في عدم سقوط ما في ذمّة الأصيل بمجرّد توكيل الوكيل و استئجار البديل، ما لم يعلم بفعل الوكيل، فضلا عن إسقاطه عن الأصيل، لقاعدة الشغل و استصحابه.

256

و أمّا المسألة الثالثة و الخامسة: و هي ما إذا فعل الوكيل الفعل و لكن شكّ في كونه على وجه الصحّة أو الفساد برياء أو سمعة، أو ما إذا فعل ما هو مشروط أو مترتّب على الفراغ من العمل الموكّل فيه، كالتصرّف في اجرة ما هو مشروط بالفراغ منه، أو الشروع فيما هو مرتّب شرعا على الفراغ من العمل المستأجر عليه، ففي إسقاط هذا الفعل من الوكيل و البديل ما في ذمّة الأصيل و عدمه وجهان، مبنيّان على أنّ اعتبار الصحّة في فعل المسلم هل هو [من] باب الغلبة و الأمارة الناظرة إلى الواقع ليعمّ الصحّة الحاملي، أو من باب التعبّد بالأصل العملي لئلّا يتعدّى عن الصحّة الفاعلي؟

و نحن و إن اخترنا في محلّه اعتبار أصل الصحّة من باب الغلبة و الأمارة و تعميمها الصحّة الحاملي في فعل المسلم و إن لم يكن عادلا، إلّا أنّ مجرّد فعل الوكيل و البديل غير كاف في إسقاط ما في ذمّة الأصيل، إلّا مع الوثوق بصحّة فعل الفاعل و غلبة الصحّة في فعله. و أمّا لو عورضت هذه الغلبة الصحّة بغلبة الفساد في العمل و الاعتقاد، كما في هذه الأزمنة و البلاد، فيشكل السقوط و الإسقاط، و رفع اليد عن قاعدة الشغل و استصحابه حتّى يعلم المبرئ و فراغ الذمّة. فتدبّر جدّا.

و أمّا المسألة الرابعة: و هو ما إذا ادّعى الكفيل و الوكيل و البديل فراغ ذمّته عن عمل الأصيل و إبراء ذمّته عن العمل، فلا خلاف في نفوذ إقراره إلى الأصيل، و إسقاط ما في ذمّته بدعوى الكفيل و الوكيل و البديل، لعموم قاعدة «من ملك شيئا ملك الإقرار به». يعني: إقرار المقرّ نافذ بكلّ ما له فعله من إنشاء أو فعل أو حقّ مطلقا، و لو بعد زوال الولاية و العزل عن الوكالة.

و إن كان في عموم القاعدة، أو تخصيصها بما قبل زوال الولاية و الوكالة، أو بمورد إقرار العقلاء على أنفسهم الخاصّ بإقرار البائع العاقل دون إقرار الصبيّ‌

257

بما له أن يفعله من الوصيّة بالمعروف أو الصدقة، أو تخصيصها بإقرار ماله أن ينشئه من بيع أو ابتياع كالوليّ، دون ماله أن يفعله من صلاة أو حجّ كالأجير، أو بمورد اعتبار قول من ائتمنه المالك بإذن كالوكيل، أو الشارع بأمر كالحسبيّات أو بمورد كون الدعوى بلا معارض، أو بمورد ظهور صدق المقرّ و عدم دواعي كذبه، كإقرار الوليّ في حال الولاية بإنشاء ماله إنشاؤه (1)، وجوه مختلفة باختلاف المدرك منها للقاعدة. و هي و إن لم تستند إلى نصّ بعموم و لا خصوص إلّا أنّها اشتهرت من زمن الشيخ إلى زماننا على وجه العموم و الكلّية، و الفتوى بها في الموارد الشخصيّة، بل عن العلّامة (2) الإجماع على بعض مواردها الجزئيّة، فكأنّها بنفسها نصّ معتبر أو مضمون نصّ معتبر، مضافا إلى اعتبار كلّ ما يحتمل أن يكون له مدرك من الوجوه. هذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في أنّ قبول إقرار من ملك و إنفاذه فيما ينفذ من الوكيل و الكفيل و البديل إلى إسقاط ما في ذمّة الأصيل، هل هو من باب الشهادة أو الدعوى بلا معارض ليقبل بلا ضمّ يمين، أو من باب الأخذ بظهور صدق المدّعي، كظهور حال المسلم في صحّة فعله، و دعوى ذي اليد في قبول قوله فيما بيده؟ وجهان، أقواهما الثاني، لأنّها إن كانت شهادة فهي شهادة واحدة لا تقبل إلّا بيمين. و إن كانت دعوى فهي لا تزال معارضة من الوكيل بالأصيل، فتحتاج إلى يمين أو دليل.

و منها: هل يجوز لمن يريد الصلاة و لو جمعة أو جماعة الاكتفاء بأذان الفاسق و إقامته، أو بإدراك جماعة قبل التفرّق و لو كانوا فسّاقا، أو أمّهم فاسق لإطلاق أدلّة السقوط كقوله (عليه السلام): «و يجزئكم أذان جاركم» (3) خصوصا على القول‌

____________

(1) اسم ل‍ «كان» في بداية الفقرة، في قوله: و إن كان ..

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) الوسائل 4: 659 ب «30» من أبواب الأذان و الإقامة ح 3.

258

بكون السقوط عزيمة لا رخصة، أم يشترط في السقوط عدالة المسقط؟ نظرا إلى استصحاب عدم السقوط، و قاعدة الشغل، خصوصا على القول بوجوب الأذان و الإقامة، و استناد السقوط بحسب الحكمة إلى حرمة المسقط و كرامته، و لا حرمة و لا كرامة للفاسق.

و لسياق قوله (عليه السلام): «لا بأس بالغلام الذي لا يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم و أن يؤذّن لهم» (1).

و لظاهر قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «يؤمّكم أقرؤكم، و يؤذّن لكم خياركم» (2)، مع الإغماض عن ظهور سياقه في الاستحباب.

و لظاهر قوله (عليه السلام): «أذّن خلف من قرأت خلفه» (3).

و لظاهر قوله (عليه السلام): «لا يستقيم الأذان و لا يجوز أن يؤذّن إلّا رجل مسلم عارف، فإن علم الأذان و أذّن به و لم يكن عارفا لم يجز أذانه و لا إقامته، و لا يقتدى به» (4)، خصوصا بملاحظة سياقه في اعتبار عدالة الإمام، خصوصا بالنظر إلى التأسّي بأمر النبيّ في الأسراء جبرئيل فأذّن و أقام.

و هو الأحوط إن لم يكن أظهر، خصوصا بملاحظة نصوص (5) إكرام المؤذّنين و حسن الظنّ بهم، كقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «يحشر المؤذّنون مع النبيّين و الصدّيقين و الصالحين» (6). إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.

و منها: هل يجوز التعويل في دخول الوقت على أذان الثقة مطلقا؟

____________

(1) الوسائل 4: 662 ب «32» من أبواب الأذان و الإقامة ح 4.

(2) الوسائل 4: 640 ب «16» من أبواب الأذان و الإقامة ح 3.

(3) الوسائل 4: 664 ب «34» من أبواب الأذان و الإقامة ح 2.

(4) الوسائل 4: 654 ب «26» من أبواب الأذان و الإقامة ح 1.

(5) الوسائل 4: 613 ب «2» من أبواب الأذان و الإقامة.

(6) الوسائل 4: 616 ب «2» من أبواب الأذان و الإقامة ح 22.

259

لقوله (عليه السلام): «صلّ الجمعة بأذان هؤلاء، لأنّهم أشدّ شي‌ء مواظبة على الوقت» (1)، و قوله (عليه السلام): «إذا أذّن- يعني: مؤذّن مكّة- فقد زالت الشمس» (2).

أم لا يجوز التعويل إلّا على أذان العدل مطلقا؟ لقوله (عليه السلام): «المؤذّن مؤتمن، و الإمام ضامن» (3)، خصوصا بقرينة السياق، و قوله (عليه السلام): «المؤذّنون أمناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم» (4).

أم لا يجوز التعويل في دخول الوقت على أذان المؤذّن مطلقا؟ استصحابا لعدم دخول الوقت، و قاعدة الشغل، إلّا عند وجود مانع من غيم و نحوه، حملا للنصوص المطلقة على المقيّد منها بخصوص وجود المانع. و هو الأحوط إن لم يكن الأظهر.

و منها: هل تعتبر العدالة في عدد انعقاد الجمعة؟ كما تعتبر في الإمامة و قبول الشهادة، و كما يومئ إليه قوله (عليه السلام): «تجب الجمعة على سبعة نفر من المؤمنين، و لا تجب على أقلّ منهم: الإمام، و قاضيه، و المدّعي حقّا، و المدّعى عليه، و الشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الإمام (عليه السلام)» (5)، بناء على كون النسخة: «المؤمنين» لا «المسلمين»، و انصرافه إلى عدولهم، و على اشتراط أعيان السبعة لا عددهم. و هو مناف لصريح قوله: «و لا تجب على أقلّ منهم» حيث لم يقل: على غيرهم، و لعدم اشتراط أعيان السبعة عندنا، بل و لا لحضور إمام الأصل.

أم لا تعتبر العدالة؟ فتنعقد و لو بالفسّاق و أهل النفاق، لإطلاق أدلّة عدد‌

____________

(1) الوسائل 4: 618 ب «3» من أبواب الأذان و الإقامة ح 1.

(2) الوسائل 4: 619 ب «2» من أبواب الأذان و الإقامة ح 9.

(3) الوسائل 4: 618 ب «2» من أبواب الأذان و الإقامة ح 2.

(4) الوسائل 4: 619 ب «2» من أبواب الأذان و الإقامة ح 7.

(5) الوسائل 5: 9 ب «2» من أبواب صلاة الجمعة و آدابها ح 9.

260

الانعقاد في سبعة، و أقلّهم خمسة كما هو الأظهر، و إن كان الأحوط اعتباره.

و منها: هل تعتبر في خطيب الجمعة حال الخطبة العدالة كما تعتبر في إمامها حال الإقامة، أم لا تعتبر فيها كما لا تعتبر في عدد انعقادها؟ كما هو الأصل، و إطلاق نصوص اعتبار أن يكون الخطيب ممّن يحسن الخطبتين، خصوصا على القول بعدم اشتراط اتّحاد الخطيب مع الإمام (عليه السلام). و هو الأظهر، و إن كان الأحوط الاشتراط، خصوصا على القول باشتراط اتّحاد الإمام مع الخطيب، خصوصا بملاحظة ظهور المستفيضة: «إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (1) في عموم البدليّة و المنزلة.

و منها: هل تعتبر في تعيين القبلة و الهلال، و دخول وقت الصلاة و الصيام، و مواقيت الحجّ و حدود الحلّ و الحرم و المشعر و عرفات و منى و مكّة و الحائر، عدالة الشاهد كما تعتبر في تعيين سائر الموضوعات، أم يكفي الظنّ و الوثوق الحاصل من أهل الخبرة و الفسوق؟ قولان أقربهما التفصيل بين من يتمكّن من تحصيل العلم أو ما يقوم مقامه من البيّنة العادلة، فلا يجوز التعويل على ما دونه، و بين من لا يتمكّن بواسطة مانع كالعمى أو غيم في السماء، فيجوز الاكتفاء، كما نصّ به الأوصياء.

و منها: هل تعتبر في تعديل المعدّل و تزكية المزكّي و توثيق الراوي و اعتبار الرواية العدالة، أم يكفي الوثاقة و حسن الظنّ و الصداقة و لو من قول الفسقة؟

قولان، من كون الأصل الأصيل في تشخيص كلّية الموضوعات الصرفة عدم الاكتفاء إلّا بالعلم أو ما يقوم مقامه، و من أنّ الاطّلاع على الملكات النفسيّة و الأمور الخفيّة كالعدالة و الصداقة، كالاطّلاع على السرائر المكمونة كالأنساب و الأوقاف و الملكات و الأمراض، ممّا لم يعلم بها إلّا علّام الغيوب، و لم يرض‌

____________

(1) الوسائل 5: 15 ب «6» من أبواب الصلاة الجمعة و آدابها ح 4.

261

بتعطيل الأحكام المترتّبة عليها من الحدود و الحقوق و إقامة الشهادات و الجمعة و الجماعات، فيقتضي الاكتفاء فيها بالظنّ و الوثوق، كما هو المشهور المنصور بل المنصوص.

و منها: أنّه هل يعتبر في مقوّم قيّم المتلفات و أروش المعيبات و تقدير الدّيات و تقسيم المشتركات و تخريص الخراج و المقاسمات و الزكاة و تعيين اللغات و القراءات و تفسير الآيات عدالة المقوّم و المقدّر و المعيّن و المقسّم و الخراص و اللغويّ و المفسّر و القارئ بل تعدّدهما، أم يكفي الظنّ و الوثوق الحاصل من قول أهل الخبرة و لو فاسقا أو كافرا؟ وجهان بل قولان، أحوطهما بل أقواهما الأوّل، للأصل الأصيل في كلّي الموضوعات- خصوصا الموضوعات الصرفة- و هو عدم الاكتفاء بما عدا العلم و ما يقوم مقامه كالبيّنة العادلة.

و أمّا ما استدلّ به على الاكتفاء بالإجماع و السيرة و انسداد باب العلم فيها.

فأوّلا: ممنوع جدّا. و ثانيا: لو سلّم فإنّما هو فيما لم يتعلّق بحكم شرعيّ، بل تعلّق بتفسير خطبة أو معنى شعر، أو علم شي‌ء من غير عمل، أو مقدّمة لتحصيل علم بعد تراكم الظنون.

و منها: هل يصحّ تصحيح أفعال الفسّاق، و أهل الظلم و النفاق، و ما في أيديهم و الأسواق، بأصل الصحّة و الطهارة و الحلّية و التذكية و الملكيّة؟ كما هو ظاهر الاتّفاق، نظرا إلى عموم (1) أدلّة حمل فعل المسلم على الصحّة و الطهارة و الحلّية و التذكية، و أنّ يده و سوقه أمارة الملكيّة و التذكية و الحلّية و الطهارة.

أم لا يصحّ مجرى شي‌ء من ذلك إلّا في عدول المؤمنين؟ كما هو الأحوط بل الأقوى، نظرا إلى أنّ مدرك تلك الأصول إن كانت الغلبة، كقوله (عليه السلام): «ما غلب‌

____________

(1) أنظر الوسائل 8: 614 ب «161» من أبواب أحكام العشرة ح 3، و أنظر هامش (6- 8) ص: 263.

262

عليه المسلمون فلا بأس» (1)، و قوله (عليه السلام): «من أسلم أقرّه على ما في يده، و لو أفضى إليه الحكم لأقرّ الناس على ما في أيديهم» (2)، و تعليل جواز استناد الشهادة بالملكيّة إلى ما في اليد بقوله: «و لو لم يجز ذلك لم يقم للمسلمين سوق» (3)، فمن المعلوم أنّ تلك الغلبة قد لا تطّرد، بل قد تنعكس غلبة الصحّة بغلبة الفساد في المعاش و المعاد، خصوصا في هذه الأزمنة و البلاد، و العمل و الاعتقاد، فلا مجرى لأصالة الصحّة و الرشاد، و لم يبق لكلّية القاعدة اطّراد و لا اعتماد، لقوله (عليه السلام) في نهج البلاغة: «إذا استولى الصلاح على الزمان و أهله ثمّ أساء رجل برجل لم يظهر منه خزية فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزمان و أهله ثمّ أحسن رجل الظنّ برجل فقد غرّر» (4). و في البحار عن الدرّة الباهرة: «إذا كان زمان العدل أغلب من الجور فحرام أن يظنّ بأحد حتّى يعلم ذلك منه، و إن كان زمان الجور أغلب من العدل فليس لأحد أن يظنّ بأحد خيرا حتّى يعرف ذلك منه» (5).

فإن قلت: ظاهرا تلك النصوص أنّ المنوط بغلبة الصحّة و الفساد إنّما هو الأفعال، دون اليد و السوق و الأقوال. و لو سلّمنا تعميمها فإطلاق حكم اليد و السوق و ورودها مورد غلبة الفساد حاكم على تعميم الفساد، و مخصّص لعمومه.

قلت: أوّلا: بعموم إذا استولى الفساد و غلب الجور لغلبة اليد و السوق في الفساد.

و ثانيا: سلّمنا التخصّص أو التخصيص و التحكيم، لكن نقول: إنّ إطلاق حكم اليد و السوق وارد مورد تشريع أصل الحكم لا بيان أفراده، كإطلاق اعتبار‌

____________

(1) الوسائل 2: 107 ب «50» من أبواب النجاسات ح 5.

(2) الوسائل 18: 214 ب «25» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

(3) الوسائل 18: 215 ب «25» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 2.

(4) نهج البلاغة: 489 رقم 114.

(5) البحار: 78: 370.

263

سائر الأمارات و الظواهر و البيّنات، إنّما هو من باب الظنّ الشخصيّ الفعلي، لا النوعيّ الشأني، و لا السببيّة المطلقة.

و لو تنزّلنا فمن باب السبية المقيّدة بعدم الظنّ بالخلاف، فلا يشمل صورة المعارضة بغلبة الفساد أو الظنّ به. فكما أنّ إطلاق فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ (1) وارد مورد تشريع أصل حلّية صيد الكلب و كونه غير ميتة، لا بيان أفراد حلّيته ليشمل موضع العضّ، كذلك إطلاق:

«من أسلم أقرّه على ما في يده» (2)، خصوصا المعلّل بقوله: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (3) خصوصا احتجاج عليّ (عليه السلام) على أبي بكر: «أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّٰه في المسلمين؟ تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكت في حياة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و بعده» (4)، كما يشهد عليه نصوص الترجيح في تعارض اليدين و البيّنتين باليمين أو أكثريّة الشهود أو القرعة، و اشتراطهم في الراوي أن يكون ضابطا لا كثير السهو و النسيان.

و أمّا ما كان مدركه الأصل التعبّديّ العملي، كقوله: «ضع فعل أخيك على أحسنه» (5)، «و كلّ شي‌ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (6) و «كلّ شي‌ء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه» (7) أو «حتّى يجيئك شاهدان أنّ فيه الميتة» (8). و «كلّ ما حجب اللّٰه علمه عنه فهو موضوع» (9). و قوله (عليه السلام) عمّن رأى أنّه يجعل فيه- أي:

____________

(1) المائدة: 4.

(2) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (2 و 3) ص: 262.

(3) تقدّم ذكر مصادرهما في هامش (2 و 3) ص: 262.

(4) الوسائل 18: 215 ب «25» من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى ح 3.

(5) تقدّم ذكر مصدره في هامش (1) ص: 289.

(6) مستدرك الوسائل 2: 583 ب «30» من أبواب النجاسات و الأواني ح 4.

(7) الوسائل 17: 90 ب «61» من أبواب الأطعمة المباحة ح 1.

(8) الوسائل 17: 91 الباب المتقدّم ح 2.

(9) تقدّم ذكر مصدره في هامش (8) ص: 219.

264

الجبن- الميتة، فقال (عليه السلام): «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض، فما علمت فيه ميتة فلا تأكله، و ما لم تعلم فاشتر و بع و كل، و اللّٰه إنّي لأعترض السوق فاشتري اللحم و السمن و الجبن، و اللّٰه ما أظنّ كلّهم يسمّون» (1) الخبر.

فهو و إن لم يكن كالأدلّة و الأمارات ناظرة إلى الواقع و غالبة الوصول إليه، بل كان مضمونها التعبّد بالأصل العملي و الطريق التعبّديّ مع قطع النظر عن الواقع و عن وصوله إليه، إلّا أنّه لمّا علم كونه واردا مورد الامتنان الخاصّ بأهل الإيمان لم يتعدّ مجراه إلى أهل الفسق و العصيان و الظلم و العدوان، كما يشير إليه قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (2). و مفهوم قوله تعالى:

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» (3). و قوله (عليه السلام): «و إن شيعتنا لأوسع ما بين السماء و الأرض» (4). «و لو أنّ غير موالي عليّ دخل البحر و اغترف غرفة بيده و شرب مع التسمية و التحميد لم يشرب إلّا كدم مسفوح أو لحم خنزير» (5).

و يدلّ عليه أيضا نصوص (6) تخصيص سهم الغارمين من الزكاة بمن كان غرمه في طاعة لا معصية إسراف و تبذير، خصوصا على القول باشتراط العدالة في سائر أصناف مستحقّيه. و تخصيص مستثنيات الخمس من المناكح و المتاجر‌

____________

(1) الوسائل 17: 91 ب «61» من أبواب الأطعمة المباحة ح 5.

(2) الأعراف: 32.

(3) البقرة: 173.

(4) قرب الإسناد: 385 ح 1358.

(5) تقدّم ذكر مصدره في هامش (11) ص: 236.

(6) الوسائل 6: 143 ب «1» من أبواب المستحقين للزكاة.

265

و المساكن بقوله: «بالأطيبين من شيعتنا» (1). و تخصيص سفر القصر بسفر الطاعة لا المعصية. إلى غير ذلك ممّا يدلّ صريحا أو فحوى على اختصاص الامتنان بأهل الإيمان، لا الفسق و العصيان.

و منه يعلم اختصاص مجرى ما ذكر من الأصول الخمسة الامتنانيّة بما إذا كان كلّ من فاعل الفعل و حامله من أهل الإيمان، و لا مجرى لها في غير المورد مطلقا، سواء كان كلّ منهما أو أحدهما دون الآخر فاسقا، فلا يجري [في] الحامل الظالم و الفاسق و إن كان فاعله مؤمنا عادلا، بل و لا العكس لا يجري في فعل الظالم و الفاسق و إن كان حامله مؤمنا عدلا. فتدبّر أو تأمّل جدّا.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ إسلام الفاسق و الظالم المنافق على تقدير تسليمه لا يفيده شيئا من أحكام الإيمان و الإسلام، و لا الإكرام و الإعظام، و لا شيئا من وجوه الكرامة و الاحترام، و الشريعة السمحة السهلة لخير الأنام من الامتنانات، و لا البراءات و لا الإباحات، و لا التوسّعات و لا الحلّيات، و لا الطهارات و لا التذكيات، و لا الدعوات و لا التوليّات، و لا الولايات، إلّا حقن الدماء، و حرمة الذراري و النساء، و حلّية الذبائح و المناكح، و طهارة الأسئار، على القول المختار من عدم إلحاقهم بالكفّار ما لم يموتوا على الإصرار، و إلّا فخلّدوا بعذاب النار و غضب الجبّار و انتقام العزير القهّار.

هذا، و لكن ذلك من الأسرار التي لا يتحمّله إلا الأخيار الأبرار، و لا يأتمنه الأشرار، و لا يليق به الفجّار و الكفّار، كما قال (عليه السلام): «أمرنا صعب مستصعب، لا يتحمّله إلا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو مؤمن امتحن اللّٰه قلبه للإيمان» (2)، بل المصالح النوعيّة و الألطاف الخفيّة تقضي إخفاء الأحكام الواقعيّة،

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (8) ص: 236.

(2) بصائر الدرجات: 26 ب «12».

266

و سلوك مسلك المداراة و التقيّة، و إعمال الأحكام الظاهريّة، إلى أن يظهر حجّته على البريّة، المكمون في سرادق الغيبة و حجب العزّ الكبريائيّة.

فمقتضى مصالح الحال و ألطاف حكمة الحكيم المتعال، في زمن الغيبة و الضلال، و التقيّة و الإمهال، هو إلزام الجهّال بظواهر الحرام و الحلال، و تسهيل المبدأ و المآل، و اطّراد الأحوال و الأفعال، و اتّحاد المسلك و المقال، جلّ جلال حكم ذي الجلال، و كم للّٰه من لطف خفيّ يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ.

[المسألة الثالثة و العشرون النجش حرام]

قوله: «و حرمته بالتفسير الثاني خصوصا لا مع المواطاة يحتاج إلى دليل».

أقول: دليل حرمته بالمعنى الثاني هو دليل حرمته بالمعنى الأوّل من العقل و النقل، لعدم الفرق بين المعنيين من حيث الإضرار و الغشّ و الخدعة و الإغراء، و من حيث إطلاق قوله (عليه السلام): «الناجش و المنجوش ملعون» (1)، و عموم: «و لا تناجشوا» (2). بل ذكر اللغويّون- كالقاموس (3) و المجمع- المعنى الثاني أوّلا في التعداد، مصرّحا في المجمع بأنّ «النهي للتحريم، لما فيه من إدخال الضرر على المسلم» (4). فالقول بالتفصيل كما في المتن أو الكراهة مطلقا كما عن الدروس (5) لا وجه له سوى اختصاص معقد الإجماع المنقول بالمعنى الأوّل. و لعلّه وجه التفصيل بين المعنيين.

ثمّ النجش في البيع هل يوجب الخيار مطلقا، أم لا مطلقا، أم يوجبه مع الغبن لا مع عدمه، أم يبطل البيع إن كان من البائع؟ وجوه بل أقوال، أقواها‌

____________

(1) الوسائل 12: 337 ب «49» من أبواب آداب التجارة ح 2.

(2) الوسائل 12: 338 ب «49» من أبواب آداب التجارة ح 4.

(3) القاموس 2: 289.

(4) مجمع البحرين 4: 154.

(5) الدروس الشرعية 3: 178، و فيه: الأقرب التحريم.

267

الثالث.

[المسألة الرابعة و العشرون النميمة محرمة بالأدلة الأربعة]

قوله: «سلّط اللّٰه عليه تنّينا» (1).

[أقول:] التنّين كسكّين الحيّة العظيمة، شرّ من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنّة الرماح، طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين كالدم، واسع الفم و الجوف، برّاق العينين، يبلع كثيرا من الحيوان، يخافه حيوان البرّ و البحر، إلى آخر ما في المجمع (2).

قوله: «و يدلّ على حرمتها جميع ما دلّ على حرمة الغيبة».

أقول: بل و جميع ما دلّ على حرمة السحر، لأنّ من أكبر السحر النميمة، كما في الاحتجاج (3)، و لقوله تعالى وَ لٰا تُطِعْ كُلَّ حَلّٰافٍ مَهِينٍ هَمّٰازٍ مَشّٰاءٍ بِنَمِيمٍ (4)، و قوله تعالى وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ (5) و مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ (6).

[النوح بالباطل]

قوله: «و كلاهما محمولان على المقيّد جمعا».

أقول: فيه أوّلا: بأن تقييد النوح بالباطل ممّا لم نقف به على نصّ صريح فيه. نعم، في المجمع: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، فلا ينبغي أن تقول هجرا» (7). يعني: باطلا. و فيه إذن به ما لم تهجر.

و ثانيا: سلّمنا تفسير الهجر بالباطل، لكن معناه اللغو لا الكذب. و لو تنزّلنا فمعناه أعمّ من الكذب، فلا وجه لتقييده به، بل تقييد النوح المحرّم بالكذب ليس‌

____________

(1) الوسائل 8: 618 ب «164» من أبواب أحكام العشرة ح 6.

(2) مجمع البحرين 6: 221.

(3) الاحتجاج: 340.

(4) القلم: 10- 11.

(5) البقرة: 102.

(6) البقرة: 102.

(7) مجمع البحرين 2: 422.

268

بأولى من تقييده بالنوح المشتمل على الغناء، أو على عدم الرضا بالقدر و القضاء، أو المسمع صوتها الأجانب.

و دعوى الجواهر (1) أنّ السيرة على جواز مطلق النوح بسيرة نوح فاطمة على أبيها، و الفاطميّات على الحسين، تقيّد المحرّم منه بالباطل جمعا.

فيه: أنّ المتيقّن من السيرة إنّما هو تقييد الجائز بالنوح على النبيّ و الإمام و الشهداء معهم، لا تقييد النهي عنه بالمحرّم من الكذب و نحوه.

و أمّا مرسلة المجمع: «لا بأس في أجر النائحة» (2) ففيه ضعف السند بالإرسال، و الدلالة باحتمال الحمل على النوح الحلال، مضافا إلى المعارضة بما عن الفقيه في حديث المناهي: «نهى (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الرنّة عند المصيبة، و عن النياحة، و الاستماع إليها، و نهى عن تصفيق الوجه» (3)، و ما عن الكافي عن الصادق (عليه السلام):

«من أنعم اللّٰه عليه بنعمة، فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفر، و من أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفر» (4)، و ما في الخصال (5) و معاني الأخبار (6) من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «أربعة لا يزال إلى يوم القيامة: الفخر بالأنساب، و الطعن في الأحساب، و الاستسقاء بالنجوم، و النياحة، و أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران»، و موثّقة سماعة: «سألته عن كسب المغنّية و النائحة، فكرهه» (7).

و على ذلك فأظهر أقوال المسألة من القول بتحريم النوح مطلقا، أو‌

____________

(1) جواهر الكلام 22: 54.

(2) مجمع البحرين 2: 422.

(3) الفقيه 4: 3 و 4 ح 1.

(4) الكافي 6: 432 ح 11.

(5) الخصال: 226 ح 60.

(6) معاني الأخبار: 326 ح 1.

(7) الوسائل 12: 90 ب «17» من أبواب ما يكتسب به ح 8.

269

الكراهة مطلقا، أو التفصيل بين الباطل و غيره، هو الأول المحكيّ عن الشيخ في المبسوط (1) و ابن حمزة في الوسيلة (2)، بل ادّعى المبسوط عليه الإجماع في آخر كتاب الجنائز بقوله: «و أما اللطم و الخدش و جزّ الشعر و النوح فإنه كلّه باطل محرّم إجماعا» (3).

هذا كلّه، مضافا إلى تقييد إطلاق «لا بأس بأجر النائحة» في مستدركات الوسائل (4) عن فقه الرضا بما إذا قالت صدقا، كتقييد سائر مطلقات جواز النوح بما لم تهجر.

مضافا إلى احتمال حمل مطلق نصوص جواز النوح على البكاء المجرّد عن الرنّة و الأشعار المبكية، كما هو المعيّن في محمل نوح فاطمة على أبيها و نوح الصادق (عليه السلام) على ولده الفائت، بل هو صريح تمام نصوص باب جواز النوح من مستدركات الوسائل (5)، فإنّها صريحة في البكاء.

[المسألة السادسة و العشرون الولاية من قبل الجائر محرمة]

قوله: «بناء على أنّ المشار إليه هو العدل و ترك الظلم .. إلخ».

أقول: البناء على كون الإشارة إلى حرمته الغيريّة لا ينفي ما عداه و هو حرمته النفسيّة، سيّما مع عدم الانفكاك. بل لو فرضنا ظهور نصّ في حرمته الغيريّة، لكن يقدّم عليه أظهريّة نصوص الكتاب (6) و السنّة (7) في حرمته النفسيّة قطعا، فضلا عن عدم الظهور في شي‌ء منها أصلا و رأسا.

قوله: «ثمّ إنّه يسوّغ الولاية المذكورة أمران .. إلخ».

____________

(1) المبسوط 1: 189.

(2) الوسيلة: 69.

(3) المبسوط 1: 189.

(4) مستدرك الوسائل 13: 93 ب «15» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(5) مستدرك الوسائل 2: 383 ب «58» من أبواب الدفن و ما يناسبه.

(6) المائدة: 51، التوبة: 23، آل عمران: 28.

(7) الوسائل 12: 135 ب «54» من أبواب ما يكتسب به، و ص 140 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 9، و ص 54 ب «2» من أبواب ما يكتسب به.

270

[أقول:] و فيه: أنّ الحرام النفسي و ما فيه المفسدة الذاتيّة على وجه العلّية التامّة كالظلم، كما هو صريح نصوص تحف العقول (1)، و نصوص وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فأولئك [منهم فَأُولٰئِكَ] (2) هُمُ الظّٰالِمُونَ، لا تسوّغه المصالح أصلا و رأسا، و لا تجتمع مع المصالح، لاستحالة اجتماع الضدّين، فلا تسوّغه إلّا ضرورة أو تقيّة.

نعم، لو كان كالكذب مقتضى للحرمة و المفسدة لا علّة تامّة لها سوّغته المصلحة. لكنّه خلاف ما عرفت من نصوص الكتاب و السنّة.

قوله: «بالإجماع و السنّة الصحيحة .. إلخ».

[أقول:] فيه: أنّ معقد الإجماع و السنّة الصحيحة و قول الصّديق اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ (3) إنّما هو التولّي من قبل الجائر فيما له فيه ولاية شرعيّة، كالمغصوب الذي يستعين من الجائر على حقّه و ماله و ملكه، و ما يختصّ به من الأموال و الوظائف الشرعيّة من حقّ الوصاية و التولية، كالفقيه الجامع يستعين بالجائر على القضاء بالعدل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إقامة شعائر الإسلام من الجمعة و الجماعة، و ترويج الأحكام من الحلال و الحرام، و حفظ الأوقاف و الأيتام. و منه طلب الصّديق (عليه السلام) خزائن الأرض، فإنّها من قطائع النبوّة و الولاية الكلّية و الرئاسة الإلهيّة الخاصّة به. و منه تولّي عليّ بن يقطين و سلمان على المدائن و عمّار بن ياسر و ابن مسعود على الكوفة، و من المعلوم أنّ هذا القسم من الولاية الصوريّة الظاهريّة من قبل الجائر خارج عن محلّ الكلام، بل‌

____________

(1) تحف العقول: 332.

(2) كذا في النسخة الخطّية، و لعلّها زائدة، أو أراد التلفيق بين آية 51 من سورة المائدة:

وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ و آية 23 من سورة التوبة وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ فوقعت كلمة «فأولئك» في الموضع الأول بدل «فإنه».

(3) يوسف: 55.

271

هو استعانة بالجائر على حقّ و رفع ظلامة و باطل، فلا يقاس بها ما نحن فيه، لأنّه مغالطة صرفة.

قوله: «الولاية إن كانت محرّمة لذاتها كان ارتكابها لأجل المصالح و دفع المفاسد أهمّ».

[أقول:] فيه أوّلا: أنّ حرمة الولاية كقبح الظلم عقليّ و علّة تامّة للمفسدة، يستحيل اجتماعها مع المصلحة المسوّغة.

و ثانيا: لو سلّمنا أنّه نقليّ كالكذب مقتض لا علّة تامّة، لكن تجويز الكذب لمصلحة بالنصّ لا يجوّز سائر المحرّمات، من زنية أو شرب مسكر أو أكل ميتة لمصلحة، خصوصا لمصلحة الغير مطلقا.

قوله: «و لا يخفى أنّ العريف سيّما في ذلك الزمان لا يكون إلّا من قبل الجائر».

[أقول:] و فيه منع، لأنّ العرافة الرئاسة وزنا و معنى، و العريف هو المعروف، و المعاريف و العرفاء الرؤساء، كما في المجمع (1) و غيره (2)، و من المعلوم أنّ العرافة كالرئاسة و الخلافة و السلطنة و الحكومة و سائر الألفاظ موضوعة لمعانيها الواقعيّة الحقّة الصحيحة الشرعيّة، لا المجازيّة الباطلة الفاسدة، و إن غلبت و شاعت و ذاعت في أوهام المبطلين و إطلاقاتهم، كإطلاقهم الإله و الآلهة على ما زعموها من أصنامهم و أزلامهم تحكّما و زورا، مع أن غلبة العرافة في الجائرة و الباطلة سيّما في زمان صدور نصوصها ممنوعة، بل الأغلب العرافة الحقّة، كرئاسة الأزواج على أزواجهم، و أولي الأرحام على أرحامهم، و الأولياء على مواليهم، و الملّاك على مماليكهم و أملاكهم، و سلطنة الناس على أموالهم، و ولاية الحاكم‌

____________

(1) مجمع البحرين 5: 98.

(2) لسان العرب 9: 238.

272

الشرعيّ على القضاء و الأمور الحسبيّة و الوظائف الشرعيّة و إجراء الحدود و إقامة شعائر الإسلام و ترويج الأحكام من الحلال و الحرام، و ولاية كلّ الناس على المباحات الأصليّة.

قوله: «إلّا لتفريج كربة مؤمن .. إلخ» (1).

[أقول:] و فيه: أنّ الاستدلال به على جواز التولّي من قبل الجائر لمطلق المصالح مبنيّ على كون الاستثناء متّصلا. و هو ممنوع، لظهور كون الاستثناء من وطء بسطهم لا تولّي أعمالهم، مضافا إلى أنّ كشف كربة المؤمن و فكّ أسره من الواجبات الكفائيّة و الأمور الحسبيّة و الولايات الشرعيّة التي لا يحرم تناولها من الغاصب و المانع بأيّ وجه اتّفق، و هو أخصّ من المدّعى.

قوله: «و ظاهرها إباحة الولاية من حيث هي».

[أقول:] و فيه: أنّه لا موهم لهذا الظهور إلّا مثل قوله (عليه السلام): «ما من جبّار إلّا و معه مؤمن يدفع اللّٰه به عن المؤمنين» (2). و هو مدفوع بأنّ المعيّة أعمّ من التولية من قبله التي هي محلّ الكلام، إذ قد يكون المعيّة على وجه الصداقة و الرفاقة و النسبة و الرحميّة و الوجاهة و الرفعة الإلهيّة، لأجل إتمام الحجّة عليهم و التوسّط و الشفاعة لديهم، كمعيّة مؤمن آل فرعون و امرأته، و سلمان و عمّار و أبي ذرّ مع أبي بكر و عمر، و عليّ بن يقطين مع هارون، و نصير الدين الطوسي مع السلطان هولاكو، و المحقّق الكركي و المجلسي مع السلاطين الصوفيّة، و الاحتمال يبطل الاستدلال.

قوله: «و الأولى أن يقال: إنّ الولاية غير المحرّمة منها ما يكون مرجوحة .. و منها ما يكون مستحبّة .. و منها ما يكون واجبة .. إلخ» (3).

____________

(1) الوسائل 12: 140 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 9.

(2) الوسائل 12: 134 ب «44» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(3) علّق السيّد المحشّي (قدس سرّه) على هذه العبارة في ص: 271، و المضمون مختلف فيهما.

273

[أقول:] فيه: أنّ اختلاف نصوص المعيّة مع الجائر لا ينحصر في اختلاف مقاصد التولّي من قبله و مصالحه المقصودة الدنيويّة لنفسه أو لإخوانه، أو لمصالحه الأخرويّة الواجبة عليه، كالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بل اختلافها من جهة اختلاف مراتب العمل و العامل و موارده، من حيث إنّ أفضل الأعمال أحمزها و أخلصها و أعظمها، فإن المعيّة لإنجاء نبيّ أفضل منها لإنجاء مؤمن، و هي أفضل منها لإنجاء مسلم، و هي أفضل منها لإنجاء ذمّي، و هكذا.

قوله: «بل من باب مزاحمة قبحها بقبح ترك الأمر بالمعروف .. إلخ».

[أقول:] فيه: أنّ صحّة التوجيه المذكور مبنيّ على أن يكون تزاحم القبيحين المذكورين كتزاحم الحقّين دليله لبيّا من عقل أو إجماع، و المفروض أنّه لفظيّ كالمتعارضين، فمرجعه إلى التساقط و الرجوع إلى الأصل العملي لا التخيير الظاهري.

قوله: «الولاية غير المحرّمة منها ما يكون مرجوحة .. و منها ما يكون واجبة .. و منها ما يكون مستحبّة .. إلخ».

أقول: قد عرفت أنّ الولاية غير المحرّمة الآتي فيها الأقسام المذكورة إنّما هو التولّي فيما له ولاية شرعيّة حقّانيّة، كتولّي الفقيه الجامع من قبل الجائر لأجل القضاء بالعدل و رفع الظلم، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إجراء الحدود و الأحكام من الحلال و الحرام، و إقامة شعائر الإسلام، و حفظ أموال الأيتام و شريعة خير الأنام. و من المعلوم أنّ هذا القسم من التولّي في الحقيقة خارج عن محلّ الكلام في المقام.

و إنّما محلّ الكلام هو التولّي من قبل الجائر، إمّا في خصوص جوره و ما ليس له بحقّ كالحكومة الجوريّة على العباد و جباية الخراج و المقاسمة لهم و إجراء أحكامهم الباطلة و أوامرهم الفاسدة، و إمّا ترويج أمورهم و إعانتهم‌

274

و التحرير و الكتابة لهم و تنجيز حوائجهم، و نحو ذلك من إعاناتهم و معوناتهم المحرّمة حرمة نفسيّة على وجه العلّية التامّة، كالظلم في نصوص الكتاب (1) و السنّة (2). فالتولّي غير الحرام القابل للأقسام خارج عن محلّ الكلام، و الذي هو محلّ الكلام في المقام حرام غير قابل للأقسام، فالمقايسة بينهما مغالطة.

قوله: «و الشهيدين للعامّة» (3).

[أقول:] فإن قلت: ثبوت الكفّارة عليه كما ينافي جوازه لمطلق المصالح الدنيويّة، كذلك ينافي جوازه لضرورة أو تقيّة أو سائر المصالح الأخرويّة، لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، بل قد توجبها، فمنافاة الكفّارة مشتركة الورود.

قلت: جواز المحظور بل وجوبه لضرورة كأكل الميتة لا ينافي الكفّارة عليه، كقتل الخطأ و إفطار من لا يطيق الصيام بالفدية، و استغفار النبيّ و سائر الأنبياء لمعاشرة الأشرار و ارتكاب سائر أوامر الاضطرار.

قوله: «يحشره اللّٰه على نيّته» (4).

[أقول:] فيه: أنّ النيّة المسوّغة لمحظور التولّي عن الجائر لا ينحصر في التولّي لمطلق المصالح الدنيويّة، بل لعلّه لدفع مفسدة الضرورة و الإكراه و التقيّة، و سائر المصالح الأخرويّة الموجبة للمعيّة. و الاحتمال يبطل الاستدلال، فالاستدلال به مصادرة.

قوله: «التقيّة في كلّ ضرورة .. إلخ» (5).

____________

(1) تقدّم ذكر مصدرهما في هامش (6) ص: 269.

(2) تقدّم ذكر مصدرهما في هامش (7) ص: 269.

(3) هذه العبارة ليست في المكاسب، و الظاهر وجود سقط بمقدار صفحتين أو أكثر أو أقلّ في النسخة الخطّية، و الظاهر أنّ جملة «و الشهيدين للعامّة» من الشرح، إذ من البعيد ابتداء الشرح ب «فإن قلت .. إذ لا محلّ للفاء».

(4) الوسائل 12: 139 ب «46» من أبواب ما يكتسب به ح 6.

(5) الوسائل 11: 468 و 469 ب «25» من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما ح 1 و 8.

275

أقول: كما خصّص عموم التقيّة شرعا باستثناء الدم و بشرب الخمر و مسح الخفّين، كذلك يخصّص عقلا و كلّية باستثناء ما يستلزم نقض غرض الحكيم، كما في خصوص تبليغ النبيّ الأحكام فلا يتّقي فيها النبيّ، لأنه نقض غرض الحكيم من النبوّة و بعثه في تبليغ الأحكام، بخلاف التقيّة منه في الأفعال- كصلح الحديبيّة- فيجوز، كما يجوز للإمام في الأفعال و الأحكام، كتحكيم الحكم على عليّ، و صلح الحسن مع معاوية قهرا، بمعنى تقاعده عن أخذ حقّه- لا تراضيه بالباطل- من باب فَمَهِّلِ الْكٰافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (1)، كإنظار إبليس في غيّه.

و يستثنى من عموم التقيّة أيضا ما يستلزم النقض الشرعيّ و العرفيّ المنفّر للطبيعة على النبيّ و الإمام، بل على كلّ معصوم من الآثام، كتزويج المؤمن المشركة و بالعكس، و بيعة الطاغية و التولّي عنه في فعل لا مجرّد قول، فإنّ الإكراه يسوّغه للإمام كغير الإمام. و منه قبول الرضا (عليه السلام) إكراها ولاية عهد الطاغية قولا لا فعلا.

و منه يعلم أنّ تزويج الأنبياء الكافرات و المشركات من باب التمليك في الواقع، و إن سمّي تزويجا في الظاهر من باب التقيّة و المداراة الظاهريّة و حسن المعاشرة الصوريّة، جمعا بين مصلحتي الواقع و الظاهر. و عدم صحّة أخبار تزويج بنات الأنبياء و الأوصياء الكفرة الفجرة. و عدم صحّة أخبار بيعتهم الطاغية و التولّي عنهم، بل و لا التسليم عليهم بإمرة المؤمنين و العبوديّة لهم، و لا الصلاة خلفهم، إلى غير ذلك من الأخبار الضعاف المنقصة لشأن الإمامة و العفّة و العصمة، و المنفّرة للطبيعة، فلا يسوّغها الإكراه و التقيّة في مثل الإمام و إن سوّغها في سائر الأنام، لقوله (عليه السلام) لمّا أرادوا منه البيعة و النزول على حكم يزيد: «و اللّٰه لا أعطيكم‌

____________

(1) الطارق: 17.

276

بيدي إعطاء الذليل، و لا أقرّ لكم إقرار العبيد» (1) .. «الموت أولى من ركوب العار» (2).

ثمّ التقاعد عن أخذ الحقّ من الأعداء و التسويف في الانتقام إن كان من اللّٰه المختار سمّي إمهالا و إنظارا و إتماما للحجّة. و إن كان من غيره المضطرّ سمّي إكراها و مداراة و تقيّة و صلحا.

قوله: «لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتّى الإضرار بالغير .. إلخ».

[أقول:] فيه: أنّ عموم نفي الإضرار (3) و إن بلغ ما بلغ لا ينفي الإضرار بالغير، لأنّ ما يلزم من نفيه ثبوته أو بالعكس فهو باطل مستهجن الإرادة عرفا.

فتأمّل.

و لما فيه من الترجيح المرجوح أو الترجيح بلا مرجّح، خصوصا بعد ملاحظة النصوص (4) المؤكّدة لحقوق الأخوة و الاتّحاد و المساواة و المواساة، و وجوب أن يحبّ لنفسه من الخير ما يحبّ لغيره، و يكره له ما يكره لنفسه، و لا يسلّمه و لا يخذله و يعينه.

مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع و السيرة العمليّة من الصحابة و التابعين على عدم إضرار الغير، خصوصا بالإضرار الكلّي مالا أو عرضا بمجرّد إكراه يسير.

مضافا إلى لزوم استباحة أموال المسلمين و أعراضهم بمجرّد إكراه يسير من مكره ضرير أو حقير أو فقير، كزوج أو زوجة أو والد أو ولد، فيباشر جميع‌

____________

(1) وقعة الطف لأبي مخنف: 209.

(2) مثير الأحزان: 72.

(3) الوسائل 17: 340 ب «12» من أبواب إحياء الموات.

(4) الوسائل 8: 414 و 542 ب «14 و 122» من أبواب أحكام العشرة.

277

مقدّمات قتل من أكره على قتله، من إحضاره و إضجاعه و قيده و حبسه و ضربه إلى حدّ الدم و إزهاق الروح و فري الأوداج، فيوكله إلى غيره، و هو كالمحال من شاهد الحال.

ثمّ إنّه على تقدير رفع المؤاخذة عن المكره في الإضرار على الغير مطلقا، فهل المرفوع خصوص المؤاخذة و الإثم، كالساهي و الناسي و الجاهل و المغرور في الإضرار، أو مطلق الأحكام حتّى الضمان، كالمكره الملجإ في الإضرار إلى حدّ يعدّ في الضعف آلة للمكره بالكسر، و يكون السبب أقوى من المباشر عرفا؟

وجهان بل قولان، ظاهر الأكثر و الأشهر- كالمتن و غيره- أنّ ضمان إضرار المكره بالفتح على المكره بالكسر لا الفتح، كما هو صريح الشهيدين (1) و غيرهما. و لكن الأظهر خصوصا فيما عاد منافع الإضرار إلى المضرّ المكره المباشر لا المكره، لأنّه الأقوى من السبب، كما استقربه (2) الجواهر في باب الغصب (3) ..

قوله: «و صرف الضرر عن نفسه إلى غيره مناف للامتنان، بل يشبه الترجيح بلا مرجّح».

أقول: يمكن أن يستفاد من كون الامتنان برفع كلّ من الإكراه و الحرج و الضرر بالنفس و الإضرار بالغير نوعيّا أو شخصيّا، التفصيل في البين و الترجيح بين الضررين بالميسور و المعسور، لأنّ الضرر المكره عليه إمّا أن يكون معسورا تحمّله عادة على المكره بالفتح دون غيره، أو بالعكس، أو يكون معسورا على كلّ منها، أو ميسورا على كلّ منهما.

فما كان معسورا تحمّله على أحدهما و ميسورا على الآخر، كما لو أجرم‌

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة و الروضة البهيّة 10: 28.

(2) جواهر الكلام 37: 57.

(3) في النسخة الخطّية هنا بياض بمقدار صفحة و نصف، و الظاهر أن الكلام لم يتمّ، لأن جملة «و لكن الأظهر ..» بقيت بعد بلا خبر، إلّا بتأويل بعيد جدّا.

278

الجائر المعسر بمال غير مقدور عليه مقدور على الآخر، جاز للمكره بالفتح رفع الضرر المعسور عن نفسه بإضرار الغير المقدور له، و لو بسرقة ذلك المال و بذله للجائر، و إن ضمن السارق غرامته عند الميسرة و القدرة، كجواز الغصب و السرقة عند المجاعة و المخمصة بقدر حفظ الرمق متضّمنا قيمته و غرامته.

و ما كان معسورا على كلّ منهما أو ميسورا على كلّ منهما لا يجوز رفعه عن نفسه بإضرار الغير مطلقا، سواء كان الضرر متوجّها بالأصالة إلى نفس المكره أو غيره، لعدم الترجيح بلا مرجّح، و أمّا الترجيح بأقلّ الضررين فإنّما هو فيما توجّه الضرران إلى شخص واحد لا إلى شخصين.

قوله: «إذ لا تعادل نفس المؤمن شي‌ء. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ قوله (عليه السلام): «لا تعادل نفس المؤمن شي‌ء» إنّما هو مورد وجوب ترجيح الراجح من قاعدة ارتكاب أحد القبيحين اللازم على المكلّف، كما في أكل مال الغير لرفع المخمصة و حفظ النفس المحترمة، لا فيما دار الأمر بين ارتكاب أقلّ القبيحين من شخص لرفع الأقبح من شخص آخر، فإنّه خارج عن مورد ارتكاب أقلّ القبيحين، و لو كان الأقلّ من أصغر حقوق اللّٰه و الأكثر من أعظم حقوق الناس و النفوس المحترمة.

أو إشارة إلى أنّ قوله: «حرمة مال المؤمن حرمة دمه» (1) إنّما يقتضي المساواة في الحرمة لا عموم التسوية حتّى في السقوط بالتقيّة، حتّى إنّ وجوب حفظ الأعراض و أموال الأيتام لا يزيد على وجوب حفظ الصوم و الصلاة الساقط بالإكراه و التقيّة، و لا يبلغ حدّ الدماء غير الجاري فيه حكم الإكراه و التقيّة.

قوله: «و أما الإضرار بالعرض بالزنا و نحوه ففيه تأمّل، و لا يبعد ترجيح

____________

(1) الوسائل 8: 598 ب «151» من أبواب أحكام العشرة ح 9.

279

النفس عليه».

[أقول:] و ذلك لأنّ الإضرار بالزنا في نفسه كالإضرار بإبطال الصوم و الصلاة حقّ اللّٰهي لا يضرّ بالنفس، بخلاف الإضرار بالنفس بضرب أو جناية، فإنّه ضرر عرفيّ مقدّم على مثل الزنا و نحوه، إلّا إذا فرض الزنا بالنسبة إلى بعض ذوي الشئون الآبية من النقص عارا و فضيحة، فإنّ ضرره مقدّم على الضرر بالنفس قطعا، بل حتّى على الموت، كما قال (عليه السلام): «الموت أولى من ركوب العار» (1). و هو الظاهر من الضرر العرضيّ أيضا، لا مجرّد الزنا.

قوله: «و احذر مكر خوزيّ الأهواز .. إلخ» (2).

[أقول:] الخوز بالمعجمتين و ضمّ أوله صقع معروف في العجم من أرض فارس، على ما في المجمع (3). و اسم لبلاد خوزستان. و خوزان بضم أوّله قرية في أصبهان، و في هرات، على ما القاموس (4). و يروى بالراء المهملة قرية في بلخ و قرية في أسترآباد، و قرية متّصلة بلار من أسنّة الألوار.

قوله: «و ليكن جوائزك و عطاياك و خلعك للقوّاد و الرسل و الأحفاد و أصحاب الرسائل و أصحاب الشرط و الأخماس .. إلخ».

[أقول:] القوّاد و القادة جمع القائد، و هو من يقود الجيش أو الخيل أو الدابّة أو الأعمى. فالقائد الآخذ بقياد الدابّة من أمامها، عكس السائق، و هو من يسوقها من ورائها.

و الأحفاد كالحفدة جمع حافد: الأعوان و الخدّام. و قيل: ولد الولد.

و أصحاب الشرط و الأخماس. الشرط جميع شرطة، كغرف و غرفة:

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (2) ص: 276.

(2) الوسائل 12: 150 ب «49» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(3) مجمع البحرين 4: 19.

(4) القاموس المحيط 2: 175.

280

أعوان السلطان و ولاته، و أول كتيبة تشهد الحرب و تتهيّأ للموت، مأخوذ من الشرط بفتحتين واحد الأشراط، و هي العلامات، لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها للأعداء. و الأخماس جمع الخميس: الجيش.

قوله (عليه السلام): «و ما وكدي».

[أقول:] أي: و ما حرصي و تأكيدي من الدنيا إلّا فراقها.

[المسألة الثامنة و العشرون الهجر بالضم و هو الفحش من القول حرام]

قوله: «حرّم اللّٰه الجنّة على كلّ فحّاش بذي‌ء» (1).

[أقول:] البذي‌ء على فعيل: السفيه و الناطق بالفحش، و البذاء الفحش.

و استشكل المجمع في الخبر (2).

[النوع الخامس مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله]

قوله: «لانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب و و الواجب التوصّلي».

[أقول:] أي: لأعميّة الدليل- و هو منافاة الأجرة للإخلاص المعتبر في الواجب- من المدّعى و هو تخصيص المنع بالواجب، من جهة شمول المنافاة المندوب الخارج من المدّعى أيضا، و أخصّيته منه من جهة عدم شموله الواجب التوصّلي، فلم يكن الدليل جامعا لأفراد المدّعى و لا مانعا لأغياره، و هو الطرد و العكس المعتبر في الحدود في اصطلاح المنطق.

قوله: «فالأجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرّب به إلى اللّٰه .. إلخ».

أقول: جعل الأجرة في مقابل النيابة- و هو تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه في العمل- إنما يفرض في بعض الأجراء في القضاء، و أمّا أغلب الأجراء، سيّما على مثل التلاوة و القراءة و التعزية و غسل الأموات و الصلاة عليها و الأذان الإعلامي و القضاء بين الناس و إقامة الجمعة و الجماعة لهم و تعليمهم معالم الدين و شعائر الإسلام، خصوصا على تقدير وجوبها العيني بالانحصار، فلم‌

____________

(1) الوسائل 11: 329 ب «72» من أبواب جهاد النفس ح 2.

(2) مجمع البحرين 1: 48.

281

يلاحظوا فيما استؤجروا عليه من هذه الواجبات قصد النيابة و التنزيل المذكور، و لم يجعلوا الأجرة في مقابل النيابة بهذا المعنى أصلا و رأسا، بل إمّا يعملون الواجبات المذكورة بقصد القربة لا غير مع الإغماض عن قصد النيابة و ما بإزاء الأجرة، كما في قارئ التعزية و غاسل الأموات و مقيم الجمعة و الجماعة، و إمّا يعملونها بقصد القربة على وجه الهديّة أو الصدقة بثوابها عن المنوب عنه، كالتلاوة و القراءة و صلاة الوحشة عن الميّت، أو لأجل إبراء ما في ذمّة المنوب عنه من القضاء، أو إسقاط ما في ذمّة الأجير أو المؤجر من الأداء، و إمّا لأجل استحقاق الأجرة و في إزاء الأجرة.

أمّا صحّة ما عدا الوجه الأخير فواضح. و أمّا الوجه الأخير فلا بدّ في تصحيحها إمّا من ضمّ الأجرة على وجه التبعيّة للإخلاص، لا العكس، و لا فرض كلّ منهما علّة تامّة و غاية مستقلّة للعمل، و إمّا من جعل الأجرة في مقابل إحداث داعي التقرّب و الإخلاص، و هو غير نفس التقرّب و الإخلاص المصحّح للعمل، بل هو من مقدّماته التوصّليّة القابلة لمقابلة الأجرة و عدم توقّفه على القربة، و فائدته عائدة أيضا إلى نفس المؤجر و المنوب عنه، فلا مانع من الأجرة.

فعلم ممّا ذكرنا أنّ تصحيح عبادة الأجراء لا ينحصر فيما ذكره المصنّف، من جعل الأجير نفسه نازلا منزلة المنوب عنه في العمل المتقرّب به إلى اللّٰه، بل قد يحصل بالإغماض عن الأجرة رأسا، أو اعتبارها مستقلّا، أو جعلها في مقابل إحداث داعي القربة لا نفس القربة المانعة الجمع مع الأجرة. و أنّ التصحيح بهذا الوجه لا يختصّ بعبادة الأجراء، بل يعمّ تصحيح الأجرة على جميع الواجبات التي هي محلّ الكلام، و هي ما يتصوّر فيه نفع راجع إلى المؤجر و المنوب عنه، و لو كان واجبا عينيّا تعيينا. و أمّا ما لا يرجع نفعه إلّا إلى عامله- كالصلاة و الصوم عن نفسه- فهو خارج عن محلّ الكلام، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، لعدم وصول‌

282

عوض الأجرة إلى باذلها، فهو أكل للمال بالباطل، لعدم حرمة عمله، و عدم توقّف استيفائه على طيب نفسه، بل بقهر عليه مع الامتناع و عدم طيب النفس.

قوله: «فرق بين الغرض الدنيوي .. إلخ».

[أقول:] الفارق أنّ المقصود المترتّب على فعل العبادة للّٰه- من أداء الدين، و سعة الرزق، و شفاء المريض، و سائر الحوائج الدنيويّة- من قبيل الفائدة و خواصّه القهريّة اللازمة له و لو لم تقصد، فليست بمانعة الجمع مع قصد التقرّب، بخلاف المترتّب على فعل المستأجر عليه و هو استحقاق الأجرة، فإنّه من قبيل الغاية الموقوفة على قصدها من فعل المستأجر عليه على وجه العلّية، فلا تجتمع مع قصد التقرّب بهذا الوجه.

قوله: «و ليس استحقاق الشارع للفعل و تملّكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي».

أقول: الفرق أنّ استحقاق الشارع الفعل بالذات، و استحقاق الآدمي بواسطة العوض المقابل له. و أنّ فائدة فعل العابد لا يعود إلى المعبود، بل إلى نفس العابد، بخلاف فائدة فعل الأجير، فإنّه يعود إلى المؤجر و المستأجر عنه، لا إلى نفس الأجير. و أنّ المطلوب الدنيوي و الأخروي في العبادة من المعبود الواحد، و في الإجارة، الأجرة من المؤجر و التقرّب من المعبود، فلا يجتمعان في محلّ واحد.

قوله: «لأنّ محلّ الكلام أخذ الأجرة على ما هو واجب على الأجير، لا على النيابة فيما هو واجب على المستأجر. فافهم».

[أقول:] إشارة إلى أنّه لا يقال: لا فرق بين الواجبين في منافاة أخذ الأجرة للإخلاص المعتبر في تحقّق الواجب في البين، سواء كان واجبا على الأجير أو المستأجر. لأنّا نقول: الفرق كون الأجرة في الواجب على المستأجر في مقابل النيابة، فيجتمع مع الإخلاص المعتبر في الواجب، و في الواجب على الأجير لا‌

283

مقابل الأجرة حتّى يجتمع مع الإخلاص المعتبر في الواجب. و لكن قد عرفت ما فيه نقضا و حلّا.

قوله: «فتسويغ أخذ الأجرة عليها لطف في التكليف بإقامة النظام».

أقول: الفرق بين جواز أخذ الأجرة على الصنائع الواجبة بهذا الوجه و بينه بالوجه الأوّل: أنّ جوازه بالوجه الأوّل بالدليل المخرج الشرعي من الإجماع و السيرة، و بهذا الوجه بالدليل العقلي، و هو اللطف في التكليف بإقامة النظام، و أنّه لولاه لاختلّ النظام و وقع أكثر الناس في المعصية، المنافي لقاعدة اللطف الواجب على الحكيم، من تقريب العبد إلى الطاعة و تبعيده عن المعصية في مصطلح المتكلّمين.

كما أنّ الفرق في جواز أخذ الأجرة عليها بالوجه السادس و السابع: أنّ وجوب الصنائع بالوجه السادس مشروط بالأجرة و متأخّر عنها، و قبلها لا وجوب لها حتّى يمنع من الأجرة، و بالوجه السابع وجوب مقدّميّ غيريّ لأجل التوصّل إلى وجوبها الكلّيّ الأصليّ، و هو إبقاء النظام و حفظ الأنام. و هذا الوجوب المقدّميّ، و هو مداواة الطبيب المريض و معالجته، و إن كان واجبا على الطبيب عينا أو كفاية، إلّا أنّ وجوبه لمّا لم يكن وجوبا بالذات و بالأصالة، بل كان مقدّمة للتوصّل إلى إبقاء النظام و حفظ الأنام، الحاصل ببذل الطبيب نفسه للعمل الأعمّ من التبرّع المجّاني و من أخذ الأجرة، جاز له أخذ الأجرة عليه.

فافترق الوجهان من حيث الصغرى و الكبرى. أمّا من حيث الصغرى فلأنّ وجوب الصنائع على الوجه السادس وجوب مشروط بالأجرة، و على السابع وجوب مقدّميّ. و أمّا من حيث الكبرى فلأنّ مقتضى الوجه السادس التفصيل في أخذ الأجرة بين الواجب المشروط وجوبه بالأجرة و غيره، و مقتضى الوجه السابع التفصيل بين الواجب الأصليّ الذاتي و المقدّميّ الغيريّ.

284

قوله: «من جهة عموم آية فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (1) فافهم».

[أقول:] إشارة إلى أنّه لا يقال: بمنع العموم و انصراف الأجور إلى أجرة العمل و هو نفس الإرضاع، لا عوض المبذول من اللبان و اللبن، حتّى يكون من قبيل بذل المال للمضطرّ في كون المرجوع عوض المبذول لا أجرة البذل. لأنّا نقول: لو سلّمنا ظهور الآية و انصرافها إلى جواز أخذ أجرة عمل الرضاع و كونه عملا محترما و لو وجب على الأم عينا، لكن يمكن فرضه من قبيل رجوع الوصيّ بأجرة المثل خارجا بالنصّ، إلّا أنّه بعيد عن ظاهر الآية و السيرة العمليّة، فإنّ ضمان الأفعال و احترام الأعمال- كإنقاذ الغريق و إطفاء الحريق و علاج المريض و لو وجبت عينا- لا يقصر عقلا و لا عرفا بل و لا شرعا عن ضمان الأموال المبذولة في مقابلها قطعا.

قوله: «لأنّ المفروض بعد الإجارة عدم تحقّق الإخلاص .. إلخ».

أقول: منافاة الجمع بين العمل للإخلاص و لاستحقاق الأجرة إنّما هو على تقدير قصد كلّ من الغايتين مستقلّا على وجه العلّية الغائيّة، أو قصد الأجرة مستقلّا و الإخلاص تبعا. و أمّا صورة العكس، و هو قصد الفعل للإخلاص و ضميمة الأجرة على وجه التبعيّة، فلا مانع من اجتماعه و صحّته و تحقّقه، كما لا مانع أيضا من صحّة الأجرة و استحقاقها لو أغمض عنها في مقام العمل للإخلاص بالمرّة، أو جعل الأجرة في مقابل إحداث داعي القربة في العمل لا في مقابل نفس العمل، أو في مقابل إهداء ثوابه إلى المستأجر بعد العمل، كما تقدّم في الواجب.

قوله: «و الإجارة يتعلّق به» أي: بالفعل.

____________

(1) الطلاق: 6.

285

[أقول:] «بالاعتبار الأوّل». أي: باعتبار كونه فعلا للمنوب بعد نيابة النائب عنه.

قوله: «لكن ليس كذلك».

[أقول:] إذ من المعلوم و المفهوم من عموم تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ (1)، و استحباب اتّخاذ الديك للإعلام و الاستعلام بأذانه، تأتّي استحباب الإعلام و لو بالأذان غير المقرّب.

قوله: «و أمّا الرواية فضعيفة».

[أقول:] يعني دلالة، فإنّ المنع من اتّخاذ الأجر أعمّ من فساد الإجارة.

و أمّا سندا فالأولى مشهورة منقولة في فقيه الصدوق (2). و الثانية (3) حسنة بل معتبرة.

قوله: «لو احتاج إلى بذل مال فالظاهر عدم وجوبه».

أقول: بل الأظهر وجوبه، و عدم الفرق في وجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به بين بذل المال و قطع المسافة.

[خاتمة تشتمل على مسائل]

[الأولى بيع المصحف]

قوله: «و إيّاك أن تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب» (4).

[أقول:] أي: و إيّاك أن تشتري الورق مع كتابة القرآن على وجه الوصفيّة أو الجزئيّة.

قوله: «أو يقال: إنّ الخطّ لا يدخل في الملك شرعا و إن دخل فيه عرفا.

فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ عدم تملّك الخطّ بالثمن يستلزم عدم تملّكه بالأجرة‌

____________

(1) المائدة: 2.

(2) من لا يحضره الفقيه 3: 109 ح 461.

(3) الوسائل 11: 518 ب «41» من أبواب الأمر و النهي ح 6.

(4) الوسائل 12: 116 ب «31» من أبواب ما يكتسب به ح 11.

286

أيضا، فيلزم حمل ما روي من جواز تملّكه بالأجرة (1) على جواز تملّكه بالهديّة، أو جعل الأجرة في مقابل مقدّمات الكتابة لا نفس الكتابة.

و لكن يمكن منع الملازمة نقضا، بصحّة الاستئجار و الأجرة على بناء حائط المسجد دون بيع الحائط المبنيّ بعد البناء. فتأمّل.

[الثانية جوائز السلطان و عماله]

قوله: «و كذا إذا كانت محصورة بين ما لا يبتلي المكلّف».

[أقول:] و هذا التفصيل مبنيّ على ما تفرّد به المصنّف في فرائده (2). و لا يخلو من نظر بل منع قرّرناه في محلّه.

قوله: «فلا وجه لوجود الكراهة الناشئة عن حسن الاحتياط مع اليد، و ارتفاعها مع الإخبار. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّه و إن أمكن التفكيك في الاعتبار بين اليد و الإخبار، إلّا أنّ خبر الفاسق باليد أضعف اعتبارا من يد الفاسق بالقول، فإذا سقطت يد الظالم عن الاعتبار مع قوّة اعتبارها بأصالة الصحّة بواسطة اتّهامها أو غلبة فسادها، سقط خبره عن الاعتبار أيضا بتلك الواسطة بطريق أولى.

أو إشارة إلى أنّ مالا يدخل في الملك شرعا لا يدخل فيه عرفا. نعم، يدخل فيه تبعا، كالأراضي المفتوحة عنوة، و حقّ الاختصاص من الموقوفات العامّة كالمساجد و المدارس، حيث لا تملك إلّا تبعا للآثار.

قوله: «المال المحتمل الحرمة غير قابل للتطهير».

[أقول:] فيه: أنّه ممنوع أوّلا: بعموم نصوص (3) مطهّريّة التخميس للمال الحرام المحتمل بقاؤه بعد التخميس، و عدم اختصاص تطهيره بالحلال المخلوط.

و ثانيا: بعموم أدلّة الولاية الكلّية الإلهيّة و السلطنة العامّة الأوّليّة الأولويّة،

____________

(1) الوسائل 12: 115 ب «31» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(2) فرائد الأصول: 250.

(3) الوسائل 6: 352 ب «10» من أبواب ما يجب فيه الخمس.

287

التي هي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (1)، و أولى من البحر في عموم المطهّرية و القابليّة لتطهير كلّ ما ينفعل بالانفعال منه بعد عوده إليه و الاتّصال به.

فإن قلت: لو كان الحرام الواقعي قابلا للتطهير فلم ردّ الحجّة الأموال المخلوطة بالحرام المهديّة إليه من قم؟ بقوله (عليه السلام): «كيف تمسّ اليد الطاهرة الأموال النجسة؟!» (2).

قلت: عدم قبولها ليس لعدم قابليّتها التطهير، بل لحكمة تنزيه يده التي هي يد اللّٰه تعالى عن شوائب النقص و الحاجة، و التحفّظ على ظواهر الأحكام و الحلال و الحرام، و معرفة الإمام (عليه السلام) و رفع الاتّهام.

قوله: «و على أيّ تقدير فهو على طرف النقيض ممّا تقدّم عن المسالك».

[أقول:] أمّا على تقدير كون القاعدة في الشبهة المحصورة عدم وجوب الاحتياط، فلتصريح المسالك (3) بأنّ حكم المال المختلط بالحرام وجوب اجتناب الجميع. و أمّا على خروج مورد الشبهة المحصورة من جوائز الظلمة عن عنوان الأصحاب، و اختصاص عنوانهم بالشبهة غير المحصورة، فلتفسيره عنوان الأصحاب بمطلق الشبهة بقوله «التقييد بالعين إشارة إلى جواز أخذها و إن علم أن في ماله مظالم .. إلخ» (4).

قوله: «فالرواية إمّا من أدلّة حلّ مال السلطان المحمول بحكم الغلبة إلى الخراج و المقاسمة، و إمّا من أدلّة حلّ المال المأخوذ من المسلم .. إلخ».

أقول: أمّا احتمال مال الخراج في مال الضيافة و الدراهم و الكسوة المرفوعة إلى السائل فبعيد عن مورد الرواية (5). و أمّا احتمال حلّية المأخوذ من‌

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) كمال الدين 2: 458، دلائل الإمامة: 510.

(3) مسالك الأفهام 3: 141.

(4) مسالك الأفهام 3: 141.

(5) الوسائل 12: 156 ب «51» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

288

يد العامل من باب حمل فعل المسلم على الصحّة، و أنّه ممّا اقترضه أو اشتراه في الذمّة، فهو و إن كان أقرب من الاحتمال الأوّل بالنسبة إلى مورد الرواية، إلّا أنّه ينافيه التعليل بقوله: «لك المهنّأ و عليه الوزر»، إذ لا وزر في إنفاق الحلال.

نعم، في الرواية احتمال ثالث، و هو كون المال المدفوع إلى السائل مجهول المالك حراما على دافعه حلالا على مستحقّه، من باب أنّه مال الإمام فأباحة على السائل، أو من باب أنّ مصرفه الصدقة و السائل مستحقّ له. و هو أقرب ما يحتمل في مورد الرواية، و تعليلها بأنّ «لك المهنّأ و عليه الوزر». و لكن احتماله أيضا مسقط للاستدلال به على إباحة مطلق جوائز الظالم، و لو اشتبهت بالحرام من باب الشبهة المحصورة بالنسبة إلى مطلق الناس، و لو لم يستحقّ الصدقة المجهولة المالك و لم يأذن له الإمام، كما هو محلّ الكلام.

قوله: «ثمّ لو فرض نصّ مطلق في حلّ هذه الشبهة، مع قطع النظر عن التصرّف و عدم الابتلاء بكلا المشتبهين، لم ينهض للحكومة على قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة، كما لا ينهض ما تقدّم».

أقول: أمّا عدم نهوض ما تقدّم من قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء حلال» (1) فلأنّه معارض صرف على وجه المناقضة و طرف النقيض من قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة، فلا يقدّم عليها.

و أمّا عدم نهوض النصّ المطلق في حلّ خصوص جوائز الظالم فممنوع، لأنّه فرد خاصّ يمكن خروجه عن عموم قاعدة الاحتياط في كلّي الشبهة المحصورة بالنصّ المخرج، كما نصّ به المسالك فيما تقدّم (2).

نعم، لو فرض النصّ المطلق مطلقا بالنسبة إلى أفراد الشبهة المحصورة‌

____________

(1) الوسائل 12: 60 ب «4» من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(2) في ص: 287.

289

لا خصوص أفراد الجوائز، لم ينهض للحكومة على قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة، كما لا ينهض ما تقدّم لما تقدّم.

قوله: «هذه الخدشة غير مسموعة عند الأصحاب، فإنّهم لا يعتبرون في الحمل على الصحيح احتمال تورّع المتصرّف عن التصرّف الحرام .. إلخ».

أقول: في إطلاقه منع، فإنّ ما لا يعتبر في مجراه غلبة الصحّة هو الصحّة عند الفاعل، كما هو مورد عموم نصوص: «احمل فعل أخيك على أحسنه .. إلخ» (1).

و أمّا الصحّة عند الحامل فممّن أنكرها القمّي (2) في الصحيح و الأعمّ، و من اعتبرها فإنّما يعتبرها من باب غلبة الصحّة في أفعال المسلم. فإذا اتّفقت الغلبة أو عورضت بغلبة الفساد و عدم المبالاة في أفعاله لم يحمل على الصحّة الحامليّة، و إن حملت على الصحّة عند الفاعل تعبّدا.

قوله: «فلا يحمل على الصحيح الواقعيّ. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ فساد تصرّف الظالم المجيز في كلّ من أطراف الشبهة المحصورة التي تحت يده في ظاهر الشرع، إذا منع من حمله على الصحيح الواقعي و مصادفة الواقع قهرا، كذلك يمنع المجاز من الحمل عليه.

قوله: «و لا يخفى عدم تماميّتها».

[أقول:] و ذلك لأنّ عدم القدرة على ردّ العين المغصوبة لا يسقط ضمان المثل أو القيمة، و عدم المعرفة بصاحبها لا يسقط ضمان التخميس أو التصدّق عن صاحبها.

قوله: «بقرينة الاستهلاك. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أن كلّا من الظلمة و أموالهم المحرّمة محصورة لا غير‌

____________

(1) الوسائل 8: 614 ب «161» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

(2) قوانين الأصول 1: 51.

290

محصورة.

قوله: «نعم يسقط بإعلام صاحبه به».

أقول: و إن كانت النسخ الموجودة عندي هكذا إلّا أنّ الظاهر كونها غلطا، و الصحيح: يسقط بإسقاط صاحبه. كما أنّ قوله: «أو مع الوضع (1) تنزيلا له منزلة اللقطة» أيضا كذلك غلط ينبغي تصحيحه بتبديل «أو مع الوصف» فإنّ الأقوال في قبول دعوى اللقطة هي قبول قوله مطلقا، أو مع الوصف مطلقا، كما في إطلاق بعض النصوص (2)، أو مع الأوصاف الخفيّة الموجبة لظنّ صدقه، كما عن بعض، أولا يصدّق إلّا مع البيّنة العادلة، كما عن بعض.

قوله: «و يشكل بظهور النصّ في تعيين التصدّق .. إلخ».

أقول: و يرفع الإشكال بأظهريّة حكومة أدلّة أولويّة ولاية الإمام (عليه السلام) على أنفسهم و أموالهم (3) في تعيين الرجوع إلى الحاكم، و عدم التخيير بينه و بين الصدقة، و عدم الولاية لكلّ منهما، فضلا عن تعيين التصدّق، ضرورة أنّ عموم ولاية الإمام (عليه السلام) في عرض ولاية اللّٰه لا يوازيه و لا يشاركه ولاية أحد من الأولياء، حتّى الملائكة و روح القدس، و حتّى الرسل المصطفين من الملائك الأربع، محكومين بحكمه و مؤتمرين بأمره، عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ لٰا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (4). فإذا كانت ولاية سائر الأولياء بأسرها في طول ولايته لا في عرضها، فكيف يقدّم عليها ولاية القابض مجهول المالك مع الشكّ في أصل ولايته الطوليّة أيضا المنفيّة بالأصل، فضلا عن العرضيّة المنفيّة بضرورة الدين؟!

____________

(1) في المكاسب: الوصف.

(2) الوسائل 17: 356 ب «6» من أبواب اللقطة ح 1.

(3) الوسائل 6: 334 ب «51» من أبواب الصدقة ح 1.

(4) الأنبياء: 26- 27.

291

و حينئذ فيتعيّن حمل نصوص الأمر له بالتصدّق (1) على الإذن لخصوص المأذون له، دون الإذن العامّ لغيره بالتصرّف، أو بيان المصرف لا إثبات ولاية المتصرّف، كما يشهد عليه صريح خبر داود المتقدّمة عن الصادق (عليه السلام): «و اللّٰه ما له صاحب غيري، فاذهب و قسّمه بين إخوانك» (2)، و يشهد عليه صريح سائر النصوص (3) المتواترة في تعميم مال الإمام لجميع ما في الأرض و ما فيها و ما عليها و ما سقت و ما أسقت، و عدم انحصاره في الأنفال و الخمس، و أسرار حكمة مطهّريّة الخمس للمال المختلط بالحرام و للجوائز المشبهة بالحرام.

و يتفرّع على ذلك الخلاف في كون القابض المجهول المالك هل له ولاية التصدّق به، أو يتعيّن الرجوع فيه إلى الحاكم؟ و في أنّ مصرفه مصرف الخمس أو الزكاة؟ و في ضمان المتصدّق و عدمه لو ظهر المالك و لم يجز التصدّق؟

قوله: «مع أنّ كونها من المالك غير معلوم، فلعلّها ممّن تجب عليه».

أقول: بل الأصحّ كونها من المالك الحقيقي و هو الإمام كما عرفت، إلّا أنّه خلاف استصحاب بقائه على ملك مالكه المجازي، و ضمان المتصدّق باللقطة و وديعة اللصّ.

قوله: «إلّا أن يقال: إنّه ضامن بمجرّد التصدّق، و يرتفع بإجازته. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ لازمة الذي تضمين المتصدّق فيما لم يظهر المجيز، أو تضمين الفقير مع بقاء العين، بل و تضمين نمائه المتجدّد قبل الإجارة مطلقا و لو‌

____________

(1) الوسائل 12: 144 ب «47» من أبواب ما يكتسب به ح 1، و ص 484 ب «16» من أبواب الصرف ح 1 و 2، و ج 13: 303 ب «6» من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات ح 1، و ج 17: 585 ب «6» من أبواب ميراث الخنثى ح 11، و ص 357 ب «7» من أبواب اللقطة ح 2.

(2) الوسائل 17: 357 ب «7» من أبواب اللقطة ح 1.

(3) الكافي 1: 407 باب «انّ الأرض كلّها للإمام (عليه السلام)».

292

أجاز، ممّا لم يلتزم به أحد، و لم يف به دليل ضمان اللقطة الذي هو الأصل لما نحن فيه، سيّما على ما عرفت من كون مجهول المالك من في‌ء الإمام (عليه السلام) الخاصّ به، لا ملك صاحبه.

قوله: «لكن يستفاد منه أنّ الصدقة بهذا الوجه حكم اليأس عن المالك».

[أقول:] أي: لا يحكم اللقطة في لزوم التعريف إلى سنة.

قوله: «و باعتبار نفس المال إلى المحرّم و المكروه و الواجب».

أقول: بل و المباح و الحلال المعيّن بحيازة أو تجارة أو وراثة لا مانع منه.

قوله: «بل يجوز ذلك لآحاد الناس، خصوصا نفس المستحقّين .. إلخ».

أقول: أمّا وجوبه على الحاكم فمن باب عموم الولاية الشرعيّة. و أمّا جوازه على المستحقّين فمن باب التقاصّ و استنقاذ حقوقهم. أو أمّا على غيرهم فمن باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فتأمّل. فإنّ المقاصّة لغير الحاكم إنّما يجوز في الحقوق الشخصيّة لا النوعيّة، بل في التوصّليّة المحضة من حقوق الناس، لا العبادات، على أنّ فتح باب المقاصّة للعوام بدون إذن الحاكم- كما تداوله السواد في بعض البلاد- مثار للفساد و العناد، و رفع الوداد بين العباد، و نقض غرض الشارع في الأحكام، و هتك الإسلام بإيثار الفتنة و الاتّهام.

قوله: «فالتمسّك بالسيرة المذكورة أوهن من دعوى الانصراف السابقة».

أقول: بل لا تقصر هذه السيرة عن سيرة الجبابرة و الملوك خلفا عن سلف على سفك الدماء، و قتل الأنبياء، و استيصال الأوصياء، و استحلال الظلم و الجور و أموال المسلمين، و وضع الجزية على رقاب المسلمين و أموالهم، باسم الخراج و الجمرك و التذكرة و حقّ المرور و حقّ السلطان، و ترك الجهاد و الجمعة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و مداهنة الظلمة و الكفّار، و موالاتهم و مسايرتهم و مشابهتهم في المأكل و المشرب و الألبسة و الصورة و السيرة، إلى غير ذلك من‌

293

المحرّمات الضروريّة المخالفة لمحكمات الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل.

كما لا تقصر دعوى انصراف الدّين عن تركة الظالم عن دعوى انصراف قبح الظلم و حرمته- فيما يقرب من خمسمائة آية محكمة و رواية متواترة- إلى خصوص ظلم العترة الطاهرة من المخالفين في الدين، دون ظلم غيرهم، مع أنّ قبح الظلم و حرمته من مستقلّات العقل الآبية عن التخصيص، و شأن نزول الآيات إنّما كان قبل حدوث الظلم على العترة، فكيف تنصرف إليه مع أنّ أكثرها عمومات؟! و ما هو إلّا شبهة في مقابل ضرورة الدين، و زخرف من زخارف وحي الشياطين.

[الثالثة ما يأخذه السلطان المستحل لأخذ الخراج و المقاسمة من الأراضي باسمها]

قوله: «و يمكن أن يكون مستنده أنّ ذلك حقّ للأئمّة .. إلخ».

أقول: بل المتيقّن المعيّن بالسبر و التقسيم كون المستند ذلك لا غير، لأنّه لو لم يكن حقّا لهم لكان حقّا لمالكه أو لمستحقّه، و على كلّ من التقديرين لا يستحلّ لثالث، خصوصا بعد فرض حرمته على الجائر المستحلّ أخذه بالتراضي، فضلا عن غيره.

قوله: «و الأولى أن يقال: إذا انضمّ إليه إذن متولّي الملك».

أقول: هذه الأولويّة ممنوعة، بل ممتنعة عقلا و نقلا، كتابا (1) و سنّة (2). أمّا عقلا فلأنّ ولاية الإمام و سلطنته ليست كسلطنة الناس على أموالهم حتّى يوجب نقلها إلى الغير نقصا في الناقل، بل هي رئاسة إلهيّة كلّية عامّة تامّة كسائر شئون المبدأ الفيّاض، من الوجود و العلم و القدرة و الحياة التي أفيضت إلى الممكنات، من غير أن ينقص المبدأ الفيّاض بالإفاضة، بل يمتنع النقص في شأنه بالإفاضة و العليّة و إن لم تنته الإفاضات و المعلولات تعالى شأنه، و ليست كسلطنة الناس‌

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) بصائر الدرجات: 200 ح 2، البحار 39: 343 ح 15.

294

في قابليّة النقل و الانتقال مع العزل و الانعزال و النقص و الانفعال، كما لا يخفى على العارف بأصول المعارف.

قوله: «إذ ليس بحلال ما أخذه الجائر. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ حرمة المأخوذ على الجائر و عدم حلّيته عليه لا يستلزم حرمته و عدم حلّيته على الآخذ منه بشراء و غيره، بعد ترخيص من هو المالك الحقيقيّ له و أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أموالهم.

قوله: «الخبر» (1).

[أقول:] بضمّ الخاء المعجمة و سكون الباء الموحّدة- كالخبرة-: النصف.

و المخابرة المزارعة على نصيب معيّن من الثلث و الربع. و أصله من خيبر، خابرهم- أي: عاملهم- في خيبر، أو من خبار الأرض.

قوله: «في الحديث ثمّ أؤاجرها من أكرتي .. كذلك أعامل أكرتي» (2).

[أقول:] الأكرة بالضمّ الحفرة، و أكرت النهر: شققته. و بالتحريك جمع أكرة بالفتح، بمعنى الزارع و الزرّاع لصاحب الأرض بنصف الحاصل، على ما في القاموس (3)، و هو المراد به في الحديث.

قوله: «و لعلّه من الأملاك المغصوبة من الإمام».

أقول: و ممّا يعيّن ذلك- مضافا إلى أنّ مجرّد الاحتمال مبطل للاستدلال- أن اشتراء الغير لا يسوّغ حلّية شراء السائل بقوله (عليه السلام): «قل له: يشتره، فإن لم يشتره اشتراه غيره» (4)، إلّا إذا فرض أنّ التعليل به ليس تعليلا كلّية لحلّية الشراء، بل علّة لتحليل الإمام (عليه السلام) على بعض مواليه، لمّا رأى غيره يشتريه رضي منه بأقلّ‌

____________

(1) الوسائل 13: 214 ب «18» من أبواب أحكام المزارعة ح 3.

(2) الوسائل 13: 208 ب «15» من أبواب أحكام المزارعة ح 3.

(3) القاموس المحيط 4: 382.

(4) الوسائل 12: 162 ب «53» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

295

الضررين إذا استلزم تركه أعظم ما في البين، فإنّ المغصوب منه إذا رأى دوران الأمر بين صرف الغاصب المغصوب على عدوّه أو وليّه رضي بصرفه على وليّه.

[و ينبغي التنبيه على أمور]

قوله: «لكن الوجه في تخصيص العلماء العنوان به جعله كالمستثنى من جوائز السلطان، التي حكموا بوجوب ردّها على مالكها إذا علمت حراما بعينها. فافهم».

[أقول:] إشارة إلى تقوية توجيه تخصيص العلماء العنوان به، بأنّه لأجل اتّباع تخصيص أسأله النصوص بخصوص المأخوذ، و بأنّ إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه، سيّما بضميمة ترك الاستفصال في أجوبة السؤال. لكن مقتضى مفهوم الشرط في جواب صحيحة الحذّاء بقوله: «إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس» (1) تخصيص نفي البأس بالمأخوذ بعد الأخذ و القبض، و ثبوت البأس في غيره. كما يشهد عليه النهي عن بيع ما لم يقبض، خصوصا ما يستلزم الإعانة المحرّمة على قبول التولّي من قبل الجائر، و لو في خصوص أخذه الخراج المحرّم عليه أو الأخذ بأمره.

فمقتضى قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح التفصيل في المسألة، بحمل النصوص (2) المسوّغة لشراء ما لم يؤخذ على ما لا يستلزم الإعانة للجائر على الأخذ المحرّم، و حمل النصوص المانعة منه على ما يستلزم الإعانة (3)، كما يشهد عليه قوله (عليه السلام): «لو لا أن بني أميّة وجدوا من يجبي لهم الصدقات و يشهد جماعتهم ما سلبوا حقّنا» (4)، و فحوى قوله (عليه السلام) في مقبولة ابن حنظلة: «ما يحكم له الجائر فإنّما يأخذه سحتا، و إن كان حقّا ثابتا، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و إنّما‌

____________

(1) الوسائل 12: 161 ب «52» من أبواب ما يكتسب به ح 5.

(2) الوسائل 12: 161 ب «52» من أبواب ما يكتسب به.

(3) الوسائل 12: 144 ب «47» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(4) الوسائل 12: 144 ب «47» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

296

أمروا أن يكفروا به» (1).

قوله: «و قد ضعّف في محلّه بمنع هذا الحكم، و مخالفته لاتّفاق الأصحاب».

أقول: منع الحكم و مخالفته الاتّفاق ممنوع بعد استظهاره الحدائق (2)، و ظهوره من جميع نقلة الأخبار الصريحة الأخر بغير نكير، فإنّه ظاهر في القبول و التسليم لها، و لا معارض لها نصّا و لا فتوى سوى ما يوهمه من سيرة عليّ (عليه السلام) في أهل البصرة حتّى أمر بردّ أموالهم، حتّى القدر كفاها صاحبها لمّا عرفها (3).

و لكن يدفع هذا الوهم تصريح النصوص (4) و الفتاوى بأنّ ردّها كان على طريق المنّ لا الاستحقاق، كما منّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) على المشركين في فتح مكّة (5).

قوله: «و أمّا الأمر بإخراج الخمس في هذه الرواية (6) فلعلّه من جهة اختلاط مال المقاسمة بغيره».

أقول: بل الأظهر أنّه من جهة اتّفاق النصوص (7) و الفتوى على أنّ الخراج من جملة الغنائم و وجوه المال الخاصّ خمسها بالإمام.

قوله: «ما ذكره من جواز الوقف لا يناسب ذكره في جملة التصرّفات فيما يأخذه الجائر».

أقول: و ذلك لأنّ الوقف متعلّق بالأعيان، و تصرّف الجائر فيما يأخذه متعلّق بمنافع الأرض. و فيه: أنّه قد يتعلّق بإبل الصدقات.

____________

(1) الوسائل 18: 98 ب «11» من أبواب صفات القاضي ح 1.

(2) الحدائق الناضرة 18: 270.

(3) السنن الكبرى 8: 182- 183، تلخيص الحبير 4: 47.

(4) الوسائل 11: 56 ب «25» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه.

(5) الوسائل 11: 58 ب «25» من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه ح 6.

(6) الوسائل 12: 161 ب «52» من أبواب ما يكتسب به ح 2.

(7) الوسائل 6: 364 ب «1» من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام.

297

قوله: «و إن أراد وقف الأرض المأخوذة منه إذا نقلها إليه لبعض مصالح المسلمين، فلا يخلو عن إشكال».

[أقول:] وجه الإشكال: أنّ الأراضي المفتوحة لا تملك بالأصالة، سيّما بتمليك الجائر، و لا وقف إلّا في ملك، غاية الأمر إباحة الإمام على مواليه تقبيلها أو أخذها من الجائر لأجل الانتفاع بزرعها و محصولها.

و يدفعه إجازة المالك الحقيقي أنواع الوقف في الأراضي الخراجيّة، من المساجد و القناطر و الرباط و المقابر و القناطر و العيون و الآبار و الأنهار و الأشجار.

قوله: «ما دلّت عليه النصوص و الفتاوى كفاية إذن الجائر في حلّ الخراج، و كون تصرّفه بالإعطاء و المعاوضة و الإسقاط و غير ذلك نافذا».

[أقول:] و فيه: ما عرفت من أنّ ذلك مقتضى الجمود على صرف ظواهر بعض فتاوى مثل الشهيدين (1) و الكركي (2) لا غير، و أمّا نصوص الباب (3) المقرونة بالكتاب عند أولي الألباب، سيّما تعليله حلّ الخراج بقوله: «لك المهنّأ و عليه الوزر» (4)، و صحيحة زرارة المتقدّمة قال (عليه السلام): «هو له، قلت: إنه أدّاها، فعضّ على إصبعه» (5) في (6) عدم كفاية إذن الجائر في حلّ الخراج لو لا إذن الامام، و أن تصرّف الجائر بالإعطاء و المعاوضة و الإسقاط و غير ذلك وزر حرام و غصب و ظلم.

مضافا إلى أن من المعلوم بضرورة الدين أنّ الأراضي الخراجيّة حقّ‌

____________

(1) الدروس الشرعية 3: 169، مسالك الأفهام 3: 143.

(2) قاطعة اللجاج «رسائل المحقق الكركي» 1: 285.

(3) الوسائل 12: 161 ب «52» من أبواب ما يكتسب به.

(4) الوسائل 12: 156 ب «51» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(5) في هامش (6) ص: 296.

(6) جملة: «في عدم كفاية ..» في قوّة جواب «و أمّا نصوص ..» قبل سطرين، أي: فهي دالّة على عدم ..

298

ملكيّتها أو توليتها خاصّ مختصّ من حقوق الإمام (عليه السلام) المغصوبة للظلّام، فكيف ينفذ الملك العلّام إذنهم و تصرّفاتهم الغصبيّة المنافية للعدل و العدالة و المصلحة و الحكمة، و قاعدة اللطف الواجب على الحكيم من تقريب العباد إلى الطاعة و تبعيدهم عن المعصية؟ و هل هو إلّا تهافت و تناقض مناف لشواهد الحال و المقال من أحكام ذي الجلال و الملك المتعال؟! تعالى اللّٰه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا. كيف و قد قال: «ليس لعرق ظالم حقّ» (1).

و في موثّقة سماعة: «سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل أصاب مالا من عمّال بني أميّة، و هو يتصدّق منه و يصل قرابته و يحجّ ليغفر اللّٰه ما اكتسب، و يقول: إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ، فقال (عليه السلام): إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، و إن الحسنة تحطّ الخطيئة» (2). و هو صريح في أنّ تصرّفات الجائر في الأموال الخراجيّة حتّى صدقاتهم غير صحيحة، بل هي خطيئة فوق خطيئة، مع ظهور كون العامل المتصدّق من مواليهم المقرّ بكون الاكتساب من الجائر سيّئة، فكيف بغيره المستحلّ له؟! و فحوى قوله (عليه السلام): «و لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و حجّ دهره و تصدّق بجميع ماله، و لم يعرف ولاية وليّ اللّٰه فيكون أعماله بدلالته فيواليه، ما كان له على اللّٰه ثواب» (3). فمن لم يقبل عباداته سيّما التصدّق بجميع ما له المملوك له بغير توسّط دلالة وليّ اللّٰه و إذنه (عليه السلام)، كيف يصحّ و ينفذ تصرّفاته الظلميّة العدوانيّة في أموال المسلمين و أنفسهم، المفضية إلى التجرّي و الاستحلال و الكفر و الضلال و انتهاك حرمة ذي الجلال بسوء الفعال و الأعمال؟! و فحوى قوله (عليه السلام) في باب ما أوله الزاء في المجمع: «لو أنّ غير وليّ‌

____________

(1) عوالي اللئالي 2: 257 ح 6.

(2) الوسائل 8: 104 ب «52» من أبواب وجوب الحج ح 9.

(3) الكافي 2: 19 ح 5.

299

عليّ (عليه السلام) أتى الفرات و قد أشرف ماؤه على جنبيه و يزخّ زخّا، فتناول بكفّه و قال:

بسم اللّٰه، فلمّا فرغ قال: الحمد للّٰه، كان دما مسفوحا أو لحم خنزير» (1). فإذا حرم على غير موالي عليّ (عليه السلام) شربة ماء البحر المباح كحرمة الخنزير و الدم المسفوح، فكيف ينفذ تصرّفاته العدوانيّة فيما لا يستحقّه من أموال المسلمين؟! نعم، إنّما أحلّها الإمام (عليه السلام) بالإذن الخاصّ أو العامّ لبعض شيعته من باب الإذن و الرضا بأقلّ الضررين، لمّا استلزم تركه أعظم ما في البين، من صرفه بعد الغصب على أعدائه و قتل أوليائه، و على شرب الخمور و التجاهر بالفجور، و تشييد أركان ظلمهم و سلطان جورهم.

فتبيّن من ذلك عدم جواز الاكتفاء بإذن الظالم الغاصب، و لا جواز دفع الخراج إليه اختيارا، بل يجب مهما أمكن دفعه إلى وليّ الأمر أو نائبه، و لو بخفية أو سرقة أو غيلة، كما عرفت تصريح نصوص الإمام و فتاوى جملة من الأعلام.

قوله: «المستفاد من الأخبار الإذن العامّ من الأئمّة .. إلخ».

أقول: الأخبار المتقدّمة في حلّ الجوائز و شراء الخراج ليس فيها إلّا الإذن الخاصّ لشخص خاصّ من مواليه، فلا يتعدّى إلى غيرهم، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن. إلّا أن يستفاد عموم الإذن من عموم المستفيضة: «ما كان لنا فهو لشيعتنا» (2)، و إن خصّصت في النصوص الأخر بالأطيبين من شيعتنا (3)، و بالمناكح و المتاجر و المساكن، كما لا يخفى.

قوله: «الحكم مع حضور الإمام مراجعته أو مراجعة الجائر مع التمكّن- إلى قوله- إذ ولاية الجائر إنّما يثبت على من دخل في قسم رعيّته حتّى يكون في سلطانه».

____________

(1) مجمع البحرين 2: 432.

(2) الوسائل 6: 384 ب «4» من أبواب الأنفال ح 17.

(3) الوسائل 6: 378 ب «4» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام.

300

أقول: فيه ما عرفت من أنّه أمّا على مذهب العامّة فالمرجعيّة و الولاية خاصّة بالجائر لا غير، كما أنّه على مذهب الخاصّة العدليّة بالعكس خاصّة بالإمام (عليه السلام) لا غير، فإثبات المرجعيّة و الولاية لكلّ منهما جمع بين الضدّين، و شرك في البين، و خروج عن الفرقين، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمىٰ وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمٰاتُ وَ النُّورُ (1)، أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً ..» (2)

الآية.

قوله: «و هذا الدليل و إن كان فيه ما لا يخفى من الخلل».

[أقول:] و ذلك لأنّ غصب غير مستحقّ مال لا يسوّغ شراءه لغير مستحقّ آخر الذي هو المدّعى، لو لا إذن صاحبه الحقيقي في شرائه.

قوله: «لأنّ الشبهة الخاصّة إن كانت عن سبب صحيح .. إلخ».

[أقول:] فيه أوّلا: أنّ الشبهة الخاصّة إن أوجبت الحلّية للجائر أوجبتها الشبهة العامّة أيضا.

و ثانيا: فرض الصحّة في شبهة استحلال ما يستقلّ العقل بقبحه من الظلم فرض محال لا يوجب المعذوريّة فضلا عن الحلّية، إلّا على ما توهّم في الأصول من حجّية قطع القطّاع بالنسبة إلى نفسه، المدفوع بأنّ غايته المعذوريّة لا الحجّية، في خصوص القاصر لا المقصّر أيضا.

قوله: «و قد تمسّك في ذلك بعض بنفي السبيل للكافر على المؤمن.

فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ المنفيّ بجعل اللّٰه إنّما هو سبيل الحقّ و الحجّة البالغة، و أمّا سبيل الباطل و الحجّة الداحضة بسوء الاختيار فلم ينف عن الكفّار.

____________

(1) الرعد: 16.

(2) السجدة: 18.

301

أو إشارة إلى أنّ شبهة الاستحقاق في الكافر أشدّ منها في سلطان المخالف، و فيه أشدّ منها في سلطان الموافق، فلو كانت شبهة الاستحقاق توجب ولاية الاستحقاق و إمضاء ولاية المشتبه لأوجبته في الكافر بالأولويّة، لأقوائيّة الشبهة فيه، كيف و من المعلوم أنّ شبهة استحقاق الظلم و استحلال أموال المسلمين مخالف لضرورة الدين، و مزيد للعلّة، و مخالف للعقول المستقلّة، و ضرورة الإسلام و الملّة، فكيف يوجب إمضاء الشبهة و الزلّة، و يكون فارقا بين مستحلّ الخراج و غيره في حلّيته أخذه ممّن استحلّه دون من لم يستحله؟! فعلم أنّ شبهة الاستحلال غير محلّل و لا فارق، و إنّما الفارق المحلّل ليس إلّا إذن من له الإذن و الولاية الحقّة. و على تقدير حصولها عموما أو خصوصا فلا فرق في حلّ أخذه من ظالمي العامّة أو الخاصّة أو الكفرة، كما يشهد به عموم تعليل الحلّ بقوله: «لك المهنّأ، و عليه الوزر» (1) و قوله: «اشتره فإنّك إن لم تشتره اشتراه غيرك» (2).

قوله: «المضي فيما نحن فيه تصرّف الجائر في تلك الأراضي مطلقا».

[أقول:] فيه: ما عرفت من تعليل نصوص حلّ أخذ الخراج من الظالم (3) أن الممضى إنّما هو أخذ الموالي الخراج من الظالم مطلق، لا العكس، أعني: أخذ الظالم مطلقا من الموالي.

قوله: «مع أنّ أصالة الصحّة لا يثبت الموضوع، و هو كون الأرض خراجيّة».

[أقول:] و فيه: أنّ ما لا يثبته هو أصالة الصحّة عند الفاعل الذي هو أصل‌

____________

(1) الوسائل 12: 156 ب «51» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(2) الوسائل 12: 162 ب «53» من أبواب ما يكتسب به ح 1.

(3) الوسائل 12: 161 ب «52» من أبواب ما يكتسب به.

302

من الأصول العمليّة، و مضمون: «ضع فعل أخيك على أحسنه» (1). و أمّا أصالة الصحّة عند الحامل الذي هو من الأمارات المستندة إلى الغلبة، على تقدير جريانه و عدم معارضته بغلبة الفساد أحيانا، فيثبت موضوع الخراجيّة.

قوله: «يمكن الاكتفاء عن إذن الإمام (عليه السلام) المنصوص في مرسلة الورّاق (2) بالعلم بشاهد الحال برضا أمير المؤمنين و سائر الأئمّة بالفتوحات الإسلاميّة، الموجبة لتأيّد هذا الدين، و قد ورد أنّ اللّٰه يؤيّد هذا الدين [بالرجل الفاجر و] (3) بأقوام لا خلال لهم منه» (4).

أقول: شاهد حال الإمام (عليه السلام) إنّما هو على الرضا بالغايات المترتّبة على غزواتهم من فتوحات الإسلام المطلوبة على وجه التعدّد المطلوبي، و هو لا يقتضي الرضا بالمقدّمات الموصلة إليها مطلقا و بأيّ وجه اتّفق، فإنّ إقامة شعائر الإسلام و إيتاء ذي القربى و الإمام (عليه السلام) و إراقة الدماء و إطعام الطعام مطلوب، و مع ذلك قال تعالى لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (5). وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا (6). وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهٰا (7). و لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ (8). إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (9). و قوله (عليه السلام): «ما أكثر الضجيج و أقلّ الحجيج» (10). و قوله (عليه السلام): «إنّ اللّٰه‌

____________

(1) الوسائل 8: 614 ب «161» من أبواب أحكام العشرة ح 3.

(2) الوسائل 6: 369 ب «1» من أبواب الأنفال ح 16.

(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في المكاسب.

(4) الوسائل 11: 28 ب «9» من أبواب جهاد العدو ح 1.

(5) الأحزاب: 53.

(6) البقرة: 189.

(7) البقرة: 189.

(8) الحج: 37.

(9) المائدة: 27.

(10) بصائر الدرجات: 358 ح 15، البحار 27: 181 ح 30.

303

يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر، و بأقوام لا خلاق لهم منه» (1) إلى غير ذلك من الغايات المطلوبة التي مبادئها مشوبة و غير مرغوبة.

و كذلك خبر الخصال المتقدّم: «كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري» (2) لا يستلزم إذنه لهم بالغزوات على الوجه المجزي في العبادات، بجعل الغزوة جهادا و شهادة، و القتل فيها فوزا و سعادة، و خمس غنائمه للسادة، بل كانت مشاورته و ائتماره على وجه الخفاء و الإباء، و الرياء و الإغراء، و الحيلة و الشقاء، و الغدر و الجفاء، و متابعة الهوى و مخالفة الهدى، لا على وجه الطاعة و الوفاء، و القربة و الولاء، و متابعة المولى.

و على ذلك فيقرب في النظر و إن خالف الأكثر أن يكون جميع فتوحات الإسلام بعد النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) بحكم الفي‌ء و الأنفال، الخاصّة بالإمام (عليه السلام) على وجه التمام، لعدم ثبوت صدورها عن إذنه الخاصّ أو العامّ بوجه العلم و الإعلام. فاعتبروا يا اولي الأفهام، و اكشفوا عنكم اللثام، و اغتنموا حقّ الاغتنام في معرفة الإمام، فقد تمّ الكلام في هذا المقام.

قوله: «معارض بالعموم من وجه لمرسلة الورّاق» (3).

أقول: أعميّة المرسلة مبنيّة على أعميّة الغزو بغير إذن الإمام للغزو بغير السيف، و هو ممنوع جدّا، خصوصا في الغزو المضاف إلى القوم، فإنّه خاصّ عرفا بخصوص المأخوذ بالقهر و السيف لا الغيلة و الحيلة و السرقة، فيخصّص عمومات: «ما أخذ بالسيف فهو للمسلمين» (4) و‌

____________

(1) الوسائل 11: 28 ب «9» من أبواب جهاد العدو ح 1.

(2) الخصال: 374 ح 58، و لكن لم يتقدّم منه «(قدس سرّه)».

(3) الوسائل 6: 369 ب «1» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام ح 16.

(4) انظر الوسائل 11: 119 ب «72» من أبواب جهاد العدو، و ج 12: 273 ب «21» من أبواب عقد البيع و شروطه.

304

أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ (1).

مضافا إلى معارضة هذه العمومات بما هو أكثر و أشهر و أظهر و أصحّ و أصرح، و أبعد من التقيّة و المعصية، و أقرب إلى الطاعة و الحكمة، و معرفة الإمامة و الولاية الكلّية التامّة في نصوص الكتاب (2) و السنّة، من أنّ الأنهار الثمانية و الأرض و ما فيها و عليها و ما سقت و ما أسقت كلّها لنا، و ما كان لنا فهو لشيعتنا، و ليس لعدوّنا منه شي‌ء، و أنّ شيعتنا لأوسع ما بين السماء و الأرض (3).

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) الأحزاب: 6.

(3) الوسائل 6: 384 ب «4» من أبواب الأنفال و ما يختصّ بالإمام ح 17.