التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
305

كتاب البيع

306

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

307

[تقريظ]

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و به نستعين الحمد للّٰه ربّ العالمين، و صلّى اللّٰه على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

اللّٰهم وفّقني لإلهام الحقّ و الصواب، في إعلاء شأن مصنّف هذا الكتاب.

و من بركات النجف الأشرف- على مشرّفه آلاف التحية- أنّه قد برز في هذا الدهر بالرياضات الشاقّة و مجالسة حذّاق العصر، من جملة السادة العلماء المعاصرين: سيّدي الورع الربّاني، و مولاي العالم الفاضل الصمداني، المنزّه من كلّ سوء و شين، جناب الآقا السيّد عبد الحسين، أدام اللّٰه أيّام إفاداته على الخواصّ و العوام، و نفع بوجوده الشريف جميع من في هذه الأيّام.

و لعمري انّه سفينة مشحونة بالفقه و التقوى، و طريق يسلك فيه شعائر العلم و الهدى، من التزم به فقد نجا و لحق، و من عانده أو تخلّف عنه فقد مرق و زهق.

فقد فاز بالقوّة القدسية غاية المراد، و تحلّى بحلية العلم و مطلق الاجتهاد. فيكون مرجع الأحكام، و ملاذ الخاصّ و العامّ، و حريّا بوجوه الاحترام.

صانه اللّٰه سبحانه و إيّاي عن حوادث الأيّام. حرّره الجاني الأخير. لطف اللّٰه المازندراني.

308

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و الحمد للّٰه بجميع محامده كلّها على جميع نعمه، حمدا حقّ حمده، حمدا يدوم بدوامه، و الصلاة و السلام على محمد و آله.

[حقيقة البيع]

و بعد: فهذه تعليقات رشيقة، و مشارب رحيقة على كتاب البيع من مكاسب أستاذ أساتيذنا الأعلام طاب ثراه.

قوله: «الحقّ سلطنة فعليّة لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك».

أقول: فيه: أوّلا: منع الفرق بين السلطنتين، إلّا في كون الحقّ سلطنة فعليّة و الملك سلطنة ماليّة، و هو غير فارق من حيث القابليّة للنقل و الانتقال من غير إشكال. فكما لا مانع من انتقال حقّ الخيار بالموت إلى الوارث كذلك لا مانع من انتقاله بالصلح أو البيع.

و ثانيا: لو سلّمنا الفرق و الفارقيّة فليس الفارق في عدم تعقّل قيام الحقّ في طرف واحد و تعقّله في الملك، بل لو سلّمنا الفارق فإنّما هو الدليل الخارج من إجماع و نحوه على عدم قابلية النقل و الانتقال في الحقّ و قابليّته في الملك.

و يظهر الفرق في كون المنقول إلى الغير من الحقوق إسقاط على تقدير الفرق و تمليك على عدمه، و إيقاع على الأوّل، و عقد على الثاني.

قوله: «و لا يحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتّحاد المالك و المملوك عليه، فافهم».

[أقول:] إشارة إلى أنّ احتياج المالك إلى مملوك غير احتياجه إلى المملوك عليه.

و لكن قد عرفت عدم احتياج السلطنة إلى من يسلّط عليه حتّى يكون‌

309

فارق بينه و بين المملوك، بل الفرق: احتياجه إلى الملك من مملوك مالي.

و الحاصل: أنّ السلطنة تحتاج إلى متعلّق ما، سواء كان شخصا، أو مالا، أو فعلا، و الملك يحتاج إلى مملوك ماليّ بحسب منصرف الإطلاق العرفي، و هو غير فارق.

قوله: «النقل بالصيغة أيضا لا يعقل إنشاؤه بالصيغة .. إلخ».

[أقول:] و لا وجه لعدم تعقّله سوى ما ذكره هو من لزوم الدور، أو أعمّيّة التعريف من المعرّف، و يسهل خطبة أنّه إيراد عامّ وارد على جميع التعاريف، و مندفع عن الجميع لفرض كون التعريف أجلى و أعرف عرفا من المعرّف بحيث لا يتوقّف معرفة المعرّف- بالكسر- على معرفة المعرّف- بالفتح- كما في العكس حتّى يلزم الدور المذكور.

قوله: «كالتعويض الغير المشترط».

[أقول:] أي: كالتعويض عن فعل الهبة لا الموهب، أي: البذل لا المبذول.

قوله: «إذ ليس المقصود الأصليّ من المعاوضة و المقابلة. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ المقصود الأصليّ من القرض و إن لم يكن المعاوضة بل لزوم العوض من أحكامه الشرعيّة و مقتضياته العقليّة الغير المأخوذة في القصد من القرض أصالة إلّا أنّها لا تنفكّ عن القصد تبعا.

و لذا قال المجمع: القرض ما تعطيه غيرك ليقضيك، و إعطاء شي‌ء ليستعيد عوضه في وقت آخر. (1)

قوله: «و لذا لا يجري فيه ربا المعاوضة، و لا الغرر المنفيّ فيها، و لا ذكر العوض و لا العلم به. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى إمكان المنع من عدم جريان أحكام المعاوضة فيه، سيّما‌

____________

(1) مجمع البحرين 4: 226- 227.

310

ربا المعاوضة.

فقد يقال: كما أنّ بيع الحنطة بشعير زائد معاوضة باطلة كذلك قرض الحنطة بشعير قرض باطل بالربا.

قوله: «فالبيع و ما يساويه معنى من قبيل الإيجاب و الوجوب، لا الكسر و الانكسار كما تخيّله بعض. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ ذلك مبنيّ على كون البيع اسم للأعمّ. و أمّا على كونه اسما للصحيح فهو من قبيل الكسر و الانكسار الموقوف صدقه على التعقّب بالقبول.

قوله: «و منه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع فضلا [عن] أن يجعل أحد معانيها».

[أقول:] و الفرق: أنّه على الأوّل من قبيل استعمال الكلّي في خصوص الفرد مجازا. و على الثاني من قبيل استعمال المشترك في أحد معنييه حقيقة.

كما أنّه على تقدير نفي الفرضين من قبيل إطلاق الكلّيّ على الفرد، و إرادة الخصوصيّة من الخارج من قبيل الدالّين و المدلولين.

قوله: «فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء به على كونه مؤثّرا في نظر الشارع أيضا. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى ما فيه: أوّلا: من إمكان منع ثبوت الحقيقة العرفية في الصحيح في نظر العرف، لأصالة عدمه.

و ثانيا: لو سلّمنا ثبوته فلا نسلّم كون المراد من الصحيح: الصحيح في نظر العرف، بل هو الصحيح الواقعيّ الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط الواقعيّة في نظر الشارع، لا مجرّد العرف.

[الكلام في المعاطاة]

قوله: «منها: ظهور أدلّته الثلاثة في ذلك».

311

[أقول:] أي: ظهور الإجماع، و عدم الدليل، و النهي عن بيع المنابذة (1) .. إلخ.

في أنّ محلّ الكلام من بيع المعاطاة إنّما هو المقصود به التمليك، لا مجرّد الإباحة، مضافا إلى أنّ المعلوم المتداول في المعاطاة بين الناس ليس إلّا قصد التمليك و ترتيب آثار الملكية، غايته أنّ التمليك متزلزل شرعا يتوقّف لزومه على التلف، كالعقد الخياري.

قوله: «و يدفع الثاني».

[أقول:] أي: إرادة نفي اللزوم من نفي البيع تصريح بعضهم بأنّ شرط لزوم البيع منحصر في مسقطات الخيار.

و فيه: أنّ انحصار لزوم البيع في مسقطات الخيار صريح في انحصار لزوم بيع الخيار في مسقطات الخيار، لا انحصار مطلق البيع في اللزوم، و أنّ غير اللازم ليس ببيع، فإن لزوم المعاطاة على القول بكونه تمليكا و تملّكا أيضا ينحصر في التلف و نحوه من مسقطات الخيار، كبيع الخيار.

قوله: «عدّ هذا من الأقوال في المعاطاة، تأمّل».

[أقول:] وجه التأمّل: رجوعه إلى القول بعدم اللزوم إن أراد من اشتراطه باللفظ خصوص لفظ الإيجاب و القبول، و عدمه إن أراد الأعمّ منه و من لفظ «الاستدعاء».

قوله: «و القول بعدم إباحة التصرّف».

أقول: و هذا سادس الأقوال و آخرها، و هو القول ببطلان المعاطاة.

ثمّ إنّ الكلام في ترجيح الأقوال و تأسيس الأصل الأصيل في كلّ عقد عرفيّ، و في كلّ إيجاب و قبول، و في كلّ بيع عرفيّ هل هو الصحّة و اللزوم، أو الفساد الموقوف على تفسير بعض الآيات الواردة على سبيل الضابطة في العقود؟

____________

(1) الوسائل 12: 266 باب «12» من أبواب عقد البيع و شروطه ح 13.

312

فنقول: قال اللّٰه تعالى في مفتتح سورة المائدة آخر السور المنزلة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) الآية و تشخيص مدلولها في ضمن مراحل:

أمّا المرحلة الأولى: ففي تشخيص مدلول العقد لغة و عرفا. أمّا لغة فهو و إن استعمل في معاني عديدة- كما عن القاموس (2) و الصحاح (3) العقد: عقد الحبل، و البيع، و عقد يعقده شدّه، و عنقه إليه لجأ، و الحاسب حسب، و العقد:

الضمان و العهد و الجمل الموثّق. و في معنى العهد: العهد الوصيّة، و التقدّم إلى المرء في الشي‌ء و الموثق، و اليمين، و الحفاظ، و رعاية الحرمة، و الأمان، و الذمّة و الالتقاء، و المعرفة- إلّا أنّ قاعدة أصالة عدم الاشتراك و أولويّة المجاز منه تقتضي كونه حقيقة في أحدها، و مجازا في الباقي. و غلبة مراعاتهم الترتيب بتقديم المعنى الحقيقيّ على غيره في التعداد و الذكر تقتضي تعيين مجازيّة العقد في ما عدا الشدّ و الوصل، و حقيقة في معنى الشدّ و الوصل، سواء كان حسّيّا كشدّ الحبل و وصله، أم غير حسّيّ كالعهد المشدّد بين اثنين، فكلّ عقد عهد، و لا عكس، لعدم لزوم الشدّة و الاثنينيّة.

و قاعدة أصالة الحقيقة- مضافا إلى تفسير أكثر المفسّرين و الفقهاء- تقتضي تعيين إرادة مطلق العقود، فإنّها باعتبار المعقود و العاقد ثلاثة أضرب:

عقد بين اللّٰه و بين عباده، و هو إلزامهم بالتكاليف: من الإيمان به و ملائكته و كتبه و رسله و أوصياء رسله، و تحليل حلاله، و تحريم حرامه، و الإتيان بفرائضه و سننه، و رعاية حدوده و أوامره و نواهيه.

و عقد بين اللّٰه و نفسه، كالنذر و اليمين.

و عقد بينه و بين غيره من البشر، كعقود الأمانات و المعاملات الغير‌

____________

(1) المائدة: 1.

(2) القاموس المحيط 1: 315.

(3) الصحاح 2: 510.

313

المحظورة شرعا.

فظاهر الآية- مضافا إلى تفسير أكثر الفقهاء و مفسّري الخاصّة و العامّة- يقتضي إرادة كلّ عقد من تلك العقود، سواء كان تركه قربة أو واجبا في الشرع، كالعقود المخترعة و الفاسدة.

و أمّا ما عن تفسير القميّ (رحمه اللّٰه)، عن الجواد (عليه السلام): من «أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عقد عليهم لعليّ (عليه السلام) بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل اللّٰه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين (عليه السلام)» (1) فمضافا إلى احتمال كونه من البطون الغير المنافية لإرادة الظهور معه لا يوجب تخصيص عموم العقود و إن صلح له، لأنّ شأن النزول لا يخصّص عموم النازل، و المورد لا يخصّص عموم الوارد فيه بمجرّد صلوحه للتخصيص. ألا ترى أنّ السؤال لا يقيّد الجواب؟ حتّى اشتهر بأنّ ترك الاستفصال في جواب السؤال ينزّل منزلة العموم في المقال، مع أنّ السؤال أصلح لتقييد الجواب في المورد بكثير.

و أمّا ما اشتهر من «أنّ الجمع المحلّى باللام إنّما يفيد العموم حيث لا عهد» فليس المراد حيث لا صلوح للعهد، بل المراد: حيث لا ظهور للعهد في التخصيص، كظهور ما: إذا تقدّم المعهود بلفظ النكرة ثمّ تعقّبه العامّ المكتنف بالفاء الدالّة على التفريع و الاتّصال مع تقاربهما من جهة الزمان و المكان و صورة التلفظ و اتّحادهما من جهة المتكلّم و المخاطب، فإنّ انصراف العموم إلى العهد مشروط باجتماع هذه الشروط المفقود جلّها، بل كلّها فيما نحن فيه، كما في قوله تعالى:

أَرْسَلْنٰا إِلىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (2) خلافا لما في العوائد (3) من رفعه اليد عن ظهور الظاهر بمجرّد الاقتران بما يصلح للصارفيّة‌

____________

(1) تفسير القمّي 1: 160.

(2) المزّمّل: 15- 16.

(3) عوائد الأيّام: 19.

314

و القرينيّة، و هو من متفرّدات صاحبه، و لو قلنا باعتبار ظواهر الألفاظ من باب الظنّ الفعليّ، كما قرّر في محلّه.

و أمّا المرحلة الثانية: ففي تشخيص مدلول الوفاء بالعقود لغة، و المراد منه عرفا.

فنقول: لا إشكال في أنّ مدلول الوفاء بالعقد لغة و عرفا هو «القيام- بمقتضاه باتّفاق اللغويّين و المفسّرين و الفقهاء. إنّما الإشكال في تشخيص المراد منه شرعا، و أنّه هل أريد منه بيان لزوم العقود و صحتها معا كما عليه مشهور الفقهاء، أم اللزوم دون الصحّة، أم الصحّة دون اللزوم، أم عدم شي‌ء من اللزوم و لا من الصحّة كما عن مختلف العلّامة (1)؟ وجوه أربعة:

فعلى الأوّل يكون المراد من الإيفاء: وجوب القيام بمقتضى المعقود دائما؛ حتّى يرد المزيل الشرعيّ مطابقا لحكم العقل بحسن الوفاء، فيكون الأصل وجوب الوفاء بكلّ عقد خرج ما خرج بالدليل، كالشركة و المضاربة و مثلهما فإنّها و إن كانت صحيحة بسبب الإجماع أو قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) أو داخلة تحت عموم الآية إلّا أنّها ليست بلازمة بالدليل الخارجي.

و كالمغارسة و شركة الوجوه و الأبدان فإنّها محظورة رأسا من الخارج، فكلّ ما يندرج في «تجارة» عن تراض، يثبت صحّته منه و لزومه من الآية، و ما لا يندرج فيه يثبت صحّته و لزومه معا بها، بل يثبت الصحّة و اللزوم في جميع العقود بهذه الآية، خرج ما خرج من الصحّة و اللزوم و بقي الباقي.

و يتفرّع على هذا المعنى عدم وجوب تتبّع أحوال العرف في كلّ عقد عن تشخيص أنّ بناءهم فيه على اللزوم و الجواز، بل يثمر الآية، في العقد المجهول‌

____________

(1) المختلف 6: 255.

(2) النساء: 29.

315

الحال بخصوصه- شرعا أو عرفا- ثبوت أصالة الرخصة و الإيجاب و اللزوم إلى أن يثبت المنع من الخارج.

و يتفرّع عليه أيضا عدم استلزام خروج الخارج عن تحت أصالة اللزوم؛ لخروجه عن تحت أصالة الصحّة و الجواز، بخلاف العكس فإنّ نفي الأخصّ يستلزم نفي الأعمّ، و لا عكس.

هذا كلّه في بيان المراد من الإيفاء على تقدير دلالته على اللزوم و الصحّة معا.

و أمّا على تقدير دلالته على اللزوم دون الصحّة فيكون المراد من الإيفاء:

وجوب القيام بمقتضى العقود بعد إحراز صحّتها من العرف، أو من الشرع؛ بسبب إجماع، أو إطلاق قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1).

و يتفرّع على هذا المعنى: وجوب تتبّع أحوال العرف أو الشرع في تشخيص صحّة كلّ ما يراد إدخاله تحت أصالة اللزوم من العقود، و عدم مجرى الأصل في العقد المجهول حاله من حيث الصحّة.

و أمّا على تقدير دلالة الإيفاء على الصحّة دون اللزوم فيكون المراد من الإيفاء: بيان الصحّة و ترتّب الثمرة الّتي كانت منظورة للمتعاقدين، يعني: كلّ ما تعاقدون عليه فيما بينكم فقد أجزته و رتّبت عليه الثمرة الّتي كانت مقصودة منه، فصار شرعيّا، فيكون الأمر بالإيفاء من باب دفع الحظر، و إثبات محض الرخصة، و جواز ما يفعلون، و لازمة أن يصير: كلما كان عندهم على وجه اللزوم لازما، و على وجه الجواز جائزا، و هذا أيضا يحتاج إلى تتبّع أحوال العرف في اللزوم و الجواز فيما لم يعلم حاله من الشرع.

و أمّا على تقدير دلالتها على غير اللزوم و غير الصحّة- كما حكي عن‌

____________

(1) النساء: 29.

316

المختلف (1)- فيكون المراد من الإيفاء: وجوب القيام بمقتضى العقود، بمعنى:

اعتقاد لزوم اللازم و جواز الجائز، و حلية الحلال و حرمة الحرام.

و على هذا يكون المراد: ما علم لكم من العقود جوازه أو لزومه من العرف، أو عدم جوازه و لا لزومه منه فأوفوا بها على مقتضاها، فاعتقدوا لزوم اللازمات و جواز الجائزات و اعملوا بمقتضاها، و رجحان الراجحات و مرجوحيّة المرجوحات و اعملوا بمقتضاها، و ما لم يعلم لكم من العقود صحّته أو عدم صحّته من العرف فاعملوا فيها بما يقتضيه الشكّ و عدم العلم من الرجوع إلى الأصول الخارجيّة.

فيكون الأمر بإيفاء العقود من باب محض الإمضاء و الإرشاد إلى ما لها شرعا أو عرفا، من الاتّصاف باللزوم أو عدمه، أو الصحّة أو عدمها، إن معلوما فمعلوما، و إن مشكوكا فمشكوكا.

ثمّ إنّ أقصى المعاني القابلة لتقريب إرادتها من الإيفاء هي المعاني الأربعة المذكورة، دون احتمال إرادة وجوب القيام بمقتضى العقد ما لم يرجع المتعاقدان أو أحدهما إلى الفسخ، و لا غيره من سائر ما احتمله في العوائد (2)، لرجوعه إلى ما يبعد احتماله جدّا من التوقّف على ما يخالف الأصل من إضمار أو تقدير أو تقييد.

كما أنّ أقصى المعاني المحتملة في العقود هي إرادة عقود اللّٰه تعالى على عباده، أو عقود العباد مع اللّٰه تعالى، أو عقودهم فيما بينهم و بين أقرانهم، أو مجموع الأنواع الثلاثة من العقود.

و إذا ضربت المحتملات الأربعة من العقود في المحتملات الأربعة من‌

____________

(1) انظر الهامش (1) ص: 315.

(2) عوائد الأيّام: 13.

317

الإيفاء بلغ الحاصل من المحتملات ستّة عشر محتملا.

و كما قد علمت أنّ إضافة محتمل آخر إلى المحتملات الأربعة من الإيفاء بعيد جدّا. فاعلم أيضا: أنّ إضافة محتمل آخر إلى المحتملات الأربعة من العقود- و هو احتمال إرادة مطلق العقود، حتّى العقود المخترعة- أبعد جدّا؛ لأنّه إن لم نخرجها عن عموم العقود بعد دخولها لزم فقه جديد و دين بديع، و إن أخرجناها عن تحته لزم التخصيص بالأكثر، لعدم إحصاء المخترعات، فلا بدّ من الالتزام بخروجها على وجه التخصّص، لا التخصيص بحمل العقود على العقود المعهودة دون ما يعمّ المخترعة، كما احتمله في العوائد (1). و لهذا أسقطناه عن عداد المحتملات.

و كما قد علمت أيضا أنّ المتعيّن من محتملات العقود بواسطة ظهور اللفظ، و أصالة العموم، و عدم التخصيص، و نقل اللغويّين، و مشهور المفسّرين و الفقهاء هو إرادة جميع الأنواع الثلاثة من العقود، لا سيّما العقود الفقهيّة الّتي هي محطّ نظر الفقهاء فاعلم أيضا: أنّ المتعيّن من محتملات الإيفاء بواسطة ظهور الأمر و معونة فهم المشهور هو إرادة المعنى الأوّل، أعني: إفادة اللزوم و الصحّة في جميع العقود حتّى يرد المزيل، دون سائر المعاني المحتملة؛ و ذلك لظهور دلالة الإيفاء، و هو وجوب القيام بمقتضى العقود بالمطابقة على لزوم العقود حتّى يرد المزيل، كما ورد في المشاركة و نحوها، و بالالتزام على صحّتها حتى يرد المزيل أيضا، كما ورد في بيع الربويّ و نحوه، ضرورة أنّ القيام بمقتضى الشي‌ء فرع ثبوت اقتضاء لذلك الشي‌ء، و هو معنى صحّته. كما أن مطلوبيّة كلّ ملزوم فرع مطلوبيّة لوازمه، و مطلوبيّة الأخصّ فرع مطلوبيّة الأعمّ و لو بدلالة الالتزام العقليّ التبعي.

فإن قلت: «دلالة الإيفاء على اللزوم و الصحّة معا يستلزم استعماله في أكثر‌

____________

(1) عوائد الأيّام: 9.

318

من معنى.

قلت: الملازمة واضحة المنع بما عرفت من أنّ المدلولين ليسا في عرض واحد حتى يتأتّى الملازمة، و إنّما هما في الطول، من قبيل اللازم و الملزوم، و التابع و المتبوع.

فإن قلت: لو كان دلالته على الصحّة من باب الملازمة و الدلالة التبعيّة لدلّ نفي اللزوم على نفي الصحّة، كما دلّ إثبات اللزوم على إثبات الصحّة، فإنّ نفي الملزوم و المتبوع في الدلالة الالتزاميّة التبعيّة يدلّ على نفي لوازمها و توابعها كما أنّ وجودها يدلّ على وجودها.

ألا ترى انتفاء المفاهيم لو انتفى دلالة مناطيقها، و انتفاء وجوب المقدّمة لو انتفى وجوب ذيها؟

قلت: استفادة الصحّة من اللزوم و إن كانت تبعيّة إلّا أنّ المستفاد أصليّ غير تبعيّ حتّى ينتفي بانتفاء متبوعه، كما في سائر الاستفادات التبعيّة الّتي يكون المستفاد فيها أيضا تبعيّا، حسب ما قرّر في محلّه من باب مقدّمة الواجب. فالصحّة بحسب الاستفادة تابعة للّزوم، و بحسب الوجود بالعكس، كما هو حال سائر مداليل الأدلّة الإنّيّة، كالنار فإنّها بحسب الاستفادة تابعة للدخان، و بحسب الوجود بالعكس، فانتفاء الملزوم و المتبوع- و هو لزوم العقد فيما نحن فيه- لا يستلزم انتفاء اللازم و التابع و هو الصحّة؛ لكون دلالته عليها بالإن لا اللمّ.

ثمّ إن دلالة الإيفاء على لزوم العقود و صحّتها ليس على وجه التشريع و التأسيس مطلقا؛ لما في المتن و غيره من: أنّه ليس للشارع في موضوعات المعاملات و لا في أحكامها تشريع و لا تصرّف و لا اختراع، سوى اعتباره في بعضها بعض الشروط الخارجة عن ماهيّاتها، و لا على وجه الإرشاد و التأكيد‌

319

مطلقا حتّى يرجع إلى المعنى المتقدّم نقله عن مختلف (1) العلّامة، أعني: إرادة بيان الصحّة و إجزاء كلّ ما يرتّب العرف على عقودهم، إن لزوما فلزوم، و إن جوازا فجواز؛ ليكون الأمر بالإيفاء من باب رفع الحظر و إثبات محض الرخصة، لما عرفت من أنّ ذلك المعنى خلاف ظاهر الأمر، بل إنّما يكون على وجه التأكيد و الإرشاد بالنسبة إلى العقود المعلومة حالها من الشرع أو العرف، و على وجه التأسيس و التقرير بالنسبة إلى العقود المشكوكة حالها شرعا و عرفا.

و من هنا يعلم رجوع الفرق و الثمرة بيننا و بين العلّامة إلى مرجعيّة عموم الآية (2) للعقود المشكوكة حالها شرعا و عرفا، من حيث اللزوم أو الصحّة عندنا، و إلى مرجعيّة الأصول الخارجيّة لها عند العلّامة.

و أمّا ما في العوائد (3) من الإيراد بأنّ الجمع بين إرادة التأكيد و التأسيس من الإيفاء يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ففيه منع الملازمة.

أوّلا: بأنّ الرجوع إلى عموم الآية بالنسبة إلى العقود المشكوكة حالها ليس من باب الموضوعيّة و التعبّد الشرعيّ حتّى يلزم من إرادة الإرشاد منها بالنسبة إلى العقود المعلومة حالها الاستعمال في أكثر من معنى، بل لعلّه من باب الطريقيّة و الكاشفيّة عن ثبوت ذلك في أصل العرف و إن خفي على أهله. و على ذلك فلا يلزم من مرجعيّة عموم الآية للعقود المشكوكة حالها الاستعمال فيما عدا التأكيد و الإرشاد، غاية الأمر استعماله في الإرشاد الأعمّ من خفاء المرشد إليه على العرف، و عدم خفائه عليه.

و ثانيا: سلّمنا كونه من باب التعبّد الشرعيّ إلّا أنّه مع ذلك لا يلزم من انضمام إرادة التأكيد منه بالنسبة إلى العقود المعلومة حالها الاستعمال في أكثر من‌

____________

(1) المختلف 6: 255.

(2) المائدة: 1.

(3) العوائد: 20.

320

معنى؛ لأنّ انضمام إرادة التأكيد معه إنّما هو من مقتضيات الصارف الخارجي، و هو سبق العلم بحال العقد الّذي ينبغي الاقتصار على القدر المتيقّن من صارفيّته، و على ذلك يكون دلالة الإيفاء على التأكيد و التأسيس معا من قبيل الدالّين و المدلولين، لا من قبيل الدالّ الواحد و المدلولين ليلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد.

و ثالثا: بأنّ التأكيد و التأسيس من الأوصاف و الكيفيّات الخارجة عن المراد، الطارئة عليه أحيانا بواسطة القرائن الخارجيّة من سبق العلم ببيانه، و عدم سبقه لا من المعاني المتأصّلة بالإرادة ليلزم من اجتماعهما الاستعمال في أكثر من معنى.

ثمّ إنّ عموم الإيفاء بالعقود في الآية إنّما هو عموم أفرادي، و ليس فيها و راء الاشتمال على العموم الأفراديّ عموما أزمانيا و لا أحواليا، إذ لم يؤخذ كلّ زمان أو كلّ أحوال فردا مستقلّا لمتعلّق الحكم في الآية كما أخذ كلّ فرد منه كذلك، كما في مثل «أكرم العلماء في كلّ يوم» أو «في كل حال».

و يتفرّع على ذلك أنّه متى تخصّص عمومه بإخراج فرد عن تحته اقتصر في الإخراج على الفرد المتيقّن من غير تعدّ إلى سائر الأفراد المشكوكة؛ لأصالة عدم تخصيص آخره، و متى تخصّص بإخراج زمان أو حال أمكن التعدّي إلى سائر الأزمنة و الأحوال المتعاقبة له بالاستصحاب؛ لأنّ إبقاء الحكم في الزمان المتعاقب للزمان الأوّل لا يوجب تخصيصا آخر وراء التخصّص الأوّل، بعد أن كان المفروض عدم ملاحظة المتكلّم كلّ زمان فردا مستقلّا لمتعلّق الحكم، بخلاف ما إذا لاحظه كذلك، كما في «أكرم العالم في كلّ زمان» أو «في كلّ حال».

و ينقدح من ذلك ضعف القول بفوريّة خيار الغبن المخصّص لعموم الوفاء‌

321

بقاعدة نفي الضرر بما احتجّ عليه المحقّق الثاني في مسألة خيار الغبن في باب تلقّي الركبان من: أنّ عموم الوفاء بالعقود من حيث الأفراد يستتبع عموم الأزمان (1)، فيمنع جريان الاستصحاب لأجل عموم الوفاء، خرج منه أوّل زمان الاطّلاع على الغبن و بقي الباقي.

فإنّ الأقوى ما يظهر من المسالك (2) و غيره من إجراء الاستصحاب في هذا الخيار بناء على ما تقدّم من أنّه لا يستفاد من إطلاق وجوب الوفاء بالعقد إلّا كون الحكم مستمرّا، لا أنّ الوفاء في كلّ زمان موضوع مستقلّ محكوم بوجوب مستقلّ حتّى يقتصر في تخصيصه على ما ثبت من جواز نقض العقد في جزء من الزمان و بقي الباقي. و لتمام الكلام في هذا المطلب محلّ آخر سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا المرحلة الثالثة: ففي دفع موهمات الوهن في دلالة الآية- على ما ذكر- الّتي أوردها في العوائد (3) على صحّة التمسّك بالآية في لزوم جميع العقود و صحّتها، و هي وجوه:

منها: الاستشكال بلزوم تخصيص الأكثر في عموم دلالة الآية على اللزوم، و بواسطة خروج أكثر العهود الغير المعنونة في أبواب الفقه، بل و أكثر العهود المعنونة فيها أيضا على اللزوم إلى الجواز، و في عموم دلالتها على الصحّة أيضا بواسطة خروج العقود الفاسدة الّتي هي أضعاف الصحيح منها من جهة اشتراط الصحيح شرعا بشروط عديدة تنتفي الصحّة بانتفاء كلّ واحد منها، فلزم من إخراج العقود الفاسدة عن عموم الصحّة تخصيصه بالأكثر، كما يلزم من إخراج العقود الجائزة عن عموم اللزوم تخصيصه بالأكثر.

____________

(1) جامع المقاصد 4: 38.

(2) المسالك 3: 205.

(3) العوائد: 16 و 17.

322

و يدفعه: أوّلا: بفرض الخارج من العقود عن تحت الآية خارجا عن حكم العامّ، لا نفس العامّ حتّى يعدّ أكثريّته في العرف مستهجنا، فيرجع التخصيص بالأكثر حينئذ إلى التقييد بالأكثر، و هو ليس كالتخصيص بالأكثر في الاستهجان عرفا.

و ثانيا: بفرض الخارج عن نفس العامّ على تقدير التسليم خارجا بعلاقة التشبيه و التنزيل، دون علاقة العموم و الخصوص حتّى يعدّ أكثريّته من مستهجنات العرف، فإنّ التخصيص بالأكثر المستهجن عرفا عند القائل باستهجانه انّما هو التخصيص بعلاقة العموم و الخصوص. و أمّا التخصيص بالأكثر بعلاقة التنزيل فلا استهجان فيه، بل قد ورد في أفصح ما يكون من الكتاب الكريم، كما في قوله تعالى إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ إِلّٰا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغٰاوِينَ (1)، و قوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، كلّكم جائع إلّا من أطعمته» (2)، مع كون الباقي في كلّ منهما أقلا بالعيان و البرهان. أمّا العيان فمحسوس. و أمّا البرهان فلقوله تعالى وَ مٰا أَكْثَرُ النّٰاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (3).

و بالجملة: فكما أنّ شرف المطيعين في الرفعة و دنوّ الغاوين في الانحطاط ممّا صحّح تنزيل كثرة الغاوين منزلة القلّة، و قلّة المطيعين منزلة الكثرة في الآية كذلك غلبة استعمال العقود الصحيحة و تداولها و إن قلّ عددها، و ندور تداول العقود الفاسدة و إن كثر عددها ممّا يصحّح تنزيل الأكثر منزلة الأقلّ، و بالعكس فيما نحن فيه.

و ثالثا: بأنّ عموم العقود عموم أفراديّ لا نوعي حتّى يستكثر العقود الفاسدة و الجائزة عليه.

____________

(1) الحجر: 42.

(2) صحيح مسلم 4: 1994 ح 55.

(3) يوسف: 103.

323

و لا ريب أنّ أفراد العقود الصحيحة و اللازمة أكثر من أفراد غيرها، سيّما في مثل البيع و الإجارة و النكاح.

و رابعا: بإمكان فرض خروج الخارج عن تحت عموم الآية (1) من باب التخصّص دون التخصيص، بحمل عموم العقود على العهد و الإشارة إلى العقود المتداولة الصحيحة، ليكون خروج العقود الفاسدة و المخترعة من باب التخصّص، أعني: عدم الدخول، لا من باب التخصيص، أعني: إخراج ما دخل.

و أمّا ما استشكل عليه: بأنّ حمل العقود على العقود المتداولة يستدعي الاقتصار على المتداول في ذلك الزمان، و عدم صحّة التمسّك بالآية في موضع من المواضع إلّا في خصوص إثبات بعض ما يعلم لزومه خارجا أيضا، و هو خلاف سيرة العلماء و طريقتهم المسلوكة فيما بينهم من التمسّك بها في مواضع النزاع و الوفاق.

فيدفعه أيضا: حمل عموم العقود على العهد و الإشارة إلى جنس العقود المتداولة في ذلك الزمان، المعهودة المضبوطة الآن في كتب فقهائنا، كالبيع و الإجارة و نحوهما، لا خصوص أشخاص كلّ عقد متداول فيه مع كيفيّاتها المخصوصة و المتداولة فيه. و لا ريب أنّ مواضع استدلالاتهم بتلك الآية الشريفة داخلة في جنس تلك العقود و في أفرادها و إن جهل اشتراكها معها في الخصوصيّات، و ذلك لا يقدح في دخولها في تلك العقود.

و من جملة موهمات و هن عموم الآية: ما أورده في العوائد أيضا من: «أنّه و إن كان مقتضى الجمع المحلّى باللام كونه مفيدا للعموم و لكن يخدشه في الآية أمران:

أحدهما: أنّا قد ذكرنا في كتبنا الأصوليّة: أنّ الثابت من أصالة الحقيقة إنّما‌

____________

(1) المائدة: 1.

324

هو إذا لم يقترن بالكلام حين التكلّم به ما يوجب الظنّ بعدم إرادة الحقيقة، أي: لم يقترن به ما يظنّ بصارفيّته عن الحقيقة، بل و لا بما يشكّ في قرينيته و صارفيّته عنه. و ممّا لا شكّ فيه أنّ تقدّم طلب بعض أفراد الماهية، أو الجمع المحلّى على طلب الطلب باللفظ الدالّ على الماهية، أو بالجميع ممّا يظنّ معه إرادة الأفراد المتقدّمة، و لا أقلّ عن صلاحية كونه قرينة لإرادتها.

و على هذا فتلك الآية في سورة المائدة- على ما ذكره المفسرون- آخر السور المنزلة في أواخر عهد النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله). و لا شكّ أنّ قبل نزولها قد علم من الشارع وجوب الوفاء بطائفة جمّة من العقود، كالعقود الّتي بين اللّٰه سبحانه و بين عباده من الإيمان به و برسله و كتبه، و الإتيان بالصلاة و الصيام و الزكاة و الحجّ و الجهاد و غيرها، بل بعض العقود الّتي بين الناس بعضهم مع بعض، كالبيع و النكاح و الإجارة و الرهن و أمثالها.

و تقدّم طلب الوفاء بتلك العقود يورث الظنّ لإرادتها من قوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ خاصّة، أو يصلح قرينة لإرادتها، فلا يمكن التمسّك بأصالة الحقيقة في إرادة جميع الأفراد. مضافا إلى أنّ قوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ .. إلى أخره تفصيل لبعض العقود أيضا، كما مرّ في كلام بعض المفسّرين، و هذا أيضا ما يضعف الحمل على العموم.

و ثانيهما: أنّه إذا ورد أمر بطلب ما لم يسبق طلبه فهو للتأسيس، و إن ورد بطلب ما سبق طلبه أوّلا فهو للتأكيد، و إن ورد أمر بطلب عامّ سبق بعض أفراده و تأخّر بعض أفراده الآخر وجب أن يحمل على التخصيص بما طلب أوّلا حتّى يكون تأكيدا، أو بغيره حتى يكون تأسيسا. و أمّا حمله على العموم فيكون تأسيسا و تأكيدا معا فغير جائز، كما في استعمال المشترك في معنييه؛ لأنّ كلّ ما يدلّ على عدم جوازه يدلّ على جوازه أيضا. و لا شكّ أنّه كان وجوب الوفاء‌

325

بعقود كثيرة معلوما قبل نزول الآية، فلا يمكن حملها على العموم .. إلى آخر كلامه» (1).

و لكن يدفعه منع موهنيّة شي‌ء من الأمرين المذكورين لعموم الآية.

أمّا الأمر الثاني- و هو استلزام عمومها استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد، أعني: التأكيد و التأسيس معا- فقد مرّ في المرحلة السابقة منعه بما لا مزيد عليه، فلا نطيل بالإعادة.

و أمّا الأمر الأوّل فلمنع مورثيّة مجرّد تقدّم بعض أفراد العامّ الظنّ بتخصيص العامّ بها بالوجدان، و منع مخصّصيّة مجرّد صلوحه للتخصيص و الصارفيّة بالبرهان و إن قلنا باعتبار ظواهر الألفاظ من باب الظنّ الفعليّ حسب ما تقدّم في المرحلة الاولى تفصيله في الجملة.

مضافا إلى أنّه لو سلّم انصراف عموم العقود إلى المعهود تقدّمه فهو مع ذلك شامل للعقود الفقهيّة، الّتي هي محطّ نظر الفقهاء، لاعتراف المورد في ضمن إيراده بنزول الآية في أواخر عهد النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا شكّ أنّ جميع تلك العقود الفقهيّة قبل نزول الآية كانت متداولة في العرف؛ من حيث النوع بتنصيص الشارع، أو بتقريره و إن لم تتداول من حيث خصوص الأفراد، كما لا يخفى.

و من جملة موهمات الوهن في عموم الآية: ما استشكل به في العوائد (2) أيضا بما يرجع محصّله إلى منع دلالة الآية على لزوم عقد إلّا بعد إحراز الشدّ و الاستيثاق الشرعيّ أو العرفيّ في ذلك العقد؛ لأنّه المفهوم من لفظ «العقد»، و مع إحراز ذلك منه لا حاجة إلى التمسّك بالآية. و إذا توقّف استفادة عموم اللزوم من الآية على إحراز الشدّ و التوثيق فلا ينفع في ما هم بصدده من الاستدلال بالعموم‌

____________

(1) العوائد: 19- 20.

(2) العوائد: 20.

326

في موارد الشكّ على اللزوم، لرجوعه إلى الدور، و توقّف عموم اللزوم للعقد على إحراز الشدّ و التوثيق فيه، و توقّف الشدّ و التوثيق فيه على عموم اللزوم له.

و يدفعه أيضا: أنّه إن أريد من اعتبار الشدّ و التوثيق في مجرى عموم الآية على العقود بناء المتعاقدين و قصدهم عدم الرجوع و تكلّمهم بلفظ قاصدا منه البقاء على مقتضى العقد فيسلّم توقّف مجرى عموم اللزوم من الآية على إجرائه من العرف، إلّا أنّه لا يسلّم عدم الحاجة إلى مجراه حينئذ، لوضوح أنّ الفرق بين الالتزام العرفيّ و إمضاء لزومه شرعا عموم و خصوص مطلق.

و إن أريد من اعتبار الشدّ و التوثيق في معنى العقد معنى آخر وراء ذلك- كما هو صريح كلامه- فهو ممنوع جدّا؛ لما عرفت من أنّ العقد في ما نحن فيه ظاهر بحسب العرف و اللغة في مطلق الشدّ الراجع إلى الالتزام و الاستحكام، سواء علم لزومه عرفا أم لم يعلم حسب ما تقدّم.

و من جملة موهمات و هن العموم: موهمان آخران في العوائد (1)، يرجع محصّلهما إلى منع دلالة الآية على اللزوم، بدعوى: إجمال العقود تارة من جهة تكثير معانيه، كالوصيّة و الأمر و الضمان و اليمين و غير ذلك، فلا معيّن لإرادة ما هم بصدده من معانيه. و تارة أخرى (2) من جهة أنّ معنى العقد و إن كان حقيقة الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال بينهما إلّا أنّ هذا المعنى غير مراد منه، بل المراد منه هو المعنى المجازي، و المجاز متّسع الدائرة؛ لاتّساع علائقه، و عدم معيّن لها، فيجمل المراد من إحدى الجهتين.

و يدفعه: أمّا إجمالا: فلمنع إجمال الآية بأصالة عدم الإجمال و ندوره و قلّته، سيّما من الشارع، فإنّ معناه المبيّن، و وظيفته التبيين، سيّما بالنسبة إلى‌

____________

(1) العوائد: 21.

(2) العوائد: 22.

327

أحكامه، حتّى ادّعوا عدم وجوده في شي‌ء من أحكام الكتاب و السنّة بالتصدّي لتبيين كلّ ما مثّل به للمجمل في بحث المجمل و المبيّن.

و أمّا تفصيلا: فلأنّ إجمال العقد: إمّا من جهة دعوى اشتراكه بين ما ذكر فلأنّ اشتراكه:

أوّلا: ممنوع بأصالة عدم الاشتراك و النقل، و قلّته و ندوره، و أولويّة المجاز منه، إلّا على المذهب المهجور من القول بأصالة الحقيقة كالسيّد (1).

و ثانيا: لو سلّمنا اشتراكه لكنّه لا يؤثّر إجماله؛ لوجود المعيّن، و المرجّح الدلالتي، و هو أظهريّة ما نحن بصدده من بين معانيه المتقدّمة عرفا، مضافا إلى وجود المعيّن و المرجّح الخارجيّ له، و هو فهم المشهور.

و أمّا من جهة دعوى مجازيّته و دعوى إجمال المجازات لاتّساع علائقها فلما فيه.

أوّلا: من منع صغراه، و هو مجازيّة العقد في العهد الصادر عن المتعاهدين:

بأنّ العقد على ما يظهر من اللغة (2) و العرف هو الشدّ و الوصل بين الشيئين أعمّ من كونه حسّيّا كشدّ الحبل، أم غير حسّيّ كالبيع و أمثاله، لا أنّه حقيقة في الحسّيّ و مجاز في غيره، بل هو مشترك معنويّ بينهما.

و ثانيا: من منع كبراه، و هو إجمال المجاز بواسطة اتّساع علائقه، فإن اتّساع المعاني المجازيّة باتّساع علائقه، لا يؤثّر الإجمال في المراد بعد إعمال قاعدة حمل المنصرف عن معناه الحقيقيّ إلى الأقرب، فالأقرب عرفا من معانيه المجازيّة، إلّا فيما لو فرض تساويهما و عدم الأقربيّة العرفيّة بينها، و إلّا ففيما وجدت الأقربيّة العرفيّة لم يخالف أحد في التعويل عليها من أهل العرف، و لا من‌

____________

(1) الذريعة 1: 10- 11.

(2) مجمع البحرين 3: 103.

328

أهل اللسان، و لا من العلماء، سوى هذا الفاضل.

و أمّا ما يحكى عن نهاية العلّامة من موافقته لهذا الفاضل في القول بإجمال المجاز فغير معلوم، لاحتمال أن يريد من إجماله: إجماله في فرض عدم الأقربيّة العرفيّة، لا مطلقا، أو إجماله من حيث ذاته مع الإغماض عن ضميمة الأقربيّة إليه، و إلّا فلا مجال لإنكار كون الأقربيّة العرفيّة من المرجّحات الدلاليّة المعيّنة للمراد على تقدير إجماله.

و ثالثا: سلّمنا إجماله و عدم الأقربيّة المعيّنة للمراد، إلّا أنّ فهم مشهور الفقهاء جابر و معيّن للمراد من العقود في المقام و إن لم نقل بجابريّته في سائر المقامات.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا: دفع جميع موهمات و هن الآية الشريفة و إحياء دلالتها على كلّ من الصحّة و اللزوم، حتّى يرد المزيل الشرعيّ أو العرفيّ المتفرّع عليه إحياء كلّ ما يشكّ في صحّته و لزومه من العقود بعد إحراز كونه عقدا. فالأصل الأصيل الّذي عليه التعويل هو الصحّة و اللزوم في كلّ ما يشكّ في صحّته أو لزومه من العقود، لكنّه بعد إحراز صدق العقد عليه عرفا، الّذي هو عبارة عن الشدّ و الاستحكام الراجع إلى اعتبار التلفّظ بالصيغة الدالّة عليه، مضافا إلى اعتبار الاثنينيّة و لو بالاعتبار.

و من هنا يعلم ضعف تسمّك من تمسّك بعموم تلك الآية (1) على صحّة بيع المعاطاة و عدم مجرى لشمول عمومها المعاطاة؛ لأنّ نهوض العموم فرع صدق موضوع العامّ المنتفي صدقه عن المعاطاة، لعدم التلفّظ باللفظ الدالّ على الشدّ و الاستحكام في بيع المعاطاة، فلا بدّ من الركون في صحّتها إلى عمومات أدلّة أخر، كما لا يخفى.

____________

(1) المائدة: 1.

329

ثمّ إنّ الكلام في صحّة بيع المعاطاة و فساده يقع تارة في تشخيص محلّ النزاع و موضوعه المستنبط، و تارة في تشخيص حكمه.

أمّا الكلام في محلّ النزاع الّذي هو من الموضوعات المستنبطة فيقع من جهتين:

إحداهما: في تشخيص ما يعتبر في محلّ النزاع من قصد التمليك أو الإباحة.

الثانية: في تشخيص ما يعتبر في محلّ النزاع في المعاطاة من سائر شروط العوضين و المتعاوضين، و ما لا يعتبر منهما في المعاطاة.

أمّا الكلام في تشخيص محلّ النزاع من الجهة الأولى فالظاهر أنّ محلّ النزاع إنّما هو في المعاطاة المقصود بها التمليك، لا الإباحة، و لا مجرّد الإعطاء لتناول ما في يد صاحبه لجميع وجوه أنحاء المشخّص للموضوعات المتنازع فيها: من تصريح جماعة منهم عليه، و دلالة تعليلاتهم على الصحّة و الفساد عليه، تصريحا و تلويحا حسب ما تعرّض الماتن (1) لبسطه. و من مشاهدة أنّ الواقع المتداول في أيدي الناس هو المعاطاة بقصد التمليك، لا الإباحة.

و من أنّ المتبادر من بيع المعاطاة عرفا عدم الفرق بينه و بين البيع المشتمل على العقد إلّا الصيغة، و أنّهم يقصدون فيه كلّ ما يقصدون به في بيوعهم. و من أنّ قصد الإباحة فيها ينافي ما ترتّب عليها على القول بالصحّة من جواز الوطء و العتق و البيع و غير ذلك من آثار الملكية. و احتمال إلغاء الشارع للأكثر المقصود و ترتّب أثر الملكيّة عليه شرعا بالجعل الشرعيّ تعبّدا بعيد:

أوّلا: بقلّة النظير له في المعاملات شرعا، أو عدم النظير له رأسا.

و ثانيا: بعدم دليل عليه شرعا، و عدم إشعار كلامهم بالاستناد إليه.

____________

(1) المكاسب: 82- 83.

330

و ثالثا: بعدم بناء الشارع في المعاملات على الجعل، مضافا إلى أنّ المعاطاة و إن كانت أمرا عرفيّا لكنّها موضوع مستنبط يتعلّق عليها أحكام الشرع، و تحصيل هذا الموضوع ليس من الأمور التعبّدية شرعا أو عرفا، بل للشخص تحصيل كيفيّته بحسب عمل نفسه و عمل غيره. و لا ريب أنّ من راجع نفسه في معاملة المعاطاة رأى أنّه لم يقصد بفعله عند التعاطي سوى التمليك و التملّك.

فتلخّص بكلّ واحد من تلك الوجوه الخمسة تشخيص كون المقصود من المعاطاة التمليك و التملّك. و إن أبيت فلا أقلّ من إفادة تراكمها الظنّ باعتبار التمليك.

و من المعلوم المقرّر في محلّه كفاية مطلق الظنّ في الموضوعات المستنبطة.

نعم، الذي يوهم إرادة الإباحة في محلّ النزاع من المعاطاة أمران:

أحدهما: تعليل غير واحد من القائلين بفساد المعاطاة: بأنّه ليس بيعا؛ نظرا إلى أنّ صحّة السلب من علائم المجاز، كما أنّ عدمها من علائم الحقيقة.

و يدفعه: أنّه و إن كان بملاحظة نفسه ظاهر في إرادة نفي الماهيّة إلّا أنّه بملاحظة أظهريّة كلماتهم الأخر، بل و بعض تصريحاتهم محمول على إرادة نفي اللزوم.

و ثانيهما: اتّفاقهم- ظاهرا- على أنّ المعاطاة إن صحّت فلا تفيد سوى الإباحة، فصحّة حمل الإباحة عليها أمارة حقيقيّة فيها، كما أنّ عدم صحّة الحمل أمارة عدم الحقيقة، فمع قصد الملك و عدم الإباحة لا منشأ لإباحة التصرّف، إذ الإباحة إن كانت من المالك فالمفروض أنّه لم يصدر منه إلّا التمليك، و إن كانت من الشارع فالمفروض:

أوّلا: عدم الدليل عليه شرعا، بل و عدم إشعار كلامهم بالاستناد إليه.

331

و ثانيا: بقلّة النظير له شرعا، أو عدمه رأسا.

و ثالثا: بعدم بناء الشارع في المعاملات على إلغاء الأثر المقصود، و ترتيب أثر جعليّ من عنده، و مقتضى ذلك كون المقصود من المعاطاة الإباحة دون التمليك، أو التمليك من جهة اعتقاد أنّه يؤثّر التمليك و الجهل عن كونه لا يؤثّره، ضرورة استحالة توجّه القصد إلى تحصيل ما يعلم عدم حصوله.

و يندفع أيضا: إمّا على ما أشار إليه الكركيّ (1) من تفسير الإباحة المحمولة على المعاطاة على الملك الجائز- ناقلا إيّاه عن كلّ القائلين بالإباحة في المعاطاة- فلعدم منافاته للتمليك المطلق المقصود.

و إمّا على الأخذ بظاهر قول المجمعين على الإباحة في المعاطاة فلما ستعرف من عدم استلزام التمليك للتملّك و حصول أثر الملك. كما أنّ تكسير شي‌ء لا يستلزم انكسار ذلك الشي‌ء و قبوله الأثر، بل يدور مدار قابليّة محلّ التأثير للتأثّر من الخارج.

و إن أبيت عن ذلك فلا نابي من الالتزام بأنّ التمليك المقصود من المعاطاة تمليك معلّق على إمضائه في نظر العرف أو الشرع، لا تمليك منجّز حتّى ينافيه الحكم عليه في الخارج بالإباحة. أو بأنّه ليس تمليكا فقط، بل هو تمليك مع الإباحة على وجه التعدّد المطلوبي، لا التقييديّ حتّى ينتفي أحدهما بانتفاء الآخر في الخارج.

و إن أبيت عن ذلك أيضا فلا نابي من الالتزام بكون الإباحة المترتّبة على المعاطاة إباحة شرعيّة بالأشباه و النظائر الآتية في المتن في منع استتباع العقود للقصود؛ لأنّه و إن بعّده ما ذكر إلّا أنّه مع لا مناص عنه بعد دوران الأمر بين الالتزام به، أو الالتزام بما هو أبعد منه جدّا، و هو الالتزام بقصد الإباحة في‌

____________

(1) جامع المقاصد 4: 58.

332

المعاطاة، أو الالتزام بمخالفة الأصل الأصيل، و هو إفادة المعاطاة التمليك من غير دليل حسب ما يأتي الكلام فيه بالتفصيل.

فإن قلت: النزاع في أنّ المعاطاة حكمه الملك أو الإباحة مبنيّ على تأصّل الأحكام الوضعيّة و استقلالها. و أمّا بناء على انتزاعها من الأحكام التكليفيّة- كما هو التحقيق الّذي عليه المحقّقون منهم الماتن في أصوله (1)- فلا موقع لهذا النزاع و لا محلّ.

قلت: لو كان النزاع في أنّ المعاطاة تفيد الملكيّة أو الإباحة لكان مبنيّا على ما ذكر، إلّا أنّه ليس في الملكيّة و الإباحة، و إنّما هو في الملك و الإباحة.

و فرق الملك عن الملكيّة كفرق الملزوم عن لازمة الأعمّ، و السبب عن السببيّة و البول- مثلا- عن الناقضيّة، فلا يخفى كما خفي.

قوله: «بل لم نجد قائلا به إلى زمان المحقّق الثاني .. إلخ».

أقول: بل استكشف شيخنا العلّامة من عدم وجود قائل به من صدر الإسلام إلى زمان الكركيّ الّذي يقرب من تسعمائة سنة الإجماع بجميع أنحائه و أقسامه و طرقه، من القدماء و المتأخّرين، و القوليّ و الفعلي، و المحصّل و المنقول، و اللطفيّ و التقريري، و العادي و غيرها.

ثمّ إنّه لو سلّمنا عدم استكشاف الإجماع بجميع أقسامه من ذلك فلا أقلّ من استكشافه عن مدرك ظنّيّ و لو كشفا ظنّيّا، و به الكفاية لاندراجه تحت الظنون الخاصّة. بل لو تنزّلنا فلا أقلّ من استكشافه عن الظنّ الاطمئنانيّ بالواقع، و به الكفاية في الاعتبار حتّى عند من لم يكتف بمطلق الظنّ.

قوله: «للسيرة المستمرّة على معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك .. إلخ».

____________

(1) فرائد الأصول: 350- 351.

333

أقول: و يمكن الإيراد عليه نقضا: باستمرار سيرة أكثر الناس في عباداتهم على عدم تحصيل مسائلها و شروطها، كما هو حقّه من التقليد أو الاحتياط، و في معاملاتهم على شركة الأبدان، و شركة الوجوه و في الإجارة بقولهم: «كلّ يوم» أو «كلّ شهر بكذا من الثمن» مع عدم تعيين المدّة، و غير ذلك من المعاملات الفاسدة، و في سياساتهم على ضرب الأطفال الصغر و المماليك و الخدّام و النسوان و عقوبتهم بالعقوبات الفاحشة الفاجرة لأدنى جناية، بل و لغير جناية من ترك أدب و نحوه، و على التعرّض لإعراض الناس في غيابهم، و على السبّ و الاستهزاء و السخرية في حضورهم، و على المزاح بظواهر ما يعدّ من أنواع التجرّي المحرّم، إلى غير ذلك من سيراتهم الناشئة عن المسامحة و قلّة المبالاة في الدين.

و حلّا: بأنّ السيرة المذكورة على ترتّب آثار الملكيّة على المعاطاة إنّما تكشف عن رضا المعصوم لو لا قيام الإجماع المتقدّم على خلافه إلى زمان المحقّق الثاني. مضافا إلى أنّ السيرة إنّما هي على إباحة التصرّفات المشتركة بين الملك و عدم الملك: من البيع و الوطء و العتق و الإيصاء، لا على ترتّب الآثار المختصّة بالملك: كالتوريث و التخميس و التزكية ..، إلى آخر ما في المتن (1).

قوله: «و يدلّ عليه أيضا عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)».

أقول: و يمكن منع دلالته، لكن لا لمنع صدق البيع على بيع المعاطاة حتى يعدّ مكابرة؛ لأنّ البيع هو مبادلة مال بعوض، و هو حاصل في المعاطاة قطعا.

و لا لمنع عموم البيع كما قيل حتّى يدفعه: أنّه و إن لم يكن عمومه لفظيّا إلّا أنّ فيه عموم حكمتي يقتضيه حكمة دليل العقل.

و لا لانصراف عمومه عن بيع المعاطاة حتّى يدفعه: عدم وجود سبب من‌

____________

(1) المكاسب: 83.

(2) البقرة: 275.

334

سببي الانصراف، و هما غلبتي الوجود و الاستعمال في خلاف المعاطاة، بل إنّما هو لأجل أنّ تحليل البيع كما يحتمل أن يدلّ بالمطابقة على صحّة البيع عرفا، أو على حلّيّة جميع التصرّفات المترتّبة على البيع حتّى المتوقّفة على الملك الدالّ بالالتزام على حصول الملك من المعاطاة كذلك يحتمل دلالته على حلّيّة التصرّفات في الجملة في قبال حرمته الربا؛ ليكون إطلاقه واردا مورد بيان حكم آخر، أو على إمضاء ما يترتّب عرفا أو شرعا على البيع من التصرّفات، إن مالكيّة فمالكيّة، و إن غير مالكيّة فغير مالكيّة، فلا يدلّ إلّا على مجرّد الإمضاء و التأكيد و الإرشاد إلى ما هو المتداول الثابت عرفا أو شرعا على البيع، فيكون تشخيص آثار البيوع موكولة إلى المشخص الخارجي، و الآية (1) تدلّ على مجرّد إمضاء ما هو الثابت في الخارج تأكيدا له، لا مستفادة من دلالة الآية كما قيل به في دلالة آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

و حينئذ فإن لم نقل بظهور تحليل البيع المقابل لتحريم الربا في أحد المعنيين الآخرين فلا أقلّ من الشكّ في ظهوره في أحد المعنيين الأوّلين أيضا، و به الكفاية في بطلان الاستدلال، فتأمّل جدّا، فإنّ كلّا من احتمالي التأكيد و الورود مورد حكم آخر لعلّه مخالف لأصل أصيل إن لم يخالف ظاهر الدليل.

و ممّا ذكرنا يظهر سبيل المناقشة في التمسّك بآية تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3) على حصول الملك من المعاطاة من غير زيادة و نقصان، فإنّ الآيتين قريب المؤدّى جدا.

قوله: «لأنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة».

[أقول:] و ربّما يبعد بأنّ عموم التسليط و إن كان باعتبار أنواع السلطنة-

____________

(1) البقرة: 275.

(2) المائدة: 1.

(3) النساء: 29.

335

أعني: التسليط في نوع البيع، و نوع الإجارة، و نوع الهيئة، و نوع الوقف، و غيرها من أنواع التمليك دون التسليط باعتبار أفراد كلّ واحد من تلك الأنواع- إلّا أنّ إخراج فرد كالمعاطاة عن تحت أفراد نوع البيع و إن أوجب التقييد بالأصالة في نوع البيع لا في عموم التسليط إلّا أنّه بالواسطة يرجع أيضا إلى تقييد العموم، و هو خلاف الأصل و العموم، ضرورة أنّ التقييد مخالف لأصالة الإطلاق من غير فرق بين تعلّقه بالعموم بالأصالة أو بالتبع، لتعلّقه بفرد نوع من الأنواع المندرجة في العموم، و هو «كرّ على ما فرّ».

فإن قلت: غرض الماتن من توجيه العموم إلى أنواع السلطنة ورود عمومه مورد بيان حكم الأنواع دون الأفراد، فتكون الأفراد غير ملحوظة في العموم حتّى يعدّ خروج بعضها تخصيصا، بل هو تخصّص لا تخصيص.

قلت: التفصّي عن عموم التسليط (1) بدعوى ورود إطلاقه مورد بيان حكم آخر و إن لم يوجب «الكرّ على ما فرّ» عنه من العموم إلّا أنّه يحتاج إلى الإثبات و البرهان، إذ لا أقلّ من مخالفته الأصل و الظهور، إذا الورود مورد بيان حكم آخر أمر يحتاج إلى القرينة العرفيّة عليه، و إلّا لأمكن التفصّي عن كلّ عموم بمجرّد احتماله، حتّى عن عموم العلماء لكلّ فرد من أفراد نوع من أنواعهم و أصنافهم.

نعم، يمكن توجيه التفصّي عن عموم التسليط للزوم المعاطاة بوجه وجيه آخر، لعلّه مقصود الماتن أيضا و إن قصر عنه تعبيره- و هو أن يقال: إنّ عموم التسليط و إن فرض فيه ما فرض من السعة و الشمول لجميع الأنواع و الأفراد- إلّا أنّه مع ذلك لا يستلزم حصول التسليط في جميع محالّه و أسبابه، بل يدور حصول التسلّط و التأثّر مدار قابليّة ذلك المحلّ و السبب للتأثّر في الخارج بمجرّد قصد التسليط و عدم قابليته له.

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

336

كما أنّ عموم التكسير و التأثير لا يستلزم حصول الانكسار و قبول التأثّر في جميع محالّه و أسبابه، بل يدور مدار قابليّة ذلك المحلّ للتأثّر بذلك السبب و عدمه، فكما أنّ عدم قابليّة بعض المحالّ للتأثّر بكلّ سبب من أسباب التأثير يرجع إلى التخصّص لا إلى تخصيص عموم التأثير ببعض أفراده كذلك عدم حصول التملّك بمجرّد قصد التمليك في المعاطاة على القول به يرجع إلى التخصّص، لا إلى التخصيص في عموم التسليط حتّى يدفعه أصالة عدم التخصيص و التقييد. كما أنّ مرجع كلّ ما يستند عدم تأثّره بتأثير المؤثّر إلى عدم قابليّة المحلّ و السبب إنّما هو إلى التخصّص لا التخصيص.

ألا ترى أنّ عدم قابلية الضدّين للاجتماع لا يجدي تخصيصا في عموم قدرته تعالى على كلّ شي‌ء.

فظهر ممّا ذكرنا: ضعف تمسّك من تمسّك على حصول التملّك بالتعاطي بعموم «الناس مسلّطون» (1)، و ضعف من تمسّك أيضا بعمومه لنفي شروط العقد و الصيغة بالعربية و الماضويّة، و تقدّم الإيجاب، و صحّة التمسّك به لنفي شروط المتعاقدين. و أمّا شروط العوضين فستعرف جواز التمسّك به لنفي بعضها دون بعض.

قوله: «منها: أنّ العقود و ما قام مقامها لا تتبع القصود».

أقول: و يمكن الجواب عن التزام ذلك للقول بإباحة المعاطاة.

ثالثا- علاوة على الجوابين اللذين في المتن- بالتزام: أنّ المقصود من المعاطاة مجرّد إعطاء شي‌ء لتناول شي‌ء آخر من غير قصد الإباحة، و لا التمليك حتّى يلزم تخلّف العقود عن القصود، بل لمجرّد قصد تناول ما في يد صاحبه، كما هو المقصود من معاطاة المدلّس الغاشّ صاحبه بشي‌ء من أنواع التدليس و الغشّ‌

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

337

بإعطاء الفلوس القلّب و الدراهم الصوريّة، أو نحو ذلك ممّا يكون مقصوده من التعاطي مجرّد تناول ما في يد صاحبه و لو على وجه السرقة و الحرمة، إلّا أنّه يعطيه بدل ما أخذ منه، لا من باب إباحته أو تمليكه له، بل من باب القهر و الإكراه لأجل إسكاته عن المخاصمة و المطالبة حياء أو خوفا منه أو من الناس، كما هو المتداول ظاهرا من معاطاة غالب الفجّار و الفسّاق الّذين لا يبالون عن شي‌ء من أنواع المحرّمات، أعاذنا اللّٰه من القساوة.

و الفرض من ينتظر المتعاطي بالمدلّس الغاشّ، في عدم قصد التمليك و لا الإباحة ليس إلّا دفع ما زعمه الماتن من «امتناع خلوّ الدافع عن قصد عنوان من عناوين البيع» (1).

و رابعا: بالتزام قصد مجرّد إباحة التصرّفات من المعاطاة دون قصد التمليك.

و خامسا: بالتزام قصد الإباحة و التمليك على وجه التعدّد المطلوبيّ دون التقييدي، أعني: تقييد الإباحة بالتمليك حتّى تتخلّف العقود عن القصود عند القائل بإفادة المعاطاة الإباحة لا التمليك، فيكون المقصود في المعاطاة الإباحة و التمليك الناشئ عن زعم حصوله بالمعاطاة، و جهلا أو تجاهلا عن عدم حصوله بها.

و سادسا: بالتزام قصد التمليك المعلّق على تحقّقه في نظر العرف، أو إمضائه في نظر الشرع، فما دام لم يتحقّق عرفا أو لم يمض شرعا بالإجماع المفروض فهو باق على الإباحة بالإذن الفحوي، أو شاهد الحال، إذ لعلّ الالتزام بكلّ من هذه الالتزامات الستّة أهون من الالتزام بمخالفة أصل أصيل من غير دليل، أعني: مخالفة أصالة عدم التمليك بالمعاطاة من غير دلالة لفظ عليه.

____________

(1) المكاسب: 81.

338

قوله: «و منها قصر التمليك على التصرّف .. إلخ».

[أقول:] و توضيح ذلك بعبارة اخرى: أنّ فرض كون التصرّف مملّكا على القول بالإباحة في المعاطاة يستلزم كون المتصرّف في تمليك نفسه موجبا قابلا.

و فيه: أوّلا: النقض بجميع الإباحات الّتي يكون التصرّف فيها مملّكا في الهدايا و الضيافات و غيرهما المتقدّمة في الذكر.

و ثانيا: الحلّ بأنّ التصرّف في المعاطاة إن جعلناه من النواقل القهريّة- كما هو الأقوى و الأظهر- فلا يستلزم كون المتصرّف قابلا و لا موجبا. و إن جعلناه من النواقل الغير القهريّة فغاية ما يستلزم كونه موجبا، و أمّا كونه مع ذلك قابلا فلا.

و لو سلّمنا استلزام كونه موجبا و قابلا معا فنمنع استبعاد اللازم لوقوع الأشباه و النظائر الكثيرة له في الشرع:

منها: رجوع الزوج إلى مطلّقته الرجعيّة قبل قضاء عدّتها، حيث إنّ مجرّد رجوعه بلمس أو تقبيل يعدّ شرعا منزلة الإيجاب و القبول معا.

و منها: إيجاب الموكّل في العقد لنفسه، حيث إنّه كاف و مجزئ عن القبول في تحقّق العقد على القول بصحّته.

و منها: الآخذ بالشفعة فإنّه أيضا موجب و قابل.

و منها: الفاسخ بالخيار فإنّه أيضا كذلك.

قوله: «و ذلك جار في القبض .. إلخ».

[أقول:] و فيه: أوّلا: أنّه إن أراد جريانه في القبض و لو مع وجود الفرق المثمر بينهما فهو لا يثبت دعوى مساواة الفرضين، أعني: مساواة فرض الالتزام بالإباحة مع فرض الالتزام بالتمليك في المعاطاة، فضلا عن دعوى أولويّة الثاني من الأوّل.

و إن أراد جريانه في القبض من غير فرق مثمر بين الفرضين فهو ممنوع‌

339

جدّا، إذ من جملة فروقه و ثمراته: كون النماء الحاصل قبل القبض تابع لأصله على تقدير عدم جريانه في القبض، و غير تابع على تقدير جريانه.

و ثانيا: سلّمنا جريانه في القبض على وجه المساواة و عدم الفرق، بل الأولويّة إلّا أنّه مع ذلك لا يستلزم مساواة الفرضين في الحكم، ضرورة أنّ مساواة القبض للتصرّف في الرجوع إلى الإيجاب و القبول في المعاطاة، بل و أولويّته أيضا لا يستلزم مساواتهما في الحكم، أعني: المملكية، إلّا على حجّيّة القياس الّذي ليس من مذهبنا، بل و لا من مذهب مخالفينا في مثل المقام المفروض قيام الإجماع على خلافه.

قوله: «لا أنّ الوجوه المذكورة تنهض في مقابل الأصول و العمومات».

[أقول:] أي: في مقابل أصالة عدم ملكيّة التعاطي و عمومات «لا عتق إلّا في ملك» (1).

و فيه: أنّه كيف لا تنهض هذه الاستبعادات في مقابل تلك الأصول و العمومات؟ مع أنّها لا تقصر عمّا ينهض من الظنون العاديّة في مقابل أصالة عدم الدخول بالزوجة مع الخلوة التامّة، و عدم النفقة مع المعاشرة العامّة، و أصالة الطهارة و عدم النجاسة في غسالة الحمّام، و طين الطرق، و سؤر المتّهم من الصبيان و النسوان و الكفّار و المخالفين، و فراوي العراق المنهيّ الصلاة فيها، معلّلا بأنّهم يستحلّون الميتة بالدباغة (2)، إلى غير ذلك من موارد تقديم الظاهر على الأصل.

قوله: «و لا من القائم مقامها شرعا».

[أقول:] فيه منع؛ لأنّ التعاطي و إن لم يكن من العقود المعتبر في تحقّقها الإيجاب و القبول إلّا أنّه من القائم مقامها شرعا و عرفا في أغلب متاجرهم‌

____________

(1) عوالي اللئالي 3: 421 ح 3.

(2) الوسائل 2: 1081 ب «61» من أبواب النجاسات ح 4.

340

و مكاسبهم و مقاصدهم، بل في ما عدا النكاح و الطلاق من جميع عقودهم و إيقاعاتهم و نقلهم و انتقالاتهم، للإجماع و السيرة القطعيّة الكاشفة عن صحّتها و قيامها مقام العقود عرفا و شرعا، كتابا و سنّة بعموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)، و «الناس مسلّطون» (3).

قوله: «تبعيّة العقد للقصد و عدم انفكاكه عنه إنّما هو لأجل دليل صحّة ذلك العقد .. إلخ».

[أقول:] أي: لأجل قاعدة كلّيّة تبعيّة مطلق الأحكام الشرعيّة لأساميها، أي: موضوعاتها العرفيّة، و عدم انفكاكها عنها شرعا و عرفا، و دورانها مدارها وجوبا و عدما، كما لا يخفى على المتتبّع.

قوله: «السبب الفعلي لا يقوم مقام السبب القوليّ في المبايعات».

[أقول:] فيه ما عرفت من قيام الكتاب و السنّة و الإجماع و السيرة الوضعيّة على قيام التعاطي مقام السبب القوليّ في ما عدا النكاح و الطلاق في إقالة مطلق التملّك أو التمليك المطلق.

قوله: «تخلّف العقد عن مقصود المتبايعين كثيرة .. إلخ».

[أقول:] فيه: منع التخلّف أوّلا: بأنّ تبعيّة العقود خاصّة بالعقود الصحيحة.

و ثانيا: بأنّ التخلّف في موارده إنّما هو عن بعض المقصود بطروّ دليل، أو ضميمة قاعدة خارجيّة، بخلاف التخلّف عمّا نحن فيه.

و ثالثا: لو فرضنا التخلّف الكلّيّ أحيانا بمخرج خارجيّ فلا يقدح في كلّيّة القاعدة. كما أنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي، و تخصيص القواعد و العمومات غير عزيز.

____________

(1) البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

(3) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

341

قوله: «لإفادة العقد الفاسد الضمان عندهم في ما يقتضيه صحيحه».

[أقول:] و هذا معنى قولهم: «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و كلّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»، يعني: كلّ ما كان من العقود يترتّب الضمان على صحيحه- كعقد النكاح و نحوه- يترتّب الضمان على فاسدة لو فسد بتخلّل بعض شروط صحته، و كلّ ما كان منها لم يترتّب على صحيحه ضمان- كالهبة و الهديّة- لم يترتّب الضمان على فاسدة لو فسد بتخلّل شروط صحّته، و مأخذ هذه القاعدة كقاعدة «أنّ العقود تابعة للقصود» هو الاستقراء المحصّل من التتبّع في كلمات الشرع أو المتشرّعة الكاشفة عنه في باب المعاملات، كما هو المأخذ في أكثر قواعد باب المعاملات.

قوله: «فيكون كتصرّف ذي الخيار و الواهب فيما انتقل عنهما بالوطء و البيع و العتق و شبهها».

أقول: وجه الشبه: أنّ تصرّف ذي الخيار و الواهب بالوطء و نحوه كما يوجب لزوم الهبة و رفع الخيار كذلك تصرّف المتعاطي في المال المأخوذ بالمعاطاة يوجب لزوم المعاطاة.

لا يقال: إنّ التصرّف ملزم للتمليك في المشبه به فيقتضي أن يكون كذلك في المشبه، و الحال أنّ المقصود كونه ملزما للإباحة في المشبه و هو المعاطاة، فتشبيه المعاطاة ببيع الخيار و الهبة نقض للغرض الّذي هو في صدده من إفادة المعاطاة الإباحة، لا التمليك.

لأنّا نقول: الغرض المقصود من التشبيه: تشبيهه به في مجرّد ترتّب اللزوم على التصرّف و إن كان تعلّق اللزوم في المشبه به التمليك و في المشبه الإباحة و لكنّ الأشبه مع ذلك هو تشبيه مملّكية التصرّف في المال المتعاطي بمملّكية العتق و التصدّق عمّن وكّلك بقوله: «أعتق عبدك عنّي» أو: «تصدّق بمالك عنّي»،

342

فكما أنّ العتق و التصدّق عن الموكّل يقتضي بقاعدة «لا عتق إلّا [في] ملك» و نحوه الكشف عن سبق الملك على العتق و التصدّق آنا ما كذلك عتق الأمة المأخوذة بالمعاطاة أو وطؤها كاشف عن سبق الملك عليهما آنا ما، آخذا بمقتضى الجمع بين أصالة عدم الملك، إلّا في الزمان المتيقّن بوقوعه، و بين دليل جواز التصرّف المطلق و أدلّة (1) توقّف بعض التصرّفات على الملك.

فكما أنّ قول القائل: «أعتق عبدك عنّي» يدلّ بدلالة الاقتضاء على تمليك العبد إيّاه لتوقّف صحّة العتق عليه شرعا كذلك إباحة المتعاطيان التصرّف في المال المتعاطي- الّذي من جملته العتق و الوطء- تدلّ بدلالة الاقتضاء على مملّكيّة العتق و الوطء له؛ لتوقّفهما على الملك شرعا.

ثمّ إنّ المعيار المائز بين التصرّفات المملّكة للمال المأخوذ بالمعاطاة، و بين الغير المملّكة له بناء على إفادة المعاطاة الإباحة دون التمليك: هو أنّ كلّ تصرف كان من قبيل التصرّفات الموجبة للضمان أو الأرش أو الإضرار على صاحب المال فهو من التصرّفات المملّكة للمتعاطي، و كلّ تصرّف لم يوجب شيئا ممّا ذكر لم يكن مملّكا له، فلا يخفى.

قوله: «فهو استبعاد محض».

[أقول:] أي: استبعاد من غير مستبعد، و فرض السيرة مستبعدة رجوع إلى السيرة، و قد عرفت و هن اعتبارها بالنقض و الحلّ السابقين، فلا وجه لتعداد ما يزعمه الجاهل متعدّدا، و الحال أنّ مرجع جميعها إلى السيرة الموهون اعتبارها بالنقض و الحلّ، مع أنّ تعلّق الاستطاعة الموجبة للحجّ و تحقّق الغنى المانع عن استحقاق الزكاة لا يتوقّفان على الملك، بل يتوقّفان على القدرة، و لهذا يحكمون باستطاعة من بذل له الزاد و الراحلة و بغنى من كان له حرفة أو صنعة أو قدرة على‌

____________

(1) الوسائل 16: 6 ب «5» من أبواب العتق.

343

اكتساب ما يكفي مئونة سنته.

نعم، الّذي يتوقّف على الملك ظاهرا، كتعلّق الخمس و الزكاة، و أداء الديون، و حقّ الشفعة، و الميراث، لا استبعاد في الالتزام بانتظار تصرّف أحد المتعاطيين في المال المتعاطي بناء على عدم إفادة المعاطاة التملّك. و هل تجد من نفسك استبعادا في الالتزام بتوقّف حقّ الشفعة على تصرّف المشتري في الدار المشفع بالدخول أو السكون فيه آنا ما، و بتوقّف الزكوات و الديون على تصرّف المتعاطيين في المال المتعاطي؟

نعم، إن كان استبعاد فإنّما هو ناشئ إمّا عن توهّم استلزام القول بالإباحة المجرّدة، لعدم تعلّق شي‌ء من الزكوات و الديون و حقّ الشفعة بما في يد المتعاطيين مطلقا و لو تصرّفا فيه، لا في خصوص فرض ما إذا لم يتصرّفا فيه بعد.

و إمّا ناشئ عن استبعاد أصل تحقّق فرض عدم التصرّف في ما في اليد من المال المأخوذ بالتعاطي إلى أن يورث، أو يصير معرضا لتعلّق الأخماس و الزكوات و نحوهما، لا عن استبعاد حكم الفرض بعد تحقّقه.

و بعبارة اخرى: أنّ الاستبعاد ناشئ عن أصل ندور وقوع الفرض و تحقّقه بحيث كاد أن يلحق و عدم بالمعدومات و الفرضيّات البحتة، لا أنّه ناشئ عن استبعاد الحكم ببقاء الإباحة و عدم التملّك على الفرض بعد وقوعه و تحقّقه في الخارج، فتدبّر فإنّ كثيرا من الاستبعادات المتعلّقة بالأحكام راجعة بعد التأمّل و التدرب إلى أصل ندور تحقّق موضوعاتها، لا إلى نفس الحكم بعد تحقّق موضوعه.

قوله: «كما يقدّر ملكية المبيع للبائع و فسخ البيع من حين التلف استصحابا لأثر العقد».

أقول: و لتقدير الملكية في الفقه أشباه و نظائر أخر يقرّب تقديره في ما نحن فيه، بل يعيّنه لاتّحاد المناط الباعث على الالتزام به فيها مع الباعث على الالتزام‌

344

به في المعاطاة:

فمنها: الإجماع على صحّة العتق و التصدّق بمالي عن الغير إذا قال لي:

«أعتق عبدك عنّي»، أو «تصدّق بمالك عنّي» و الرجوع إليه في ثمن المعتوق و الصدقة، مع أنّ صحّة العتق و التصدّق عن شخص و الرجوع إليه في قيمة العبد و التصدّق كلّها من آثار الملكيّة، و لمّا لم يكن فيه ملكية قديمة التجأوا إلى تقدير الملكيّة المستحدثة قبل العتق و التصدّق آنا ما.

و منها: جواز وطء الغاصب الجارية المبتاعة بالثمن المغصوب مع علم البائع بغصبيّة ثمنها، و جواز تصرّف الغاصب بجميع التصرّفات المالكيّة في ثمن المبيع المغصوب مع علم المشتري بغصبيّة المثمن، مع أنّ الوطء و نحوه من التصرّفات من آثار تملّك الغاصب ثمن المغصوب أو مثمنة، و الحال أنّ مجرّد إباحة المال المبذول له بإزاء رفعه اليد عن المغصوب لا يثبت الملكيّة القديمة له، فلا بدّ من تقديرها في التصرّفات المالكيّة.

و منها: الأكل و الشرب و غيرها من التصرّفات المباحة للشخص اختيارا في مال الضيافة و الهديّة، و قهرا في حقّ المارّة و غيره من الإباحات المجّانية المترتّب عليها بعض آثار الملكيّة.

إلّا أن يقال بما قاله الشهيد في قواعده: من أنّه لا ضرورة إلى التقدير هنا (1)، و هو مبنيّ على كون الأكل و الشرب من آثار مجرّد الرضا، لا الملكيّة حتى يحتاج إلى تقديرها، و هو قويّ نظرا إلى قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)، و لم يقل: إلّا عن ملك، و «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (3)، و لم يقل: إلّا عن ملك.

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 69.

(2) النساء: 29.

(3) عوالي اللئالي 2: 113 ح 309.

345

و منها: انعتاق كلّ من العمودين على المشتري بمجرّد الشراء، حيث قدّروا الملك فيه قبل الانعتاق و بعد الشراء آنا ما، تحفّظا على قاعدة «لا عتق إلّا في ملك».

و منها: ما عن جماعة من الأصحاب: من تمليك الوكيل عوض ما يشتريه لنفسه من مال الموكّل، و ثمن ما يبيعه لنفسه من أعيان مال الوكيل إذا قال له:

«اشتر لنفسك من مالي ذلك الشي‌ء»، أو: «بع لنفسك ذلك العين من أعيان مالي»، مع أنّ تمليك الوكيل ما يشتري لنفسه من مال الموكّل له في شرائه لنفسه، أو ثمن المبيع الموكّل في بيعه لنفسه من آثار تملّكه ذلك المال، و المبيع الموكّل في بيع لنفسه من آثار تملّكه ذلك المال و المبيع، و لمّا لم يكن له ملكيّة قديمة بمجرّد التوكيل فلا بدّ من تقديرها لئلّا يلزم تخلّف قيام الثمن في غير مقام المثمن، و بالعكس.

إلى غير ذلك من موارد عدم الملكيّة القديمة المترتّب عليها آثار الملكية كلّا أو بعضا، فإنّها من الأشباه و النظائر المقرّبة لتقدير الملك في ترتّب الآثار الملكيّة على المعاطاة، و من موارد نقض استبعاد ترتّب التصرّفات المالكيّة عليها مع إفادتها الإباحة دون الملكيّة القديمة.

و حلّ ذلك النقض و تفصيل ذلك الإجمال: أنّ الجمع بين دليل إباحة التصرّفات المالكيّة الغير المنفكّة عن الملك في تلك الموارد المذكورة و بين دليل عدم الملكيّة فيها و أصالة عدمها إلّا في الزمان المتيقّن كما يقتضي الالتزام بتقدير الملك في آخر أزمنة إمكان تقديره في تلك الموارد، كذلك الجمع بين دليل ترتّب التصرّفات المالكية الغير المنفكّة عن الملك على المعاطاة و بين دليل الإجماع المتقدّم على عدم إفادتها الملكيّة و أصالة عدمها إلّا في الزمان المتيقّن يقتضي تقدير الملك قبل صدور التصرّفات المالكيّة و ترتّبها على المعاطاة آناً ما.

346

و إن شئت قلت: كما أنّ دليل إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك يدلّ بدلالة الاقتضاء على تقدير الملك في تلك الموارد المذكورة، كذلك دليل إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك في المعاطاة يدلّ بدلالة الاقتضاء على تقدير الملك في آخر أزمنة إمكان تقديره.

لا يقال: إنّ تقدير الملك في تلك الموارد المذكورة إنّما ثبت بالإجماع فلا يتعدّى إلى غيرها.

لأنّا نقول: الإجماع إن ثبت في تلك الموارد فإنّما هو على صحّة العتق و الوطء و سائر التصرّفات المالكيّة، لا على تقدير الملك قطعا، و تقدير الملك فيها إنّما هو للتحفّظ على القواعد الشرعيّة في مثل «لا عتق إلّا في ملك» و نحوه، كما لا يخفى على من تتبّع مظانّها و لاحظها بأدنى ملاحظة.

قوله: «مشكل».

أقول: إن كان وجود المخالف موجبا للإشكال و الوهن في تحصيل الإجماع البسيط على نفي اللزوم فينبغي أن يوجب الإشكال و الوهن في تحصيل الإجماع المركّب على نفيه أيضا؛ لاتّحادهما في وجود المخالف، إذ كما أنّ للبسيط مخالفا في قباله كذلك للمركّب أيضا مخالف في قبالهما. و إن كان وجود المخالف غير موهن و مشكل في تحصيل الإجماع البسيط على نفي اللزوم فالعدول عن تحصيله إلى تحصيل الإجماع المركّب. بقوله: «نعم، يمكن .. إلخ» (1) ترجيح بلا مرجّح، و تفصيل بلا مفصّل، و لعلّ أمره بالتأمّل (2) أيضا إشارة إلى ذلك، أو إلى الوهن في تحصيل المركّب أيضا، فتدبّر و تأمّل.

بقي الكلام في حجّية القول بعدم إفادة المعاطاة الإباحة رأسا، أو التفصيل بين ما إذا كان الدالّ على التراضي و المعاملة اللفظ و عدمه.

____________

(1) المكاسب: 86.

(2) المكاسب: 86.

347

و لعلّه: إمّا لدعوى الاقتصار على القدر المتيقّن من التوقيفات و أصالة عدم الإباحة و التراضي في ما عدا القدر المتيقّن.

و يندفع بما عرفت من عدم ريب و لا شكّ بعد إطلاق قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1)، و الإجماع المنقول، بل المحصّل بالتقريب المتقدّم، بل الضرورة على صحّة المعاطاة حتّى يبادر إلى الأخذ بالمتيقّن من صحّة البيوع.

و إمّا لتوهّم تخصيص إطلاق تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و معاقد الإجماع و الضرورة بظهور قوله (عليه السلام): «إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» في حصر أسباب الحلّيّة في الكلام. فقد صحّ عن ابن أبي عمير أنّه لمّا سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجيئني و يقول: اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، فقال (عليه السلام): «أ ليس إن شاء أخذ، و إن شاء ترك؟! قلت: بلى، قال: لا بأس إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» (2).

و يندفع أيضا: إمّا بتخصيص عموم مفهوم حصر أسباب حلّيّة البيع في الكلام بقيام الإجماع على خروج المعاطاة عن عموم مفهوم الحصر.

و إمّا بجعل الإجماع على حلّيّة المأخوذ بالمعاطاة من دون كلام قرينة كون الحصر حصر تقييد لا حصرا مطلقا، أعني: حصر قلب لقلب اعتقاد المخاطب عدم إفادة الكلام الحلّية في بيع ما ليس عنده، كما في قوله، تعالى إِنَّمٰا يُوحىٰ إِلَيَّ أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ .. (3)، مع عدم انحصار الوحي إليه في التوحيد، و عدم انحصار صفاته تعالى في الوحدة. و كما في قوله تعالى وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ .. (4)، مع عدم انحصار صفاته، (صلى اللّٰه عليه و آله) في الرسالة. فكما أنّ الحصر في‌

____________

(1) النساء: 29.

(2) الوسائل 12: 376 ب «8» من أبواب أحكام العقود ح 4.

(3) الأنبياء: 108.

(4) آل عمران: 144.

348

الآيتين حصر تقييد بقرينة قيام الدليل الخارجيّ على عدم إطلاق الحصر كذلك في الحديث حصر تقييد بقرينة الإجماع، بل الضرورة المذكورين.

و إمّا بجعل الإجماع قرينة كون المبيع في مورد الرواية عند مالكه الأوّل، ليكون وجه انحصار إيجاب البيع في الكلام في مورد الرواية هو عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد.

و أمّا حصر الماتن (قدس سرّه) وجه انحصار إيجاب البيع في الكلام في عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد دون سائر الوجوه المتقدّمة بقوله: «إذ المفروض أنّ المبيع عند مالكه الأوّل» (1) ففيه: منع كون المفروض ذلك، بل الغالب كون المبيع عند السمسار و الدلّال، لا عند مالكه الأوّل، بل الظاهر من تضمين السؤال الإشارة إلى الحاضر بقوله: «اشتر لي هذا الثوب» أيضا ذلك، و لو سلّمنا فلا أقلّ من تساوي الاحتمالين في مورد السؤال، فيعمّهما الجواب من باب ترك الاستفصال. و لعلّ الأمر بالتأمّل (2) في كلامه إشارة إلى ذلك أيضا.

قوله: «فلا ينفع الاستصحاب».

[أقول:] و توجيه عدم نفعه يرجع: إمّا إلى صيرورة الشكّ في لزوم المعاطاة بعد فقد التعيّن السابق به الذي هو من شروط صحّة الاستصحاب شكّا في الحادث الّذي لا يجري فيه الأصل، و على تقدير جريانه غير معتبر عند العقلاء.

و إمّا إلى صيرورة استصحاب الملك بعد رجوع أحد المتعاطيين أصلا مثبتا لإثباته اللزوم، و هو فصل من فصول كلّيّ الملك المستصحب، لا أثر شرعي. و قد اشتهر في لسان متأخّر المتأخّرين بأنّ إثبات الفصول بالأصول غير مقبول.

و لكن يدفعه:

أوّلا: بإمكان دعوى كفاية تحقّق القدر المشترك في الاستصحاب، و لكنّه‌

____________

(1) المكاسب: 86.

(2) المكاسب: 86.

349

مضافا إلى ابتنائه على تقدير حجّية استصحاب الكلّيّ مع الشكّ في تعيين فرده و تردّده بين ما هو باق جزما و ما هو مرتفع كذلك: إمّا مبنيّ على تقدير القناعة بترتيب آثار كلّي الملك على استصحابه- أعني: ترتيب إباحة التصرّفات الثابتة على استصحاب الكلّيّ، لا لترتيب اللزوم الّذي هو فصل ذلك الكلّيّ و من لوازمه الغير الشرعيّة- و إمّا مبنيّ على تقدير الالتزام بكون اللزوم من الأمور المنتزعة عن الإباحة، و ليس من الأمور المتأصّلة و الفصول المقوّمة لكلّيّ الملك حتّى يكون إثباته بالأصول غير مقبول. و لعلّ أمر الماتن (1) بالتأمل إشارة إلى مباني حجّية استصحاب الكلّيّ في المقام، أو إلى ما فيها من الكلام.

أمّا المبنى الأوّل- و هو حجّية استصحاب الكلّيّ المردّد بين ما هو باق جزما و ما هو مرتفع كذلك، المعبّر عنه بالشكّ في الاستعداد، و الممثّل له باستصحاب كلّيّ الحيوان الدائر بين البقّ و الفيل إلى أطول زمان، يمكن عيش الفيل فيه- فهو و إن صحّحه الماتن في أصوله (2) إلّا أنّه محلّ خلاف، و المخالف له المحقّق القمّي (قدس سرّه).

و أمّا المبنى الثاني- و هو القناعة- فلأنّه لا يجدي ما نحن بصدده من إثبات لزوم المعاطاة على القول بإفادته الملك.

و أمّا المبني الثالث فهو و إن صحّحه الماتن أيضا في أصوله وفاقا للمحقّقين إلّا أنّ الكلام في المقام مبنيّ على تقدير خلافه.

و ثانيا: بمنع كون نسبة اللزوم إلى الملك نسبة الفرد إلى الكلّيّ، و ذلك لأنّ انقسام الملك إلى اللزوم و الجواز من جهة الاختلاف في أسبابه، لا من جهة الاختلاف في حقيقته بالوجدان و البرهان المذكورين في المتن (3)، و مقتضى ذلك‌

____________

(1) المكاسب: 85.

(2) فرائد الأصول: 371.

(3) المكاسب: 85.

350

أن يكون اللزوم من الأمور المنتزعة الصرفة عن استصحاب الملك، لا من الفصول و الخصوصيّات المقوّمة له حتّى يكون إثباتها بالأصول غير مقبول، و أن يكون استصحاب الملك من غير الاستصحابات الكلّيّة المردّدة بين ما هو باق جزما من الأفراد، و ما هو مرتفع كذلك منها حتى يكون معرضا للتأمّلات السابقة، بخلاف مقتضى الجواب الأوّل.

و ثالثا: بأنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّ اللزوم من خصوصيّات الملك، أو من لوازم السبب المملّك، و ذلك: إمّا على تقدير صحّة الاستصحاب على كلّ من تقديري المشكوك فيه فواضح. و إمّا على تقدير صحّته على تقدير دون تقدير فلعدم فقدان شي‌ء من الشروط المعتبرة في الاستصحاب من اليقين السابق و الشكّ اللاحق و بقاء الموضوع. و أمّا تعيين علّة الشكّ و منشئه فليس من الشروط، فتأمّل و تدرّب.

قوله: «نعم، لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة».

ي [أقول:] و ذلك لأنّ المدّعي قد يوجّه الخلاف في وقوع العقد و صدوره بلفظ الهبة، أو بلفظ دالّ على اللزوم، مع الإغماض عن رجوع الدعوى إلى لزوم العقد الصادر أو جوازه، فإنّه بهذا اللحاظ يحتمل التحالف، نظرا إلى أنّ الأصل لا يشخّص اللفظ المتنازع في صدوره، بخلاف لحاظ توجّه الدعوى إلى لزوم العقد الصادر في الخارج و عدم لزومه، فإنّ الأصل بهذا اللحاظ يشخّص اللزوم.

و بالجملة: أنّ وجه الدعوى إلى أسباب اللزوم لم يكن في الدين أصل يشخّص أسباب اللزوم، و أنّ وجهها إلى المسبّب كان الأصل اللزوم.

فتلخّص ممّا ذكرنا: صحّة اقتضاء الأصول اللفظيّة و العمليّة اللزوم في كلّ عقد شكّ في لزومه، و كذا لو شكّ في أنّ الواقع في الخارج هو العقد اللازم أو غيره، سواء كان في غير مقام التداعي، أو في مقام التداعي ما لم تتوجّه الدعوى‌

351

إلى جهة غير اللزوم، كما لا يخفى، إلّا أنّ الظاهر في ما نحن فيه قيام الإجماع بجميع أنحائه، بل الضرورة على عدم لزوم المعاطاة و خروجها عن تحت أصالة اللزوم كما عرفت، و ستعرف من المتن و غيره.

قوله: «فالقول بالملك اللازم قول ثالث. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ هذا الإمكان خلاف ما هو ظاهر المفيد و غيره و مقتضى الأصول العمليّة من استصحاب الملكيّة و اللفظيّة من إطلاق الكتاب و السنة من أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) و «الناس مسلّطون» (3) و «البيعان بالخيار ما لم يفترقا».

قوله: «فتعيّن المعنى الثالث .. إلخ».

أقول: فيه- مضافا إلى ما في المعنى الثالث من استلزام إضمار العدم و الوجود المخالف للأصل- منع تعيين المعنى الثالث في الرواية؛ لما ستعرفه.

قوله: «أو المعنى الرابع .. إلخ».

أقول: فيه- مضافا إلى ما فيه من استلزام التفكيك بإرجاع قوله: «إنّما يحلّل الكلام» إلى العهد الذكري، و هو المقاولة و المراوضة، و إرجاع الكلام الآخر في قوله: «إنّما يحرّم الكلام» إلى العهد الذهنيّ المخالف للظاهر- منع تعيين المعنى الرابع في الرواية، كمنع تعيين شي‌ء من سائر المعاني الثلاثة المتقدّمة فيه، بل المتعيّن في الرواية معنى خامس أقرب عرفا من تلك المعاني، و أسلم ممّا لم يسلم منه سائر المعاني، و هو إرادة أنّ الكلام المعهود ذكرا في مورد الرواية- و هو المراوضة و المقاولة أو جنس الكلام- سبب تحليل المبيع على المشتري و تحريمه على البائع، و بعكسه في الثمن.

____________

(1) البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

(3) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

352

و من الواضح سلامة هذا المعنى عمّا يستلزم كلّ واحد من المعاني المذكورة في المتن (1)؛ و ذلك لسلامته عمّا في معنييه الأوّلين من عدم انطباق الجواب للسؤال فيهما، و عمّا في معناه الثالث من استلزام الإضمار المخالف للأصل، و عمّا في رابعة من استلزام مخالفة الظاهر و التفكيك بين محلّي اللام بإرجاع أحدهما إلى العهد الذكريّ و الآخر إلى الذهني.

فإن قلت: المعنى الخامس و إن سلم عمّا في سائر المعاني المذكورة في المتن إلّا أنّه لم يسلم عن مخالفة ظاهر آخر، و هو الالتزام بتقييد الحصر بحصر القلب، أو تخصيص عموم مفهوم الحصر بإخراج بيع المعاطاة.

قلت: مضافا إلى أنّ تقييد الحصر أو تخصيص عموم مفهومه مشترك الورود بين المعنى الخامس و سائر معاني المتن لا ريب أنّ التقييد و التخصيص أولى من سائر المجازات.

فإن قلت: إنّ المعنى الخامس يستلزم التخصيص بالأكثر في معنى الرواية؛ لأنّ ظاهره حصر أسباب التحليل و التحريم في الشريعة في اللفظ، فيستلزم إخراج الهدايا و التحف و المعاطاة و الضيافات و موارد شاهد الحال.

قلت: نمنع الملازمة أوّلا: بظهور الرواية بقرينة مورد السؤال في حصر أسباب تحليل البيع و الشراء الذي لا يستلزم لإخراج ما عدا بيع المعاطاة من الأمور المذكورة، لعدم دخول ما عدا المعاطاة في البيع حتى يحتاج إلى الإخراج، و ليس المراد من الرواية حصر أسباب مطلق التحليل و التحريم في الشريعة في اللفظ حتّى يستلزم لإخراج جميع ما ذكر.

و ثانيا: بأنّ الالتزام بخروج الهدايا و الضيافات و المعاطاة، و سائر الموارد المأذون فيها بشاهد الحال على تقدير التسليم لا يستلزم التخصيص بالأكثر في‌

____________

(1) راجع المكاسب: 86.

353

حصر أسباب التحليل و التحريم في الشريعة في الكلام؛ و ذلك لأنّ الباقي تحت ما يتوقّف تحليله على الكلام من أسباب أنواع البيوع و الإجارات و القروض و النذورات و الأنكحة و الأطلقة و سائر العقود اللازمة و الجائزة أكثر من الخارج بكثير قطعا.

و ثالثا: سلّمنا كون الخارج أكثر من الباقي لكنّ خروجه الأكثر ليس بالتخصيص حتّى يستهجنه العرف، بل إنّما هو بالتقييد، و هو غير مستهجن عرفا؛ و ذلك لأنّ عموم المفرد المحلّى باللام- أعني: لفظ الكلام- عموم حكمتيّ من شئون الإطلاق عندنا معاشر المشهور، لا عموم لفظيّ كما توهّم.

و رابعا: لو سلّمنا لزوم التخصيص بالأكثر فإنّما هو مشترك الورود بين المعنى الخامس و بعض سائر المعاني الأربعة، لا أنّه مختصّ بالمعنى الخامس.

ثمّ إن هذا كلّه في تشخيص حكم المعاطاة بعد تشخيص موضوعه المتنازع فيه من الجهة الاولى، أعني: من جهة اعتبار قصد الإباحة أو التمليك.

بقي الكلام في تشخيص موضوعه المتنازع فيه من الجهة الثانية الموعود عليها، أعني: تشخيص اعتبار سائر شروط البيع من شروط العوضين و المتعاوضين في المعاطاة و عدم اعتبارها.

فعن صاحب الحدائق (1) و الشهيد في المسالك (2): أنّه يعتبر في صحّة المعاطاة جميع ما يعتبر في البيع ممّا عدا الصيغة الخاصّة من شروط العوضين و المتعاوضين.

و عن الشهيد (قدس سرّه) في حواشيه (3) على القواعد عكس ذلك، أعني: عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع في المعاطاة، و لا من أحكامه.

____________

(1) الحدائق 18: 350.

(2) مسالك الأفهام 3: 147.

(3) حكاه عنه العامليّ في مفتاح الكرامة 4: 159.

354

و وجه بالتفصيل بين الشروط المستفاد اعتبارها في البيع بالدليل اللفظيّ، كالنصوص و الظواهر فتعتبر في المعاطاة، و بين الشروط المستفاد اعتبارها فيه بالدليل اللبيّ، كالإجماع و الشهرة فلا يعتبر.

و تفصيل آخر بين أن تكون المعاطاة مفيدة للملك، فيعتبر فيها ما يعتبر في البيع، و بين أن تكون مفيدة للإباحة فلا يعتبر فيها ما يعتبر فيه.

و تفصيل ثالث بين اعتبار ما عدا رفع الجهالة من شروط البيع في المعاطاة و اغتفار الجهالة فيها.

و التحقيق أن يقال: أمّا على القول بكون المقصود من المعاطاة الإباحة و لو مع ضميمة قصد التمليك على وجه التعدّد المطلوبيّ لا التقييدي، أو على القول المختار من كونها مفيدة للإباحة المالكية لا الشرعيّة و لو كان المقصود التمليك فلا إشكال في عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع و لا أحكامه في المعاطاة، فضلا عن شروط سائر العقود اللازمة و الجائزة، فيجوز المعاطاة على كلّ واحد من هذه الأقوال مع جهالة الثمن و المثمن، و جهالة الأجل، و مع عدم التقابض في المجلس في النقدين، بل و مع الصدور عن غير البالغين، بل و مع عدم حصول التعاطي فعلا من الطرفين بأن حصل الإعطاء فعلا من جانب واحد، أخذا بإطلاق تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1)، و «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (2).

كما لا إشكال في اعتبار جميع شروط البيع ما عدا الصيغة الخاصّة في المعاطاة على القول بإفادتها الملك اللازم، و كذا على القول بإفادتها الإباحة الشرعيّة لا المالكيّة، و ذلك: إمّا على القول بإفادتها الملك اللازم فلكونها بيعا لازما- و هو من أكمل أفراد البيع- فيلحقها جميع الشروط المعتبرة في البيع. و إمّا‌

____________

(1) النساء: 29.

(2) عوالي اللئالي 2: 113 ح 309.