التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
355

على القول بإفادتها الإباحة الشرعيّة فلأنّه و إن لم يكن كذلك إلّا أنّه لمّا كان دليل الإباحة الشرعيّة هو السيرة و الإجماع دون التراضي و طيب النفس فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن من معقده، و هو الجامع لشروط البيع.

و وجه عدم نهوض إطلاق التراضي و طيب النفس على القول بالإباحة الشرعيّة: هو تقييد رضا المتعاطيين بالحصول في ضمن التملّك المفروض إلغاؤه و انتفاؤه شرعا، و انتفاء القيد- و هو التملّك- قاض بانتفاء المقيّد- و هو الرضا و طيب النفس- هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في أنّه على القول بإفادتها الملك الجائز- كالمحقّق الكركيّ (1)- هل يعتبر فيها ما يعتبر في البيع من شروط العوضين و المتعاوضين مطلقا؛ نظرا إلى إطلاق البيع عليها حينئذ فيلحقها ما يلحقه من الشروط و الأحكام، أم لا يعتبر فيها مطلقا بناء على نقل البيع شرعا إلى البيع اللازم، و هو الصادر بصيغة خاصّة أو انصرافه إليه، أم التفصيل بين الشروط المعتبرة في البيع بالدليل اللفظيّ فيعتبر فيها، و بين الشروط المعتبرة فيه بالدليل اللبّيّ فلا تعتبر، نظرا إلى الأخذ بالمتيقّن في اللّبيّات، أم التفصيل بين اعتبار ما عدا الجهالة فيها من سائر شروط البيع، و بين اغتفار الجهالة فيها، نظرا إلى أنّ سيرة الناس جارية على عدم تعيين مقدار المكث، و لا مقدار التصرّف، و لا موضع المكث في الحمّام و السفن و المنازل و الدوابّ و غيرها، بل و لا تعيين ثمن الأجرة و المبيع اكتفاء بقولهم: «حالك حال الناس» و نحو ذلك؟ وجوه أربعة، بل أقوال:

أمّا الأوّل منها- و هو اعتبار جميع شروط البيع و أحكامه في المعاطاة ما عدا الصيغة الخاصّة- فإنّما يبتنى على القول ببقاء البيع عرفا فيما يشمل المعاطاة، و عدم صيرورته حقيقة شرعية و لا متشرّعة فيما عدا و المعاطاة ممّا يقع بصيغة‌

____________

(1) جامع المقاصد 4: 58.

356

خاصّة.

كما أنّ الثاني منها- و هو عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع فيها- إنّما يبتنى على صيرورته حقيقة شرعيّة فيما يقع بصيغة خاصّة، أو انصرافه إليه.

كما أنّ الثالث منها- و هو التفصيل بين الشروط المعتبرة في البيع بدليل لفظيّ و بين غيرها- إنّما يبتنى على بقائه شرعا في المعنى العرفيّ الشامل للمعاطاة، و صيرورته حقيقة اصطلاحيّة عند المتشرّعة فيما عدا المعاطاة ممّا يقع بصيغة خاصّة، و هو الأقوى و الأظهر؛ لأنّ نفي الحقيقة الشرعيّة عن ألفاظ المعاملات و إن كان هو الموافق لأصالة العدم- أعني: عدم النقل و الاشتراك- و للشهرة العظيمة، بل الاتّفاق، إلّا أنّه لا مجال لإنكار اصطلاح المتشرّعة له فيما عدا المعاطاة ممّا يقع بصيغة خاصّة؛ للشهرة، بل الإجماع المنقول عن غير موضع من مفتاح الكرامة (1)، و به الكفاية في إثبات ما يكون من الموضوعات المستنبطة الكافي في إثباتها مطلق الظنّ اتّفاقا.

فتبيّن من ذلك: أنّ أصحّ المباني هو المبنى الثالث المتفرّع على صحّته اعتبار جميع الشروط المعتبرة في البيع باللفظ، لا اللبّ في المعاطاة على القول بإفادتها الملك.

و أمّا استشهاد الماتن على القول الثاني- و هو عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع في المعاطاة حتّى على القول بإفادتها الملك بقوله: «لانصراف المطلق إلى الفرد المحكوم باللزوم (2) .. إلخ» ففيه: أنّه إن أريد الانصراف القهريّ الناشئ عن وجود أحد سببي الانصراف من غلبتي الوجود و الاستعمال- كما هو الظاهر- ففيه: أنّ غلبة البيع اللازم الناشئ عن إعمال الصيغة الخاصّة على البيع المعاطاة‌

____________

(1) مفتاح الكرامة 4: 154.

(2) المكاسب: 87.

357

بأحد الغلبتين ممنوعة إن لم تكن معكوسة بالحسّ و العيان.

و إن أريد الانصراف القصديّ الناشئ عن اصطلاح المتشرعة للبيع في اللازم دون اصطلاح الشارع فهو و إن كان حقّا إلّا أنّه لا يثبت مدّعاه الّذي هو بصدده من عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع في المعاطاة؛ لما عرفت من أنّ غاية مقتضاه هو عدم اعتبار الشروط المستفادة من الدليل اللّبيّ في المعاطاة، لا عدم الشروط مطلقا.

كما أنّ استشهاد صاحب الجواهر عليه أيضا في جواهره بالشواهد الآتية مدفوع بمنع الصغرى، و هي أصل الشاهد في بعضها، و منع الكبرى، و هي شهادة الشاهد في بعضها الآخر.

فمن جملة ما استشهد به على عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع في المعاطاة: هو صحّة سلب اسم البيع عنها، و هو ممنوع جدّا؛ لأنّه: إن أريد صحّة سلب اسم البيع عرفا فقد عرفت الشهرة، بل الاتّفاق المنقول، بل المحصّل من التبادر.

و التصريح بكون البيع: هو مبادلة مال بمال كما عن المصباح (1)، أو ما يؤدّي مؤدّاه كما في المجمع و غيره من: أنّه إعطاء ثمن و أخذ مثمن (2). فيعمّ الحاصل من صيغة خاصّة و عدمه، و بأصالة عدم النقل و الشهرة، بل الاتّفاق على عدم الحقيقة الشرعيّة في ألفاظ المعاملات يثبت كونه في الشرع كذلك.

فقد استظهر الماتن (قدس سرّه) من كلام المحقّق الثاني نفي الكلام عن إطلاق البيع على المعاطاة (3)، حتّى على القول بفسادها كالعلّامة (4)، فضلا عن القول بصحّتها،

____________

(1) المصباح المنير 1: 69.

(2) مجمع البحرين 4: 303 و فيه: إعطاء المثمن و أخذ الثمن.

(3) المكاسب: 87.

(4) نهاية الإحكام 2: 449.

358

فكيف و كلامنا على فرض إفادتها الملك؟! و إن أريد صحّة سلب اسمه عنها في عرف المتشرّعة لاصطلاحهم البيع في البيع اللازم المشتمل على الإيجاب و القبول بصيغة خاصّة، أو صحّة سلبه مجازا مريدا به سلب اللزوم من باب سلب المطلق و إرادة سلب المقيّد فهو و إن كان مسلّما إلّا أنّه لا يثبت المدّعى، و هو عدم اعتبار شي‌ء من شروط البيع في المعاطاة، بل غاية ما يثبت على التقدير الأوّل هو عدم الشروط المعتبرة في البيع بالدليل اللّبيّ. و أما على التقدير الثاني فلا يثبت ذلك أيضا، فضلا عن غيره.

و من جملة ما استشهد به الجواهر أيضا على عدم كون المعاطاة بيعا: هو استشهاده بإطلاق قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1)، و «من أقال نادما ببيعه أقال اللّٰه عثرته» (2)، و «من اشترى حيوانا كان بالخيار إلى ثلاثة أيّام» (3) إلى غير ذلك ممّا لا يتمّ في بيع المعاطاة المفروض كونه جائزا بالذات إلّا بتكلّف مستقبح يمكن القطع بفساده. انتهى (4).

و طريق الاستدلال بها على عدم كون المعاطاة بيعا هو اقتضاء إطلاقها: أن يكون كلّ بيع قابلا للخيار و الإقالة- و هو بقاعدة عكس النقيض- يستلزم لقوله:

«كلّ ما ليس بقابل كالمعاطاة ليس ببيع».

و فيه: أوّلا: أنّ مقتضى الإطلاقات المذكورة لا تقاوم ما تقدّم من الشهرة، بل الاتّفاق على كون المعاطاة بيعا عرفا، حتّى على القول بفسادها كالعلّامة.

و ثانيا: نمنع عدم قابليّة المعاطاة للخيار و الإقالة و غير هما ممّا ذكر، بل هو‌

____________

(1) الوسائل 12: 346 ب «1» من أبواب الخيار ح 3.

(2) الوسائل 12: 286 ب «3» من أبواب آداب التجارة ح 2، مع اختلاف في اللفظ.

(3) لم نجده بهذا اللفظ في مصادر الحديث، و ورد مضمونه في الأخبار، انظر الوسائل 12:

348 ب «3» من أبواب الخيار.

(4) جواهر الكلام 22: 241- 242.

359

قابل و إن لم تظهر ثمرة جريان الخيار و الإقالة فيها إلّا بعد اللزوم، فالخيار و الإقالة و غير هما ممّا ذكر موجودة من زمن المعاطاة، إلّا أنّ أثرها يظهر بعد اللزوم، و على هذا فيصحّ إسقاطه و المصالحة عليه قبل اللزوم، كما سيأتي عند تعرّض الملزمات.

و من جملة ما استشهد (1) به أيضا على ما ذكر: استشهاده بأنّ قوله (عليه السلام): «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (2) كالصريح في عدم تحقّق البيع بالتقابض الّذي هو في الحقيقة من أحكام البيع، أو شرط في صحّته في الصرف.

و فيه: أنّه و إن سلّم ظهوره في عدم تحقّق البيع بالتقابض الّذي هو من أحكام البيع أو من شروط صحّته إلّا أنّه لا يقاوم ما تقدّم من الاتّفاق على شمول البيع العرفيّ للمعاطاة و التقابض، و حينئذ فهو قرينة تخصيص عموم كلّ بالبيع بصيغة خاصّة، أو ارتكاب الاستخدام بإرجاع الضمائر المتتالية للعامّ إلى بعض أفراده على الخلاف في أنّ العامّ المتعقّب ضميرا يرجع إلى بعض أفراده مخصّص لعمومه، أو موجب للاستخدام.

و من جملة ما استشهد به أيضا على ما ذكر (3): استشهاده بفحوى ما تسمعه في النكاح، بل و الطلاق و الظهار و غير هما من الإيقاعات المعلوم عدم جريان المعاطاة فيها. بل ربّما قيل بشمول العقود لها بناء على إرادة مطلق الملزم من العقد فيها و لو من جانب.

بل قد يشهد له ما في الدعائم: قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في البيع و الشراء و النكاح و الحلف و الصدقة (4).

____________

(1) جواهر الكلام 22: 242.

(2) الوسائل 12: 358 ب «10» من أبواب الخيار.

(3) جواهر الكلام 22: 242.

(4) دعائم الإسلام 2: 27- 28 ح 53.

360

و فيه: أنّه إن أريد من فحوى دلالة عدم جريان المعاطاة في النكاح على عدم جريانه في البيع على وجه يعدّ في العرف بيعا هو مفهوم الموافقة فهو قياس محض، و تسميته بدلالة الفحوى محلّ نظر.

و إن أريد من دلالته عليه بالفحوى دلالته عليه بالأولويّة فهي ممنوعة إن لم تكن معكوسة، ضرورة أغلبيّة سائر ما يجري فيه المعاطاة من العقود: كالإجارة و الوكالة و البيع و الشركة و الوديعة و العارية و الرهن و القرض و الضمان و الكفالة، و غيرها على ما لا يجري فيه، كالنكاح و الطلاق مع الإشكال في كونه عقدا، فالالتزام بخروج ما يجري فيه المعاطاة مع كثرة مواردها عن تحت الأصل و القاعدة ليس بأولى من الالتزام بخروج ما لا يجري فيه المعاطاة مع قلّة موارده، بل انحصاره في النكاح إن لم يكن الأولى، بل المتعيّن هو الثاني.

[و ينبغي التنبيه على أمور]

[الأول الظاهر أن المعاطاة قبل اللزوم على القول بإفادتها الملك بيع]

قوله: «و أمّا على القول بالإباحة».

[أقول:] فيشكل بأنّه بعد عدم حصول الملك بها لا دليل على تأثّرها في الإباحة.

و فيه: أنّ ذلك الإشكال إنّما يتمّ لو أردت من الإباحة الإباحة الشرعيّة المستلزمة لإلغاء الشارع الإباحة المالكيّة.

و أمّا لو أريد من الإباحة الإباحة المالكيّة فالدليل على تأثّرها في الإباحة هو إطلاق تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1)، و «طيب النفس» (2) و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3)، و «الناس مسلّطون» (4) و إن لم يصدق التعاطي الفعليّ من الطرفين؛ لأنّ الموضوع المستنبط المتعلّق به الإباحة، و التحليل ليس لفظ «المعاطاة» حتّى يدور الحكم‌

____________

(1) النساء: 29.

(2) عوالي اللئالي، 2: 113 ح 309.

(3) البقرة: 275.

(4) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

361

مدار صدقه، بل إنّما هو البيع و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و «طيب النفس» الصادق مطلقا و إن لم يصدق التعاطي فعلا.

و بالجملة: فلا إشكال في عدم اعتبار حصول التعاطي فعلا من الطرفين في صحّة المعاطاة، إلّا على القول بإفادتها الإباحة الشرعيّة من جهة انحصار دليل الإباحة الشرعيّة، مع عدم الإباحة من جانب المالك في دعوى قيام السيرة عليها كقيامها على الإباحة في المعاطاة الحقيقة.

أمّا على القول بإفادتها الملك فلعموم حكم البيع لكلّ بيع فعليّ صدق التعاطي عليه أم لا؟

و أمّا على القول بإفادتها الإباحة المالكية فلإطلاق تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و «طيب النفس» و إن لم يكن المقصود من المعاطاة التمليك، مضافا إلى صدق البيع عرفا و شرعا على القول بإفادتها الإباحة المالكيّة إذا كان المقصود منه التمليك، و عرفا فقط لا شرعا على القول بكون المقصود منه مجرّد الإباحة.

و الحاصل: أنّ المعاطاة الحقيقيّة هي ما حصل فيها التعاطي فعلا من الطرفين على وجه يمكن تنزيل أحدهما منزلة الإيجاب، و الآخر منزلة القبول، سواء لم يقترن بصيغة أصلا أم اقترن بصيغة فاسدة، فإنّ كلّ عقد صدر بلفظ فاسد انقلب معاطاة و ألحقه حكمها، كما استظهره في الدروس (1) أيضا عمّا نقل عن الحلبيّ (2) من حكمه بلزوم البيع الصادر بلفظ فاسد بمجرّد التصرّف من أحد الطرفين.

و يقرب منه: حصول التعاطي فعلا من طرف واحد على وجه ينزّل منزلة البيع نسية.

و دونه في القرب حصوله فعلا، لكن من غير إعطاء أصلا، فضلا عن‌

____________

(1) الدروس الشرعيّة 3: 194.

(2) الكافي في الفقه: 355.

362

التعاطي، كتناول الماء مع غيبة السقّاء و وضع ثمنه في المكان المعدّ له.

و دونه في القرب: حصول مجرّد المقاولة فعلا بينهما من غير حصول فعل فعلا، فضلا عن حصول الإعطاء، و فضلا عن حصول التعاطي، و فضلا عن حصول التعاطي الفعليّ من الطرفين.

و دونه في القرب: حصوله من غير تحصيل و لا مقاولة و لا إيصال، فضلا عمّا عداه، كما إذا فرض اتّفاق حصول مبيع في يدك و حصول ثمنه في يد بائعه بواسطة اتّفاق تهافت الأرباح و نحوه، و علم كلّ منهما رضا الآخر في تملّك ما وقع في يده من مال الغير بإزاء تملّك الغير ما وقع في يده من ماله.

و إذ قد عرفت أنّ صور المعاطاة خمس فأعلم: أنّه لا إشكال في انحصار المعاطاة الحقيقيّة في الصورة الأولى منها، و لا في صدق البيع العرفيّ على ما عدا الصورة الأخيرة من سائر الصور. و أنّه لمّا لم تكن المعاطاة موضوعا مستنبطا للحكم بالإباحة في المسألة لم يكن إشكال في إلحاق ما عدا الصورة الأخيرة بالصورة الأولى حكما، و إن خرجت عنها موضوعا بناء على المختار في إفادة المعاطاة الإباحة المالكيّة، لأنّ دليل الإباحة المالكيّة هو قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و «طيب النفس»، و «الناس مسلّطون». و المفروض إطلاقها على كلّ ممّا عدا الصورة الأخيرة.

نعم، بناء على القول بإفادة المعاطاة الإباحة الشرعيّة لمّا كان دليلها السيرة و الإجماع اتّبع الحكم للقدر المتيقّن من معقدهما، و أشكل جريانهما فيها عدا الصورة الاولى من باقي الصور، سيّما في الصورة الثالثة، و سيّما في الرابعة، فإنّ إشكال جريان السيرة و الإجماع في الصورة الثالثة آكد من إشكال جريانهما في الصورة الثانية؛ نظرا إلى أنّ كثرة تداول الصورة الثالثة في معاملات الناس لم يبلغ مبلغ تداول الصورة الثانية في الكثرة. كما أنّ تداول الصورة الرابعة لم يبلغ مبلغ‌

363

تداول الصورة الثالثة فيها.

و أمّا الصورة الخامسة- و هي الصورة الأخيرة- فلمّا لم يطلق عليها البيع العرفيّ لم يكن وجه لإلحاقها بالمعاطاة حكما، أعني: في الحكم بلزومها بمجرّد التصرّف، و لا في غير ذلك من أحكام البيع. كما لم تلحق بها اسما و إن أبيح لكلّ منهما التصرّف فيما وقع في يده من مال الغير، مع علم كلّ منهما برضا الآخر، إلّا أنّه لا يلحق تصرّفهما أحكام البيع من اللزوم و غيره، بل يتعلّق بذمّة المتصرّف بعد ذهاب العين بتصرّفه، المثل في المثليّ، و القيمة في القيميّ، كما في التصرّفات الغير المأذون فيها، غاية الفرق بين التصرّفين: أنّه حلال على الأوّل، و حرام على الثاني. و أمّا من حيث إنّ المترتّب على ذمّة المتصرّف المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ فكلاهما سيّان.

قوله: «و إن خصّصنا الحكم بالبيع».

[أقول:] و ذلك: إمّا على القول بأنّ حرمة الربا من أحكام مطلق المعاوضة كما عليه المحقّق (1) و غيره فواضح إطلاق حرمته في المعاطاة، سواء قلنا بأنّها مفيدة للإباحة أو الملك. و إمّا على القول باختصاص حرمة الربا بالبيع كما عن ابن إدريس (2)، فوجه حرمته في المعاطاة: إمّا على القول بإفادة المعاطاة الملك فواضح أيضا، لكونه بيعا في الشرع و العرف. و إمّا على القول بإفادتها الإباحة لا الملك فلما أشار إليه الماتن (قدس سرّه) في أوّل التنبيه من استظهار كونه بيعا عرفيا و إن لم يؤثّر شرعا إلّا الإباحة (3).

نعم، لا يتوجّه إطلاق تحريمه الربا فيه على القول بأنّ المقصود في المعاطاة مجرّد الإباحة خاصّة. و لعل إطلاق الماتن (قدس سرّه) الحرمة ناشئ عن‌

____________

(1) شرائع الإسلام 3: 219.

(2) السرائر 2: 253 و 257.

(3) المكاسب: 87.

364

الإغماض عن هذا الفرض؛ لضعّف القول به جدّا، و إلّا فقد صرّح هو في أوّل التنبيه: بأنّ المعاطاة على هذا القول ليست بيعا، لا شرعا و لا عرفا (1)، و مع ذلك كيف يطلق الحرمة فيه حتّى على القول باختصاص حرمته بالبيع؟ و لعلّ الأمر بالتأمّل في بعض النسخ إلى إشارة الى ذلك، و كون الزيادة الربويّة في الإباحة المعوّضة إباحة بلا عوض.

[الأمر الثالث تميّز البائع عن المشتري]

قوله: «الثالث تميّز البائع عن المشتري».

أقول: تميّز البائع عن المشتري لمّا كان متفرّعا على إحراز أصل البيع في المعاملة فلا بدّ أن نقول مقدّمة: إنّ المتعاطيين إن قصدا في التعاطي إباحة كلّ منهما ما يعطي صاحبه فلا إشكال في عدم كونه بيعا في العرف، كما أنّه لا إشكال في كونه بيعا في العرف و لو قصدا في التعاطي تمليك كلّ منهما الآخر ما يعطيه.

إنّما الإشكال في أنه لو قصدا من التعاطي مجرّد المبادلة و تناول كلّ منهما مال الآخر من غير قصد الإباحة و لا خصوص التمليك هل يعدّ بيعا في العرف؛ نظرا إلى أنّ الأصل في معاملة الأعيان البيع، كما أنّ الأصل في معاملة المنافع الإجارة، أمّ يعدّ مصالحة ليلحقه أحكام المصالحة الّتي من جملتها: جواز المصالحة مع الإقرار و الإنكار، و مع الجهل و غيره؛ نظرا إلى أنّ المصالحة معناها:

التسالم على شي‌ء و رفع الخصومة فيه، و هو الجنس الأعمّ و القدر المتيقّن من المقصود في جميع المعاملات، فيقتصر عليه عند الشكّ في قصد الزائد، أم يعدّ من الهبة المعوّضة ليلحقه أحكامها المختصّة بها؛ نظرا إلى إمكان انحلال كلّ من التبادلين إلى إيجاب و قبول على حدة، فإعطاء الثمن بمنزلة إيجاب، و أخذه بمنزلة قبول. و كذا إعطاء المثمن بمنزلة إيجاب آخر، و أخذه بمنزلة قبول آخر، فكما أنّ الهبة المعوّضة تناول مشتمل على إيجاب و قبول بإزاء تناول كذلك كذلك ما نحن فيه، أم يعدّ معاملة مستقلّة لئلّا يلحقها شي‌ء من الأحكام المختصّة بسائر‌

____________

(1) المكاسب: 87.

365

المعاملات؟ وجوه، أقربها انطباقا على أصالة عدم ترتّب شي‌ء من الآثار و الأحكام المختصّة بغيرها عليها هو المعاملة المستقلّة.

و أمّا أصالة البيع فليس لها معنى سوى الغلبة، و مجراها إنّما هو في معاملات الناس المشكوك كيفيّتها على الشخص، لا في معاملات نفسه المعلوم كيفيّتها عنده.

و كذا أصالة عدم قصد ما يزيد على التسالم الّذي هو معنى المصالحة فإنّها لا تجري في معاملات نفس الشخص، مضافا إلى أنّ الشكّ بالنسبة إلى قصد المتعاطيين شكّ في الحادث، لا الحدوث حتّى يجري فيه الأصل. فتبيّن أنّ الأصل الأصيل كونه معاملة مستقلّة، و مقتضاه عدم ترتّب الأحكام المختصّة بسائر المعاملات عليه إلّا بعد التصرّف، فيلزم ترتّب أحكام اللزوم عليه من حين التصرّف، لا من أوّل المعاملة، أخذا بأصالة العدم إلى الزمان المتيقّن، كما يلزم ترتّب أحكام اللزوم في سائر المعاملات الغير اللازمة من حين التصرّف.

و إذا عرفت ما يعدّ بيعا من أقسام المعاطاة و ما لا يعدّ فاعلم: أنّ البائع و المشتري لمّا كانا من الموضوعات المستنبطة الّتي خصّ الشارع كلّا منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، كحكمه بأنّ ما تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (1) و لمشتري الحيوان الخيار إلى ثلاثة أيام (2)، فلا بدّ بعد تمييز كون المعاملة بيعا من بيان ما يتميّز البائع عن المشتري. و قد اختلف كلم الأصحاب في طرق تمييز كلّ منهما عن الآخر، و مع ذلك لم يتمكّنوا من تعريف المائز بما يصحّ طردا و عكسا، فأقرب طرق تميّز كلّ منهما عن الآخر هو الإحالة إلى العرف.

إذن لا أقول بعدم إمكان تعريف المميّز لهما بما عدا الحوالة إلى العرف.

____________

(1) الوسائل 12: 358 ب «10» من أبواب الخيار.

(2) الوسائل 12: 348 ب «3» من أبواب الخيار.

366

بل أقول: لمّا كان حصول امتيازهما من مراجعة العرف أوضح من مراجعة غيره لم يسلم تعريف المميّز لهما بغير ذلك عن التعريف بالأخفى أو الأعمّ أو الأخصّ.

و أيضا لا أقول: إنّ الرجوع إلى العرف تمييز كلّ منهما عن الآخر في جميع الموارد بحيث لم يبق لتميّزه مورد اشتباه مخفيّ الامتياز من العرف.

بل إنّما أقول: إنّ بمراجعة العرف و إن لم يحصل امتيازهما في جميع الموارد إلّا أنّ امتياز غالب موارده منه و الرجوع إلى الأصول العمليّة في النادر المخفيّ امتيازه من العرف على تقدير تحقّقه أقرب من التعريفات الّتي لم يسلم شي‌ء منها عن التعريف بالأخفى أو الأعمّ أو الأخصّ.

و وجه الأقربيّة: أنّ القاعدة في تشخيص الموضوعات المستنبطة و تميّز بعضها عن بعض هو أنّه إن شخّصها هو كان المرجع إلى تشخيصه و تمييزه، و إن لم يشخّصها هو كان المرجع في تمييزها إلى العرف، و إن لم يحصل أحيانا من العرف تميّزها أو تمييز بعض مواردها كان المرجع لا محالة إلى الأصول العمليّة.

ثمّ الأصل العمليّ فيما لم يشخّص امتياز البائع عن المشتري من العرف قد يقتضي عدم ترتّب أحكام المبيع على مشكوك المبيعيّة، و قد يقتضي عدم ترتّب أحكام المشتري للحيوان من الخيار إلى ثلاثة أيام على المشكوك مشتريّته، و قد يقتضي عدم ترتّب كلا حكمي البائع و المشتري على مشكوك البائعيّة و المشتريّة، و قد لا يقتضي عدم ترتّب شي‌ء من الحكمين، كما لا يقتضي ترتيبه بواسطة تعارضه بأصل آخر، أو رجوعه إلى الشكّ في الحادث على حسب اختلاف موارد الشكّ.

و بالجملة: فالمرجع في تمييز البائع عن المشتري إلى العرف، و ما لم يحصل تمييزه منه على تقدير تحقّقه فالمرجع فيه إلى الأصل العمليّ المختلف‌

367

مقتضاه بحسب اختلاف الموارد. و أمّا تعريفاتهم المميّز فمع كثرتها تعريفات غالبيّة لا يحصل التمييز بها دائما:

فمنها: ما عن القطب: من جعل المعيار المائز للبائع عن المشتري في النقد، كالدراهم و الدنانير و الفلوس المسكوكة، فمن يعطي النقد فهو المشتري، و من يعطي غيره فهو البائع (1).

و فيه: أنّ المائز المذكور غير مطّرد فيما كان العوضان كلاهما من النقد، أو كلاهما من غير النقد.

و منها: ما عن الشهيد (2): من علاوته على المعيار المذكور معيارا آخر، و هو دخول الباء، فما من شأنه الاقتران بباء العوضيّة من العوضين فهو المثمن (3)، و ما ليس من شأنه الاقتران بها منهما فهو المبيع.

و فيه أيضا ما في الأوّل من عدم اطّراده في معاوضة النقد بنقد آخر، أو الجنس بجنس آخر؛ لشأنيّة كلّ منهما الاقتران بباء العوضيّة.

و منها: ما عن بعض: من جعل المعيار المائز بينهما في لفظ «البيع» و «الشراء»، فمن قال: «بعت» فهو البائع، و من قال: «اشتريت» فهو المشتري.

و فيه: أنّه غير مطّرد في بيع الأخرس و إن عمّمه بما من شأنه التلفّظ بالبيع و الشراء. و إن لم يتلفظّ ففيه أيضا: أنّه غير مطّرد في تعويض الدراهم بالدنانير، و الخبز بالحنطة مثلا.

و منها: ما استقواه الماتن من جعل المائز في البادئ و المستتبع، فمن بدأ في الإعطاء و الدفع فهو البائع، و من تبعه فيه ثانيا فهو المشتري (4).

____________

(1) فقه القرآن 2: 55.

(2) القواعد و الفوائد 2: 265.

(3) كذا في الأصل، و الظاهر أنّ الصحيح «فهو الثمن»، و كما في المصدر.

(4) المكاسب: 88.

368

و فيه أيضا: أنّه غير مطّرد، إذ كثيرا ما يبدأ المشتري في إعطاء الثمن، ثمّ يستتبعه البائع في إعطاء المثمن.

و منها: ما ارتضاه الماتن (1) من التفصيل بين ما إذا كان أحد العوضين ممّا تعارف جعله ثمنا كالدراهم و الدنانير، و بين ما إذا كان العوضان من غيرهما، حيث جعل المعيار في الأوّل في الثمن، فالمشتري هو صاحب الثمن، مع عدم التصريح بالخلاف، و البائع هو آخذ الثمن كذلك. و في الثاني جعل المعيار في القصد، فالمقصود دفعه بالأصالة هو المبيع، و المقصود دفعه بالتبع لأجل قيامه مقام الآخر فهو الثمن.

و أمّا لو لم يلاحظ إلّا كون أحدهما بدلا عن الآخر من دون نيّة قيام أحدهما مقام الثمن في العوضيّة، أو لوحظ القيمة في كليهما فاحتمل كون كلّ منهما مصداقا للبائع و المشتري باعتبارين فيحنث كلّ منهما لو حلف على عدم البيع أو عدم الشراء، مع احتمال أن يترتّب على كلّ منهما أحكام البائع و المشتري بالاعتبارين.

و بطلان الماتن (قدس سرّه) على وجه الجزم بعدم ترتيب أحكام البائع و لا المشتري عليهما؛ لانصرافهما في أدلّة تلك الأحكام إلى من اختصّ بصيغة البيع أو الشراء، فلا يعمّ من كان في معاملة واحدة مصداقا لهما باعتبارين (2) فممّا لا ينبغي. مضافا إلى ما في جعل المعيار القصد من إفادته التمييز لنفس المتبايع دون الغير، كالحاكم لو ترافعا عنده. إلى غير ذلك من التعريفات الراجعة إلى ما ذكر، و التعريف بالغالب كجعل المعيار في مصدر الإيجاب و القبول، أو مصدر الفعل و الانفعال.

[الرابع أن أصل المعاطاة يتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه]

قوله: «على وجوه».

[أقول:] و محصّل الوجوه: أنّ المقصود من التعاطي، بل من كلّ متعامل:

____________

(1) المكاسب: 88.

(2) المكاسب: 88.

369

إمّا تمليك بإزاء تمليك، و إمّا تمليك بإزاء تملّك، و إمّا إباحة بإزاء إباحة، و إمّا إباحة بإزاء تملّك. إلى غير ذلك من الوجوه المتصوّرة.

و الكلام فيها: تارة في تشخيص الفرق المائز بعضها عن بعض، و تارة في تشخيص حكمها من حيث الصحّة و البطلان، و تارة في تشخيص ما يترتّب عليها على تقدير الصحة من إباحة جميع التصرّفات أو بعضها.

أمّا الكلام في المقام الأوّل فتفصيله: أنّ الفرق بين ما إذا قصد المتعاطي التمليك بإزاء التمليك و بين أن يكون مقصوده التمليك بإزاء التملّك كون المعاملة في الأوّل بين التمليكين، أعني: الفعلين المؤثّرين للملك، لا بين الملكين اللازمين من التمليك. و في الثاني بين التمليك و حصول ملك فالمعاملة على الأوّل متقوّمة بالعطاء من الطرفين، بحيث لو مات الثاني قبل الدفع لم تتحقّق المعاطاة، و هو بعيد عن معنى البيع، و قريب إلى معنى الهبة المعوّضة، بخلافه على الثاني حسب ما يستفاد تفصيله من المتن (1).

و أمّا الكلام في المقام الثاني و الثالث فتفصيله: أنّه لا إشكال في صحّة الفرضين الأوّليين، و لا في ترتّب إباحة جميع التصرفات حتّى المالكيّة عليهما حسب ما في المتن. إنّما الإشكال في صحّة الفرضين الأخيرين، أعني: فرضي قصد الإباحة بإزاء الإباحة، أو بإزاء التملّك، و في ترتّب جميع التصرفات المالكيّة عليهما على تقدير الصحّة.

أمّا الكلام في أصل صحّتهما فممّا لا ينبغي الإشكال فيه، بعموم السيرة، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)، و تحليل طيب النفس (3)، و تسليط الناس على‌

____________

(1) المكاسب: 88.

(2) النساء: 29.

(3) عوالي اللئالي 2: 113 ح 309.

370

أموالهم (1) على وجه، و «المؤمنون عند شروطهم» (2) حسب ما سنتعرّض لتفصيله عند تعرّض الماتن له، اقتفاء بآثاره، و إن كان الأنسب تقديم الكلام فيه.

و أمّا الكلام في ترتّب إباحة جميع التصرّفات حتّى المالكيّة على التعاطي بقصد الإباحة بإزاء الإباحة فتفصيله: أنّ الماتن و إن استظهر عدم ترتّبها (3) تبعا للشيخ (4) و الشهيد (5) إلّا أنّ الأظهر وفاقا للأكثر، بل الإجماع المركّب، و عدم القول بالفصل بين التصرّفات على وجه منقول هو ترتّب إباحة جميع التصرفات حتّى المتوقّفة على الملك على التعاطي بقصد الإباحة، من غير فرق بين التصرفات المالكيّة و غيرها، فيجوز وطء الجارية للمباح له و عتقها، و غيرهما من التصرفات المالكيّة و لو لم يسبقها شي‌ء من التصرّفات الملزمة للإباحة، كما صرّح به في الجواهر (6) أيضا؛ و ذلك لعموم جريان السيرة، و إطلاق تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و طيب النفس، و تسليط الناس على أموالهم.

و أمّا ما زعمه الماتن (7) من منافاة عمومها لمؤدّي قاعدة توقّف العتق على الملك، و توقّف الوطء على التحليل بصيغة خاصّة لا بمجرّد الإذن في مطلق التصرفات، ففيه: منع المنافاة نقضا بصحّة عتق عبدك عن الغير بمجرّد استدعائه، من غير سبق تمليك إياه، و صحّة وطء جارية الغير بمجرّد قوله: «أبحت لك وطئها».

و جواب الماتن: بأنّ قول الرجل: «أعتق عبدك عنّي بكذا» استدعاء‌

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222 ح 99.

(2) الوسائل 15: 30 ب «20» من أبواب المهور ح 4.

(3) المكاسب: 89.

(4) المبسوط 3: 315.

(5) حكاه عن حواشيه النجفيّ «(قدس سرّه)» في جواهر الكلام 22: 224.

(6) جواهر الكلام 22: 214- 215.

(7) المكاسب: 89.

371

لتمليكه و إعتاق المولى عنه جواب لذلك الاستدعاء، فيحصل النقل و الانتقال بهذا الاستدعاء و الجواب، و يقدر وقوعه قبل العتق آنا ما، فيكون هذا بيعا لا يحتاج إلى الشروط المقرّرة في عقد البيع (1)، مدفوع: بأنّه مضافا إلى كونه مجرّد تمحّل و تكلّف يستلزم عدم القول بصحّة العتق في أكثر الموارد الّتي لم يكن التمليك الضمنيّ مقصودا للمتكلّم و المخاطب، كالعوام، بل و أكثر الخواصّ، و يستلزم أيضا صحّة تمليكه العبد المأمور بعتقه و انعزال نفسه عن العتق.

و حلّا: بأنّ منافاة «لا عتق إلّا في ملك» (2) لعموم إباحة جميع التصرّفات بالعمومات المذكورة موقوف على أن يكون معناه: لا عتق إلّا في ملك خاصّ، أعني: الخاصّ حصوله بتحصيلك، و هو ليس بأولى من أن يكون معناه: لا عتق إلّا بملك، سواء أحصل بتحصيلك و اختيارك، أم حصل قهرا بجعله تعالى، و استبعاد حصوله القهريّ بجعله تعالى ليس بأشدّ من استبعاد حصوله الاختياريّ بمجرّد استدعاء عتقه عنه مع انتفاء جميع الشروط المقرّرة لعقد البيع، بل و مع انتفاء قصد المتكلّم و المخاطب البيع، سيّما مع عدم النظير شرعا لحصول الملك الاختياريّ الفاقد لجميع الشروط المقرّرة للبيع، و وجود الأشباه و النظائر الكثيرة لحصول العتق القهريّ بجعله تعالى من غير أن يريده المالك، فضلا عن أن يحصّله:

منها: انعتاق العمودين قهرا بمجرّد شرائهما و لو لم يقصده المشتري.

و منها: انعتاق أمّ الولد بمجرّد موت مولاها، و انعتاق المملوك بالعمى و الجذام و الإقعاد و التنكيل، و غير ذلك من الانعتاقات القهريّة الحاصل بجعله تعالى، من غير قصد المالك تحصيلها، و مع ذلك كيف يكون حمل مثل «لا عتق‌

____________

(1) المكاسب: 89.

(2) عوالي اللئالي 2: 299 ح 4.

372

إلّا في ملك» على إرادة تحصيل الملك الاختياريّ أولى من إرادة ما يعمّ حصوله القهريّ بالجعل من عنده تعالى آنا ما قبل التصرفات المالكية، على أن تكون التصرّفات المالكية المترتّبة على الإباحة كاشفة عن سبق حصول الملك القهريّ فيها آنا ما بجعله تعالى و قدرته، كما في تلك الأشباه و النظائر؟ بل الأولى و المتعيّن هو الثاني لا الأوّل؛ و ذلك لأنّ حمله على إرادة الأوّل يستلزم تقييد عموم تحليل التراضي، و طيب النفس، و التسليط للتصرّفات المالكيّة و غيرها بتحصيل ملك اختياريّ في تحليل التصرفات المالكية، و الأصل عدم التقييد و التخصيص.

سلّمنا تساوي المعيّنين و إجمال اللفظ مفهوما إلّا أنّ عموم العامّ مبيّن و رافع احتمال التخصيص بمحتمل التخصّص حسب ما قرّر في محلّه.

و ممّا ذكرنا يعلم: أنّ تنظير الماتن (1) حكومة دليل عدم جواز وطء جارية الغير أو عتقها على عموم طيب النفس و تسليط الناس بحكومة دليل عدم جواز وطء جارية الغير أو عتقها على عموم وجوب الوفاء (2) بالنذر و العهد (3) إذا نذر وطء جارية الغير أو عتقها له أو لنفسها تنظير بما لا يخلو من نظر.

لأنّه إن كانت الجارية المنذور وطؤها أو عتقها ممّا أباح مالكها التصرّف لك فيها كيف ما شئت فحكومة دليل عدم جواز الوطء و العتق على عموم وجوب الوفاء بالنذر ممنوع في المقيس عليه، فكيف في المقيس؟

و إن كانت ممّا لم يبح المالك التصرّف لك فيها فحكومة دليل عدم الجواز على عموم الوفاء بالنذر و إن كان مسلّما إلّا أنّه لا يقتضي حكومة دليل عدم جواز الوطء و العتق على عموم تحليل التراضي و طيب النفس و التسليط؛ لأنّه قياس مع‌

____________

(1) المكاسب: 89.

(2) الإنسان: 7، الحجّ: 29.

(3) الإسراء: 34.

373

الفارق، و هو وجود المحلّل في المقيس دون المقيس عليه، فإثبات حكومة دليل عدم جواز التصرّفات المالكية- فيما نحن فيه- بالتنظير المذكور: إمّا مصادرة بالمطلق، أو قياس مع الفارق.

ثمّ إنّ اعتضاد الماتن (1) في توقّف العتق في مسألة «أعتق عبدك عنّي» على تحصيل الملك الاختياري ضمنا بتصريح العلّامة في التذكرة (2) على موافقته له غير صريح في المدّعى؛ لاحتمال إرادة العلّامة (قدس سرّه) من الالتزام بالملك الضمنيّ التقديريّ هو الملك القهريّ الحاصل بجعله تعالى، لا الملك الاختياريّ المحصّل من قصده، كما لا يخفى على المتأمّل في عبارته المنقولة في المتن.

كما أنّ عدّهم دلالة «أعتق عبدك عنّي» من دلالة الاقتضاء المتوقّف عليه صحّة الكلام شرعا، حيث يفسّرون «أعتق عبدك عنّي» بقولهم، أي: مملّكا له إيّاه يحتمل إرادة التمليك القهريّ المنتزع عن هذا الكلام، لا التمليك الاختياري، فلا يكون في ذلك أيضا صراحة على عدم إباحة التصرّفات المالكية في المعاطاة المقصود بها الإباحة.

نعم، كلّ ما ذكره الماتن من وجوه منع ترتّب إباحة جميع التصرفات المالكية إنّما ينهض حجّة على المنع فيما لو لم يقم دليل شرعيّ على حصول الملكية للمباح له بمجرّد الإباحة، كما في مسألة بيع الإنسان مال غيره لنفسه أو شرائه بمال الغير لنفسه بمجرّد إذن الغير له في بيع ماله لنفسه، أو الشراء بماله لنفسه.

و وجه نهوض وجوه المنع في تلك المسألة دون مسألة المعاطاة مع اشتراكهما في الإذن و قصد الإباحة: أنّ صحّة المعاطاة و لو قصد بها مجرّد الإباحة‌

____________

(1) المكاسب: 89- 90.

(2) التذكرة 1: 462.

374

لما كان ثابتا بالسيرة و الشهرة و العمومات المذكورة، مضافا إلى الأشباه و النظائر الكثيرة كان الالتزام بترتّب جميع التصرفات المالكية عليه و تقدير الملك القهريّ لأجلها ممّا لا بدّ منه، حذرا عن التخصيص و التقييد في دليل الصحّة، بخلاف مسألة بيع مال الغير لنفسه فإنّه لمّا لم يكن دليل شرعيّ من السيرة و لا من غيرها على صحّة انتقال المعوّض إلى غير صاحب العوض، بل و لا نظير له شرعا لم يكن مسرح لتقدير الملك القهريّ فيه، فإنّ تقديره إنّما هو فرع إحراز الصحّة احترازا عن التخصيص في دليل الصحّة، و مع عدم إحراز الصحّة و عدم الدليل عليه كيف يتعقّل الاحتراز عن تخصيصه بتقدير الملك.

و وجه عدم الدليل على صحّتها: أنّ صحّتها متوقّف على أحد أمرين، كلاهما مفقودان فيها حسب ما في المتن (1) تفصيله، فارجع إليه.

و بالجملة: لا ينبغي الإشكال في عدم الدليل على صحّة مسألة البيع أو الشراء لنفسه من مال الغير بمجرّد توكيل الغير إيّاه في ذلك، فإنّه أشبه شي‌ء بتوكيله في وطء جاريته في عدم صحّته بمجرّد التوكيل.

نعم، لو فهم من توكيله توكيله في تمليك الثمن قبل الشراء، أو المثمن بعد الشراء صحّ الشراء به لنفسه و دخل في ملكه. فالكلام إذا في مقامين:

الأوّل: في أنّ توكيل الغير في البيع أو الشراء لنفسه من مالك على تقدير تصريحه بهذا النحو من التوكيل و عدم الرضا بنحو آخر هل هو نافذ شرعا و ناقل الثمن أو المثمن إلى الوكيل، أو باطل و غير نافذ، كتوكيله في وطء الجارية؟

وجهان، أقواهما الثاني؛ لما عرفت.

الثاني: في أنّه لو لم يصرّح بهذا النحو من التوكيل المقيّد بعدم الرضا بغيره، بأن قال: «وكّلتك بأن تبيع مالي لنفسك» أو «تشتري بمالي لنفسك» من غير‌

____________

(1) المكاسب: 89.

375

تصريحه بعدم الرضا بانتقال الثمن قبل الشراء، أو المثمن بعد الشراء إلى نفسه فهل يحمل على إرادة صورة صحّة التوكيل، و هو التوكيل في انتقال المال قبل الشراء أو بعده إلى نفسه، أم يحمل على ظاهر اللفظ من إرادة التوكيل في خصوص الشراء من ماله لنفسك من غير توكيل في انتقال المال إلى نفسك؟ وجهان، أقواهما الثاني أيضا؛ نظرا إلى حكومة ظهور اللفظ في الفساد على أصالة الصحّة في التوكيل.

و ممّا ذكرنا في مسألة توكيل الغير في بيع مالك لنفسه يظهر لك: أنّ الحال في مسألة إعطائك الغاصب الثمن أو المثمن بإزاء تناول المغصوب منه كذلك لا يوجب إباحة جميع التصرفات؛ حتّى المتوقّفة على الملك؛ لأنّ المقصود من الإعطاء إن كان إباحة المعطى له فقد عرفت أنّه إنّما ينفذ فيما يثبت جوازه بالإباحة من الخارج، لا فيما لم يثبت جوازه كالوطء و العتق. و إن كان المقصود منه التمليك فالمفروض أنّ سببه البيع، و هو لا يتحقّق إلّا بين عوضين، و رفع يد الغاصب عن المغصوب ليس عوضا البتة، و على ذلك فيجوز رجوع المعطي فيما أعطى الغاصب ما دام عينه باقية في يده. و أمّا فيما لم تكن العين باقية فهو و إن ثبت شرعا عدم رجوعه إلّا أنّه لا يدلّ على سبق إباحة تصرّف الغاصب بالتصرفات المالكية، و تقدير الملك القهريّ كتقديره في المأخوذ بالمعاطاة؛ لاحتمال أن يكون حكم الشارع بعدم رجوعه إلى الغاصب في ما أعطاه مع علمه بالغصب لأجل التأديب، و حكمته الردع عن إعطاء المال للغاصب و أخذ المغصوب منه؛ ليرتدع الغاصب و ينسدّ عليه باب الاستنفاع بالغصب و الاستطماع فيه.

و كذا يظهر لك أنّ الحال في مسألة ما لو صرّح بإباحة جميع التصرفات على غيره كذلك لم يستباح للغير التصرّفات المالكيّة المتوقّفة على الملك بواسطة‌

376

تقدير الملك القهريّ؛ لما عرفت من أنّ تقديره فرع إحراز صحّة تلك التصرفات المالكيّة من الخارج بمجرّد الإباحة، و لمّا لم يثبت من الخارج إباحتها بمجرّد الإباحة سيّما إذا قيّدت بزمان خاصّ فإنّ الالتزام بتقدير الملك لأجل إباحة التصرفات المالكية في ذلك الزمان بعيد، و الالتزام بترتيب آثار الملك في غير ذلك الزمان على تقديره في ذلك الزمان أبعد، فلا جرم يقتصر على التصرفات الجائزة شرعا لغير المالك.

بل و كذا الحال في مسألة أكل الطعام في الضيافات، فإنّه لو لا قيام السيرة على عدم جواز الرجوع في قيمة المأكول لم نقدّر الملك القهري قبل الأكل آنا ما، بل أمكن الالتزام بجواز الرجوع إلى الأكل في قيمة المأكول؛ لأنّ الإذن في الأكل أعمّ من الأكل مجّانا، أو مع ضمان القيمة، فيندرج أكله بمجرّد الإذن فيه تحت عموم «من أتلف مال غيره فهو له ضامن». و توهّم انصراف عمومه إلى التلف الغير المأذون فيه مدفوع نقضا برجوع الآذن للغير في الأكل إلى قيمة المأكول إذا لم يكن في الضيافة و نحوه من الموارد الّتي يعلم من شاهد الحال فيها أنّ المراد من الإذن: الإذن مجّانا، لا الإذن بعوض.

و حلّا بعدم وجود شي‌ء من سببي الانصراف فيه.

بل و كذا الحال على الأحوط بل الأقوى في مسألة المال المأخوذ بالمعاطاة المقصود بها الإباحة، فإنّ في جريان السيرة حتّى إلى صورة قصد الإباحة من المعاطاة، و كذا في نهوض العمومات من «طيب النفس» (1) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) و «تسليط الناس» (3)، حتّى إلى تلك الصورة محلّ للتأمّل و مجال للمناقشة، و إن استظهرنا في الأوّل دفع جميعها بأبلغ وجه إلّا أنّ الاحتياط مع ذلك سبيل النجاة و لا ينبغي تركه.

____________

(1) انظر الهوامش (2 و 3) ص: 369 و هامش (1) ص: 370.

(2) انظر الهوامش (2 و 3) ص: 369 و هامش (1) ص: 370.

(3) انظر الهوامش (2 و 3) ص: 369 و هامش (1) ص: 370.

377

قوله: «أمكن الجمع بينهما بالقول بتحصيل الملك القهريّ آنا ما. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى أنّ الالتزام بالملك القهريّ المخالف للأصل ليس بأولى من تعميم الملك من قوله: «لا عتق إلّا في ملك» (1) للأعمّ من ملك العين، أو ملك التصرّف، بل و لا من تخصيص عموم «لا عتق إلّا في ملك» بتحكّم تعميم سلطنة الناس على أموالهم، و تعميم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2)، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه»، خصوصا على القول بانتزاع المالكية، كسائر الأحكام الوضعيّة من الأحكام الشرعية.

قوله: «لا يوجب جواز التصرّفات المتوقّفة على الملك. فتأمّل».

[أقول:] إشارة إلى منع جوازه؛ لدخوله في عموم لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* (3)، إلّا إذا فرض تمليك ثمن المغصوب مجّانا أو عوضا عن رفع اليد العارية، لا تملّك المغصوب، و الفرض الأوّل غير حاصل، و الثاني داخل في عموم الباطل.

[الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود]

قوله: «الخامس: في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود».

أقول: الوجوه، بل الأقوال في حكم المسألة أربعة:

أحدهما: جريان المعاطاة في جميع العقود، بل و في الإيقاعات أيضا، إلّا ما خرج، كالنكاح و الطلاق.

ثانيها: عدم جريانه في غير البيع مطلقا.

ثالثها: التفصيل بين جريانها في الإجارة و الهبة دون غيرهما؛ نظرا إلى أكثريّة تداول السيرة بالمعاطاة فيهما من السيرة في غيرهما.

رابعا: التفصيل بين جريانها في ما عدا المبنى ذاته في الشريعة على اللزوم‌

____________

(1) عوالي اللئالي 2: 299 ح 4.

(2) البقرة: 275.

(3) النساء: 29.

378

من العقود، و عدم جريانها في المبنى ذاته شرعا عليه كالرهن.

فإن قلت: إنّ جريانها في ما عدا البيع من العقود ينافي حرصهم على ضبط الصيغ الموجبة لانعقاد سائر العقود و تميّزها عمّا لا يوجب انعقادها به، فضبطهم في كلّ باب من أبواب العقود و الإيقاعات للصيغ الموجبة لانعقاد ذلك الباب، و تخصيص انعقاد العقود بالصيغ الخاصّة بكلّ واحد منها دليل عدم جريان المعاطاة فيها.

قلت: أمّا ضبطهم صيغ العقود اللازمة فلعلّه لأجل بيان توقّف لزوم ذلك العقد عليها دون توقّف أصل الصحّة عليها، كما هو المتعيّن في ضبطهم صيغة البيع مع اتّفاقهم ظاهرا على صحّته بالمعاطاة.

و أمّا ضبطهم صيغ العقود الغير اللازمة مع حصولها بمجرّد المعاطاة و عدم توقّف حصولها على الصيغة فلعلّه لأجل الفرق بين ما يحصل بالصيغة، و ما لا يحصل بها في صراحة دلالة الألفاظ على القصود، و عدم احتياجها إلى ضمّ شي‌ء من القرائن الكاشفة عن المراد، و قصور دلالة الأفعال عن تلك الصراحة فتحتاج إلى ضمّ ما يصرّح كشفها عن المراد من القرائن الحاليّة أو المقاليّة. أو لعلّه لأجل أنّ بتلك الصيغ من الآثار و الأحكام المختصّة ما ليس لمجرّد المعاطاة و الإذن منها، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.

و بالجملة: فضبط الصيغ للعقود الجائزة لا يدلّ على انحصار انعقادها في الصيغ، بل يجوز اشتراك المعاطاة معها في الجواز.

ثمّ إنّ الدليل على جواز تعدّي المعاطاة إلى سائر العقود، بل و إلى الإيقاعات يمكن أن يكون وجوها، أقواها ما عن الشيخ صاحب كشف الغطاء:

من دعوى جريان السيرة المستمرّة خلفا عن سلف في كلّ من العقود على المعاطاة فيها، حتّى في الرهن و الوقف. بل و كذا سيرتهم في الإيقاعات- كالنذور و العهود- أيضا جارية على الاكتفاء بمجرّد النيّة، أو المقاولة بما عدا الألفاظ‌

379

الخاصّة بها شرعا. و إذا علمنا باستمرار سيرتهم و جريان طريقتهم على ذلك من أزمنة المعصومين (عليه السلام) و عدم استحداثها في الأزمنة المتأخّرة فلا إشكال في كشفها عن رضا المعصوم و تقريره إيّاهم، و هو قويّ في النظر؛ لأنّ المنع من كشفها عن التقرير منحصر في أمور لا تتأتّى في المقام:

منها: منع أصل جريان السيرة في غير البيع، و لا مجال لمنعه، لشهادة العيان على ثبوت السيرة من قديم الزمان في إجازة الحمّاصيّ و السفن و الدوابّ و المرابط و المساكن المعدّة للمتطرّقين. و كذا في سائر العقود على التعاطي.

و منها: منع استمرار هذه السيرة في زمن المعصومين و دعوى حدوثها في الأزمنة المتأخّرة، و لا مجال لمنعه أيضا؛ لأنّه خلاف قضاء العادة، ضرورة قضاء العادة بأنّه لو كانت سيرة زمن المعصوم على خلاف سيرة أهل زماننا لوصل إلينا الخبر، و إذ ليس فليس.

و منها: منع اطّلاع المعصوم من الطرق البشريّة بتلك السيرة المستمرّة في زمانه، حتّى يستكشف من عدم ردعه تقريره و رضاه بها، و هو بعيد عادة في طول زمان حضورهم فيما بين الناس بما يقرب من ثلاثمائة سنة.

و منها: منع تقرير المعصوم إيّاهم، و هو أبعد من سوابقه، لأنّ عدم ردع المعصوم عمّا جرت عليه سيرتهم مع تمكّنه في طول ذلك الزمان عن ردعهم و وجوب ردعه عن الباطل مهما أمكن من باب اللطف الّذي هو منصبه كاشف قطعيّ عن تقريره إيّاهم و رضاه.

و منها: منع تمكّنه من الردع و هو بعيد جدّا في طول ذلك الزمان، مع عدم مانع من تقيّة و لا من غيرها.

و منها: عدم ردعهم عن السيرة، و هو أبعد من سوابقه أيضا؛ لقضاء العادة بأنّه لو ردع لوصل إلينا الرادع، لتوفّر الدواعي عليه.

380

و احتمال إحالته (عليه السلام) الردع إلى الأصول و العمومات أيضا بعيد جدّا، فمن منصبه الردع بقاعدة وجوب اللطف في مثل ما جرت عليه سيرة الناس، فقضاء اللطف و العادة في الردع عمّا جرت عليه السيرة ينبغي أن يبلغ في الكثرة و الشدّة مبلغ الردع عن القياس في عدم الاكتفاء بالحوالة إلى الأصول و عمومات (1) حرمة العمل بالظنّ؛ لقضاء اللطف أن يكون الردع عن كلّ شي‌ء بحسبه.

و من هنا يعلم إحياء دلالة أكثر سيرات المسلمين على تقرير المعصوم و كشفها عنه بعد تحقّق أصل السيرة، و دفع احتمال نشؤها عن عدم المبالاة ما لم يقم على بطلانها ما هو مقاوم لها من الأدلّة؛ لانحصار بطلانها في منع أصل موضوعها، و إلّا فبعد تسليم أصل موضوعها تكون بمنزلة أصل أصيل في الكشف عن التقرير ما لم يقم على خلافها الدليل؛ لبعد ما ذكر من سائر موانع كشفها عن التقرير بعد فرض تحقّقها و اطّلاع المعصوم بها.

فتلخّص ممّا ذكر: قوّة القول بتعدّي المعاطاة عن البيع إلى جميع العقود، حتّى الرهن و الوقف، إلّا ما خرج بالدليل، كالنكاح و الطلاق.

و أمّا استشكال الماتن (2) (قدس سرّه) تبعا لجامع المقاصد (3) في جريان المعاطاة في الرهن بأنّها في البيع: إمّا مفيدة للإباحة، أو الملكية الجائزة على الخلاف، و الأوّل غير متصوّر في الرهن. و أمّا الجواز فكذلك؛ لأنّه ينافي الوثوق الّذي به قوام مفهوم الرهن، خصوصا بملاحظة أنّه لا يتصوّر في الرهن ما يوجب رجوعها إلى اللزوم ليحصل به الوثيقة في بعض الأحيان فمدفوع: إمّا على تقدير إفادتها الإباحة- كما هو المختار- فلأنّ الإباحة الغير المتصوّرة في الرهن إنّما هي الإباحة المتصوّرة في البيع، أعني الإباحة من الطرفين. و أمّا الإباحة من طرف‌

____________

(1) يونس: 36، الحجرات: 12.

(2) المكاسب: 90.

(3) جامع المقاصد 5: 45.

381

المرتهن فهي متصوّرة قطعا. مضافا إلى أنّ عدم تصوّرها من طرف الراهن إنّما هو لدليل خاصّ، و هو عموم حرمة الربا (1) أو غيره، و إلّا فلا مانع من تصوّرها من طرفه أيضا.

و إمّا على تقدير إفادتها الملك الجائز فلأنّ منافاة الجواز إنّما هو للوثوق التامّ الملزم شرعا. و أمّا الوثوق في الجملة فلا ينافيه الجواز البتّة.

و قوله: لا يتصوّر في الرهن ما يوجب رجوع الجواز إلى اللزوم ليحصل به الوثيقة في بعض الأحيان (2) ممنوع؛ لتصوّر رجوعه إلى اللزوم بواسطة النذر، أو العهد، أو الحلف، أو التصرّف و لو من طرف الراهن في الدين فإنّه كاف في الملزميّة من الطرفين، كما أنّه كاف في ملزميّة البيع من الطرفين على ما سيجي‌ء في بيان الملزمات، و بيان أنّ الملزم للمعاطاة فيما تجري فيه من العقود الأخر هو الملزم في باب البيع، كما اعترف به الماتن (قدس سرّه) أيضا.

ثمّ إنّ من جملة ما استدلّ به على تعدّي المعاطاة إلى سائر العقود: ما استظهره الماتن (3) من التذكرة: من عدم القول بالفصل بين البيع و غيره، حيث قال في باب الرهن من التذكرة (4): إنّ الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة و الاستيجاب و الإيجاب عليه المذكورة في البيع بجملتها آت هنا. انتهى.

و لكنّ عبارته المنقولة ظاهرة في عدم قوله بالفصل، لا عدم قول بالفصل، لا منه و لا من غيره.

و من جملتها: إطلاق أدلّة كلّ باب من أبواب العقود.

و فيه: أنّه لا إطلاق لكلّ باب من أبواب العقود حتّى يفي به على تعدّي المعاطاة إليه؛ و ذلك لعدم إطلاق في بعضها أصلا، و ورود إطلاق بعض ماله‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2) المكاسب: 90.

(3) المكاسب: 90.

(4) التذكرة 2: 12.

382

إطلاق مورد بيان حكم آخر، كإطلاق ما في باب الرهن من قوله تعالى فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ (1)، فلم يبق إطلاق سليم عن الانصراف يصحّ التمسّك به على صحّة ذلك الباب بالمعاطاة، إلّا قليل: كإطلاق قوله (عليه السلام) في باب الصلح: «الصلح جائز» (2)، و في باب الإجازة: «الإجارة نافذة» (3)، و في باب البيع أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (4).

و من جملتها: التمسّك بصحّة إطلاق موضوع كلّ عقد من العقود و أساميها على المعاطاة فيه- مثلا- يصحّ عرفا إطلاق لفظ «الإجارة» على الإجارة بالمعاطاة، فيشملها حكم الإجارة.

و فيه: أنّ مرجعه إلى إطلاق أدلّة العقود الّذي عرفت عدم اشتمال كلّ العقود عليه، و إلّا فالحكم لا يتبع صدق اسم الموضوع ما لم يحرز فيه الإطلاق، بل قد ينفكّ الكبرى و الحكم عن الصغرى، و الموضوع عند عدم كلّية الكبرى و إطلاق الحكم، فإثبات الحكم و الكبرى على الموضوع و الصغرى في الجملة لا يستلزم إثباته دائما. كما أنّ إثبات الحكم على الطبيعة لا يستلزم إثباته على جميع الأفراد إلّا على العموم السريانيّ الّذي ارتضاه صاحب القوانين (5).

و لكنّا تعرّضنا لدفعه في محلّه نقضا: بأنّ القول بالعموم السرياني- أعني سراية حكم الطبيعة إلى أفراده- يستلزم سدّ باب انصراف المطلقات إلى الأفراد الشائعة، و عدم الفرق بين الشائعة و الأندرة، فضلا عن النادرة، و هو بمكان من‌

____________

(1) البقرة: 283.

(2) الوسائل 13: 164 ب «3» من أبواب أحكام الصلح.

(3) لم نظفر عليه بهذا اللفظ، و ورد بلفظ: «فالإجارة جائزة»، انظر مستدرك الوسائل 14:

38 ب «18» من أبواب الإجارة ح 2.

(4) البقرة: 275.

(5) قوانين الأصول 1: 217- 218.

383

الندور.

و حلّا: بأنّ حكم الطبيعة لا يستلزم السراية إلى شي‌ء من الأفراد، بل يجوز أن يحكم على الطبيعة بحكم لا يتأتّى في شي‌ء من أفراد تلك الطبيعة، بأن يقال مثلا: إنّ طبيعة الرّمان لها كذا من الخواصّ، لكنّ في كلّ واحد من أفراده خصوصيّة مانعة عن تلك الخاصّيّة، فإذا كان للطبيعة من حيث هي خاصّيّة أمكن مانعيّة خصوصيّة كلّ واحد من أفرادها عن تلك الخاصيّة، فلا دليل على سراية خاصيّة الطبيعة إلى شي‌ء من أفراده، سوى لزوم اللغويّة في كلام الحكيم من إثبات الخاصيّة للطبيعة عند انفكاكها عن جميع الأفراد المفروضة له. و معلوم أن الاحتراز عن لزوم اللغويّة و ارتفاع ملازمة الهذريّة لا يقتضي بأزيد من التعدّي إلى فرد واحد من أفراد تلك الطبيعة إلّا بالرجوع إلى دليل الحكمة، أعني: ضميمة أصالة عدم الإجمال في كلام الحكيم، و عدم المرجّح- لتعيين ذلك الفرد المسري إليه حكم الطبيعة من بين سائر الأفراد الشائعة الّذي يقتضي تعدّي حكم الطبيعة إلى الأفراد الشائعة.

فتبيّن أنّ ثبوت الحكم على طبيعة أحد العقود لا يقتضي سرايته إلى كلّ ما صدق اسم ذلك العقد عليه بقاعدة العموم السرياني، إلّا بالرجوع إلى العموم الحكمتيّ المتوقّف على إحراز إطلاق الحكم الّذي قد عرفت خلوّ كثير من أبواب العقود عن ذلك الإطلاق، فلا يتمّ التمسّك به في تعدّي المعاطاة إلى جميع العقود.

قوله: «و فيه: أنّ معنى جريان المعاطاة في الإجارة .. إلخ».

أقول: و يندفع هذا الإيراد عن المحقّق الثاني (1) أوّلا: بمنع كون معنى جريان المعاطاة في الإجارة عنده هو إفادة الملكية، و ذلك لأنّ التزام المحقّق بإفادة المعاطاة الملكيّة في البيع لا يستلزم التزامه بإفادتها الملكية في غير البيع،

____________

(1) جامع المقاصد 4: 59.

384

بل قد صرّح بإفادتها الإباحة في القرض على ما حكى الأستاذ (1) عنه في صيغ العقود.

و ثانيا: سلّمنا أن يكون معنى جريان المعاطاة في الإجارة هو إفادة الملكيّة لكنّ الإيراد عليه بقوله: «لم نجد من صرّح به»، و بقوله: إن توقّف الملك في الهبة على الإيجاب و القبول كاد أن يكون متّفقا عليه مشترك الورود بين البيع و غيره»، فبعد التزامه بإفادة المعاطاة الملكية في البيع مع عدم وجدان من صرّح به، بل و مع ظهور الاتّفاق على خلافه حسب ما تقدّم كيف يستوحشه الالتزام بمثله في غير البيع بمجرّد عدم وجدان من صرّح به و مجرّد استقراب الاتّفاق على خلافه في الهبة؟!

قوله: «موضوع نظر؛ لأنّ فساد المعاملة يوجب منعه عن العمل .. إلخ».

[أقول:] و فيه منع النظر، إذ من الظاهر أنّ مقصود الفقيه المستدلّ على جريان المعاطاة في الإجارة و الهبة بقوله: «لو كان هذه إجارة فاسدة لم يستحقّ اجرة مع علمه بالفساد (2) .. إلخ» هو عدم جواز العمل له، و عدم استحقاقه الأجرة عليه من حيث الإجارة، و من جهة تلك المعاملة الخاصّة، لا عدمها مطلقا، أعني:

من جميع الحيثيّات و الجهات حتّى يرد عليه ما أورده الماتن (قدس سرّه) من المنع.

قوله: «و الجواز غير معروف في الموقف من الشارع، فتأمّل» (3).

[أقول:] إشارة أوّلا: إلى المنع من عدم معروفيّة جوازه لفتوى الذكرى (4) في وقف المساجد، بل و للسيرة القطعية في وقف الآبار و الأنهار و القناطر و المقابر و المنابر، و سائر الأوقاف العامّة دون الخاصّة بنوع أو صنف.

____________

(1) رسائل المحقّق الكركي 1: 187.

(2) جامع المقاصد 4: 59.

(3) المكاسب: 90.

(4) ذكري الشيعة: 157.

385

و ثانيا: لو سلّم عدم معروفيّة جوازه فلعلّه من جهة لزومه بمحض الإعطاء و التصرّف الوقفيّ بنيّة القربة الملزمة للصدقات، أو لإعراض المخرج عن الملكيّة.

و ثالثا: عدم معروفيّة الجواز لا يمنع من جوازه بالأصل.

[الأمر السادس في ملزمات المعاطاة]

قوله: «الأمر السادس: في ملزمات المعاطاة .. إلخ».

أقول: أصل ما يمكن أن يكون ملزما للمعاطاة أمور من التصرفات:

منها: التلف، و ينقسم إلى تلف العوضين كلاهما، أو أحدهما، أو بعض كلّ منهما، أو بعض أحدهما. و على كلّ منهما ينقسم الملزم إلى ما يحكم به العقل، كإدخال العوضين في ملك المتعاوضين، و إلى ما يحكم به الشرع تعبّدا، كإدخال العوضين في حكم مال المتعاوضين و إن كان كلّ منهما باقيا على ملك المالك الأوّل، و على كلّ منهما: إمّا أن يفيد المعاطاة الإباحة، أو الملكيّة.

و منها: الخلط و المزج، و ينقسم إلى امتزاج الأحسن بالأدون، أو بالأعلى منه، أو بالمساوي له.

و منها: التصبيغ و التلوين، و ينقسم إلى ما يكون الصبغ مزيدا لقيمة المصبوغ، أو منقصا له، أو لا مزيدا و لا منقصا.

رابعها: تغيير الصورة بغير الصبغ، كطحن الحنطة، و فصل الثوب المنقسم أيضا إلى ما يزيد في القيمة أو ينقص، أو لا يزيد و لا ينقص.

خامسها: النموّ بالنماء المتّصل بالعوص من حين التعاطي، أو المنفصل المتجدّد فيه بعد التعاطي، إلى غير ذلك من أنواع التصرّفات المختلفة المتشتّتة بأنواع متكثّرة. و الكلام في ملزميّة هذه التصرفات و عدم ملزميّتها: تارة من حيث الأصل لو شككنا في ملزميّتها، و تارة من حيث مقتضى الدليل في ملزميّتها.

أمّا الكلام في تأسيس الأصل ففي اقتضاء الأصل ملزميّتها مطلقا، أو عدم‌

386

ملزميّتها مطلقا، أو التفصيل بين الالتزام بملزميّتها على تقدير إفادة المعاطاة الملكية، و عدم ملزميّتها على تقدير إفادتها الإباحة، أو التفصيل بالعكس، أعني:

ملزميّتها على تقدير الإباحة و عدم ملزميّتها على تقدير الملكية وجوه أربعة، بل ربّما قيل: أقوال أربعة، و تشخيص الأصل الأصيل منها يتوقّف على تشخيص مقدّمة، أعني: تشخيص كون الرجوع و جوازه هل هو من عوارض العوضين و صدق الترادّ حتّى يمتنع بارتفاع مورد الترادّ كما ارتضاه الماتن (1)، أم من خواصّ ترادّ العين و بقاء أحد العوضين و لو تلف الآخر، كما عن شرح القواعد اختياره حتّى لا يمتنع إلّا بتلف كلّ العوضين، لا بتلف أحدهما فقط، أم هو من عوارض العقد و لو كان العقد فعليا كما فيما نحن فيه، كخيار الفسخ، لا من عوارض بقاء العوضين حتى يكون الرجوع فسخا فيما نحن فيه، فيستصحب جوازه حتّى بعد تلف العوضين، كجواز الفسخ بعد تلف العوضين، كما عن الجواهر (2) اختياره، و مرضيّ أستاذنا العلّامة؟ وجوه.

أمّا كونه من عوارض العوضين و الترادّ المتفرّع عليه امتناع جواز الرجوع بعد تلف العينين فهو و إن كان هو مقتضى الاقتصار على القدر المتيقّن من جواز الرجوع إلّا أنّه يستلزم جواز الرجوع إلى العوضين مع بقاء العقد و العهد المعهود بين المتعاوضين، و مرجعه إلى الالتزام بجواز الرجوع إلى العوضين تعبّدا مع بقائهما على مال المتعاوضين، و هو مستلزم بتخصيص عموم «من أتلف مال غيره فهو له ضامن» (3)، و عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (4)، و عموم‌

____________

(1) المكاسب: 91.

(2) الجواهر 22: 235.

(3) لم نجده بهذا اللفظ، و ورد مضمونه في أحاديث، انظر الوسائل 18: 239 ب «11» من أبواب الشهادات ح 2 و 3.

(4) انظر هامش (1) ص: 370.

387

لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* (1)، و عموم «لا يحلّ مال امرئ مسلم» (2)، بخلاف كونه من عوارض العقد المترتّب عليه جواز الرجوع حتّى بعد التلف، فإنّه و إن كان مخالفا لمقتضى استصحاب بقاء الملكية أو الإباحة الثابتتين قبل الرجوع إلّا أنّه غير مخصّص للعمومات المذكورة حتّى يوجب تخصيصها به.

و من البيّن أنّه متى دار الأمر بين الالتزام بمخالفة العموم و بين الالتزام بمخالفة الاستصحاب كان المرجع إلى العموم و رفع اليد عن الاستصحاب. و لهذا قيل: إنّ الأصل دليل حيث لا دليل، و لا شكّ أنّ العموم دليل، كما يشخّص حكم معلوم الفرديّة بأصالة عدم التخصيص كذلك يشخّص فرديّة معلوم الحكميّة بأصالة عدم التخصيص. ألا ترى أنّ «أكرم العلماء» كما يقتضي إكرام معلوم العالميّة من الأفراد المشكوك حكمها كذلك يقتضي عالميّة معلوم الإكرام من الأفراد المشكوك عالميّتها بأصالة عدم التخصيص، فكذلك عموم «من أتلف مال غيره فهو له ضامن»، و عموم تسليط الناس على أموالهم، و عموم لٰا تَأْكُلُوا*، و «لا يحلّ مال امرئ مسلم» يقتضي أن يكون جواز الرجوع إلى العوضين من عوارض فسخ العقد، لا من عوارض بقاء العوضين؟! و لو كان العقد المعهود فيما بين المتعاوضين باقيا على مقتضاه- و هو دخول كلّ من العوضين تحت مال من هو في يده- فحكم الشارع بجواز الرجوع إلى العوض، و جواز إتلافه مع بقائه تحت سلطنة ذي اليد، و عدم رضائه بالرجوع موجب تخصيص عموم «تسليط الناس على أموالهم»، و عموم «من أتلف مال غيره فهو له ضامن»، و عموم «لا يحلّ»، و لٰا تَأْكُلُوا*، بخلاف كونه من عوارض العقد، فإنّ جواز الرجوع إلى العوض و جواز إتلافه على هذا التقدير متفرّع على فسخ العقد، و خروج العوض عن تحت يد ذي اليد، و دخوله تحت مال المفسخ، فلا يلزم عليه تخصيصا ممّا‌

____________

(1) انظر هامش (2 و 3) ص: 369.

(2) انظر هامش (2 و 3) ص: 369.

388

يلزم على التقدير الأوّل.

فإن قلت: على تقدير كون الرجوع إلى العوض من عوارض العوضين نلتزم بالملك التقدير بجعله تعالى حتّى لا يلزم عليه تخصيص العمومات المذكورة.

قلت: مضافا إلى كون الالتزام بالملك التقدير في المرجوع إليه مخالف للاتّفاق ظاهرا و متفرّع على خصوص ما لو لم يكن للملك الاختياري فيه سبيل- كما في انعتاق العمودين على المشتري- لا شكّ أنّ الالتزام به أشبه شي‌ء بالأكل من القضاء، ضرورة أنّ الالتزام بكون الرجوع مفسخ للعقد و العهد و موجب لرجوع المرجوع إليه إلى مال الراجع و الفسخ أسهل بمراتب من الالتزام ببقاء العوضين تحت يد المتعاوضين، و استناد جواز الرجوع مع ذلك إلى تقدير ملك تقديريّ قهريّ مخلوق بجعله تعالى و إن لم يرض به صاحب المال.

هذا كلّه مضافا إلى كون الرجوع من مقتضيات فسخ العقد لا العوضين من الأمور المذكورة في طباع الناس السليمة عن شوائب الأوهام جبلّة، و لهذا تراهم يستندون في جواز الرجوع إلى العوض إلى الندامة، و فكّ العقد و العهد المقرّر بينهم على المعاملة، لا إلى بقاء العوضين و صدق الترادّ، و به الكفاية شاهدا على المطلق.

و بالجملة: فأوّلا: نستظهر الإجماع و الاتّفاق على كون الجواز من عوارض العقد، لا العوضين من أمور:

أحدها: من جواز فسخ المعاملة و العقد عند عدم قصد الترادّ؛ لعدم القدرة عليه، أو لعدم إرادته، أو للإغماض عنه، فإنّ جواز فسخ العقد و المعاملة- سيّما من الطرفين مع بقاء العوضين- إجماعيّ، و هو دليل إثبات كون الرجوع من عوارض العقد، لا الترادّ.

389

ثانيها: من الأولويّة القطعيّة، فإنّ كون جواز الرجوع في العقد اللازم و المعاملة مع الصيغة من عوارض العقد و آثار الفسخ يقتضي كونه من عوارض العقد و آثار الفسخ في العقد الجائز، و المعاملة المعاطاتيّة بالطريق الأولى، و إلّا لزم أن تكون العقود الجائزة و المعاملة المعاطاتية أشدّ و أوثق من المعاملة اللازمة و العقد بالصيغة.

و ثالثها: من قولهم: «الأفعال قاصرة عن الدلالة بخلاف الألفاظ اتّفاقا».

فإنّه كالصريح في الاتّفاق على قابلية المعاملات الفعلية للفسخ و الخيار الّذي هو من عوارض العقد لا العوضين.

رابعا: من قولهم: «تلف العوضين ملزم للمعاطاة إجماعا»، فإنّه كالصريح أيضا في اتّفاقهم على كون المعاطاة معاملة جائزة، و كلّ ما كان جائزا فالرجوع فيه من عوارض العقد، لا العوضين، إلى غير ذلك من الأمور الدالّة الكاشفة عن اتّفاقهم على جواز كون المعاطاة معاملة جائزة، و كون الرجوع فيه من عوارض العقد و فسخه، و مقتضاه جواز الرجوع و أصالة عدم ملزميّة شي‌ء من الملزمات المذكورة باستصحاب عدمها إلى أن يثبت الملزميّة من إجماع و نحوها. كما أنّ مقتضى القول بلزوم المعاطاة و عدم خروجها عن تحت أصالة اللزوم بالإجماعات المتقدّمة على خروجها هو استصحاب الملزميّة إلى أن يثبت من الخارج مخرج.

و ثانيا: لو تمشّينا و تنزّلنا لقلنا: إنّ معنى الترادّ لا يخلو: إمّا جواز رجوع كلّ من المتعاوضين إلى عوضه تعبّدا من الشارع على قهر المتعاوض الآخر و بقاء العوض على ماله. و إمّا جواز الرجوع إلى عوضه مع رجوع العوض إلى ماله بالفسخ و حلّ العقد. و هذا يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يكون بقاء العوضين جزءا من موضوع جواز الرجوع و هو الفسخ.

390

و ثانيهما: أن يكون بقاؤهما شرطا و قيدا للحكم بجواز الرجوع.

أمّا الترادّ بالمعنى الأوّل فقد عرفت أنّه مخصّص لعموم سلطنة الناس على أموالهم، و عموم أدلّة ضمان المتلف مال غيره، و عموم سائر المطلقات المتقدّمة، مع أنّ تجويز الشارع الرجوع إلى العوض مع بقائه على مال الغير و إلغائه رضاه على رغم أنفه بعيد بالغاية، و فضيح إلى النهاية، و ليس له نظير سوى حقّ المارّة على القول به مع الكراهة، بخلاف تقدير فسخ العقد فإنّه مخصّص لتلك العمومات بالتقريب المتقدّم. و لو سلّمنا أنّ كلّا منهما مخصّص فلا أقلّ من دوران الأمر بين تخصيصين، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فلا بدّ من الرجوع إلى الخارج في الترجيح.

لا يقال بمرجوحيّة تخصيصها بفسخ العقد، نظرا إلى أنّ الآثار المترتّبة على فسخ العقد أكثر من الآثار المترتّبة على الترادّ، ضرورة أنّ الترادّ فرع بقاء العوضين، بخلاف الفسخ.

لأنّا نقول: أكثريّة آثار أحد التخصيصين لا يصيّره أكثر من تخصيص واحد حتّى يرجّح عليه التخصيص الآخر، و ليست النسبة بين التخصيصين من قبيل النسبة بين الأقلّ و الأكثر حتّى يأخذ بالأقلّ أيضا، بل النسبة بينهما من قبيل النسبة بين المتباينين و الشكّ في الحادث، فالمرجع إلى الخارج.

و أمّا الترادّ بالمعنى الثاني فهو على تقدير تعقّله و عدم رجوعه إلى المعنى الثالث لا دليل على ثبوته، و احتماله غير قادح في جواز استصحاب حكم الموضوع مطلقا، حتّى عند انتفاء ما يحتمل اعتبار بقائه جزءا في الموضوع، بناء على ما هو المشهور المنصور من المسامحة في موضوع الاستصحاب، لا المداقّة.

و أمّا الترادّ بالمعنى الثالث فلا دليل على ثبوته و إن تعقّل ثبوته، و احتماله‌

391

غير قادح في مجرى استصحاب الحكم مطلقا، حتّى عند انتفاء ما يحتمل اعتبار بقائه شرطا في الحكم، أعني: في حكم جواز الرجوع إلى العوضين في مفروض الجواز من المعاملات.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ المعاطاة مبنيّة على الجواز، لا اللزوم، و أنّ الرجوع فيها من عوارض العقد، لا العوضين، و مقتضاه جواز الرجوع فيها مطلقا، آخذا باستصحاب جواز الرجوع، و عموم تسليط الناس على أموالهم، سواء قلنا بإفادة المعاطاة الإباحة أو الملكية، و سواء أتلف العوضان أم لم يتلفا.

لا يقال: إنّه على تقدير تلف العوضين لا مجرى لاستصحاب جواز الرجوع قبل التلف، لتبدّل موضوع الاستصحاب، و لا نهوض لعموم تسليط الناس على أموالهم بعدم بقاء صدق المالية بعد تلف المال.

لأنّا نقول: رفع قدرة المتلف عن إرجاع المتلوف إلى صاحبه لا يوجب انعدامه، بل إنّما يوجب انتقاله من عالم القدرة على إرجاعه إلى عالم عدم القدرة عليه، و بمجرّد ذلك لا يخرج عن صدق المالية، بل غايته أنّه ينقلب التكليف بإرجاعه إلى التكليف بإرجاع مثله، أو قيمته، و لهذا ترى المتداول في ألسنة المدّعين مطالبة المتلف أموالهم المتلوفة مع علمهم بإتلافها من غير نكير لهم، فتدبّر.

لا يقال: إنّ أصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة المقتضية جواز الرجوع بعد التلف معارضة بأصالة براءة ذمّته عن مثل التالف أو قيمته.

لأنّا نمنع المعارضة، لكن لا لورود عموم «على اليد ما أخذت» (1) على استصحاب عدم الضمان السابق هنا حتّى يندفع بأنّ هذه اليد قبل تلف العين لم تكن يد ضمان، بل و لا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة‌

____________

(1) المستدرك 17: 88 ب «1» من أبواب كتاب الغصب ح 4.

392

و لم يرجع، بل إنّما هو لحكومة أصالة بقاء السلطنة على أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة إن لم نقل بورودها عليه، نظرا إلى رجوعها إلى الأصل اللفظي، و هو عموم تسليط الناس على أموالهم.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ الأصيل الأصيل هو جواز الرجوع إلى العوضين بعد تلفهما، و إذا ثبت جواز الرجوع بعد تلفهما بالأصل الأصيل ثبت جوازه بعد سائر التصرّفات الغير المتلفة، أو المتلفة من طرف دون طرف، أو بعضا دون بعض بالطريق الأولى. هذا كلّه في مقتضى الأصل.

و أمّا مقتضى الدليل ففيما إذا تلف العوضين كلاهما أو أحدهما: هو عدم جواز الرجوع و ملزميّة التلف للمعاطاة، لظهور الإجماع عليه المصرّح به في المتن (1) و غيره.

و لو سلّمنا عدم الإجماع على ملزميّة التلف خصوصا في تلف أحد العوضين دون الآخر، بل في مطلق التلف، نظرا إلى ما نقله الماتن (2) عن بعض مشايخه (3) و معاصريه تبعا للمسالك (4) من القول بعدم اللزوم في تلف العوضين على القول بالإباحة في المعاطاة إلّا أنّه لا أقلّ من الشهرة الكافية في الحكم بالملزميّة. مضافا إلى أنّ عموم قاعدة «لا ضرر» أيضا قاض بالملزميّة، و عدم جواز الرجوع فيما يلزم من الرجوع فيه الضرر على المتلف بضمان القيمة أو المثل.

لا يقال: إنّ مدلول القاعدة هو نفي الضرر الناشئ عن قصور النفس و عدم اختيار دفعه، دون نفي الضرر الناشئ عن تقصير نفسه بواسطة عدم توثيقه المعاملة و شدّها و أحكامها بالصيغة.

____________

(1) المكاسب: 91.

(2) المكاسب: 91.

(3) المناهل: 269- 270.

(4) مسالك الأفهام 3: 149.

393

و بعبارة أخرى: معنى «لا ضرر»: هو عدم جعله تعالى في الشريعة حكما مضرّا بالمكلّفين، فلا يشمل نفي الضرر الناشئ عن قبل نفس المكلّف كما في ما نحن فيه.

لأنّا نقول: بعد الإجماع على إباحة المعاطاة لا يعدّ ارتكابه تقصيرا و الإضرار الناشئ عنه إضرارا ناشئا عن التقصير. نعم، لو لم يكن مباحا كان الضرر الناشئ ناشئا عن قبل نفسه فلا يكون الضرر المترتّب عليه منفيّا بقاعدة «لا ضرر».

لا يقال: لو بنينا على عموم قاعدة نفي الضرر لزم عدم جواز الرجوع حتّى في بعض صور عدم تلف شي‌ء من العوضين لو لزم الضرر من الرجوع، كما في رجوع المكري للدابّة أو السفينة في أثناء الطريق الّذي يتعسّر فيه الإكراء، أو تعلو فيه قيمة الكراء بأضعاف القيمة الأولى، فإنّ الرجوع في أمثال ذلك أيضا يستلزم إدخال الضرر على من يرجع إليه مع جوازه قطعا. مضافا إلى أنّه قد يلزم الضرر من عدم الرجوع فيما لو فرض تصاعد قيمة المبيع و الإجارة بأضعاف قيمته الأولى.

لأنّا نقول: نمنع الملازمة بعدم التعدّي في عموم نفي الضرر عن الموارد المجبورة بموافقة فتوى الأصحاب الّتي منها ما نحن فيه، فإنّ التمسّك بنفي الضرر فيما لو تلف العوضان كلاهما أو بعضهما أو بعض أحدهما مجبور بفتوى الأصحاب فيها بعدم الرجوع، فإنّه و إن لم يبلغ فتواهم حدّ الاتّفاق سيّما فيما عدا الصورة الاولى من صور التلف إلّا أنّ فتوى الجماعة من الأصحاب كاف في جبران و هن عموم القاعدة بعد فرض عمومها البتّة.

و بالجملة: فمقتضى الأصل الأصيل و إن كان هو جواز الرجوع و عدم ملزميّة التلف فضلا عن ملزميّة سائر أنواع التصرّف إلّا أنّ مقتضى الدليل الوارد‌

394

عليه من الشهرة إن لم يكن إجماعا و من عموم نفي الضرر المجبور ضعفه بفتوى الأصحاب هو ملزميّة التلف بجميع أنحائه و أنواعه، و عدم جواز الرجوع بعده و عدم ضمان كلّ منهما مال صاحبه بعد التلف، سواء أتلف العينان أو أحدهما أو بعض كلّ واحدة منهما، أم تلف النماء المتّصل أو المتجدّد بعد التعاطي فإنّ تلف النماء مطلقا كتلف الأصل مطلقا في الملزميّة، و سواء قلنا بإفادة المعاطاة الملكيّة أو الإباحة، غايته أنّ الملزميّة على تقدير الإباحة تستدعي الالتزام بتقدير الملكيّة قبل التلف آنا ما، تحرّزا عن انفكاك اللازم عن الملزوم لو قلنا بأنّ الملزميّة من اللوازم المختصّة بالملك، و لا نابي من الالتزام به على هذا القول، كما لم نأب عن الالتزام به في كلّ إباحة ثبت الدليل على ترتّب آثار الملكيّة عليها.

و توهّم جريان قاعدة الضمان باليد على تقدير إفادة المعاطاة الإباحة لتضمّن كلّ من المتلفين مال صاحبه بعد تلف ما أبيح لهما بالمعاطاة مندفع: بأنّ هذه اليد قبل تلف العينين لم تكن يد ضمان، بل و لا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة و لم يرد الرجوع.

ثمّ إنّ هذا كلّه في بيان أحكام أنواع التلف من الحكم عليها بالملزميّة، و الخروج عن تحت الأصل الأصيل، و استصحاب جواز الرجوع و بقاء السلطنة.

و يلحق بحكم التلف: البيع بعقد لازم، و العتق و الوطء في الملزميّة و الخروج عن تحت الأصل المذكور بما اخرج التلف عن تحته. و أمّا سائر أنواع التصرفات من الخلط، و المزج، و الصبغ، و القصر، و التفصيل و الخياطة و اللبس، و تجدّد النماء من دون تلف، و تغيير الصورة، و الهبة، و بيع الفضولي، و المعاطاة، و لو كان أحد العوضين دينا في ذمّة أحد المتعاطيين ففي ملزميّتها و الخروج عن تحت الأصل الأصيل لم يثبت الدليل و إن لم يتضيّق في بعضها السبيل، حسب ما في المتن التفصيل، و إليه المرجع و التحويل.

395

ثمّ إنّ ملزميّة التلف للمعاطاة و غيره من الملزمات هل يقتضي تقدير الملك القهريّ بجعله تعالى أم لا؟ وجهان، أقواهما الأوّل، لأنّه لو لم يقدر الملك القهريّ و لو لم يكشف الملزم عن سبق حصوله قهرا لكان لزوم المعاطاة بالملزم مخصّصا لعموم «من أتلف مال غيره فهو له ضامن»، و عموم تسليط الناس على أموالهم، و الأصل عدم التخصيص. و لأنّ وجه عدم إمضاء الشارع التمليك و اللزوم بمجرّد المعاطاة إنّما هو قصور دلالة الأفعال بمجرّدها عن القصود و الصراحة، فبعد وصولها إلى حدّ الصراحة بضميمة حصول الملزم لها لا وجه لتبعيض الإمضاء، أعني: إمضاء ترتّب آثار التمليك دون نفس التمليك المؤثّر لها، لعدم المانع من الإمضاء المطلق بعد ارتفاع مانعية قصور دلالة الفعل بانقلابها إلى الصراحة بضميمة حصول الملزم إليها. و لأنّه لا فرق بين الملزميّة و حصول الملك، سوى ما يمكن أن يفرض الملزميّة من مسبّبات الملكيّة، و من عادته تعالى في الغالب عدم جريان المسبّبات بدون أسبابها، كما في النصّ: «أبى اللّٰه أن يجري الأشياء إلّا بأسبابها» (1)، فتفكيكه بين إمضاء المسبّب دون سببه المؤثّر له من جملة خرق العادات المخالفة للغالب.

فتلخّص من هذه الوجوه: قوّة استكشاف الملزم للمعاطاة عن سبق الملك القهريّ فيها.

قوله: «المثل و القيمة، فتدبّر».

[أقول:] إشارة إلى أنّه لو قيل بتقديم البدل الجعليّ في التبادل قلنا:

المفروض على القول بإفادته الإباحة إلغاء جعله بدلا شرعيّا، فيتعيّن بدله الفعلي، و هو المثل و القيمة.

قوله: «و الظاهر أنّه في حكم التلف، لأنّ الساقط لا يعود».

____________

(1) الكافي 1: 183 ح 7.

396

أقول: عدم عود الساقط إنّما يسلم لو كان تعاطي المتعاطيين بقصد استيفاء الدين و إيفائه، فإنّ سقوط الدين عن ذمّة المديون في هذا الفرض بمنزلة الإبراء غير قابل للعود بالإقالة و الفسخ.

و لعلّ مقصود الشهيد في الدروس (1) من الجزم بعدم عود الساقط من الدين الثابت في ذمّة أحد المتعاطيين أيضا هو التعاطي بقصد استيفاء الدين من طرف الآخذ، و إيفاؤه من طرف المعطي. و أمّا إذا كان إعطاء المديون العوض للديّان بقصد البيع و التمليك و أخذ الديّان إيّاه بقصد الشراء و التملّك و لو بعوض الدين- كما هو الغالب في قصد التعاطي- فلا وجه للجزم بعدم عود الساقط و تضعيف احتمال عوده، سواء أقلنا بإفادة المعاطاة الملك أم الإباحة، لاحتمال أن يكون سقوطه سقوطا مراعى فيعود بالعود، و سقوطا منجّزا فلا يعود، و لا مرجّح لأحد الاحتمالين على الآخر على كلّ من تقديري الملك و الإباحة.

قوله: «و كذا على القول بالإباحة، لأنّ التصرف الناقل يكشف عن سبق الملك للمتصرّف فيرجع بالفسخ إلى ملك الثاني فلا دليل على زواله .. إلخ».

[أقول:] و فيه: أنّ كشف البيع لنفسه عن سبق الملك لنفسه إنّما يبتنى على القول بأنّ إذن المالك للغير ببيع ماله لنفسه يمضي شرعا، كما عن جماعة منهم:

الشهيد (2) و قطب الدين (3).

و أمّا على القول بعدم إمضائه شرعا- كما هو الأحوط إن لم يكن أقوى وفاقا للعلّامة- فلا يكشف عن سبق الملك للبائع حتّى يرجع بالفسخ إلى ملك الثاني.

قوله: «و لو باع العين ثالث فضولا .. إلخ».

____________

(1) الدروس الشرعيّة 3: 192.

(2) لم نعثر عليه.

(3) فقه القرآن 2: 44.

397

أقول: و صور هذه المسألة: أنّه: إمّا أن يجيز البيع الفضوليّ كلاهما، أو لم يجيزاه كلاهما، أو يجيزه أحدهما دون الآخر مع سكوته عن الإجازة، أو منعه عنها بالردّ أو باللفظ قبل إجازة الآخر أو بعده.

و على الأوّل: إمّا أن يتّفق إجازة كلّ منهما مقارنا لإجارة الآخر، أم متأخّرا عن إجازة الآخر، و على كلّ من هذه الصور: إمّا أن نقول بإفادة المعاطاة الإباحة أو الملك، و حكم كلّ واحد من الصور المذكورة ظاهر بالتأمّل في مراجعة المتن، فتدبّر.

[السابع أن الشهيد الثاني في المسالك ذكر وجهين في صيرورة المعاطاة بيعا بعد التلف أو معاوضة مستقلة]

قوله: «يقول بالإباحة اللازمة، فافهم».

[أقول:] إشارة إلى الفرق بين الإباحة اللازمة و سائر العقود اللازمة، من حيث إنّ وصف الإباحة باللزوم وصف لحال متعلّقه، و هو المباح لا الإباحة، بخلاف وصف البيع و سائر العقود اللازمة به.

[الثامن لا إشكال في تحقق المعاطاة المصطلحة التي هي معركة الآراء بين الخاصة و العامة بما إذا تحقق إنشاء التمليك أو الإباحة بالفعل]

قوله: «الثامن لا إشكال. إلخ».

أقول: الكلام في إلحاق البيع الواقع بالصيغة الفاسدة الخالية عن شرائط الصحّة بالمعاطاة في الحكم و عدمه. و قبل الخوض في تنقيح حكم المسألة يقع الكلام في مقدّمات.

الأوّلي: في بيان أقسام الإذن و تشخيص أحكامها، فنقول: الإذن و رضا المالك بالتصرّف في ماله: تارة يحصل من شاهد الحال، كشهادة حال الرجل من سخاوته و إسلامه و حسن خلقه و كرامة طبعه على الإذن، و الرضا بشرب ماء منه، و التوّضؤ من مائه، و نحوهما من الأمور اليسيرة الضرر أو ممّا لا ضرر فيه أصلا.

و تارة يحصل من فحوى الخطاب. و في شمول فحوى الخطاب لما عدا الأولويّة من الصور المساوية للمنطوق به، كما عليه صاحب الجواهر غير بعيد.

398

و تارة يحصل من التصريح بما يدلّ على الرضا مطابقة أو تضمّنا أو التزاما بأقسامه الثلاثة، كدلالة الإذن في الشي‌ء على الإذن في لوازمه و مقدّماته.

و تارة رابعة يحصل من كتابة أو إشارة، و هذا القسم من جملة قرائنه الفعلية، لا الحالية كالقسم الأوّل، و لا اللفظية كالقسمين الآخرين.

أمّا الإذن الحاصل من شاهد الحال أو شي‌ء من الأفعال فيعتبر في اعتباره العلم بحصوله، و دورانه مدار وجود العلم، بخلاف الحاصل من الأخيرين فإنّه يكفي في اعتباره الظنّ الفعليّ أو الشأنيّ على الخلاف في أنّ اعتبار ظواهر الألفاظ من باب الظنّ الفعليّ أو الشأني. و في إلحاق الدلالة الالتزامية الغير اللفظيّة بشاهد الحال في اعتبار العلم وجه غير بعيد.

ثمّ إنّ كلّ واحد من أنواع الإذن: إمّا غير معارض، أو معارض.

أمّا الأوّل: فإمّا مفرد و أقسامه صريح أو شاهد حال أو فحوى، و إمّا مركّب من الأوّل و الثاني، أو الأوّل و الثالث، أو من الثاني و الثالث، أو من الثلاثة جميعا.

فأقسام الإذن الغير المعارض سبعة.

و لا إشكال في ترتّب الحكم التكليفيّ من الإباحة و الجواز عليها، إنّما الإشكال في ترتّب الحكم الوضعيّ، و هو الملكيّة عليها. و الأقوى أنّ مجرّد الرضا و طيب النفس و إن ترتّب عليه الحكم التكليفيّ- و هو الإباحة- إلّا أنّه لا يستلزم ترتّب الحكم الوضعيّ من اللزوم و الملكيّة عليه، بل يستتبع مفاد دليل ذلك الحكم الوضعيّ في الاحتياج إلى ضميمة الإنشاء إلى الرضا و عدمه.

و أمّا الإذن المعارض من أنواع الإذن الثلاثة: فإمّا معارض بمثله و أقسامه ثلاثة، أو بغيره فكذلك.

و على كلّ من الأقسام الستّة: إمّا أن يكون المناط في الإذن و المنع المعارض له منقّح في كلّ من طرفي التعارض، أو في طرف الإذن دون المنع، أو‌

399

العكس. أو غير منقّح في شي‌ء من الطرفين أصلا. فبلغ الأقسام إلى أربع و عشرين صورة، و على كلّ من صور تنقيح المناط البالغة إلى ثماني عشرة صورة: إمّا أن يعلم المأذون بتحقيق المناط أيضا، أعني: تحقيق اندراجه تحت المناط المنقّح أو خروجه عن تحته، و إمّا أن يشكّ في الاندراج و الخروج.

مثلا: إذا علم بتنقيح كون المناط في الإذن هو العدالة، و في المنع هو الفسق: فإمّا أن يعلم بكونه عادلا ليندرج في مناط الإذن، أو بكونه فاسقا ليندرج في مناط المنع. و إمّا أن يشكّ في عدالة نفسه و فسقه، فبلغ أقسام العلم بتنقيح المناط الثماني عشرة بعد ضربها في أقسام تحقيق المناط إلى أربع و خمسين صورة، و إذا انضمّ إليها صور عدم العلم بتنقيح المناط الستّ بلغت ستّين صورة.

و التفصيل في حكمها أن يقال: أمّا المتعارضان على وجه التباين أو العموم من وجه فلا إشكال في سقوطهما و الرجوع إلى الأصول الخارجة و إن تعاضد أحدهما بمرجّح ظنّيّ، لأنّ الظنّ المطلق غير حجّة في تشخيص الموضوعات الصرفة، و إن كان حجّة في الأحكام فلا يرجّح به هنا إلّا إذا رجع إلى مفاد الألفاظ العرفية.

و أمّا المتعارضان على وجه العموم المطلق فيعلم حكمهما في ضمن مقدّمتين:

إحداهما: أنّ صلوح الشي‌ء المكتنف باللفظ للقرينيّة الصارفة هل تصرف اللفظ عن ظهوره كما عليه صاحب المناهج (1) و العوائد (2)، أما لا تصرفه عن ظهوره كما عليه المشهور، و هو المقبول كما قرّر في غير موضع من الأصول، و لهذا ذهب المشهور إلى عدم رجوع الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة إلى ما‌

____________

(1) المناهج: 14.

(2) لم نعثر عليه.

400

عدا الأخير منها بمجرّد صلوحه و احتمال رجوعه إلى كلّها، فإنّ أصالة الظهور و الحقيقة و عدم المجاز كما هو محكم عند وجود القرينة و الصرف كذلك محكم عند الشكّ في قرينيّة الموجود المكتنف باللفظ، سواء ارتبط ذلك بالأحكام الكلّية أم الموضوعات الصرفة.

نعم، لو بلغ صلوح الشي‌ء للقرينيّة إلى مثابة لا يبقى معه الظنّ و الظهور الحاصل من أصالة الحقيقة و عدم المجاز توقّف في صرفه الظاهر عن ظهوره، و عدم صرفه عنه، كما في المجاز المشهور على المشهور.

و من هنا يعلم: أنّ كلّ ما يكتنف بالإذن أو المنع ممّا يصلح أن يكون قرينة صرفة عن الظهور و إناطة الإذن أو المنع به لا يصرف الظاهر عن ظهوره، بل يبنى على إطلاق الإذن و المنع و عمومهما، إلى أن يثبت التقييد و التخصيص بمعلوم القرينة و الصرف، لا بمحتملهما. فإذا أبيح لك التصرّف في مال على وجه اكتنف الإذن بما يصلح أن يكون قرينة إناطتهما بوصف أو شرط من الأوصاف و الشروط المقصودة فيك- كالعدالة و القرابة و الفقر و الديانة و نحوها- جاز لك التصرّف فيه على مذهب المشهور، و لم يجز على مذهب صاحب العوائد.

و ثانيتهما: أنّ التخصيص مقدّم على سائر المجازات من الإضمار و التقدير في كلّ ما تعارض المتعارضان على وجه العموم و الخصوص، سواء أعلمنا بعلّتي العموم و الخصوص و بعدم إبائهما عن التخصيص بالمخصّص، أم لم نعلم من الصور المذكورة.

و أمّا إذا علمنا بالعلّة لكنّها آبية عن التخصيص: فإن كان كلّ منهما آب عن التخصيص كان تعارضهما في حكم تعارض المتباينين في السقوط و الرجوع إلى الأصل. و إن كان الآبي عن التخصيص أحدهما فقط فهو في حكم النصّ بالنسبة إلى غير الآبي عنه في صرفه عن ظهوره.

401

المقدّمة الثانية: أنّ المشهور المنصور عندنا- وفاقا لأكثر المحقّقين- هو إدراك العقل الحسن و القبح، و حجّية مدركاته، و الملازمة بينه و بين حكم الشارع، و يتفرّع على هذه المقدّمة: أنّ العقل بعد حجّيته و إدراكه رضا المالك بالتصرّف في ماله و لو رضا شأنيّا مركوزا في خزانة الخاطر لا يقصر عن الفعل و اللفظ الدالّين على الرضا في إفادة الإباحة و سائر الأحكام.

نعم، لو قلنا بمقالة الأشاعرة: من عدم إدراك العقل الحسن و القبح أو عدم حجّيّة ما يدركه قصر دلالة العقل على الرضا عن دلالة الفعل و اللفظ عليه في الإفادة. و على ذلك لو منع أحد التصرّف في ماله صريحا و علم الممنوع من شاهد حال المانع الرضا بالتصرّف لو علم أنّه من هو؟ و أنّه متّصف بوصف من القرابة أو الديانة أو الصيانة لو تفطّن المانع له لرضا، و أنّ منعه من جهة الجهل به أو بوصفه جاز للممنوع التصرّف في مال المانع، و إن صرّح بمنعه و عدم رضاه، لأنّ الرضا الشأنيّ المركوز في خزانة الخاطر بعد استفادته العقل من حال المانع كاف في الإباحة و إن لم يكن المانع متفطّنا له.

و لهذا قيل بوجوب مقدّمة الواجب و مطلوبيّته مع عدم تفطّن الموجب لذي المقدّمة لها غالبا بالتفطّن التفصيليّ للاكتفاء في وجوبها بالتفطّن الإجماليّ المركوز في نفس الموجب، و كذا العكس، فإنّ من أذن لشخص التصرّف في ماله أو إعطاء أعطاه شيئا من ماله بزعم أنّه فقير أو متّصف بشي‌ء من الصفات المفقودة في المأذون له بحيث لو كان الآذن عالما بفقده فيه لم يأذن له لا يجوز له التصرّف و أخذ المعطى اعتمادا على ظاهر الإذن، إلّا إذا كان الوصف المفقود داعيا لإذن الآذن، لا عنوانا له كما هو لو كان الإذن و الإعطاء و عنوانه شخص المأذون و إن كان داعي الإذن و الإعطاء هو وصفه المفقود فيه دون العكس، و هو: ما إذا كان الوصف عنوان الإذن و الإعطاء.

402

المقدّمة الثالثة: في تشخيص محلّ النزاع في المسألة، فنقول و باللّٰه الاستعانة: لا إشكال في تحقّق المعاطاة المصطلحة الّتي هي معركة الآراء بين الخاصّة و العامّة بما إذا تحقّق إنشاء التمليك أو الإباحة بالفعل، و هو قبض العين، و لا فيما إذا تحقّقت بالقول الفاقد لشرائط اللزوم بناء على القول بعدم اشتراط اللزوم بشي‌ء زائد على الإنشاء اللفظي.

كما لا إشكال في عدم تحقّقها بالقول و لا بالفعل مع اختلال شرائط المتعاقدين من العقل و الرشد و الاختيار و القصد، أو شرائط العوضين من المعلوميّة و الطلقيّة و المقدوريّة على التسليم و القابلية للتمليك.

إنّما الإشكال و الخلاف في تحقّقها بالقول عند اختلال شروط ذلك القول و الصيغة الخاصة، من دون اختلال سائر الشروط المعتبرة في المتعاقدين و العوضين، كما لا يخفى.

بل و لا إشكال في تحقّقها بالصيغة الفاقدة للشرائط إذا فرض وقوع تقابضهما بإنشاء جديد غير الإنشاء الحاصل في ضمن الصيغة الفاقدة للشرائط.

كما لا إشكال في عدم تحقّقها بتلك الصيغة لو فرض أنّ تقابضهما و رضاهما بالمعاوضة مقيّد بتأثّر الصيغة الفاقدة للشرائط لتلك الآثار اعتقادا أو تشريعا، بحيث تكون صحّة المعاملة من جهة الصيغة و تأثيرها جهة تقييديّة مأخوذة في الرضا بالمعاملة و التقابض، ضرورة انتفاء المقيّد- و هو الرضا بالمعاملة- بانتفاء قيده، و هو صحّة الصيغة و تأثيرها ذلك.

و إنّما الإشكال و الخلاف فيما لو قصد البيع و وقوع المعاوضة بتلك الصيغة الفاقدة للشرائط من غير تقييد الرضا بخصوص تأثير الصيغة له، و لا بخصوص تأثير التقابض له بأن كان مقصودهما وقوع البيع و المعاملة بينهما بأيّ وجه اتّفق، سواء صحّت الصيغة أو فسدت.

403

و إذ قد عرفت أنّ محلّ النزاع في ذلك الفرض فالأقوى ما اختاره المشهور من إلحاقها بالمعاطاة في الصحّة و سائر الأحكام المترتّبة على المعاطاة من غير إشكال و لا دغدغة. و لعلّ هذا الحكم إجماعيّ، و أنّ الخلاف ناشئ عن عدم تشخيص موضوعه، و اشتباه فرضه بالفرض المقيّد فيه الرضا بصحّة الصيغة و تأثيرها.

كما لا إشكال في صحّة كلّ ما اقترن فعله بما يصلح و ما لا يصلح لتحصيله إذا قصد الفاعل تحصيله بأيّهما حصل و لم يتقيّد بتحصيله من خصوص ما لا يصلح لتحصيله، و لهذا يحكم بإجزاء صلاة من ذكر في ركوعه أو سجوده الذكر مرّتين: أحدهما بلحن، و الآخر بتصحيح إذا قصد الاجتزاء بأيّهما حصل الاجتزاء به و أثّر الصالح للاجتزاء أثره، سواء اتّفق وقوعه قبل الفاسد أو بعده.

و من هنا يعلم اندفاع تمسّك القائلين بفساد الفرض و عدم إلحاقه بالمعاطاة، بأنّ ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد، فإنّ ذلك إنّما ينهض حجّة على فساد الفرض المتقدّم الخارج عن محلّ النزاع، أعني: فرض تقييد الرضا و التقابض بتأثير الصيغة، لا على فساد ما نحن فيه من فرض عدم تقييد الرضا بتأثير الصيغة، فإنّ ما قصد في هذا الفرض وقع، و ما و مع قصد، لا أنّ ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد كما توهّم.

و كذا يعلم عدم توقّف إدخال الفرض المذكور في المعاطاة على كفاية الرضا الشأنيّ في المعاطاة، لما عرفت من عدم خلوّ الفرض عن بقاء نوع من الرضا الفعليّ فيه، مضافا إلى عدم استبعاد كفاية الشأنيّ أيضا على تقدير التوقّف، و لا على كفاية وصول كلّ من العوضين إلى المالك الآخر في المعاطاة من غير اشتراط إنشاء الإباحة أو التمليك بالقبض، لما عرفت من عدم خلوّ الفرض المقرّر فيه النزاع عن بقاء نوع من الإنشاء الدالّ عليهما الصيغة في ضمن التقابض‌

404

الدالّ عليه التقابض، كما هو قضيّة عدم تقييد الرضا و الإنشاء الدالّ عليها الصيغة بتأثير الصيغة، مضافا إلى عدم استبعاد كفاية مجرّد الوصول حسب ما زعمه الماتن، كما لا يخفى.

نعم، إنّما يتمّ توقّف دخول محلّ النزاع في المعاطاة على الأمرين المذكورين لو كان النزاع في فرض ما إذا كان الرضا مقيّدا بتأثير الصيغة الفاسدة البيع زعما منهما التأثير على وجه لو لا زعمهما التأثير لم يقيّد إرضائهما بتأثير الصيغة، و لا يبعد دخول هذا الفرض في محلّ النزاع أيضا، إلّا أنّ الأقوى عدم إلحاقه بالمعاطاة و إن قيل بإلحاقه كما أنّ الأقوى في الفرض السابق إلحاقه بالمعاطاة و إن قيل بعدم إلحاقه.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّه لا نزاع في إلحاق الفرض الأوّل بالمعاطاة، أعني:

فرض ما إذا تعدّد الإنشاء في ضمن كلّ من الصيغة الفاسدة و التقابض كما لا نزاع في عدم إلحاق الفرض الثاني بها، أعني: فرض ما إذا اتّحد الإنشاء و الرضا المقيّدان بتأثير الصيغة الفاسدة حقيقة، و أنّ النزاع إنّما هو في كلّ من الفرضين الأخيرين، أعني: فرضي عدم تقييد الرضا بتأثير الصيغة، أو تقييده بتأثيرها الناشئ عن زعم التأثير على وجه لو لا الزعم لم يقيّد به. و إن كان الأقوى في أوّلهما الإلحاق بالمتعدّد في دخوله في المعاطاة، و في آخر هما الإلحاق بالمتّحد المقيّد فيه الرضا بالتأثير حقيقة في عدم الإلحاق و عدم الدخول في المعاطاة لتوقّف إلحاقه و دخوله في المعاطاة على الأمرين المذكورين، أعني: كفاية مجرّد الرضا الشأني، و مجرّد الوصول من غير إنشاء في المعاطاة، و هو محلّ تأمّل، فإنّ غاية ما يفيده الرضا الشأنيّ و الوصول من غير إنشاء إنّما هو الإباحة المجّانية من الطرفين ما دام العلم باقيا بالرضا، و هذا ليس من المعاطاة في شي‌ء، و لا يترتّب عليه أثر المعاطاة من اللزوم بتلف أحد العينين، أو جواز التصرّف إلى حين العلم‌