التعليقة على المكاسب - ج1

- السيد عبد الحسين اللاري المزيد...
535 /
405

بالرجوع و إن لم يبعد الإلحاق أيضا حسب ما في المتن، فتدبّر جدّا فإنّ الإلحاق لا يخلو من إطلاق.

[مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع]

[اعتبار اللفظ في عقد البيع]

قال الماتن (قدس سرّه): «مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع .. إلخ».

أقول: و قبل الخوض في تحقيق ما يعتبر من الخصوصيّات في ألفاظ صيغ العقود ينبغي تأسيس الأصل الأصيل الّذي يصحّ عليه التعويل عند فرض الدليل، فنقول و باللّٰه التوفيق:

إن الأصل الأوّليّ في العقود- أعني الأصل العمليّ- هو الفساد، استصحابا لعدم النقل و الانتقال، و إبقاء لكلّ من العوضين في ملك مالكه الأوّل.

و أمّا الأصل الثانوي- أعني القاعدة المستفادة من الشرع الواردة على الأصل الأوليّ العمليّ- ففي وجوده و عدم وجوده في مسألة المعاملات وجهان مبنيّان على تشخيص كون المراد من العقود المحكوم عليها بالصحة و اللزوم في ضمن قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) هل هي العقود العرفيّة و ما يعدّ في العرف عقدا، أو هي العقود المعتبرة في نظر الشارع المعلومة عنده لا عند العرف؟

وجهان، بل قولان:

من أنّ سائر الألفاظ- سيّما ألفاظ المعاملات- موضوعة للمعاني الواقعيّة الراجع واقعها إلى العرف لا الشرع، فيحمل ألفاظ العقود عليها إلحاقا للمشكوك بالأعمّ الأغلب.

و من أنّه لو كان المراد من العقود هو العقود العرفيّة و ما يعدّ في نظر العرف عقدا لزم التخصيص بالأكثر في الآية، و إخراج أكثر العقود الفاسدة بواسطة اختلال شي‌ء من شروط المتعاوضين، أو العوضين، أو الصيغة، فلم يبق بعد إخراج العقود الفاسدة عن تحتها إلّا أقلّ قليل، فظاهر المشهور النافين لتوقيفيّة‌

____________

(1) المائدة: 1.

406

ألفاظ العقود هو القول الأوّل، و ظاهر المحكيّ عن الإيضاح (1) و المسالك (2) و كنز العرفان (3) المثبتين بتوقيفيّتها هو القول الثاني، و الظاهر و الأقوى هو القول الأوّل، لكن لا لمجرّد شهرته حتّى يناقش في حجّيّتها، و لا لمجرّد استلزام القول الثاني لإجمال الآية المخالف لأصالة عدم الإجمال و ندوره، بل و عدمه في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة حتّى يدفعه المعارضة باستلزام القول الأوّل للتخصيص بالأكثر المستهجن عرفا، مضافا إلى أنّ الإجمال اللازم على القول الثاني إجمال الآية من جهة الإطلاق فقط، نظير إجمال المطلقات الواردة مورد حكم آخر، لا إجمالها من جميع الجهات النادر جدّا، بل إنّما هو لما أسلفنا تحقيقه في المرحلة الثالثة من مراحل تفسير الآية الّتي عقدناها لدفع لزوم التخصيص بالأكثر و غيره من موهمات إجمال الآية الشريفة بأبلغ وجه و أبسط. و من شاء راجع، فلا نطيل بالإعادة.

و على ذلك فالأصل الأصيل الّذي يصحّ عليه التعويل ما لم يقم على خلافه دليل هو أصالة الصحّة و اللزوم في كلّ ما شكّ في صحّته من العقود بعد إحراز كونه عقدا عرفيا يصدق عليه لفظ «العقد» عرفا.

كما أنّ الأصل الأوّليّ العمليّ قبل إحراز صدق اسم العقد عليه هو الفساد و عدم اللزوم، استصحابا لعدم النقل و الانتقال، و بقاء كلّ من العوضين تحت ملك مالكه الأوّل.

و من تأسيس هذا الأصل الأصيل يعلم: أنّ الأصل عدم قيام الإشارة من الأخرس مقام اللفظ عند تمكّنه من التوكيل لو لا الشهرة، و إطلاق فحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس، لأنّ الشكّ في أصل صدق اسم العقد‌

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 12.

(2) مسالك الأفهام 7: 86.

(3) كنز العرفان 2: 146.

407

عرفا على إشارته، لا في صحّته بعد إحراز صدق الاسم عليه عرفا حتّى يقتضي الأصل الثانويّ- و هو إطلاق الآية- الصحّة، إلّا أنّ للشهرة- سيّما مع عدم الخلاف و إطلاق فحوى النصّ- ورودا على أصالة عدم كفاية الإشارة منه عند إمكانه من التوكيل. و كذلك الأصل اعتبار كلّ ما يشكّ مدخليّته في صدق العقد عرفا: من الصراحة و العربية و الهيئة و الترتيب و الموالاة ما لم يقم على خلافه دليل.

قوله: «و إليه ذهب الحلّيّ هناك، أي في الطلاق».

أقول: و لعلّه لأجل أنّ الكتابة و إن كانت أبعد عن الإنشاء من الإشارة إلّا أنّها أقرب من الإشارة إلى الامتياز بين ما يقع الطلاق به من لفظ «أنت طالق».

و بين ما لا يقع الطلاق به من سائر الألفاظ، كانت بريّة أو خليّة، و اللّٰه العالم بالحقيقة.

قال الماتن (قدس سرّه): «فالمشهور عدم وقوع العقد بالكنايات».

أقول: بل الظاهر إجماعهم على اشتراط التصريح في انعقاد العقود اللازمة، و عدم كفاية الكناية في انعقادها. و أنّه إن كان خلاف و اشتباه فهو في الصغرى، أعني: في امتياز الصراحة عن الكناية و اشتباه أحدهما بالآخر، و إلّا فالظاهر من فتاوى الخاصّة و العامّة هو الاتّفاق في الكبرى، أعني: في اشتراطه الصراحة و عدم كفاية الكناية، بل ظاهر بعضها- على ما سنتعرّض لتفصيلها- هو اعتبار التوقيف في ألفاظ العقود و الاقتصار على الألفاظ المتلقّاة من الشارع و إن كان يضعّفه إطلاق «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

ثمّ إنّ الكناية باتّفاق أهل البيان و الأصول: هو لفظ أريد به لازم معناه، مع جواز إرادته معه و إن اختلف الأصوليّون مع البيانيّين في كونها قسيما للمجاز، كما أنّها قسيم للحقيقة، أم أعمّ من المجاز ليكون المجاز قسما، لا قسيما لها؟

فذهب الأصوليّون إلى الثاني، و البيانيون إلى الأوّل، و منشأ اختلافهم هو‌

408

الاختلاف في استلزام المجاز للقرينة المانعة عن إرادة الحقيقة و عدم استلزامها، و الخطب سهل، لرجوع نزاعهم إلى الاختلاف في الاصطلاح، و لا مشاحّة فيه.

مضافا إلى أنّ وجه تثليث أقسام الدلالة بالنسبة إلى علم البيان تعلّق القصد فيه ببيان مطلق الدلالة، و تثنيتهما بالنسبة إلى علم الأصول عدم تعلّق القصد فيه بمطلق الدلالة.

و كيف كان فإرادة الجود من مثل «كثير الرماد»: تارة يحصل باستعمال لفظه في نفس الملزوم و هو كثرة الرماد، لينتقل منه إلى لازمة و هو الجود.

و تارة باستعمال لفظه في نفس اللازم من غير واسطة، و هو تارة مع نصب قرينة معاندة لإرادة الملزوم معه، و تارة مع عدم نصب قرينة معاندة لإرادة الملزوم معه.

و تارة يحصل باستعمال اللفظ في اللازم و الملزوم معا.

أمّا الوجه الأوّل- و هو استعمال اللفظ في الملزوم لينتقل منه إلى لازمة- فإن كان الملزوم فيه معنى حقيقيا للّفظ كان استعماله حقيقة. و إن كان معنى مجازيا كان مجازا.

فقولنا: «زيد كثير الرماد» جملة خبريّة إن استعملت في معناها الحقيقيّ بأن قصد بها الإخبار عن كثرة الرماد حقيقة لينتقل منه إلى لازم معناه- أعني:

كونه جوادا- كان اللفظ حقيقة لا محالة، لأنّه لم يستعمل حينئذ إلّا في ما وضع له و قصد الانتقال منه إلى لازمة غير مخلّ بذلك.

و إن استعملت في صورة معناها بأن قصد بها صورة الإخبار عن كثرة رماده لينتقل منه إلى لازمة لزم التجوّز في الإسناد، لأنّه لم يوضع لصورة الإخبار، بل لحقيقته، فيكون اللفظ باعتباره مجازا. و على التقديرين تكون الكناية في المركّب.

409

و يمكن أن يجعل المحمول حقيقة في المثال المذكور هو الجود المدلول عليه بذكر ملزومه. و لفظ «كثير الرماد» و إن كان محمولا عليه بحسب الظاهر لكن إنّما جي‌ء به لينتقل منه إلى المحمول الحقيقي- أعني الجواد- فيحمل عليه، فتكون الكناية في المفرد، أعني المحمول.

و على التقادير يكون اللفظ مستعملا في الملزوم للانتقال إلى اللازم، فكلّ منهما مراد منه، لكن أحدهما بلا واسطة، و الآخر بواسطة. و أمّا لو استعمل كثير الرماد في الجود نظرا إلى علاقة الملزوم كان مجازا مرسلا قطعا، كما مرّ.

و أمّا الوجه الثاني- و هو استعمال اللفظ في نفس اللازم مع نصب القرينة المعاندة لإرادة الحقيقة- فهو داخل في المجاز و الكناية على اصطلاح الأصوليّين، و في المجاز دون الكناية على اصطلاح البيانيّين. هذا إذا كان استعمال اللفظ في لازم معناه بقرينة جليّة.

و أمّا إذا كان استعماله فيه بقرينة خفيّة و أمارة ضعيفة في موارد يتسامح فيها في الدلالة و يكتفى فيها بمجرّد الإبهام و الإشارة، بحيث يمكن للمستعمل إنكار إرادة اللازم و منع السامع من التسامح في تنزيل كلامه عليه لو دعت الحاجة إلى الإنكار و المنع فيمكن اندراجه حينئذ في الكناية على اصطلاح البيانيّين أيضا، لإمكان الفرق بينها و بين المجاز في اصطلاحهم باشتراط الصراحة في قرينته، و الظهور المعتدّ به.

و أمّا الوجه الثالث- و هو استعمال اللفظ في اللازم مع عدم نصب القرينة المعاندة لإرادة الحقيقة- فهو داخل في الكناية على كلا الاصطلاحين.

كما أنّ الوجه الرابع كذلك بناء على القول بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

و إذ قد عرفت معنى الكناية و المجاز و أقسامهما في الجملة فاعلم: أنّ‌

410

المراد ممّا انعقد عليه الإجماع- و هو اشتراط التصريح في انعقاد العقود و عدم كفاية الكناية في انعقادها- ليس اشتراط أن يكون انعقادها بالألفاظ المتلقّاة من الشارع خاصّة، أعني: المستعملة في عنوان ذلك العقد في الكتاب أو السنّة، لا غير، كما يوهمه ظاهر المحكيّ عن غير واحد ممّا سيأتي، لأنّه مناف لإطلاق «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و لتصريح المشهور بكفاية كثير من الألفاظ الغير المتلقّاة من الشارع، و لتفسيرهم اشتراط التصريح بعدم اكتفاء الكناية. و لا اشتراط أن يكون بلفظ أمر الشارع إيقاع العقد به، لا غير، كما يوهمه بناء بعض الوساوسة على تكرار عقد النكاح لجميع ما يصلح له من الموادّ و الهيئات و أنحائها المختلفة، فإنّ هذا الاحتمال أبعد من سابقه، لأنّه مضافا إلى أنّه ينافي ما ينافيه الاحتمال السابق يستلزم اشتراط صحّة العقود بما هو مفقود.

و كذا ليس المراد من اشتراط الصراحة و عدم كفاية الكناية اشتراط الحقيقة في الصيغة و عدم كفاية المجازات كما يوهمه تصريح بعضهم، فإنّه أيضا مناف لإطلاق الآية، و تصريح المشهور بخلافه.

نعم، لو قلنا بإجمال الآية و عدم جواز التمسّك بعمومها كان المرجع هو الاقتصار على القدر المتيقّن من الصيغ. و لكن قد عرفت ضعف هذا القول في محلّه، و تأسيس عموم الآية و إفادتها أصالة الصحّة و اللزوم إلّا ما أخرجه الدليل.

و بعد تأسيس ذلك الأصل لا مسرح للاقتصار على القدر المتيقّن، بل المراد من اشتراط التصريح إنّما هو اشتراط أن يكون اللفظ مفيدا عنوان ذلك العقد بغير طريق الكناية، سواء أفاده بالوضع اللغوي، أم الشرعي، أم بالمجازات المحفوفة بالقرائن الجليّة الغير القابلة للإنكار، دون الخفيّة القابلة لإنكار التعويل عليها إذا دعت الحاجة إلى الإنكار.

فالمراد من الكناية في معقد الإجماع أو الشهرة على عدم كفاية الكنايات‌

411

ليس ما يعدّ مجازا أو كناية في اصطلاح الأصوليّين خاصّة، و لا ما يعدّ كناية في اصطلاح البيانيّين خاصّة، و لا ما يعدّ كناية في كلا الاصطلاحين، كما يوهمه انصراف الكناية من كلّ ذي اصطلاح إلى مصطلحه، بل المراد من الكناية على ما يظهر من الفتاوى: هو ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع، كما كان المراد من الصراحة هو ما أفاد نفس ذلك العقد من دون توسّط اللازم. و الكناية بهذا المعنى و إن لم توافق الكناية بالمعنى الاصطلاحي- و هو اللفظ المراد به لازم معناه مع جواز إرادته معه، بل كان النسبة بينهما عموما من وجه- إلّا أنّه توافق الكناية بالمعنى اللغوي، و هو التستّر، نظرا إلى أنّ المفيد لازم العقد دون عنوانه، باعتبار أنّ اللازم من حيث إنّه لازم أعمّ من ملزومه، و العامّ لا يدلّ على الخاصّ يكون الملزوم مستورا فيه غير مصرّح به. و إن انضمّ إلى ذلك اللفظ المفيد لازم العقد بحسب الوضع القرائن الخارجية الدالّة على إرادة نفس العقد، سواء أ كانت قرائن مقالية أم حالية، و ذلك لأنّ أقصى ما تقتضيه القرائن المنضمّة إلى لفظ اللازم، المعيّنة لإرادة الملزوم منه هو الكشف عن إرادة الملزوم و هو نفس العقد دون الكشف عن تعلّق الإنشاء بالملزوم مع تعلّقه في الظاهر بنفس لازمة. و من المعلوم أنّ التصريح بإرادة العقد غير محقّق للعقد فضلا عن تحقّقه بمجرّد الكاشف عن إرادته، و ذلك لأنّ الإنشاء محقّق للعقد، و هو يستتبع مفاد آلته بحسب الوضع، فإن كان مفاد آلته بحسب الوضع هو اللازم كان الإنشاء متعلّقا به و إن حفّت بقرينة إرادة الملزوم منه ضرورة عدم المنافاة بين تعلّق الإنشاء بمفاد ظاهر اللفظ- و هو لازم العقد من الإذن و الإباحة و تجويز التصرّفات- و بين إرادة الملزوم، و هو نفس العقد منه.

و وجه عدم منافاته: إمّا من الغافل أو الجاهل أعمّيّة لازم العقد من نفس العقد فواضح، كما في أكثر العوامّ الزاعمين في معاملاتهم مساواة إباحة التصرّف‌

412

و الإذن فيه، و غيرهما من لوازم العقود لملزوماتها و هو نفس العقد، و لهذا ترى كثيرا ما يكتفون في عقودهم حتّى في مثل النكاح بمجرّد إنشاء المراضاة و إباحة التصرفات و الإذن و غيرهما من لوازم العقد، دون إنشاء نفس العقد، زعما منهم مساواة تلك اللوازم لملزوماتها، و جهلا أو غفلة عن أعمّيّة تلك اللوازم من ملزوماتها.

و إمّا من العالم بأعمّيّة اللازم من ملزومه و انتفائه بالأعمّيّة حين الإنشاء فلإمكان أن يريد تعلّق إنشائه باللازم أصالة ليحصل منه إنشاء الملزوم تبعا، نظير ما هو المراد من أحد أقسام الكناية من إرادة المعنى الحقيقيّ من اللفظ أصالة لينتقل منه إلى المعنى المجازي تبعا.

نعم، لو فرض المنضمّ إليه من القرائن الدالّة على تعيين كون المنشأ بإنشاء اللازم هو نفس العقد و أنّ المراد من إنشاء اللازم هو إنشاء نفس الملزوم خرج الفرض عن باب العقد بالكناية، و دخل في باب العقد بالمجاز، فيلحقه ما يلحق بابه من الحكم بالانعقاد، و عدمه. و قد عرفت أنّ الأصل الأصيل عندنا الانعقاد بالمجاز المكتنف بقرينة جليّة لا تقبل الإنكار لو دعت الحاجة إلى الإنكار، بناء على ما هو المقرّر عندنا- معاشر المشهور من عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و دلالته على أصالة الصحّة و اللزوم في كلّ عقد عرفيّ بعد إحراز صدق العقد عليه عرفا، خلافا لمن زعم عدم الانعقاد بالمجاز مطلقا، توهّما منه إجمال الآية و عدم عمومها المقتضي للاقتصار على القدر المتيقّن من الانعقاد. و لمن فصل- كالمحقّق (1) (رحمه اللّٰه)- بين المجازات البعيدة و القريبة، جمعا بين كلماتهم بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة، كمتّعتك منفعة داري بكذا مثلا، و المجازات الغير الممنوعة على المجازات القريبة، كبعتك منفعتها بكذا مثلا.

____________

(1) جامع المقاصد 4: 207- 208، و حكاه عنه الأنصاريّ في المكاسب: 94.

413

و إذا تبيّن لك أنّ لازم العقد من حيث إنّه لازم أعمّ من ملزومه، و أنّ العامّ لا يدلّ على الخاصّ، و أنّ انضمام القرائن الدالّة على إرادة الملزم لا يستلزم تعلّق الإنشاء بالملزوم، بل هو أعمّ منه و من إرادة تعلّقه باللازم علمت و عرفت من هنا أنّ الكناية- و هو اللفظ المفيد لازم العقد وضعا- لا يلحق بالصريح بواسطة ضمّ القرائن المعيّنة لإرادة نفس العقد منها، إلّا إذا دلّت على تعلّق الإنشاء بنفس العقد، لا على مجرّد إرادته من تعلّق الإنشاء بلازمه، و أنّ وجهه كون المخاطب لا يدري بم خوطب؟ و المراد من عدم دراية ما خوطب به ليس عدم دراية المراد منه حتّى يندفع إطلاقه بأنّ القرائن لو انضمّت إليه تعيّنه، بل المراد: عدم دراية أنّ المنشأ بإنشاء اللازم هو لازم العقد ليترتّب عليه آثار اللازم، أو نفس العقد ليترتّب عليه آثار نفس العقد، من جهة أنّ تعلّق الإنشاء باللازم مع ضمّ القرائن الدالّة على إرادة نفس العقد أعمّ من كون الغرض تعلّقه باللازم حقيقة و أصالة. و إن كان الغرض منه الانتقال إلى إرادة الملزوم، و من كون الغرض تعلّقه به صورة من باب التوطئة و التوسّط لتعلّقه بنفس الملزوم. و من المعلوم أنّ العام لا يدلّ على الخاصّ إلّا بضمّ القرينة الدالّة على الخصوصيّة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ المحتمل من اشتراط الصراحة في العقود و عدم كفاية الكناية وجوه:

أحدها: اشتراط الانعقاد بالألفاظ المتلقّاة من الشارع، أعني المستعملة في عنوان ذلك العقد في الكتاب أو السنّة، كما يوهمه ظاهر بعض فتاويهم الآتية، حملا لألفاظ العقود على التوقيف تعبّدا، كحمل ألفاظ العبادات عليه تعبّدا.

ثانيها: احتمال اشتراط كونه بلفظ أمر الشارع بإيقاع العقد به، لا غير كما يوهمه عمل بعض الوساوسة على تكرار عقد النكاح بجميع ما يحتمل فيه من الألفاظ و أنحائها.

414

و ثالثها: احتمال اشتراط الحقيقة في الصيغة، و عدم الانعقاد بالمجازات رأسا، كما أوهمه تصريح بعضهم، أو تفصيلا بين نوعي المجازات القريبة و البعيدة، كما عن المحقّق.

و رابعها: احتمال اشتراط انعقاده بما يفيد نفس العقد من الألفاظ، سواء أ كان بلفظ حقيقيّ أم مجازي، و سواء أ كان متلقّيا من الشارع أم لا.

و خامسها: احتمال اشتراط الانعقاد بما له من الألفاظ ظهور عرفيّ معتدّ به في المعنى المقصود، سواء أ كان بلفظ الحقيقة أم المجاز أم الكناية، كما استظهره الماتن من النصوص المتفرّقة حملا لما يعتبر في ألفاظ العقود على ما يعتبر في سائر ألفاظ الأقارير و المحاورات العرفية.

و تلخّص لك أيضا: أنّ المراد من اشتراط الصراحة ليس هو الوجه الأوّل، لمنافاته إطلاق الآية، و تصريحاتهم و تفسيراتهم المذكورة. و لا الوجه الثاني، لأنّه أبعد من الأوّل. و لا الوجه الثالث، لمنافاته إطلاق الآية و عمومها، فتعيّن أن يكون المراد هو الوجه الرابع.

و أمّا الخامس فهو و إن استظهره الماتن (قدس سرّه) من نصوصهم المتفرّقة في أبواب العقود، و من الفتاوى المتعرّضة لصيغها، و من دعوى تنقيح المناط القطعيّ، و هو عدم تعقّل الفرق في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع، أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ إلّا أنّ في ظهور ما استظهره من كلّ واحد من الوجوه الثلاثة نظر، بل منع.

أمّا نصوصهم المتفرّقة و فتاويهم المتعرّضة لصيغ العقود الّتي أشار إليها بقوله: «و حكي عن المحقّق (1): أنّ عقد البيع لا يلزم فيه لفظ مخصوص»،

____________

(1) حكاه عنه الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 445- 446.

415

و «حكي عن الشهيد (1) (رحمه اللّٰه) من جواز البيع بكلّ لفظ دلّ عليه، مثل: أسلمت إليك، و عاوضتك»، و «عن العلّامة (2) و الفخر (3) من: أنّ الإيجاب هو اللفظ الدالّ على النقل، مثل: بعتك، أو ملّكتك، أو ما يقوم مقامهما» إلى غير ذلك من إطلاقاتهم المتفرّقة و تمثيلاتهم المتعرّضة لصيغ العقود الّتي استظهر منها الماتن- طاب ثراه- عدم اشتراط التصريح و الاكتفاء بالكنايات فلعدم ظهور شي‌ء من تلك النصوص و الفتاوى فيما استظهره من مخالفة المشهور و الاكتفاء بالكنايات في العقود.

أمّا نصوصهم المتفرّقة على جواز البيع بكلّ لفظ دلّ عليه و عدم لزوم لفظ مخصوص و غيرهما من سائر المطلقات فلاحتمال ورود إطلاقها مورد بيان رفع احتمال ما عدا الوجه الرابع من سائر الوجوه المتقدّمة عليه، كرفع احتمال اشتراط التلقّي من الشارع بأحد معنييه، أو رفع احتمال اشتراط الحقيقة في صيغ العقود دون ورود إطلاقها مورد بيان رفع اشتراط الصراحة و الاكتفاء بالكناية، و مع هذا الاحتمال، بل و رجحانه بالشهرة كيف يبقى ظهور لإطلاق تلك النصوص في ما استظهره من كون إطلاقها في صدد مخالفة المشهور، و بيان الاكتفاء في انعقاد العقود بكلّ لفظ له ظهور عرفيّ معتدّ به في المعنى المقصود و لو كان بالكناية؟

و أمّا تمثيلاتهم المتعرّضة لصيغ العقود و تجويزهم البيع بالألفاظ المختلفة فلعدم ظهور شي‌ء منها أيضا في مخالفة المشهور، و جواز الاكتفاء بالكناية.

أمّا التمثيل لجواز البيع بمثل «ملّكتك هذا بهذا» أو بمثل «نقلته إلى ملكك بكذا»، أو «جعلته ملكا لك بكذا» فلأنّ تلك الأمثلة من الألفاظ الحقيقيّة المفيدة‌

____________

(1) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 4: 150.

(2) تحرير الأحكام 1: 164.

(3) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 4: 150.

416

لنفس العقد صريحا، سيّما بملاحظة القرائن المقامية لو انضمّت إليه، لا من المجازات، و لا من الكنايات المفيدة لازم العقد أصالة حتّى يستظهر منها اكتفاؤهم في الانعقاد بكلّ لفظ.

و كذا تمثيل الشهيد (1)- (رحمه اللّٰه)- لجواز البيع بمثل «عاوضتك» فإنّه أيضا من الألفاظ الحقيقية المفيدة نفس البيع صريحا كما مرّ في تعريفهم البيع «بمبادلة مال بمال»، و «معاوضة شي‌ء بشي‌ء»، فليس دلالة المعاوضة على البيع من دلالة المجازات و الكنايات في شي‌ء حتّى يستظهر منها ما استظهر، بل هو لفظ حقيقيّ دالّ على البيع صريحا، سيّما بملاحظة ضمّ القرائن المقامية إليه.

و لو سلّمنا كونه من الكنايات فحمل تمثيل الممثّل به على تجويزه الكناية في الانعقاد، و على مخالفته المشهور في الكبرى ليس بأولى من الحمل على مخالفته معهم في الصغرى، أعني في زعمه الكناية صريحا.

و أمّا التمثيل لجواز البيع بمثل «أسلمت إليك، أو «أسلفتك بكذا» فلأنّ السلم و السلف و إن كان معناهما الحقيقيّ المتلقّى من الشارع هو بيع مقيّد خاصّ، و دلالتهما على البيع المطلق مجاز بعلاقة الخصوص و العموم إلّا أنّ تجويز البيع المطلق بهما مع ذلك لا يدلّ على تجويزه البيع بسائر المجازات الغير المتلقّاة من الشارع، أو المتلقّاة الغير المستعملة بعلاقة الخصوص و العموم، فضلا عن دلالته عليه تجويز البيع بالكنايات.

و كذا تمثيل بعضهم في بيع التولية بقوله: «ولّيتك العقد» أو «ولّيتك السلعة»، و التشريك في البيع بمثل «شرّكتك»، و في مسألة التقبيل بلفظ التقبيل فإنّها أيضا من الألفاظ الحقيقة المتلقّاة من الشارع المفيدة نفس عنوان ذلك العقد المعقود منها صريحا، سيّما بملاحظة ضمّ القرائن الحالية إليها.

____________

(1) و لكن فيما حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة «4: 150»: قارضتك.

417

و لو سلّمنا كونها من المجازات فلا يدلّ تمثيل الممثّل بها على تجويزه انعقاد العقود بغيرها من سائر المجازات الغير المتلقّاة من الشرع، فضلا عن الدلالة على تجويزه بالكنايات.

بل لو سلّمنا كونها من الكنايات فحمل تجويز المجوّز للعقد بها على مخالفته المشهور في الكبرى- أعني في اعتبار الصراحة- ليس بأولى من حمل تجويزه بها على اشتباهه في الصغرى، أعني في زعمه الكناية صريحا.

و أمّا التمثيل من بعضهم لانعقاد القرض بمثل «تصرّف فيه»، أو «انتفع به و عليك ردّ عوضه» أو «خذها بمثله» و «أسلفتك» فلعلّه لأجل صراحتها و لو بضمّ القرائن إليها، أو لزعم صراحتها عند المكتفي بها، أو لبنائه على كون القرض من العقود الجائزة من الطرفين، كما صرّح في الروضة (1) باستناد الاكتفاء بتلك الألفاظ في القرض إلى كونها من العقود الجائزة، لا اللازمة. أو لأجل تغليب جانب الجواز فيها من طرف المقترض على جانب اللزوم فيها من طرف المقرض على القول بلزومها من طرفه، و أنّه يملك القرض بمجرّد القبض، و ليس للمقرض جبره على ردّ العين و لو كان موجودا بعد، بل للمقترض ردّ مثله و إن كره المقرض حينئذ.

كما احتمل استناد الاكتفاء بها إلى هذا الوجه شيخنا العلّامة.

و مع وجود هذه الاحتمالات القريبة المتكاثرة في مستند الاكتفاء بتلك الألفاظ في القرض كيف يستظهر من الاكتفاء بها عدم اشتراط المكتفي بها الصراحة في العقود و اكتفائه فيها بالكنايات؟

و أمّا التمثيل من بعضهم لجواز الرهن بمثل: «هذه وثيقة عندك» أو «خذه على مالك» أو «أمسكه بمالك» أو «حتّى أعطيك مالك» فلعلّه أيضا لأجل‌

____________

(1) الروضة البهيّة 4: 12.

418

صراحة تلك الألفاظ و لو بضمّ القرائن، أو لأجل زعم صراحتها عند المكتفي بها، أو لأنّه جائز من طرف المرتهن، الّذي هو المقصود الذاتيّ منه فغلّب جانب الجواز مطلقا، كما صرّح باستناد الاكتفاء بها في الروضة (1) إلى هذا الوجه.

و أمّا التمثيل من بعضهم لجواز إيجاب الضمان بمثل «تعهّدت المال» أو «تقلّدته» و المزارعة بلفظ «ازرع» و الإجارة بلفظ «العارية» أو بلفظ «بيع المنفعة» فلصراحتها و لو بضمّ القرائن، أو لزعم صراحتها عند المكتفي، لا للاكتفاء بالكنايات، كما زعمه الماتن (2).

و أمّا التمثيل من بعضهم لجواز الوقف بمثل «حرّمت» و «تصدّقت» مع القرينة الدالّة على إرادة الوقف مثل «أن لا يباع و لا يورث» فلصراحتها و لو بضمّ القرائن، أو لزعم صراحتها عند مجوّزها، أو لأنّ الوقف معاملة مع اللّٰه تعالى و هو عالم بالسرائر، لا معاملة مع من لا يدري بم خوطب به؟ حتّى يحتاج إلى الصراحة.

و لهذا استظهر في الروضة عن الأكثر: أنّه لو نوى الوقف في ما يفتقر إلى القرينة وقع باطنا، و دين بنيّته لو ادّعاه أو ادّعى غيره (3).

و أمّا التمثيل من جماعة لوقوع العقد الدائم بلفظ «التمتّع» فلعلّه مقيّد بما إذا بلغ حدّ الصراحة بضمّ القرائن الحاليّة و المقامية إليه، أو لزعم صراحته عند مجوّزة.

هذا تمام الفتاوى المتعرّضة لصيغ العقود و الأمثلة المختلفة الّتي استظهر الماتن من كلّ واحد منها مخالفة المشهور، و عدم اشتراط الصراحة و الاكتفاء بالكناية. و قد عرفت ممّا ذكرنا عدم ظهور شي‌ء منها في ما استظهره منها بأبلغ‌

____________

(1) الروضة البهيّة 4: 54.

(2) المكاسب: 94.

(3) الروضة البهيّة 3: 164.

419

وجه و أبسط.

و أمّا استظهاره مدّعاه و هو الاكتفاء بالكنايات بتنقيح المناط الّذي أشار إليه بقوله: «إذ لا يعقل الفرق في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع أو إفادته بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ» ففيه: منع عدم تعقّل الفرق بينهما بالمعارضة، و أنّه لو لم يتعقّل الفرق بينهما لجاز انعقاد العقد باللفظ الدالّ على إرادته بمعونة القرائن الحالية، بل لجاز بالمعاطاة المسبوق بمقال أو المقترن بحال يدلّ على إرادة البيع جزما، و اللازم باطل، فالملزوم مثله.

وجه الملازمة عدم الفرق في الوضوح الّذي جعله مناط الصراحة بين القرائن اللفظيّة و الحاليّة، بل و لا بين انضمام القرائن إلى اللفظ أو الفعل. فإنّه إن أراد من الوضوح الّذي جعله مناط الصراحة مطلق الوضوح كان دعوى الفرق بين الوضوح الناشئ عن الأقوال و بين الناشئ عن الأفعال و الأحوال رجوع عمّا بني عليه المناط.

و إن أراد منه الوضوح الخاصّ باللفظ احتمل بعد اعتبار أصل اللفظ في الوضوح اعتبار خصوصية أخرى من خصوصيّات الألفاظ فيه، أعني اعتبار ما عدا الكناية و المجاز فيه، إذ لعلّ ما يكون المعتبر في نظر الشارع لانعقاد العقود هو الصراحة اللفظيّة البالغة في الكشف عن إنشاء العقد إلى مرتبة لا يمكن الرجوع بعده بإنكار إرادته لو دعت الحاجة إلى الإنكار، قطعا لمادّة الخصومة، و سدّا لباب النزاع.

و لمّا لم يكن المجازات بتلك المثابة في الصراحة و قطع مادّة الخصومة من رأس و سدّ باب النزاع و الإنكار سيّما الكنايات و لو بلغت من الاقتران بالقرائن ما بلغت- لإمكان إنكار الاعتماد عليها لو دعت الحاجة إلى الإنكار- احتمل أن‌

420

يرى الشارع المصلحة في عدم اكتفائه بالمجازات و الكنايات، و لو بلغت من الاقتران بالقرائن المصرّحة للمراد ما بلغت. و مع وجود هذا الاحتمال- أعني اعتبار الشارع خصوصيّة ما عدا المجازات في العقود- يكون إلحاق المجازات بغيرها قياس مستنبط العلّة.

و دعوى إمكان رفع احتمال اعتبار الخصوصيّة بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) و أصالة الصحّة و اللزوم المستفادان منه، مضافا إلى عدم جريانه في مطلق المجازات، فضلا عن جريانه في الكنايات، لتوقّف مجرى عموم الوفاء على إحراز كون الواقع عقدا عرفيا الغير المحرز في الكنايات و المجازات البعيدة و الخفي قراءتها، رجوع عمّا بنى عليه الاكتفاء بالمجازات و الكنايات من دعوى تنقيح المناط بعدم تعقّل الفرق.

فتلخّص ممّا ذكرنا عدم ظهور شي‌ء من الوجوه الّتي استظهر الماتن منها الاكتفاء بالمجازات و الكنايات، و أنّ استظهاره منها عجيب! و الأعجب منه أنّه لم يكتف بذلك حتّى تكلّف بتطبيقه على مدّعاه سائر العبارات الظاهرة، بل الصريحة في توقيفيّة ألفاظ العقود و الاقتصار فيها الصيغ المأثورة منها في كلام الشارع، كالعبارة المحكيّة عن الفخر في الإيضاح من أنّ كلّ عقد لازم وضع الشارع له صيغة مخصوصة بالاستقراء (2) فلا بدّ من الاقتصار على المتيقّن.

و عن المسالك (3) من أنّه يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعا، المعهودة لغة.

و العبارة المحكيّة عن كنز العرفان في باب النكاح من أنّه حكم شرعيّ حادث فلا بدّ له من دليل يدلّ على حصوله، و هو العقد اللفظيّ المتلقّى من‌

____________

(1) المائدة: 1.

(2) إيضاح الفوائد 3: 12.

(3) مسالك الأفهام 3: 147، و ج 7: 86.

421

النصّ (1). ثمّ ذكر لإيجاب النكاح ألفاظ ثلاثة، و علّلها بورودها في القرآن!.

بل الأعجب من ذلك كلّه أنّه لم يكتف بتطبيقه على مدّعاه مثل تلك العبائر الظاهرة، بل الصريحة في خلاف مدّعاه حتّى استأيد لمدّعاه و استرشد إليه بتلك العبائر و الفتاوى الصريحة في خلافه، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هذا كلّه في بيان حكم صيغ العقود و امتياز ما ينعقد به العقد عمّا لا ينعقد من حيث الكبرى. و أمّا بيان حكم الصيغ من حيث الصغرى تفصيلا فيتوقّف على التعرّض لخصوص كلّ واحد من ألفاظ الإيجاب و القبول على وجه الجزئيّة، و هي كثيرة:

فمنها: لفظ «بعت» و «شريت»، و في انعقاد كلّ من الإيجاب و القبول أو أحدهما بكلّ من اللفظين، أو عدم انعقاد شي‌ء من الطرفين بشي‌ء من اللفظين، أو التفصيل بين انضمام القرائن المعيّنة و بين عدم الانضمام وجوه مبنيّة على ما تقدّم من احتمال توقيفيّة ألفاظ العقود بالمعنى الأخصّ، و من احتمال اعتبار الوضع الحقيقيّ في صيغها، و عدم ثبوت النقل الحقيقيّ في تلك الصيغ، و من احتمال الاكتفاء بالصراحة مطلقا، سواء في ذلك الحقائق و المجازات. و قد عرفت الحقّ مع الأخير منها بأبلغ تقرير و تحرير.

كما أنّ في الاكتفاء بمجرّد انضمام قصد الإيجاب و القبول إليه على تقدير احتياجه إلى الضميمة، أو الاكتفاء بمجرّد انضمام القرائن الحاليّة إليه، أو بمجرّد انضمام أصالة صحّة المعاملة إليه، أو الاكتفاء بمجرّد انضمام إحدى الغلبتين من الاستعمال و الوجود إليه، أو الاحتياج إلى خصوص انضمام القرائن اللفظيّة الّتي منها التعدية إلى المفعولين المميّزة لصيغة الإيجاب عن القبول عند اشتراك الصيغة و اتّحاده بينهما وجوه مبنيّة على قرينيّة ما عدا الأخير منها، كالأخير، و عدمه.

____________

(1) كنز العرفان 2: 147.

422

و الظاهر أنّه لا ريب في عدم قرينيّة مجرّد القصد، و عدم احتمال قرينيّته في كلام أحد.

كما لا خلاف في قرينيّة الوجه الآخر. و لا ريب في قرينيّة الأحوال المنضمّة إليه، و لا في قرينيّة غلبة الاستعمال، بل و لا في قرينيّة غلبة الوجود على إشكال ما، و لا في عدم قرينيّة أصالة صحّة المعاملة، سواء أقلنا بأنّ مأخذها الغلبة في أفعال المسلمين، أم التعبّد الصرف، لكن لا لعدم مجرى أصالة صحّة المعاملة في ما يصحّ من المعاملات بغير اللفظ، كبيع المعاطاة و نحوه، حتّى يندفع بتخصيص مجراها بما لا يصحّ بغير اللفظ و الصيغة، كالنكاح و نحوه. بل إنّما هو لأجل أنّ المراد من أصالة الصحّة إن كان إطلاق آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) فقد عرفت اختصاص مجراه بما إذا أحرز فيه صدق العقد عرفا من الصيغ، و المفروض كون الشكّ في الصحّة ناشئا عن الشكّ في تحقّق موضوع العقد عرفا، لا في اعتبار أمر زائد على تحقّق الموضوع العرفيّ بتلك الصيغة. و إن كان المراد منه أصالة الصحّة في أفعال المسلمين فمن البيّن اختصاص مجراها بما إذا كان الشكّ في الصحّة ناشئا عن الشكّ في إيقاع العقد بأي من صيغتي الصحيح و الفاسد، و المفروض أنّ الشكّ في ما نحن فيه ناشئ عن الشكّ في أصل صحّة الصيغة، و عدمه بعد إحراز كون الإيقاع به لا بغيره.

و بعبارة أخرى: أنّ الشكّ في ما نحن فيه ليس ناشئا عن دوران الأمر في الواقع بين وقوع العقد بإحدى الصيغتين المفروض صحّة إحداهما و فساد الأخرى حتّى يجري فيه أصالة الصحّة في أفعال المسلمين، بل إنّما هو ناشئ عن دوران الأمر بين صحّة اللفظ المخصوص المعلوم وقوع العقد به، و عدم صحّته، و لا أصل في البين.

____________

(1) المائدة: 1.

423

هذا كلّه في بيان صحّة الإيجاب و القبول بلفظ «بعت» و «شريت» على وجه من الإجمال، و تفصيله من جميع الوجوه أنّه لا خلاف فتوى و لا نصّا في وقوع الإيجاب بأيّ واحد من لفظي «بعت» و «شريت».

أمّا لفظ «شريت» فلأنّه و إن قلّ استعماله عرفا في الإيجاب، بل لم ينقل الإيجاب به في الأخبار، و لا في كلام القدماء. إلّا أنّ الظاهر عن اللغويّين هو وضعه للبيع (1)، بل قيل: لم يستعمل في القرآن الكريم إلّا في البيع. و بذلك الكفاية في وضوحه الّذي هو مناط الصراحة المعتبرة في صيغ العقود.

و أمّا لفظ «بعت» فلأنّه و إن كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع و الشراء إلّا أنّ كثرة استعماله في البيع وصلت إلى حدّ تغنيها عن القرينة.

كما لا خلاف نصّا (2) و لا فتوى في صحّة القبول بلفظ «شريت» أيضا، بل الأقوى صحّته بلفظ «بعت» أيضا، لأنّ البيع و إن كان قليل الاستعمال عرفا في القبول إلّا أنّ القرائن المكتنفة به- الّتي منها التأخير، بناء على وجوب تقديم الإيجاب على القبول، أو غلبته- موضّحة إرادة القبول منه بالوضوح الّذي هو مناط الصراحة الكافية في الصحّة عندنا- معاشر المشهور- بأصالة الصحّة، و إطلاق الآية (3).

فتلخّص ممّا ذكرنا: صحّة وقوع الإيجاب و القبول بأيّ من لفظي «بعت» و «شريت»، سواء اتّحد لفظي الإيجاب و القبول بتكرير لفظ «بعت» أو «شريت»، أو اختلف لفظهما.

و على كلّ من الوجوه الأربعة سواء اقترنت الصيغة بالقرينة اللفظية المميّزة‌

____________

(1) انظر لسان العرب 14: 427.

(2) لم نظفر عليه. نعم، ورد القبول بلفظ: «اشتريت» انظر الوسائل 12: 272 ب «19» من أبواب عقد البيع و شروطه.

(3) المائدة: 1.

424

للإيجاب عن القبول الّتي منها التعدية إلى المفعولين، أم اقترنت بالقرينة الحاليّة المميّزة له الّتي منها التقديم و التأخير، بناء على وجوب تقديم الإيجاب أو غلبته و إن عدم صحّة الإيجاب، و القبول إنّما يختصّ بما إذا فرض اشتراك اللفظ بين الإيجاب و القبول، و تجرّد في مقام قصد المعاملة عمّا عدا القصد من جميع القرائن الحاليّة و المقاليّة الكاشفة عن أصل القصد، و المميّزة لقصد الإيجاب عن القبول، و هو طن لم يكن مجرّد فرض لا وقوع له أصلا في المعاملة بلفظ «البيع» و «الشراء» فلا أقل من كونه نادر الوقوع جدّا بحسب العادة، كما لا يخفى، على أنّه لا يبعد القول بأنّ الصراحة المعتبرة في العقود مختصّة بصراحة اللفظ من حيث دلالته على خصوص العقد، و تميّزه عمّا عداه من العقود.

و أمّا تميّز إيجاب عقد معيّن عن قبوله الراجع إلى تميّز البائع عن المشتري فلا يعتبر فيه الصراحة، بل يكفي استفادة المراد و لو بقرينة المقام، أو غلبته.

و من جملة ألفاظ الإيجاب و القبول: لفظ «ملّكت» بالتشديد. و في انعقاد البيع به في كلّ من طرفي الإيجاب و القبول مطلقا، أو عدم انعقاده به مطلقا، أو التفصيل بين ما يكون المنضمّ إليه من القرائن الحاليّة أو اللفظيّة، كسبق مقاولة البيع بينهما و نحوه، أو التفصيل في القرائن اللفظيّة بين سبق مقاولة البيع بينهما على التمليك و بين التصريح بمثل «ملّكتك» بيعا، أو التفصيل بين انعقاد الإيجاب به دون القبول وجوه.

كما أنّ في استناد انعقاد البيع به على القول به إلى أصالة البيع في المعاملات و غلبته، أو إلى إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) أو إلى صراحة لفظ «الملك» في البيع وجوه.

و كما أنّ في استناد عدم انعقاد البيع به على القول به إلى توقيفيّة ألفاظ‌

____________

(1) المائدة: 1.

425

العقود بأحد معنييه، أو إلى مجازيّة التمليك في البيع، أو إلى كناية عنه و كونه من لوازمه الأعمّ أيضا وجوه.

و الأقوى من بين وجوه انعقاد البيع ب «ملّكت»، و عدمه هو الانعقاد به مطلقا، للشهرة المنقولة في المتن إن لم تكن محصّلة، بل و للإجماع المنقول عن نكت الإرشاد (1) و غيره إن لم يكن محصّلا، مضافا إلى أغلبيّة البيع من سائر المعاملات، و إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و إلى صراحة لفظ «الملك» المقارن بذكر العوض، أو غيره من القرائن الحاليّة و المقاليّة في البيع بمقتضى الوضع التركيبي، فإنّ مادّة التمليك و إن كانت مشتركة معنى بين ما يتضمّن المقابلة و بين المجرّد عنها إلّا أنّها إن اتّصلت بذكر العوض أو غيره من القرائن أفاد المجموع المركّب بمقتضى الوضع التركيبي البيع، و إن تجرّدت عن ذكر العوض و سائر القرائن اقتضى تجريده الملكيّة المجّانيّة.

و من هنا يعلم إمكان وجه آخر في المسألة، و هو فرض النزاع فيها لفظيّا، لإمكان الجمع بحمل ما قيل من أنّ التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها على التمليك المجرّد عن ذكر العوض، و حمل ما قيل من انعقاد البيع به على التمليك المقترن بذكر العوض، أو بحمل الأوّل على صورة التجرّد عن جميع القرائن المكتنفة المعيّنة لإرادة البيع، و حمل القول الآخر على صورة الاقتران بشي‌ء منها و لو من القرائن الحاليّة.

و أمّا لفظ «أدخلته في ملكك» فالحال فيه هو الحال في لفظ «ملّكتك» من حيث الوجوه و الوجاهة.

و أمّا لفظ «جعلته لك» فهو و إن نهض إليه بعض وجوه التمليك إلّا أنّ الأوجه فيه التفصيل بين القول بظهور اللام في التمليك، فيفيد البيع بما كان يفيده‌

____________

(1) لم نجده فيه، راجع غاية المراد في شرح نكت الإرشاد: 80- 81.

426

التمليك من الاقتران بذكر العوض أو غيره من القرائن المصرّحة بإرادة البيع، و بين القول بظهوره في الاختصاص، أو عدم اقترانه بشي‌ء من القرائن المصرّحة بإرادة البيع فلا يفيد البيع، لإلحاقه بالكنايات على هذا الفرض.

فتلخّص ممّا ذكرنا قوّة انعقاد الإيجاب بكلّ ما دلّ عليه من الألفاظ الصريحة، سواء كان من المتلقّاة من الشارع أو غيرها، و سواء كان من الألفاظ الحقيقيّة أو المجازيّة، بل و سواء دلّ بمعونة القرائن المقاميّة أو الحاليّة.

و كذا الكلام في انعقاد القبول على الأقوى و الأظهر و الأشهر، فالكلام فيه من حيث الإجمال و الكلّية هو انعقاد القبول بكلّ ما ينعقد به الإيجاب من الألفاظ الصريحة، سواء كانت متلقّاة من الشارع أم لا، و سواء كانت من الألفاظ الحقيقيّة أم لا، و سواء كان دلالته على القبول بمعونة القرائن المقاليّة أو الحاليّة.

و استشكال الماتن (1) في الاعتماد على القرائن الغير اللفظيّة في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت اندفاعه بإطلاق الآية (2)، و الشهرة و الإجماع المنقولين إن لم يكونا محصّلين. و أمّا من حيث التفصيل و الجزئيّة فهو انعقاد القبول بلفظ «قبلت» و «شريت» و «اشتريت» و «بعت» و «ابتعت» و «ملّكت» و «تملّكت» بالتشديد، و «ملكت» بالتخفيف، و «رضيت» و «ارتضيت» و إن كان الأصل في القبول «قبلت» و غيره بدل عنه، إلى غير ذلك من الألفاظ الصريحة في القبول بنفسها، أو بما يكتنف بها من القرائن و لو قرينة تأخيره الدالّ على كونه قبولا، بناء على لزوم تقديم الإيجاب على القبول، أو غلبة ذلك، لإطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بعد إحراز صدق اسم العقد عرفا على العقد بتلك الألفاظ، و للشهرة، بل الإجماع المنقولين، بل المحصّلين من إطلاق عبارة الأكثر.

____________

(1) المكاسب: 95.

(2) المائدة: 1.

427

و يشترط في العقد الإيجاب و القبول من دون التعرّض للفظ خاصّ، بل و من عبارة كلّ من عطف على «بعت» و «ملّكت» و شبههما، أو ما يقوم مقامهما، فإنّ إرادة خصوص لفظ «شريت» من المعطوف بعيد جدّا. كما أنّ إرادة إيرادهم الإطلاق مورد بيان حكم آخر خلاف الظاهر و الغالب، و اللّٰه العالم بحقّ المطالب.

[مسألة في اعتبار العربيّة في العقد]

قال الماتن (قدس سرّه): «المحكيّ عن جماعة منهم: السيّد عميد الدين (1)، و الفاضل المقداد (2)، و المحقّق (3) و الشهيد (4) الثانيان اعتبار العربيّة في العقد».

أقول: قبل الخوض في وجه المسألة ينبغي أوّلا تحرير محلّ النزاع، ثمّ تأسيس الأصل، ثمّ الشروع في دليل المسألة.

أمّا الكلام في تحرير محلّ النزاع فتفصيله: أنّ النزاع في اعتبار العربيّة و عدمه في العقد إنّما هو في المتمكّن من مباشرة العربيّة بنفسه، أو بالتوكيل. و أمّا غير المتمكّن من العربيّة بشي‌ء من الوجهين فلا نزاع في عدم اعتبارها في حقّه و جواز غيرها من سائر اللغات بالنسبة إليه، كما هو ظاهر الروضة (5)، و صريح غيره. بل و كذا العاجز المتمكّن منها بالتوكيل، فإنّه و إن احتمل في حقّه اعتبار العربيّة بالتوكيل بعض أخذا بأصالة عدم النقل و الانتقال بغيرها إلّا أنّ الأقوى و الأشهر عدم اعتبارها في حقّه أيضا.

بل عن مفتاح الكرامة (6) أنّه لا احتاط به أحد. و المراد من العجز ما يشمل المشقّة الكثيرة في التعلّم، أو فوات بعض الأغراض المقصودة من إخفاء العقد و نحوه المنافية للتوكيل.

____________

(1) لم نجده في كنز الفوائد للسيّد عميد الدين.

(2) لم نجد تصريحا له بذلك، و إنّما مثّل لصيغة البيع بالعربيّة، راجع التنقيح الرائع 2: 24.

(3) جامع المقاصد 4: 59- 60.

(4) الروضة البهيّة 3: 225.

(5) الروضة البهيّة 3: 225.

(6) مفتاح الكرامة 4: 164.

428

ثمّ إنّه بعد العجز عن العربيّة هل يستوي سائر اللغات من العجميّ و التركيّ و الهنديّ و الزنجيّ و غيرها من أنواع اللغات و أصنافها المتشتّتة في الاجتزاء، أم لبعضها على بعض تقدّم في الرتبة بالنسبة إلى العاجز؟

وجهان، أقواهما الاستواء، للأصل، و عدم ما يصلح للفرق بينها.

و أمّا الكلام في تأسيس الأصل فقد مرّ غير مرّة أنّ الأصل العمليّ الّذي هو عبارة عن استصحاب بقاء الملك و عدم النقل و الانتقال بغير العربيّة- الّذي هو من استصحاب الأعدام الأزليّة المجمع على حجّيّة الاستصحاب فيها- يقتضي اعتبار العربيّة، و أنّ الأصل اللفظيّ- و هو إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عندنا معاشر المشهور القائلين بإطلاق الآية، و عدم إجمالها، و منع لزوم التخصيص بالأكثر من إطلاقها حسب ما قرّر في صدر المعاطاة بأبلغ وجه و أبسط- يقتضي العكس، و هو عدم اعتبار العربيّة، و الاجتزاء بغيرها من أيّ لغة كانت.

و أمّا الكلام في دليل اعتبار العربيّة فيمكن أن يكون وجوها:

منها: الأصل العمليّ، و استصحاب بقاء الملك، و عدم النقل و الانتقال بغير العربيّة.

و فيه: أنّ الاستدلال بالأصل العمليّ مبنيّ على القول بإجمال الآية، و إلّا فالأصل دليل حيث لا دليل، و إطلاق الآية دليل وارد على كلّ أصل أصيل.

و منها: لزوم الاقتصار على القدر المتيقّن من أسباب النقل، كما اعتمد عليه الشرائع (1) في باب النكاح، و احتمل الماتن الاعتماد عليه عليه مطلقا.

و فيه: أنّ التمسّك به أيضا مبنيّ على القول بإجمال الآية الممنوع إجمالها في محلّه بأبلغ وجه عندنا معاشر المشهور.

____________

(1) شرائع الإسلام 2: 321.

429

و منها: الإجماع المنقول عن المبسوط (1) و التذكرة (2) و غيرهما على اعتبار العربيّة في عقد النكاح، بناء على تنقيح اتّحاد المناط في سائر العقود، أو على أنّ اعتبار العربيّة في عقد النكاح يقتضي أولويّة اعتباره في سائر العقود، نظرا إلى أنّه قد تسامح الشارع في عقد النكاح بما لم يتسامح به في سائر العقود، ممّا يمكن الاستشكاف به عن تسهيل الشارع انعقاد النكاح من بين سائر العقود تكثيرا للنسل، أو غيره من المصالح، كالاكتفاء فيه بالسكوت من البكر، و بإهمال ذكر المهر، و بإسقاطه من المفوّضة بعضها بلا عوض، و بدون تعيين وصف المعقودة من جهة البكارة، و سائر الأوصاف الطبيعيّة و الخلقيّة، إلى غير ذلك ممّا لا يكتفى به في سائر العقود، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.

و فيه: أنّ الإجماع على اعتبار العربيّة في عقد النكاح على تقدير تسليمه و عدم الاعتناء بتجويز ابن حمزة (3) و غيره النكاح بغير العربيّة مع القدرة عليها لا يتعدّى عن النكاح إلى سائر العقود، لمنع تنقيح المناط، و منع الأولويّة، لأنّ القطعيّ منهما مفقود، و الظنّيّ منهما ملحق بالقياس، مضافا إلى أنّ مجرّد المسامحة في باب النكاح ببعض ما لا يتسامح به في سائر العقود معارض بالمسامحة في سائر العقود بالمعاطاة و غيرها ممّا لا يتسامح به في باب النكاح، إجماعا، و إلى ما في الآثار و الأخبار من أنّ الاحتياط في باب النكاح آكد من الاحتياط في سائر الأبواب، و أنّ اهتمام الشارع في أمر الفروج آكد من اهتمامه في سائر الأمور، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.

و منها: ما حكاه في المتن عن جماعة (4) من الاستدلال على اعتبار العربيّة‌

____________

(1) المبسوط 4: 194.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 582.

(3) الوسيلة: 291- 292.

(4) جامع المقاصد 4: 59- 60.

430

بالتأسّي بالنبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) المأمور به في قوله تعالى لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).

و يندفع، لكن لا بما توهّم من استحباب التأسّي تفصّيا عن انتقاض وجوبه بالخصائص حتّى يندفع بخروج الخصائص بمخصّص خارجي، و أنّ العامّ المخصّص حقيقة في الباقي، بل الصواب الجواب بأنّ وجوب التأسّي به إنّما يجب في الأمور الغير العاديّة، لا في الأمور العاديّة من الحركات و السكنات، و إلّا لوجب التأسّي به في مجاورة الحجاز، و تعلّم لسان أهل الحجاز، و التكلّم بنهجهم، و التلبّس بلباسهم، و التزوّج من نسائهم، و الأكل من طعامهم، و الشرب من مياههم، إلى غير ذلك من الأمور العاديّة للنبيّ.

نعم، لو تردّد فعله (عليه السلام) بين الجبلي و الشرعيّ فهو يحمل على الجبليّ، لأصالة عدم التشريع، أو على الشرعي، لأنّه (عليه السلام) بعث لبيان الشرعيّات، و قد وقع ذلك في مواضع، منها: جلسة الاستراحة، و منها: دخوله من ثنية كذا و خروجه من ثنية كذا، حيث يحتمل أن يكون لمصادفة طريقه، أو لأنّه سنّة.

قال الشهيد في قواعده: الصحيح حمل ذلك كلّه على الشرعيّ (2).

و منها: استناد اعتبار العربي إلى أنّ عدم صحّته بالعربيّ الغير الماضي يستلزم عدم صحّته بغير العربيّ بطريق أولى.

و فيه: أنّ عدم صحّته بالعربي الغير الماضي على تقدير تسليمه إنّما هو لأجل التحفّظ من الاشتهار المشبه للإباحة، كما صرّح به الشرائع في باب النكاح (3)، فلا يحمل عليه ما لا يحتمل الاشتهار من الألفاظ الصريحة الّتي هي من قبيل المترادف للعربي من سائر اللغات، لاستلزامه القياس مع الفارق.

____________

(1) الأحزاب: 21.

(2) القواعد و الفوائد 1: 211- 212 قاعدة «61».

(3) شرائع الإسلام 2: 321.

431

و بعبارة اخرى: أنّ عدم صحّته بالعربيّ الغير الماضي على تقدير تسليمه إنّما هو لأجل عدم وضع الغير الماضي للإنشاء الصريح في لغة العرب، فلا يحمل عليه ما وضع للإنشاء الصريح من سائر اللغات.

و منها: صحّة سلب اسم العقد عن العقد بغير اللغة العربيّة.

و فيه: منع صحّته، ضرورة كون العقد لغة و عرفا هو العهد الواقع بين الاثنين على وجه الاستحكام من أيّ لغة كانت، فيشمله عموم الوفاء إلّا على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة في خصوص لفظ العقد بالنسبة إلى العقد باللفظ العربيّ من بين سائر ألفاظ المعاملات، أو القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح المشكوك إطلاقه على العقد بغير العربيّ، و في إثبات كلّ منهما في ألفاظ العبادات ألف كلام، فضلا عن إثبات شي‌ء منهما في ألفاظ المعاملات.

و منها: ما عن الجواهر (1): من استناده اعتبار العربيّة إلى مقايسة ألفاظ العقود بألفاظ الصلاة و القرآن و الأدعية المأثورة في عدم اجتزاء الترجمة عنها بشي‌ء من سائر اللغات لغير العاجز عن العربيّة.

و فيه مضافا إلى القياس أنّه مع الفارق، و هو ورود التعبّد بخصوص العربيّة في ألفاظ الصلاة و القرآن و الأدعية المأثورة في الأخبار و الآثار، دون وروده في ألفاظ العقود، و به الكفاية فارقا بينهما، فلا تقاس ألفاظ العقود الغير الثابت فيها التعبّد بألفاظ الصلاة و القرآن و الأدعية المأثورة الثابت فيها التعبّد في عدم الاجتزاء بغير العربيّ. كما لا تقاس الأدعية الغير المأثورة بالأدعية المأثورة في ذلك، و لهذا يجوز الدعاء الغير المأثور بأيّ لغة من اللغات، بل و كذا الدعاء المأثور لا بقصد المأثور يجوز بأيّ لغة من اللغات.

و منها: ما في الروضة من التمسّك بانصراف إطلاق العقد عن غير العربيّ‌

____________

(1) الجواهر 22: 250.

432

إلى العربيّ من بين اللغات، معلّلا للانصراف إلى العربيّ بقوله: «لأنّ ذلك هو المعهود من صاحب الشرع» (1)، فينصرف إليه إطلاقه، كما ينصرف إطلاق كلّ مطلق وارد مورد العهد و الغلبة إلى المعهود و الغالب.

و يمكن المناقشة بأنّه إن أريد من معهوديّة العربيّ من صاحب الشرع معهوديّة تكلّمه بالعربيّ، فهو إنّما يجدي إلحاق المشكوك كونه عربيّا من تكلّماته بالعربيّ، لا إلحاق المشكوك إرادة العربيّ منه من التكلّم المعلوم عربيّته بالعربيّ، كما في ما نحن فيه، فإنّ شكّنا ليس في عربيّة لفظ «العقود» حتّى يلحق بالمعهود الغالب من تلفّظات الشرع، و إنّما الشكّ في عربيّة المراد من لفظه المعلوم عربيّته، و من المعلوم عدم معهوديّة العربيّ في مرادات الشرع حتّى يلحق به المشكوك من مراداته.

و إن أريد من معهوديّة العربيّ من صاحب الشرع معهوديّة العقود العربيّة ذكرا ففيه: أنّ شرط انصراف إطلاق المطلق و عموم العامّ إلى المعهود الذكريّ عرفا هو سبق ذكر ذلك المعهود بلفظ التنكير و تعقّبه بلفظ الفاء، كما في مثل:

أَرْسَلْنٰا إِلىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا. فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (2)، و في مثل «جاءني رجال فأكرمت الرجال». و من الواضح عدم وجود شي‌ء من شرطي هذا الانصراف في ما نحن فيه، و هو قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).

و إن أريد من معهوديّة العربيّ من صاحب الشرع غلبة استعمال العقود العربيّة في لسانه فمن الواضح عدم أصل استعمال العقود في القرآن في أكثر من موضع أو موضعين، فضلا عن كون المستعمل فيه عربيّا.

____________

(1) الروضة البهيّة 5: 111.

(2) المزّمّل: 15 و 16.

(3) المائدة: 1.

433

و إن أريد من معهوديّته غلبة إيجاد العقود العربيّة من صاحب الشرع فمن الواضح على المتتبّع الخبير عدم إيجاده شيئا من العقود العربيّة سوى عقد مولاتنا فاطمة (عليها السلام) لمولانا عليّ (عليه السلام)، كما في الأخبار (1) و آثار المزار من أنّه (عليه السلام) زوّج في السماء بسيّدة النساء، و كان شهودها الملائكة الأصفياء.

و إن أريد من معهوديّة العربيّ منه غلبة وجود العقود العربيّة على العقود الغير العربيّة في ما بين الناس ففيه: أنّ من الواضح المنع، بل العكس.

هذا، و لكن يمكن توجيه الاستدلال بالانصراف بأنّ المراد من معهوديّة العربيّ ليس شيئا من المعاني المذكورة، و إنّما المراد منه كون الحاضرين محفل خطاب الشرع المخاطبين بإطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ واجدين للعربيّ، فينصرف إليه إطلاق الخطاب المتوجّه إليهم، بناء على ما هو المشهور المنصور من اختصاص خطاب المشافهة بالحاضرين محفلة، و لا يجوز للغائب التمسّك بإطلاق ذلك الخطاب عند مخالفته مع الحاضر في الصنف، نظرا إلى أنّ التكليف المشروط مطلق بالنسبة إلى الواجدين للشرط.

و إيراد صاحب القوانين (2) عليه: بأنّ اعتبار الاتّحاد في الصنف لا يحدّه قلم، و لا يحيط ببيانه رقم، فاحتمال مدخليّة كونهم في عصر النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)، أو أنّ صلاتهم كانت خلفه، و أمثال ذلك في الأحكام الشرعيّة، و حصول التفاوت بذلك، و عدم الحكم باشتراك الغائبين معهم من جهة هذه المخالفة و التفاوت ممّا يهدم أساس الشريعة و يسدّ باب الأحكام مدفوع: بأنّ المراد اعتبار الاتّحاد حيث لا يقوم دليل على عدم اعتباره، و الاتحاد في الكون في زمان النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و نحوه ممّا قام الإجماع، بل الضرورة على عدم اعتباره في معظم الأحكام، فلا يلزم على‌

____________

(1) أمالي الصدوق: 223 ح 2.

(2) قوانين الأصول: 233- 234.

434

تقدير اعتباره ما ذكره من الانهدام و الانسداد، و بأنّ المراد من كون التكليف المشروط مطلقا بالنسبة إلى الواجدين للشرط إنّما هو في ما يستمرّ الشرط دون ما ينقطع، كالكون في زمان النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و نحوه.

و من هنا ظهر وجاهة استدلالنا بظاهر آية الجمعة (1) على وجوب صلاة الجمعة في زماننا، لأنّ احتمال اشتراط حضور السلطان العادل أو نائبه الخاصّ منفيّ بالأصل لو لا توهّم قيام إجماع أو نحوه من الأدلّة الخارجيّة على خلاف الأصل.

كما أنّ توهّم كون الحاضرين واجدين للشرط و حضور السلطان العادل أيضا مدفوع: بعدم استدامة وجدانهم الشرط في أسفارهم و إحضارهم، و ضعف استدلالنا بظاهر أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)، لأنّ احتمال اشتراط العربيّة في العقد غير منفيّ بالأصل، لكون الحاضرين محفل الخطاب به واجدين له استدامة، و التكليف المشروط مطلق بالنسبة إلى الواجدين للشرط المستمرّ في الغالب، و إطلاقه وارد مورد الغالب.

فتلخّص ممّا ذكرنا: الرجوع بالأخرة عن إطلاق الآية (3)، و ضعف تمسّك من تمسّك لعدم اشتراط العربيّ في العقد، بأنّ غير العربيّ من اللغات من قبيل الترادف يصحّ أن يقام مقامه، و بأنّ الغرض إيصال المعاني المقصودة إلى فهم المتعاقدين، فيتأدّى بأيّ لفظ اتّفق، لأنّهما ممنوعان بعد الرجوع عن إطلاق الآية (4) بوروده مورد الغالب، أعني غلبة كون الحاضرين للخطاب واجدين للشرط و هو العربيّة، فلا حاجة إلى التقييد بها، مضافا إلى الإجماع المنقول الوارد على إطلاقها في باب النكاح. بل لا يبعد استظهار الشهرة الواردة على إطلاقها‌

____________

(1) الجمعة: 9.

(2) المائدة: 1.

(3) المائدة: 1.

(4) المائدة: 1.

435

أيضا في سائر أبواب العقود و إن كان كلام أكثر القدماء و المتأخّرين خال عن التصريح باعتبار العربيّة في ما عدا النكاح، إذ لعلّه من جهة الإشكال على وضوح اعتبارها.

كما أنّ عدم تصريحهم باعتبارها في القرآن و الصلاة و الأدعية المأثورة من تلك الجهة أيضا، إلّا أنّ ما بينهما بون بعيد قد عرفت وجهه، فيبعد اتّحاد جهتيهما من تلك الجهة جدّا.

ثمّ إنّه على تقدير اعتبار العربيّة هل يعتبر عدم لحنها من حيث المادّة و الهيئة، أم لا يعتبر مطلقا، أم التفصيل بين اللحن من حيث المادّة فيعتبر عدمه و بين اللحن من حيث الهيئة فلا؟ وجوه، الأقوى الأوّل، لأنّ اللحن في العربيّ مخرج إيّاه عن العربيّ مطلقا، فيلحقه ما يلحق الخارج عن العربيّ إلى سائر اللغات من الاجتزاء بها و عدمه، و لأنّ الحاضرين كما أنّهم واجدين لشرط العربيّة استدامة كذلك واجدين لشرط صحّتها أيضا من الحيثيّتين استدامة، فيكون إطلاق الآية (1) واردا مورد الغالب من جهة الصحّة أيضا.

و توجيه الماتن (2) فرق المفترق بين ما لو قال: «بعتك»- بفتح الباء- و بين ما لو قال: «جوّزتك» بدل «زوّجتك» في تصحيحه الأوّل دون الثاني بقوله: «لعلّه لعدم معنى صحيح في الأوّل إلّا البيع، بخلاف التجويز فإنّ له معنى آخر، فاستعماله في التزويج غير جائز» فيه: أنّه إن أغمض عن القرائن المكتنفة بكلّ منهما كان لكلّ منهما معنى آخر، و إن لم يغمض عنها لم يكن لشي‌ء منهما معنى آخر، فاختصاص أحدها بمعنى آخر دون الآخر في محلّ النظر. فتدبّر.

[المشهور اشتراط الماضويّة في عقد البيع]

قال الماتن (قدس سرّه): «المشهور- كما عن غير واحد- اشتراط الماضويّة .. إلخ».

____________

(1) المائدة: 1.

(2) المكاسب: 96.

436

أقول: تفصيل الكلام في المرام يقع في مقامات: الأوّل: في تأسيس الأصل، و تفصيله: هو أنّ الأصل العمليّ قد عرفت غيرة مرّة أنّه مع اشتراط كلّ ما يشكّ في اشتراطه في صحّة المعاملة لاستصحاب بقاء الملكيّة و عدم حصول النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن حصوله به.

و أمّا الأصل اللفظيّ فوارد على مقتضى الأصل الأوّلي، و ناف لاشتراط الماضويّة، و هو غير منحصر في لفظ «البيع» من قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ حتّى يضعّف بورود إطلاقه مورد بيان حكم آخر، أعني: بيان حلّية البيع في الجملة في مقابل القائلين إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا (1)، فردّهم بقوله وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (2)، معناه: أنّ البيع ليس كالربا. كما أنّ قوله تعالى:

فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (3) في مقابل رفع توهّم كونه كالميتة، معناه: حلّيّة ما يمسكه الكلب المعلّم في الجملة، و بيان أنّه ليس كالميتة، فالتمسّك بإطلاق البيع على عدم اشتراط الماضويّة في عقده كالتمسّك بإطلاق فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ على حلّيّة موضع العضّ من دون غسله، و لا في لفظ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (4) حتّى يقال فيه ما قيل في لفظ «البيع» من منع الإطلاق.

بل إنّما المراد من الأصل اللفظيّ هو عموم العقود من آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فإنّه و إن قيل فيه أيضا ما قيل من منع عمومه بالحمل على العقود المتعارفة أو المعهودة عرفا تفصّيا عن زعم استلزام عمومه التخصيص بالأكثر، إلّا أنّك قد عرفت منع الملازمة، و ردّ ذلك كلّه بالنقض و الحلّ في محلّه، فراجعه إن شئت.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ مقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الوارد على‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2) البقرة: 275.

(3) المائدة: 4.

(4) النساء: 29.

437

أصالة عدم حصول النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن هو عدم اشتراط الماضويّة في الصيغة بعد حصول الصراحة المعتبرة في العقود.

نعم، يمكن أن يقال: بأنّ الغالب في العقود تداولها بالصيغ الماضويّة، فيصرف الإطلاق إليها، كما هو الحال في كلّ ما ورد مورد الغالب من المطلقات.

و لكن يندفع أوّلا: بأنّ ما في العقود عموم لا الإطلاق، و الانصراف إلى الأفراد الغالبة من خصائص الإطلاق، لا العموم.

و ثانيا: بأنّه إن أريد غلبة استعمال العقود في العقود بالصيغ الماضويّة فهو ممنوع جدّا. و إن أريد غلبة وجود العقود بالصيغ الماضويّة فهو على تقدير تسليمه لا يوجب الانصراف بمجرّده، كما لا يخفى.

فتبيّن: أنّ أصالة عدم اشتراط الماضويّة بعموم العقود أصل أصيل عليه التعويل ما لم يقم على الخلاف دليل.

المقام الثاني: في تحرير محلّ النزاع في اشتراط الماضويّة، و عدمه:

و تفصيله: أنّ محلّ النزاع إنّما هو في العقود اللازمة. و أمّا العقود الجائزة فلا نزاع ظاهرا في عدم اشتراط الماضويّة و الاكتفاء في انعقادها بغير الصيغة الماضويّة من الطرفين، بل و بغير القول من طرف القائل، بل و من طرف المجيب أيضا، كما لو أوقعاه بالفعل و المعاطاة، أو نحوها من إيماء أو كتابة أو إشارة.

و كذا لا نزاع ظاهرا في صدق العقد على الواقع منها بالقول من الطرفين، و لا في عدم صدقه على الواقع منها بالفعل، و المعاطاة من الطرفين أو من طرف المجيب فقط، و إنّما النزاع في صدق العقد على الواقع منها بالفعل، و المعاطاة من طرف القابل فقط.

فعن البعض منع الصدق عليه، و إثباته غير بعيد، بل استظهره الأستاذ دام ظلّه.

438

و أمّا ذات الجانبين- كالرهن من العقود- فهل يرجّح فيها جانب الجواز في عدم اشتراط الماضويّة، أو جانب اللزوم في اشتراطها وجهان أقربهما الثاني، لأصالة عدم حصول النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن، خرجت العقود الجائزة من الطرفين بالإجماع، و بقي الباقي.

لا يقال: نرجّح جانب الجواز فيها بعموم العقود الوارد على أصالة عدم النقل و الانتقال.

لأنّا نقول: هذا خروج عن محلّ الفرض، لأنّ الإشكال في إلحاق ذات الجانبين من العقود بالجائزة أو اللازمة منها مبنيّ على فرض قصور لفظ «العقود» عن العموم بأحد الموهمات المتقدّمة، و فرض مخالفة العقود الجائزة اللازمة في اشتراط الماضويّة، و إلّا فبعد تسليم عموم لفظ العقود لم يبق بين الجائزة و اللازمة فرق من جهة عدم اشتراط الماضويّة حتّى يبقى للإشكال في إلحاق ذات الجهتين بأيّهما مسرح.

و الحاصل: أنّ ذات الجهتين من العقود إنّما يلحق بالعقود اللازمة دون الجائزة في اشتراط الماضويّة فيها من جهة أنّ دليل اعتبار الماضويّة في العقود اللازمة و هو أصالة عدم حصول النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن من الصيغ دليل جار في ذات الجانبين أيضا، لأنّ الخارج عن تحت الأصل المذكور على هذا التقدير ليس إلّا العقود الجائزة من الطرفين بالإجماع، و هو دليل لبّيّ يقتصر فيه على القدر المتيقّن.

و بعبارة اخرى: أنّ لسان الدليل المخرج للعقود الجائزة عن تحت أصالة اشتراط الماضويّة ساكت عن إخراج ذات الجانبين، فيقدّم عليه لسان أصالة اشتراطها، لكونه كالناطق.

و بتقرير آخر: أنّ ترجيح جانب اللزوم على جانب الجواز في اشتراط‌

439

الماضويّة فيه على تقدير اشتراطه في العقود اللازمة إنّما هو من جهة أنّ جانب الجواز مقتضاه السكوت عن حال الاشتراط، و عدم الاشتراط، بخلاف جانب اللزوم فإنّ مقتضاه النطق باشتراطها، فيقدّم على جانب الجواز، و ذلك لأنّ جانب الجواز ليس مقتضاه اشتراط، عدم الماضويّة، بل هو كالساكت عن حال الاشتراط، و عدمه، بخلاف جانب اللزوم.

المقام الثالث: في تحقيق الحقّ في المسألة:

و تفصيله: هو أنّهم اختلفوا في اعتبار الماضويّة في العقود و عدمه على أقوال، ثالثها: التفصيل بين عقد النكاح و غيره.

أمّا وجه الاشتراط مطلقا فهو الأصل العملي، أعني استصحاب عدم حصول النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن، و للشهرة المحقّقة، و الإجماع المنقول عن العلّامة في التذكرة (1)، و للاشتهار المشبه للإباحة، أعني لكون الغير الماضي أشبه بالاستدعاء و الاستعلام على ما تمسّك به في الشرائع (2)، و لكن في إطلاقه منع.

و أمّا وجه عدم اشتراطها فلعلّه لإطلاق البيع، و التجارة، و عموم العقود، و فحوى ما دلّ عليه في النكاح (3)، و ما دلّ في بيع الآبق (4)، و اللبن في الضرع (5) من الإيجاب بلفظ المضارع في بعض الروايات، و ما في باب المزارعة من قيام الشهرة على جوازها بصيغة الأمر ك‍ «ازرع» هذه الأرض، استنادا إلى رواية (6).

و ما في باب المساقاة من تجويزه العلّامة في التذكرة (7) بلفظ الأمر ك «تعهّد‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 462.

(2) شرائع الإسلام 2: 12.

(3) الوسائل 14: 466 ب «18» من أبواب المتعة.

(4) الوسائل 12: 262 ب «11» من أبواب عقد البيع و شروطه، و ص: 259 ب «8».

(5) الوسائل 12: 262 ب «11» من أبواب عقد البيع و شروطه، و ص: 259 ب «8».

(6) الوسائل 13: 200 ب «8» من أبواب المزارعة ح 5 و 10.

(7) تذكرة الفقهاء 2: 342.

440

نخلي»، أو «اعمل فيه»، مع عدم نصّ مخرج لها عن نظائرها من العقود اللازمة.

و ما في باب الهبة و القرض و الرهن من قيام الإجماع ظاهرا على عدم اشتراط الماضويّة فيها، مع أنّ المعوّضة و ما للأرحام من الهبات من العقود اللازمة، و كذا القرض من جانب المقرض، و الرهن من جانب الراهن.

و أمّا وجه التفصيل فلاختلاف باب البيع و الإجارة بالنسبة إلى اشتراط الماضويّة لسائر أبواب العقود اللازمة من حيث الفتوى و النصّ (1).

هذا، و لكنّ الأقرب بالقواعد هو اشتراط الماضويّة مطلقا، إلّا في ما أخرجه الدليل من أبواب العقود، لكن لا لمجرّد أصالة اشتراطها و استصحاب عدم النقل و الانتقال بما دونها حتّى يدفعه ورود الأصل اللفظيّ عليه. و لا لمجرّد ورود إطلاق البيع و التجارة مورد بيان حكم آخر حتّى يدفعه الاكتفاء ببقاء عموم «العقود» على الجواز من الأصول اللفظيّة، و لا لما قيل من أنّ الغير الماضي أشبه بالاستدعاء و الاستعلام حتّى يدفعه بأنّ الكلام في ما احتفّ بالقرائن المصرّحة، لا في مطلق غير الماضي، بل إنّما هو لأجل الشهرة، و الإجماع المنقول على اشتراط الماضويّة في صيغ العقود، إلّا ما خرج بالدليل عن موضوع العقود اللازمة، أو عن حكمها، و لا ريب في حجّيّة مثل تلك الشهرة العظيمة. و الإجماع المنقول و إن لم نقل بحجّيّة مطلق الشهرة و الإجماع المنقول و قلنا بعموم العقود أيضا.

و ممّا ذكرنا يعلم: أنّ اختلاف كلمة الأصحاب و عدم اشتراطهم الماضويّة في ذكر من الأبواب لا يوجب و هن شهرتهم على اشتراطها، و لا تقريب عدم اشترطها، بل إنّما يوجب خروج ما لم يشترطوا فيه الماضويّة عن تحت أصالة اشتراطها في العقود اللازمة، خروجا موضوعيّا، أو حكميّا بواسطة مخرج نصّيّ‌

____________

(1) الوسائل 13: 249 ب «8» من أبواب أحكام الإجارة.

441

أو فتوائي، كما هو القاعدة العرفيّة المقرّرة في الجمع بين كلّ عامّ و خاصّ، و مطلق و مقيّد من الكلمات الموهمة للاختلاف و التناقض في بادئ الرأي.

و تفصيل ما ذكرنا: هو أن يقال: أمّا عقد النكاح فهو و إن كان من العقود اللازمة إلّا أنّ خروجها عن حكم نظائرها على القول به إنّما هو للنصّ الخاصّ به.

و دعوى التعدّي إلى غيره بالفحوى نظرا إلى أنّها إذا لم تعتبر في النكاح مع أنّ الاحتياط في أمر الفروج أشدّ و آكد شرعا لم يعتبر في غيره بطريق الأولى، مدفوعة بمنع الأولويّة القطعيّة، لما مرّ (1) من أنّ أشدّيّة الاحتياط في أمر الفروج إنّما هو من جهة خاصّة، كالتحفّظ من اختلاط الأنساب، لا من جميع الجهات، ألا ترى أسهليّة عقد النكاح من سائر العقود من جهة الانعقاد، حيث يكتفى من البكر بالسكوت، و يصحّ من دون تعيين المهر و لا الأجل؟ إلى غير ذلك ممّا لا يكتفى به في ما عدا النكاح من سائر العقود، و يكشف عن كون الشارع كأنّه اكتفى في انعقاد علقة الزوجيّة بأدنى سبب تكثيرا للنسل، و مع ذلك كيف يبقى مسرح للقطع بأولويّة عدم اشتراط الماضويّة في سائر العقود من مجرّد عدم اشتراطها في عقد النكاح؟ و أمّا الأولويّة الظنّية فملحقة بالقياس في عدم الحجّية.

هذا كلّه مضافا إلى إمكان منع الحكم بعدم الاشتراط في المقيس عليه و هو النكاح، لاستناده إلى أخبار قاصرة السند أو الدلالة.

و أمّا وجه عدم اشتراطهم الماضويّة في القرض فلخروجه: إمّا عن حكم العقود اللازمة و لو لم يكن المخرج له سوى مجرّد الشهرة، و إمّا عن موضوع العقود اللازمة، كما هو مقتضى ظاهر اتّفاقهم على جوازه، فإنّ ظاهر اتّفاقهم على جوازه هو جوازه من الطرفين، فيدخل في موضوع العقود الجائزة، و كما هو‌

____________

(1) في ص: 429.

442

مقتضى تصريح الشيخ (1) بأنّ للمقرض الرجوع إلى العين مع بقائها و إن كره المقترض، محتجّا بأنّه عقد يجوز الرجوع فيه كالهبة، إذ ليس لجوازه معنى سوى الانفساخ بمجرّد الفسخ، و رجوع العين بمجرّد الرجوع إليه كالعارية و بيع الخيار.

كما لا معنى للزومه سوى عدم الانفساخ و رجوع العين إلّا بالإقالة من الطرفين.

و قد وجّه [في] المسالك (2) أيضا القول بجواز القرض و جواز رجوع المقرض إلى العين بأبلغ توجيه، من شاء راجعه.

إلّا أنّ هذا القول يستلزم تخصيص كلام المشهور القائلين بعدم رجوع المقرض إلى العين، بل للمقترض ردّ مثله و إن كره المقرض بصورة ما إذا كان رجوع الراجع من باب استيفاء الوفاء بالقرض، لا من باب انفساخ أصل القرض.

كما أنّ قول المشهور أيضا يستلزم تخصيص الاتّفاق على جواز عقد القرض بمعنى آخر غير معنى جواز استرداد العين.

و أمّا وجه عدم اشتراط الماضويّة في الهبة المعوّضة و ذات الأرحام مع أنّها لازمة فلأنّها و إن ألحقت بالعقود اللازمة بالعرض- أعني بواسطة أخذ العوض في المعوّضة، و بواسطة كون الرجوع إلى الأرحام في ذات الأرحام يورث النشوز و العقوق- إلّا أنّها بالذات لمّا كانت من العقود الجائزة غلب فيها جانب الجواز في عدم اشتراط الماضويّة في صيغها، و إن أبيت فبالشهرة الكفاية في خروجها عن حكم العقود اللازمة و إن كانت منها.

و كذا الوجه في عدم اشتراطها في عقد الرهن، كما صرّح به الروضة (3) أيضا.

و أمّا المزارعة بصيغة الأمر ك «ازرع هذه الأرض» فممنوع الصحّة و إن‌

____________

(1) المبسوط 2: 161.

(2) مسالك الأفهام 3: 439.

(3) الروضة البهيّة 4: 54.

443

نسب إلى المشهور، لاستناد شهرتهم على تقدير تحقّقها إلى رواية (1) قاصرة الدلالة، باحتمال إرادة المقاولة من صيغة الأمر، لا المعاقدة به، و لو سلّم فإنّما هو للنصّ الخاصّ، فلا وجه للتعدّي.

و أمّا صحّة المساقاة بصيغة الأمر فإنّه و إن نسب إلى العلّامة في التذكرة (2) إلّا أنّها أشدّ منعا من المزارعة، لخلوّها عن النصّ، و عن الشهرة.

و أمّا صحّة بيع الآبق و اللبن في الضرع فإنّه و إن نسب إلى صاحب الحدائق (3) إلّا أنّها أيضا ممنوعة، لاستنادها إلى ما يقصر سندا أو دلالة، باحتمال إرادة المقاولة منها بين المتعاقدين، لا المعاقدة، و على تقدير التسليم فالفارق النصّ.

هذا كلّه ما يقتضيه القواعد في الجمع بين حجّية الشهرة و الإجماع المنقول على اشتراط الماضويّة في صيغ العقود، و بين الموارد المختلفة فيها كلمات الأصحاب في سائر أبواب العقود المذكورة. و ختم المصنّف المسألة بقوله «فتأمّل» إشارة إلى ما ذكر.

نعم، المانع من حجّيّة الشهرة و الإجماع المنقول لم يحتج إلى الجمع بين كلماتهم بالقواعد و الأصول، بل منع من اشتراط الماضويّة مطلقا، مؤيّدا بمنع الأصحاب عن اشتراطه في بعض الموارد المخصوصة المتقدّمة، و هو غير بعيد بعد اعتبار الصراحة و عموم العقود، و لكنّ الاحتياط سبيل النجاة.

[الأشهر لزوم تقديم الإيجاب على القبول]

قال الماتن (قدس سرّه): «مسألة: الأشهر- كما قيل- لزوم تقديم الإيجاب على القبول .. إلخ».

أقول: أمّا الأصل في المسألة فهو الأصل المؤسّس في سائر المسائل‌

____________

(1) تقدّم ذكر مصدره في هامش (6) ص: 439.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 342.

(3) الحدائق الناضرة 18: 434- 435، و ص: 487.

444

المتقدّمة: من كون العمليّ منه مع اشتراط كلّ ما يشكّ في اشتراطه في صحّة العقد استصحابا، لعدم النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن. و من كون اللفظي منه مع عدم اشتراط ما يشكّ في اشتراطه فيه آخذا بعموم العقود.

و الخدشة بحمل الآية (1) على العقود المتعارفة في زمان النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) صنفا فلا يشمل المشكوك صنفه في ذلك الزمان و إن علم تعارف نوعه كالبيع الفضوليّ مثلا، حيث إنّه متعارف نوعه و هو البيع دون صنفه و هو الفضوليّة، أو بحملها على العقود المتعارفة شخصا- أعني المتداولة بكيفيّاتها المخصوصة لئلّا يشمل المشكوك تداول شخصه- و إن علم تداول نوعه و صنفه كالبيع المتقدّم قبوله على إيجابه مع تداول نوعه و هو البيع مثلا، و تداول شخصه من عربيّة الصيغة و ماضويّتها و غيرهما من كيفيّاتها المخصوصة. مدفوعة بما مرّ في مقدّمة الكتاب عند التعرّض لتفسير الآية (2) من أنّ الجميع المحلّى باللام حقيقة في العموم، فيشمل مطلق العقود المتداولة نوعها في ذلك الزمان، كالبيع و الإجارة و غيرهما من العقود المضبوطة الآن في كتب فقهائنا، لا خصوص المتداول صنفه أو شخصه و كيفيّاته المخصوصة، لعدم المخصّص، و عدم ما يوهم التخصيص سوى توهّم الانصراف الخاصّ بالمطلقات، لا العمومات.

و إذا كان المراد من العقود هو مطلق العقود المتعارفة بالنوع، فلا يخرج عن تحت عمومه سوى ما لم يعلم تعارف نوعه، كالمعارضة بمثل قولك: «عارضت»، أو «عاوضت فرسي بفرسك» ممّا لم يعلم دخول نوعه في أحد أنواع العقود المضبوطة في كتب الفقهاء، مضافا إلى عدم دخول صنفه و لا شخصه فيها.

هذا كلّه في بيان تأسيس الأصل الأصيل قبل التعرّض للدليل.

و أمّا تشخيص محلّ النزاع في جواز تقديم القبول على الإيجاب فيتوقّف-

____________

(1) المائدة: 1.

(2) المائدة: 1.

445

أوّلا- على تشخيص كون المائز بين القبول و الإيجاب اللّذين هما من الموضوعات الصرفة لا المستنبطة- كالبيع و الشراء- هل هو في البادئ و المستتبع؟ يعني: أنّ البادئ بالصيغة و الإعطاء و الدفع هو الموجب، و تابعه فيه هو القابل.

أو في قصد الدفع و الأخذ، يعني أنّ القاصد بالأصالة دفع ماله هو الموجب، و القاصد بالأصالة تناول المدفوع إليه هو القابل ..

أو في قصد الفعل و الانفعال، يعني أنّ القاصد بصيغته إنشاء الفعل هو الموجب، و القاصد بصيغته الانفعال و التأثّر بأثر إنشاء المنشئ هو القابل.

أو موكول إلى العرف، يعني أنّ ما يعدّ في العرف من الألفاظ صريحا في الإيجاب فصاحبه الموجب، و ما يعدّ في العرف منها صريحا في القبول فصاحبه القابل؟

وجوه، أوجهها الأخير دون الأوّل، ضرورة أنّ جعل المائز في البادئ بالصيغة و المستتبع لم يبق معه مسرح لتعقّل النزاع في تقديم القبول على الإيجاب مع كونه نزاع قديم بين السلف و الخلف.

اللّٰهمّ إلّا أن يراد من كون البادئ موجبا من كان من شأنه البدو، لا البادئ فعلا، و دون الثاني، و لا الثالث، لانتقاض كلّ منهما طردا أو عكسا فتعيّن الوجه الآخر، أعني: كون المراد من الموجب في محلّ النزاع هو المتلفّظ بما يعدّ في العرف من الصيغ صريحا في الإيجاب، ك‍ «بعت» و «آجرت». و من القابل هو المتلفّظ بما يعدّ في العرف صريحا في القبول، ك‍ «قبلت» و «ابتعت» و نحوهما من الصيغ الصريحة عرفا في القبول.

و إذا تشخّص لك محلّ النزاع فاعلم أيضا: أنّ النزاع في صحّة تقديم القبول على الإيجاب مبنيّ على المذهب المشهور من عدم كفاية مطلق الكلام في لزوم‌

446

المعاملة. و أمّا على المذهب المتقدّم نقله عن السيّد الكركيّ (1) في المعاطاة من كفاية مطلق الكلام فيه، استنادا إلى رواية: «إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام»، فلا يتوجّه عليه النزاع فيه اعتبار تأخير القبول، كما لا يتوجّه عليه اعتبار العربيّة و الماضويّة و غيرها من الشرائط إلّا ما خرج بالدليل.

ثمّ هل النزاع في المسألة عقليّ راجع إلى النزاع في إمكان صحّة تقديم القبول على الإيجاب عقلا و امتناعه، أم عرفيّ راجع إلى النزاع في صحّة إطلاق العقد على ما يتقدّم فيه القبول على الإيجاب و عدم إطلاقه؟ وجهان: من استدلال بعضهم على منع صحّة تقديم القبول بأنّ القبول الّذي هو أحد ركني عقد المعاوضة فرع الإيجاب، فلا يعقل تقدّمه عليه. و من استدلال بعضهم الآخر عليه بالشهرة، و بأنّ تقديم القبول خلاف المتعارف عرفا، فلا يشمله عموم العقود.

و الأوجه حينئذ تعميم النزاع في المسألة من جهتي العقل و العرف رعيا للمطابقة بينها و بين كلّ واحد من أدلّتها.

و إذ قد عرفت تشخيص محلّ النزاع و مبناه و جهته فاعلم: أنّهم اختلفوا في صحّة تقديم القبول على الإيجاب بوجوه:

ثالثها: التفصيل بين عقد النكاح فيصحّ فيه التقديم، و بين سائر العقود فلا.

و رابعها: التفصيل بين تقديم القبول بطريق الأمر و الاستيجاب فيصحّ، و بين تقديمه بغيره فلا.

و خامسها: التفصيل المستفاد من المتن بين التقديم بلفظ «قبلت» و «رضيت» فلا يصحّ، و بين التقديم بلفظ «اشتريت» و «ابتعت» و نحوهما فيصحّ.

و التحقيق: أنّ مفاد أدلّة منع صحّة تقديم القبول من حيث اقتضاء المنع عموما أو خصوصا مختلف.

____________

(1) انظر مسالك الأفهام 3: 147، و الهامش «2» هناك.

447

أمّا مفاد استدلالهم على المنع بأنّ تقديم القبول خلاف المتعارف فمقتضاه على تقدير التسليم أنّه: إن قلنا بانصراف عموم العقود إلى العقود المتعارفة لزمنا منع صحّة التقديم عموما، كما يلزم منه اعتبار كلّ ما يشكّ اعتباره في صحّة العقد من العربيّة و الماضويّة و غيرهما من سائر الشروط، رجوعا إلى استصحاب عدم النقل و الانتقال بما عدا المتيقّن.

و لكن فيه- مضافا إلى إمكان منع كون التقديم خلاف المتعارف- ما مرّ غير مرّة من منع انصراف العقود إلى العقود المتعارفة شخصا أو صنفا بأبلغ وجه من النقض و الحلّ.

و أمّا اعتبارهم الموالاة بين الإيجاب و القبول فليس لمجرّد أنّ الفاقد للموالاة العرفيّ من العقود غير متعارف شخصا أو صنفا حتّى ينافي ما ذكرنا، و إن استندوا أيضا في اعتبارها إلى عدم تعارف الفاقد لها، بل إنّما هو- على ما سيأتي- لأجل عدم تعارف الفاقد لها نوعا، أعني: عدم دخوله في نوع من أنواع العقود المتداولة المضبوطة في كتب الفقهاء.

فالمراد من عدم تعارف الفاقد للموالاة عدم صحّة إطلاق العقد عرفا عليه، و صحّة سلب اسم كلّ نوع من أنواعه المتداولة عن عرفا، لا مجرّد عدم تعارفه صنفا أو شخصا و إن صدق عليه اسم نوع من أنواعه المتداولة عرفا حتّى ينافي منعنا انصراف العقود إلى العقود المتعارفة.

و أمّا مفاد استدلالهم على منع تقديم القبول بالشهرة و الإجماع المنقول فالمتيقّن من معقدهما على تقدير تسليمهما و تسليم حجّيّتهما- كما هو الأقرب عندنا- إنّما هو لفظ «قبلت» و «رضيت»، دون سائر ألفاظ القبول من لفظ «ابتعت» و «اشتريت».

448

و أمّا مفاد استدلالهم على منع تقديم القبول: «بأنّ القبول الّذي هو أحد ركني عقد المعاوضة فرع الإيجاب فلا يعقل تقدّمه عليه» (1) إلى آخر تقريبه الّذي في المتن، فغاية اقتضائه هو تفصيل الماتن (قدس سرّه) في ألفاظ القبول باعتبار دلالتها عرفا: بين ما دلّ عرفا على المطاوعة و الانفعال بإيجاب الموجب و التأثير بأثر إيجابه، كلفظ «قبلت» و «رضيت»، أو على الالتزام بمثل التزام الموجب له، كقبول المصالحة بلفظ «صالحت» في إزاء الإيجاب بمثله فلا يجوز التقديم. و بين ما دلّ عرفا على مجرّد الرضا بإيجاب الموجب، كالوكالة و العارية و شبههما، أو على الالتزام المغاير لالتزام الموجب، كالقبول بلفظ «اشتريت» المغاير للإيجاب بلفظ «بعت» بالتغاير الاعتباريّ العرفي، حيث إنّهما و إن اشترك كلّ منهما مع الآخر في تمليك ماله بإزاء مال غيره و تملّك مال غيره بإزاء ماله إلّا أنّهما يتغايران من حيث دلالة البيع على التمليك بالأصالة، و التملّك بالتبع، و دلالة الاشتراء عليهما بالعكس، فلا يجوز التقديم حسب ما أشار الماتن إلى توضيح كون القبول فرع الإيجاب، فلا يتعقّل تقدّمه على الإيجاب، و إلى دلالته على التفصيل المذكور في ألفاظ القبول باعتبار دلالتها عرفا.

هذا، و لكن لنا أن نورد عليه أوّلا: بأنّ عدم معقوليّة تقدّم القبول الدالّ على المطاوعة و الانفعال على الإيجاب مبنيّ على أن يكون مطاوعة القابل للموجب في العقود و انفعاله بفعل الإيجاب مطاوعة حقيقيّة حسيّة، كمطاوعة المنكسر لكاسره، و المنفصل لفاصله، فإنّ هذا النحو من التأثير هو غير معقول تقدّمه على تأثّر المؤثّر. و من المعلوم الواضح أنّ المطاوعة و الانفعال الممكن تحقّقه في القابل هو المطاوعة و الانفعال التنزيلي، لا الحسّيّ الحقيقي. و المراد من الانفعال التنزيلي تنزيل القابل نفسه منزلة المتأثّر بإيجاب الموجب. و من الواضح أنّه لا‌

____________

(1) المكاسب: 96.

449

فرق في إمكان تعقّل حصول هذا الانفعال التنزيليّ بين تقدّمه على الإيجاب أو تأخّره عنه، سوى كونه عند التقدّم معلّقا على لحقوق الإيجاب به، و عند التأخّر منجّزا، لسبق الإيجاب عليه، و هو غير فارق أيضا، لأنّ تعليق تأثير القابل في صورة التقدّم على لحوق الإيجاب له لا يزيد على تعليق تأثير إيجاب الموجب في صورة التأخير على لحقوق القبول له، فكما أنّ التعليق من طرف الموجب الّذي لا مناصّ منه في صورة تأخير القبول غير قادح في صحّة العقد، كذلك ينبغي أن يكون التعليق من طرف القابل غير قادح في صحّة العقد أيضا.

و أمّا ما سيأتي (1) من الإجماع على اعتبار التنجيز في العقود و عدم صحّة التعليق فيها فالمراد منه على تقدير تسليمه عدم صحّة التعليق بالأمور الخارجة عن القبول و الإيجاب. و أمّا تعليق تأثير الإيجاب على لحوق القبول له أو العكس فممّا لا مناصّ للعقود منه قطعا.

و ثانيا: سلّمنا استحالة تقدّم ما يدلّ على المطاوعة من ألفاظ القبول، إلّا أنّ ذلك قرينة انسلاخه عن معنى المطاوعة عند التقدّم، كما أنّ استحالة كون الرجل أسدا حقيقيّا في قولك: «زيد أسد» قرينة إرادة الشجاعة من الأسد. إلّا أن يقال:

بأنّ استعمال الدالّ على المطاوعة من لفظ «قبلت» و «رضيت» في إنشاء النقل و الرضا بإنشاء الموجب من غير مطاوعة يعدّ من المجازات المستهجنة المستبشعة الخارجة عن عموم العقود.

و ثالثا: سلّمنا لغويّة المطاوعة قبل الإيجاب، إلّا أنّ مدلول القبول لا ينحصر في مطاوعة أثر الإيجاب حتّى ينعدم بانعدامه، بل إنشاء القبول في العقود متضمّن على شيئين: أحدهما: مطاوعة أثر الإيجاب و هو تملّك مال الموجب، و الآخر: تمليك ماله للموجب، و عدم تعقّل المطاوعة قبل الإيجاب على تقدير‌

____________

(1) في ص: 459.

450

تسليمه يقتضي إلغاء أثره، و هو تملّك مال الموجب خاصّة. و أمّا تمليك ماله للموجب فهو باق، و لعلّ ببقائه الكفاية في خروج الملك عن مال مملّكة و دخوله في ملك المملّك له، كما في عقد الوقف و العتق و النذر بمال معيّن، فإنّ مجرّد إنشاء التمليك فيها كاف في خروج الملك عن مال مملّكة و دخوله في ملك المملّك له و إن توقّف على القبض في خصوص الوقف إلّا أنّه لم يتوقّف في شي‌ء منها على التملّك و قبول التمليك.

و أمّا إجماعهم المدّعى على اشتراط الإيجاب و القبول معا فيما عدا الوقف و النذر من سائر العقود فالمتيقّن منه كون المراد اعتبار توقّف العقد على تمليك كلّ من المتعاقدين ماله للآخر بلفظ صريح بإزاء تمليكه الآخر ماله، كما هو مقتضى الاثنينيّة المعتبرة في مدلول العقود و لو تركّب من إيجابين، لأجل إخراج الإيقاعات الغير المعتبر في تحقّقها الاثنينيّة.

و أمّا إرادة اعتبار توقّف العقد على المركّب من إيجاب و قبول و تمليك و تملّك لأجل إخراج المركّب من الإيجابين فغير معلوم الاعتبار، و ما لم يعلم اعتباره في العقود ينفي اعتباره بعموم العقود. و ربما يؤيّد اكتفاء مجرّد التمليك في صلوح إخراج مال المملّك إلى المملّك له و عدم توقّفه على التملّك و المطاوعة و الانفعال قول بعضهم: بأنّ عقد الفضولي مملّك سواء ألحقه الإجازة أم لم يلحقه، غاية الأمر تعلّق ضمان القيمة أو المثل بذمّة العاقد فضولة عند عدم لحوق الإجازة له تنزيلا للفضولي منزلة الإتلاف.

و رابعا: لو تنزّلنا عن ذلك كلّه إلّا أنّ التفرقة بين البيع و بين الوكالة و العارية في منعه التقديم في الأوّل دون الثاني بعد التفرقة في ألفاظ القبول ممّا لا يرجع إلى محصّل، لأنّه إن أراد استناد التفرقة بينهما إلى التفرقة بين لفظي القبول فيهما فمن البيّن اشتراكهما في لفظ القبول، فكما أنّ قبول البيع قد يكون بلفظ المطاوعة‌

451

ك‍ «قبلت» و «رضيت» و قد يكون بغير المطاوعة ك‍ «اشتريت» و «ابتعت»، كذلك قبول الوكالة و العارية أيضا قد يكون بلفظ المطاوعة ك‍ «قبلت التوكيل» أو «رضيت به» أو «توكّلت» و قد يكون بغير المطاوعة ك‍ «أنا وكيلك» أو «قابل لوكالتك»، فإن جاز تقديم القبول في البيع بأيّ من اللفظين جاز في الوكالة بأيّهما و إن لم يجز لم يجز مطلقا.

و إن أراد استناد التفرقة بينهما إلى التفرقة بين مادّة عقد الوكالة و مادّة عقد البيع ففيه- مضافا إلى خروجه عن فرض التفصيل بين ألفاظ القبول- أنّ كلّ ما يعتبر في مادة عقد البيع من الاكتفاء في قبوله بمجرّد الرضا أو عدمه يعتبر في مادّة عقد الوكالة. و أمّا الاكتفاء في الوكالة بمجرّد الرضا و الإذن- و لو من باب المعاطاة- فلا يكتفي في دخوله في باب العقود، كما أنّ الاكتفاء بمثله في البيع أيضا لا يكتفي في دخوله في باب العقود و صدق اسم العقد عليه و إن صدق عليه البيع.

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في تفرقته بين البيع و المصالحة المعوضة من التأمّل و المنع.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه لو لا الشهرة و الإجماع المنقول لم يكن وجه للمنع من تقديم القبول و لا للتفصيل بين ألفاظ القبول باعتبار الدلالة عرفا على المطاوعة و غيرها، و لا بين البيع و الوكالة بوجه من الوجه، بل كان التعويل لا محالة على الأصل الأصيل، و هو إطلاق العقود ما لم يقم على خلافه دليل. و قد عرفت أنّ المتيقّن من مورد الشهرة و الإجماع المنقول على تقدير حجّيتهما هو المنع من تقديم «قبلت» و «رضيت» في خصوص البيع و الإجارة. و أمّا غيرهما أو في غيرهما فلا يبعد الأخذ بعموم العقود، و هو قويّ.

ثمّ إنّ هذا كلّه في بيان اعتبار الترتيب و عدمه بين الإيجاب و القبول. و أمّا‌

452

الموالاة بينهما فلا إشكال في اعتبارها في الجملة لصحّة سلب اسم العقد عرفا عن الفاقد للموالاة العرفي إنّما الكلام في تشخيص ما يخلّ بالموالاة العرفي، و ما لا يخلّ من الفواصل الواقعة في البين.

فنقول في تشخيصه: إنّ الفاصل بين الإيجاب و القبول تارة يكون بالسكوت، و تارة بالنطق. و على الثاني إمّا أن يكون بردّ الإيجاب، أو بذكر شرط، أو بذكر كلام أجنبي في البين كذكر حمد أو خطبة أو غيرهما، و الكلام في تشخيص المخلّ عن غير المخلّ من هذه الفواصل الأربعة تارة من حيث الأصل، و تارة أخرى من حيث الدليل.

أمّا من حيث الأصل فالأصل الأصيل عند الشكّ في مخلية أيّ واحد من الفواصل الأربعة هو فساد العقد استصحابا لعدم النقل و الانتقال، سواء كان الشكّ في مخلية الموجود من تلك الفواصل أو في وجود المخلّ منها، و ذلك لرجوع الشكّ في كلّ من الفرضين إلى الشكّ في صدق اسم العقد و الأصل عدم النقل و الانتقال بالمشكوك صدق اسم العقد عليه.

أمّا في الفرض الأوّل فلأنّ الشكّ في مخلية الموجود شكّ في الحادث لا الحدوث، فلا مجرى لاستصحاب عدم مخليته. مضافا إلى أنّه مثبت.

و أمّا في الفرض الثاني فلأنّ الشكّ في وجود المخلّ و إن كان شكّا في الحدوث و يجري فيه استصحاب عدم وجوده إلّا أنّ المترتّب عليه أثر غير شرعيّ، و هو صدق العقد، فهو من الأصول المثبتة الغير الثابت حجّيتها عندنا.

نعم، لو أثبتنا لأدلّة المسألة ك‍ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ عموم وراء عموم العقود. و قلنا بأصالة اللزوم في كلّ بيع و لو لم يصدق عليه اسم العقد كان المرجع للشاكّ في مخلية ذلك الفاصل إليه، سواء كان الشكّ في مخلية ذلك الفاصل أم في وجود ذلك المخلّ، لإناطة الملك و اللزوم في المعاملة على‌

453

هذا التقدير بصدق البيع و التجارة، لا بصدق العقد حتّى يضرّه عدم صدقه، و لكنّه تقدير في تقدير. هذا كلّه في مقتضى الأصل عند الشكّ في مخلية شي‌ء من الفواصل.

و أمّا مقتضى الدليل فلا ريب في أنّ الفصل بالسكوت الطويل مخلّ دون السكوت اليسير، و المرجع في انضباطه إنّما يكون إلى العرف و هو في كلّ أمر بحسبه، فيجوز الفصل بين الكلمات بما لا يجوز بين الحروف، كما في الأذان و القراءة.

و أمّا الفصل بالأجنبي كقول القابل بعد الإيجاب: «الحمد للّٰه قبلت» أو بشرط من الشروط كقوله: «إن كان كذا- مثلا- فقبلت» فلم يعلم جوازه، فالمرجع فيه إلى أصالة عدم جوازه و عدم النقل و الانتقال إلّا بدونه. ثمّ البحث في الفصل بالتعليق بين الإيجاب و القبول من حيث الفصل لا ينافي البحث الآتي في جواز التعليق في العقود و عدمه من حيث هو تعليق، فإنّ النسبة بين الحيثيتين عموم من وجه.

و أمّا الفصل بردّ الإيجاب فالظاهر من تتبّع كلماتهم الاتّفاق على إخلال العقد به، و يعاضد ذلك ما نقله شيخنا العلّامة عن شيخه صاحب الجواهر مشافهة من دعوى الاتّفاق في باب الفضولي على لزوم استمرار جميع شروط العقد و شروط المتعاقدين و العوضين في صحّة الفضولي من أوّل العقد إلى زمان لحوق الإجازة. فلو أخلّ بين الزمانين بشي‌ء من شروط العقد- كالتعليق و نحوه- أو بشي‌ء من شروط المتعاقدين- كما لو حدث لأحدهما في الأثناء جنون أو إغماء آنا ما ثمّ زال فورا- أو بشي‌ء من شروط العوضين- كما لو انقلب المبيع بما لا يصحّ بيعه آنا ما ثمّ رجع إلى أصله- بطل العقد بذلك التخلّل و لو آنا ما.

454

و أمّا ما قاله الشهيد (1) و غيره بل عن الدروس (2) نسبته إلى المشهور من أنّه لو ردّ الموصى له الوصيّة في حياة الموصي جاز القبول بعد وفاته، فلا ينافي ما استظهرنا من الاتّفاق على مخلية الفصل بالردّ، لكن لا من جهة أنّ الوصيّة من العقود الجائزة و محلّ النزاع العقود اللازمة حتّى يمنع بأنّ الظاهر من استدلالهم على اعتبار الموالاة بصحّة سلب اسم العقد عن الفاقد لها تعميم النزاع من جهة اللزوم و الجواز، كما أنّ الظاهر من أدلّة اعتبار الترتيب أيضا التعميم من تلك الجهة، بل إنّما هو من جهة أنّ الظاهر من تعليل جواز قبول الوصيّة بعد الردّ في حياة الموصي بقولهم، إذ لا اعتبار بردّه السابق حيث إنّ الملك لا يمكن تحقّقه حال الحياة و المتأخّر لم يقع، بل و من تصريح الشهيد في الروضة (3) هو ابتناء جواز القبول بعد الردّ في حياة الموصي على مذهب من يعتبر تأخير القبول عن الحياة. و أمّا على تقدير جواز تقديمه في حال الحياة فينبغي تأثير الردّ حالتها أيضا، كما صرّح به الروضة (4)، حتّى قال: بل يمكن القول بعدم جواز القبول بعد الردّ مطلقا لإبطاله الإيجاب السابق و لم يحصل بعد ذلك ما يقتضيها، إلى آخر كلامه.

قوله: «و للتأمّل في هذه الفروع و في صحّة تفريعها على الأصل المذكور مجال».

[أقول:] وجه ذلك أنّ الاتّصال المعتبر بين المستثنى و المستثنى منه كالاتّصال المعتبر بين الموصوف و الصفة و التابع و المتبوع و الشرط و المشروط إنّما هو لتحصيل صدق الكلام و التحذّر عن كذبه، كما أنّ عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة للتحذّر عن الإغراء بالجهل، و كذا متابعة المأموم للإمام في الجمعة‌

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة: 104.

(2) الدروس الشرعيّة 2: 296.

(3) الروضة البهيّة 5: 15.

(4) الروضة البهيّة 5: 15.