الغاية القصوى في التعليق على العروة - الاجتهاد والتقليد

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
164 /
55

..........

____________

التخييرية اما امر غير يمكن ثبوتا أو امر قابل في مقام الثبوت لكن لا دليل عليه في مقام الاثبات فافهم و اغتنم.

هذا على طبق ما سلكناه؛ و امّا على القول المشهور من انّ مقتضى القاعدة عند التعارض التخيير فيقع الكلام في انّ هذا الخيار ابتدائي أو استمراري؟ نقل الاجماع أمران على عدم الجواز أي التخيير ابتداء و نقل عن البعض الجواز.

و ما يمكن ان يستدلّ به للجواز أمران:

أحدهما: اطلاق الدليل و فيه انّ مقتضى الاطلاق التساقط فلا يبقى عند المعارضة اطلاق كي يؤخذ به و يقال انّ مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين أن يكون تقليدا ابتدائيا أو يكون عدولا عن الغير.

ثانيهما: الاستصحاب و هو استصحاب بقاء التخيير؛ و فيه ان الاستصحاب لا يجري في الأحكام الكليّة.

و استدلّ لعدم جواز العدول أيضا بالاستصحاب: بتقريب انّ قول المعدول عنه تعيّن في حقّ المقلّد بأخذ قوله و نشك في بقائه و نحكم بالبقاء بالاستصحاب؛ و يرد عليه: انّ الاستصحاب لا يجري في الحكم الكلّي و بهذا البيان أيضا يمكن أن يشكل جريان الاستصحاب في الحجيّة؛ و بعبارة اخرى: تارة يجري الاستصحاب في بقاء حجيّة قول المعدول عنه فلا يكون القول الآخر حجّة عليه و اخرى يجري الاستصحاب في الحكم الفرعي و هو وجوب الاعتماد عليه و في كلا التقريبين يرد الاشكال و هو عدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلّي.

و ممّا استدلّ به لعدم الجواز و حرمة العدول قاعدة الاشتغال و هي الأصل العقلي بتقريب انّه لو أخذ بقول المعدول عنه يكون معذرا و غيره مشكوكا فيه؛ و إن‌

56

[يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط]

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط (1).

____________

شئت قلت: يدور الأمر بين مقطوع الحجيّة و مشكوكها و الشك في الحجيّة يساوق القطع بعدمها و الظاهر انّه وجه وجيه؛ فالحقّ انّ مقتضى التعارض التساقط و على فرض الالتزام بالحجيّة التخييريّة تكون ابتدائية لا استمراريّة.

إن قلت: انّكم انكرتم تماميّة قاعدة الاشتغال و ما افدتم في المقام يناقض ذلك القول.

قلت: ليس الأمر كما توهّم إذ قد صرّحنا بانّ الشك في الحجيّة يساوق القطع بعدمها فالالتزام بعدم الحجيّة من باب القطع بعدمها لا من باب قاعدة الاشتغال.

(1) نفرض الكلام فيما يعلم بالخلاف فنقول: يقع هذا البحث تارة بالنسبة الى العامي الذي يريد أن يقلّد أحد الشخصين و اخرى بالنسبة الى المجتهد الّذي يريد أن يفتي امّا العامي فبحكم العقل و تعين ما يحتمل كونه معيّنا عند الدوران يرجع الى الاعلم إذ الكلام فيما يعلم بالمخالفة بين القولين.

و أمّا المفتي: فيكون محلّ الخلاف بين القوم فبعض قائل بعدم وجوب تقليد الأعلم و جواز تقليد غير الأعلم و بعض قائل بالوجوب و لكلّ منهما وجوه أمّا القول الأوّل: فما يمكن أن يكون وجها له أمور:

الأوّل: اطلاقات الأدلّة بدعوى انّ القرينة الخارجيّة و العقليّة تقتضي شمولها لكلا القولين؛ امّا القرنية الخارجية فهي الغلبة أي غلبة اختلاف الأقوال و الآراء و مع ذلك ارجع الامام (عليه السّلام) النّاس الى الفقهاء و الى اشخاص مخصوصين كأبان بن تغلب و امثاله مع اختلاف أقوالهم.

و امّا القرنية العقليّة: فهي انّ القانون الكلّي انّ الضرورة تقدّر بقدرها؛ و بعبارة اخرى مقتضى الادلّة حجيّة قول كلّ منهما و حيث لا يمكن الالتزام به فلا بدّ‌

57

..........

____________

من الالتزام بحجيّة قول أحدهما كما انّ الأمر كذلك في كلّ دليل فانّه لو دلّ دليل على وجوب شي‌ء و دلّ دليل آخر على وجوب شي‌ء آخر و علمنا بعدم وجوب كليهما نرفع اليد عن الاطلاق و نلتزم بوجوب أحدهما و المقام أيضا كذلك.

و يرد عليه: انّ القياس مع الفارق فانّه لو كان لكلّ من الدّليلين نصّ و ظاهر و علمنا بعدم وجوب كلا الامرين نرفع اليد عن ظهور كلّ منهما في التّعين بنصّ الآخر في الأجزاء و هذا على خلاف التحقيق على ما بيّنا و في المقام بعد عدم امكان العمل بالدليل إذ له اطلاقان، اطلاق بالنسبة الى كلّ فرد و اطلاق بالنسبة الى الأخذ بالآخر و عدمه و انّ العمل به غير معقول فلا بدّ من التصرف فيه باحد أنحاء التصرّف بان نلتزم بواحد معيّن منهما و نطرح الآخر أو يكون ما أخذه المكلّف حجّة و اختاره منهما أو بنحو آخر و حيث انّه لا دليل في البين يكون مقتضى القاعدة التساقط و لذلك ذكرنا انّ الحجيّة التخييرية ممّا لا يكون عليها دليل و لا ترجع الى محصّل صحيح؛ و امّا الغلبة و إن كانت مسلّمة على الفرض لكن المفيد للخصم صورة العلم بالخلاف و ليس الدليل واردا في خصوص صورة العلم بالخلاف.

الوجه الثاني: انّ تقليد الأعلم أمر حرجي فانّ تشخيص الأعلم حرج من حيث المفهوم و تمييزه خارجا أيضا حرج و تعلّم فتاويه أيضا حرج و الدّين سهل سمح.

و يرد عليه: أنّ الأعلم من حيث المفهوم أمر لا شبهة فيه فانّ من يكون أقوى استنباطا و امتن تطبيقا و مسلكا يكون أعلم كبقيّة الحرف و الصنائع و تشخيصه الخارجي أيضا يمكن بالطرق العادية و تعلم فتاواه أيضا ممكن بالطرق المعهودة؛ مضافا الى انّ الكلام في صورة العلم بالخلاف و هذا يتّفق نادرا؛ اضف الى‌

58

..........

____________

ذلك كلّه انّه لو تمّ المدّعى أي يكون تشخيص الأعلم مشكلا فأين يحصل العلم بوجود الأعلم كي يتحقّق للبحث في مصداقه فانّ مقتضى الادّعاء المذكور عدم حصول العلم بوجود الأعلم فانّ المفهوم إذا كان غير معلوم فكيف يتحقّق مصداقه؟ الّا أن يقال: بانّه يكفي للإشكال العلم بوجوده أو احتمال وجوده على ما له من المعنى، نعم لو علم بوجود الأعلم و علم بكونه مخالفا في الرأي للآخر في مورد الابتلاء يلزم الأخذ باحوط القولين فيما لا يمكن الوصول الى الأعلم و أخذ فتواه و هذا المقدار لا يكون حرجا مسقطا للتكليف.

الوجه الثالث: سيرة المتشرّعة فانّها جارية على رجوعهم الى فتوى ايّ شخص و لا يفحصون عن الأعلم؛ و الجواب انّه مع عدم العلم بالخلاف لا بحث و امّا مع العلم بالخلاف فلا نسلم؛ بل امّا يفحصون عن الأعلم و امّا يحتاطون نعم الّذين لا يبالون في أمر الدّين لا يكون فعلهم مورد أثر.

الوجه الرابع: انّ الأئمّة ارجعوا النّاس الى الرواة مع انّهم (عليهم السّلام) موجودون فليس تقليد الأعلم واجبا و الجواب: انّ الكلام في فرض العلم بالخلاف و لا ندّعي انّ تقليد الأعلم واجب على الاطلاق.

و استدلّ لوجوب تقليد الأعلم أيضا بوجوده:

الأوّل: انّ الادلّة اللفظية ساقطة بالمعارضة و دليل الانسداد تكون نتيجته مهملة و المهملة في قوّة الجزئية فالقدر المتيقّن حجيّة قول الأعلم؛ و امّا السيرة فهي جارية عند العلم بالمخالفة على تقليد الأعلم و هذا الوجه تامّ فانّه كما يثبت حجيّة قول المجتهد بالسيرة غير المردوعة كذلك يثبت تعين الأعلم عند العلم بالخلاف.

الثاني: الاجماع كما عن المحقّق و فيه: انّه اجماع منقول و لا يكون حجّة مضافا‌

59

..........

____________

الى انّه محتمل المدرك و لا يكون معتبرا.

الثالث: الروايات و هي ما بين مخدوشة السّند و الدلالة و بين المخدوشة من حيث السّند فقط.

لاحظ ما رواه عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى أن قال: فان كان كلّ واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما و اختلف فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ [حديثنا] فقال: الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما في الحديث و أورعهما؛ و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر قال: فقلت: فانّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل [ليس يتفاضل] واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر الى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فانّ المجمع عليه لا ريب فيه- الى أن قال: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة؛ قلت: جعلت فداك ان رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم بايّ الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد؛ فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر الى ما هم اليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالاخر؛ قلت: فان وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتّى تلقى امامك فانّ‌

60

..........

____________

الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1) فانّ السند مخدوش بعمر و الحديث وارد في موضوع القضاء.

و ما عن نهج البلاغة في عهده (عليه السّلام) الى مالك؛ من قوله: اختر للحكم بين الناس افضل رعيّتك؛ (2) فانّه مضافا الى ما في سنده وارد في موضوع القضاء و فصل الخصومة؛ و ما في السفينة: قال الصادق (عليه السّلام) من دعا الناس الى نفسه و فيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ (3).

و لاحظ ما روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: من تعلّم علما ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يعرف به الناس الى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوّأ مقعده من النار؛ انّ الرئاسة لا تصلح الّا لأهلها فمن دعى الناس الى نفسه و فيهم من هو اعلم منه لم ينظر اللّه اليه يوم القيامة (4)، و لاحظ ما روي عن الجواد (عليه السّلام): مخاطبا لعمّه؛ يا عمّ انّه عظيم عند اللّه ان تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم؛ و في الامّة من هو أعلم منك (5)، فانّها مراسيل و لا اعتبار بها مضافا الى انّه في الخبر الاخير ورد لفظ (بما لم تعلم) و هذا أمر آخر لا ربط له بما نحن فيه.

الرابع: انّ اعتبار قول الفقيه من باب الطريقيّة و قول الأعلم أقرب الى الواقع.

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2) شرح نهج البلاغة لفيض الإسلام: ج 5 ص 1009.

(3) سفينة البحار: ج 2 ص 220.

(4) بحار الأنوار: ج 2 ص 110، الحديث 16.

(5) بحار الأنوار: ج 50 ص 100، الحديث 12.

61

..........

____________

و أورد عليه الاستاد بانّ ما ورد من العناوين عبارة عن الفقيه و امثاله و لم يعلم انّ الملاك الاقربيّة هذا مضافا الى انّ الاقربيّة الطبعية لا اثر لها و الفعليّة ربما تكون في قول غير الأعلم؛ و يرد عليه: انّ الاطلاقات لا اثر لها كما هو المفروض لتساقطها.

و امّا السيرة: فالحقّ انّ الملاك هو القرب و لذا يشكل الامر فيما يكون قول غير الأعلم مطابقا لمن يكون اعلم من الأعلم و لو من الاموات.

الخامس: ما افاده المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) و هو انّ غير الأعلم جاهل بالنسبة الى من هو أعلم منه اذ المفروض عدم واجديّته لما يكون الأعلم واجدا له.

و الجواب: انّه يكفي ما يكون واجدا و لذا يجوز تقليده لو خلّي و طبعه غاية ما في الباب انّ ذلك الآخر اعلم و افضل، ثمّ انّه لو شك في التعيين و التخيير بين الأعلم و غيره فربما يقال بوجوب تقليد الأعلم و تعيّنه بمقتضى قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب.

و ربما يقال باستصحاب حجيّة قول غير الأعلم و يجاب عنه: بعدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلّي؛ هذا كلّه فيما علم بالاختلاف و امّا فيما علم بالموافقة فيكون كلّ من القولين حجّة و قد مرّ انّه لا يلزم الاستناد.

و امّا لو شك فبمقتضى الأصل العملي يكون المتعين تقليد الأعلم لقاعدة الاشتغال و بمقتضى الادلّة فربما يستدلّ لعدم الجواز بما تقدّم من الادلّة و قد مرّ الجواب عنها؛ مضافا الى انّه لا يتمّ تلك التقريبات في صورة عدم العلم بالمخالفة.

و ربما يستدل للجواز بالاطلاقات و قد خرج عنها صورة العلم بالخلاف إن قلت: لو سلّم انّه خرج صورة الخلاف فلو شكّ في الخلاف يكون الأخذ من الأخذ‌

62

و يجب الفحص عنه (1).

____________

بالدّليل في الشبهة المصداقيّة.

قلت: يمكن احراز الفردية باستصحاب عدم الخلاف و لو بالنحو الازلي.

و في كلام الاستاد انّه يمكن ان يكون نعتيا إذ قبل التعلّم لم يكن فرق بين قوليهما و الأصل كذلك؛ لكن يشكل بانّ الموضوع عبارة عن العالم و الأعلم و بهذا الوصف لا يكون الأصل النعتي جاريا.

و يمكن أن يقال: بانّه لا يتصوّر في المقام شبهة مصداقيّة فانّه امّا يعلم بالخلاف و امّا لا يعلم امّا الثاني فالدليل شامل له و امّا الاوّل فالشبهة في كونه من أفراد المخصّص؛ و الحاصل انّ للمقام خصوصيّة ليست كبقيّة الموارد و لذا لا يتوجّه ما في كلام الاستاد من انّ حلّ الاشكال بالاستصحاب لا بانّ التخصيص عقلي و الاشكال في مورد يكون المخصّص لبّيا إذ لا فرق بين المقامين فانّ المخصّص اللبي يوجب تعنون العام كما يوجب المخصّص اللّفظي و مع التعنون يصدق الشبهة و لا يعقل عدم تعنونه فانّ الاهمال غير معقول في الواقع و عليه امّا مطلق و امّا مقيّد و بما ذكرنا علم انّ ما افاده مسلّم و لكن مع ذلك لا يتوجّه الاشكال إذ لا يتصوّر الشك في المصداق بل امّا معلوم الوجود و امّا يعلم بعدمه.

(1) لا يخفى انّ هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيّا بل وجوب عقليّ للظفر بما يكون حجّة و معذّرا و لذا لو احتاط بالجمع بين القولين لا يجب عليه.

و ملخّص الكلام انّه مع العلم بكون احدهما اعلم أمّا يكون عالما بالموافقة فلا اشكال في التقليد كما مرّ و امّا يشك ففي هذه الصورة فمضافا الى ما تقدّم من عدم تصوير الشبهة المصداقيّة في المقام؛ ينفى الخلاف بالأصل.

63

..........

____________

إن قلت: كيف يجري الأصل و يؤخذ بالعام مع انّ الميزان عدم الأخذ بالعام الّا بعد الفحص عن المنافي له من المقيّد و الحاكم و غيرهما؟

قلت: هذا مخصوص بالشبهة الحكميّة لا مثل المقام الذي يكون من الشبهة الموضوعيّة و الوجه في لزوم الفحص فيما يكون الشك في الحكم انّا نعلم انّ ديدن المولى بيان القرائن منفصلا و مع العلم بديدن المولى ليس بناء العقلاء على الأخذ بالعام الّا بعد الفحص و أيضا لنا علم اجمالي بانّ للمولى قرائن لأحكامه و مع العلم الإجمالي لا يمكن الأخذ بالعموم و الاطلاق و شي‌ء منهما ليس في المقام امّا الأوّل فلأنّه ليس قول احد العالمين قرينة للقول الآخر كما هو واضح و امّا الثاني: فلأنّ المفروض عدم العلم بالخلاف بين القولين و لو فرض العلم بالخلاف لا يكون علم به بالنسبة الى موارد الابتلاء؛ فالفحص مخصوص بصورة العلم بالخلاف.

فنقول: لو شخص الأعلم فهو و الّا لا يلزم الفحص في صورة الاحتياط كما هو ظاهر و في هذه الصورة لا اثر للظن بكون احدهما المعيّن اعلم من غيره إذ الواقع منجّز فلا بدّ امّا من الاحتياط و امّا من تحصيل الحجّة و امّا مع عدم امكان الاحتياط و عدم تميز الاعلم فيأخذ بما ظنّ انّه أعلم لأنّ المفروض انّ الاحتياط غير ممكن و لا بدّ من العمل باحدهما؛ هذا ما أفاده الاستاد.

و يرد عليه: انّه يمكن أن يقال: بانّ مقتضى القاعدة التخيير لدوران الامر بين المحذورين و عدم امكان الاحتياط و لا دليل على حجيّة قول احدهما لتساقط الاطلاقات؛ الّا أن يقال بالقطع بالحجيّة بالنسبة الى احدهما غاية الأمر مردّد بين الشخصين؛ و امّا لو علم بالاختلاف و لم يعلم كونه احدهما اعلم فالكلام هو الكلام.

إن قلت: مع الشك في الأعلميّة يستصحب عدمها.

64

[إذ كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما]

(مسألة 13): إذ كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما الّا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع (1).

____________

قلت: هذا الاستصحاب مثبت مضافا الى انّه معارض بمثله؛ و الذي يختلج بالبال في هذه العجالة انّه لا مانع عن جريان استصحاب عدم الاعلميّة إذ الموجب للتعيّن الاعلميّة و مع الحكم بعدمها بالاصل و عدم امكان الاحتياط يكون المكلّف مخيّرا؛ و الحاصل انّ المانع عن التخيير الاعلميّة و مع عدمها لا مانع منه.

(1) في هذه المسألة أمران:

الأول: الخيار بين القولين في المتساويين.

الثاني: ترجيح الأورع؛ و كلّ من الأمرين محلّ الاشكال؛ فانّه لا دليل على الخيار في هذه الصورة إذ الدليل اللّفظي لا يشمل و لا سيرة و الاجماع المدّعى قد عرفت ما فيه؛ فالحقّ هو الأخذ بأحوط القولين إذ لا تتحقّق البراءة الّا بالاحتياط؛ و لذا لو كانت المسألة ذات ثلاث احتمالات؛ لا بدّ من الاحتياط التامّ و لا أثر للقولين في نفي الثالث.

اللهمّ الّا أن يقال بعد الاتيان باحد الاطراف لا مانع عن جريان الاصل في الباقي منها لعدم التعارض و هذا لا يمكن للعامي إذ عدم تنجيز العلم الإجمالي مطلقا و الالتزام بالتبعيض بنفسه يتوقّف على الاجتهاد.

و امّا الثاني: فالأمر كذلك فانّه لا دليل على كون الأورعيّة مرجحة و إن نسب الى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تقويته و استظهار كونه مشهورا و نقل عن المحقّق الثاني (قدّس سرّه) الاجماع عليه و امّا الاستدلال بالمقبولة فقد عرفت ما فيه من الاشكال السندي و كونها في موضوع القضاء.

و امّا الأصل العقلي فلا مجال له فانّ الاصل فرع الخيار و هو اوّل الكلام في‌

65

[إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم]

(مسألة 14): إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و إن أمكن الاحتياط (1).

____________

المقام؛ و هذا هو عمدة الاشكال؛ و امّا ما عن المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) من انّه لا قوّة في الأورعيّة و لا يكون الملاك به أقوى؛ لا يرجع الى محصّل فإنّه يحتمل كونه حجّة بالخصوص بخلاف غير الأورع؛ و لا فرق فيما ذكرنا من لزوم الأخذ بالاحتياط بين كون الورع في الاستنباط و الورع في الفتوى بعد احراز ما هو شرط في كلا المقامين.

و لا يخفى: انّ ما ذكرناه انّما هو في صورة العلم باختلافهما في الفتوى و امّا مع عدم العلم بالمخالفة فلا اشكال في جواز تقليد كلّ منهما كما تقدّم بيانه.

(1) و الوجه فيه ظاهر إذ لا معارضة؛ و لا يخفى انّ ما ذكرناه انّما يتمّ في صورة عدم العلم بالمخالفة بين الباقين و الّا يلزم الاحتياط الّا في صورة كون بعض الباقين اعلم من غيره.

66

[اذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة]

(مسألة 15): اذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة بل يجب الرجوع الى الحي الأعلم في جواز البقاء و عدمه (1).

____________

(1) فان جواز البقاء يتوقف على اعتبار قوله بعد موته و اعتبار قوله يتوقف على جواز البقاء بعد الموت و هذا دور و بتقريب آخر: ان جواز البقاء على تقليد الميت و عدمه كسائر المسائل يجب فيها التقليد كبقية المسائل و بعد فوت المجتهد يشك في حجية فتاويه فلا بد من الرجوع الى الحي الأعلم لحجية قوله على كل حال.

و يرد عليه أولا: انّ اعتبار قول الحي يتوقف على سقوط رأي الميت عن الاعتبار بعد موته و سقوطه يتوقف على اعتبار قول الحي بعد موت المجتهد الميت و هذا دور.

و ثانيا: انّ الشخص العامي كيف يمكنه الاستدلال إذ المفروض انه جاهل و يحتمل اعتبار قول الميت في حقه بعد موته كما انه يحتمل سقوطه و اعتبار قول الأعلم من الأحياء و مع احتمال كلا الطرفين كيف يمكن ان يقال: ان حجية قول الحي الأعلم أمر مقطوع به على كل حال نعم لو جوز الميت البقاء أو أوجبه و الحي الأعلم جوز البقاء أو أوجبه لا يبقى العامي متحيرا إذ يعلم بأن تقليده من الميت بقاء لا اشكال فيه قطعا لتوافق كلا المجتهدين على عدم البأس في البقاء كما انه لو جوز الميت العدول الى الحي أو أوجبه و كذلك الحي الأعلم جوز العدول أو أوجبه لا يبقى المكلف متحيرا.

و الذي يختلج بالبال: ان يقال: المكلف أما يعلم بالمخالفة في الرأي بين الميت الأعلم و الأعلم من الأحياء أو لا يعلم بالمخالفة أما في الصورة الثانية فيجوز له البقاء على رأي الميت كما يجوز له الرجوع الى الحي إذ قد مر منا ان أدلة جواز‌

67

..........

____________

التقليد من النصوص لا تقصر عن شمول الميت كالحي و كذلك السيرة العقلائية لا تقصر عن الشمول و على فرض تسليم قيام الضرورة على بطلان تقليد الميت ابتداء لا نسلم قيامها على بطلان البقاء كما هو المفروض في المقام فالنتيجة انه لا فرق بين الحي و الميت غاية الأمر ان العامي لجهله بالموازين العلمية لا يشخص الحجة و يكون متحيرا و لا يمكنه الجزم باعتبار قول الحي دون الميت و لكن الصناعة تقتضي التسوية بين الميت و الحي و حيث ان نفس هذه المسألة محل الخلاف بين الأعلام لا سبيل للعامي الا الأخذ بالاحتياط و أما مع العلم بالاختلاف في الفتوى فالقاعدة تقتضي البقاء على تقليد الميت لكونه أعلم و مقتضى السيرة تعين الأخذ بقول الأعلم مع العلم بالاختلاف بلا فرق بين الميت و الحي هذا ما يختلج بالبال عاجلا.

و أما لو قلنا بأن اعتبار قول الميت محل الترديد و قول الحي الأعلم حجة قطعا فلا ريب في وجوب الرجوع الى الحي الأعلم و يجب العمل بمقتضى قوله في كل فرع و من جملة الفروع مسألة جواز البقاء و عدمه فلو قلد الميت في هذه المسألة فلا اشكال في عدم جواز البقاء برأيه لما تقدم لكن الكلام في انّ هذه المسألة كبقية المسائل أو أن لها خصوصية فنقول: لا اشكال في وجوب الرجوع الى الحي في نفس هذه المسألة لسقوط رأي الميت عن الاعتبار بموته فإذا أفتى بحرمة البقاء لم يجز البقاء على تقليد الميت.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم انه يتصور في المقام صور:

الصورة الأولى: أن يفتي الميت بالجواز و الحي بالحرمة.

الصورة الثانية: أن يفتي الميت بالحرمة و الحي كذلك.

الصورة الثالثة: أن يفتي الميت بالوجوب و الحي بالحرمة فانه يحرم البقاء‌

68

..........

____________

في جميع هذه الصور الثلاث إذ بعد فرض تعين الرجوع الى الحي لا يبقى اشكال في حرمة البقاء كما هو ظاهر بأدنى تأمل.

الصورة الرابعة: أن يفتي كلاهما بالجواز و في هذه الصورة لا اشكال في جواز البقاء في ساير المسائل على تقليد الميت استنادا الى فتوى الحي به و هل يجوز البقاء على تقليد الميت في فتواه بالجواز من جهة فتوى الحي بذلك و بعبارة أخرى هل يشمل فتوى الحي بالجواز فتوى الميت لجواز البقاء؟ ربما يقال بالمنع لوجهين:

الأول: لزوم اللغوية و بتعبير آخر يكون من تحصيل الحاصل إذ المفروض انّ الحي يجوز البقاء فباستناد فتوى الحي يبقى على تقليد الميت في بقية المسائل بلا احتياج الى تقليد الميت في جواز البقاء.

و يمكن أن يجاب عن اشكال لزوم اللغوية بأنه قد يفرض موضوع جواز البقاء متحدا في نظر الحي و الميت و لا يختلفان فيه كما لو كان نظرهما في جواز البقاء منوطا بالتعلم و الالتزام ففي مثل الفرض لا يجوز تقليد الميت في جواز البقاء باعتبار قول الحي لان نتيجة ذلك اعتبار بقية فتاوى الميت للمقلد و قد فرضنا انها معتبرة له بفتوى الحي بجواز البقاء فيكون من تحصيل الحاصل، و قد يفرض ان موضوع جواز البقاء بنظر الميت أوسع من نظر الحي بأن يقول الميت يكفي في البقاء الالتزام بالعمل و إن لم يتعلم و الحي يقول باشتراط التعلم في جواز البقاء فاذا تعلم المكلف فتوى الميت بجواز البقاء يمكن أن يبقى على تقليد الميت بفتوى الحي بجواز البقاء و بعد بقائه على تقليده يقلده في بقية المسائل التي لم يتعلمها و هذا ظاهر فيما إذا كان اعتبار التعلم بنظر الحي من باب القدر المتيقن و عدم جزمه بالجواز و عدمه في صورة عدم التعلم و اما لو جزم بذلك و افتى بعدم الجواز في صورة عدم التعلم فربما‌

69

..........

____________

يقال: بعدم جواز الرجوع الى الميت بالنسبة الى المسائل التي لم يتعلمها إذ المفروض انّ الحي قد حرم البقاء فيها و لكن يمكن ان يقال بجوازه إذ المفروض انّ المكلف تعلم مسألة جواز البقاء عن الميت و المفروض انّ الحي يجوز البقاء فيما تعلم فيبقى على تقليد الميت في مسألة البقاء بفتوى الحي و يقلّد الميت في بقية المسائل فلاحظ.

الثاني: أنه لا يمكن أن يؤخذ الحكم في موضوع نفسه فلا يمكن أن يؤخذ جواز البقاء على تقليد الميت في موضوع جواز البقاء فان رتبة الموضوع مقدم على الحكم و معنى أخذ الحكم في موضوع نفسه فرض الحكم موجودا و محققا حين جعله و هذا خلف.

و الجواب عن هذه الشبهة: انّ المحذور انما في جعل الموضوع شخص الحكم فانه لا يعقل أخذ شخص الحكم في موضوعه و أما أخذ حكم في موضوع حكم آخر فلا محذور فيه فاذا فرضنا ان الميت أفتى بوجوب صلاة الجمعة و أفتى بجواز البقاء و أفتى الحي أيضا بجواز البقاء فيترتب على فتوى الحي بجواز البقاء اعتبار قول الميت في جواز البقاء و باعتبار قوله في جواز البقاء يعتبر فتواه بوجوب صلاة الجمعة فلا محذور.

الصورة الخامسة: أن يفتي كل من الميت و الحي بوجوب البقاء و يظهر حكم هذه الصورة مما مر في الصورة الرابعة فان فرضنا الاتحاد بينهما في موضوع وجوب البقاء أو اختلفا لكن دائرة الموضوع عند الحي أوسع كان البقاء في مسألة البقاء لغوا بل يقلد الحي ابتداء في مسألة البقاء في بقية المسائل و إن كانت دائرة الموضوع عند الميت أوسع و قد تحقق الموضوع بنظر الحي بالنسبة الى مسألة البقاء جاز للمقلدان يبقى على فتوى الميت في بقية المسائل بتقليد الميت في وجوب البقاء‌

70

..........

____________

استنادا الى فتوى الحي بوجوب البقاء في مسألة البقاء فلاحظ.

الصورة السادسة: أن يفتي الميت بجواز البقاء و الحي يفتي بوجوبه فربما يقال: بأنه لا يمكن شمول فتوى الحي بالوجوب لفتوى الميت بالجواز لأنّ مقتضى فتواه بالوجوب تعين قول الميت و مرجع فتوى الميت بالجواز تخيير المكلف فلو فرض شمول قول الحي لفتوى الميت في جواز البقاء يكون مرجعه الى التناقض أي يجوز الرجوع الى الحي و يجب البقاء على قول الميت.

و يمكن دفع الاشكال باختلاف الموضوع في جواز البقاء و وجوبه مثلا إذا كان الحي قائلا بالوجوب مع التعلم و الميت قائلا بالجواز مع الالتزام و المقلد تعلم عن الميت مسألة البقاء و التزم في بقية المسائل يجب البقاء على تقليد الميت بفتوى الحي في مسألة البقاء و بفتوى الميت بالجواز يجوز له البقاء في بقية المسائل كما أنه يجوز له الرجوع الى الحي.

الصورة السابعة: ما اذا بنى الحي على الجواز البقاء و أفتى الميت بوجوبه فهل يجوز للمقلد أن يرجع الى الميت في مسألة وجوب البقاء كي يبقى وجوبا على تقليده في بقية المسائل؟ أو انّ المقلد إذا رجع في وجوب البقاء لم يجب عليه البقاء في بقية المسائل بل يجوز له الرجوع الى الحي و لعل الصحيح أن يقال: ان فتوى الحي بجواز البقاء على تقليد الميت و جواز العدول عنه إن كان المراد منه التخيير الابتدائي بأنه يجوز له العدول كما يجوز البقاء لكن بعد الأخذ بأحد الطرفين يجب عليه بنحو التعين فلو رجع الى الميت في وجوب البقاء يتعين عليه و يجب عليه فليس للمقلد بعد الأخذ بفتوى الميت في مسألة البقاء بعد تحقق موضوع التقليد فيه ان يعدل الى الحي لان فتوى الميت بالبقاء بعد الأخذ بها تعينت في حقه فيجب عليه البقاء في‌

71

..........

____________

بقية المسائل و أما إن كان المراد بالجواز حدوثا و بقاء بحيث لا يتعين عليه أحد الطرفين بالأخذ فيجوز له أن يرجع الى فتوى الميت في وجوب البقاء و يبقى في بقية المسائل كما أنه يجوز له العدول و تقليد الحي و الظاهر هو الثاني لعدم الدليل على التعين بعد الأخذ لكن لا بد من النظر في دليل الجواز و التخيير و الذي يهون الخطب انه لا دليل على التخيير مع العلم بالاختلاف بل يجب البقاء على تقدير كون الميت أعلم و الى الحي إن كان أعلم و يجب الاحتياط في صورة التساوي و عدم التفاضل بينهما أو الشك في التفاضل و عدمه.

الصورة الثامنة: أن يفتي الميت بحرمة البقاء و الحي يفتي بالجواز و فرضنا انه تحقق التقليد عن الميت في مسألة البقاء فيقع الكلام في انّ فتوى الحي بجواز البقاء هل تشمل نفس مسألة البقاء أو لا تشملها الحق هو الثاني و السر فيه ان قول الميت قد سقط عن الاعتبار بموته و لا اعتبار الّا بقول الحي و قول الحي لا يمكن أن يوجب اعتبار قوله في فتواه بحرمة البقاء إذ يلزم من وجوده العدم و ما يلزم من وجوده العدم محال بيان ذلك أن قول الحي بجواز البقاء يوجب اعتبار أقوال الميت و فتاواه و من جملة فتاواه فتواه بحرمة البقاء فيلزم من جواز البقاء في فتواه بالحرمة سقوط فتواه إذ المفروض انّ الميت يحرم البقاء و يرى رأي الميت ساقطا عن الاعتبار فاعتبار قول الميت بشمول قول الحي اياه و بعد الشمول و الاعتبار يسقط عن الاعتبار و هذا معنى ما يلزم من وجوده العدم المحال و اما بقية المسائل فليس في البقاء عليها برأي الحي هذا المحذور على أنا نعلم تفصيلا بعدم شمول رأي الحي في جواز البقاء لقول الميت في حرمة البقاء و ذلك لأنّ البقاء على قول الميت أما جائز في الواقع و أما حرام و لا ثالث أما على الأول فقول الميت بالحرمة مخالف للواقع و أما‌

72

[عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل]

(مسألة 16): عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل و إن كان مطابقا للواقع و امّا الجاهل القاصر أو المقصّر الّذي كان غافلا حين العمل و حصل منه قصد القربة فإن كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحا و الأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل (1).

____________

على الثاني فقول الحي بالجواز باطل فيعلم تفصيلا بعدم حجية قول الميت في حرمة البقاء. و بعبارة أخرى إن كان البقاء جائزا فقول الميت باطل و إن كان حراما فقول الحي كذلك فلا يمكن جعل الاعتبار لقول الميت بقول الحي على كلا التقديرين فالنتيجة ان فتوى الحي بجواز البقاء لا تشمل فتوى الميت بحرمة البقاء و أما شمولها لبقية المسائل فلا مانع منه مع تحقق موضوع التقليد.

(1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة في استحقاق العقاب و اخرى في الصحّة و البطلان.

أمّا المقام الأوّل: فنقول لا شبهة في انّ القاصر لا يكون مستحقا للعقاب أعمّ من أن يكون عمله مطابقا للواقع أم لا و اعمّ من أن يكون عمله مطابقا لفتوى من يكون وظيفته الرجوع اليه أو لم يكن و ذلك لأنّ المفروض أنّه قاصر و القصور ينافي بذاته استحقاق العقاب.

و امّا الجاهل المقصّر: فإذا كان عمله مخالفا للواقع يكون معاقبا بلا فرق بين أن يكون عمله بلا تقليد و استناد الى حجّة ظاهريّة و بين الاستناد الى من لا يكون وظيفته الرجوع اليه و امّا إن كان مطابقا للواقع فإن كان حال العمل ملتفتا يستحقّ العقاب أيضا إذ عدم التصدّي لتحصيل الوظيفة بنفسه تجرّ على المولى و لذا لو كان موافقا لفتوى من يكون وظيفته الرجوع اليه يكون مستحقّا بعين الملاك و إن لم يكن‌

73

..........

____________

ملتفتا حين العمل فيظهر من كلام الاستاد انّه لا يستحقّ العقاب في هذه الصورة و لكنّ الحقّ خلافه إذ المفروض انّه مقصّر و لم يتصدى للظفر على الحجّة و هذا بنفسه تجرّ على المولى و الحقّ انّ العقاب على التجري و سيّدنا الاستاد بنى على هذا المبنى في مبحث التجري.

و أمّا المقام الثاني: فأفاد المصنّف (قدّس سرّه) بأنّ عمله فاسد و لا يخفى انّ هذا الكلام انّما يجري فيما يترتّب عليه أثر عملي من الاعادة و القضاء و النجاسة و البطلان و امّا لو لم يكن ذا أثر فلا موضوع لهذا البحث و الظاهر بقرينة ذيل الكلام انّ المصنف (قدّس سرّه) انّما حكم بالبطلان لأنّ المقصّر لا يمكن أن يتمشّى منه قصد القربة؛ فنقول هذا الملاك مختصّ بالعبادة و في غيرها لا مجال له إذ المفروض انّه غير مشروط بالقربة.

و امّا العبادة: فإن كانت مطابقة للواقع و تمشّى منه قصد القربة؟ فلا وجه للبطلان و الحقّ انّ المقصّر يمكنه قصد القربة أي يأتي بالعمل رجاء فيكون صحيحا؛ نعم في مقام الظاهر لا يترتّب عليه أثر إذ قاعدة الاشتغال يقتضي الفساد كما انّ الاستصحاب كذلك و عدم الاكتفاء بما أتى به؛ نعم نقل عن الرضيّ و المرتضى دعوى الاجماع على بطلان عبادة الجاهل المقصّر و قد حقّق في الأصول عدم حجيّة الاجماع المنقول و المحصّل منه غير حاصل فانّه من الممكن استناد المجمعين الى اشتراط الجزم أو انّ الجاهل لا تتمشّى منه قصد القربة ففيما كان العمل مطابقا للواقع يكون صحيحا و يترتّب عليه آثار الصحّة بلا فرق بين المقصّر و القاصر و امّا لو خالف الواقع فامّا يدلّ دليل على اجزاء ما أتى به و إن كان مخالفا للواقع و امّا لا يكون في البين دليل؛ امّا على الأوّل فلا يجب القضاء و لا الاعادة كما تدلّ على صحّة الصلاة قاعدة لا تعاد في كثير من الموارد.

74

..........

____________

نعم يشكل شمول القاعدة للجاهل المقصّر الملتفت حين العمل إذ المستفاد من حديث لا تعاد انّ انكشاف الخلاف يوجب وجوب الاعادة لعدم دليل على اجزاء الفاقد للجزء أو الشرط ففيما يتوجّه اليه خطاب وجوب الاعادة، القاعدة تقتضي عدمها؛ و امّا فيما يكون مقتضى القاعدة الاعادة حتّى في وقت العمل و في زمان الاتيان؛ فالقاعدة لا تشمل و الّا فلا بدّ من الالتزام بشمولها للعامد أيضا و إن شئت قلت: انّ دليل القاعدة منصرف عن مثل الجاهل المقصّر الملتفت حين العمل؛ و كيف كان الانكشاف إن كان بعلم وجداني فظاهر و إن كان بملاحظة الحجيّة و قول المجتهد فإن كان من يكون وظيفته الرجوع اليه في ذلك الوقت و الحال يكون المرجع واحدا فلا كلام و إذا كان المرجع شخصين فإن كان رأيهما واحدا فأيضا لا كلام و إن كانا مختلفين فما هو مقتضى القاعدة؟ الظاهر انّ المناط بالحجّة الفعليّة إذ الحقّ انّ الأحكام الواقعيّة محفوظة و القول بالسببيّة في الامارات غير مقبول عندنا و ما يكون متوجّها الى المكلّف من التكاليف في الحال لا بدّ أن يرجع الى المجتهد الفعلي؛ فالقول قوله مثلا لو قال يجب الاعادة تجب و المطابقة للمجتهد الذي كان وظيفته تقليده في ذلك الزمان ليس مناطا كما هو ظاهر.

و ممّا ذكرنا يظهر في كلام المصنّف (قدّس سرّه) الذي افاده في المتن، (و الأحوط مع ذلك لمطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل) و الذي يهوّن الخطب انّ احتياطه استحبابيّ.

75

[المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك]

(مسألة 17): المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة و أكثر اطّلاعا لنظائرها و للأخبار و أجود فهما للأخبار و الحاصل أن يكون أجود استنباطا و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط (1).

[الأحوط عدم تقليد المفضول]

(مسألة 18): الأحوط عدم تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل (2).

____________

(1) لا يخفى: انّه لم يرد هذا اللفظ بماله من المعنى تحت دليل من آية أو رواية فلا مدخليّة لكثرة العلم؛ و بعبارة اخرى: لا أثر لكثرة المعلومات كما انّه لا اعتبار بشدّة الاعتقاد بالواقع و ضعفه إذ الميزان بالحجج و أيضا لا اعتبار بمن يسلك مسلكا لا يجوز سلوكه كما لو استنبط من طريق الرّمل و إن كان معذورا لبساطته بل الميزان في الأعلميّة في المقام كون الشخص أجود استنباطا و اشدّ تسلطا على تطبيق الكلّيات على الصغريات و ادقّ نظرا و اشدّ تنبّها للأمور الدخيلة في الاستنباط كما انّ الأمر كذلك في الأعلم في سائر الحرف و الصناعات و يمكن تحقق هذا المعنى في جملة من المباحث دون غيرها مثلا يمكن أن يكون شخص أعلم من غيره في باب المعاملات و يكون المفضول افضل منه في باب العبادات و هكذا؛ و أهل الخبرة يميزون الاعلم من غيره و لا يلزم أن يكون الخبير من أهل الاستنباط.

(2) لا وجه لهذا الاحتياط و قد مرّ انّ مقتضى السيرة الرجوع الى العالم و العارف و لذا يجوز الرجوع الى كلّ من العالم و الأعلم في صورة عدم العلم بالمخالفة فكيف بصورة الموافقة فانّ الادلّة بالنسبة الى كليهما سيّان.

76

[لا يجوز تقليد غير المجتهد]

(مسألة 19): لا يجوز تقليد غير المجتهد و إن كان من أهل العلم كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد و إن كان من أهل العلم (1).

[يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني و بشهادة عدلين و بالشياع]

(مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص و كذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة (2).

____________

(1) ما أفاده في كلا الفرعين واضح و قد مرّ الوجه فيهما فانّ العالم لو لم يكن مجتهدا لا معنى لتقليده إذ هو جاهل و ليس فيه مناط التبعية على الفرض فيكون من رجوع الجاهل الى مثله و يتّضح هذا فيما لو كان ذلك العالم بنفسه متوجّها الى هذه الجهة كما انّ العالم إذا لم يكن مجتهدا يجب عليه التقليد أو الاحتياط؛ بل قد مرّ منّا خلافا لسيّدنا الاستاد انّ من له ملكة الاستنباط إذا لم يستنبط بعد يجوز له التقليد بمقتضى السيرة بل لا يبعد شمول الدليل اللّفظي له أيضا.

(2) لو عرف اجتهاد شخص بالعلم الوجداني يترتّب عليه آثاره لأنّه حجّة ذاتيّة و لا يلزم أن يكون العالم من أهل الخبرة فانّ العلم حجّة على الاطلاق بل كذلك الاطمينان العقلائي المعبّر عنه بالعلم العادي فانّه و إن لم يكن حجّة عقليّة لاحتمال الخلاف فيه لكن حجّة في نظر العقلاء و امضاه الشارع و أمّا قول العدلين المعبّر عنه بالبيّنة فما يمكن أن يقال في وجه حجيّته أمور:

منها: الاجماع؛ و يرد فيه انّه اجماع منقول و على فرض كونه محصلا لا يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) فلا أثر له.

و منها: انّها حجّة شرعا في مقام الدعاوي و الخصومات فيكون حجّة في بقيّة الموارد و فيه: انّه قياس و لا نقول به و لا سبيل للأولويّة فانّه يمكن انّ الشارع جعلها حجّة في باب الخصومات لأنّه يلزم رفعها فلا أولويّة كما هو ظاهر.

77

..........

____________

و منها: ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول:

كلّ شي‌ء هو لك حلال حتّى تعلم انّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه؛ أو خدع فبيع قهرا؛ أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك؛ و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك؛ أو تقوم به البيّنة (1)، و هذه الرواية تدلّ على حجيّة البيّنة في الموضوعات و ترفع بها عن مقتضى اليد و الأصل و لا شبهة انّ موردها الموضوعات الخارجيّة.

لكن يرد على الاستدلال بها كونها ضعيفة سندا بمسعدة؛ فانّه لم يوثق و كونها في سند كتاب كامل الزيارات لا أثر له كما بيّناه في محلّه و العمل بها لا يجبر ضعفها و يؤيّد ضعفها انّه نقل عن المجلسي و العلّامة ضعف الرجل؛ مضافا الى انّ البيّنة عبارة عمّا يتبيّن به الامر و الحكم لا يتعرّض لموضوعه فلا دليل على انّ شهادة العدلين بيّنة.

و ربّما يقال: انّ خبر عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الجبن قال: كلّ شي‌ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان انّ فيه ميتة (2) يدلّ على المدّعى حيث قال (عليه السّلام): «كل شي‌ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان انّ فيه ميتة» و هذا الخبر ضعيف بعبد اللّه بن سلمان، مضافا الى انّه خاصّ بمورد مخصوص و لا وجه للتعدّي؛ فلاحظ.

لكن يمكن اثبات حجيّة قول العدلين في الموضوعات بطريق آخر: و هو انّه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) الوسائل: الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

78

..........

____________

من المسلّمات الفقهيّة و من الامور التي جرت عليها السيرة المتشرّعيّة المتّصلة بزمان المعصوم (عليه السّلام) و لم يردع؛ كما انّه يمكن ان يستدلّ بالسيرة العقلائية فانّه لا شبهة في انّ العقلاء يعملون بقول العدلين و هذه السيرة لم يردع عنها و لو كانت مردوعة لبان؛ بل لنا أن نقول بحجيّة العدل الواحد بعين البيان بل نقول السيرة مستقرة على العمل بقول الثقة الواحد.

و ربّما يقال: بانّ خبر مسعدة رادع؛ و اجاب عنه الاستاد بانّ الخبر ليس في مقام الحصر و لذا لا يدلّ على عدم حجيّة اليد و الأصل.

و هذا الجواب غير تامّ: فانّه لو كان خبر الثقة حجّة لما كان معنى لقوله أو تقوم به البيّنة فانّه يكفي أن يقول الّا أن يأتي به الثقة فلا شبهة في دلالته على انّ قول الثقة الواحد لا يكفي؛ و امّا قوله بانّ اليد حجّة و الأصل أيضا حجّة فلا بدّ من الالتزام بعدم حجيّتهما، غير صحيح إذ فرض في الرواية اعتبار اليد و الأصل فكيف يدلّ على عدم اعتبارهما؟ و أجاب أيضا بانّ اليد من الأمور المذكورة في الرواية و لا يرفع اليد من اليد الّا بقول عدلين و لا يكفي قول الثقة؛ فالرواية من هذه الجهة لم تتعرّض بقول الثقة.

و يرد عليه: انّ هذا تخرص بالغيب فانّ المستفاد من الرواية سقوط خبر الثقة الواحد حتّى في قبال الأصل و هذا يكفي للقائل بكون الرواية رادعة.

نعم يمكن ردّ الاستدلال بانّ الرواية غير متعرّضة لبيان انّ البيّنة ما هي و لا بدّ من أن يعلم مصداقها من الخارج فلو احرز انّ خبر الثقة الواحد حجّة ببيان تقدّم منّا نقول بانّه طريق الى الاثبات في نظر الشارع؛ و الذي يهوّن الخطب و يبطل جميع ما ذكر انّ الرواية ساقطة من حيث السند فلا مجال لهذه الكلمات كما هو ظاهر.

79

إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم و كذا الاعلميّة تعرف بالعلم أو البيّنة الغير المعارضة أو الشّياع المفيد للعلم (1).

____________

بقي شي‌ء: و هو انّ الاجتهاد من الملكات و هي غير قابلة للحسّ؛ و الخبر انّما يكون حجّة في الأمر الحسّي؛ و الجواب انّ الأمر و إن كان كذلك لكن لو لم تكن الشهادة مؤثّرة في مثل هذه الأمور لاختلّ النظام فانّ جملة من الأمور كذلك كالشجاعة و البلاهة و العدالة و الجبن و الخبث و طيب النّفس و أمثالها و لا شبهة في حجيّة الشهادة في هذه الأمور عند العقلاء و ببيان آخر: انّه لم يرد في هذا الباب آية أو رواية و انّما المرجع السيرة العقلائيّة، فإن كان مقدّمة الحدس من الأمور الحسيّة و كان ذلك الأمر الحدسي قريبا من الحسّ يكون الشهادة في مورده حجّة بلا كلام؛ نعم هذا فيما لا يكون معارضا بمثله و الّا لا يكون حجّة كسقوط المتعارضين و لذا قال المصنّف (قدّس سرّه) إذا لم تكن الخ.

(1) فانّ الشياع لو صار سببا للعلم يتمّ الأمر فانّ العلم حجّة ذاتيّة و ممّا تقدّم يظهر تقريب الاستدلال بالنسبة الى ما افاده في ذيل المسألة.

80

[مسألة 21 إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلميّة أحدهما]

(مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلميّة احدهما و لا البيّنة فان حصل الظنّ باعلميّة احدهما تعيّن تقليده بل لو كان في أحدهما احتمال الاعلميّة يقدّم كما إذا علم انّهما امّا متساويان أو هذا المعيّن أعلم و لا يحتمل اعلميّة الآخر فالأحوط تقديم من يحتمل اعلميّته (1).

____________

(1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة في صورة عدم العلم بالاختلاف بين القولين و اخرى في صورة العلم به امّا على الأوّل فلا اشكال في جواز الرّجوع الى ايّهما شاء و قد مرّ بيان ذلك؛ و امّا على الثاني فتارة نتكلّم على فرض تحقّق الاجماع التعبّدي الكاشف على عدم وجوب الاحتياط و ثبوت التخيير بين القولين و اخرى نتكلّم على فرض عدم تحقّق الاجماع التعبّدي الكاشف؛ امّا على الأوّل فلا اشكال في تقدّم مظنون الاعلميّة و كذا محتملها لدوران الأمر بين التعيين و التخيير و من الظاهر انّ مقتضى الترديد بينهما في مقام الحجيّة تقديم المظنون أو المحتمل؛ و امّا على الثاني كما هو مسلكنا فلا يكون الظنّ مرجّحا و لا الاحتمال بطريق اولى بلا فرق بين امكان الاحتياط و عدمه بل القاعدة تقتضي الاحتياط لتساقط القولين بالتعارض و على فرض عدم امكان الاحتياط مقتضى القاعدة التخيير العقلي فلا وجه لما ذكره سيد الاستاد في المقام من التفصيل بين امكان الاحتياط و عدمه.

اللّهمّ الّا أن يقال: مع امكان الاحتياط يلزم ان يحتاط و اما مع عدم امكانه فيلزم ترجيح جانب الظن أو الاحتمال لكونه مظنون الاعلمية أو محتملها لكونه أقرب الى الواقع.

81

[فيما يشترط في المجتهد]

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور: البلوغ (1).

____________

(1) لا شبهة في انّه لا فرق في سيرة العقلاء بين البالغ و غيره فانّ الميزان كون من يرجع اليه من أهل الخبرة كما انّ الاطلاقات الكتابية أو الخبريّة على فرض تماميّة دلالتها تشمل غير البالغ و ما يمكن أن يقال في وجه الاشتراط أمور:

منها: الاجماع و اشكاله واضح فانّ المنقول منه غير حجّة و المحصّل منه غير حاصل.

و منها: انّه علم من مذاق الشرع عدم لياقة غير البالغ لهذا المقام؛ و فيه: انّه لم يعلم منه بل علم خلافه فانّه لو كان الأمر كذلك لكان الأولى أن لا يكون غير البالغ قابلا لمنصب الامامة.

و منها: انّ غير البالغ رفع عنه القلم و قد دلّ عليه النصّ: لاحظ ما رواه ابن ظبيان قال: اتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت؛ فامر برجمها؛ فقال علي (عليه السّلام): اما علمت انّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم؛ و عن المجنون حتّى يفيق؛ و عن النائم حتّى يستيقظ (1) و هذه الرواية ضعيفة سندا بابراهيم بن أبي معاوية؛ و من حيث الدلالة لا ترتبط بالمقام فانّها دلّت على انّ غير البالغ غير مكلّف بالتكاليف و لم يوضع عليه القلم و ايّ تناف بين حجيّة قوله و رأيه و عدم كونه مكلّفا من قبل الشارع.

و منها: انّه قد دلّ بعض النصوص على انّ خطائه و عمده واحد لاحظ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: عمد الصبي و خطأه واحد (2).

و قد أجاب عنه سيّدنا الاستاد بانّه ناظر الى الدّية أي الدّية على عاقلته‌

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

82

و العقل (1)

____________

بقرينة رواية أخرى؛ و الظاهر انّ هذا الجواب غير تامّ إذ لا وجه لحمل هذه الرواية على تلك بل مقتضاها انّ عمده خطاء فلو صدر منه فعل عمدا يكون كفعله خطاء يترتّب عليه أثر الخطاء.

لكن يمكن أن يجاب بنحو آخر و هو انّ المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي أن يكون الكلام ناظرا الى الأفعال الصادرة منه لا أزيد من هذا المقدار فانّ صراحة الكلام تقتضي ما ذكرنا و المناط في رجوع الجاهل الى العالم معلوماته و من الظاهر انّها خارجة عن دائرة الأفعال فلا تكون مشمولة لهذه الرواية و عليه لا مانع من تقليد غير البالغ.

ثمّ انّه لا شبهة في انّه لو صار مجتهدا قبل البلوغ ثمّ صار بالغا يجوز تقليده بلا كلام و الحال انّه لو كان رأيه قبل بلوغه ساقطا عن الاعتبار لا يكون لاعتباره بعد بلوغه وجه؛ اذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه.

ثمّ انّه لو قلنا بانّ تقليد الميّت ابتداء جائز فلا كلام و لو قلنا بعدم جوازه فلو تعلّم مسائله قبل بلوغه و بعد البلوغ مات و قلنا يكفي في جواز البقاء التعلّم يجوز تقليده بقاء كما عليه الاستاد.

(1) يقع الكلام تارة في اعتبار العقل حدوثا و اخرى بقاء:

امّا الأوّل: فلا شبهة في اعتباره فانّ من لا عقل له لا وثوق بآرائه و أقواله و ليس له وقع عند العقلاء كما انّ الاطلاقات لا تشمله؛ مضافا الى انّه ادّعي عدم الخلاف في اعتبار العقل في المرجع.

و امّا الثاني: فلا دليل على اعتباره فانّ السيرة مستقرة على العمل بقول من ذهب عقله كما انّ الاطلاق لو شمله حال عقله يكون مقتضيا للحجيّة بقاء و لو بعد‌

83

و الايمان (1).

____________

زواله؛ نعم للأستاد كلام يشمل المقام نتعرّض لصحّته و سقمه عند تعرّضه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

(1) ربّما يستدلّ عليه بأمور: منها: الاجماع و يرد عليه ما ورد في سابقه.

و منها: ما رواه عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السّلطان و الى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم الى الطاغوت؛ و ما يحكم له فانّما يأخذ سحتا و إن كان حقّا ثابتا له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما امر اللّه ان يكفر به؛ قال اللّه تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما؛ فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ؛ و الرادّ علينا كالراد على اللّه؛ و هو على حدّ الشرك باللّه الحديث (1) بتقريب انّه ورد فيها «ينظران من كان منكم الخ» فانّ الاضافة تقتضي الايمان.

و فيه أوّلا: انّ السند ضعيف بابن حنظلة و ثانيا: انّ الرواية واردة في باب القضاء.

و منها: ما رواه أبو خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام): ايّاكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فانّي قد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

84

..........

____________

جعلته قاضيا فتحاكموا اليه (1) فانّه ورد فيه «و لكن انظروا الى رجل منكم» و هذه الرواية أيضا ضعيفة بابي خديجة؛ فانّ الأقوال فيه متعارضة.

و ربّما يقال: بانّ تضعيف الشيخ يعارضه توثيقه فيبقى توثيق النجاشي على حاله و هذا غير سديد فان تضعيف الشيخ رحمة اللّه كما يعارض توثيقه يعارض توثيق النجاشي كما لو اخبر شخص بروايتين متعارضتين و روى راو آخر رواية موافقة لأحد الطرفين هل يمكن أن يقع التعارض بين الخبرين الّذين رواهما ذلك الراوي و يبقى الخبر الآخر سالما؟ كلّا فالسّند مخدوش.

و لقائل أن يقول: لا اشكال في انّ دليل الاعتبار لا يشمل قول الشيخ و امّا قول غيره فلا مانع عن كونه مشمولا لدليل الاعتبار و ان شئت قلت: قول الشيخ لتعارضه في نفسه لا يكون فيه اقتضاء الحجيّة بخلاف قول غيره و لا تعارض بين ما فيه الاقتضاء و ما لا اقتضاء فيه و قس عليه ما ذكرناه في الخبر فانّ الكلام فيه هو الكلام؛ مضافا الى انّ فيه نقاشا آخر و هو ضعف اسناد الصدوق الى احمد بن عائذ و السند الآخر أيضا مخدوش؛ اضف الى ذلك انّ الرواية واردة في مورد الحكم و القضاء و لا يرتبط بالمقام.

و منها: ما رواه علي بن سويد السابي قال: كتب إليّ أبو الحسن (عليه السّلام) و هو في السّجن: و امّا ما ذكرت يا علي ممّن تأخذ معالم دينك لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا؛ فانّك ان تعدّيتهم اخذت دينك عن الخائنين الّذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا اماناتهم؛ انّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه فعليهم لعنة اللّه و لعنة رسوله و لعنة ملائكته و لعنة آبائي الكرام البررة و لعنتي‌

____________

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

85

و العدالة (1).

____________

و لعنة شيعتي الى يوم القيامة- في كتاب طويل- (1).

و منها: ما رواه أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت اليه- يعني أبا الحسن الثالث (عليه السّلام)- أسأله عمّن آخذ معالم ديني؛ و كتب أخوه أيضا بذلك فكتب اليهما: فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا؛ و كلّ كثير القدم في أمرنا؛ فانّهما كافو كما إن شاء اللّه تعالى (2) و كلا الحديثين ضعيفان إذ علي بن حبيب المدائني لم يوثّق و أيضا موسى بن جعفر بن وهب لم يوثّق؛ و لكن يكفي لإثبات المدّعى انّ المرتكز في اذهان اهل الشرع انّ الايمان شرط في مرجع التقليد و تقليد العامي غير المؤمن مستنكر عند أهل الشرع.

(1) ما يمكن أن يقال: في وجهها أمور:

الأوّل: الاجماع و اشكاله ظاهر، الثاني: الأولويّة بأن يقال انّها اشترطت في امام الجماعة فبالاولوية تشترط في المرجع للتقليد؛ و فيه: انّه لو كانت لا تكون الّا ظنيّة.

الثالث: ما عن تفسير العسكري (عليه السّلام) (3) و فيه: انّ السند مخدوش و رجعنا عن هذه المقالة و بيننا على تمامية سند الكتاب و قد تقدم التنبيه عليه في هذا الشرح لعلّه كرارا و مرارا؛ مضافا الى انه يمكن الخدش في الدلالة بأن يقال: انّ المستفاد من هذا الحديث انّ المانع من التقليد احتمال الكذب فلو لم يكن فيه هذا الاحتمال بان حصل الوثوق فلا مانع مضافا الى انا قلنا انّ الحصر اضافي اضف الى ذلك انّه على‌

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.

(3) لاحظ ص 26.

86

و الرجوليّة (1).

____________

فرض التسليم لا يلزم بحسب البقاء بل يكفي الحدوث إذ لو كان واجدا للشرائط يكون قوله حجّة للغير فلو صار فاسقا بعد ذلك لا وجه لسقوط قوله عن الاعتبار هذا تمام الكلام من حيث المانع؛ و امّا من حيث المقتضي فأيضا كذلك أي يشمل الفاسق فانّ مقتضى اطلاق الآية و الرواية عدم الفرق كما انّه لا فرق من حيث السيرة؛ فلاحظ.

بقي شي‌ء: و هو انّه كيف يرضى الشارع بان يسلّم امور المسلمين بيد فاسق أو غير مؤمن أو مجنون فانّ اقتضاء الارتكاز الموجود عند المتشرّعة هكذا.

و فيه انّه استبعاد محض فانّه فرق بين التقليد و بين الامامة العامة إذ الامامة العامّة عبارة عن الجلوس مجلس الامام (عليه السّلام) و حيث انّه لا اطلاق في الدليل لهذا العنوان فلا بدّ من الاقتصار على المتيقّن و القدر المتيقّن أن يكون عادلا مؤمنا فلا يرتبط أحد الامرين بالآخر و هذا خلط بلا وجه و العجب من سيّدنا الاستاد انّه كيف خلط الامرين و الحال انّه من خبرة الفن بل حقيق أن يقال بانّه فخر الفقهاء لكنّ العصمة خاصّة بأهلها لكن قد تقدّم انّه لا يمكن الالتزام بالجواز بالنسبة الى السنّي.

(1) تارة يستدلّ عليها بالإجماع و الجواب ظاهر و اخرى بما رواه أبو خديجة (1) و فيه أوّلا: انّه ضعيف سندا و قد مرّ الاشكال فيه من انّه وارد في القضاء و لا أولويّة و ممّا ذكر يعلم الجواب عن مقبولة ابن حنظلة (2) مضافا الى انّ لفظ من الموصولة يشمل المرأة؛ و امّا ما رواه عامر بن عبد اللّه بن جذاعة قال: قلت‌

____________

(1) لاحظ ص 83.

(2) لاحظ ص 83.

87

و الحريّة على قول (1) و كونه مجتهدا مطلقا فلا يجوز تقليد المتجزّي (2).

____________

لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) انّ امرأتي تقول: بقول زرارة؛ و محمّد بن مسلم في الاستطاعة؛ و ترى رأيهما فقال: ما للنّساء و للرّأي؛ القول لهما انّهما ليس بشي‌ء في ولايتي قال: فجئت الى امرأتي فحدّثتها؛ فرجعت عن هذا القول (1) فانّه ضعيف سندا إذ الرجل لم يوثّق.

بقي شي‌ء: و هو ما عن الاستاد من استبعاد كون منصب الزعامة بيد المرأة و فيه: انّه خلط بين المقامين و لكن مع ذلك كلّه لا يبعد أن يكون الالتزام بالجواز مورد الاستنكار من قبل أهل الشرع؛ فلاحظ.

(1) لا وجه لاشتراطها؛ فانّه ليس في المقام ما يدلّ على هذا الاشتراط نعم ما أفاده سيّدنا الاستاد من الارتكاز إن كان تامّا فلا يبعد أن يجري في المقام إذ كيف يمكن أن يتصدّى للأمور من يكون عبدا للغير و يجب عليه الكنس و الطبخ؛ لكن يمكن أن يجعل مرجعا للفتوى و لكن لا يجعل زعيما.

(2) يقع الكلام في المقام من جهات:

الأولى: في معنى التجزّي فانّه عبارة عن القدرة على استنباط بعض الأحكام دون بعض كما لو كان قادرا على استنباط ما يتوقّف على المقدّمات اللفظيّة دون العقليّة أو بالعكس.

الثانية: في امكانها و عدمه و الحقّ أنها أمر ممكن و ربما يقال: بانّها غير ممكنة فانّ الاجتهاد عبارة عن ملكة الاستنباط أو نفس الاستنباط و على كلّ حال أمر‌

____________

(1) معجم رجال الحديث: ج 17 ص 255.

88

..........

____________

بسيط غير قابل للتجزية، و هذا التوهّم باطل إذ التجزّي لا ينافي البساطة فانّ التجزّي فرد من أفراد الكلّي لا جزء من أفراد الكلّ فانّ البياض أمر بسيط و مع ذلك يكون أفراده مختلفة في الشدّة و الضّعف و ادلّ دليل على امكانه وقوعه خارجا فانّه ربّما يكون شخص مجتهدا في جملة من المسائل كالمجتهد المطلق بل ربما يكون أعلم منه في تلك المسائل.

بقي شي‌ء: و هو انّ الفرق بين المطلق و التجزي هل يكون بالشدّة و الضعف كما عليه بعض أو باختلاف الأفراد؟ الحقّ انّ الفرق بالشدّة و الضعف كبقيّة الملكات مثل الشجاعة؛ ثمّ هل يكون التجزّي واجبا؟ بتوهّم انّه يلزم الطفرة و هي مستحيلة؛ و بعبارة أخرى: لو لا التجزي تلزم الطفرة و هي مستحيلة؛ الحقّ انّه ليس كذلك فانّه ليس بعض أفراد الاجتهاد مقدّمة لبعض آخر كي يقال بانّه لا يعقل تحقّق ذي المقدّمة قبل وجود المقدّمة بل لكلّ فرد منه سبب خاصّ و يمكن اجتماعها في آن واحد؛ نعم تحقّقها دفعة واحدة أمر على خلاف العادة الخارجية.

الثالثة: في انه هل يجوز له التقليد أم لا؟ امّا فيما استنبط الحكم الشرعي بالفعل فلا يجوز إذ يرى الغير جاهلا فكيف يقلّد؟ و امّا في مورد لم يستنبط بعد فالظاهر انّه لا بأس به.

الرابعة: أنه هل يجوز للغير أن يقلّده؟ الظاهر انّه لا فرق في نظر العقلاء بين المتجزّي و المجتهد المطلق فان ثبت ردع فهو و الّا نلتزم بالجواز؛ و ما يتوهّم في المقام أن يكون رادعا امّا الاجماع و امّا الآيات و امّا الروايات امّا الأوّل: فليس شيئا فانّه مدركي و امّا الثاني فقد ذكرنا عدم دلالتها على حجيّة الفتوى فلا موضوع لهذا الكلام و امّا الروايات فما يمكن أن يكون رادعا قوله (عليه السّلام) في تفسير العسكري «من‌

89

و الحياة فلا يجوز تقليد الميّت ابتداء نعم يجوز البقاء كما مرّ (1) و ان يكون أعلم فلا يجوز على الأحوط تقليد المفضول مع التمكّن من الأفضل و إن لا يكون متولّدا من الزّنا و أن لا يكون مقبلا على الدنيا و طالبا لها مكبّا عليها مجدّا في تحصيلها ففي الخبر من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه (2).

____________

كان من الفقهاء» (1) و التقريب ظاهر لكن قد سبق انه ضعيف سندا و الّا لا يبعد تماميّته للرّدع، و رجعنا عن هذه المقالة و التزمنا باعتبار التفسير لكن لا يستفاد منه الحصر الحقيقي بل المستفاد منه الحصر الإضافي و تقدم بيانه فراجع ما ذكرناه في ذيل (مسألة 9). و امّا مقبولة ابن حنظلة فضعيفة سندا و واردة في باب القضاء و لا وجه للتعدّي.

الخامسة: في انّه هل يكون له التصدّي للقضاء؟ تفصيل الكلام موكول الى محلّه و لكن حيث انّه لا بدّ من الاقتصار على المتيقّن فلا يجوز له إذ لا ندري هل يجوز أم لا يجوز؛ و الحاصل انّ نفوذ الحكم أمر على خلاف القاعدة الأوّلية فيحتاج اثباته الى الدليل؛ و ممّا ذكرنا علم جواز تصدّيه للأمور الحسبيّة؛ الّا أن يقال: القدر المعلوم ولاية من يكون مجتهدا مطلقا.

(1) تقدّم الكلام فيها.

(2) قد مرّ انّه لا يجب تقليد الأعلم الّا مع العلم بالمخالفة؛ و امّا اشتراط طهارة المولد فلم يدلّ عليه دليل؛ و امّا الخبر المشار إليه فالمستفاد منه الحصر الاضافي و عليه يمكن أن يقال: انّه لا دليل على اشتراط العدالة فكيف بما فوقها و قد تحصّل انّ‌

____________

(1) لاحظ ص 26.

90

..........

____________

اشتراط هذه الأمور من باب الاحتياط؛ اضف الى ذلك انه قد مرّ انّ عدم الاشتراط في جملة من الموارد خلاف الارتكاز الشرعي.

ثمّ انّه لو قلنا بالاشتراط فهل يكفي حدوثها أو يلزم البقاء أيضا؟ مقتضى الصناعة كفاية الحدوث؛ امّا السيرة فظاهرة و امّا الروايات فعلى تقدير تماميّة دلالتها كما هو كذلك بالنسبة الى بعضها كما مرّ فأيضا كفاية الحدوث فانّ مقتضى الاطلاق حجيّة قول الواجد للشروط حتّى بعد زوالها كما انّ الأمر كذلك في حجيّة الخبر فانّ العدالة أو الوثاقة في الراوي يكفي في الحجيّة و لو زال بعد ذلك و صار الراوي كاذبا فانّ عروض الكذب لا يسقط خبره عن الحجيّة.

بل يمكن أن يقال انّ مقتضى الاطلاق جواز التقليد ابتداء كما انّ الأمر كذلك في الراوي هذا بالنسبة الى ما تقتضيه الادلّة الاجتهاديّة؛ و امّا بحسب الأصل العملي فلو تحقّقت الحجيّة بان وصلت الى المكلّف ثمّ زالت الأوصاف فمقتضى الاستصحاب بقائها لكنه في الشبهة الحكميّة غير جار؛ و امّا من جهة الارتكاز فليس فيه ما يفيد هذا المعنى كما مرّ و امّا الاجماع المدّعى في كلام بعض فليس تعبّديا.

ثمّ انّه على تقدير اشتراط الشروط المذكورة لو لم يوجد في الأحياء مجتهد واجد لهذه الشرائط يجوز للمقلّد أن يقلّد الأعلم من الأموات في صورة العلم باختلافهم أو الواجد للشرائط من الأموات و لو لم يكن أعلم في صورة عدم العلم بالاختلاف و ذلك لأنّ مقتضى السيرة جواز تقليد الميّت ابتداء و المحذور الّذي يذكر في المقام لا يكون في هذه الصورة فانّه لا ينحصر المرجع في شخص واحد كي يقال بانّه مخالف لضرورة المذهب؛ مضافا الى انّا أنكرنا هذا الادعاء و قلنا انّه بحسب الصناعة يجوز تقليد الميّت ابتداء بل لا نضايق من القول بالوجوب في صورة العلم بالاختلاف.

91

..........

____________

فائدة: المجتهد إذا استنبط الحكم من مدارك غير شرعيّة كما لو استنبط الحكم الشرعي من الرّمل و الجفر أو الاستخارة لا يجوز تقليده لعدم الدليل عليه بل الضرورة الفقهيّة على خلافه و نفس الشك يكفي لعدم الجواز إذ الشك في الحجيّة مساوق مع القطع بعدمها؛ نعم لو حصل لأحد القطع بالحكم من هذه المقدّمات يجوز له العمل بقطعه لحجيّة القطع ذاتا و هذا لا اشكال فيه؛ انّما الاشكال فيما لو كان أحد قائلا بالانسداد فهل يجوز العمل بقوله و تقليده أم لا؟ ربما يقال: بانّه لا يجوز إذ القائل بالانسداد معترف بجهله فكيف يجوز تقليده بلا فرق بين الأقوال في الانسداد من الكشف أو الحكومة بل لا يجوز تقليده حتّى مع الانحصار و يجب العمل بالاحتياط لعدم جواز الرجوع الى الجاهل.

و الظاهر انّ هذا التوهّم باطل إذ القائل بالانسداد جاهل و معترف بجهله لكن يعتقد انّ القائل بالانفتاح اجهل منه حيث انّه جاهل بالجهل المركّب الذي يبقى فيه ابد الدّهر؛ و الحاصل انّه لو كان القائل بالانسداد اعلم يلزم الرجوع اليه بحكم السيرة كما لا يخفى.

ايقاظ: لا اشكال في جواز الرجوع الى المجتهد فيما يحصل له العلم الوجداني بالأحكام الواقعيّة كما انّه لو قلنا بانّ المجعول في الامارات، الطريقيّة فانّه عالم بالحكم غاية الأمر بالعلم التعبّدي كما انّه لا اشكال بناء على كون المجعول المعذريّة و لا منجزيّة فهل يشكل الرجوع الى المجتهد أم لا؟ الظاهر هو الثاني؛ امّا من حيث السيرة فلا فرق بين هذه المسالك فانّه من رجوع الجاهل الى أهل الخبرة و امّا من حيث الروايات فانّهم (عليهم السّلام) ارجعوا النّاس الى اشخاص مخصوصين و على هذا المسلك يكونون عالمين بهذا النحو فلا مجال للإشكال؛ هذا بالنسبة الى‌

92

[العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات و ترك المحرّمات]

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات و ترك المحرّمات (1).

____________

الامارات و امّا بالنسبة الى الاصول فالاستصحاب لا يجري في الشبهة الحكميّة و على فرض جريانه يجري المجتهد الأصل في الحكم و يفتي على طبقه و يأخذ المقلّد الحكم من المجتهد؛ و امّا أصل البراءة فهو حكم للمشكوك فيه أيضا و المجتهد يفتي بالاباحة و الحاصل: انّ المقلّد لا بدّ من الرجوع الى العالم بالحكم الشرعي و لا فرق في الحكم الشرعي بين أن يكون واقعيّا أو ظاهريّا كما انّه لا فرق بين أن يكون بالعنوان الاوّلي و بين أن يكون بالعنوان الثانوي هذا بالنسبة الى الأصل الشرعي و امّا الأصل العقلي على تقدير القول باعتباره و هي البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي فامّا يشخص العامي موضوعهما و يحكم عقله بمقتضاهما و امّا لا يشخص؛ امّا على الأوّل فلا مجال للرجوع الى الغير و امّا على الثاني فيرجع الى المجتهد لأنّه من اهل الخبرة؛ و ملخّص الكلام في المقام انّ العمدة في جواز التقليد رجوع الجاهل الى العالم بحسب السيرة غير المردوعة و هذا لا فرق فيه بين المسالك و لا بين الأحكام و لا بين المدارك؛ فلاحظ.

(1) يقع الكلام في العدالة في المقامين: الأوّل في بيان ماهيّتها.

الثاني: فيما تعرف به؛ امّا المقام الأول: فنقول انّه قد وقع الخلاف في بيان ماهيّتها و لذا عرّفت بتعاريف مختلفة فقيل في تعريفها انّ العدالة هي الإسلام و عدم ظهور الفسق و من الظاهر انّه لا يمكن أن يكون ما ذكر تعريفا للعدالة إذ فرض امكان تحقّق الفسق في الواقع، و حكم بتحقّق العدالة و الحال انّ الفسق و العدالة ضدان لا يجتمعان.

فطبعا يكون هذا التعريف راجع الى المقام الثاني؛ و قيل: انّ العدالة عبارة عن‌

93

..........

____________

حسن الظاهر و هذا التعريف أيضا ظاهر في رجوعه الى مقام الاثبات و انّه بايّ شي‌ء تعرف العدالة إذ يمكن أن يكون المكلّف مرتكبا للمعاصي في الخفاء و مع ذلك يكون له حسن الظاهر مضافا الى انّ الإسلام مع عدم ظهور الفسق لا يكفي في تحقّق العدالة.

و من التعاريف للعدالة: ما نسب الى المشهور بين المتأخّرين من انّها ملكة أو هيئة راسخة أو حالة أو كيفيّة باعثة نحو الاطاعة بالاتيان بالواجبات و ترك المعاصي و المحرّمات و تعريف المصنّف على هذا النسق و عليه تكون العدالة من الأمور النفسيّة لا الخارجيّة.

و منها: انّ العدالة عبارة عن الاتيان بالاعمال الخارجيّة من الواجبات و ترك المحرّمات الناشي عن الملكة النفسانيّة؛ و الحرّي بالبحث أن نتكلّم في مفادها و حقيقتها من حيث العرف و اللّغة ثمّ النظر في الرّوايات فلو لم يكن من الشارع تصرّف في معناها اللّغوي يتمّ الأمر على ذلك المعنى اللّغوي و يترتّب الأثر على ذلك المعنى و امّا لو استفيد من الروايات امر آخر لا بدّ من الالتزام به؛ ففي اللّغة يطلق العدل على الاستقامة و يقال فلان عادل إذا انصف.

و الحاصل: انّ المفهوم من هذا اللّفظ هي الاستقامة كما انّه يقال في الفارسيّة «چوب راست» في مقابل «چوب كج» فالعدالة عبارة عن الاستقامة و من الظاهر انّ هذا المعنى ليس امرا نفسيّا بل امر خارجي لكن لا بدّ من أن يكون هذه الاستقامة ناشئة من اقتضاء في الشي‌ء فانّ الخشب لو كان معوجا و صار عدلا بقسر قاسر لا يطلق عليه انّه عادل على الاطلاق فنقول لنا أن نقول بانّ العدالة عبارة عن كون الشخص على نحو لا تصدر منه المعصية عادة و انّما نقيّد بهذا القيد‌

94

..........

____________

لأنّ من لا يصدر عنه العصيان على نحو الاطلاق لا يوجد الّا أقل قليل و كيف يمكن أن يترتّب على مثله حكم في العرف أو كيف يمكن أن يرتّب الشارع أحكامه على مثله فانّه يوجب تعطيل باب الطلاق و القضاء و ان شئت قلت: يلزم اختلال النظم و لو في وعاء الشرع فصدور العصيان من الشخص إذا كان من قبيل الجواد قد يكبو و الصارم قد ينبو لا يضرّ بالعدالة لكن لا بدّ أن يكون بحيث يندم و يتوب.

إن قلت: لازم هذا أن يكون الشخص حين ارتكاب الذنب و لو في بعض الأحيان عادلا و الضرورة على خلافه.

قلت: نلتزم بانّه بالفعل ليس عادلا لكن بمجرّد تماميّة الذنب يرجع اليها و يتوب من الذنب؛ كما انّ الخشبة العادلة لو اعوجت بقاسر لا تكون عادلة في تلك البرهة من الزمان لكن بمجرّد ارتفاع القاسر ترجع الى الحالة الاوّليّة؛ فانقدح بما ذكرنا انّ تعريف العدالة بالاستقامة الفعليّة في جادّة الشرع الناشئة عن الأمر النفسي هو الصحيح فلا بأس.

ثمّ انّه هل يشترط أن تكون الاستقامة على الجادة ناشئ عن الخوف الالهي و بعبارة اخرى: يشترط أن يكون الامساك عن العصيان ناشئا عن الخوف عن العقاب أو الطمع في الثواب أو يكفي حصول الاستقامة الناشئة عن الأمر النفسي مطلقا لا اشكال في انّ الأمور العباديّة لا بدّ من تحقّقها بقصد القربة و معنى عدم القصد الالهي يلازم انعدامها و امّا التوصليّات فالظاهر انّه لا وجه لهذا الاشتراط فيها فانّ الكون على جادة الشرع أن لا ينحرف عنها و لا يصدر عنه خلاف الحكم الشرعي و الزائد على هذا المقدار لا دليل عليه.

و المتحصّل ممّا ذكرنا: انّ العدالة عبارة عن كون الشخص في جادّة الشّرع‌

95

..........

____________

بداع نفسي و لا نقول بانّ ذلك الدّاع النفسي عبارة عن الملكة بل نقول لا بدّ في الصدق المطلق أن يكون هذه الاستقامة ناشئة عن الأمر النفسي أعمّ من أن يكون ذلك الأمر النفسي الملكة كما عليه القوم أو الخوف النفساني أو التقليد بالاعتباريّات أو الطمع في الوصول الى مقام أو غير ذلك؛ و بعبارة أخرى: انّا ندّعي انّ العادل لا يطلق الّا فيما يكون هذا الوصف من لوازمه و هذا لا يكون الّا مع الاقتضاء النفسي و الّا لو صدق الوصف بمجرّد كون الانسان في الجادّة يلزم صدقه على كلّ فاسق حين عدم ارتكاب الفسق كما انّه يلزم صدقه على ما لا يرتكب المعصية لعارض خارجي موقّت و هو كما ترى لكن لا يخفى انّا لا نسلّم عدم امكان الاطّلاع على هذا الأمر الّا بما جعله الشارع طريقا للانكشاف و الّا يلزم عدم الاطلاع على الاوصاف من الجود و الشجاعة و البخل و العطوفة و أمقالها و هو من البطلان بمكان من الوضوح فانّه لا شبهة في انكشاف هذه الأوصاف لدى العرف بالاطلاع على آثارها و لوازمها.

و لكن نسب الى جمع منهم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بانّ العدالة عبارة عن كون الانسان في الجادة عن الملكة و حيث انّ الملكة من الأمور النفسيّة فلا بدّ من طريق شرعي إليها؛ و استدلّ على لزوم وجود الملكة بوجوه:

الأوّل: انّ الشك في انّ الملكة معتبرة في العدالة أم لا شك في سعة المفهوم و ضيقه و لا بدّ مع هذا الشك الاقتصار على القدر المعلوم و ذلك لأنّه يشك في ترتّب الآثار المترتّبة على العدالة و مع الشك في تحقّق الموضوع يكون مقتضى الأصل عدمه مثلا لو رتّب جواز الشهادة على عدالة الشاهد و شك في كفاية كون الشاهد على الجادة بلا ملكة يحكم بعدم نفوذ شهادته.

96

..........

____________

و أورد عليه: سيّدنا الاستاد دام ظلّه أوّلا: بانّه لا نشك في سعة المفهوم و ضيقه بل مفهوم العدالة أمر واضح و هو كون الشخص على الطريق و لو شك في الأمر الزائد يدفع بالأصل أي باصالة الاطلاق.

و يرد عليه: انّ المفهوم و إن كان معلوما لكن ليس عبارة عن مجرّد كون الشخص على الجادّة و الّا يلزم صدقه على كلّ فاسق حين عدم ارتكاب الفسق و هو كما ترى؛ و إن شئت قلت: انّ الاهمال محال في الواقع و عليه نسأل انّ الكون على الجادة الموضوع للعدالة بنحو الاهمال أو بنحو الاطلاق أو بنحو التقييد امّا الأوّل فهو غير معقول و امّا الثاني فيلزم الصدق و لو في ساعة واحدة و لا يرضى به هو أيضا و امّا الثالث أي كون الشخص على الجادّة بحسب الاقتضاء أي يكون من شأنه أن يكون كذلك فهو يستلزم الامر الزائد و هو الامر النفسي.

و أورد عليه ثانيا: بانّ هذا الأصل انّما يجري فيما يرتّب حكم على عنوان العادل أو بالقرينة المتّصلة كما في قوله تعالى: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (1) و امّا لو ثبت التقييد بالدليل المنفصل فلا مجال للأصل اذ المقيّد المنفصل لا يسري اجماله الى الاطلاق و ما أفاده صحيح لكن كلام الشيخ ناظر الى الأوّل بحسب الطبع و الأمر سهل و الّذي يمكن أن يقال في هذا المقام كما قلنا انّ المفهوم لا يشك فيه بل معلوم بانّه عبارة عن المقيّد غاية الأمر انّ المفهوم لا يشك فيه بل معلوم بانّه عبارة عن المقيّد غاية الأمر انّا نعبر عمّا يعبّر عنه بالملكة بالأمر النفسي.

الثاني: الأخبار الواردة في انّ امام الجماعة يشترط فيه أن يوثق بدينه و لا يحصل الوثوق بالدّيانة بدون الملكة المقتضية فانّه يمكن أن يكون الشخص‌

____________

(1) الطلاق: 2.

97

..........

____________

تاركا للمعصية و آتيا بالواجب و مع ذلك يمكن أن يصدر عنه العصيان في المستقبل فبلا ملكة مقتضية لا يحصل الوثوق.

و أورد عليه: الاستاد بانّه إذا عاشرنا شخصا مدّة من الزمان و نراه يخاف من الحيوان الكذائي نعلم بانّه خائف و كذلك في المقام بلا اشتراط الملكة فانّها اجنبيّة عن العدالة.

و يرد عليه: انّ الأمر في المقيس عليه أيضا كذلك فانّ الخوف من الحيوان الكذائي امر نفسي يقتضي الفرار أو تغيّر اللّون أو غيرهما و المدّعى في المقام انّه لا بدّ أن يكون في النفس أمر يقتضي كون الشخص على الجادّة غاية الأمر انا لا نعبّر عن ذلك الأمر بالملكة بل نعبر عنه بالأمر النفسي و لذا عبّر عنه تارة في كلماتهم بالملكة و اخرى بالهيئة الراسخة و ثالثة بالحالة و رابعة بالكيفيّة الباعثة.

الثالث: الروايات الواردة في الشاهد حيث تدلّ على اشتراط أوصاف و عناوين خاصّة لا تنطبق الّا على صاحب الملكة كالعفاف و الستر و الصّلاح و المأمونية و المرضي و الخيّر و الصّائن.

منها: ما رواه ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): بم تعرف عدالة الرّجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: ان تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللّسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النّار من شرب الخمر؛ و الزّنا؛ و الرّبا و عقوق الوالدين؛ و الفرار من الزّحف؛ و غير ذلك و الدّلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه؛ حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك؛ و يجب عليهم تزكيته و اظهار عدالته في النّاس؛ و يكون منه التعاهد‌

98

..........

____________

للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين؛ و ان لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم الّا من علّة فاذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصّلوات الخمس؛ فاذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه الّا خيرا مواظبا على الصّلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين؛ و ذلك انّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب؛ و ليس يمكن الشهادة على الرّجل بانّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه و يتعاهد جماعة المسلمين؛ و انّما جعل الجماعة و الاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي؛ و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع؛ و لو لا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح؛ لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين؛ فانّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين؛ و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك؛ و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فيه الحرق في جوف بيته بالنّار؛ و قد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين الّا من علّة (1).

و أجاب الاستاد: بانّ الرّضا و الأمن راجع الى الغير و لا يرتبط بالعادل فانّ غيره يرضاه و يأمن منه و امّا العفّة فمعناها انّه يمتنع عن الحرام و امّا الستر فمعناه أن يجعل بينه و بين الحرام ساترا أي لا يفعل و امّا الخير أي يفعل الخير و الصائن أي يترك العصيان مع وجود المقتضي؛ و ملخّص الكلام انّها صفات خارجيّة لا نفسيّة.

____________

(1) الوسائل: الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1.

99

..........

____________

و يرد عليه: انّ هذه الأوصاف و إن كانت صفاتا للأمور الخارجيّة و لكن لا يتّصف بها الّا من يكون له اقتضاء كذائي الّذي نعبّر عنه بالأمر النفسي و لذا لا يطلق على من يكون متّصفا بها لعارض و يؤيد ما ذكرنا انّه يطلق عليه حتّى في زمان نومه و غفلته.

ثمّ انّه لا اشكال في اشتراط العدالة بعدم كون الشخص مرتكبا للكبيرة و انّما الكلام في انّ الصّغيرة تضرّ بالعدالة أم لا؟ المعروف بين القوم ظاهرا انّ الصغيرة لا تضرّ و المستفاد من كلام المصنّف عدم الفرق بين الكبيرة و الصغيرة و ينبغي أن يبحث أوّلا: في مقتضى القاعدة الأوّلية و ثانيا: فيما يمكن أن يكون وجها لكلام القوم في المقام فنقول: مقتضى القاعدة ما أفاده المصنّف فانّ الانحراف عن الجادة مخلّ بالعدالة بلا فرق بين الكبيرة و الصغيرة و هذا أمر ظاهر لا سترة عليه و الّا يلزم الخلف و ما يمكن أن يكون وجها لكلام القوم امور:

منها: ما يستفاد من رواية ابن أبي يعفور (1) من انّ الميزان الاجتناب عن الكبائر و الحديث و إن لم يكن تاما باحد سنديه لكن يكون معتبرا بسنده الآخر و أما من حيث الدلالة فإنه يدل على انّ العدالة تتحقق باجتناب الكبائر.

و منها: انّه يستفاد من قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ) (2) بتقريب انّ الشخص لو انتهى عن الكبيرة لا يؤخذ بارتكاب الصغيرة؛ و يرد عليه:

أوّلا: انّه لا يقتضي كون المرتكب عادلا بل غايته انّ الشخص لا يكن‌

____________

(1) لاحظ ص 97.

(2) النساء: 31.

100

..........

____________

مؤاخذا و هذا أمر آخر؛ و بعبارة اخرى: انّ الميزان في العدالة كون الشخص على الجادة و المرتكب للصغيرة لا يكون على الجادة بلا اشكال.

و ثانيا: انّه لو كان الامر تامّا فلا وجه للتفريق بين الاصرار و عدمه فانّ هذا التفصيل لا دليل عليه.

و ثالثا: انّه لو اغمض عمّا ذكر فلا طريق الى احراز هذا المعنى إذ المستفاد من الآية بحسب الاطلاق انّ المكلّف لو انتهى عن الكبيرة مطلقا يكفر عنه سيّئاته و من الممكن انّه يرتكب الصغيرة فيما بعد فالتمسّك بها يكون في الشبهة المصداقيّة.

إن قلت: مقتضى الاستصحاب الاستقبالي عدم الارتكاب.

قلت: أيّ أثر يترتب على هذا الاستصحاب فانّه يلزم ان يتحقّق بهذا الاستصحاب العفو الالهي و بعد تحقّق العفو نحكم بكونه عادلا و من الظاهر انّ العفو الالهي ليس حكما شرعيا بل امر خارجي و لا يثبت الّا على القول بالمثبت الّذي لا نقول به؛ و سيّدنا الاستاد استشكل في الاستصحاب بانّ الأصل في طرف الواجبات على العكس؛ فانّ مقتضى الاصل عدم الاتيان؛ و يمكن أن يجاب عن هذا الاشكال بانّ المذكور في الآية الكريمة الاجتناب عن المنهيات و الواجبات ما نهي عنه بل امر به فالاشكال غير وارد.

الثالث: انّ الصّغيرة امّا يؤتى بها مع العمد و بلا عذر و امّا يؤتى بها عن غير عمد و عن عذر مقبول عرفي فان كان من قبيل الاوّل فهو مضرّ و الّا لا يضرّ.

و يرد عليه: انّه إن كان العذر عذرا شرعيّا يكون رافعا للعصيان حتّى في أعظم الكبائر و إن لم يكن شرعيّا فلا يؤثّر حتّى في أصغر الصغائر و المسامحات العرفية لا يعبأ بها و الّا يلزم أن يتسامح في التحديدات الشرعيّة كالكرّ و المسافة فيما‌

101

و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما أو ظنّا (1).

____________

يتسامح فيه العرف و السرّ فيه: انّ الظهورات حجّة و العرف محكّم في تعيينها فلو علم الموضوع بحسب الظهور فلا بدّ من احرازه و لا معنى للمسامحة فانّ العرف يعترف انّ المطلوب الشرعي ذلك الأمر الخاصّ و مع اعترافه بذلك كيف يكون التسامح مؤثّرا و لذا لا يتسامحون في التحديدات مع الموالي العرفيّة؛ فانقدح بما ذكرنا انّ الحقّ انّ ارتكاب الصغيرة لا يضرّ بالعدالة بمقتضى حديث ابن أبي يعفور.

و على تقدير تسليم ما عليه القوم فلا وجه للتفصيل بين الاصرار و عدمه.

انّما الكلام في اشتراطها بمراعات المروّة فانّه ربما يقال: بانّ الاتيان بما ينافي المروّة يوجب سلب العدالة؛ و الحقّ انّ هذا الأمر و إن كان ممكن ثبوتا فانّه لا مانع من جعل الشارع قيدا في موضوع الحكم لكن لا دليل عليه في مقام الاثبات؛ و ملخّص الكلام: انّ خلاف المروّة أن وصل الى حدّ يكون مخالفا للشرع يكون موجبا لسلب العدالة و الّا فلا.

و ربما يتمسّك بما في رواية ابن أبي يعفور من قوله (عليه السّلام) «و الدّلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» و فيه: اوّلا: انّ الظاهر من هذه الكلمة انّ الستر معرّف و كاشف في مقام الاثبات لا انّه دخيل ثبوتا و ثانيا: انّ الظاهر منه انّ العيب اريد منه الشرعي منه لا المطلق.

و ربما يقال: بانّ من لا يبالي من الناس يكون غير مبال عن اللّه؛ و هذا فاسد من أصله فانّ المناط مختلف.

(1) و امّا المقام الثاني: فيقع فيما تعرف به العدالة فهل يكون حسن الظاهر كاشفا عن العدالة أم لا؟ الّذي يستفاد من جملة من الروايات الواردة في باب (41 من أبواب الشهادات) انّ حسن الظاهر كاشف عن العدالة؛ لكن الذي يستفاد من‌

102

..........

____________

هذه الروايات انّه يكفي في الشاهد حسن الظاهر و لا يستفاد منها انّ العدالة تنكشف بحسن الظاهر.

إن قلت: لا اشكال في اعتبار العدالة في الشاهد.

قلت: هب انّ الأمر كذلك لكن يمكن أن الشارع الأقدس لمصلحة اكتفى في مقام كشف العدالة بأمر و حيث انّ الحجيّة تحتاج الى الدليل لا يمكننا التعدّي؛ و إن شئت قلت: المستفاد من هذه الروايات انفاذ الشهادة بحكم الشارع في مورد خاص و امّا جواز الصلاة خلف الشخص بهذا المقدار فيحتاج الى دليل مفقود فتحصّل انّ حسن الظاهر بما هو لا أثر له الّا أن يكون مفيدا للعلم أو الظنّ الاطميناني المعبّر عنه بالعلم العادي و الّا مجرّد الظنّ فلا يغني من الحقّ شيئا و لا يبعد أن يكون كلام الماتن ناظرا الى ما ذكرنا و الّا يتوجّه عليه الاشكال.

نعم المستفاد من حديثي ابن أبي يعفور (1) و سماعة: انّ الشخص اذا كان معاشرا و عرف منه انّه لا يرتكب المعصية انّه يحكم بعدالته؛ لاحظ ما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال: من عامل الناس فلم يظلمهم؛ و حدّثهم فلم يكذبهم؛ و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته؛ و كملت مروته و ظهر عدله؛ و وجبت اخوته (2).

و ممّا ذكرنا ظهر ما في كلام الاستاد من الاكتفاء بحسن الظاهر و عدم الحاجة الى المعاشرة إذ نتيجة ما قلناه انّ المعاشرة مقومة لكشف العدالة؟ فلاحظ؛ نعم حسن الظاهر إذا كان مفيدا للعلم أو الاطمينان يكون مؤثرا و يترتّب عليه الأثر.

____________

(1) لاحظ ص 97.

(2) الوسائل: الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2.

103

و تثبت بشهادة العدلين (1)، و بالشّياع المفيد للعلم (2).

____________

(1) لا اشكال في حجيّة شهادة العدلين فانّها حجّة عند العقلاء و قد امضاها الشارع و قد مرّ بعض الكلام في بعض الأبحاث المتقدّمة بل قلنا بانه يكفي شهادة العدل الواحد بل يكفي شهادة الثقة الواحد الّا أن يتصرّف الشارع كما تصرّف في بعض الموارد.

و ما يمكن أن يقال: بانّ العدالة أمر باطني غير حسّي و لا يمكن اقامة الشهادة عليه؛ مدفوع بانّ الأمر غير الحسّي إذا كان قريبا من الحسّ من جهة آثاره يكون قابلا للشهادة و الّا ينسدّ باب الشهادة على الصفات النفسانيّة كالاجتهاد مثلا و هو كما ترى؛ مضافا الى انّه يمكن اقامة الشهادة على حسن ظاهره عند من يعاشره.

و أفاد الاستاد في المقام بانّه لا شبهة في انّه لا فرق في الشهادة بين الشهادة القوليّة و الفعليّة؛ فلو رأينا انّ عدلين اقتديا بامام جماعة يجوز لنا الاقتداء به أيضا لإقامة الحجّة؛ و يرد عليه: انّه يشترط في الشهادة أن تكون حسيّة و من الظاهر انّ اقتدائهما لا دلالة فيه بانّهما استكشفا عدالة الامام عن حسن و الحال انّه يحتمل أن يكون عن حدس فلا يتمّ الأمر.

(2) العلم حجّة ذاتيّة كما انّ الاطمينان حجّة عقلائيّة امضاها الشارع ففي كلّ مورد حصل العلم أو الاطمينان يكون حجّة بلا فرق بين الموارد و بين الاسباب؛ غاية الأمر الثبوت في الأوّل ذاتي و في الثاني جعلي؛ فلاحظ.

104

[إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول]

(مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول الى غيره (1).

[إذا قلّد من لم يكن جامعا و مضى عليه برهة من الزّمان كان كمن لم يقلّد أصلا]

(مسألة 25): إذا قلّد من لم يكن جامعا و مضى عليه برهة من الزّمان كان كمن لم يقلّد أصلا فحاله حال الجاهل القاصر أو المقصّر (2).

[إذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميّت فمات و قلّد من يجوّز البقاء له أن يبقى على تقليد الأوّل في جميع المسائل الّا مسئلة حرمة البقاء]

(مسألة 26): إذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميّت فمات و قلّد من يجوّز البقاء له أن يبقى على تقليد الأوّل في جميع المسائل الّا مسئلة حرمة البقاء (3).

____________

(1) قد مرّ البحث عن هذه الجهة و قد ذكرنا انّ اشتراط البقاء لا دليل عليه؛ فلا نعيد.

نعم الاحتياط طريق النجاة.

(2) فانّه لو لم يكن واجدا للشرط يكون كالعدم طبعا غاية الأمر يفرق بين القاصر و المقصّر في العقاب؛ و أمّا من ناحية الاجزاء فقد مرّ بانّ الأصل الأوّلي عدم الاجزاء الّا أن يثبت من الخارج ما يقتضيه كقاعدة لا تعاد و على كلّ حال قد مرّ التفصيل و لا وجه للإعادة.

(3) فانّه لا يمكن الجمع في البقاء بين الفرعين إذ البقاء على مسألة حرمة البقاء يستلزم عدم البقاء في بقيّة المسائل كما انّ البقاء في بقيّة المسائل يستلزم عدم البقاء في مسألة حرمة البقاء فلا بدّ من اختيار أحد الأمرين و حيث انّ البقاء في مسألة حرمة البقاء غير جائز قطعا يتعيّن الآخر.

بيان ذلك: انّ الحجيّة تتوقّف على احتمال المصادفة مع الواقع و البقاء على التقليد امّا جائز و امّا حرام؛ امّا على الأوّل فالقول بالحرمة مخالف للواقع و امّا على‌