تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
54

..........

____________

و الحاصل أن التذكية إما اعتبار لنفس قطع الأوداج مع شروط، أو أمر بسيط مترتب على قطعها بشروط. و لو فرض احتمال خصوصية خارجية غير ما ذكر في اعتبار التذكية أو احتمل اعتبار تلك الخصوصية في ترتب التذكية على فري أوداج الحيوان كان مقتضى الاستصحاب عدم حصول التذكية بذبح الحيوان المشكوك، و استصحاب عدم جعل الحرمة لأكله بعد فري أوداجه أو الرجوع إلى أصالة الحلية لا يثبت وقوع التذكية عليه؛ لأن إثبات الموضوع بالأصل في حكمه من الأصل المثبت و بعد إحراز عدم وقوع التذكية على الحيوان المزبور لا يجوز لبس جلده و حمل سائر أعضائه في الصلاة بل لا يجوز أكل لحمه و شحمه؛ لأن الموضوع لجواز الأكل من الحيوان الميت هو المذكى كما هو ظاهر قوله سبحانه «إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ» (1) و لكن كما أُشير لا تصل النوبة إلى الاستصحاب؛ لما دل على وقوع الذكاة لغير المأكول في الجملة، و لجميع السباع، الأول: في موثقة ابن بكير (2) و غيرها، و الثاني: في موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و أما الميتة فلا» (3) و لكن استفادة ذكاة مثل الفأرة مما ليس لها جلود مما تقدم مشكل جداً.

لا يقال: قوله سبحانه «إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ» (4) يحمل على التذكية العرفية، و إن الحيوان المذكى عرفاً محكوم بحلية أكل لحمه، و بتعبير آخر التمسك بإطلاق ما ذكيتم نظير‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 3.

(2) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 3: 489، الباب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) سورة المائدة: الآية 3.

55

..........

____________

التمسك بإطلاق حل البيع.

فإنه يقال: المراد بما ذكيتم ما تكون ذكاته ممضاة نظير قوله: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» حيث إن الموضوع للخيار البيع الممضي فما وقع عليه التذكية الممضاة هو الخارج عن عموم التحريم بقرينة درج ما ذبح لغير اللّٰه في المستثنى منه مع أنها مذكاة عرفاً.

لا يقال: لو كانت التذكية عنواناً لنفس فري الأوداج مع خصوصية خارجية في الحيوان فلا مجال لاستصحاب عدمها، فإن الشك في قابلية الحيوان على الفرض، و القابلية‌

أي الخصوصية من لوازم الماهية للحيوان المشكوك غير مسبوقة و لو بالعدم الأزلي.

فإنه يقال: ما هو دخيل في التذكية الخصوصية بالحمل الشائع لا لها بالحمل الأولي، و المستصحب عدم ما بالحمل الشائع، و قد مر سابقاً أن المستصحب في أمثال هذه الموارد ما بالحمل الشائع فإنه الموضوع للحكم لا الطبيعة بالحمل الأولي، ليقال إن العدم في الطبيعة بالإضافة إلى ذاتها و لوازمها لا تحرز بالاستصحاب.

و قد تحصل من جميع ما ذكرنا أنه على تقدير إثبات كون الحيوان مما يقع عليه التذكية بما تقدم يرجع في إثبات جواز أكل لحمه و شحمه بعموم قوله سبحانه: «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ» (1) الآية و مع الغمض عنها يرجع إلى أصالة الحلية في أكل لحمه و شحمه، و هذا كله بالإضافة إلى الشبهة الحكمية.

و أما الشبهة الموضوعية كالحيوان المردد بين الغنم و الخنزير فمقتضى‌

____________

(1) سورة الأنعام: الآية 145.

56

..........

____________

الاستصحاب و إن كان عدم حصول التذكية فيه و لو مع إحراز فري أوداجه مع الشروط المقررة لقربها، و يترتب عليه عدم جواز أكل لحمه و شحمه و عدم جواز الصلاة في أجزائه؛ لأن الموضوع لجوازهما المذكى، و لكن لا تصل النوبة إلى استصحاب عدم التذكية، و ذلك فإنّ استصحاب عدم كون الحيوان المزبور خنزيراً و إحراز فري أوداجه مع شروطه يحرز كونه مذكى و يحكم بحلية أكله أيضاً تمسكاً بالآية بعد إحراز كونه مذكى، و لا أقل من أصالة الحلية، و إنما يجري استصحاب عدم التذكية فيما إذا شك في حصول فري الأوداج بشرائطه مما جعل فيه سوق المسلمين و يد المسلم أمارة على التذكية.

و لو لم يحرز وقوع التذكية أي فري الأوداج بشرائطها ما في الشبهة الموضوعية بالأمارة و في الشبهة الحكمية بما تقدم، و وصلت النوبة إلى الأصل العملي، فقد يقال باستصحاب عدم التذكية، و مقتضاه عدم جواز أكل اللحم و الشحم و عدم جواز الصلاة فيه و نجاسته، حيث إن الموضوع للحل و عدم المانعية و الطهارة كون اللحم أو الشحم أو الجلد من الحيوان المذكى، فإن الحرمة في الآية و بعض الروايات و كذا النجاسة و إن ترتبا على عنوان الميتة، إلّا أن المراد بالميتة هو الحيوان الميت بلا تذكية في مقابل المذكى و هو الحيوان الميت بالتذكية، أي فري أوداجه مع الشرائط حال حياته، و يلحق بها نحر الإبل و صيد الحيوان بالسلاح، و على ما ذكر فكون الحيوان ميتاً محرز، و الأصل أنه لم يقع عليه التذكية فيثبت بضم الوجدان إلى الأصل عنوان الميتة و عن بعض أنه غير المذكى واقعاً و إن يلازم كون الحيوان ميتة مع إحراز الموت، إلّا أن الميتة هو موت الحيوان باستناد موته إلى غير التذكية، كما أن المذكى هو موت الحيوان باستناد موته إلى التذكية و استصحاب عدم التذكية في حيوان ميت لا يثبت استناد موته إلى غير التذكية،

57

و كذا إذا لم يعلم أن له دماً سائلًا أم لا، كما أنه إذا شك في شي‌ء أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه، أو شك في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجساً أو من الفلاني حتى يكون طاهراً، كما إذا رأى شيئاً لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته (1).

____________

و عليه فيحكم في الحيوان المشكوك وقوع التذكية عليه بعدم جواز الأكل و عدم جواز الصلاة في أجزائه و أعضائه إلّا أنه يحكم بطهارته لأصالة عدم كونها ميتة، و لا أقل من أصالة الطهارة.

و دعوى أن غير المذكى محكوم بالنجاسة كالميتة للإجماع لا تخلو عن المجازفة، و شمول الميتة لغير المذكى واقعاً لاستناد الموت إلى غير التذكية، لا لأن الميتة هو غير المذكى من الحيوان الميت لو لم يكن محرزاً فلا أقل من أنه محتمل، و عليه فلا يمكن إحرازها بضم الوجدان إلى الأصل فيرجع إلى أصالة الطهارة مع الحكم بعدم جواز الصلاة فيه و عدم جواز أكل المشكوك كما لا يخفى.

في الحيوان المردد بين كونه مما له نفس سائلة أم لا‌

(1) ذكر (قدس سره) أنه يحكم بطهارة البول و الخرء فيما إذا تردد أنهما مما ليس له دم سائل ليكونان طاهرين أم من ذي الدم السائل ليكونا نجسين و الرجوع إلى أصالة الطهارة ظاهر لو قيل بعدم الإطلاق و العموم في نجاسة البول أو الخرء، و بناءً على الإطلاق فيهما فيقال إن مقتضى استصحاب عدم الدم السائل للحيوان فيدرج فيما ليس له دم، و الخرء أو البول مما ليس له دم سائل محكوم بالطهارة، و هذا من اندراج المشكوك في المستثنى، و إنما يندرج المشكوك في الباقي من العام أو المطلق لو كان الاستثناء بعنوان وجودي لا بعنوان عدمي كما في المقام. و فيه أن استصحاب عدم كون الحيوان ذي دم سائل لا يثبت أن البول من غير ذي الدم السائل، و الصحيح في الجواب‌

58

..........

____________

عدم الإطلاق و العموم خصوصاً بالإضافة إلى الخرء، و بهذا يظهر الحال فيما إذا ترددت الفضلة بين كونها من حلال اللحم أو من غيره، و فيما إذا رأى شيئاً لا يدري أنه فضلة فأر أو خنفساء، فإن استصحاب عدم كونه فضلة فأر و لا أقل من أصالة الطهارة محكم فيه.

و عن السيد الحكيم (قدس سره) التفرقة بين ما إذا علم انتساب البول أو الخرء إلى معين خارجي و شك في أن له نفساً سائلة أم لا، ففي مثله يمكن إجراء استصحاب الحرمة أو أصالة الحل في نفس الحيوان، بخلاف ما إذا لم يعلم أنه بول غنم أو ذئب أو بعرة فأر أو خنفساء فإنه لا يجري في الفرض استصحاب الحرمة أو أصالة الحلية في نفس الحيوان؛ لأنه من الفرد المردد بين معلوم الحل و معلوم الحرمة، و المردد ليس مجرى الأُصول.

أقول: ليس مراده (قدس سره) من المردّد المعين وجوداً و المردّد عنواناً كما إذا لم يعلم أن هذا الحيوان الخارجي خنزير أو غنم لظلمة أو غيرها، فإنه قد ذكر (قدس سره) في المسألة الرابعة و الثالثة من مسائل تردّد الحيوان بين مأكول اللحم و غيره، من كلامه بالشبهة الموضوعية الرجوع فيهما إلى استصحاب الحرمة أو استصحاب عدم التذكية، بل مراده في المقام عدم تعيين الحيوان خارجاً، كما إذا رأى غنماً و خنزيراً و شك في أن البول الذي أصابه كان من الغنم أو من الخنزير، و في مثل ذلك البول الذي أصابه لتعيّنه مجرى أصالة الطهارة، و أما الحيوان فليس بمجرى الأصل؛ لأن الحيوان المعين الخارجي لا شك فيه، فإن أحدهما المعين الخارجي مأكول اللحم، و الآخر المعين غير مأكول اللحم، و المردد بينهما لعدم وجوده ليس مجرى الأصل.

أقول: يمكن تعيين ما أصاب بوله بهذا العنوان و عدم جريان الأصل فيه لعدم الأثر له.

59

[لا يحكم بنجاسة فضلة الحية]

(مسألة 4) لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم بأن دمها سائل (1)، نعم حكى عن بعض السادة أن دمها سائل و يمكن اختلاف الحيَّات في ذلك، و كذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح للشك المذكور، و إن حكي عن الشهيد أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلّا التمساح، لكنه غير معلوم و الكلية المذكورة أيضاً غير معلومة.

____________

(1) صرح في المعتبر في أحكام البئر أن الحية لها نفس سائلة و ميتتها نجسة (1)، و قد ينسب ذلك إلى المعروف بين الأصحاب (2)، و عن الخلاف الإجماع على نجاسة مقتولها، و في المدارك أن المتأخرين استبعدوا (3).

أقول: قد ظهر الحكم بطهارة البول و الخرء مما ذكر من الحيوانات، فإنه بناءً على العموم في أدلة نجاسة البول و الخرء من كل حيوان، فقد خرج عنه الحيوان الذي ليس له نفس، و استصحاب عدم النفس السائلة يدخل الحيوان المشكوك فيما ليس له نفس سائلة فيحكم بطهارة بوله و خرئه، و ذكرنا أن الصحيح في الجواب عدم الإطلاق في أدلة نجاسة البول فيحكم بطهارة الحيوان المشكوك لأصالة الطهارة، و إلّا فاستصحاب عدم النفس للحيوان لا يثبت أن بوله بول ما ليس له دم.

____________

(1) المعتبر 1: 75.

(2) مصابيح الظلام (كتاب الطهارة) 1: 528، السطر 10، في نزح البئر.

(3) المدارك 1: 93.

60

[المني من كل حيوان له دم سائل]

الثالث: المني من كل حيوان (1) له دم سائل حراماً كان أو حلالًا برّياً أو بحرياً.

____________

المني‌

(1) ينبغي الكلام في مقامات:

الأول: في مني الإنسان ذكراً كان أم أُنثى.

الثاني: في مني ذي الدم السائل من الحيوان سواءً كان مأكول اللحم أم لا.

الثالث: في مني غير ذي الدم السائل.

مني الانسان‌

أما مني الإنسان فلم يعرف الخلاف في كونه من النجاسات، بل دعوى الإجماع عليه متكررة في كلمات الأصحاب (1)، و يشهد لذلك الروايات الكثيرة المتفرقة في الأبواب المختلفة من الوسائل:

منها موثقة أبي بصير عنهم (عليهم السلام) قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلّا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة» (2).

و في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني» (3).

و في موثقته الأُخرى «و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني، و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله» (4).

____________

(1) كما عن التذكرة 1: 53، و ظاهر المنتهى 3: 179، و المدارك 2: 265.

(2) وسائل الشيعة 1: 152، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 153، الحديث 9.

(4) المصدر السابق: 154، الحديث 10.

61

..........

____________

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال في المني يصيب الثوب: «فإن عرفت مكانه فاغسله، و إن خفي عليك فاغسله كلّه» (1) و قريب منها غيرها، و ظاهر الأمر بغسل موضع إصابة المني تنجس ذلك الموضع.

و في صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر المني و شدده و جعله أشد من البول ثمّ قال: «إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صليت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك و كذلك البول» (2) و جعل المني أشد من البول إما راجع إلى شدة تطهير الشي‌ء منه و صعوبته؛ لأن ثخانته و لزوجته يقتضي التشديد في غسله، بخلاف البول، و إما راجع إلى التشديد في نجاسة المني بالمعنى الآتي إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة أو المصرحة بقذارة المني.

و في مقابلها روايات ربّما توهم عدم نجاسته:

منها موثقة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يكون فيه الجنابة و تصيبني السماء حتى يبتل عليّ فقال: لا بأس به» (3).

و في صحيحة زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أ يتجفف فيه من غسله؟ فقال: «نعم لا بأس به إلّا أن تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس» (4) فإن ظاهر نفي البأس عن تجفيف رطوبة البدن بالثوب الذي أصابه المني لا يتم إلّا بالحكم بطهارة ذلك الثوب.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 424، الباب 16، الحديث 2.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 67، باب ما ينجس الثوب و الجسد، الحديث 153.

(4) وسائل الشيعة 3: 446، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

62

..........

____________

و في رواية حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يجنب الثوب الرجل و لا يجنب الرجل الثوب» (1) و لكن شي‌ء من ذلك لا يمكن الاعتماد عليه.

أما رواية حمزة بن حمران فلضعف سندها بحمزة، حيث إنه لم يوثق، و راوية صفوان و نحوه من أصحاب الإجماع عنه لا تدل على وثاقته مع أنه لم يفرض فيها أن يصيب الثوب مني الرجل، و غاية مدلولها أن لبس الجنب الثوب لا يوجب تنجس ذلك الثوب سواء أصاب قذر المني ذلك الثوب أم لا، فيرفع اليد عن إطلاقها بالروايات المتقدمة الدالة على أن إصابة المني الثوب يوجب تنجسه.

و أما رواية جواز التجفيف بالثوب الذي أصابه المني فلا يمكن الالتزام بمدلولها، فإنه لو كان المني طاهراً فلا بأس بالتجفّف فيه سواءً كان المني رطباً أو يابساً، و إن كان نجساً فلا يجوز التجفف سواء كان المني رطباً أو يابساً، فالتفصيل الوارد في الرواية لا يمكن الأخذ به على كلا التقديرين، فلا بد من حملها على أن مع جفاف المني قد لا يحرز إصابة موضع القذر من الثوب و البدن، بخلاف ما إذا كان رطباً.

و أما رواية أبي أُسامة فإن أمكن حملها على صورة إصابة المطر بحيث يطهر الثوب المتنجس بها فهو، و إلّا فلا بد من حملها أو حمل ما تقدم عليها أيضاً على التقية، فإن طهارة المني مذهب جماعة من العامة (2)، بل لا يدخل شي‌ء فيها في الاعتبار مع الغمض عن ذلك أيضاً، فإن الروايات الدالة على نجاسة المني لكثرتها بحيث يقطع بصدور بعضها و لو إجمالًا، فتدخل في السنة، و الخبر المخالف للسنة غير معتبر، أضف إلى ذلك أن نجاسة المني من الإنسان من الضروريات في المذهب.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 445- 446، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(2) فتح العزيز 1: 188، المجموع 2: 553، بداية المجتهد 1: 70، المحلى 1: 126.

63

..........

____________

و أما ما في صحيحة الحلبي من قوله (عليه السلام): «و إن استيقن أنه قد أصابه مني و لم ير مكانه فليغسل ثوبه كلّه فإنه أحسن» (1) فإن التعبير بالأحسن لا دلالة له على طهارة المني بوجه، بل التعبير المزبور باعتبار أن اللازم غسل الناحية التي يثق بأن المني أصاب بموضع من تلك الناحية كما هو الوارد في صحيحة زرارة (2) التي يتمسك بها لاعتبار الاستصحاب.

مني الحيوانات‌

المقام الثاني: مني الحيوان من ذي الدم السائل سواء كان مأكول اللحم أو غيره.

فقد ذكر في كلمات الأصحاب عدم الخلاف في نجاسته، و يقال إن العمدة في مدرك الحكم هو الإجماع، و أما الروايات ففي استظهار نجاسة مني غير الإنسان منها مشكل حيث إن السؤال فيها عن المني يصيب الثوب، أو ما ذكر فيها من الأمر بغسل الثوب من إصابة المني أو ما ورد في تنجس الماء بإدخال اليد التي فيها الجنابة أو المني كلها تنصرف إلى مني الإنسان و إصابة مني الحيوان للثوب أو اليد أمر نادر، لو لم نقل بأنه لا يقع كما يظهر ملاحظة حال خروج المني من الحيوان.

نعم، يستدل على نجاسة مني غير الإنسان من ذي الدم من الحيوان بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر المني و شدّده و جعله أشدّ من البول (3)، حيث إن المراد بكونه أشدّ من البول أيّما كان فمقتضاه أن كل مورد يحكم بنجاسة البول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 424، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 466، الباب 37، الحديث الأوّل.

(3) المصدر السابق: 424، الباب 16، الحديث 2.

64

..........

____________

فالمني فيه أشدّ منه و لو كانت الأشدّية من حيث التطهير بأن يكتفى في تطهير البول بصب الماء؛ لأنه لا عين لزجة له، بخلاف المني فإنه لثخونته و لزوجته يحتاج إلى إزالة العين، و ما في ذيل الصحيحة من قوله (عليه السلام): «إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة ...» (1) الخ. و إن يختص بمني الإنسان؛ لما تقدم من إصابة المني الثوب، مقتضاه كون المراد بالمني مني الإنسان إلّا أن هذا الذيل حكم مستقل غير متفرع على ما ذكر في الصدر، فلا ينافي اختصاصه إطلاق الصدر.

نعم، لما كان المراد من أشدية المني عن البول سعة نجاسة المني بحيث إن المني من ذي النفس المأكول لحمه أيضاً من النجاسات مع طهارة البول و الروث منه غير بعيد، و يقرب ذلك عدم الخلاف في نجاسة المني كذلك، و إن تعرضه (عليه السلام) للأشدية في تطهيره من حيث إزالة عينه فيه نوع خلاف الظهور، حيث إن إزالة العين مقوم لعنوان غسل موضعها فلا يحتاج إلى أزيد من الأمر بغسله، يمكن أن يقال إن الصحيحة بنفسها وافية للحكم بنجاسة مني الإنسان و غيره من الحيوان، و قد يقال إنها على هذا التقدير أيضاً لا تصلح أن تكون مدركاً للحكم بنجاسة مني ذي المأكول لحمه، حيث تعارضها موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كل ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (2) فإن إطلاق ما يخرج من مأكول اللحم يعم المني منه.

أضف إلى ذلك موثقة ابن بكير الدالة على أن الصلاة في كل شي‌ء من مأكول اللحم لا بأس بها (3) و لو كان المني منه محكوماً بالنجاسة لكانت الصلاة في منيه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 424، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 414، الباب 11، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 4: 345، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

65

..........

____________

كالصلاة في دمه محكوم بالفساد.

اللهم إلّا أن يقال: إن هذه الموثقة في مقام بيان المانعية من حيث الحيوان غير المأكول لحمه و عدم المانعية من حيث كونه مأكول اللحم، و ليست في مقام المانعية من حيث النجاسة و الطهارة، و كذا لا يكون عن الصلاة في الثوب المتنجس بالدم تقييداً أو تخصيصاً لها، و كيف ما كان فيكفي في عدم صلاح الاعتماد على الصحيحة معارضة موثقة عمار (1) فيرجع إلى أصالة الطهارة، هذا مع الغمض عن الإجماع في المقام، و بما أن الإجماع على نجاسة المني من كل حيوان ذي النفس قائم فلا يمكن الرجوع إلى الأصل.

أقول: الإجماع في المقام مدركي، و لا أقل من احتمال كونه مدركياً، كيف و قد استدل المحقق في المعتبر (2) و العلامة في المنتهى (3) أن الحجة على نجاسة المني من كل حيوان ذي النفس عموم الأخبار و لم يستند إلى الإجماع أصلًا.

و على ذلك فلا مانع عن الرجوع إلى أصالة الطهارة في مني المأكول لحمه، و إنما عدم الرجوع إليها لعدم المقتضي، لأن موثقة عمار (4) لا تصلح للمعارضة مع الصحيحة و ذلك فإن تساقط الإطلاقين في المتعارضين من وجه في مورد اجتماعهما ما إذا كان دلالة كل منهما في ذلك المورد بالتبع، و أما إذا كان رفع اليد عن أحدهما في مورد الاجتماع من رفع اليد عن المدلول التبعي بأن لا تجري أصالة التطابق أو الإطلاق فيه،

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 414، الباب 11 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) المعتبر 1: 415.

(3) المنتهى 3: 179 فما بعد.

(4) المتقدمة آنفاً.

66

و أما المذي و الوذي و الودي فطاهر (1) من كل حيوان إلّا نجس العين و كذا رطوبات الفرج و الدبر ما عدا البول و الغائط

____________

و كان رفع اليد عن الآخر موجباً لإلغاء المدلول المطابقي رأساً فالمتعين رفع اليد عن المدلول التبعي، حيث إن إلغاء مدلول الآخر رأساً غير ممكن و المقام من هذا القبيل؛ لأنه إذا كان ظاهر الأشديّة التوسعة في النجاسة فبالأخذ بموثقة عمار لا بد من إلغاء هذا المدلول رأساً، بخلاف الأخذ بالصحيحة فإنه يوجب رفع اليد عن إطلاق الطهارة بالإضافة إلى بعض الخارج من حيوان المأكول يعني منيّة، و عليه فلا يبعد الأخذ بمقتضى الصحيحة و رفع اليد عن إطلاق الموثقة بالحكم بنجاسة مني ذي النفس سواء كان مأكول اللحم أو غيره، نعم الأمر بالإضافة إلى مني غير ذي النفس كما ذكر من الحكم بالطهارة أخذاً بما دل على أن عدم ذي النفس لا يفسد الماء و لو بتفسخه و إصابة دمه أو بوله أو منيه الماء، و لا دلالة للصحيحة على خلاف ذلك و على تقديره فالمرجع بعد تعارضها أصالة الطهارة.

لا يقال: ما الوجه في ملاحظة موثقة عمار مع صحيحة محمد بن مسلم أولًا، و القول بأن الصحيحة في مقابلها غير قابلة للتقييد بخلاف الموثقة فإنها قابلة له، و لم يلاحظ الصحيحة مع ما دل على عدم فساد الماء بما ليس له نفس كذلك، بل لو لوحظت الصحيحة معه ثانياً، مع أنه يمكن العكس، فيلاحظ الصحيحة معه أولًا، ثمّ تلاحظ مع الموثقة.

فإنه يقال: الوجه في ذلك أنه لا يحتمل تنجس المني من غير ذي النفس و طهارة المني من الحيوان ذي النفس و لو من مأكول اللحم.

المذي و الوذي و الودي‌

(1) المشهور بين الأصحاب أن ما يخرج من القبل و الدبر غير البول و الغائط‌

67

..........

____________

و المني و الدم من المذي و الودي و الوذي و سائر الرطوبات طاهر، بل لم يعرف الخلاف من أصحابنا إلّا عن ابن الجنيد حيث قال: ما كان من المذي ناقضاً طهارة الإنسان غسل منه الثوب و الجسد و لو غسل من جميعه لكان أحوط، و فسر الناقض للطهارة بما كان خارجاً عقيب الشهوة (1)، و ذكر الشيخ (قدس سره) في الفهرست ابن الجنيد و أثنى عليه و قال: إن أصحابنا تركوا خلافه لأنه كان يقول بالقياس (2).

و يشهد لما عليه الأصحاب الروايات الكثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم قال:

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ؟ قال: «لا يقطع صلاته و لا يغسله من فخذه، إنه لم يخرج من مخرج المني إنما هو بمنزلة النخامة» (3).

و صحيحة بريد بن معاوية قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن المذي؟ فقال: «لا ينقض الوضوء، و لا يغسل منه ثوب و لا جسد إنما هو بمنزلة المخاط و البصاق» (4).

و صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو ودي و أنت في الصلاة فلا تغسله، و لا تقطع له الصلاة، و لا تنقض له الوضوء، و إن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة، و كل شي‌ء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل، أو من البواسير، و ليس بشي‌ء، فلا تغسله من ثوبك إلّا أن تقذره» (5) و منها صحيحة زيد الشحام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) المذي ينقض الوضوء؟ قال: «لا، و لا يغسل منه‌

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 463.

(2) الفهرست: 209، الرقم 601.

(3) وسائل الشيعة 1: 277، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

(4) المصدر السابق: 276، الحديث الأول.

(5) المصدر السابق: الحديث 2.

68

..........

____________

الثوب و لا الجسد إنما هو بمنزلة البزاق، و المخاط» (1).

و منها صحيحة عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يبول، ثمّ يستنجي، ثمّ يجد بعد ذلك بللًا، قال: «إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأُنثيين ثلاث مرات، و غمز ما بينهما ثمّ استنجى، فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي» (2) حيث إنه لو كان غير البول من البلل محكوماً بالنجاسة، لم يكن فرق بين قبل الاستبراء و بعده إلى غير ذلك.

و في مقابلها حسنة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب؟ قال: «إن عرفت مكانه فاغسله، و إن خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كلّه» (3) و في حسنته الأُخرى سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب فيلتزق به؟ قال: «يغسله و لا يتوضأ» (4).

و قد حُملت هاتين على استحباب الغسل خصوصاً بملاحظة حسنته الثالثة قال:

سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال: «ينضحه بالماء إن شاء» (5) و ربما تحمل الروايتين له على التقية، فإن نجاسة المذي أو كونه مانعاً عن الصلاة و ناقضاً للوضوء.

أقول: المتعين الحمل على التقية، فإن حمل الأمر على الاستحباب مع ورود الترخيص في الترك يعدُّ جمعاً عرفياً من موارد الحكم التكليفي، و أما في موارد الأمر الإرشادي و منه الإرشاد إلى تنجس الثوب و البدن فنفي البأس و بيان أنه لا يحتاج الثوب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 277- 278، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 5.

(2) المصدر السابق: 282، الباب 13، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 3: 426، الباب 17 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(4) المصدر السابق: 427، الحديث 4.

(5) المصدر السابق: 426، الحديث الأوّل.

69

[الميتة من كل ما له دم سائل]

الرابع: الميتة من كل ما له دم سائل حلالًا كان أو حراماً (1).

____________

و البدن إلى الغسل يعطي عدم تنجسهما، و لو لم يمكن نفي هذا جمعاً عرفياً و لا أقل من عدم إمكان إحراز كونه جمعاً عرفياً.

هذا كله في غير البلل الخارج عن فرج المرأة، و أما بالإضافة إليه فيدل على طهارته صحيحة إبراهيم بن محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة وليها قميصها أو إزارها يصيبها من بلل الفرج و هي جنب، أ تصلّي فيه؟ قال: «إذا اغتسلت صلّت فيهما» (1).

و على الجملة الأصل و إن كان هو الطهارة في الرطوبات الخارجة من القبل و الدبر، إلّا أنه لا تصل النوبة إليه مع العموم و الإطلاق في بعض الروايات المتقدمة، نعم يرجع إليه في الرطوبات الخارجة من الحيوان سواءً كان مأكول اللحم أو غيره، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

الميتة‌

(1) و قد ذكر الإجماع على نجاسة الميتة من الحيوان ذي الدم سواء كان مأكول اللحم أم غيره في كل من الغنية و المعتبر و المنتهى و الذكرى (2) و غيرها، بل على نجاسته إجماع علماء الإسلام كما في المعتبر و المنتهى، و ذكر في المعالم ما حاصله، أن العمدة في وجه الحكم بنجاسة الميتة كما ذكر هو الإجماع، إذ النصوص لا تنهض بإثباته، فإن بعض الروايات المعتبرة اسنادها و إن كان ظاهرها نجاسة الميتة و لكنها حكم خاص لمثل ميتة الفأرة و لا يستفاد منها حكم المطلق، و أن كل حيوان ذي دم لم يقع عليه التذكية أو لم يستند موته إليها من الأعيان النجسة (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 498، الباب 55 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(2) غنية النزوع: 42، و المعتبر 1: 420، و المنتهى 3: 195، و الذكرى 1: 113.

(3) معالم الدين (قسم الفقه): 481.

70

..........

____________

و ذكر في المدارك بعد مثل هذا الكلام أن الاعتماد على الإجماع في المقام مشكل، حيث إن ظاهر الصدوق (قدس سره) أنه كان يقول بطهارة الميتة، حيث ذكر في أول الفقيه أنه لم يقصد فيه قصد المصنفين من إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و اعتقد أنه حجة بيني و بين ربي تقدس ذكره و تعالت قدرته (1)، مع أنه أورد في أوائله الخبر الدال على طهارته مرسلًا عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: «لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، و تتوضأ منه و تشرب، و لكن لا تصلّي فيها» (2) و ظاهرها مانعية الميتة عن الصلاة مع كونها طاهرة.

أقول: ينبغي الكلام في المقام في جهتين:

الأُولى: الروايات التي يستفاد منها نجاسة الميتة من الحيوان ذي النفس سواء كان مأكول اللحم أو غيره.

و الثانية: التعرض لما يورده الصدوق (قدس سره) في الفقيه و منها المرسلة المزبورة.

أما الجهة الأولى، منها موثقة سماعة قال: «سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابة قد أنتنت؟ قال: إذا كان النتن هو الغالب على الماء فلا يتوضأ و لا يشرب» (3) حيث إن ظاهرها تنجس الماء بتغيره، و هذا لا يكون إلّا مع نجاسة الميتة و لا يحتمل الفرق بين ميتة الدابة و غيرها، لو لم يكن المراد منه مطلق الحيوان الذي يدب على الأرض.

____________

(1) المدارك 2: 268- 269.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 79، الحديث 15، وسائل الشيعة 3: 463، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 1: 139، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

71

..........

____________

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟

فقال: «لا تأكل في آنيتهم، إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» (1) فإنه لو لم تكن الميتة كالدم و لحم الخنزير محكومةٌ بالنجاسة لما كان وجهٌ لضمها إليهما، و من الظاهر أن المراد بالميتة ما يقابل المذكى، حيث إن أكل ما مات حتف أنفه لا يقع عادة.

و منها موثقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و أما الميتة فلا» (2) فإنه لو لم يكن فرق بين مذكى السباع و ميتتها بالطهارة و النجاسة لم يكن وجه لاعتبار التذكية.

و على الجملة المنع عن الانتفاع عن الميتة و لو بنحو الكراهة لا يظهر له وجه إلّا طهارة المذكى و نجاسة الميتة، و يقال إنه يدل على نجاسة الميتة، كذلك صحيحة محمد بن مسلم عن البئر يقع فيها الميتة فقال: «إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلواً» (3) و يورد على هذا الاستدلال بأن كون الميتة نجسة يستكشف من كون النزح مطهراً لماء البئر، و إذا سقط هذا المدلول المطابقي للمعارضة بما دل على عدم كون الشي‌ء منجساً لماء البئر؛ لأن له مادة- كما هو المستفاد من صحيحة ابن بزيع الواردة في ماء البئر- فلا يكون النزح مطهراً، بل مستحباً و معه لا كاشف عن نجاسة الميتة نظير ما تقدم من حمل الأمر بغسل الثوب من إصابة المذي على الاستحباب، فلا يكشف عن نجاسة المذي.

و قد يجاب عن ذلك بوجهين:

الأول: أن سقوط الدلالة المطابقية للمتعارضين لا يوجب سقوط المدلول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 211، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 3: 489، الباب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 1: 195، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأوّل.

72

..........

____________

الالتزامي لأحدهما لو كان و لم يكن ذلك المدلول مورد المعارضة، و صحيحة ابن بزيع قد دلت على عدم تنجس ماء البئر لاعتصامه فلا تمنع عن الأخذ بالمدلول الالتزامي لوجوب النزح، و لا يقاس بغسل الثوب من إصابة المذي، فإنه كما أن وجوب غسله يكشف عن نجاسة المذي كذلك يكشف نفي وجوب غسله عن طهارته.

الثاني: أن استحباب النزح لا يثبت مع طهارة الواقع في البئر فاستحبابه بوقوع الميتة كاشف عن نجاسة الميتة.

و فيه أن المقرر أن مع سقوط المدلول المطابقي بالمعارضة يسقط مدلوله الالتزامي عن الحجية، و حيث إن استحباب النزح ثابت في وقوع ميتة الحيوان الطاهر كالوزغة وسام أبرص، فلا يكون استحباب النزح عن وقوع الميتة في البئر استكشاف نجاستها مع أن الالتزام بعدم سقوط الدلالة الالتزامية للمتعارضين لا ينفع في المقام، فإنه مورد سقوط الدلالة المطابقية لكل منهما عن الاعتبار و لا يجري فيما إذا كان أحدهما قرينة على المدلول المطابقي للآخر الذي لا يكون لذلك المدلول المراد المطابقي لازم كما في المقام.

و يمكن أن يستدل على نجاسة الميتة بمثل صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغير الماء، و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب» (1). فإنه يتعين تقييد الجيفة بما إذا كان من الميتة فإن الجائف الطاهر لا يوجب تنجس الماء و عدم جواز الوضوء أو الشرب منه.

و في موثقة سماعة قال: سألته عن السمن تقع فيه الميتة؟ فقال: «إن كان جامداً‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 137، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأوّل.

73

..........

____________

فألق ما حوله و كل الباقي فقلت: الزيت؟ فقال: أسرج به» (1) و نحوها غيرها، و لكن لا يستفاد من مثلها إلّا نجاسة الميتة بمعنى ما مات حتف أنفه.

و كيف كان ففيما ذكرنا من الروايات كفاية في الحكم بنجاسة الميتة بمعنى ما مات بغير التذكية.

و أما المرسلة التي رواها في الفقيه (2) فلضعف سندها بالإرسال لا يمكن الاعتماد عليها، بل و مع تمام سندها أيضاً لا بد من حملها على التقية؛ لأن مذهب العامة على طهارة جلد الميتة بالدباغ المفروض حصوله بجعل الجلد وعاءً للبن و الزيت و نحوهما، أو حملها على الجلد من غير ذي الدم السائل.

و الكلام في الجهة الثانية باختصار أنه لا يمكن إسناد القول بطهارة الميتة إلى الصدوق (رحمه الله) بإيراده المرسل في الفقيه، كيف أنه قد أورد فيه ما دل على طهارة المني و غيره من الموارد التي أورد فيها روايات لم يلتزم (قدس سره) أيضاً بمضمونها، و ما ذكر في أول الكتاب من أنه لم يقصد إلّا إيراد ما يفتي به و يراه حجة بينه و بين من لم يلتزم به في الكتاب و أن مراده الإفتاء به على تقدير عدم المعارض له كيف، و قد ذكر في غير باب الروايات المتعارضة و لا يمكن الإفتاء بالمتعارضين جميعاً، و لعله (قدس سره) رأى الروايات التي أوردها في الكتاب من خبر العادل؛ لأن الأصل في الراوي و غيره العدالة، و هذا أيضاً غير كاف؛ لأن بعض الروايات رواها من غير الإمامية الاثني عشرية بل مطلقاً، و كيف ما كان فهو أعلم بما قال.

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 195، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 5.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 79، الحديث 15.

74

..........

____________

هذا كله بالإضافة إلى ميتة ما له دم سواء كان محلل الأكل أو محرمه، و أما بالإضافة إلى ميتة ما ليس له دم سائل فيدل على طهارته:

موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: «كل ما ليس له دم فلا بأس به» (1) و دلالتها على الطهارة ظاهرة.

و في رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) «لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (2) و يقال دلالتها على طهارة ميتة ما لا نفس سائلة له، و على نجاسة ميتة ما له نفس سائلة و إن كانت ظاهرة إلّا أن في سندها أحمد بن محمد عن أبيه عن أحمد بن إدريس، و المراد بأحمد بن محمد هو ابن محمد بن يحيى العطار و لم يثبت له توثيق، و لهذا تكون صالحة لتأييد الحكم و لكن للشيخ (قدس سره) لجميع كتب محمد بن أحمد بن يحيى و رواياته و منها هذه الرواية طريق آخر على ما في الفهرست، و عليه فلا بأس بالاعتماد عليها، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

بقي الكلام في ميت الإنسان فقد ذكروا أنه قبل تمام غسله كميتة ذي النفس من الحيوان نجس، و قد ذكر الإجماع عليها في كلام غير واحد من الأصحاب و لم يفرقوا بينه و بين ميتة الحيوان (3)، و يستدل على ذلك بروايات:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و سألته عن الرجل يصيب ثوبه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث الأوّل.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) مرّ تخريجه ذيل الحديث عن الميتة في الصفحة 67.

75

..........

____________

جسد الميت؟ فقال: «يغسل ما أصاب الثوب» (1) و رواية إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: إن كان غسل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه- يعني إذا برد الميت-» (2).

و موثقة عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ذبح طيراً فوقع بدمه في البئر، فقال: «ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكياً فهو هكذا، و ما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلواً، و أقله العصفور ينزح منها دلو واحد» (3).

و استدل في الحدائق بصحيحة الصفار قال: كتبت إليه: رجل أصاب يديه أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟

فوقّع (عليه السلام): «إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل» (4) و لا يخفى ما في الاستدلال بالمكاتبة فإن ظاهرها وجوب غسل مسّ الميت بمس جسده، و أما نجاسة اليد أو الثوب الملاقي لجسده فلا دلالة لها عليها، و كذا في الاستدلال بما دل على نزح سبعين دلواً لموت الإنسان فإنّه قد تقدم أن استحباب النزح لا يكشف عن نجاسة ما يقع في البئر.

نعم قد يقال بظهور صحيحة الحلبي و رواية إبراهيم بن ميمون في نجاسة الميت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 300، الباب 6 من أبواب غسل المس، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: 461، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 1: 194، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(4) الحدائق 5: 65، و الحديث في وسائل الشيعة 3: 290، الباب 1 من أبواب غسل المس، الحديث 5.

76

..........

____________

الآدمي، حيث إن الأمر بغسل الثوب من إصابته لجسد الميت ظاهره تنجس الثوب.

لا يقال: لم يفرض فيهما الرطوبة المسرية في جسد الميت أو الثوب، و لعل الأمر بالغسل لاستحبابه، أو ما إذا كان للميت قذارة تصيب الثوب الملاقي لها.

فإنه يقال: الارتكاز العرفي هو فرض الرطوبة، حيث إن تنجس الطاهر بالملاقاة يابساً خلاف الارتكاز و يقتضيه أيضاً مثل موثقة عبد اللّه بن بكير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: «كل شي‌ء يابس ذكيّ» (1).

و على الجملة حمل الروايتين على صورة الرطوبة المسرية نظير حمل صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل؟

قال: «يغسل المكان الذي أصابه» (2).

و في صحيحته الأُخرى سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي فقال: «إذا مسسته فاغسل يدك» (3) إلى غير ذلك.

و على الجملة ظهور مثل الأمر بغسل الثوب في الإرشاد إلى نجاسته مقتضاه فرض الرطوبة و حمله على التنجس و لو بلا رطوبة أو على الاستحباب أو فرض القذارة العرضية للميت خلاف الظاهر بملاحظة النظائر التي أُشير إليها.

و مما ذكر يظهر ضعف ما عن المحدث الكاشاني من عدم نجاسة الميت الآدمي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 3: 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 416، الحديث 9.

77

و كذا أجزاؤها المبانة منها و إن كانت صغاراً (1)

____________

و حمل الروايتين على إصابة الرطوبات القذرة من الميت إلى الثوب بدعوى أنه لو كان الميت الآدمي من نجس العين؛ لما كان يطهر بالغسل، و فيه أنه اجتهاد في مقابل النص و حمل الروايتين على خلاف ظاهرهما كما ذكر.

و أما التوقيع المروي في الاحتجاج الظاهر في أن من مسّ الميت بحرارته عليه غسل يده (1) فلعدم تمامية السند، و عدم العامل به لا يمكن الاعتماد عليه.

الأجزاء المبانة من الميتة‌

(1) لا خلاف بين الأصحاب في أن الأجزاء المبانة من الميتة نجسة، و في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب و نقل عن المنتهى الاحتجاج على نجاستها بأن المقتضي لنجاسة الجملة و هو الموت يقتضي نجاسة أجزائها، و أورد عليه بأن ما يستفاد من الأخبار نجاسة جسد الميت و هذا لا يصدق على الأجزاء قطعاً (2).

نعم، يمكن استصحاب نجاسة المبان من الميت.

أقول: يشهد لذلك جميع ما تقدم من الروايات الدالة على نجاسة الميتة حيث لا يحتمل أن تكون نجاستها ما دام أعضاؤها على الاتصال، بل مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الوارد فيها المنع عن الأكل في آنية أهل الكتاب (3)، دلالتها على نجاسة أجزائها بعد انفصالها واضحة، حيث لا يكون في الآنية الميتة لجميع أجزائها مع أن اتصال الأجزاء و عدمها من الحالات، فبناءً على اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا مجال للمناقشة فيه من جهة بقاء الموضوع.

____________

(1) الاحتجاج (للطبرسي) 2: 302.

(2) المدارك 2: 271- 272. و انظر المنتهى 3: 202.

(3) وسائل الشيعة 24: 211، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.

78

عدا ما لا تحله الحياة منها (1) كالصوف و الشعر و الوبر و العظم و القرن و المنقار و الظفر و المخلب و الريش و الظلف و السن و البيضة إذا اكتست القشر الأعلى سواءً كانت من الحيوان الحلال أو الحرام

____________

و الحاصل لا حاجة في المقام إلى الاستصحاب، بل ما دل على نجاسة الميتة وافية بنجاستها و لو بتفرق أجزائها بالتفريق أو بغيره، و يؤيده ما في بعض الروايات من طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة بأنه لا روح لها و لو كانت نجاسة الميتة ما دام اتصال أجزائها، لكان تعليل طهارتها بتفرق الميتة أنسب حيث إنه لو كان لها روح لكانت طاهرة لحصول التفرق.

ما لا تحله الحياة من الميتة‌

(1) بلا خلاف معروف أو منقول، و الروايات الدالة على نجاسة الميتة مقتضاها نجاسة هذه أيضاً، كما أن ما دلّ على نجاسة الكلب و الخنزير مقتضاه نجاسة أجزائهما تحلهما الحياة أم لا، إلّا أنه يرفع اليد عن الإطلاق المزبور و تقييده بأجزائها التي تحلّها الحياة بقرينة الروايات المعتبرة سنداً و دلالة، كصحيحة حريز قال: قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة و محمد بن مسلم «اللبن و اللباء و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكي، و إن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله، و صلِّ فيه» (1).

و في رواية صفوان عن الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الشعر و الصوف و الريش و كل نابت لا يكون ميتاً، و قال: سألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة؟ فقال: يأكلها» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 180، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 3: 514، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

79

..........

____________

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة إن الصوف ليس فيه روح» (1).

و في موثقة ابن بكير عن الحسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبي يسأله عن اللبن من الميتة و البيضة من الميتة و إنفحة الميتة؟ فقال: كل هذا ذكي» قال:

و زاد فيه علي بن عقبة و علي بن الحسن بن رباط قال: «و الشعر و الصوف كلّه ذكي» (2).

ثمّ إن مقتضى موثقة ابن بكير و غيرها طهارة البيضة من الميتة، و لكن في البين رواية اعتبرت اكتساءها بالقشر الغليظ المعبر عنه في المتن بالقشر الأعلى، و ربما يدعى الاتفاق على اعتباره و هي ما رواه الكليني (قدس سره) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بيضة خرجت من إست دجاجة ميتة، قال: «إن كان البيضة اكتست الجلد الغليظ فلا بأس بها» (3) و هذه من حيث السند لا بأس بها و رميها بالضعف في بعض الكلمات ضعيف، و لكن ظاهرها عدم البأس بأكلها مع اكتسائها القشر الغليظ فلا يجوز أكلها بدونه، و يحكم بطهارتها بدونه أيضاً للإطلاق فيما دل على أنها ذُكّيت من غير مقيد، بل مع قطع النظر عن الروايات الواردة في المقام، فالبيضة لا تدخل في ما دل على نجاسة الميتة فإن البيضة مخلوق في باطن الميتة نظير الروث و غيره، و محكوم بالطهارة بأصالتها، و لم يبق في البين إلّا دعوى تعليق نفي البأس في موثقة غياث على اكتساء الجلد الغليظ يعم نفي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 513، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(2) المصدر السابق: الحديث 2 و 3.

(3) الكافي 6: 285، الحديث 5. و الوجه في كونها موثقة فإنه محمد بن يحيى الراوي عن غياث و إن يحتمل كونه الخثعمي و الخراز إلّا أن التردد لا يضر لأنهما موثقان و غياث بن إبراهيم و لو كان بتريّاً إلّا أنه ثقة.

80

..........

____________

البأس من حيث الأكل و الإصابة بشي‌ء طاهر.

و عن العلامة في المنتهى نجاسة البيض من ميتة ما لا يؤكل لحمه (1)، و في الجواهر أنه لم يظهر له دليل و لا موافق (2).

أقول: قد ذكر في حسنة الحسين بن زرارة: البيضة من الميتة ذكي (3) و كذا في صحيحة حريز المتقدمة، و قد ذكر في موثقة غياث بن إبراهيم المتقدمة في بيضة خرجت من إست دجاجة عدم البأس بها مع اكتسائها الجلد الغليظ (4)، و لا توجب هذه الصحيحة تقييد ما تقدم؛ لأن خروج البيضة من مأكول اللحم يعني الدجاجة فرض السؤال، بل لو كان القيد في الجواب فلا يكون بينه و بين الإطلاق المتقدم منافاة كي يرفع اليد عن الإطلاق بالقيد الوارد.

و دعوى انصراف البيضة في الروايات إلى المأكول لحمه لا يمكن المساعدة عليه، و إلّا كان الأمر في غيرها كذلك، و أيضاً قد تقدم أن ما دل على نجاسة الميتة لا يعم البيض فإنه لا يعد من أجزاء الميتة فأصالة الطهارة فيها محكمة، بخلاف مثل العظم و السن و الناب فإنه لو لا روايات الباب لكان مقتضى ما دل على نجاسة الميتة نجاستها أيضاً.

و عن بعض المحشين للعروة الاستشكال في طهارة عظم الميتة، و لعله لم يذكر في الروايات المتقدمة مطلق العظم و مقتضى الاقتصار بذكر القرن و الناب و السن‌

____________

(1) المنتهى 3: 209.

(2) جواهر الكلام 5: 324.

(3) وسائل الشيعة 3: 513- 514، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 24: 181، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6. عن الكافي 6: 258، الحديث 5.

81

و سواء اخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما، نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة (1)

____________

و المنقار نجاسة غيرها من العظم، و فيه أن غاية ذلك اقتضاؤها نجاسة العظم بالإطلاق فيرفع اليد عنه بذكره في حسنة الحسين بن زرارة الأُخرى و قال فيها أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«الشعر و الصوف و الريش و كل نابت لا يكون ميتاً» (1) و نحوها مرفوعة ابن أبي عمير (2) فراجع.

المأخوذ بجز أو نتف‌

(1) خصص الشيخ (قدس سره) في محكي النهاية طهارة الشعر و الصوف و الوبر بصورة الجز (3)، و لعل منشأه أنه مع النتف تكون أُصولها المتصلة بجسد الميتة من أجزائها فلا يحكم بطهارتها، و فيه أن أصل الشعر لا يزيد على أصل السن و الناب، و كما أن كلًا منهما محكوم بالطهارة و كذلك الصوف، غاية الأمر يجب غسل أُصولها من رطوبات الميتة.

أضف إلى ذلك الإطلاق في صحيحتي حريز و الحلبي و حسنة الحسين بن زرارة و غيرها، و في مقابل رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكياً فكتب (عليه السلام): «لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب و كلما كان من السخال الصوف و إن جزّ و الشعر و الوبر» (4) الحديث.

و فيه أنها لضعف سندها لا تصلح للتقييد مع أن مدلولها لا يزيد إلّا على اعتبار الجز في صوف السخال.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 514، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 5.

(3) حكاه البحراني في الحدائق 5: 82.

(4) وسائل الشيعة 24: 181، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 7.

82

و يلحق بالمذكورات الإنفحة (1)

____________

الإنفحة‌

(1) قد ذكر في كلمات الأصحاب أن الإنفَحّة بكسر الهمزة و فتح الفاء و قد تكسر بتشديد الحاء و تخفيفها تلحق بما تقدم مما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة و توابعها، و عن جماعة دعوى الإجماع عليه، و اختلفوا في المراد من الإنفحة الوارد ذكاتها في حسنة الحسين بن زرارة (1) و مرسلة يونس (2) و في خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر أن قتادة قال: له أخبرني، عن الجبن فقال: لا بأس به، فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميت، فقال:

ليس به بأس، إن الإنفحة ليس لها عروق، و لا فيها دم، و لا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث و دم، و إنما الإنفحة بمنزلة دجاجة ميتة، أخرجت منها بيضة» (3) الحديث و في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الإنفحة تخرج من الجدي الميت، قال: لا بأس به، قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة و قد ماتت؟ قال: لا بأس به» (4) إلى غير ذلك.

فقيل إن المراد به نفس الكرش الذي هو من الحيوان بمنزلة المعدة للإنسان غاية الأمر تختص معدة الحيوان بالاسم المزبور قبل أكله، و إذا أكل يقال لها الكرش.

و ربما يقال إنه نفس اللبن المستحيل من معدة الجدي فيكون المظروف خارجاً عن الاسم المزبور.

و ربما يقال إنه مجموع الظرف و المظروف و لو كان المراد بالإنفحة الأول فيكون مقتضاه طهارة الظرف و المظروف معاً؛ لأن اللبن المستحيل في المعدة شي‌ء في ظرف‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 180، الباب 33 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 179، الباب 33 من أبواب الاطعمة و الأشربة، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 182، الحديث 10.

83

و كذا اللبن في الضرع (1) و لا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الأحوط في اللبن الاجتناب

____________

طاهر، و كذلك لو كان المراد بها مجموع الظرف و المظروف، و لكن لا بد من الالتزام بأن ما هو جزء جسد الميتة و هي معدته خارج عن سائر أجزائها، و لو كان المراد بها خصوص المظروف فإن التزمنا بطهارتها الفعلية يلزم رفع اليد عن قاعدة تنجيس الطاهر بملاقاة الظرف النجس أو الالتزام بأن السطح الداخل للظرف طاهر، كما أنه لو قيل بالطهارة الذاتية للمظروف فلا يلزم شي‌ء من الأمرين.

و بما أن شيئاً مما ذكر غير ثابت كما يجد ذلك من تتبع كلمات الأصحاب و اللغويين فيلزم الاقتصار بالمتيقن، و هو طهارة نفس اللبن المستحيل التي تجعل في الجبن لما ذكرنا أنه لو كان المراد بها نفس الظرف يلزم منه طهارة المظروف أيضاً، لعدم دخوله في الميتة و أجزائها، و حيث إن ظاهر الروايات طهارتها الفعلية كما يأتي في اللبن فلا يهمنا أن ذلك لتخصيص قاعدة تنجيس النجس أو أن السطح الداخل من الظرف طاهر، بل يمكن الالتزام بالأول؛ لأن ما دل على نجاسة الميتة لم يعلم خروج نفس الظرف منه، و ظاهر عبارة الماتن أنه نفس الظرف و لذا أوجب غسل ظاهر الجلد من الإنفحّة الملاقي للميتة، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

اللبن في الضرع‌

(1) المنسوب إلى المشهور طهارة اللبن في الضرع من الميتة كما عن البيان (1)، و اللمعة (2)، بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه (3)، و القول بالطهارة محكي عن‌

____________

(1) البيان: 38.

(2) اللمعة الدمشقية: 219.

(3) الخلاف 1: 519- 520. المسألة 262.

84

..........

____________

الصدوق و الشيخين و غيرهما (1) من بعض قدماء الأصحاب، و عن ابن إدريس أن المحصلين على القول بالنجاسة (2)، و أورد عليه كاشف الرموز أن الشيخين على القول بالطهارة و السيد المرتضى غير ناطق بشي‌ء فما أعرف ما بقي من المحصلين (3)، نعم نسب العلامة في المنتهى و جامع المقاصد القول بالنجاسة إلى الشهرة (4).

و يستدل على الطهارة أي الفعلية بظاهر صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الإنفحة تخرج من الجدي الميت، قال: لا بأس به، قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة و قد ماتت؟ قال: لا بأس به (5) الحديث.

و صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لزرارة و محمد بن مسلم: «اللبن و اللباء و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكي» (6).

و في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عشرة أشياء من الميتة ذكية، القرن و الحافر و العظم و السنّ و الإنفحة و اللبن» (7) الحديث.

و في مقابل ذلك رواية وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن علياً (عليه السلام) سئل عن شاة‌

____________

(1) حكاه البحراني في الحدائق 5: 93.

(2) السرائر 3: 112.

(3) كشف الرموز 2: 369.

(4) المنتهى 3: 204. و جامع المقاصد 1: 167.

(5) وسائل الشيعة 24: 182، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 10.

(6) المصدر السابق: 180، الحديث 3.

(7) المصدر السابق: 182، الحديث 9.

85

..........

____________

ماتت فحلب منها لبن؟ فقال علي (عليه السلام): «ذلك الحرام محضاً» (1).

و رواية الفتح الجرجاني عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: «كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكياً؟ فكتب (عليه السلام) لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب» (2) الحديث. حيث حصر ما ينتفع عن الميتة بما ذكر فيها و لم يعد منها اللبن.

أضف إلى ذلك قاعدة تنجس الطاهر بالنجس و لكن القاعدة قابلة للتخصيص كما تقدم في الإنفحة و الإطلاق في رواية الجرجاني مع الغمض عن سندها يرفع اليد عنه بذكر اللبن فيما تقدم من الأخبار المعتبرة، و رواية وهب لضعفها سنداً لا يمكن الاعتماد عليها و لا تصلح للمعارضة بما تقدم.

و ما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) من أن رواية وهب يتعين الأخذ بها في مقابل أخبار الطهارة لتأييدها بقاعدة تنجس الطاهر بالنجس (3) لا يمكن المساعدة عليه، فإن القاعدة بمنزلة العام قابلة للتخصيص بما تقدم من الرواية المعتبرة سنداً و دلالةً، و إنما يلتزم بانجبار ضعف الرواية بعمل الأصحاب، نظراً إلى كشف عملهم إلى قرينة صالحة للاعتماد عندهم بحيث لو وصلت إلينا لاعتمدنا عليه، و في المقام ليس عملهم محرزاً كما تقدم في نقل الأقوال، و على تقديره فالوجه في عملهم و هي موافقتها للقاعدة كموافقتها للاحتياط ليست من تلك القرائن عندنا.

نعم، ما دلّ على الطهارة مدلولها ميتة الشاة و الدابة فلا يبعد التعدي إلى سائر ما يؤكل لحمه بل و غيره أيضاً؛ لأن التفرقة في الطهارة بعيد جداً.

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 183، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 11.

(2) المصدر السابق: 181، الحديث 7.

(3) كتاب الطهارة (الطبعة الحجرية) 2: 343.

86

خصوصاً إذا كان من غير مأكول اللحم، و لا بد من غسل ظاهر الإنفحة الملاقي للميتة هذا في ميتة غير نجس العين (1) و أما فيها فلا يستثنى شي‌ء.

____________

نعم، لا يستفاد من الروايات كما ذكرنا إلّا طهارة نفس اللبن، و أما طهارة السطح الداخل من الضرع و إن كان محتملًا إلّا أن الالتزام بها بلا موجب إذا تمّ الإطلاق في ناحية نجاسة الميتة و أعضائها.

ثمّ إن استثناء ما لا تحله الحياة من ميتة الإنسان لا تخلو عن صعوبة و إن كان عدم الفرق قوي جداً.

غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة‌

(1) و الوجه في ذلك أن ما ورد في الروايات ناظر إلى طهارة بعض المبان من الميتة، و أن عدم الذكاة الملازمة لكون الحيوان ميتة لا تجري في تلك الأشياء من أجزاء الميتة و توابعها، و أما نجاسة تلك التوابع و الأجزاء من الحيوان الحي النجس فلا يحتمل ارتفاعها بموت ذلك الحيوان.

و قد حكى عن السيد المرتضى القول بطهارة شعر الخنزير و الكلب بل كل ما لا تحله الحياة (1)، و لعله (قدس سره) قد استند في ذلك إلى ما في موثقة ابن بكير و غيرها من قوله قلت له: «شعر الخنزير يعمل حبلًا و يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها؟

فقال: «لا بأس به» (2).

و قد تقدم في بحث انفعال الماء القليل أن مدلولها جواز ذلك تكليفاً و لا يحكم معه بنجاسة ماء الدلو لعدم العلم بملاقاة الحبل للماء في الدلو بعد انفصاله عن البئر،

____________

(1) حكاه في الحدائق 5: 208، و انظر الناصريات: 101.

(2) وسائل الشيعة 1: 171، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

87

[الأجزاء المبانة من الحي مما تحلّه الحياة كالمبانة من الميتة]

(مسألة 1) الأجزاء المبانة من الحي مما تحلّه الحياة كالمبانة من الميتة (1).

____________

و أنه يمكن كون ماء الدلو كراً كما كان الحال كذلك في بعض الدلاء المستخرج بها الماء لسقي الزرع و البساتين.

و على الجملة فالرواية على تقدير إطلاقها من أدلة عدم انفعال الماء القليل المتعين طرحها لما تقدم من الأخبار الدالة على نجاسة الماء القليل داخلة في عنوان السنة، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

الأجزاء المبانة من الحي‌

(1) بلا خلاف معروف أو منقول، و في المدارك أنه مقطوع به في كلمات الأصحاب (1)، نعم ما تقدم في الأجزاء المبانة من الميتة من أنه كما تصدق الميتة على أجزاء الجسد متصلة كذلك تصدق مع تفرقها لا يجري في الجزء المبان من الحي، و لكن في الروايات الواردة في المقام كفاية في أن الجزء المبان من الحي يحكم عليه بما حكم على الميتة من حرمة الأكل و النجاسة.

و في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) «ما أخذت الحبالة من صيد، فقطعت منه يداً أو رجلًا فذروه، فإنه ميت، و كلوا ما أدركتم حيّاً، و ذكرتم اسم اللّٰه عليه» (2).

و موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئاً، فهو ميّت و ما أدركت من سائر جسده حيّاً فذكّه، ثمّ كل منه» (3).

و موثقة زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال: «ما أخذت الحبائل فقطعت منه شيئاً فهو‌

____________

(1) المدارك 2: 271.

(2) وسائل الشيعة 23: 376، الباب 24 من أبواب الصيد، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: الحديث 2.

88

..........

____________

ميّت، و ما أدركت من سائر جسده حيّاً، فذكّه، ثمّ كل منه» (1).

و معتبرة الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت جُعلتُ فداك: إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها، قال: هي حرام، قلت فنصطبح بها؟ قال: أما تعلم أنه يصيب اليد و الثوب، و هو حرام؟» (2) و قد تقدم أن المراد بالحرمة تنجس اليد و الثوب.

و في رواية الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- عن قطع أليات الغنم؟، فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: إن في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّ ما قطع منها ميّت، لا ينتفع به (3).

و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «في أليات الضأن تقطع و هي أحياء: إنها ميتة» (4).

و في مرسلة أيوب بن نوح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قُطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسّه إنسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسّه الغسل فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه» (5) إلى غير ذلك مما ظاهره كون المقطوع من الحيوان الحي بل الإنسان ميتة يترتب عليه النجاسة و حرمة الأكل فإنه لا يحتمل أن يكون المبان من المأكول لحمه ميتة و لا يكون كذلك من غير المأكول اللحم، بل لا يحتمل الفرق بينهما و بين المقطوع من الإنسان الحي بعد فرض أن الموت للإنسان أيضاً موجب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 23: 377، الباب 24 من أبواب الصيد، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 24: 71، الباب 30 من أبواب الذبائح، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: الحديث الأوّل.

(4) المصدر السابق: 72، الحديث 3.

(5) وسائل الشيعة 3: 294، الباب 2 من أبواب غسل مس الميت، الحديث الأول.

89

إلّا الأجزاء الصغار كالثؤلول و البثور و كالجلدة (1) التي تنفصل من الشفة أو من بدن الأجرب عند الحك و نحو ذلك.

____________

لنجاسته، نعم هذه الروايات لا تعم ما إذا لم ينفصل الجزء من الحيوان و لكن كان مع اتصاله بجسمه بلا روح كما في بعض أنواع الشلل، فإنه كما تقدم عدم صدق الميتة على الجزء المبان فضلًا عن غيره و الروايات ناظرة إلى المقطوع و المبان.

(1) ذكر في الحدائق الظاهر عدم الخلاف في طهارة ما ينفصل عن بدن الإنسان من الأجزاء الصغيرة و إن اختلفوا في الدليل على طهارتها (1)، فعن العلامة في المنتهى لعدم إمكان التحرز عنها فكان عفواً لدفع المشقة (2).

و اعترض (3) عليه بأن الدليل على نجاسة المبان من الحي إما الإجماع فلا إجماع في مثلها، و أما الروايات فهي منصرفة عن مثل الأُمور المزبورة مما يرى بنظر العرف بمنزلة الوسخ المتكون في بدن الإنسان، بل و لو لم يكن بنظرهم بمنزلة الوسخ فلا ريب في عدم شمول أخبار الباب لمثل ذلك من الأجزاء الصغار التي لا روح لها أو تنقضي الروح عنها قبل انفصالها عن البدن فيرجع فيها إلى أصالة الطهارة فلا مورد للمناقشة في ذلك بأن الانصراف بدوي، و لذا لا فرق في النجاسة بين الجزء المبان الكبير و المبان الصغير.

و قد يستدل على الطهارة بصحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثؤلول و هو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: «إن لم يتخوف أن يسيل‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 5: 77.

(2) منتهى المطلب 3: 210.

(3) المعترض هو صاحب المعالم حكاه في مشارق الشموس 1: 314، و الحدائق 5: 75.

90

[فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى]

(مسألة 2) فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى (1) و إن كان

____________

الدم فلا بأس» (1) حيت إن ظاهرها عدم المانعية في الفعل المزبور لا من جهة نفسه و أنه لا يكون من قبيل التكتف و القهقهة في الصلاة، و لا من جهة كون المقطوع نجساً حيث لو كان الجزء الصغير محكوماً بالنجاسة كان في قطعه بأساً سال الدم أم لا، فإنه على النجاسة يكون الفعل المزبور من حمل الميتة في الصلاة و لو آناً بعد القطع، و قبل الطرح و مع رطوبة اليد تكون اليد متنجسة بملاقاته، هذا لو لم نقل بأنه على النجاسة يكون موجباً لبطلان الصلاة من جهة الحدث، بدعوى أن الجزء المنفصل من الآدمي الحي في حكم مسّ الميت في إيجابه الغسل فلا يكون المفروض من المبان من الإنسان الحي محكوماً بأنه ميتة ليكون نجساً و مسه موجباً للغسل.

و ربما يورد على الاستدلال أنه لم يفرض فيها ملاقاة اليد بالقطعة المزبورة مع الرطوبة و إطلاق الرواية من هذه الجهة غير معلومة، بل ظاهرها عدم المانعية في نفس الفعل المزبور و عدم كون المس المزبور موجباً للغسل، و أن القطع المزبور لا يكون من حمل الميتة في الصلاة.

أقول: إذا لم يكن ما ذكر من حمل الميتة فلا موجب لنجاسته فإن نجاسته بما هي ميتة و يبعد التفكيك في أحكام الميتة مضافاً إلى عدم البعد في إطلاقها من حيث الرطوبة و عدمها، و لذا تعرض (عليه السلام) لسيلان الدم مع أن خروجه و إن كان غالبياً إلّا أنه بأزيد من الدرهم اتفاقي.

فأرة المسك المبانة من الحي‌

(1) الفأرة تكون مأخوذة من الحيوان المذكى و لا ينبغي التأمل، كما لا خلاف في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 504، الباب 63 من أبواب النجاسات.

91

الأحوط الاجتناب عنها نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك.

____________

طهارتها و طهارة المسك المتكون فيها.

أما طهارتها فإنها إما أن تكون من أجزاء الحيوان فتكون طاهرة كبقية أجزائها بالتذكية، و إما مثل البيضة مخلوقة في سرة الحيوان فتكون طاهرة مطلقاً.

و أما طهارة مسكها فلأن المسك أمر استحال إليه دم الحيوان أو من الدم المتخلف في الحيوان بعد تذكيته فيكون طاهراً.

و تكون الفأرة مبانة من الحي و لا ينبغي التأمل في طهارتها أيضاً و في طهارة المسك المتكون فيها، حيث إن الروايات الواردة في كون المبان من الحي ميتة لا يعمها فإنها كما تقدمت واردة في مثل ما تقطعه الحبالة أو يقطع من أليات الغنم و لا تعم ما ينفصل و يسقط عن الحيوان بنفسه، كما هو الحال في الفأرة المزبورة.

و أما طهارة مسكها حتى بناءً على أن المسك دم منجمد و غير مُستحيل إلى شي‌ء آخر فإنه الظاهر المعروف من المسك الوارد في الروايات عدم البأس به، و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كانت لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده و هي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) برائحته» (1).

و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلّي و هي في جيبه أو ثيابه؟ فقال: «لا بأس بذلك» (2).

نعم، في صحيحة عبد اللّه بن جعفر قال: كتب إليه يعني أبا محمد (عليه السلام) «يجوز للرجل أن يصلّي و معه فأرة المسك؟ فكتب: «لا بأس به إذا كان ذكياً» (3) و لكن لم يظهر‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 500، الباب 58 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة 4: 433، الباب 41 من أبواب لباس المصلّي، الحديث الأوّل.

(3) المصدر السابق: الحديث 2.

92

..........

____________

أن المراد بالذكي الحيوان ليدل على نجاسة الفأرة المفصولة من غير المذكى، بل الظاهر و لا أقل من الاحتمال كون المراد فأرة الذكي أي الطاهر و غير المفصولة من الميتة، لا ما يصنع من خلط دم الظبي بروثه كما لا يخفى فيدخل المفصول بنفسه من الحي في المراد من الذكي كما هو مقتضى المتعارف من المسك و الإطلاق فيما تقدم.

و بالجملة الفأرة المأخوذة من الميتة محكومة بالنجاسة على ما هو ظاهر المكاتبة أو المتيقن منها و لولاها لما أمكن الحكم بنجاستها لعدم إحراز أنها من أعضاء الحيوان و أجزاء جسده، فإنه من المحتمل جداً أنها كالبيضة المخلوقة في بطن الدجاجة.

و أما المسك فيها فإن كان دماً مستحيلًا منجمداً فيحكم بنجاسته العرضية فيطهر بالغسل، بخلاف ما كان مائعاً فإنه غير قابل له، كما إذا لم يكن مستحيلًا فيحكم بكونه نجساً.

و قد نقل الشيخ الأنصاري (قدس سره) عن التحفة (1) أن للمسك أقساماً أربعة:

أحدها: الدم الذي يقذفه الظبي بطريق الحيض أو البواسير فينجمد على الأحجار و يسمى بالمسك التركي، و لم يتأمل (قدس سره) في نجاسته فإن الدم بالانجماد لا يخرج إلى حقيقة أُخرى فيعمه ما دل على نجاسة الدم كسائر الدماء المنجمدة.

و ثانيها: المسك الهندي، و هو دم يؤخذ بعد ذبح الظبي و يختلط مع روثه فيصير أصفر اللون أو أشقر، و قد ألحق (قدس سره) هذا القسم بالأول في نجاسته، حيث إن اختلاط الدم بالروث لا يخرجه إلى حقيقة أُخرى كما تقدم.

أقول: لا بد من كون المراد من الدم المخلوط بروثه غير المتخلف في المذبوح و إلّا فلا وجه للحكم بنجاسته.

____________

(1) كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) 2: 341 (الطبعة الحجرية).

93

و أما المبانة من الميت ففيها إشكال و كذا في مسكها (1)، نعم إذا أُخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها و لو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت.

____________

و ثالثها: دم يجتمع في سرة الظبي بعد صيده يحصل بشق موضع الفأرة و تغميز أطراف السرة حتى يجتمع فيها الدم و ينجمد، و قال: هذا طاهر مع ذكاة الظبي و نجس لا معها.

و رابعها: دم يتكون في فأرة الظبي بنفسه ثمّ تعرض للموضع حكة فينفصل الدم مع جلده و حكم بطهارته.

أقول: الأمر كما ذكر لما تقدم آنفا و به يظهر ضعف ما عن كشف اللثام، حيث حكم بنجاسة الفأرة، إلّا الفأرة المأخوذة من المذكى، فان الفأرة كسائر أجزاء الحيوان تكون طاهرة مع ذكاته بخلاف المأخوذة من الميتة أو من الحي.

فأرة المسك المبانة من الميت‌

(1) قد تقدم أن المبانة من الميت حيث إنه من الأجزاء المبانة من الميتة فيعمها ما دل على نجاسة الميتة، حيث لا يحتمل دخالة اجتماع الأعضاء في نجاستها، نعم يحتمل كون الفأرة من فضلات الميتة و توابعها كالبيضة، و لكن مجرد الاحتمال يمنع الأخذ بإطلاق نجاسة الميتة، و أما صحيحة عبد اللّه بن جعفر (1) فلا يمكن رفع اليد عن الأخذ بظهور الاشتراط فيها، و قد تقدم أيضاً الوجه في نجاسة مسكها حيث إنه دم منجمد أو غير منجمد على ما تقدم.

فقد تحصل مما ذكرنا أن الفأرة بجميع أقسامها محكومة بالطهارة إلّا المأخوذة من الميتة، و إذا شك في فأرة أنها مأخوذة من المذكى أو من الميتة أو ساقطة من الحي فاستصحاب عدم أخذها من الميتة يوجب طهارتها، فإن الموضوع لنجاستها أخذها من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 433، الباب 41 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2.

94

..........

____________

الميتة و لا حاجة في الحكم بطهارة أخذها من يد المسلم.

نعم، بناءً على أن الفأرة كسائر أعضاء الحيوان لا يجوز الصلاة فيها إلّا مع ذكاة الحيوان، بل تكون نجسة إلّا مع ذكاتها كما عن كشف اللثام (1)، فيحتاج جواز الصلاة فيها و طهارته إلى أخذها من يد المسلم، و إذا تردد أخذها من الميتة أو من الحيوان الحي فلا مورد ليد المسلم حتى بناءً على القول المزبور، بل يحكم بنجاستها و عدم جواز الصلاة فيها على ذلك القول، بخلاف ما ذكرنا فإنه يحكم بطهارتها و جواز الصلاة فيها لاستصحاب عدم أخذها من الميتة، و استصحاب عدم انفصالها عن الحي لا يثبت كونها مأخوذة من الميتة، و المفروض كونها مأخوذة منها موضوع النجاسة و عدم جواز الصلاة فيها، و قد ذكر في التنقيح (2) أن للفأرة المشكوكة صور ثلاث:

الأُولى: ما إذا تردد بين كونها منفصلة من المذكى أو من الحي أو من الميتة مع احتمال بقاء الحيوان على حياته، ففي هذه الصورة يحتاج إثبات كونها مأخوذة من المذكى إلى الأمارة الشرعية كما هو مقتضى ما ذكر في كشف اللثام (3)؛ لأن الأصل عدم وقوع الذكاة عن الحيوان المنفصلة عنه، و أما بناءً على أن المحكوم بالنجاسة و عدم جواز الصلاة فيها هي المنفصلة عن الميتة فلا حاجة في الحكم بجوازها و طهارتها إلى أمارة التذكية، بل استصحاب حياة الحيوان إلى زمان انفصالها مقتضاه الجواز و الطهارة بلا معارض.

الصورة الثانية: ما إذا علم موت الحيوان و شك في أنها انفصلت عنه قبل موته أو‌

____________

(1) كشف اللثام 1: 406.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) 2: 524- 525.

(3) كشف اللثام 1: 406.

95

[ميتة ما لا نفس له طاهرة]

(مسألة 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة (1) كالوزغ و العقرب و الخنفساء و السمك، و كذا الحية و التمساح، و إن قيل بكونهما ذا نفس، لعدم معلومية ذلك مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك.

____________

بعده، ففي هذه الصورة يعلم بحدوث أمرين، أحدهما: انفصالها، و الثاني: موت الحيوان، و يشك في المتقدم و المتأخر فيكون استصحاب حياة الحيوان إلى زمان انفصالها معارضاً باستصحاب عدم انفصالها إلى زمان موته بلا فرق بين العلم بتاريخ أحدهما أو الجهل بتاريخهما لما تقرر في محله من أن العلم بتاريخ أحدهما لا يوجب سقوط الاستصحاب في ناحية عدمه زمان حدوث الآخر، و بعد سقوط الأصلين يرجع إلى أصالة الطهارة.

الصورة الثالثة: ما إذا علم أخذ الفأرة من الحيوان بعد موته، و يشك في أن موته كان بالتذكية أو بغيرها، ففي هذه الصورة يحتاج الحكم بطهارتها و جواز الصلاة فيها إلى أمارة التذكية، و إلّا فمقتضى عدم وقوع التذكية عليها عدم جواز الصلاة فيها، بل نجاستها على المشهور.

أقول: لو كان استصحاب بقاء الحيوان على حياته إلى زمان انفصالها مفيداً للحكم بطهارتها و جواز الصلاة فيها، لجرى ذلك في الصورة الثانية أيضاً بلا معارض؛ لأن استصحاب عدم انفصالها زمان حياة الحيوان لا يثبت انفصالها عنه زمان موته.

ميتة ما لا نفس له‌

(1) يقع الكلام في المقام في جهتين:

الأُولى: أن ميتة كل ما ليس له نفس سائلة طاهر.

و الثانية: في بعض الحيوانات أنها من ذي النفس أو من غيره.

أما الجهة الأُولى: فلم يظهر فيها خلاف، و يشهد له جملة من الروايات:

96

..........

____________

منها موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: «لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (1) فإن المتيقن من عدم إفساده عدم الإفساد بالموت.

و موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء، و الذباب، و الجراد، و النملة، و ما أشبه ذلك، يموت في البئر، و الزيت، و السمن، و شبهه؟ قال: «كل ما ليس له دم فلا بأس به» (2) بناءً على أن المراد بالدم المنفي الدم السائل لا مطلق الدم، كما في الأمثلة المذكورة.

و في رواية أبي بصير: «و كل شي‌ء وقع في البئر ليس له دم، مثل العقرب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس» (3) و لو كان المراد بنفي الدم فلا منافاة أيضاً بين طهارة ما ليس له دم، و طهارة ما ليس له نفس سائلة و لو كان له دماً؛ لأن المقام من صغريات الأخذ بكل من الخطابين من غير أن يوجب أحدهما تقييد الآخر كما لا يخفى.

ثمّ إنه نسب إلى جماعة منهم الصدوق و الشيخ و ابن زهرة و سلّار (4) أن الوزغ و إن كان مما لا نفس له، إلّا أنه من الأعيان النجسة حتى حال حياته، و إنما لا يحكم بنجاسة ميتة ما لا نفس له إذا كان حيّه طاهراً.

و ربما يستدل على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة، و الوزغة تقع في البئر، قال: «ينزح منها ثلاث دلاء» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 1: 185، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11.

(4) الحدائق الناضرة 5: 226.

(5) وسائل الشيعة 1: 187، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

97

..........

____________

و رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة، و العقرب، و أشباه ذلك، يقع في الماء فيخرج حيّاً، هل يشرب من ذلك الماء و يتوضأ منه؟ قال: «يسكب منه ثلاث مرات و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثمّ يشرب منه، و يتوضأ منه، غير الوزغ، فإنه لا ينتفع بما يقع فيه» (1)، و ظاهر عدم الانتفاع به تنجسه.

و في الفقه الرضوي: فإن وقع في الماء وزغ أُهريق ذلك الماء (2)، و ظاهر إهراقه تنجسه على ما ورد في تنجس الماء القليل في غير مورد، و لكن لا يخفى أنه لا دلالة في الصحيحة على تنجس ماء البئر فلا يكشف أيضاً عن نجاسة ما يقع فيه على ما تقدم من أن المراد بالأمر بالنزح التنزه و الاستحباب، و هذا الاستحباب كما يكون لوقوع الشي‌ء النجس كذلك لوقوع الطاهر الذي يحصل للماء مع وقوعه اشمئزاز النفس.

و ظهور الروايتين في نجاسته و إن كان مما لا ينكر إلّا أنه لضعف سندهما لا يمكن الاعتماد عليهما مع أنهما معارضتان بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن العظاية و الحية و الوزغ يقع في الماء فلا يموت أ يتوضأ منه للصلاة؟ قال: «لا بأس به» (3) فلا بد من حملهما على الاستحباب مع تمام سندهما، و لو فرض عدم الجمع العرفي فيرجع بعد تساقطهما إلى عموم ما دل على طهارة الحيوان غير الكلب، كصحيحة الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة- إلى أن قال:- فلم أترك شيئاً إلّا سألته عنه؟ فقال: لا بأس به‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 188، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

(2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 93.

(3) وسائل الشيعة 1: 238، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث الأوّل.

98

[إذا شك في شي‌ء أنه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة]

(مسألة 4) إذا شك في شي‌ء أنه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة، و كذا إذا علم أنه من الحيوان، و لكن شك في أنه مما له دم سائل أم لا (1).

[ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة]

(مسألة 5) ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة، و إن لم يعلم تذكيته (2)، و كذا ما يوجد في أرضِ المسلمين مطروحاً.

____________

حتى انتهيت إلى الكلب؟ فقال: رجس نجس (1).

أما الجهة الثانية: فقد يقال إن التمساح و بعض الحيات أو كلها مما له نفس، كما قيل بأنهما مما ليس له نفس كسائر حيوان البحر و الحشرات و لو أُحرز شي‌ء من القولين فهو، و إلّا يحكم بطهارة ميتة التمساح و الحيات كسائر ما ليس له نفس، و ذلك فإنه و إن يستفاد من بعض الروايات الواردة في نجاسة الميتة نجاسة كل ميتة على ما تقدم، إلّا أنه قد استثنى منه ميتة ما ليس له نفس، و مقتضى نفي النفس عن المشكوك دخوله في المستثنى على ما تقدم من جريانه في الأعدام الأزلية، و ما تقدم من الاستصحاب المزبور يثبت بقاء المشكوك تحت العام فيما إذا كان العنوان الخاص وجودياً لا أمراً عدمياً كما في المقام، فإنه يدرجه في الفرض في المستثنى، و لو اغمض عن هذا الاستصحاب فأيضاً يحكم بطهارة المشكوك لقاعدة الطهارة و يجري الرجوع إليها في الميتة المرددة بين كونها ميتة الحيوان الفلاني أو غيره.

(1) لاستصحاب عدم كون المشكوك من أجزاء الحيوان أي الميتة أو عدم كونه من أجزاء ما له نفس سائلة و مع الإغماض عن ذلك فأصالة الطهارة فيه محكمة على ما تقدم.

أجزاء الحيوان المأخوذة من يد المسلم‌

(2) و الوجه في ذلك أنه قد ورد في الروايات أن ما يشترى من السوق يحكم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 4.

99

..........

____________

بكونه مذكى حتى يعلم أنها ميتة، و في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال: «اشتر و صل فيها حتى تعلم أنه ميت بعينه» (1).

و في صحيحة ابن أبي نصر البزنطي قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية، أ يصلّي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم إن الدين أوسع من ذلك» (2) إلى غير ذلك، و يقال إن السوق في هذه الروايات منصرفٌ إلى سوق المسلمين، حيث إن السوق في بلاد المسلمين ظاهره ذلك، و إن المفروض في الروايات قضية خارجية مع أنه قد قيد السوق بكونه للمسلمين في صحيحة الفضلاء أنهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق، و لا يدري ما صنع القصابون، فقال: «كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين، و لا تسأل عنه» (3).

و على الجملة فلا ينبغي الإشكال في أن المراد من السوق في هذه الروايات سوق المسلمين، و لكن بما أن البناء أو الدكان لا دخل له في الحكم على اللحم أو الشحم أو الجلد بكونه مذكى فاعتبار سوق المسلمين لكونه أمارة كون البائع مسلماً فالمحكوم بالمذكى المأخوذ من يد المسلم و لو اشترى اللحم أو غيره من الكافر و لو في سوق المسلمين و بلادهم و لم يعلم سبق يد المسلم عليها فلا يحكم بكونه مذكى و يؤيد ذلك رواية إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 490، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 4: 455، الباب 55 من أبواب لباس المصلّي، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 24: 70، الباب 29 من أبواب الذبائح، الحديث الأوّل.

100

..........

____________

قال: «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه، فلا تسألوا عنه» (1).

كما أنه لو أُخذ اللحم أو الشحم و الجلد من يد المسلم و علم سبق يد الكافر عليه، كما إذا كان مجلوباً من بلاد الكفر فلا يحكم بكونه مذكى، فإنه لم يظهر دخول هذا الفرض في الروايات الواردة في سوق المسلمين، حيث أشرنا سابقاً إلى أنها من قبيل القضية الخارجية، و لم يعلم أن المبيع فيها كان يجلب من بلاد الكفر و بحيث كان مسبوقاً بيد الكفار، بل مقتضى موثقة إسحاق بن عمار أن المصنوع في بلاد الكفر لا يحكم عليه بالتذكية، و يصدق مصنوعها و لو كان بنحو جلب الجلود التي تخاط في بلد الإسلام بعد جلبها إليه.

و الحاصل استفادة الحكم بالتذكية من الروايات مشكل جداً، نعم لو أخبر بايعه المسلم أنه أحرز ذكاته فلا يبعد اتباعه، كما ربما يستفاد ذلك من قوله (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن عيسى: «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم أن المشركين يبيعون ذلك» (2) فإن بيع المشركين يعم ما إذا كان مشتريه منهم مسلماً.

و إذا أخبر المسلم بذكاته قولًا أو فعلًا كما إذا صلى فيه و احتمل أنه أحرز التذكية فلا بأس بالشراء منه و لا يجري ذلك في المسلم غير العارف و إن كان المأخوذ من يده محكوم بكونه مذكى فيما إذا لم يعلم بسبق يد الكافر، و أما ما ورد في بعض الروايات من اعتبار إخبار البائع و عدم كفاية الأخذ من السوق كما في مكاتبة محمد بن الحسن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 492، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) المصدر السابق.

101

إذا كان عليه أثر الاستعمال (1) لكن الأحوط الاجتناب.

____________

الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: «إذا كان مضموناً فلا بأس» (1) لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها.

أما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفراء أشتريه من الرجل الذي لعلّي لا أثق به فيبيعني على أنّها ذكية أبيعها على ذلك؟ فقال: «إن كنت لا تثق به فلا تبعها على أنّها ذكية إلّا أن تقول: قد قيل لي إنّها ذكية» (2) فهذه الصحيحة تكون ظاهرة في جواز الشراء من غير فرق بين كون البائع موثوقاً أم لا، نعم مقتضاها أن الإخبار عن ذكاة المبيع حيث إن ظاهر الإخبار الحس أو العلم بها لا يصح بالأخذ من يد المسلم أو إخباره بها مع عدم كونه ثقة.

(1) يحتمل أن يكون المراد من أثر الاستعمال، استعماله فيما يشترط التذكية فيه كالأكل و البيع و نحو ذلك، و يشهد لذلك رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين، فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل؛ لأنه يفسد و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي، فقال: هم في سعة حتى يعلموا (3). و ظهورها فيما ذكر مما لا ينكر و لا يبعد اعتبار سندها كما تعرضنا لذلك غير مرة.

و يحتمل أن يكون المراد أثر استعمال المسلم و عليه فيكون المطروح من المأخوذ من يد المسلم بما أن الأخذ منه أو الطرح مسبوق باستعماله فيما يعتبر فيه التذكية.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 493، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

(2) وسائل الشيعة 17: 172، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 3: 493، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

102

[المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي]

(مسألة 6) المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي (1).

____________

و على ذلك تكون الأمارة للتذكية خصوص يد المسلم بخلاف الاحتمال عليه، فإنه يكون المطروح في بلاد المسلمين الذي فيه أثر الاستعمال أمارة على التذكية في مقابل يد المسلم، و لا يبعد استفادة ذلك من موثقة إسحاق بن عمار أيضاً حيث ذكر (عليه السلام) فيها: «لا بأس بالصلاة في الفرا اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام» (1) فإن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في نفي البأس بين أن يؤخذ المصنوع و الفرو المزبور من يد المسلم أو يوجد مطروحاً كما لا يخفى.

ما المراد من الميتة؟

(1) قد تقدم سابقاً أن الميتة موضوع للنجاسة و عدم جواز بيعها، و أما جواز الأكل و الصلاة فيه فالموضوع له المذكى، فباستصحاب عدم التذكية في الحيوان يثبت عدم جواز أكل لحمه و شحمه و عدم جواز الصلاة فيه، و أما النجاسة فلا تترتب بالأصل المزبور، فإن الميتة و إن كانت لا تختص بما مات حتف أنفه بقرينة المقابلة بينها و بين المذكى، و في موثقة سماعة سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و أما الميتة فلا» (2).

و يشهد لذلك أيضاً ما ورد في: «إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم، و إذا ذبح المُحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم (3) إلى غير ذلك، و الظاهر لا خلاف بينهم في أن المراد بالميتة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 456، الباب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 3: 489، الباب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 12: 432، الباب 10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 5.

103

..........

____________

خلاف المذكى.

و لكن الكلام في أن المراد بالميتة ما كان موته بغير التذكية بأن يستند زهوق روحه إلى غير التذكية سواءً كان الموت حتف الأنف أم غيره، أو أن المراد منها ما مات و لم يقع عليه التذكية حال حياته، فإن كان المراد بها الثاني فجريان استصحاب عدم التذكية في الحيوان الميت يثبت كونها ميتة، فيترتب عليه النجاسة و عدم جواز البيع أيضاً، و أما إذا كان المراد به الأول فلا يحرز بالاستصحاب المزبور كونها ميتة.

و على ذلك ففي الجلد أو اللحم و الشحم المحتمل كونه من المذكى أو من غيره فإنه لا يجوز الأكل و الصلاة فيه، إلّا أنه لا يترتب عليه النجاسة بل يحكم بطهارته بقاعدتها، و كذا الحال فيما إذا لم يحرز معنى الميتة في أنه هو الأول أو الثاني.

و لكن يمكن أن يستظهر من بعض ما ورد في تذكية الحيوان أن المراد بالميتة في الحيوان الذي يكون ذكاته بالذباحة ما مات من غير أن يقع عليه الذباحة حال حياته، لا ما يستند موته إلى غير التذكية.

و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «و إن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح، فوقعت في النار، أو في الماء، أو من فوق بيتك، إذا كنت قد أجدت الذبح فكل» (1) حيث إن مدلولها أن المذكى ما مات و وقعت عليه التذكية حال حياته و لو لم يستند موته فعلًا إلى التذكية، فيكون مقتضى المقابلة بين الميتة و المذكى أن المراد بالميتة ما مات و لم تقع عليه التذكية كما ذكر، و هذا الموضوع يحرز بضم الوجدان إلى الأصل أي استصحاب عدم وقوع التذكية عليه زمان حياته فيترتب عليه جميع أحكام الميتة من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 26، الباب 13 من أبواب الذبائح، الحديث الأوّل.