تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
104

..........

____________

حرمة الأكل و عدم جواز الصلاة و النجاسة.

و عن المحقق الهمداني أن النجاسة مترتبة على عدم كون الحيوان مذكى و إن لم يثبت كونه ميتة، و استدل على ذلك برواية قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأُصلي فيها؟ فكتب (عليه السلام) إليّ، اتخذ ثوباً لصلاتك، فكتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): كنت كتبت إلى أبيك (عليه السلام) بكذا و كذا، فصعب عليّ ذلك فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية، فكتب إليّ: كل أعمال البر بالصبر- يرحمك اللّٰه- فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس (1). حيث إن ظاهر أن الطهارة المعبر عنها بعدم البأس بقرينة ما فيها من ذكر، فتصيب ثيابه مترتبة على كون الحيوان ذكياً فترتفع الطهارة بثبوت عدم ذكاته.

و فيه أنه لا دلالة لها على ترتب النجاسة على عنوان ما لم يذك؛ لأنه لا واسطة بين الميتة و المذكى، و إذا كانت النجاسة مترتبة على كون الحيوان ميتة فترتفع النجاسة بذكاة الحيوان، و بتعبير آخر المراد بالذكاة في الرواية ثبوتها واقعاً، و ثبوتها واقعاً يوجب ارتفاع موضوع النجاسة، و بتعبير آخر ليس في الرواية تعرض لحالة الشك في جلد الحيوان الذي يعمل به غمد السيف، بل السؤال راجع إلى أن ما يعمل به من جلود الحمر الذكية فيه بأس أم لا، فأجاب الإمام (عليه السلام) أنه في فرض الذكاة كما في السؤال لا بأس به، و عدم البأس به؛ لأنها مع الذكاة لا تكون من الميتة المحكومة بالنجاسة.

و على الجملة الاشتراط المزبور في نفي البأس صحيح حتى على تقدير كون الموضوع للنجاسة هو عنوان الميتة خاصة، و يفصح عن ذلك ذكر كون الجلد من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

105

..........

____________

الحمر الوحشية في الشرط مع أنه كونه منها غير دخيل في نفي البأس جزماً فأخذها في الشرط باعتبار فرض السائل أنها مورد عمله، فيكون أخذ كونه ذكياً أيضاً لذلك، أضف إلى ذلك ضعف الرواية سنداً و عدم صلاحها للاعتماد عليها.

بقي في المقام ما ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) من أن النجاسة و عدم جواز الصلاة و عدم جواز الأكل و إن تترتب على غير المذكى، إلّا أنه تلك الأحكام لا تثبت بالاستصحاب فإن الاستصحاب غير معتبر، و على تقديره فلا يفيد غير الظن و لا تثبت النجاسة بالظن، بل لا بد فيها من العلم أو البينة لو تم عموم أدلة اعتبار البينة لقولهم (عليهم السلام):

«و صلّ فيها حتى تعلم أنه ميتة» (1)، و «ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه» (2) و «لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة» (3).

و فيه أن تلك الروايات واردة في اعتبار السوق و يد المسلم و أنه يحكم على المأخوذ بأنه مذكى ما لم يعلم أنها ميتة، أضف إلى ذلك أنه لو كان المراد بالميتة ما مات و لم يقع عليه التذكية يحرز بالاستصحاب أنها ميتة، و العلم المأخوذ في تلك الخطابات نظير قوله (عليه السلام): كل شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر (4) طريقي، يقوم مقامه سائر الطرق و الأمارات، حيث إن دليل اعتبارها أنها علم و كذلك المستفاد من دليل اعتبار الاستصحاب، و إن المكلف على يقين من الشي‌ء أي بقائه على ما ذكر في بحثه.

لا يقال: لا يجري ما ذكر في مثل موثقة سماعة بن مهران قال: سألت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 490، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 491، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 493- 494، الحديث 12.

(4) المصدر السابق: 467، الباب 37، الحديث 4.

106

..........

____________

أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن تقليد السيف في الصلاة و فيه الفرا و الكيمخت؟ فقال: «لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة» (1) فإن ظاهرها جواز الصلاة في الجلد حتى يعلم أنه ميتة فإن الفراء و الكيمخت هو الجلد على ما في رواية علي بن حمزة أن رجلًا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- عن الرجل يتقلد السيف و يصلي فيه؟ قال: نعم فقال الرجل. إن فيه الكيمخت؟ قال: و ما الكيمخت؟ قال: جلود دواب منه ما يكون ذكياً، و منه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه» (2). و من الظاهر أن العلم بأنها ميتة منصرف إلى غير إحراز عدم التذكية بالاستصحاب، حيث إن السؤال وقع عن الصلاة في المشكوك.

فإنه يقال: الروايات أيضاً ظاهرها وجود الإمارة على التذكية و هو الشراء من سوق المسلمين، أو أنه كان من مصنوع أرض الإسلام، و على تقدير الإطلاق يرفع اليد عنه بحملها على ذلك بشهادة موثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام) أنه قال:

«لا بأس بالصلاة في الفرا اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» (3) و صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف، لا يدري أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلي فيه؟ قال: «نعم أنا اشتري الخف من السوق و يصنع لي و اصلي فيه و ليس عليكم المسألة» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 493- 494، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

(2) المصدر السابق: 491، الحديث 4.

(3) وسائل الشيعة 4: 456، الباب 55 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 3: 492، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

107

[ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة]

(مسألة 7) ما يؤخذ من يد الكافر (1)، أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة، إلّا إذا علم سبق يد المسلم عليه.

____________

ما يؤخذ من يد الكافر‌

(1) لا ينبغي الارتياب في أن يد الكافر لا تكون أمارة على عدم التذكية، و كذا ما يوجد في أراضيهم، بل اليد المزبورة لا تكون أمارة على التذكية، و كذا ما يوجد في أراضيهم، و على ذلك فتصل النوبة إلى الأصل العملي، و مقتضاه عدم وقوع التذكية على الحيوان المأخوذ منه الجلد أو اللحم أو الشحم.

فإن قيل بأن عدم التذكية لا يثبت كونها ميتة، فمع احتمال وقوع التذكية عليه كما هو الفرض يحكم بطهارته لأصالة عدم زهوق روحها بغير التذكية، كما أن مقتضى عدم وقوعها عليه عدم جواز الأكل و عدم جواز الصلاة فيه، و لا تعارض بين الاستصحابين لعدم التناقض في مدلولهما و لا يوجب منهما الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم المنجز كما لا يخفى، و هذا بالإضافة إلى الحيوان الذي تكون ذكاته بالصيد صحيحه.

و أما إذا قيل بأن الميتة ما مات و لم تقع عليه التذكية حال حياته كما ذكرنا أن ذلك غير بعيد بالإضافة إلى الحيوان تكون ذكاته بالذبح أو النحر على ما تقدم، فيكون مقتضى استصحاب عدم وقوع الذكاة عليه حال حياته أنه ميتة فيترتب عليه نجاستها أيضاً.

و يتفرع على عدم كون يد الكافر أمارة على التذكية، لا أنها أمارة على عدمها، أنه إذا علم سبق يده بيد المسلم يحكم بكونه مذكى، بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك، و لو قيل بأن يده أمارة على عدم التذكية فإنّ الأمارة على عدمها هي يده التي لم تسبق عليها يد المسلم.

و على الجملة المستفاد من الروايات الواردة في اعتبار السوق أي سوق المسلمين، و أنه لا تسأل عن ذكاة الحيوان مع شراء الجلد أو غيره منه عدم كون يد‌

108

[جلد الميتة لا يطهر بالدبغ]

(مسألة 8) جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (1).

____________

الكافر أمارة على التذكية، و أن الأمارة يد المسلم على ما تقدم تقريبه.

جلد الميتة‌

(1) المنسوب إلى أكثر العامة أن جلد الميتة تطهر بالدباغ (1)، و لعل مرادهم أن دباغ الجلد ذكاته، و المشهور بل المتسالم عليه عند أصحابنا أن جلد الميتة كلحمه و شحمه لا يقبل التطهير لا بالدبغ و لا بغيره، نعم حكى عن ابن الجنيد طهارته بالدبغ (2)، و عن المحدث الكاشاني الميل إليه (3). و ربما يحكى ذلك عن الصدوق رضى الله عنه (4) و وجه الحكاية أمران:

أحدهما: ورود طهارته بالدبغ في الفقه الرضوي (5)، و ان الغالب ما فيه يطابق فتاواه (6).

و الثاني: أنه روى مرسلًا في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: «لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن و تتوضأ منه و تشرب و لكن لا تصلّ فيها» (7) و قد ذكر في أول الفقيه أنه لا يذكر فيه إلّا ما يفتي به، و من الظاهر أن جعل اللبن و السمن و الماء في الجلد لا يكون إلّا بعد الدبغ، حيث إن الجلد كاللحم و الشحم يصير جيفة لا يصلح جعل شي‌ء فيه إلّا بعد الدبغ.

____________

(1) منتهى المطلب 3: 352.

(2) حكاه العلامة في مختلف الشيعة 1: 501.

(3) حكاه في جواهر الكلام 5: 302.

(4) حكاه العلامة المجلسي في بحار الأنوار 77: 78.

(5) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 302.

(6) المصدر السابق: 44 و 47.

(7) من لا يحضره الفقيه 1: 79، الباب الأول، الحديث 15.

109

..........

____________

و كيف كان فقد يستدل على طهارة جلد الميتة بالدبغ بما في الفقه الرضوي من طهارته بالدبغ، و بما رواه مرسلًا و بمعتبرة الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه و أتوضأ؟ قال: «نعم، و قال:

يدبغ فينتفع به و لا يصلي فيه» (1) و بموثقة سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخص فيه، و قال: «إن لم تمسه فهو أفضل» (2)، و لكن لا يخفى أن الأخيرة لا دلالة لها على طهارة الجلد، بل غايته جواز الانتفاع به على ما يأتي في جواز الانتفاع بالميتة، و الفقه الرضوي لم يحرز أنه رواية فضلًا عن كونها معتبرة، و كذلك المرسلة على ما تقدم آنفاً.

و العمدة معتبرة الحسين بن زرارة و ربما يقال إنها لموافقتها لمعظم العامة تحمل في مقام المعارضة بغيرها- مما تدل على عدم كون الدبغ مطهراً- على التقية، و في صحيحة علي بن أبي المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟

فقال: لا، قلت: بلغنا أن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) مر بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها، أن ينتفعوا بإهابها، فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (صلى الله عليه و آله)، و كانت شاة مهزولة، لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت، فقال: رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها، أن ينتفعوا بإهابها، أي تذكى» (3)، فإنه لو كانت الدباغة مطهرة له لما كان انحصار الانتفاع بجلدها بصورة ذكاتها.

و يؤيد ذلك برواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء؟ إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 186، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 7.

(2) المصدر السابق: الحديث 8.

(3) المصدر السابق: 184، الحديث الأول.

110

..........

____________

أن قال: كان يبعث إلى العراق فيؤتي مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك؟ فقال: إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون أن دباغه ذكاته» (1) فإن هذا الإلقاء و إن كان مستحباً على ما قيل (2) للأمارة على التذكية إلّا أن ظاهرها أن الدباغة لا تطهرها على تقدير كونها ميتة، و إلّا لما كان وجه لإلقاء القميص الذي يليه، و برواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت:

لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إني أدخل سوق المسلمين- أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام- فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أ ليس هي ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: لا و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة و زعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثمّ لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلّا على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)» (3).

و موثقة أبي مريم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) السخلة التي مر بها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و هي ميتة، فقال: ما ضر أهلها لو انتفعوا بإهابها؟، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لم تكن ميتة، يا أبا مريم، و لكنها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها (4).

لا يقال: هذه الروايات غايتها أنه لا ينتفع بالجلد بغير التذكية و إن الحكم بعدم جواز الانتفاع لنجاستها و إنه لا يقيد في طهارته دباغه، و هذا الظهور يرفع اليد عنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 502، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) الحدائق الناضرة 7: 82.

(3) وسائل الشيعة 3: 503، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(4) المصدر السابق: الحديث 5.

111

و لا يقبل الطهارة شي‌ء من الميتات سوى ميت المسلم، فإنه يطهر بالغسل (1)

____________

بقرينة الترخيص الوارد في موثقة سماعة و معتبرة الحسين بن زرارة.

فإنه يقال: هذا الإنكار في الروايات و بيان أن مراد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) الانتفاع به بتذكيته مع أن الانتفاع من الجلد سواء كان من المذكى أو من الميتة لا يكون بدون الدباغة غير قابل للحمل على الكراهة و أن الجلد يطهر بالدباغة، و لكن يكره استعماله في جعله ظرفاً للماء أو اللبن و غيرهما من المائعات، فالطائفتان متعارضتان فلا بد من حمل الترخيص في جعل جلد الميتة ظرفاً للماء و نحوه من المائعات على التقية، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

ما يقبل الطهارة من الميتات‌

(1) فإنه مقتضى إطلاق ما ورد في عدم جواز الانتفاع بالميتة، غاية الأمر عدم جواز الانتفاع بما يشترط فيه الطهارة لم يرد على خلافها ترخيص، و ورد الترخيص في الانتفاع بها بما لا يشترط فيه الطهارة، نعم يطهر ميت الإنسان بعد تمام غسله كما هو ظاهر مثل صحيحة محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إليه: رجل أصاب يده و بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟

فوقع (عليه السلام): «إذا أصاب بدنك جسد الميت قبل أن يُغسل فقد يجب عليك الغسل» (1) بناءً على أن مراد غسل اليد لا غسل مس الميت، و قد تقدم احتمال الثاني، نعم في رواية إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال:

«إن كان غسل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسل فاغسل ثوبك منه- يعني إذا برد الميّت- (2) و لكن الرواية ضعيفة سنداً و مشتملة على التقييد بما إذا برد مع أن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 297، الباب 4 من أبواب غسل المس، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 461، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

112

[السقط قبل ولوج الروح نجس]

(مسألة 9) السقط قبل ولوج الروح نجس، و كذا الفرخ في البيض (1).

____________

نجاسة الميت لا تختص بصورة برده كما يأتي.

و العمدة في نجاسة الميت الآدمي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

و سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: «يغسل ما أصاب الثوب منه» (1)، و لو كان ظاهرها نجاسة الميت فلا تفصيل فيها بين تمام الغسل و عدم تمامه أو البدء بغسله أو عدم البدء به، و لعل هذا أيضاً يوهم عدم النجاسة الأصلية لميت الآدمي، و على تقديرها فالارتكاز على طهارة الرطوبات الباقية بعد الغسل يوجب الالتزام بطهارة الميت.

حكم السقط‌

(1) السقط بعد ولوج الروح داخل في الميتة، و أما قبل ولوج الروح فصدق الميتة عليه غير ظاهر، و قيل بصدقها عليه، فإن التقابل بين الموت و الحياة تقابل العدم و الملكة و لا يعتبر في صدقه سبق الحياة كما لا يعتبر في صدق الموات من الأرض سبق عمارتها و صدق العمى على سبق البصر، و إنما يعتبر في صدقه قابلية المحل (2) بالأمر الوجودي بشخصه أو بنوعه.

و فيه أن الكلام في المقام لم يقع في صدق الميت في مقابل الحي بل في صدق الميتة في مقابل المذكى، و صدقها كما ذكرنا غير ظاهر، و على تقدير صدقها فلم يرد في نجاسة الميتة إطلاق ليعم السقط قبل ولوج الروح.

و قد يقال: إن السقط يندرج في القطعة المبانة من الحي، و فيه أن كونه جزءاً من الحي غير ظاهر، بل هي كالبيضة مخلوق في باطن الحيوان، و على تقديره فلا إطلاق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 300، الباب 6 من أبواب غسل المس، الحديث 3.

(2) انظر التنقيح في شرح العروة 2: 545.

113

..........

____________

في أدلة نجاستها أيضاً فإنها واردة في القطعة التي يقطعها الحبالة أو تقطع من أليات الغنم و لا تعم مثل السقط و البيضة، و عن المحقق الهمداني الاستدلال على كون السقط قبل ولوج الروح ميتة فتكون نجسة بما ورد من أن ذكاة الجنين ذكاة أُمّه (1) فإن مدلولها أن الجنين على قسمين، قسم منه مذكى و هو ما يقع على أُمّه ذكاة و آخر منه ميتة، و هو ما لم يقع على أُمّه ذكاة كما هو المفروض في المسألة.

و فيه أن الجنين القابل للتذكية قسمان، و هو ما كمل خلقته و يعلم ذلك بما أشعر أو أوبر و هو مع ذكاة أُمّه مذكى و مع عدمه ميتة، و أما ما لم يكمل خلقته فلا دلالة فيما ورد بكونه مذكى بذكاة أُمّه أو كونه ميتة، أو أنه خارج عن المذكى و الميتة.

و استدل في التنقيح بوجه آخر على نجاسة السقط قبل ولوج الروح بصحيحة حريز الواردة في الرجل الذي يمر بالماء و فيه جيفة، حيث ذكر (سلام اللّٰه عليه): «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم، فلا توضأ و لا تشرب» فإن الجيفة هو الجائف من الحيوان و نحوه فيعم السقط بل المذكى، غاية الأمر يرفع اليد عن إطلاقه بالإضافة إلى المذكى؛ لما ورد من طهارته بالذكاة و يبقى غيره في إطلاقها و منه السقط قبل ولوج الروح و بعده (2).

أقول: الجيفة في الصحيحة مقيدة بكونها ميتة لما دل على أنه يغسل الثوب و الإناء منها، و قد تقدم أن صدق الميتة في مقابل المذكى على السقط غير ظاهر، نعم على تقدير إحراز الصدق فلا بأس بالأخذ المزبور، و هذا التقرير غير ما ذكر في التنقيح، فإنه‌

____________

(1) مصباح الفقيه 7: 125- 126.

(2) التنقيح في شرح العروة 2: 545.

114

[ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى]

(مسألة 10) ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى (1) و إن كان الأحوط غسل الملاقي خصوصاً في ميتة الانسان قبل الغسل.

____________

قد ذكر فيه أنه قد خرج عن إطلاق الصحيحة المذكى و يبقى غيره على إطلاقها، حيث إن لازم التقرير المزبور أن يحكم بنجاسة ما شك في كونه مذكى مع أنه أطال اللّٰه بقاءه قد حكم بطهارته لاستصحاب عدم كونه ميتة، أو لأصالة الطهارة، و الوجه في اللزوم أن الموضوع للنجاسة الجيفة التي لا تكون مذكاة، و باستصحاب عدم كون الجيفة المشكوكة مذكاة يتم الموضوع للنجاسة.

و الصحيح في التقرير ما ذكرنا من أن النجاسة قد ترتبت على عنوان الميتة، غاية الأمر لا إطلاق في دليل نجاستها حيث إن الروايات وردت في موارد خاصة، كالفأرة و الدابة و غيرهما مما يكون مسبوقاً بالحياة، و على تقدير تقييد الجيفة بهذا النحو من الميتة فلا يفيد أيضاً صدق الجيفة على السقط فلاحظ و تأمل، و العمدة في المقام هو أنه إذا حكم على السقط بكونه ميتة إذا كان بعد ولوج الروح، فالمرتكز في أذهان المتشرّعة عدم الفرق بينه و بين السقط قبل ولوجه، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

ملاقاة الميتة‌

(1) المنسوب إلى المشهور بين الأصحاب أن ملاقاة الميتة و الميت الآدمي بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة، خلافاً لما نسب إلى العلامة (1) و الشهيدين (2) أن ملاقاة الميتة أو الميت الآدمي توجب النجاسة مع الرطوبة أو بدونها، و ربما نسب إلى هؤلاء أن هذا في الميت الآدمي، و أما الميتة فالملاقاة بلا رطوبة مسرية لا توجبها، كما لا توجب الملاقاة بلا رطوبة في سائر النجاسات.

____________

(1) التذكرة 2: 132. منتهى المطلب 2: 456.

(2) البيان: 33، الذكرى: 44، روض الجنان 1: 308.

115

..........

____________

و في مقابل ذلك ما تقدم من المحدث الكاشاني (1) في أن الميت الآدمي لا يكون نجساً، و إنما أمر بتغسيله بماء السدر و ماء الكافور و ماء القراح للتعبد أو للجنابة الحاصلة له بخروج النطفة منه حال الموت.

و كيف ما كان فيستدل على ملاقيها و لو بلا رطوبة توجب النجاسة بالإطلاق في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟

فقال: «يغسل ما أصاب الثوب» (2).

و رواية إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: «إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه» (3) يعني إذا برد الميت، و لكن ما فيه فإنه لو أمكن الأخذ بإطلاقهما و عدم تقييدهما بصورة الرطوبة المسرية فلا بد من الالتزام بذلك في بعض النجاسات الأُخرى، نظير ما ورد في الكلب من أنه يغسل ما أصابه أو ما مسه على ما تقدم.

و بتعبير آخر الارتكاز العرفي بأن مع عدم الرطوبة لا سراية و لا تنجس يوجب انصرافهما إلى صورة الرطوبة المسرية، و لو سلم الإطلاق و عدم الانصراف فلا بد من رفع اليد عنه و تقييد الملاقاة بصورتها بموثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كل شي‌ء يابس ذكي» (4) و ظاهره بقرينة السؤال: عن الرجل يبول و لا يكون عنده الماء‌

____________

(1) مفاتيح الشرائع: 66- 67 و 71. و حكاه عنه البحراني في الحدائق 5: 67 و السيد الخوئي في التنقيح 2: 546.

(2) وسائل الشيعة 3: 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: 461، الحديث الأول.

(4) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

116

..........

____________

فيمسح ذكره بالحائط (1)، أن كل نجس مع عدم الرطوبة لا ينجس فيعم الميتة و الميت.

و بتعبير آخر الموثقة حاكمة على أدلة تنجس الأشياء الطاهرة بملاقاة النجاسة و لو اغمض عن الحكومة، و قيل إن النسبة بين ما دل على نجاسة ملاقي الميت و الميتة سواء كانت مع الرطوبة المسرية أم لا، و بين ما دل على طهارة ملاقي اليابس عموم من وجه؛ لأن هذه مختصة باليابس، و عام من حيث الميتة و غيرها، و الروايتان خاصتان بالميتة و مطلقتان من حيث الرطوبة و عدمها، فتقدم الموثقة؛ لأن عمومها بالوضع، و على تقدير المعارضة فالمرجع بعد تساقطهما إلى أصالة الطهارة في ملاقي الميتة بلا رطوبة كما لا يخفى، و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل تصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: «ليس عليه غسله و ليصل فيه، و لا بأس» (2).

و هذه الصحيحة تحمل على صورة عدم الرطوبة المسرية جمعاً بينها و بين ما دل على نجاسة الميتة و أن ملاقي الميتة تنجس بالملاقاة مع الرطوبة كالروايات الواردة في السمن و الزيت و غير ذلك يموت فيه الفأرة و الإناء يموت فيه الجرذ.

و في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتاً سبع مرات» (3) فإن هذه أيضاً محمولة على صورة وجود الماء أو الرطوبة المسرية في الإناء بقرينة ما تقدم من أن: «كل شي‌ء يابس ذكي» (4)، بل لا يبعد انصرافها‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 3: 442، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) المصدر السابق: 496، الباب 53، الحديث الأول.

(4) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

117

[يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده]

(مسألة 11) يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده فلو مات بعض الجسد و لم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1).

[مجرد خروج الروح يوجب النجاسة و إن كان قبل البرد]

(مسألة 12) مجرد خروج الروح يوجب النجاسة و إن كان قبل البرد من غير فرق بين الإنسان و غيره (2). نعم وجوب غسل المس للميت الإنساني مخصوص بما بعد برده.

____________

إلى صورة وجود الماء أو غيره في الإناء مما يوجب موت الجرذ بالوقوع فيه، كما لا يبعد الحمل على صورة الرطوبة ما في التوقيع المروي في الاحتجاج قال: مما خرج عن صاحب الزمان إلى محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري حيث كتب إليه روى لنا عن العالم (عليه السلام) أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة، كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخر، و يتقدم بعضهم و يتم صلاتهم، و يغتسل من مسّه؟

التوقيع: «ليس على من نحّاه إلّا غسل اليد» (1).

شروط نجاسة الميتة‌

(1) لأن الموضوع للنجاسة هو الحيوان الميت، أي الميتة و الميت من الإنسان، و لا يصدق شي‌ء منهما على حيوان أو إنسان خرجت الروح من يده أو رجله بالشلل و نحوه، نعم مع انفصال ذلك الجزء ورد الدليل على الإلحاق، و بتعبير آخر لا يصدق على إنسان أنه مات إلّا بخروج روحه من جميع بدنه، و لا تصدق الميتة على حيوان إلّا بعد زهوق الروح من بدنه كذلك، فلا وجه للتردد فيه كما في شرح الدروس لاحتمال صدق الميتة قبله.

(2) كما عن جماعة منهم الشيخ في المبسوط (2) و العلامة في التذكرة (3)، أما في‌

____________

(1) الاحتجاج 2: 302، و وسائل الشيعة 3: 296، الباب 3 من أبواب غسل المس الميّت، الحديث 4.

(2) المبسوط 1: 179.

(3) التذكرة 2: 134.

118

..........

____________

الإنسان فإنه مقتضى الإطلاق في صحيحة الحلبي المتقدمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: «يغسل ما أصاب الثوب (1) فإنه يعم الإصابة قبل البرد و بعده، و أما ما في رواية إبراهيم بن ميمون من قوله: «و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه- يعني إذا برد الميت-» (2) فقد تقدم أنه يحتمل أن يكون تفسيراً من الراوي، و إلّا لما كان لإضافة كلمة التفسير مناسبة مع أنه ضعيف سنداً؛ لعدم ثبوت التوثيق لإبراهيم بن ميمون، مع أنه معارض بالتوقيع المروي في الاحتجاج (3) فإنه فرض فيه حرارة الميت مع الأمر فيه بغسل اليد من مسّه.

و نسب إلى أكثر الأصحاب أنه لا ينجس بدن الميت قبل البرد، و استدل على ذلك بالاستصحاب و عدم إحراز صدق الميت قبل البرد، و أن الملازمة بين وجوب الغسل بالضم و وجوب الغسل بالفتح مقتضاها عدم ثبوت الثاني مع عدم ثبوت الأول، و لنفي البأس عن مسّ الميت بالحرارة.

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مسّ الميت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس بها بأس» (4) و مقتضى إطلاق نفي البأس عن مس الميت عند موته عدم لزوم الغسل بالضم و عدم وجوب الغسل بالفتح.

و لكن شي‌ء مما ذكر لا يصلح للاعتماد عليه، فإن الأصل لا تصل النوبة إليه مع الدليل على تنجس الثوب و اليد و غيرهما بالمس مع الرطوبة، و لو قبل البرد.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 461، الحديث الأوّل.

(3) الاحتجاج 2: 302.

(4) وسائل الشيعة 3: 295، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحديث الأول.

119

..........

____________

و دعوى عدم صدق الميت قبل البرد عجيب فإنه لا فرق في الصدق بين الحيوان و الإنسان بأنه بخروج الروح عن بدن الحيوان أو الإنسان يصدق أنه مات.

و دعوى الملازمة بين وجوب الغسل بالضم و وجوب الغسل بالفتح بحيث ينتفي الثاني بانتفاء الأول أول الكلام، بل الدليل كما ذكرنا على خلافها و لا يمكن استفادة الملازمة من صحيحة محمد بن مسلم (1) أو غيرها، فإنه لو سلم ظهورها في التقبيل زمان حصول الموت لا حال الاحتضار فدلالتها على عدم البأس من حيث عدم التنجس و لو مع الرطوبة بالإطلاق فيرفع اليد عنه بصحيحة الحلبي (2) الدالة على تنجس الثوب و اليد بالملاقاة مع الرطوبة.

لا يقال: النسبة بينهما العموم من وجه، فإن صحيحة الحلبي بعد تقييدها بموثقة ابن بكير الدالة على أن: «كل شي‌ء يابس ذكي» (3)، يكون مقتضاها تنجس الملاقي مع الرطوبة بلا فرق بين ما قبل برد الميت أو بعده، و مقتضى صحيحة محمد بن مسلم عدم البأس بمس الميت ما قبل برده سواء كانت مع الرطوبة المسرية أو بدونها.

فإنه يقال: نعم، و لكن الحكم بنفي البأس في صحيحة محمد بن مسلم مطلق من حيث الحدث و الخبث، و البأس في صحيحة الحلبي مختص بالخبث فيرفع اليد عن صحيحة محمد بن مسلم أي من إطلاق حكمه في مورد اجتماعهما و هو الملاقاة قبل البرد مع الرطوبة بخصوص الحكم في صحيحة الحلبي، و هذا نظير ما لو ورد في خطاب لا بأس بالعصير إذا غلى، و ورد في خطاب يحرم شرب العصير إذ غلى، يجمع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 295، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 3: 462، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

120

..........

____________

بينهما بحمل الأول على نفي البأس الوضعي برفع اليد عن إطلاقه بالإضافة إلى نفي البأس التكليفي.

و قد يقال: إن نجاسة الميت لا تختص بغير الشهيد، فإن مقتضى صحيحة الحلبي نجاسة بدن الميت بلا فرق بين الشهيد و غيره، و عدم وجوب تغسيله لا يكشف عن طهارته، كما أن عدم اعتبار إزالة الدم من جسده و ثيابه التي يدفن فيها لا يكشف عن طهارة ذلك الدم.

أقول: ظاهر رواية إبراهيم بن ميمون (1) نجاسة غير الشهيد من الميت بقرينة ما فيها من التفصيل بين كون إصابة اليد و الثوب قبل تغسيله أو بعده، و لكن قد تقدم عدم تمام سندها.

و أما صحيحة الحلبي فدعوى انصرافها إلى غير الشهيد لا يخلو عن تأمل بل منع، و إن ذكر في الجواهر طهارة بدن الشهيد (2).

لا يقال: ما الفرق بين النجاسة و بين إيجاب مسّ الميت الغسل على الماس، فإنهم ذكروا أن مسّ الشهيد لا يوجب الغسل.

فإنه يقال: ورد في روايات غسل المس أن من مسه قبل تغسيل الميت و بعد برده وجب عليه الغسل، و هذا باعتبار انصرافها إلى غير الشهيد يوجب تقييد الإطلاق في بعض الروايات من أن مس الميت يوجب الغسل، بخلاف طهارة الميت بالغسل فقد ذكرنا أنه بالارتكاز بأن الرطوبة الباقية بعد تغسيل الميت لا يعامل معها معاملة النجاسة، و هذا لا يجري في الشهيد.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 461، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) جواهر الكلام 5: 307.

121

[المضغة نجسة، و كذا المشيمة و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل]

(مسألة 13) المضغة نجسة، و كذا المشيمة و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل (1).

____________

لا يقال: يستفاد طهارة الميت بعد تغسيله بإطلاق صحيحة محمد بن مسلم قال:

«مس الميت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس بها بأس» (1) فإن نفي البأس عن المس بعد تغسيل الميت يعم نفي وجوب غسل المس و تنجس ما أصابه بدن الميت.

فإنه يقال: قد تقدم أنه لا يمكن نفي التنجس بإطلاقها، حيث إنه يعارض إطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة و يرفع اليد بها عن إطلاق الحكم أي نفي البأس بحمله على نفي غسل مس الميت فلاحظ.

حكم المضغة‌

(1) قد يقال بنجاسة كل من المضغة و المشيمة و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل؛ لكونها من الأجزاء المبانة من الحي، و لكن قد تقدم في السقط قبل ولوج الروح أنه مخلوق في باطن الحي، و لا يعد من أجزائه التي يمكن استفادة نجاسة المبان منها، مما ورد فيما تقطعه حبالة الصيد من أعضاء الحيوان، و ما ورد في قطع أليات الغنم، و يجري ما تقدم فيه فيما عنون بها هذه المسألة.

و العمدة في أن السقط بعد ولوج الروح من الآدمي داخل في عنوان الميت، و من الحيوان في عنوان الميتة، و المرتكز عند أذهان المتشرعة عدم الفرق في الحكم بالنجاسة بينهما و بين السقط قبل ولوج الروح، أو بين ما عنون بها هذه المسألة مضافاً إلى ما عرفت من أنه يمكن الأخذ بإطلاق الجيفة في صحيحة حريز الواردة في الماء يمر به الرجل و فيه الجيفة (2)، فإن الجيفة تصدق على السقط المزبور و ما عنون بها‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 295، الباب 3 من أبواب غسل مس الميت، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 1: 138- 139، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

122

[إذا قطع عضو من الحي و بقي معلقاً متصلًا به فهو طاهر]

(مسألة 14) إذا قطع عضو من الحي و بقي معلقاً متصلًا به فهو طاهر ما دام الاتصال، و ينجس بعد الانفصال، نعم لو قطعت يده مثلًا و كانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب (1).

____________

المسألة حيث إنها اللحم أو الشحم أو الجلد الجائف، غاية الأمر رفع اليد عن إطلاقها بالإضافة إلى المذكى و المبان منه فتدبر.

العضو المقطوع المعلق‌

(1) ما دل على أن الجزء المبان من الحي ميتة أو ميت قد ورد في أليات الغنم تثقل فتقطع، و هذه لا تعم إلّا القطع بمعنى انفصال الجزء المقطوع، و ورد فيما أخذت الحبالة من الصيد فقطعت منه رجلًا أو يداً (1)، فقطع الحبالة يداً و رجلًا يكون بانفصال اليد و الرجل عن بدن الحيوان، و لا يصدق فيما إذا بقي بعد جرح العضو معلقاً على بدن الحيوان، إلّا إذا بقي معلقاً بجلدة رقيقة فإنه لا يبعد و لا أقل من الأحوط الاجتناب عنه.

و أما ما قيل من أنه مع الانفصال تماماً أو ما إذا بقي معلقاً بجلدة رقيقة يخرج الجزء عن تبعية البدن، أي الحيوان الحي أو الإنسان الحي، بخلاف ما إذا خرجت الروح عن الجزء و لم ينفصل عن البدن، كما في العضو المشلول أو قطع من الجزء شي‌ء و هو متصل بالبدن، فإنه يعد من توابع ذي العضو عرفاً، و يقال إنه يده أو عضوه الآخر فلا يخفى ما فيه، فإن تبعيته للحي بمعنى القول أنه يده أو رجله حاصل عرفاً مع الانقطاع و الانفصال، و يقال إنها يد زيد قد سقطت في المعركة، و هذه النسبة لا يفرق فيها الانفصال و الاتصال.

و العمدة أنه مع عدم الانفصال كما ذكر لا يدخل في مدلول الأخبار المشار إليها فلاحظها، اللهم إلّا أن يقال: إنه مع الانفصال أو مع الاتصال بجلدة رقيقة يصدق أنه ليس‌

____________

(1) وسائل الشيعة 23: 376، الباب 24 من أبواب الصيد، الحديث الأول.

123

[الجند المعروف كونه خصية كلب الماء إن لم يعلم ذلك و احتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر]

(مسألة 15) الجند المعروف كونه خصية كلب الماء (1) إن لم يعلم ذلك و احتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر و حلال و إن علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته لكنه محكوم بالطهارة لعدم العلم بأن ذلك الحيوان ممّا له نفس.

[إذا قلع سنّهُ أو قصّ ظفره فانقطع معه شي‌ء من اللحم فإن كان قليلًا جداً فهو طاهر]

(مسألة 16) إذا قلع سنّهُ أو قصّ ظفره فانقطع معه شي‌ء من اللحم فإن كان قليلًا جداً (2) فهو طاهر و إلّا فنجس.

[إذا وجد عظماً مجرداً و شك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة]

(مسألة 17) إذا وجد عظماً مجرداً و شك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (3) حتى لو علم أنه من الإنسان و لم يعلم أنه من كافر أو مسلم.

____________

له يد، بل كان بخلاف فرض الشلل.

(1) و يقال إن الجند المعروف بخصية كلب الماء، مادة تستعمل في طبخ بعض الحلويات و لم يعلم أنه جزء الحيوان، و خصية كلب الماء حقيقة، و عليه فهو محكوم بالطهارة و الحلية؛ لأصالة الطهارة و الحلية، و لو أُحرز أنه خصية كلب الماء حقيقة فهو محكوم بالطهارة؛ لأن كلب الماء لم يحرز أنه مما له دم سائل، بل قيل كما تقدم أن كل حيوانات البحر كذلك (1)، و لكن لا يجوز أكلها؛ لأن كلب الماء من غير المأكول لا سيما الخصية، فإنها من المأكول لحمه، أيضاً لا يجوز أكلها.

(2) و يقال في وجه طهارته خروجه عن مدلول الأخبار الواردة في الجزء المبان من الحي، و للسيرة الجارية عن المتشرعة بعدم الاجتناب عن مثل ذلك مما هو صغير جداً يكاد يلحق بالثؤلول و البثور.

عظم الحيوان‌

(3) إذا أحرز أن العظم من حيوان، و لم يعلم أنه عظم الكلب أو الخنزير أو عظم غيرهما يحكم عليه بالطهارة، فإن العظم من الحيوان أي حيوان، سواءً كان مذكى أو‌

____________

(1) كشف اللثام 3: 192.

124

..........

____________

ميتة، محكوم بالطهارة غير الكلب و الخنزير، و مقتضى الاستصحاب عدم كون العظم المزبور عظمهما و لا يحتاج إلى إثبات كونه من عظم حيوان آخر؛ لأن الخارج عن قولهم (عليهم السلام) العظم ذكي عظم الكلب و الخنزير، و استصحاب عدم عنوان المخصص يكفي في ثبوت حكم العام بناءً على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي على ما تقدم، و مع الإغماض عنه تجري أصالة الطهارة في العظم المزبور.

و إذا أُحرز أنه من عظم إنسان و لم يعلم أنه مسلم أو كافر، فقد ذكر في المستمسك أنه يحكم في الفرض بنجاسة العظم، فإن التقابل بين الكفر و الإسلام تقابل العدم و الملكة (1)، حيث إن الكفر عدم الإسلام في مورد قابل له، و استصحاب عدم الإسلام في الإنسان الذي منه العظم يثبت أنه العظم من إنسان ليس له إسلام، حيث إن كونه من إنسان محرز بالوجدان، و مقتضى الاستصحاب نفي الإسلام عنه، و هذا الثابت موضوع للنجاسة و لا يبقى معه مورد لأصالة الطهارة؛ لأنها أصل حكمي.

و أورد في التنقيح (2) على ذلك بأن التقابل بين الكفر و الإسلام و إن كان تقابل العدم و الملكة، فالكفر عدم الإسلام نظير التقابل بين العمى و البصر، إلّا أن مع ذلك استصحاب عدم الإسلام في مورد قابل له لا يثبت الكفر، فإن معنى الكفر ليس عدم الإسلام و كون المورد قابل له بمفاد (واو) الجمع ليقال إن كون المورد قابلًا للإسلام محرز بالوجدان و الأصل عدم الإسلام، بل معنى الكفر بسيط يعبر عنه بالعدم الخاص، كما هو معنى العمى، و هذا المعنى لا يثبت بضم الوجدان إلى الأصل، بل يستصحب عدم الكفر لصاحب العظم و نتيجة ذلك الحكم بطهارته و لا يعارض بعدم الإسلام له،

____________

(1) المستمسك 1: 338. المسألة 17.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 556، المسألة 17.

125

[الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك مثلًا محكوم بالطهارة]

(مسألة 18) الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك مثلًا محكوم بالطهارة (1).

____________

فإن الإسلام ليس بموضوع للطهارة بل موضوع النجاسة الكفر، فتنفى بانتفاء موضوعها و لو بالأصل، و أوضح من ذلك بأن ثبوت الكفر لو كان بمقتضى الأصل، لما كان وجه للحكم بإسلام لقيط الإسلام أو لقيط الكفر فيما إذا احتمل إسلامه لوجود المسلم فيه، و يمكن تولده منه كما ذكر ذلك في كلمات الأصحاب.

أقول: يمكن القول بأن ما ذكروه في اللقيط من حيث وجوب التجهيز، حيث إن الموضوع له كل ميت و قد خرج عنه الكافر، و كون الميت كافراً لا يثبت بالأصل؛ لأن الكافر عندهم من كان منكراً للتوحيد و الرسالة و المعاد أو الضروري، فينتفي كون الإنسان كافراً، و لكن لا يثبت أنه مسلم؛ و لذا يحكم أيضاً بطهارة المشكوك كونه كافراً.

و الحاصل أن الإنكار أمر وجودي، و لو فرض أنه مجرد عدم الاعتراف أو الاعتقاد بما ذكر من الأُصول الاعتقادية و نحوه فلا يثبت باستصحاب عدم الاعتقاد أو الاعتراف أنه كافر، فإن المتفاهم من الكافر من كان على خلاف الحق من الاعتقاد، و يشهد لذلك الفرق بين قولنا: إنه ليس بمسلم، و إنه كافر، و لو فرض أن الكفر عدم الاعتراف و الاعتقاد من الإنسان فهو عدم خاص أي مضاف إلى الإنسان الموجود، و هذا لا يثبت بضم استصحاب العدم إلى الوجود المحرز كما تقدم.

الجلد المشكوك‌

(1) لأصالة عدم كون حيوانه ذا نفس سائلة بناءً على ما تقدم من جريان الاستصحاب في العدم الأزلي، و بها يحكم بطهارته، و مع الإغماض عنه يجري فيه استصحاب عدم جعل النجاسة له، و لا أقل من قاعدة الطهارة.

126

[يحرم بيع الميتة]

(مسألة 19) يحرم بيع الميتة (1).

____________

بيع الميتة‌

(1) المعروف بين الأصحاب عدم جواز بيع الميتة، بل عن التذكرة (1) و المنتهى (2) و التنقيح (3) دعوى الإجماع عليه، و إن قيل بعدم جواز الانتفاع بالميتة و لو باستعمالها في غير ما يشترط الطهارة فيه، فعدم جواز البيع على القاعدة؛ لأن من شرط المعاوضة على شي‌ء حصول المنفعة المقصودة له لئلا يكون أخذ المال بإزائه من أكله بالباطل، و هذا بخلاف ما إذا قيل بجواز الانتفاع بها كجعل جلدها ثوباً أو غمد سيف و نحو ذلك، فإن عدم جواز المعاوضة عليه يحتاج إلى إلغاء المالية عنها شرعاً، و حيث يأتي جواز الانتفاع بها فلا بد من إثبات جواز المعاوضة من التشبث بالأخبار، و العمدة منها رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر البغي، و الرشوة في الحكم، و أجر الكاهن» (4).

و لا يبعد اعتبار سندها؛ لأن السكوني ثقة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) في العدة و الراوي عنه و هو النوفلي غير موثق إلّا أنه لا يبعد استفادة ثقته من دعوى الشيخ (قدس سره) في العدة بعمل الأصحاب بأخبار السكوني، فإن غالب رواياته قد وصلت بواسطة النوفلي مع أنه قد ذكر في أسناد كامل الزيارة، و أن كلًا من الأمرين قابل للمناقشة، و هذه الرواية و إن رواها الصدوق (قدس سره) (5) بسند آخر لم يقع فيه النوفلي، إلّا أن في سندها على النقل‌

____________

(1) التذكرة 10: 25.

(2) منتهى المطلب 2: 1008 (الطبعة الحجرية).

(3) التنقيح الرائع 2: 5.

(4) وسائل الشيعة 17: 93، الباب 5 من أبواب مما يكتسبه به، الحديث 5.

(5) الخصال: 329، الحديث 25.

127

..........

____________

المزبور موسى بن عمرو و ليس عندي توثيق له.

و قد يستدل على ذلك بما رواه ابن إدريس عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها» (1) و رواها في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2)، و لكن هذه الرواية لا تصلح لإثبات عدم جواز المعاوضة على الميتة، فإن طريق ابن إدريس إلى جامع البزنطي غير معلوم لنا، و في سند قرب الإسناد عبد اللّه بن الحسن العلوي و لم يثبت له توثيق.

لا يقال: لا ينظر إلى ضعف السند في المقام؛ لأنه منجبر بعمل المشهور، فإن عدم جواز المعاوضة هو المعروف من مذهب الأصحاب مع ما تقدم من دعوى الإجماع.

فإنه يقال: لم يظهر أن معظم القائلين بعدم جواز المعاوضة عليه فضلًا عن كلهم استندوا في عدم الجواز إلى ما ذكر من الأخبار، فلعلهم أفتوا بذلك لعدم جواز الانتفاع بالميتة عندهم و العمدة في الالتزام بعدم جواز بيعها و سائر المعاوضة عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها يصلح له بيع جلودها و دباغها و لبسها؟ قال: لا و إن لبسها فلا يصلي فيها» (3) و رواية السكوني المؤيدتين بما عن جامع البزنطي.

____________

(1) السرائر 3: 573. و وسائل الشيعة 17: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6.

(2) قرب الإسناد: 268، الحديث 1066، و سنده في الصفحة 261، الحديث 1032. باب ما يحل من البيوع.

(3) وسائل الشيعة 17: 96، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 17. و كذلك الجزء 24: 186، الباب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة، الحديث 6.

128

..........

____________

و قد يقال: إنها معارضة بما يظهر منها جواز بيع الميتة كرواية الصيقل قال: كتبوا إلى الرجل (عليه السلام) جعلنا اللّٰه فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها و نحن مضطرون إليها، و إنّما علاجنا جلود الميتة و البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا، و نحن نصلي في ثيابنا، و نحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا؟ فكتب:

«اجعل ثوباً للصلاة» (1).

و قد أجاب الشيخ الأنصاري (قدس سره) عن هذه الرواية بأنه لم يفرض فيها تعلق البيع بجلود الميتة أو غلاف السيوف مستقلًا أو في ضمن بيع السيوف ليكون نفي البأس المستفاد من التقرير دليلًا على جواز بيع الميتة، غايتها دلالتها على جواز الانتفاع بالميتة بجعلها غمداً للسيف الذي يباع بشرط الغمد، و أضاف إلى ذلك بأن دلالة الرواية على جواز بيع الميتة و شرائها على تقديرها بالتقرير، و لا اعتبار به فإنه غير ظاهر في الرضا خصوصاً في المكاتبات المحتملة للتقية (2).

و فيه أن مورد السؤال استعمال الجلود و بيعها و شراؤها و مسها بالأيدي و الثياب و الصلاة في تلك الثياب، و النهي في الجواب عن الصلاة فيها، و السكوت عن الباقي ظاهر في جواز غيرها، و هذا الإطلاق مقامي لا ترك للتعرض لما يكون في ذهن السامع و إقراره على اعتقاده أو عمله كما هو المراد بالتقرير.

و ربما نوقش في الرواية بأن المفروض فيها الاضطرار إلى الاستعمال، و الكلام‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 173، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) المكاسب (للشيخ الأنصاري) 1: 32- 33.

129

لكن الأقوى جواز الانتفاع بها (1) فيما لا يشترط فيه الطهارة.

____________

في المقام في الاختيار، و فيه أن الاضطرار المفروض فيها بمعنى الحاجة لا الاضطرار الرافع للتكليف مع أن الاضطرار إلى المعاملة الفاسدة لا يصححها، و الصحيح في الجواب أن الرواية في سندها ضعف لجهالة الصيقل و ولده فلا يمكن الاعتماد عليها.

و ربما يقال: إن راوي المكاتبة محمد بن عيسى لا الصيقل و أولاده، و إلّا لكان هكذا قالوا: كتبنا إلى الرجل، و الحاصل ضمير الفاعل في (قال) يرجع إلى محمد بن عيسى فلا يضر باعتبارها جهالة الصيقل و ولده، و فيه ما لا يخفى فإن ضمير الفاعل و إن كان يرجع إلى محمد بن عيسى إلّا أنه لا يروي السؤال و الجواب بحضور الواقعة، بل بحسب نقل الصيقل أو ولده كما هو مقتضى كلمة (عن) الداخلة على أبي القاسم الصيقل و ولده فلاحظ.

و قد ظهر من جميع ما تقدم أن الأظهر في المقام عدم جواز بيع جلود الميتة، و أن رواية الصيقل لا تتم سنداً، و مع الإغماض تحمل على التقية؛ لأن بيع جلود الميتة بعد دباغها مذهب العامة، و لذا حملنا معتبرة الحسين بن زرارة على التقية، فإنه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جلد شاة ميتة يدبغ، فيُصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه و أتوضأ؟

قال: نعم، و قال: يدبغ فينتفع به و لا يصلّى فيه (1)، فإن أكثر العامة بل معظمهم ذهب إلى طهارة الجلد بالدبغ و جواز بيعه فراجع.

(1) كما حكى عن جماعة من الأصحاب منهم العلامة و الشهيدان، فلأن المنع عن الانتفاع بالميتة و إن كان ظاهر بعض الروايات إلّا أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورها بحملها على الكراهة أو الإرشاد إلى عدم الابتلاء بتنجس الثوب و البدن، أو على أن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 186، الباب 34 من أبواب الاطعمة المحرّمة، الحديث 7.

130

..........

____________

المراد بالانتفاع المنهي عنه الأكل بقرينة الترخيص في بعض الروايات الأُخرى، و في صحيحة علي بن المغيرة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟

فقال: «لا» (1).

و موثقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع أ ينتفع بها؟ فقال: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و أما الميتة فلا» (2).

و صحيحة الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- عن قطع أليات الغنم؟ فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: إن في كتاب علي (عليه السلام) أن ما قطع منها ميّت، لا ينتفع به (3) إلى غير ذلك.

و في مقابلها رواية ابن إدريس عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم، يقطع من ألياتها، و هي أحياء، أ يصلح له أن ينتفع بما قطع؟

قال: «نعم يذيبها، و يسرج بها، و لا يأكلها، و لا يبيعها» (4).

و قد تقدم أن هذه لضعف سندها لا تصلح إلّا للتأييد، و كذا رواية الصيقل على ما تقدم و ربما يذكر في المقام من الروايات الدالة على الجواز رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء فقال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلًا صرداً لا يدفئه فراء الحجاز؛ لأن دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتي مما قبلكم بالفرو، فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 184، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 185، الباب 34، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 71، الباب 30 من أبواب الذبائح، الحديث الأول.

(4) السرائر 3: 573، و وسائل الشيعة 17: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6.

131

..........

____________

ذلك؟ فقال: إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون أن دباغه ذكاته» (1) و لكنها أيضاً لا تصلح لإثبات الجواز لضعف سندها أولًا، و عدم ظهور جهة إلقاء الفرو المزبور ثانياً، فإن الفرو المزبور لجلبه من بلد الإسلام محكوم بالتذكية، و الاحتياط لا يجري في المقام مما يعلم صحة العمل حتى مع النجاسة الواقعية أو لبس الميتة كذلك، كما هو مقتضى حديث: «لا تعاد» (2) فلا يصح ما قيل من أن الإلقاء كان للاحتياط كما أن التعليل و الاستمرار على العمل لا يناسبان القول بأنه (عليه السلام) كان عالماً بعلم الإمامة أن الفرو المزبور كان من الميتة.

و العمدة في الحمل على الكراهة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الماشية تكون لرجل، فيموت بعضها، أ يصلح له بيع جلودها و دباغها و يلبسها؟

قال: «لا، و إن لبسها فلا يصلي فيها» (3) فإنها ظاهرة في جواز لبسها في غير الصلاة، و إلّا ذكر (عليه السلام) و لا يلبسها و لا يصلي فيها، و موثقة سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخّص فيه، و قال: «إن لم تمسه فهو أفضل» (4) حيث إن المراد بالمس الانتفاع لا حتى البيع بقرينة النهي عن بيع الميتة على ما تقدم. هذا كله بالإضافة إلى الميتة مما له نفس.

و أما ما ليس له نفس فلا ينبغي الريب في جواز الانتفاع به في غير الأكل و يجوز بيعها عند بعض المانعين عن بيع الميتة، و لكن ما ورد في كون ثمن الميتة سحتاً يعمّه،

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 462، الباب 61 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 1: 371، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) وسائل الشيعة 24: 186، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.

(4) المصدر السابق: الحديث 8.

132

[الدم من كل ما له نفس سائله]

الخامس: الدم من كل ما له نفس سائله، إنساناً أو غيره (1) كبيراً أو صغيراً

____________

إلّا أن يدعي انصرافها إلى ميتة ما له نفس و لا يخلو عن تأمل، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

الدم‌

(1) نجاسة الدم من الإنسان و الحيوان في الجملة من المسلمات عند علماء الإسلام، بل لا يبعد عدّ ذلك من ضروريات الدين و عليه فلا يحتاج نجاسة الدم كما ذكر إلى الاستشهاد و الاستدلال، و إنما يقع الكلام في جهتين:

أولاهما: هل في البين عموم أو إطلاق في نجاسة الدم ليتمسك به في مورد الشك فيه بحيث يحتاج الحكم بطهارة الدم إلى دليل مخرج؟ أو أن الأمر بالعكس فلا إطلاق و لا عموم في أدلة نجاسته، و مع عدم تمامية الدليل في المورد على النجاسة يحكم بطهارته فإنها مقتضى الأصل.

و ثانيتهما: بيان الموارد التي يحكم فيها بطهارة الدم للدليل أو للأصل.

أما الجهة الأُولى، فيمكن أن يقال إن نجاسة الدم من الإنسان و الحيوان الذي له نفس سائلة كما في المتن مقتضى كلمات الأصحاب فإن كلماتهم و إن كانت تختلف في التعبير فإن في بعضها: أن الدم من ذي النفس نجس (1)، و في بعضها الآخر أن دم ذي العرق نجس (2)، و لكن المراد منهما واحد، و كذا ما في بعضها أن الدم المسفوح نجس (3)، فإن المراد من هذه العبارة على ما يقتضي التدبر في كلماتهم مقابل الدم المتخلف و الدم من غير ذي النفس، حيث ذكروا بعد ذلك طهارتهما، و لأنه قد ورد في الروايات ما يظهر منه نجاسة دم الرعاف و ما يوجد في الأنف و عند نتف لحم الجرح‌

____________

(1) التذكرة 1: 56، و الذكرى 1: 111، و روض الجنان 1: 435.

(2) شرائع الاسلام 1: 42.

(3) الغنية: 41. و المنتهى 3: 188.

133

..........

____________

و قطع الثالول و حك الجسد و دم الجروح و القروح و الحيض و النفاس و الاستحاضة و غير ذلك، و لم يتعرضوا لتوجيه هذه الروايات بطرح ظهورها أو تضعيف السند في بعضها.

و الحاصل يمكن استظهار أن الدم من الخارج و من الحيوان ذي النفس غير المتخلف محكوم عندهم بالنجاسة.

نعم ينسب إلى الشيخ (قدس سره) طهارة القطع الصغار من الدم بحيث لا يدركه الطرف (1) و يأتي التعرض له، و قد يستدل على نجاسة الدم بقوله سبحانه: «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ» (2) فبدعوى أن ظاهر الرجس هو النجس.

و فيه مع أنه لا يعم دم غير الحيوان و غير المسفوح أي المصبوب أن المتيقن عود الضمير إلى لحم الخنزير، و لا ظهور له في رجوعه إلى غيره أيضاً، و إن ظاهر الرجس هو المعبر عنه في لغة الفرس ب‍ (پليد)، و يوصف العين و الفعل به مع أن النجاسة لا يوصف بها الفعل.

قال عزّ من قائل: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ» (3) فإن مثل الميسر أي القمار لا يتصف بالنجاسة.

و الحاصل أن الرجس غير مرادف للنجس.

____________

(1) نسبه العلامة في المختلف 1: 181. المبسوط 1: 7.

(2) الانعام: الآية 145.

(3) المائدة: الآية 90.

134

..........

____________

و قد يقال في ثبوت نجاسة الدم مطلقاً كما في التنقيح، أن نجاسته كذلك كانت مغروسة في أذهان المتشرعة حتى في أذهان الرواة، و لذا تراهم يسألون الأئمة (عليهم السلام) عن أحكام الدم من غير تقييد الدم في سؤلاتهم بقيد خاص، و كذا الأئمة (عليهم السلام) لا يذكرون قيداً و لا خصوصية له في الجواب عن تلك السؤالات.

و في صحيحة ابن بزيع قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟

فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي «ينزح دلاء منها» (1) فإن الأمر بالنزح و إن كان استحبابياً إلّا أن السؤال عن تأثر ماء البئر بوقوع قطرة أو قطرات من الدم من غير تقييده بقيد و خصوصية مستند إلى ارتكاز نجاسته (2).

و قد ذكر أبو عبد اللّه (عليه السلام) في موثقة أبي بصير: «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه و هو لا يعلم فلا إعادة عليه، و إن هو علم قبل أن يصلي فنسي و صلّى فيه فعليه الإعادة» (3) حيث إن نجاسة الدم بلا قيد و خصوصية أوجب عدم ذكره (سلام اللّٰه عليه) القيد أو خصوصية للدم.

نعم، قد وقع السؤال عن بعض الأفراد لخفاء كونها فرداً كدم البراغيث و نحوه.

و على الجملة يستفاد بملاحظة الروايات أن نجاسة طبيعي الدم كان مفروغاً عنها بينهم، فإن النجس لو كان بعض أقسام الدم كان عليهم التقييد في مقام السؤال مع أنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 176، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 21.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 6- 7.

(3) وسائل الشيعة 3: 476، الباب 2 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

135

..........

____________

لا تقييد فيها فلاحظ.

أقول: دعوى أن المرتكز في أذهان المتشرعة و الرواة نجاسة الدم الخارج من بدن الإنسان و الحيوان ذي النفس من غير فرق بين حيوان و حيوان آخر قليلًا أو كثيراً صحيحة، إلّا أن هذا لا يفيد في مورد الشك في نجاسة الدم كالنقطة من الدم الموجودة في البيضة، أو داخل الحلق و الفم و الأنف، أو في حيوان شك أنه من قسم السمك، فإن الارتكاز من قبيل الدليل اللبي، فما دام لم يحرز الارتكاز في مورد فلا يمكن الأخذ به.

و أما الاستشهاد لأن الدم على إطلاقه نجس بحسب الارتكاز بالإطلاق في مثل الروايات المشار إليها، فعجيب، فإن السؤال فيها وقع عن سائر الأحكام للدم بعد فرض نجاسته و لذا لا حاجة إلى تقييده بقيد و ذكر الخصوصية له، و لذا لم يقيد البول في الصحيحة بالبول من غير مأكول اللحم مع أنه لا يمكن دعوى أن نجاسة مطلق البول و لو من مأكول اللحم كانت عندهم مرتكزاً.

و على الجملة عدم التقييد في السؤال في تلك الروايات، كالتقييد في بعضها بكونه دم رعاف أو دم جرح أو الانصراف فيها إلى دم الإنسان، لا يكشف عن شي‌ء.

و على الجملة فقد فرض السائل في المكاتبة تنجس ماء البئر بوقوع قطرات من البول و الدم، و سئل عن مطهر ماء البئر و ذكر (سلام اللّٰه عليه) في الجواب أن مطهرها نزح دلاء و بقرينة ما ورد في عدم تنجس ماء البئر ما لم يتغير، يرفع اليد عن ظاهر الجواب بحملها على إرادة استحباب التنزه قبل نزح دلاء منها فليست المكاتبة في مقام السؤال عن نجاسة الدم، و لا الجواب فيها في مقام بيان نجاسته ليؤخذ بإطلاقها اللفظي، و أما الإطلاق في الارتكاز فقد تقدم أنه غير محرز.

136

..........

____________

و قد يستدل على نجاسة الدم على إطلاقه بما في موثقة عمار: «كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلّا أن ترى في منقاره دماً فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه و لا تشرب» (1) حيث إن ظاهرها تنجس الماء بالدم الموجود في مثل منقار الباز و الصقر بلا فرق بين دم و دم آخر، غاية الأمر يرفع اليد عن إطلاقه بالإضافة إلى دم مثل غير ذي النفس و يبقى المشكوك تحت الإطلاق.

و يورد على الاستدلال بأن الموثقة لم ترد في بيان نجاسة الدم ليؤخذ بإطلاقه، بل وردت في حكم سؤر طير يكون من السباع، و حكم (سلام اللّٰه عليه) بطهارة سؤره إلّا أن يعلم أن منقاره حامل للنجاسة. و الحاصل أن هذه الموثقة كغيرها من الروايات الواردة في السؤال عن سؤر الحيوانات كالهرة و الشاة و البقر و الحمار و سائر السباع.

نعم يستفاد من الموثقة أن الطير من السباع أيضاً طاهر ذاتاً و عرضاً، و إنّما تكون النجاسة هي العين النجسة التي يحملها بدن الطير مثل منقاره، كما أنه يستفاد الطهارة الذاتية بل العرضية من سائر الروايات الواردة في سؤر الحيوانات، و أنه يستثنى منها الكلب و الخنزير و طهارة الحيوانات عرضاً إما لعدم تنجسها أصلًا كما أشرنا إليه، أو أن زوال العين يوجب طهارتها.

و تظهر ثمرة الخلاف فيما إذا علم الدم أو غيره في منقار الحيوان أو أطراف فمه و شك في بقائها حين شربه الماء، فإنه على الأول لا يحكم بنجاسة الماء؛ لأن استصحاب الدم في منقاره أو أطراف فمه لا يثبت ملاقاة الدم الماء، بخلاف الثاني فإنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

137

..........

____________

يحكم بنجاسته؛ لأن ملاقاة المنقار أو الفم للماء محرز وجداناً، و مقتضى الاستصحاب بقاؤهما على النجاسة، و لعل ذكره (سلام اللّٰه عليه) اعتبار رؤية الدم في منقاره حين شربه الماء يشير إلى الأول من الاحتمالين بل القولين.

و كيف ما كان فلم ترد الموثقة لبيان نجاسة الدم، بل الظاهر منها الطهارة الذاتية و العرضية لسباع الطير و طهارة سؤرها إلّا أن يعلم بإصابة الماء النجاسة التي تحملها.

و لكن يمكن الجواب بأنه لا منافاة بين أن تكون الموثقة واردة لبيان ما ذكر و بيان منجسية أي دم يحمله منقار السباع من الطير، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) «فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه و لا تشرب» (1) و لا يقاس ذلك بمثل قوله سبحانه «فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» (2) في عدم دلالته على طهارة موضع جرح الكلب و طهارة الدم في ذلك الموضع، حيث إن ظاهر الآية جواز الأكل نظير جواز أكل الذبيحة بمعنى أن صيد الكلب لا يجري عليه ما قتله سائر السباع التي يصاد بها، و أن الأول لا يدخل في الميتة كما هو الحال في صيد غيره.

و على الجملة فرق بين قوله و إن رأيت في منقاره دماً نجساً فلا تتوضأ و لا تشرب، و بين ما في الرواية: و إن رأيت في منقاره دماً، فإنه لا يستفاد من الأول تعيين الدم المحكوم بالنجاسة بخلاف الثاني، فإنه يثبت النجاسة و المنجسية لكل دم.

لا يقال: الموثقة ظاهرها الحكم الظاهري للسؤر المزبور و إنه طاهر إلى أن ترى في منقار الباز أو الصقر دماً، و إذا رأيته في منقاره ينتهي أمد طهارة سؤره، فلا دلالة لها إلّا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) سورة المائدة: الآية 4.

138

..........

____________

على ارتفاع الطهارة عن السؤر برؤية أي دم و لا تدل على نجاسة مطلق الدم، حيث لا منافاة بين عدم الطهارة الظاهرية للسؤر و طهارته واقعاً لعدم كون بعض الدماء نجسة.

فإنه يقال: ظاهر ذكر الرؤية في الموثقة كونها طريقاً إلى وجود الدم في المنقار نظير ذكر التبين في الآية الشريفة: «كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» (1)، و حاصل الرواية سؤر الباز و الصقر طاهر، إلّا أن يكون عند شربهما الماء الدم في منقارهما و أنه إذا كان في منقارهما حين شربهما الماء دماً فالسؤر المزبور محكوم بالنجاسة، و يلزمه نجاسة الدم كما لا يخفى، و إن شئت تقول إن أخذ الرؤية في الموثقة نظير أخذها في قولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (2) في أن المتفاهم كونها ذكرت طريقاً إلى الهلال بالأُفق بحيث لو نظر إليه ناظر متعارف و من دون الحاجب لرآه فيكون مفاد الموثقة سؤر الباز و الصقر طاهر إلّا أن يصيبه ما يحملان بمنقارهما من الدم فيكون إصابة الدم للماء منجساً له من غير فرق بين دم و دم آخر الملازم ذلك لنجاسته، كذلك حيث إنه من الظاهر كما يعتبر الإطلاق في ناحية الحكم الذي يتكفله الخطاب كذلك يؤخذ بالإطلاق في ناحية قيود متعلقه و موضوعه، و يؤيد كون مدلولها الحكم الواقعي أن رؤية الدم في منقار الطير لم يذكر غاية للحكم بطهارة السؤر، بل ذكر استثناءً عنه.

و ربما يستدل على نجاسة الدم على إطلاقه بمعتبرة زرارة قال: قلت‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 187.

(2) وسائل الشيعة 10: 257، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 19.

139

..........

____________

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بئر قطرت فيها قطرة دم أو خمر، قال: «الدم و الخمر و الميت و لحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلواً، فإن غلب الريح نزحت حتى تطيب» (1) فإن مقتضاها تنجس ماء البئر بكل مما ذكر، و يطهر بنزحه حتى يذهب تغيره.

و لكن يرد عليه أن الأمر بالنزح بما أنه استحبابي فلا يدل على تنجس الماء ليكون كاشفاً عن نجاسة ما فرض وقوعه في البئر، و ما في ذيلها من الأمر بنزح الماء حتى تطيب فلم يظهر أن الطيب بمعنى الطهارة، بل يحتمل كونه بمعنى غاية استحباب التنزه.

و لا يقاس بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع الواردة فيها: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلّا أن يتغير» (2) فإن الفساد فيها ظاهر في النجاسة و عدم جواز استعمال الماء في الأكل و الشرب و رفع الحدث و الخبث، اللهم إلّا أن يقال إن رفع اليد عن ظهور الأمر بالنزح في صدرها بحمله على استحباب التنزه لا يوجب رفع اليد عنه بالإضافة إلى ظهوره في الذيل في الدم على الإطلاق بتنجس ماء البئر مع تغيره.

لا يقال: لا يحتمل عادة أن لا يعلم زرارة نجاسة الدم و البول ليكون الإمام (عليه السلام) في بيان نجاسة كل منهما، بل ظاهر الرواية سؤاله عن حكم ماء البئر بعد وقوع الدم أو البول المحكوم كل منهما بالنجاسة فيه، و أنه ما ذا يترتب عليه.

فإنه يقال: المطمأن به أن زرارة كان يعلم نجاسة الدم و البول في الجملة، و أما سعة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 179، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: 140، الباب 3، الحديث 10.

140

..........

____________

موضوع النجاسة أو ضيقه فلم يظهر لنا طريق إلى علمه به عند سؤاله عن حكم ماء البئر، و على ذلك فقوله (عليه السلام) في ذيلها أنه: إن تغير ماء البئر بالدم و البول و الخمر، مقتضاه عدم الفرق في نجاسة ماء البئر بين دم و دم آخر، و بتعبير آخر علم زرارة بنجاسة الدم في الجملة و فرضه وقوع ذلك الدم في البئر لا يوجب تقييد الدم في الجواب الواقع بطور الخطاب المطلق، و لذا قيل إن خصوصية السؤال لا يوجب تقييد الإطلاق في الجواب.

و يجري نظير هذا الكلام في موثقة عمار المتقدمة حيث لا يوجب علم عمار بنجاسة الدم في الجملة قبل سؤاله عن حكم سؤر الطير تقييداً في إطلاق الدم في الجواب أو خروجه عن الإطلاق إلى الإهمال.

ثمّ إنه قد ذكر بأن رواية زرارة معتبرة لكون الراوي عن زرارة حريز، و قد تقدم أن للشيخ لجميع رواياته و كتبه طريقاً معتبراً على ما ذكره في الفهرست (1).

و يقرب من معتبرة زرارة معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: «إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، و إن لم تغيره أبوالها فتوضأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» (2) و هذه الرواية و إن تعم مثل دم الحيض و لكن لا يعم مثل الدم في البيضة كما لا يخفى.

و يؤيد نجاسة الدم على الإطلاق النبوي المروي في الذكرى و غيرها: إنما يغسل الثوب من البول و الدم و المني (3).

____________

(1) الفهرست (للشيخ الطوسي): 118.

(2) وسائل الشيعة 1: 138، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(3) الذكرى 1: 111- 112، المنتهى 3: 174.

141

قليلًا كان الدم أو كثيراً (1)

____________

و دعوى عدم الإطلاق فيه إلّا من جهة عقد السلب لا يمكن المساعدة عليها كما ذكرنا في مفهوم الحصر.

و كذا يؤيده خبر زكريا بن آدم الواردة في: «قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر» (1) فإن ما في ذيله من وقوع الدم في العجين يعم الدم من غير فرق بين دم و دم آخر.

(1) قد عرفت فيما تقدم ثبوت الإطلاق في أدلة نجاسة الدم بحيث يعم الدم القليل و لو كان بمقدار النقطة، و لكن نسب إلى الشيخ (قدس سره) و جماعة عدم نجاسة القليل الذي لا يدركه الطرف (2).

و يستدل على ذلك بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: «إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس و إن كان شيئاً بيّناً فلا تتوضّأ منه» (3).

و لكن قد تعرضنا للصحيحة في بحث انفعال الماء القليل و ذكرنا ما حاصله أن العلم بإصابة الامتخاط ماء الإناء لا يلازم أن القطعة الصغيرة من المخطة التي أصابت الماء كانت دماً أو مخلوطاً بالدم مع أنه فرض فيها إصابة بعض القطع الإناء، و أما إصابته للماء فهو مشكوك بدوي.

و في المقام تفصيل آخر منسوب إلى الصدوق (قدس سره) و هو عدم نجاسة ما دون الحمصة من الدم، و يحتمل استناده (قدس سره) إلى الفقه الرضوي و فيه على ما حكي و إن كان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) نسبه العلامة في المختلف 1: 181، و انظر المبسوط 1: 7.

(3) وسائل الشيعة 1: 150، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

142

و أما دم ما لا نفس له فطاهر (1) كبيراً كان أو صغيراً كالسمك و البق و البرغوث

____________

الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلّا أن يكون الدم دم الحيض فاغسل ثوبك منه و من البول و المني قل أم كثر و أعد منه صلاتك علمت به أم لم تعلم (1) أو إلى رواية مثنى بن عبد السلام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أني حككت جلدي فخرج منه دم فقال:

«إن اجتمع قدر حمصة فاغسله، و إلّا فلا» (2) و الفقه الرضوي لم يثبت كونها رواية، و رواية المثنى لضعف سند الشيخ إلى معاوية بن حكيم لا تصلح للاعتماد عليها مع إنها لا تدل على طهارة الدم غايته العفو عنه في الثوب و البدن، و لا ينافي تحديد العفو بما دون الحمصة، لاحتمال كون الأفضل غسله عن الثوب و البدن فيما إذا كان بمقدارها.

و مما ذكرنا يظهر ضعف المنسوب إلى ابن الجنيد من طهارة الدم إذا كان أقل من الدرهم و ألحق به البول و غيره من الأعيان النجسة غير دم الحيض و المني (3)، و الظاهر أنه استند إلى ما ورد في العفو عن الدم الأقل من الدرهم في الثوب و البدن في الصلاة و قاس سائر الأعيان به غير الحيض و المني، فإنه قد ورد فيهما التشديد على ما يأتي في بحث أحكام النجاسات.

دم ما لا نفس له‌

(1) كما هو المنسوب إلى المشهور و المحكي عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط و بعض آخر ما يوهم نجاسته و العفو عنه.

و يستدل على الطهارة بالإجماع و بالروايات.

____________

(1) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 95.

(2) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) المختلف 1: 475، و انظر الصفحة 307 منه.

143

..........

____________

و لكن الإجماع على تقديره مدركي حيث يحتمل كون المدرك لهم ما يأتي التعرض له، و كذا لا يمكن الاستناد في الطهارة بقوله سبحانه «إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (1) بدعوى أن ما لا نفس له لا يكون له دم مسفوح أي مصبوب، و الوجه في عدم الإمكان عدم دلالته على نجاسة الدم أو طهارته بل على حرمة أكل الدم و حلية أكل الدم غير المسفوح و إن يلازم طهارته إلّا أن ثبوت الحلية لأكله مبني على ثبوت مفهوم الوصف، و بما أنه غير ثابت فلا يمنع عن الأخذ بإطلاق ما دل على حرمة أكل الدم، نظير قوله سبحانه: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ» (2)، الآية إلى غير ذلك.

لا يقال: دلالة قوله سبحانه «إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» على حلية دم غير المسفوح ليست بمفهوم الوصف ليدفع بأن الوصف لا مفهوم له فيؤخذ بإطلاق تحريم الدم في قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ» بل دلالتها على حلية دم غير المسفوح بمفهوم الحصر.

فإنه يقال: الحصر في الآية إضافي و أنه عند نزول هذه الآية لم يكن فيما أوحى حرمة إلّا الميتة و الدم المسفوح، و إلّا فالمحرمات إلى إتمام الشريعة كانت كثيرة و إلّا لزم تخصيصه المستهجن، و ثانياً: أن المراد بالمسفوح غير المتخلف في اللحم كما ذكرنا أن العروق الرقيقة في اللحم تشتمل على الدم لا محالة، و يأتي الإشارة إليها، و يشير إلى ذلك ما ورد في المحرمات من الذبيحة، حيث عد منها الدم و في بعضها ما يدل على أن المحرم أكل الدم و لو كان متخلفاً في الجوف، غير ما أشرنا إليه من المتخلف في العروق الرقيقة، و في موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل‌

____________

(1) سورة الانعام: الآية 145.

(2) سورة المائدة: الآية 3.

144

..........

____________

الجريث و لا المارماهي و لا طافياً و لا طحالًا؛ لأنه بيت الدم، و مضغة الشيطان» (1).

و يستدل على الطهارة برواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن علياً (عليه السلام) كان لا يرى بأساً بدم ما لم يذك يكون في الثوب، فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك» (2).

و فيه أنه على تقدير اعتبار السند كما لا يبعد مدلولها جواز الصلاة في دم ما لا يقع عليه الذكاة، و هذا لا يقتضي طهارته لإمكان أن يكون الجواز نظير جواز الصلاة في الدم الأقل من الدرهم من دم الإنسان و غيره من الحيوان ذي النفس، نعم مثل موثقة غياث عن جعفر عن أبيه قال: «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» (3) ظاهره نفي البأس عن نفس الدم فيكون طاهراً، و لكن لا يمكن التعدي منه إلى الصغائر مما لا لحم له، و في مكاتبة محمد بن الريان قال: كتبت إلى الرجل (عليه السلام): هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه؟ و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (عليه السلام): «تجوز الصلاة و الطهر منه أفضل» (4).

و على الجملة فمن لا يرى الإطلاق في ما دل على نجاسة الدم فهو يرجع في دم غير ذي النفس بأصالة الطهارة، و أما من يرى الإطلاق فيه فلا بد له من إثبات وجه رفع اليد عن الإطلاق.

و يمكن تقريب ذلك بما في موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال:

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 130، الباب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 3: 436، الباب 23 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: 413، الباب 10، الحديث 5.

(4) المصدر السابق: 436، الباب 23، الحديث 3.

145

و كذا ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الأشجار عند قتل سيد الشهداء أرواحنا فداه (1) و يستثنى من دم الحيوان المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف (2) سواء كان في العروق أو في اللحم أو في القلب أو الكبد فإنه طاهر

____________

«لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (1) فإن مقتضى إطلاقه عدم إفساده الماء و لو بتفسخه في الماء و انتشار دمه فيه، و لو فرض أن النسبة بينها و بين ما دل على نجاسة الدم العموم من وجه لافتراق ما دل على نجاسة الدم بإطلاقه في سائر الدماء و افتراق هذه الموثقة في البول و الخرء من غير ذي النفس و اجتماعهما في دمه فيرجع بعد تساقط الإطلاقين فيه إلى أصالة الطهارة فتدبر.

(1) لا ينبغي التأمل في الحكم فإن ما في موثقة عمار المتقدمة من قوله (عليه السلام): «فإن رأيت في منقاره دماً» (2) لا يعم ذلك كما هو واضح و الدم في غيرها منصرف عن ذلك.

دم الذبيحة‌

(2) طهارة الدم المتخلف في الذبيحة متسالم عليها بين الأصحاب في الجملة و إنما الكلام في بعض فروض المتخلف.

و على الجملة اللحم من كل ذبيحة و لو مع المبالغة في غسله يكون فيه مقدار متخلف من الدم؛ و لذا يتغير لون الماء بجعله بعد غسله في الماء، و حلية أكل لحمها يساوق الحكم بطهارة الدم المتخلف و لو في عروقه الرقيقة: لأنه لا يحتمل جواز أكل النجس، و لكن هذا فيما يتبع اللحم بل يرى الدم في موضع الذبح من الحيوان و لو بعد غسله كراراً و هذا أيضاً كاشف عن طهارة الدم المتخلف في المذبح و غيره من أجزاء الذبيحة، و لكن لا يجري ذلك في الدم المجتمع في باطن الذبيحة الجارية عند شقّه، و كذا في الدم المختلف الخارج عند‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 230، الباب 4، الحديث 2.

146

نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس أو لكون رأس الذبيحة في علو كان نجساً (1) و يشترط في طهارة المتخلف أن يكون ممّا يؤكل لحمه على الأحوط فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط.

____________

شق قلبه أو كبده فإن جواز الأكل لا يجري في هذا القسم من الدم المتخلف فإنه يأتي عدم جواز أكله فالالتزام بطهارته مع الالتزام بعدم جواز أكله للسيرة القطعية الجارية من المتشرعة من عدم الاجتناب عن هذا القسم و لم يرد عنهم (عليهم السلام) التعرض في الروايات الواردة في الذبائح على كثرتها التعرض للاجتناب عنه و غسل الثوب منه، بل لا يبعد الالتزام بطهارة المتخلف حتى في الأجزاء غير المحلّلة من الذبيحة كالطحال للسيرة المشار إليها في أنه لا يرون فرقاً بين المتخلف في الأجزاء المحلّلة أو المحرّمة.

و على ذلك فلا يمكن الأخذ بالإطلاق في موثقة عمار و غيرها في مثل هذه الفروض على ما هو المقرّر في محلّه من الإطلاق و العموم لا يرد مع السيرة الجارية على مورد الخاص و القيد و المقتضي إطلاق عبارة بعض الأصحاب أن المتخلف في الذبيحة من الدم محكوم بالطهارة سواء كان الحيوان مما يؤكل لحمه أو غيره كالصيد الذي أدركه حيّاً مما لا يؤكل، و لا يبعد ذلك لارتكاز عدم الفرق بين المأكول و غيره في ذلك.

نعم، لو نوقش في الارتكاز يكون المرجع إطلاق ما دلّ على نجاسة الدم و من لا يرى الإطلاق المزبور يتمسك بأصالة الطهارة و قد احتاط المصنف (قدس سره) في المتخلف من غير المأكول اللحم و لعله يرى الإطلاق فيما دل على نجاسة الدم و لم يحرز الارتكاز في عدم الفرق بين المأكول لحمه و غير المأكول.

في الدم المتخلف في الذبيحة‌

(1) تقدم أن الدم الخارج من المذبح محكوم بالنجاسة و ما دل على طهارة المتخلف هو السيرة القطعية المشار إليها و هي غير جارية في الدم المردود إلى الجوف‌

147

..........

____________

من الخارج، بل مقتضى الإطلاق فيما دل على نجاسة الدم و كونه منجساً كون المردود منجساً لما يصيبه من لحم أو عرق أو دم متخلف أو غير ذلك، بل لو قيل بعدم الإطلاق في أدلة نجاسته فالأمر كذلك؛ لأنه لا يحتمل أن يكون رجوع الدم من الخارج ثانياً مطهراً له سواء كان الرجوع لرد النفس أو لكون رأس الذبيحة في علو.

قيل هذا فيما كان الرجوع بعد الخروج عن المذبح و أما إذا كان الرجوع من الداخل فقد يقتضي كلام البعض طهارته.

و في التنقيح ما حاصله: أن الرجوع إلى الجوف بعد وصول الدم إلى منتهى الأوداج المقطوعة غير ممكن، و ذلك فإن الأوداج هو الحلقوم و هو مجرى الطعام، و ثانيهما:

مجرى النفس، و ثالثها: و رابعها: عرقان من يمين العنق و شماله، و يسميان بالوريدين و هما مجرى الدم، و إذا قطع الوريد يخرج الدم من موضع قطعه، فكيف يرجع إلى جوف الذبيحة قبل خروجه عنها؟ نعم يمكن أن لا يخرج الدم من الوريدين إما لانجماد الدم للخوف العارض للحيوان، أو بسد موضع الخروج باليد أو بالنار حيث ينسد بوضع النار على موضع القطع بالتيامه من غير أن يرجع الدم إلى الجوف، و لكن في حلية الذبيحة في الفرض إشكال حيث يعتبر في خروج الذبيحة عن الميتة حركتها بعد الذبح و خروج الدم منه، و لو فرض الاكتفاء بكل واحد منهما كما هو فتوى بعض الأصحاب يحكم بحركته بعد الذبح بحليته، و لكن يحكم على دمه الباقي بالنجاسة؛ لأن الدليل على طهارة المتخلف هي السيرة و هي غير محرزة في فرض عدم خروج الدم المتعارف (1).

و لو تردد الدم في جوف الحيوان أنه من المردود أو غيره، أو تردد ما في الخارج‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 15- 17.

148

..........

____________

من أنه من المسفوح أو من المتخلف فيأتي الكلام فيه عند تعرض الماتن له.

أقول:

يمكن أن يقال: إن عود الدم إلى الجوف ثانياً و إن يوجب الحكم بتنجس الدم الذي يخرج من جوفه ثانياً عند ما تشق الذبيحة أخذاً بما دلّ على نجاسة الدم، إلّا أنّه لا دليل على نجاسة الدم ما دام في الجوف ليتنجس به الجوف و العروق.

و أن الدم الموجود داخلًا إلى الجوف نظير ما إذا شرب الحيوان الماء المتنجس أو الدم ثمّ ذبح، و بهذا يظهر الحال فيما إذا منع بعد الذبح من خروج الدم من عروقه بوضع اليد على الوريدين أو غير ذلك فإنه بناءً على كون الحيوان بذلك ميتة كما هو غير بعيد، حيث لا يكفي في حلية الحيوان الحركة الاختيارية وحدها أو خروج الدم وحده، بل لا بد من اجتماعهما.

فإن الجمع بين ما دل على أن الحيوان إذا ذبح و خرج منه الدم فلا بأس به، و ما دل على أن: الحيوان إذا ذبح و حرك طرفه و ذنبه و رجله فلا بأس (1)، و إن يقتضي الالتزام بكفاية أحدهما على ما هو المقرر في بحث المفاهيم من أن المعارضة مع وقوعها بين المفهوم لأحد الشرطين و منطوق الأُخرى يجمع بينهما برفع اليد عن إطلاق مفهوم كل منهما بمنطوق الأُخرى، إلّا أن في البين رواية تدل على اعتبار مجموع الأمرين من خروج الدم و الحركة الاختيارية، و هي صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشاة تذبح، فلا تتحرك، و يهراق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل إن علياً (عليه السلام) كان يقول: إذا ركضت الرجل، أو طرفت العين فكل» (2)، و لو كان خروج الدم بنفسه كافياً لما كان تعليل النهي بعدم الحركة، بل و للمناقشة في الخروج المزبور بعدم كونه بنحو‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 22، الباب 11 من أبواب الذبائح.

(2) المصدر السابق: 24، الباب 12، الحديث الأول.

149

[العلقة المستحيلة من المني نجسة]

(مسألة 1) العلقة المستحيلة من المني نجسة (1)، من إنسان كانت أو من غيره حتى العلقة في البيض، و الأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض لكن إذا كانت في الصفار و عليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض إلّا إذا تمزقت الجلدة.

____________

المتعارف كما قيل أو لما كان للنهي عن الأكل مجال.

و على الجملة فمع رجوع الدم إلى الجوف يمكن المناقشة في كونه منجساً للجوف، بل في نجاسته أيضاً لخروجه عن الإطلاق في دليل نجاسة الدم فإنه لا يعم إلّا الدم الظاهر كما لا يخفى.

حكم العلقة‌

(1) في الجواهر لم نعرف خلافاً إلّا عن صاحب الحدائق، حيث جزم بالطهارة.

نعم، تأمل فيه جماعة كالشهيد في الذكرى و الأردبيلي و كاشف اللثام (1) و استدل في المعتبر على نجاستها بأنها دم حيوان ذي النفس (2)، و أورد عليه بأن تكونها في الحيوان لا يستلزم كونها جزءاً منه (3)، بل في كشف اللثام: المنع عن دخولها في اسم الدم خصوصاً التي في البيضة (4).

أقول: لو فرض الإطلاق في أدلة نجاسة الدم- كما ذكرنا سابقاً- فلا يبعد الحكم بنجاسة علقة البيض، فإن قوله (عليه السلام): «فإن رأيت في منقاره دماً» (5) يعمّه و إذا كانت العلقة‌

____________

(1) جواهر الكلام 5: 362، و الحدائق الناضرة 5: 51- 52، و الذكرى 1: 112، و مجمع الفائدة و البرهان 1: 315، و كشف اللثام 1: 421.

(2) المعتبر 1: 422.

(3) كتاب الطهارة (للشيخ الانصاري) 2: 345 (الحجرية).

(4) كشف اللثام 1: 421.

(5) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

150

[المتخلف في الذبيحة و إن كان طاهراً لكنه حرام]

(مسألة 2) المتخلف في الذبيحة و إن كان طاهراً لكنه حرام (1)، إلّا ما كان في اللحم مما يعد جزءاً منه.

____________

المزبورة محكومة بالنجاسة يكون المتكون في الإنسان أو غيره من الحيوان كذلك لعدم احتمال الفرق.

و أما إذا نوقش في الإطلاق فيشكل الحكم بنجاستها فضلًا عن نجاسة المتكون في البيضة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في النقطة من الدم التي توجد في البيضة فإنه أيضاً داخل في الإطلاق المزبور، حيث لا يحتمل الفرق بين النقطة من الدم الموجودة في البيضة من طيور الصحارى مما يمكن حصولها في منقار الباز و الصقر بأكلهما تلك البيضة و بين النقطة الموجودة في بيضة الدجاجة، و إذا كان هذا في الصفار و عليه جلده رقيقة يمنع عن ملاقاة بياضها بصفارها لا يتنجس بياضها إلّا إذا تمزقت الجلدة المزبورة قبل إخراج بياضها أو حين الإخراج.

و لعل تفرقته (قدس سره) بين العلقة و النقطة الموجودة في البيض أن الأول يعد من دم الحيوان دون الثاني، و لكن التفرقة بين العلقة في البيض و النقطة من الذي يوجد فيه لا يخلو عن صعوبة.

(1) قد تقدم الكلام فيما يمكن أن يذكر في المقام و ذكرنا أن المتخلف على قسمين:

منها ما يخرج من جوف الذبيحة و عروقه عند شقه و تسليخه، و قلنا الدم المزبور طاهر، و لكن يدخل في إطلاق تحريم أكل الدم و لا مقيد لإطلاقه حيث إن المسفوح مع أنه غير ظاهر في مقابل هذا المتخلف، و ليس له مفهوم لا من جهة الوصف و لا من جهة الحصر المذكور في الآية.

151

[الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دماً نجس]

(مسألة 3) الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دماً نجس (1)، كما في خبر فصد العسكري (صلوات اللّٰه عليه) و كذا إذا صبّ عليه دواء غيّر لونه إلى البياض.

[الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس]

(مسألة 4) الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس (2)، و منجّس للّبن.

[الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أُمّه تمام دمه طاهر]

(مسألة 5) الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أُمّه تمام دمه طاهر (3)، و لكنه لا يخلو عن إشكال.

____________

و القسم الثاني من المتخلف ما يبقى في العروق الرقيقة لا محالة و مقتضى حل أكل اللحم جواز أكله سواء خرج عن عصر اللحم أم لا، فما عن صاحب الحدائق من حل الدم غير المسفوح الملازم لطهارته (1) ضعيف.

(1) إذا فرض صدق الدم عليه فالأمر كما ذكرنا فإنه يعمّه الحكم الوارد على الدم الخارج من البدن، و كذا فيما إذا أُلقي عليه دواء فغير لونه إلى البياض فإن تغير لونه إلى البياض كتغيره إلى السواد لا يوجب خروجه عن اسم الدم.

(2) فإن الدم الموجود في اللبن لا يقصر عن نقطة الدم الموجودة في البيضة، بل الأمر فيه أوضح حيث يخرج الدم عن بعض السطح الداخل عن الضرع فيسقط في اللبن فيكون من دم حيوان، و لذا جزم (قدس سره) بالحكم في المقام و احتاط في الدم الموجود في البيضة.

حكم الجنين‌

(3) قد تقدم أن العمدة في الحكم بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة هي السيرة العملية من المتشرعة و ارتكاز طهارته عندهم، و المحرز من السيرة و الارتكاز الخارج من جوف الذبيحة و عروقها عند سلخها و الباقي في جوفها و عروقها خصوصاً الرقيقة منها.

____________

(1) الحدائق الناضر 5: 51.

152

[الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال]

(مسألة 6) الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة (1) ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال، و إن كان لا يخلو عن وجه، و أما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته.

____________

و الروايات الواردة في أن ذكاة الجنين بذكاة أُمّه مدلولها أن الجنين مع كمال خلقته بأن أشعر أو أوبر بذكاة أُمّه يكون مذكى، و لم يرد في خطاب لفظي أن الدم المتخلف في المذكى طاهر ليقال أن دم الجنين المزبور من المتخلف في المذكى مع أن المتخلف هو الباقي في بدن المذكى بعد خروج مقدار متعارف منه، و هذا لا يجري في الجنين المزبور.

نعم، إذا قطع أوداج الجنين و لو بعد كونه مذكى بذكاة أُمّه و خرج منه الدم المتعارف للجنين المزبور فلا يبعد أن يحكم بطهارة المتخلف للسيرة و الارتكاز المشار إليهما فإنه لا فرق عند المتشرعة بين الجنين الذي يذبح لذكاته كما إذا خرج المذكى من بطن أُمّه حيّاً، و بين الجنين الذي يكون ذكاته بذكاة أُمّه كما إذا خرج من بطن أُمّه ميتاً و قد كملت خلقته، سواء سبقه ولوج الروح أم لا، في أن الدم الباقي بعد ذبحهما و خروج مقدار منه لا يختلف.

نعم، لو نوقش في الإطلاق فيما دل على نجاسة الدم يكون المرجع بالإضافة إلى دم الجنين المذكى بذكاة أُمّه أصالة الطهارة.

دم المصطاد بآلة‌

(1) ما تقدم في الجنين من الالتزام بطهارة دمه المتخلف بعد فري أوداجه و إن لم يكن الفري المزبور ذكاة؛ لأن ذكاة الجنين بذكاة أُمّه يجري في الصيد أيضاً، و يشهد لذلك أنه لو لم يكن الدم المتخلف المزبور محكوماً بالطهارة لما حل أكله غالباً؛ لأن الدم الباقي في عروقه و باطنه لانجماده لا يخرج بغسل اللحم أو الباطن.

و على الجملة هذا على تقدير تمام الإطلاق فيما دل على نجاسة الدم، و أما بناءً على عدم تمام الإطلاق فالمرجع في تمام الدم الباقي في جسد الصيد أو الجنين‌

153

[الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة]

(مسألة 7) الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة (1)، كما أن الشي‌ء الأحمر الذي يشك في أنه دم أم لا كذلك، و كذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني، و لكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا، كدم الحية و التمساح (2) و كذا إذا لم يعلم أنه دم شاة أو سمك.

____________

محكوم بالطهارة.

نعم، الدم الخارج عن جسده بصيده أو قبله فلا ينبغي التأمل في نجاسته لعدم احتمال الفرق بينه و بين سائر الدم من الحيوان المحكوم بالنجاسة.

(1) الظاهر أن المراد ما إذا أُحرز أن المشكوك دم و لكن احتمل أن يكون من الحيوان أو من غيره، بأن يكون آية نازلة من السماء و نحوه مما لا يدخل في ما يستفاد منه نجاسة الدم، و منه إطلاق الدم الوارد في موثقة عمار (1) المتقدمة فإنها كما ذكرنا لا تعم ما ينزل آية أو يوجد تحت الأحجار يوم عاشوراء.

و على الجملة ففي المشكوك من الفرض يستصحب عدم كونه من الحيوان و يكفي في طهارته نفي الموضوع للنجاسة عنه و لا يحتاج إلى إثبات كونه من الآية و نحوها، و كذلك الأمر فيما إذا رأى شيئاً أحمر و شك في كونه دماً أم لا فإن استصحاب عدم كونه دماً يجري و ينفي موضوع النجاسة و لا يحتاج إلى إثبات كونه صبغاً مثلًا.

و على تقدير الإغماض عن الاستصحاب للمناقشة في اعتباره في العدم الأزلي فالمرجع أصالة عدم جعل النجاسة له و لا أقل من قاعدة الطهارة و كذا في الفرض الأول.

الدم المشكوك‌

(2) ذكر الماتن (قدس سره) أنه إذا شك في كون الدم من ذي النفس أو من غيره بأن علم أنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.