تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
154

..........

____________

دم التمساح و شك في أن التمساح له نفس سائلة أم لا، أو علم أنه من الحيوان و تردّد في كونه من الشاة أو من السمك يحكم بطهارة ذلك الدم؛ لكون الدم المزبور مجرى لأصالة الطهارة، بل ربما يقال استصحاب عدم النفس السائلة للحيوان المشكوك أو استصحاب عدم النفس لما منه الدم المزبور محرز لانتفاء الموضوع للنجاسة، حيث ذكر (سلام اللّٰه عليه) في موثقة حفص بن غياث أن كل حيوان ليس له نفس لا يفسد الماء (1) بشي‌ء من أجزائه و رطوباته حيّاً أو ميتاً على ما تقدم.

لا يقال: هذا الاستصحاب و إن لا بأس به في مثل دم التمساح المشكوك كونه من ذي النفس، و لكنه يشكل فيما إذا تردد الدم بين كونه من الشاة أو السمك بما تقدم من عدم جريانه في الفرد المردد.

فإنه يقال: قد تقدم عدم الفرق بين الصورتين و مجرى الاستصحاب الحيوان الخارجي الذي خرج منه الدم المزبور فإن كونه من ذي النفس غير معلوم، و النفس السائلة كانت منفية عنه و لو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، و يحتمل بقاء السالبة على صدقها بعد حصول الحيوان المزبور.

و العمدة أن الاستصحاب في عدم النفس للحيوان المزبور لا يثبت أن الدم من غير ذي النفس على ما تقدم، اللّٰهم إلّا أن يقال إن الموضوع لنفي النجاسة و المنجسية ما ليس له نفس سائله و إن هذا الحيوان لا ينجس الماء بأجزائه و رطوباته على ما تقدم.

و لكن يشكل الحكم بطهارة الدم مع الشك في كونه من ذي النفس أو بغيره بأصالة الطهارة أو باستصحاب عدم انتساب الدم إلى ذي النفس، و ذلك فإنه ذكر (سلام‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

155

..........

____________

اللّٰه عليه) في موثقة عمار الساباطي طهارة سؤر سباع الطير إلّا أن يكون في منقارها دم (1) و قد تقدم أن المستفاد منه أن كل دم نجس و منجس للماء و قد خرج عن هذا العموم الدم مما لا يكون له نفس، أي الدم المنتسب إلى غير ذي النفس، و مقتضى الاستصحاب عدم انتساب الدم المزبور إلى غير ذي النفس و لا يعارض باستصحاب عدم انتسابه إلى ذي النفس لعدم أخذ ذي النفس في موضوع خطاب العام، و العمدة ما تقدم من أن الشارع حكم على ما لا نفس له بأنه ليس شي‌ء منه من النجس و المنجس.

و ما في ذيل الموثقة على رواية الشيخ (قدس سره) و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة، قال:

«إن كان في منقارها قذر لم تتوضأ منه و لم تشرب، و إن لم يعلم أن في منقارها قذراً توضأ منه و اشرب» (2) لم يعلم أنه أيضاً بيان للحكم الظاهري للسؤر، بل يحتمل كونه إرشاداً إلى الطهارة الذاتية و العرضية للدجاجة فيكون سؤرها طاهراً إلّا ما إذا كان في منقارها قذر، و إن كان في منقارها قذر يكون منجساً للماء.

و على تقدير كونه حكماً ظاهرياً لسؤرها فلا قرينة في البين على أن ما ذكر في سؤر سباع الطير أيضاً حكم ظاهري ليحصل التنافي بين الحكم الظاهري في الصدر، حيث جعل غايته العلم بوجود الدم في المنقار و إن احتمل أن ذلك الدم من القسم الطاهر، و بين الحكم الظاهري في الذيل حيث جعل غاية الحكم بطهارة السؤر العلم بالقذر في المنقار، فيتساقطان و يرجع في الدم الملاقي للسؤر بل و غيره إلى قاعدة الطهارة مع أنه ادعى أن الأولى الأخذ بإطلاق الذيل. و يلتزم أن مع عدم العلم بالقذر في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 231، الحديث 3.

156

فإذا رأى في ثوبه دماً لا يدري أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة (1)، و أما الدم المتخلف في الذبيحة إذا شك في أنه من القسم الطاهر أو

____________

المنقار يحكم بطهارة السؤر من غير فرق بين قذر الدم أو سائر الأقذار، و يقيد إطلاق الدم في الصدر بما علم كونه من الدم القذر؛ لأن إطلاق الصدر أي شمول الدم لما علم أنه من القذر أو لم يعلم أحوالي، بخلاف شمول القذر في الذيل للدم و غيره فإنه إطلاق أفرادي، و كلما دار الأمر بين التصرف في الإطلاق الأحوالي أو الأفرادي فالمتعين هو الأول.

بل قد يقال في المقام بالتصرف في الثاني؛ لأن العلم بقذارة الدم في منقار سباع الطير فرد نادر، و لا يمكن تقييد الإطلاق بحيث يختص بالفرد النادر.

و فيه أنه لا دليل على تقييد الإطلاق الأحوالي في موارد معارضته بالإطلاق الأفرادي و أن لا سبيل لنا إلى إحراز أن ما في صدر الموثقة من الحكم بطهارة سؤر سباع الطير إلّا أن يرى في منقارها دماً حكم ظاهري لتقع المعارضة بينه و بين الذيل على ما تقدم.

(1) لا ينبغي التأمل في أنه إذا رأى في ثوبه أو بدنه أو غيرهما دماً، و شك في كونه منه أو من مثل البرغوث أومن حيوان ذي النفس أو من مثل البرغوث يحكم عليه بالطهارة و ذلك لأصالة الطهارة و لا مجال في الفرض للتمسك بالإطلاق في موثقة عمار (1) المتقدمة، إلّا أن ترى في منقاره دماً أو غيرها، فإن مثل دم البرغوث مما لا يصيب منقار سباع الطير و لا يسيل في الماء خارج عن الإطلاق المزبور بالتخصص لا بالتقييد أو التخصيص، و أصالة عدم كونه دم البرغوث معارضة بأصالة عدم كونه من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

157

النجس فالظاهر الحكم بنجاسته عملًا بالاستصحاب (1)، و إن كان لا يخلو عن إشكال، و يحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة عدم الرد، و بين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة عملًا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.

____________

الإنسان أو سائر الحيوان فيرجع إلى أصالة الطهارة.

(1) الظاهر أنه (قدس سره) يريد بقاء دم الحيوان على نجاسته التي كانت قبل ذبح الحيوان و خروج مقدار منه، و لكن هذا الاستصحاب موقوف على تمام الدليل على نجاسة الدم في الباطن مع حياة الحيوان بحيث يكون خروج المقدار المتعارف عند ذبحه مطهراً لذلك الدم الباقي في جوفه، مع أنه لم يتم دليل على ذلك كما أشرنا إلى ذلك في بحث نجاسة البول و الغائط، و مع الإغماض عن ذلك إنما تصل النوبة إلى استصحاب النجاسة إذا لم يكن في البين استصحاب حاكم يثبت طهارة ذلك الدم الباقي أو نجاسته، مع أن الاستصحاب الحاكم موجود، فإن استصحاب عدم خروج شي‌ء من الدم الباقي إلى الخارج عند ذبح الحيوان في الفرض الأول يثبت أنه من الدم المتخلف بعد خروج مقدار متعارف عند ذبحه، و هذا موضوع الطهارة.

و هذا الاستصحاب غير استصحاب عدم رد النفس شيئاً من الدم الخارج فإن هذا الاستصحاب لا يثبت أن تمام الموجود في باطن الحيوان فعلًا من الدم المتخلف كما أن استصحاب عدم خروج المقدار المتعارف في الفرض الثاني أي صورة علو رأس الذبيحة ينفي طهارة الدم الموجودة فعلًا في جوف الحيوان.

و لكن قد يقال: إن الاستصحاب في الفرضين على ما ذكر غير مفيد؛ لأنه ليس في البين ما يعين كون خروج الدم المتعارف خروجه شرط شرعي لطهارة الدم الباقي في الجوف ليكون استصحاب عدم خروجه نافياً لموضوع الطهارة لاحتمال كون خروجه‌

158

[إذا خرج من الجرح أو الدُّمَل شي‌ء أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة]

(مسألة 8) إذا خرج من الجرح أو الدُّمَل شي‌ء أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة (1)، و كذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح، و لا يجب عليه الاستعلام.

[إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة]

(مسألة 9) إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة.

[الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر]

(مسألة 10) الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر إلّا إذا علم كونه دماً أو مخلوطاً به فإنه نجس (2)، إلّا إذا استحال جلداً.

____________

ملازماً لما هو شرط لطهارته، بأن يكون الموضوع للطهارة الدم الذي لا يكون قطع أوداج الحيوان الحي موجباً لخروجه مع عدم المانع عنه، و بهذا يشكل الأمر في استصحاب عدم خروج الدم الموجود في جوفه عند احتمال ردّ النفس بعضه كما هو الفرض الأول.

و على الجملة مقتضى السيرة و الإجماع طهارة الدم المتخلف في الذبيحة في فرض خروج المقدار المتعارف، و لكن كون خروج المقدار المتعارف شرطاً شرعياً أو ملازماً فيشكل تعيينه لعدم الخطاب الشرعي في البين، و عليه فمع الإشكال في استصحاب النجاسة كما تقدم يكون المرجع أصالة الطهارة في الدم.

(1) لأصالة عدم كون المائع المزبور دماً و لا أقل من أصالة الطهارة، و كذا الحال إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أو قيح، و لا يجب عليه الاستعلام كما هو الحال في الشبهات الموضوعية. و مما ذكر يظهر الحال في المسألة التاسعة.

(2) فإنه إذا علم كونه دماً أو مخلوطاً بالدم يحكم بنجاسته، و إن كان منجمداً فإن الانجماد لا يكون مطهراً حيث إنّه مرتبة من يبس الشي‌ء، نعم إذا استحال جلداً يكون ارتفاع نجاسته بالاستحالة التي عدّت من المطهرات.

ذكر في المستمسك أن المخلوط لو كان بنحو استهلاك الدم بأن خرج المائع‌

159

[الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجس]

(مسألة 11) الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجس و إن كان قليلًا مستهلكاً، و القول بطهارته بالنار لرواية ضعيفة ضعيف (1).

____________

المزبور من داخل الجرح مثلًا مستهلكاً بحيث صدق أنه ماء أصفر و كان ملاقاة الدم في الباطن موجباً لصفرته يحكم بطهارته؛ لأن الملاقاة في الباطن لا توجب النجاسة و في الخارج لا ملاقاة للدم عرفاً كما هو المفروض، و مجرد تغير المائع بلون الدم لا دليل على أنه يوجب النجاسة في أمثال المقام مما كانت الملاقاة في الباطن، و كذا تغيره بريحه أو طعمه أو بغيره من النجاسات الداخلية مع كون الملاقاة في الداخل (1).

أقول: هذا الكلام مبني على كون الاستهلاك موجباً لانعدام الشي‌ء عرفاً، و لكن قد تقدم في بحث المياه أن الاستهلاك تبعية للشي‌ء لحكم شي‌ء آخر فتحتاج هذه التبعية إلى قيام الدليل كما هو الحال في الماء المعتصم و في غيره، و منه المقام لا دليل عليها.

حكم الدم المراق في الأمراق‌

(1) حكى عن المفيد (رحمه الله) لا بأس بالمرق فيما إذا سقط فيه دم حال غليانه، و عن الشيخ (قدس سره) في النهاية تقييد عدم البأس بما إذا كان الدم قليلًا، و كذا عن القاضي (2). لدلالة خبر زكريا بن آدم على ذلك قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب و اللحم اغسله و كله، قلت: فإنه قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار إن شاء اللّٰه، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال فسد، قلت: أبيعه من اليهود و النصارى و أُبيّن لهم؟ قال: نعم، فإنهم يستحلون شربه، قلت: و الفقاع هو بتلك المنزلة‌

____________

(1) المستمسك 1: 359.

(2) حكاه الخوانساري في مشارق الشموس 1: 262، و انظر المقنعة: 582. و النهاية: 588. و المهذب 2: 429.

160

..........

____________

إذا قطر في شي‌ء من ذلك، قال: فقال: أكره أن آكله إذا قطر في شي‌ء من طعامي (1) و لكن ابن المبارك سواء كان الحسن بن المبارك أو الحسين (2) بن المبارك مهمل أو لم يذكر له مدح و لا توثيق؛ و لذا لا يمكن الاعتماد عليه بل في المختلف طعن في السند بأن محمد بن موسى إن كان ابن عيسى السمّان فقد طعن فيه القمّيون و تكلموا و أكثروا فيه، قاله ابن الغضائري (3).

أقول: ليس في سند الشيخ محمد بن موسى.

و روى الكليني عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل عن علي بن النعمان، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قدر فيها جزور، وقع فيها قدر أوقية من دم، أ يؤكل؟ فقال (عليه السلام): «نعم، لأن النار تأكل الدم» (4).

و ذكر في المختلف أن الاحتجاج به يتوقف على معرفة عدالة سعيد الأعرج و أنه لا أعرف حاله (5)، و ذكر في الدروس أنه: «لو وقع دم نجس في قدر و هي تغلي على النار غسل الجامد و حرم المائع عند الحليين، و قال الشيخان: يحل المائع إذا علم زوال عينه بالنار، و شرط الشيخ (قدس سره) قلة الدم، و بذلك روايتان لم تثبت صحة سندهما مع مخالفتهما للأصل» (6).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8. رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن موسى عن الحسين بن مبارك عن زكريا. الكافي 6: 422.

(2) في بعض النسخ الكافي: الحسين بن المبارك. راجع معجم رجال الحديث 5: 87.

(3) مختلف الشيعة 8: 330.

(4) الكافي 6: 235، باب الدم يقع في القدر.

(5) مختلف الشيعة 8: 330.

(6) الدروس 3: 19. و انظر السرائر 3: 120، و المختلف 8: 331، و النهاية: 588، و المقنعة: 582.

161

..........

____________

أقول: الظاهر أن سعيد الأعرج هو سعيد بن عبد الرحمن الأعرج الذي وثقه النجاشي (1)، و الشاهد لذلك أن الصدوق (قدس سره) روى بسنده عن سعيد الأعرج و ذكر في مشيخة الفقيه سنده هكذا، و ما كان فيه عن سعيد الأعرج فقد رويته عن أبي رضى الله عنه عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن سعيد بن عبد اللّه الأعرج الكوفي (2) هكذا و سعيد بن عبد اللّه الأعرج و هو سعيد بن عبد الرحمن الأعرج، و إن الشيخ (قدس سره) ذكر في رجاله سعيد بن عبد الرحمن الأعرج (3) خاصة و ذكر في الفهرست سعيد الأعرج (4) خاصة، و لو كانا متعددين لذكر في كل من الكتابين كلًا منهما، مع أن الراوي عنهما صفوان و المروي عنه أبو عبد اللّه (عليه السلام).

و مع الإغماض عن كل ذلك فقد روى في الوسائل بسنده إلى كتاب علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء فطبخ فيها لحم، وقع فيها وقية دم، هل يصلح أكله؟ فقال: «إذا طبخ فكل، فلا بأس» (5) و سنده إلى كتابه طريق الشيخ (قدس سره) و طريقه إلى الشيخ أيضاً صحيح كما ذكر في آخر الوسائل، و لكن لا يمكن الالتزام بمفاد هذه الروايات سواءً كان المفاد عدم تنجس المرق بوقوع الدم، أو أن الدم يطهره النار، كما يقال بالإضافة إلى خبر زكريا بن آدم، و لعله المستند للشيخ فيما ذكره‌

____________

(1) رجال النجاشي: 181، الرقم 477.

(2) من لا يحضره الفقيه 4: 472.

(3) رجال الطوسي: 213، الرقم 2784.

(4) الفهرست: 137، الرقم 323.

(5) وسائل الشيعة 24: 197، الباب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 3.

162

..........

____________

حيث قيد الدم بالقلة، و الوجه في ظهوره في الدم النجس أو إطلاقه بالإضافة إليه سبق السؤال عن وقوع قطرة خمر أو نبيذ في المرق.

و أما روايتا الأعرج و علي بن جعفر فشمولهما للدم النجس لو كان و هو بالإطلاق فيحملان على صورة كون الدم طاهراً كالدم المتخلف في الذبيحة و جواز أكله لاستهلاكه في المرق بحيث لا يصدق أنه دم و ماء و لحم، و كذا يحمل على ذلك أيضاً رواية زكريا بن آدم جمعاً بينها و بين ما تقدم من نجاسة الماء بوقوع الدم فيه؛ لأن احتمال الفرق بين الماء و المرق في التنجس و عدمه بعيد عن ارتكاز المتشرعة، و أن إطلاق تنجس الماء بوقوع الدم فيه يقتضي عدم الفرق بين ما غلى الماء بعده أو لم يغلِ.

و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ، فتقطر قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: «لا» (1) فإن مقتضاه عدم جواز الوضوء من الماء المزبور و لو بعد غليانها.

لا يقال: النسبة بين هذه الصحيحة و ما تقدم من وقوع الدم في المرق العموم من وجه، فإن ما تقدم يختص بالماء المغلي و يعم الدم الطاهر و النجس، و هذه الصحيحة تختص بالدم المتنجس و يعم الماء قبل غليانه و بعده.

فإنه يقال: العموم من وجه بلحاظ إدخال عموم الحكم في الموضوع و لا اعتبار بذلك الإدخال، بل النسبة إذا لوحظت بين نفس الموضوع في الطائفتين تكون الصحيحة بحسب الموضوع المذكور فيها الأخص، حيث لا يعم الدم الطاهر بناءً على عدم احتمال الفرق بين المرق و غيره، و إلّا كان الموضوع فيها مبايناً للموضوع في هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 150، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

163

[إذا غرز إبرة أو أدخل سكيناً في بدنه أو بدن حيوان فإن لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر]

(مسألة 12) إذا غرز إبرة أو أدخل سكيناً في بدنه أو بدن حيوان فإن لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر، و إن علم ملاقاته لكنه خرج نظيفاً فالأحوط الاجتناب عنه (1).

____________

الصحيحة؛ لاختصاصه فيها بالمرق و اختصاصه في هذه الصحيحة بالماء المطلق، و على ذلك فلا تصل النوبة بعد تساقط الإطلاقين إلى استصحاب النجاسة لإثبات عدم كون الغليان مطهراً ليقال إنه لا اعتبار للاستصحاب في الشبهة الحكمية، فالمرجع بعد الغليان أصالة الطهارة فلاحظ و تدبر.

ملاقاة الدم في الباطن‌

(1) الحكم بتنجس الإبرة أو السكين في فرض العلم بملاقاتهما للدم في الباطن يتوقف على ثبوت أمرين:

أحدهما: نجاسة الدم في الباطن.

الثاني: تنجس الطاهر الخارجي بملاقاة النجاسة الباطنية و شي‌ء منهما غير ثابت، حيث إن تنجس الأشياء الطاهرة مستفاد من الأمر بغسل تلك الأشياء من ملاقاة النجاسة أو إهراق الملاقي و عدم استعماله في الأكل و الشرب و التوضؤ. و الأوامر الواردة في غسلها مختصة بموارد الملاقاة بالنجاسة الخارجية فلا يستفاد منها تنجس ما في الباطن من الدم و البول و الغائط و غيرها، و لا تنجس ملاقاة الأشياء الخارجية بملاقاتها في الجوف، و عليه يكون الاحتياط في المسألة استحبابياً، و قد تقدم تفصيل الكلام في بحث نجاسة البول و الغائط.

164

[إذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته]

(مسألة 13) إذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته بل جواز بلعه، نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه (1)، و الأولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.

[الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل و صدق عليه الدم نجس]

(مسألة 14) الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل و صدق عليه الدم نجس، فلو انخرق الجلد و وصل الماء إليه تنجس، و يشكل معه الوضوء أو الغسل (2)، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج، و معه يجب

____________

(1) يظهر مما ذكرنا في المسألة السابقة أنه لا موجب للحكم بتنجس ماء الفم بالدم الخارج من بين الأسنان أو بالدم الداخل في الفم من الخارج، حيث إن التنجس قد ثبت بملاقاة الأشياء الطاهرة الخارجية لا في مثل الريق الذي يعد من الرطوبات الداخلية، و يدل على ذلك أيضاً رواية عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل يشرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه، قال: «ليس بشي‌ء» (1) و لعدم ثبوت التوثيق لأبي الديلم تصلح الرواية للتأييد، هذا بالإضافة إلى تنجس الريق.

و أما بالإضافة إلى أكل الدم بعد استهلاكه في الريق فالجواز مبني على أن الاستهلاك يوجب انعدام الدم عرفاً فلا موضوع لحرمة الأكل، و لكن قد تقدم الكلام في كون الاستهلاك موجباً للانعدام، و لا فرق في ذلك بين الدم الخارج من بين الأسنان و بين الدم الداخل من الخارج، و الأحوط لو لم يكن أقوى عدم جواز البلع لبعض ما ورد في حرمة أكل الدم، و ما ورد في جواز أكل الدم مع استهلاكه يختص بالاستهلاك بالغليان كما مرّ.

الدم المنجمد‌

(2) و وجه الإشكال احتمال أن ما تحت الدم المنجمد مما يجب غسله في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 473، الباب 39 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

165

أن يجعل عليه شيئاً مثل الجبيرة فيتوضأ أو يغتسل. هذا إذا علم أنه دم منجمد، و إن احتمل كونه لحماً صار كالدم من جهة الرض كما يكون كذلك غالباً فهو طاهر.

____________

الوضوء أو الغسل، و أن الدم المزبور حائل، و هذا الإشكال لا يرتفع بوضع مثل الجبيرة عليه، فإن أدلة المسح على الجبائر لا يعم ما وضع على العضو للوضوء أو الغسل، و يحتمل أن يكون تحت الدم من الباطن فيجب غسل موضع الدم بحيث لا يتنجس ماء الوضوء أو الغسل، و إن تنجس بعده بأن يغسل في الجاري أو الكر فالأحوط الوضوء أو الغسل بالنحوين و ضم التيمم إليه فيما لم يكن في مواضع التيمّم و إلّا يكفي الوضوء بالنحوين خاصة و يأتي التوضيح في محله.

166

[الكلب و الخنزير البريان]

السادس و السابع: الكلب و الخنزير (1) البريان دون البحري منهما

____________

الكلب و الخنزير‌

(1) المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً نجاسة الكلب البري من غير فرق بين كلب الصيد و غيره، و المحكي عن الصدوق طهارة كلب الصيد حيث قال: «من أصاب ثوبه كلب جاف و لم يكن بكلب صيد فعليه أن يرشه بالماء، و إن كان رطباً فعليه أن يغسله، و إن كان كلب صيد و كان جافاً فليس عليه شي‌ء، و إن كان رطباً فعليه أن يرشه بالماء» (1) و يدل على نجاسة الكلب بلا فرق بين كلب الصيد و غيره غير واحد من الروايات:

منها: صحيحة الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة إلى أن قال: حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: «رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أول مرة ثمّ بالماء» (2).

و في صحيحته الأُخرى قال: قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام) «إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، و إن مسّه جافاً فاصبب عليه الماء» (3).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الكلب يشرب من الإناء، قال: «اغسل الإناء» (4).

و في صحيحته الأُخرى عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل؟ قال: «يغسل المكان الذي أصابه (5).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 73، باب ما ينجس الثوب و الجسد، الحديث 167.

(2) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 225، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: الحديث 3.

(5) المصدر السابق: 275، الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

167

..........

____________

و في الصحيح عن صفوان عن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن سؤر الكلب يشرب منه أو يتوضأ؟ قال: لا، قلت: أ ليس هو سبع، قال: لا و اللّٰه إنه نجس (1) إلى غير ذلك.

و لعل المستند للصدوق (رحمه الله) ما في صحيحة الفضل الثانية قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: «لأن النبي (صلى الله عليه و آله) أمر بقتلها» (2) حيث إن الأمر بالقتل لا يعم كلب الصيد، و لكن لا يخفى أن مقتضاه طهارة كلب الماشية و نحوها أيضاً مما لا يجوز قتله، أضف إلى ذلك أن في بعض النسخ: «أمر بغسلها»، و الظاهر صحة النسخة لرجوع الضمير المؤنث إلى الرطوبة و إلّا فلا وجه لرجوع الضمير المؤنث إلى الكلب.

و صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه، و السنور، أو شرب منه جمل، أو دابة، أو غير ذلك، أ يتوضأ منه؟ أو يغتسل؟ قال:

«نعم، إلّا أن تجد غيره فتنزّه عنه» (3) و لكن هذه أيضاً تعم الكلاب و لا تختص بكلب دون كلب، و لا بد من تقييد نفي البأس بما إذا كان الماء الذي شرب منه الكلب كثيراً بالغاً حد الكر، بقرينة موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه و يشرب و لا يشرب سؤر الكلب إلّا أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه» (4) و لا يلزم من التقييد حمل المطلق على صورة نادرة حيث إن ما يشرب منه الكلب كما يكون ماءً قليلًا يكون من الغدران و نحوها مما يبلغ ماؤها الكر، بل قيل لو فرض ورود‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 415- 416، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: 414، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 1: 228، الباب 2 من أبواب الاسآر، الحديث 6.

(4) المصدر السابق: 226، الباب الأول، الحديث 7.

168

..........

____________

رواية على عدم البأس بماء قليل شرب منه الكلب فلا يقتضي طهارة الكلب، بل يحتمل أن يكون المراد منه اعتصام الماء القليل أيضاً، و لا بد من رفع اليد عنها بما دل على انفعال الماء القليل على ما تقدم في بحثه.

و على الجملة فليس في البين ما يقتضي طهارة الكلب مطلقاً و لا طهارة كلب الصيد، بل صحيحة محمد بن مسلم تدل على خلافه، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي، فقال: «إذا مسسته فاغسل يدك» (1) و قد تقدم أن الأمر بالغسل في مثلها يقيد بما إذا كانت الملاقاة برطوبة لقوله (عليه السلام): «كل شي‌ء يابس ذكي» (2)، و لما تقدم في صحيحة الفضل الأُولى.

هذا كله بالإضافة إلى نجاسة الكلب بجميع أقسام البري في الجملة، و أما بالإضافة إلى الخنزير البري فنجاسته أيضاً هو المشهور بين الأصحاب، بل لم يعرف الخلاف فيه.

و يدل عليه أيضاً النصوص منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر و هو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، و إن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله، قال: و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات (3) إلى غير ذلك.

ثمّ إنه يقال استعمال الكلب و الخنزير أو غيرهما من أسامي الحيوان في الحيوان البحري بنحو المجاز و رعاية المشابهة ببعض خصوصيات الجسد أو الأوصاف، و إلّا فكل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 416، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 3: 417- 418، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

169

..........

____________

حيوان بحري حوت وسمك فيطلق البقر لبعض حيوان البحر لشباهته البقر في رأسه و عظم جثته، و يقال للتمساح أسد البحر في شجاعته، و عليه المسمى بالكلب أو الخنزير البحري خارج عنوان الكلب أو الخنزير المحكوم بالنجاسة في الروايات المتقدمة و غيرها.

و لو فرض عدم كون الإطلاق بنحو المجاز بأن كان كل من تلك الأسماء موضوعاً للجامع بين البري و البحري أو بدعوى أن الاسم مشترك لفظي فلا ينبغي الريب في أن إطلاقها ينصرف إلى البري منها؛ و لذا يطلق الكلب على البحري مقيداً بخلاف إطلاقه على البري، و كذا في غيره من الأسامي.

و ربّما يقال إنه لو كان الأمر كذلك فدعوى الانصراف على عهدة مدّعيها، بل العمدة في الحكم بطهارة البحري من الكلب و الخنزير بناءً على كون الإطلاق حقيقة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل و أنا عنده عن جلود الخز؟ فقال:

ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنها علاجي في بلادي و إنّما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل لا، قال: ليس به بأس (1) فإنها و إن وردت في خصوص ما يسمى بكلب الماء إلّا أن سؤاله (عليه السلام) بأنه يعيش خارج الماء و جواب السائل أنه لا يعيش خارجه، و الحكم بعدم البأس بذلك مقتضاه أن كل ما لا يعيش خارج الماء طاهر سواء سمى كلباً أو غيره.

أقول: العمدة الانصراف أو كون الإطلاق بنحو المجاز، و إلّا فمن المحتمل أن يكون سؤاله (عليه السلام) لكون الحيوان البحري إذا عاش خارج الماء أيضاً فلا يكون إخراجه عن الماء حيّاً ذكاة له، فتكون الرواية من قبل الروايات التي ورد البأس و النهي فيها عن الانتفاع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 362، الباب 10 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأول.

170

و كذا رطوباتهما و أجزاؤهما و إن كانت مما لا تحله الحياة كالشعر و العظم و نحوهما (1).

____________

بالميتة و بعض تلك الروايات تعم الميتة الطاهرة فراجعها، و قد حملناها على الكراهة.

و الشاهد بل المعين لهذا الاحتمال أنه لو كان في البحر حيوان يعيش خارج الماء فإذا خرج كان طاهراً أيضاً و إن سمّي عند أهل البحر كلباً أو غيره، و لو كان السؤال لما ذكره (دام ظله) لكان مقتضاه الحكم بنجاسته كما لا يخفى.

و على الجملة فما عن الحلي (قدس سره) من الحكم بنجاسة الكلب و الخنزير البحريين أيضاً تمسكاً بإطلاق الاسم لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

(1) على المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً و المستفاد من الروايات الواردة في الكلب و الخنزير أنهما محكومان بالنجاسة حيّاً و ميتاً بجميع أجزائهما و رطوباتهما، و في صحيحة الفضل أبي العباس قال: قال أبو عبد اللّه: «إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله» (1).

و ما ورد في أن العظم و الشعر و غير ذلك مما لا تحله الحياة من الميتة ذكي، ناظر إلى ما تكون نجاسته بالموت فلا تعم ما تكون نجاسته ذاتية.

فما عن السيد المرتضى وجده 0 من الالتزام بطهارة ما لا تحله الحياة من الكلب و الخنزير أيضاً ضعيف، خصوصاً دعوى السيد الإجماع على عدم كون ما لا تحله الحياة من أجزاء الحيوان.

نعم قد ورد في شعر الخنزير و جلده ما ربّما يقال بأن ظاهره طهارتهما.

و في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 225، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث الأول.

171

و لو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر فتولد منهما ولد فإن صدق عليه اسم أحدهما تبعه (1)، و إن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الاخر أو كان مما ليس له

____________

يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس» (1) و في رواية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستسقى به الماء، قال: لا بأس به، و لكن الرواية الثانية مع عدم تمام سندها فإن الراوي عن زرارة أبي زياد الهندي و هو مجهول ناظرة إلى جواز الانتفاع بجلد الميتة من الخنزير، و لا دلالة لها على طهارة الجلد لاحتمال كون الاستسقاء لسقي الزرع و البساتين أو كون الدلو كُراً كما ذكرنا في بحث انفعال الماء القليل.

و مما ذكر يظهر الحال في الروايات الأُولى و أن جواز التوضؤ لكرية الدلو أو عدم العلم بملاقاة الحبل الماء في الدلو، و على تقدير الإغماض فهي من الروايات الواردة الظاهرة في عدم انفعال الماء القليل و لا ظهور لها على طهارة جلد الخنزير أو شعره مع أن السيد لا يلتزم بالطهارة بالإضافة إلى الجلد.

المتولد من الكلب و الخنزير أو من أحدهما‌

(1) أخذاً ببعض ما ورد في نجاسة الكلب و الخنزير من الإطلاق، كما أنه لو صدق عليه عنوان أحد الحيوانات الطاهرة و كان لدليل طهارته إطلاق يؤخذ به فيه، و إن لم يكن له إطلاق أو لم يكن للولد مثل من الخارج يحكم بطهارته لأصالة الطهارة إذا صدق على الولد أنه مركب بحسب الصورة من الكلب و الخنزير، بأن كان رأسه رأس الكلب و سائر جسده الخنزير يحكم بنجاسته، فإن المتفاهم مما دل على حرمة كل من الشيئين أو الأشياء أو نجاسة كل منهما أو منها النجاسة أو حرمة المركب منهما أو منها فلاحظ ما ورد في استعمال آنية الذهب و آنية الفضة، فإنه لا يشك في أن مقتضاهما حرمة استعمال‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 170، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

172

مثل في الخارج كان طاهراً، و إن كان الأحوط الاجتناب عن المتولد منهما إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة (1)، بل الأحوط الاجتناب عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر، فلو نزا كلب على شاة أو خروف على كلبة و لم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة فالأحوط الاجتناب عنه و إن لم يصدق عليه اسم الكلب.

____________

الآنية المركبة منهما، و كذا الحال بالإضافة إلى المعجون المركب من النجسين أو الأزيد.

(1) الاحتياط في كلامه (قدس سره) استحبابي لسبق مورده بالفتوى بالطهارة، و لكن المحكي عن الشهيدان و المحقق الثاني نجاسة المتولد منهما معاً مطلقاً، و مال إليه الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) و ذلك لأن الولد لا يخرج عن حقيقتهما و إن لم يكن تابعاً لأحدهما في الصورة و لحصول ملاك النجاسة فيه مثلهما لا يخفى ما فيه، فإن الموضوع للنجاسة في الخطابات عنوان الكلب أو الخنزير فلا بد من الحكم بنجاسة حيوان من صدق أحد العنوانين أو المركب منهما على ما تقدم.

و أما مع عدم صدقه فلا ينفع كونه في حقيقته من أحدهما أو كلاهما؛ و لذا لا يحكم بنجاسة البخار المتصاعد من البول، مع أن البخار في حقيقته، حقيقة البول عقلًا بل عرفاً.

و لو فرض أنه تولد من طاهرين كلباً و لو بنحو الإعجاز يترتب عليه ما ترتب على الكلب من النجاسة. و دعوى حصول ملاك النجاسة فيه لا يمكن تصديقها لعدم السبيل لنا إلى إحراز الملاك غير صدق عنوان الموضوع في الخطابات.

نعم، ربّما يقال بنجاسة المتولد منهما لاستصحاب النجاسة الثابتة للولد قبل ولوج الروح حيث إنه قبل ولوجه كان جنيناً و جزءاً من بدن الأُم المحكوم بالنجاسة الذاتية، و بعد ولوجه و صيرورته حيواناً آخر يشك في بقاء تلك النجاسة، و بما أن ولوجه عرفاً‌

____________

(1) كتاب الطهارة 2: 347، و انظر الذكرى 1: 118، و شرح اللمعة 1: 285، و جامع المقاصد 1: 124.

173

..........

____________

لا يوجب تعدد الموضوع عرفاً يجري الاستصحاب و لا يبقى معه مجال لقاعدة الطهارة.

و مما ذكر يظهر أنه يكفي في الحكم بنجاسة الولد ثبوت النجاسة الذاتية للأُم، نعم لو صدق على الولد عنوان الحيوان الطاهر و كان لطهارة ذلك الحيوان دليل له إطلاق يؤخذ به في الولد و إلّا يحكم بنجاسته للاستصحاب المذكور.

و لكن ما ذكر يرد عليه:

أولًا: عدم اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية لمعارضة استصحاب النجاسة الثابتة له قبل ولوج الروح لأصالة عدم جعلها بالإضافة إلى ما بعد ولوجه.

و ثانياً: أن الجنين مخلوق في بطن الأُم و لا يكون من جسد الأُم على ما تقدم الكلام في البيضة المتكونة في بطن الدجاجة.

و على الجملة لو كان الجنين قبل ولوج الروح بصورة الكلب أو الخنزير أو المتألف منهما يحكم بنجاسته لصدق الكلب و الخنزير عليه لا لنجاسة أُمّه.

اللهم إلّا أن يقال الولد عند تولده عن الكلب أو الخنزير كان سطحه الظاهر من جسده نجساً للرطوبة الحاصلة له من الأُم و بعد زوالها يحتمل بقاء نجاسته فيستصحب.

و لكن هذا أيضاً غير صحيح؛ لأنه مبني على تنجس بدن الحيوان و قد تقدم عدم الدليل على ذلك، بل الثابت نجاسة نفس تلك الرطوبة و بزوالها ترتفع النجاسة بارتفاع الموضوع لها.

و قيل لو فرض تنجس بدن الحيوان فالاستصحاب المزبور داخل في استصحاب القسم الثالث من الكلي؛ لأن التنجس العرضي قد ارتفع بزوال الرطوبة و النجاسة الذاتية حصولها مشكوك، و هذا بناءً على تنجس النجس بالذات.

174

[الكافر]

الثامن: الكافر بأقسامه (1)

____________

و أما بناءً على عدم النجاسة العرضية للنجس بالذات فاستصحاب نجاسة ظاهر الجسد من استصحاب القسم الثاني من الكلي.

و لا يخفى ما فيه، فإن اختلاف النجاسة الذاتية و العرضية بإضافة السطح الظاهر بالمرتبة، فإنّ الأُولى تزول بزوال الرطوبة و لا تزول الثانية بزوالها، فيكون من قبيل استصحاب الشخص على ما هو المقرر في محله.

و عليه فالعمدة في الإشكال على الاستصحاب المزبور ما تقدم من عدم الدليل على تنجس بدن الحيوان و كون هذا الاستصحاب من الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

و هذا كله فيما كانت الأُم كلباً أو خنزيراً، و أما لو كان الأب كلباً أو خنزيراً فلا مجال لتوهم هذا النحو من الاستصحاب فلا بد فيه من استصحاب النجاسة الثابتة للجنين حال كونه علقة، و يرده عدم البقاء للعلقة للاستحالة، و عدم الدليل على نجاسة العلقة ما دام في جوف الحيوان فلاحظ ما تقدم في نجاسة الدم.

الكافر‌

(1) نجاسة المشركين من الكفار متسالم عليه عندنا (1)، و إنّما نسب القول بالطهارة إلى العامة (2) و إذا كانت نجاسة المشركين كذلك فيكون نجاسة من هو أسوأ حالًا منهم، ممن لا يعتقد بوجود الصانع أصلًا أيضاً كذلك، و الوجه في كون الدهري أسوأ حالًا أن المشركين، و لو قسم منهم كانوا يعبدون الأصنام و الآلهة ليُقربوهم إلى اللّٰه زلفى، و يعتقدون أن الموت و الحياة و النفع و الضرر الراجعين إلى العباد بيد الشفعاء.

____________

(1) في نهاية الأحكام (1: 273): عند علمائنا كافة، و في تهذيب الأحكام (1: 223): أجمع المسلمون على نجاسة المشركين و الكفّار. و الانتصار: 89. و غيرها.

(2) نسبه السيد الخوئي في التنقيح 3: 42.

175

..........

____________

و الظاهر أن نجاسة الناصب أيضاً مما لا خلاف فيها، و في موثقة عبد اللّه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «و إياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم، فإن اللّٰه تبارك و تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، و الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (1) حيث إن المرتكز عند أذهان المتشرعة من نجاسة الكلب كونه قذراً من حيث العين على ما تقدم، و كون الناصب أنجس منه، ظاهره الأشدية في تلك القذارة العينية.

و على الجملة الناصب كافر لا حرمة لدمه و ماله، و في موثقة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس» (2).

و يقع الكلام في المقام في نجاسة غير ما ذكر من أقسام الكفار، و إن ذكر كما عن المحقق الهمداني (قدس سره) أن البحث في نجاسة الكفار بجميع أقسامهم من المتسالم عليه و التكلم فيها تضييع للعمر (3) و ببالي أن المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد لم يتعرض للاستدلال على نجاستهم، و لعله لوضوحها و مع ذلك فقد نسب إلى بعض المتقدمين و إلى بعض متأخري المتأخرين القول بطهارة أهل الكتاب يعني اليهود و النصارى و المجوس، و إن المجوس و إن لم يلتزم بكونهم من أهل الكتاب أيضاً طاهرون كاليهود و النصارى.

و قد حكى المحقق في المعتبر القول بطهارة أهل الكتاب إلى المفيد (4)، و قد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 9: 487- 488، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(3) مصباح الفقيه 7: 259.

(4) المعتبر 1: 96.

176

..........

____________

نسب إلى الشيخ (رحمه الله) في النهاية، و إلى ابن الجنيد في مختصره (1).

و يستدل على نجاسة الكفار من غير فرق بين أهل الكتاب و غيرهم بقوله سبحانه «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (2) بدعوى أن أهل الكتاب أيضاً داخلون في المشركين.

كما يفصح عن ذلك قوله تعالى حكاية عن اليهود و النصارى «وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ ... وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ» (3) فيكون مدلول الآية نجاسة الكافر بلا فرق بين كونه من أهل الكتاب أم لا.

و لكن قد أورد على هذا الاستدلال بوجوه:

منها أنه لم يحرز أن النجس بالفتح في زمان صدور الآية كان ظاهراً في الخبث الشرعي دون القذارة المعنوية، بل المناسب للتفريع هو الثاني؛ لأن إدخال الخبث المسجد الحرام فيما إذا لم يكن موجباً للتعدي إلى المسجد أو هتكاً له نظير دخوله المسجد و في جيبه وصلة حاملة للنجاسة جائز، لا يظن أن يلتزم بحرمته.

و منها أن النجس بالفتح مصدر و حمل القذارة على المشركين من قبيل حمل الحكم بمعنى المصدر على العين، و عليه فلا بد من تقدير مثل (ذو) فيكون المراد إنما المشركون ذو نجاسة و كونهم كذلك يناسب النجاسة العرضية الحاصلة من أكلهم لحم‌

____________

(1) نسبه في الجواهر 6: 41 و 42.

(2) سورة التوبة: الآية 28.

(3) سورة التوبة: الآية 30- 31.

177

..........

____________

الخنزير و الميتة و تناولهم الخمر و غير ذلك من الأقذار.

و لكن هذا الوجه ضعيف حيث حمل المصدر على الذات كقوله: زيد عدل مبالغة معروف، مع أنه قد ذكر من بعض أهل اللغة أن النجس بالفتح و النجس بالكسر بمعنى واحد، و يقتضي كون القذارة هي الذاتية عدم تقيد المنع عن دخول المسجد الحرام بما إذا لم يقع عليهم مطهر.

و منها أن (المشرك) في الآية المباركة لا يعم أهل الكتاب فإنه و إن يعمهم ببعض الاعتبار إلّا أن المعروف منه مقابل أهل الكتاب، و بتعبير آخر أهل الكتاب و إن يكونوا من المشركين حقيقة إلّا أن ظاهره مقابل أهل الكتاب؛ و لذا لا يمكن القول بأن المراد من المشرك مجرد من يعبد غير اللّٰه سبحانه أيضاً فإن هذا المعنى يعم المرائي في عبادته، كما ورد أنه مشرك.

و الإنصاف أن المناقشة في دلالة الآية على النجاسة بالوجهين بين الأول و الثالث وجيهة، و لكن التسالم على الحكم ثابت، و احتمال أن المدرك للتسالم استظهار الحكم من الآية الشريفة ضعيف، فإن من ناقش في دلالتها التزم أيضاً بنجاسة المشركين بل مطلق الكفار مع أنه لا يبعد أن يكون الحكم في المشرك بالفحوى ما ورد في الناصب حيث إنه لا يحتمل عادة نجاسة الناصب و طهارة المشرك خصوصاً مع عناده في شركه، ثمّ إنه لو قيل بإطلاق المشرك و عمومه لأهل الكتاب، و إن مقتضى الآية نجاسة الكفار بلا فرق بين أهل الكتاب و غيرهم فلا يتم الأخذ بها في أهل الكتاب إلّا بعد بيان أن في الأخبار ليس ما يدل على طهارتهم، و إلّا يكون ذلك مخصصاً أو مقيداً لها كما لا يخفى.

و يستدل على نجاسة الكفار و لو من أهل الكتاب برواية منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل صافح رجلًا مجوسياً، فقال: «يغسل يده‌

178

..........

____________

و لا يتوضأ» (1) و ظاهرها كون ملاقاته موجباً للخبث و لا ينقض الوضوء، و الوجه في الظهور ما تقدم في نجاسة بدن الميت من أن الأمر بغسل الملاقي يحمل على صورة وجود الرطوبة المسرية بقرينة ما ورد من: أن «كل شي‌ء يابس ذكي» (2)، و لو حمل الأمر بالغسل في الرواية بالاستحباب جرى نظير ذلك في سائر الأوامر الواردة في سائر النجاسات كما ذكرنا سابقاً.

نعم، لو قامت قرينة على عدم التنجس و لو بالملاقاة مع الرطوبة تعين الحمل عليه، و نحوها موثقة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال: «من وراء الثوب فإن صافحك بيده فاغسل يدك» (3).

و لا مجال لدعوى أن الحمل على الرطوبة المسرية حمل على فرد نادر لما تقدم في حمل مسّ الكلب و الميت، و لعل التقييد بما وراء الثوب لئلا تحصل الرطوبة بمماسة اليدين بحصول العرق، و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة، و أرقد معه على فراش واحد، و أصافحه؟ قال: «لا» (4) و لكن يمكن أن يناقش أن النهي في الصحيحة تكليف و لا إرشاد فيها إلى نجاسة الكافر بوجه.

و في صحيحة سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر اليهودي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 275، الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 3: 420، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(4) المصدر السابق: الحديث 6.

179

..........

____________

و النصراني فقال: «لا» (1).

و في رواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في آنية المجوس، قال: «إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء» (2) و في سند الرواية موسى بن بكر و قد نوقش في وثاقته، و استدل عليها بكونه كثير الرواية يروي الأجلاء كصفوان و ابن أبي عمير عنه، و إن ابن طاوس حكم بصحة رواية في سندها هو.

و لكن شي‌ء مما ذكر لا يثبت وثاقته، فإن كثرة الرواية ككثرة روايات معلى بن محمد البصري أو إبراهيم بن هاشم غير محققة، و مجرد الكثرة لا يثبت الوثاقة، و نقل الأجلاء عنه تعرضنا له مراراً، و تصحيح ابن طاوس لاحتمال كونه مبنياً على أصالة العدالة (3) مع أن توثيق مثل ابن طاوس من المتأخرين لا يخرج عن الاجتهاد و لا يفيد.

و ربما يستدل على وثاقته بوقوعه في أسناد تفسير القمي و بأن العمدة هو أن صفوان بن يحيى قد شهد بأن كتاب موسى بن بكر مما لا يخفى فيه أصحابنا (4)، فإن هذا توثيق لمؤلفه.

و فيه أن وقوعه في أسناد التفسير لا يفيد شيئاً لما ذكرنا من أن وقوع راوٍ في أسناده أو أسناد كامل الزيارات كوقوعه في أسناد روايات سائر الكتب المعتبرة في عدم ثبوت التوثيق العام.

و أما شهادة صفوان فلا أساس لها أصلًا، فإن ما وقع في رواية الكليني عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 421، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) المصدر السابق: 422، الحديث 12.

(3) راجع معجم رجال الحديث (للسيد الخوئي) 19: 30.

(4) معجم رجال الحديث (للسيد الخوئي) 19: 30

180

..........

____________

حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة قال: دفع إليّ صفوان كتاباً لموسى بن بكر، فقال لي: هذا سماعي من موسى بن بكر و قرأته عليه فإذا فيه موسى بن بكر عن علي بن سعد عن زرارة قال: «هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عن أبي جعفر (عليه السلام) أنهما سئلا ...» (1) الخ الرواية رواها في الوسائل في باب 18 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد من: «قال: هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا» (2) الضمير في (قال) يرجع إلى (زرارة) لا إلى (صفوان) و المشار إليه بهذا ليس هو (الكتاب)، بل (الحكم) في فرض السؤال بمعنى أن الحكم المزبور صدر عن أبي عبد اللّه و أبي جعفر بلا خلاف عند أصحابنا.

و إن شئت اليقين بذلك فلاحظ ما رواه يونس بن عبد الرحمن عن موسى بن بكر عن علي بن سعيد قال: قلت لزرارة أن بكير بن أعين حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام) أن السهام لا تعول و لا تكون أكثر من ستة فقال: هذا ليس فيه اختلاف بين أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

و الحاصل أن الرواية من حيث السند لا تخلو عن المناقشة و مدلولها أيضاً ضعيف، فإن الأمر بغسل آنية المجوس لكونها مظنة التنجس باستعمالها في أكل الميتة و لحم الخنزير و الخمر و غير ذلك لا للنجاسة الذاتية للمجوس، و لا أقل من احتمال ذلك.

و منها صحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) «عن النصراني‌

____________

(1) الكافي 7: 97، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 26: 132، الباب 18 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 3.

181

..........

____________

يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلّا أن يغسل وحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل، و سأله عن اليهودي و النصراني يدخل في الماء أ يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إلّا أن يضطر إليه (1).

و ظاهر الأُولى نجاسة جسد النصراني حيث إنه لو كان المراد التجنب عن النجاسة العرضية التي تكون ببدنه لا يكون فرق بينه و بين المسلم.

و لكن ظاهر الثانية استحباب الاجتناب عن الاغتسال بماء اغتسل فيه النصراني فإنه لو كان الماء الذي اغتسل فيه النصراني نجساً لم يكن فرق في عدم الوضوء منه بين الاضطرار إليه و عدمه، و حمل الاضطرار على التقية بلا وجه.

نعم، يمكن حمل الماء على الكر و لكن بعد ثبوت الدليل على نجاسة النصراني و إلّا يكون الحكم استحبابياً كما أشرنا.

و في صحيحته الأُخرى عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، و لا يصلي في ثيابهما، و قال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه، و قال: و سألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان، هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، و إن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله (2).

أقول: النهي في هذه الصحيحة تكليفي فيراد استحباب التنزه حتى بالإضافة إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 421، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) المصدر السابق: الحديث 10.

182

..........

____________

ثوب المشتري، أو أنه من قبيل الاحتياط لغلبة النجاسة العرضية للجسد الكافر و ثيابه، و يأتي لكل من الأمرين الشاهد من سائر الروايات.

و ربّما يعد من الأخبار الدالة على نجاستهم صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمة و المجوس، فقال: «لا تأكلوا في آنيتهم، و لا من طعامهم الذي يطبخون، و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر» (1) و فيه أن النهي عن الأكل في آنيتهم مقيد بما ورد في سائر الروايات بما إذا كانوا يأكلون فيه الميتة، و أن النهي عن أكل من طعامهم لتنجسه إما بالإناء المتنجس أو بما فيه من اللحم و الشحم على ما يأتي.

و في مقابل ذلك ما يكون كالصريح في الطهارة الذاتية لأهل الكتاب، و في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة، قال: «لا بأس تغسل يديها» (2) فإنه لو كانت نجاستها ذاتية لكان غسلها يديها موجباً لزيادة سراية نجاستها.

و صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في طعام أهل الكتاب، فقال: «لا تأكله ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال لا تأكله، و لا تتركه، تقول إنه حرام و لكن تتركه، تتنزه عنه، إن في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير» (3) فإن التعليل كالصريح في الطهارة الذاتية و إن النهي عن المؤاكلة فيها أو في غيرها للتنزه عن النجاسة العرضية الغالبة على إنائهم.

و قريب منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن آنية أهل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 419، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 497، الباب 54، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 24: 210، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4.

183

..........

____________

الكتاب، فقال: لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» (1).

و غير ذلك مما يوجب حمل النهي في الروايات المتقدمة على استحباب التنزه أو كراهة المعاشرة معهم كما يعاشر المسلم مع أخيه المسلم. و في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي؟ فقال: نعم، فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال:

نعم (2)، إلى غير ذلك.

و ما قيل من أن هذه الروايات معرض عنها عند الأصحاب فلا يمكن الاعتماد عليها لا يمكن المساعدة عليه، فإنه يحتمل أن يكون تركهم هذه الروايات لاعتقاد أنها معارضة بالأخبار المتقدمة و لمخالفة تلك الأخبار العامة أو لموافقتها للكتاب العزيز يتعين الأخذ بها.

و دعوى أن وجه الجمع العرفي بين الطائفتين ظاهر لا يكاد يخفى على العلماء في العصور المتتالية يضعفها جريان مثل ذلك في أخبار نزح ماء البئر الذي استظهروا منها تنجس ماء البئر، و تركوا العمل بصحيحة ابن بزيع (3) الدالة على اعتصامه.

و الحاصل أنه مع الجمع العرفي بين الطائفتين لا تصل النوبة إلى رعاية المرجحات من طرح الموافق للعامة أو الأخذ بما يوافق الكتاب مع أنه قد تقدم عدم دلالة الكتاب على نجاسة المشرك فضلًا عن أهل الكتاب.

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 211، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 1: 229، الباب 3 من أبواب الأسآر، الحديث 3.

(3) المصدر السابق: 140، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 10.

184

..........

____________

لا يقال: إذا كان (النجس) بالفتح مصدراً فحمله على الذات للمبالغة و الادعاء أنه هو، فالمشرك هي القذارة و مقتضى المبالغة أن يكون المشرك من قرنه إلى قدمه ظاهراً و باطناً كذلك كالكلب و الخنزير، فاحتمال أنه نجس باطناً و ظاهره طاهر كظاهر المسلم لا يناسب المبالغة، و الحمل المزبور الذي ملاكه الاتحاد و لو ادعاءً و النجاسة ليست لها حقيقة أُخرى غير ما في اللغة، غاية الأمر الشارع قد أثبتها لبعض ما لم يكن كذلك عند العرف و نفاها عن بعض ما يكون كذلك عرفاً.

و على ذلك فلا ريب في دلالة الآية المباركة على نجاسة المشرك، و لو قيل بأنه يعم الكتابي كما يفصح عن ذلك ما بعدها من الآية فتتم الدلالة بالإضافة إليهم أيضاً، و إلّا فالدليل لنجاسة أهل الكتاب الروايات و لا يعارضها ما دل على طهارتهم؛ لكونها معرض عنها عند الأصحاب بحيث عدّ القول بنجاسة الكافر بجميع أقسامه من مفردات الشيعة و رمزاً لهم بحيث يشار إليهم بالقول المزبور.

فإنه يقال: ليس المراد من النجاسة الباطنية نجاسة داخل البدن و باطنه، نظير ما تقدم من عدم تنجس البواطن، ليقال: إنه لا يناسب أن يقال إن المشرك طاهر ظاهر بدنه و نجس باطنه أي داخله.

بل المراد أن القذارة العرفية تنقسم إلى الخارجية كما في الأعيان النجسة من البول و العذرة و المني، و إلى القذارة المعنوية ككون الشي‌ء ينبغي أن يتعين التباعد عنه كالأفعال القبيحة كالزنا و اللواط و القمار، و النجاسة المحمولة على المشرك يحتمل أن تكون بهذا المعنى، فالشرك قذارة و نجاسة، فيقال نجسته الذنوب و استقذرته فيكون الشرك و الذنوب قذارة، و قد حمل هذا المعنى على نفس المشرك مبالغة.

و الحاصل أنه ليس في البين قرينة على أن المراد بالنجاسة في الآية القذارة‌

185

..........

____________

الخارجية، و أن اللّٰه سبحانه يخبر عن اعتبارها للمشرك بإدخاله في عنوانه تعبداً، أو يشرع بالآية إدخاله فيها، بل من المحتمل أن يكون المراد بالنجس القذارة المعنوية، و هذه القذارة ثابتة للمشرك قبل الإسلام و تشريع أحكامه، فقد رتب عليه سبحانه أنه لا يناسب وجوده المسجد الحرام المعد للأطياب و الركع السجود للّٰه سبحانه و أما الروايات فقد تقدم الكلام فيها فلا نعيد.

لا يقال: المستفاد من الروايات المشار إليها أن اليهودي و النصراني و المجوسي محكومون بالطهارة الذاتية، و لكن يستفاد منها أيضاً أن ما يباشرونه مع الرطوبة مما يكون معرضاً للنجاسة بنجاستهم العرضية كطعامهم الذي يطبخونه و أوانيهم التي يأكلون فيها الميتة و نحوها، بل و ثيابهم و أيديهم لا يحكم عليها بالطهارة، فقاعدة الطهارة لا تعتبر في مثل ذلك.

و في صحيحة عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي، فقال: «إذا كان من طعامك و توضأ فلا بأس» (1).

و في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في آنية المجوس: «إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء» (2).

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟

فقال: «لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 497، الباب 54 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 422، الباب 14، الحديث 12.

(3) وسائل الشيعة 24: 211، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.

186

..........

____________

و في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة، قال: «لا بأس تغسل يديها» (1).

و بهذا يظهر الوجه في بعض الروايات من الأمر بغسل اليد من مصافحة أهل الكتاب التي حملناها على المصافحة مع الرطوبة.

فإنه يقال: لا بد من حمل الأمر بالغسل و النهي عن الارتكاب مع عدم العلم أو الاطمئنان بنجاسة الثوب و اليد و نحوهما على استحباب الغسل و كراهة الارتكاب بقرينة مثل صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس و هم أخباث (أجناب) و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال، ألبسها و لا أغسلها و أُصلي فيها؟ قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصاً و خطته و فتلت له أزراراً و رداءً من السابري، ثمّ بعثت بها إليه يوم جمعة حين ارتفاع النهار، فكأنه عرف ما أُريد فخرج بها إلى الجمعة (2).

و صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي؟

فقال: «يرش بالماء» (3).

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا حاضر- إني أُعير الذمي ثوبي و أنا أعلم أنه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليّ، فأغسله قبل أن أُصلي فيه؟ فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): «صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك، فإنك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 497، الباب 54 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 518، الباب 73، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: 519، الحديث 3.

187

حتى المرتد بقسميه (1)، و اليهود و النصارى و المجوس، و كذا رطوباته

____________

أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجس» (1) إلى غير ذلك.

نعم، لو علم بمباشرة الكتابي بشي‌ء بما يوجب تنجسه و احتمل بقاؤه على ما كان من عدم وقوع المطهر عليه كما في الآنية التي يأكلون فيها لحم الخنزير و غيره من النجاسة، و احتمل أنه لم يقع عليه المطهر بعد ذلك و لو بعد حصول الغسل المتعدد يجب الاجتناب عنه و لا يكون مجال إلّا لاستصحاب نجاسته.

المرتد و غيره‌

(1) و الوجه في ذلك دخول المرتد بقسميه في عنوان اليهودي و النصراني و المجوسي أو المشرك أو منكر الصانع، و قد تقدم أن الأخيرين من الأعيان النجسة بلا كلام، و أن المشهور يلتزمون بنجاسة أهل الكتاب أيضاً، و لكن يمكن أن يناقش في نجاسة المرتد بأن الروايات الوارد فيها السؤال و الجواب عن سؤر اليهودي و النصراني و المجوسي و الأكل في أوانيهم و من طعامهم كلها منصرفة عن المرتد، فإنه لو كان مراد السائل في بعض الروايات السؤال عن نجاسة المرتد أيضاً لذكر في سؤاله عنوان المرتد، حيث يحتمل أن يكون للارتداد دخل في عدم نجاسته، فإن النصراني أو اليهودي و المشرك لا يجوز لهم تزوج المسلمة ابتداءً، و لكن المرتد الملي إن تاب قبل خروج عدة زوجته يكون على نكاحها، و إن الكافر لا يقضي ما فات عنه أيام كفره، و لكن المرتد عليه أن يقضي ما فاته زمان ردته.

و على الجملة فليس في البين إلّا دعوى عدم احتمال الفرق و عليه فيشكل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 521، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

188

و أجزاؤه سواء كانت مما تحله الحياة (1)، أو لا

و المراد بالكافر من كان منكراً للُالوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة، و الأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقاً و إن لم يكن ملتفتاً إلى كونه ضرورياً (2)

____________

التعدي إلى المرتد من الأخبار التي ذكرنا انصراف السؤال فيها إلى الكافر الأصلي.

و ليس في البين أيضاً ما دل على نجاسة الكافر بأن يكون خطاباً غير مسبوق بالسؤال أو ذكر في الجواب عن السؤال الحكم على المطلق ليؤخذ بالإطلاق المزبور غير ما في الآية المباركة الواردة في المشركين، و قد تقدم الكلام في دلالتها على النجاسة.

(1) المشهور على أن نجاسة الكافر كنجاسة الكلب و الخنزير لا من قبيل نجاسة الميتة لتكون أجزاؤه مما لا تحلها الحياة ذكية، و لو كان في البين خطاب كان مدلوله نجاسة الكافر كان ظاهره الأول و لم يتم هذا الخطاب إلّا بالإضافة إلى الناصب، و ظاهر الرواية أن نجاسته كنجاسة الكلب مع زيادة أو شدة، و إذا كان الناصب كذلك فلا يحتمل الفرق بينه و بين المشرك الذي هو أولى منه بعدم الحرمة لدمه و ماله، و كذا بالإضافة إلى غيره من منكر الصانع (جلّ و علا) و نحوه، بل لو تمت دلالة الآية على النجاسة فظاهر كون المشرك من قرنه إلى قدمه عين النجاسة بلا فرق بين أجزائه أو رطوباته.

نعم الأخبار الواردة في سؤر الكفار و أوانيهم و طعامهم لا يستفاد منها غير نجاسة ما تحله الحياة كما لا يخفى.

ما المراد بالكافر؟

(2) ذكر (قدس سره) أن المراد بالكافر المحكوم بنجاسته أحد الطوائف الأربع:

189

..........

____________

الأول: من كان منكراً لوجود الإلٰه.

الثاني: من كان مقراً لوجوده و لكن ينكر توحيده.

الثالث: من ينكر رسالة النبي (صلى الله عليه و آله).

الرابع: من ينكر ضرورياً من ضروريات الدين مع التفاته إلى كونه ضرورياً عند المسلمين و صادراً عن النبي (صلى الله عليه و آله) بحيث يكون إنكاره راجعاً إلى إنكار رسالة النبي (صلى الله عليه و آله) و تكذيبه، و لكن مع ذلك احتاط استحباباً في منكر الضروري بدون الالتفات المزبور، و قال: و الأحوط الاجتناب عن منكر الضروري و إن لم يكن ملتفتاً إلى كونه ضرورياً.

و يقع الكلام في أن المراد بالإنكار هو أن يكون الإنكار القولي حيث إن الإنكار القلبي مع الاعتراف بالقول و عدم إظهاره ما يدل على إنكاره القلبي لا يوجب الكفر المقابل للإسلام الموجب لحقن دمه و ماله، و لكن لا يعتبر في تحقق الكفر المقابل للإسلام الإنكار، بل يكفي فيه إظهار الجهل و عدم حصول الاعتقاد بالتوحيد أو الرسالة.

و بيان ذلك أنه قد يقال إن أُموراً تعتبر في الإسلام على نحو الموضوعية بمعنى أن جهل شي‌ء منها أو إنكاره يوجب كفر الجاهل أو المنكر، و تلك الأُمور:

الاعتراف بوجوده جلت عظمته و وحدانيته في قبال الشرك، و تدل على ذلك جملة من الآيات و الروايات و هي كثيرة.

و الاعتراف بنبوة النبي (صلى الله عليه و آله) و رسالته، و هذا أيضاً مدلول الآيات كقوله سبحانه:

«وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ

190

..........

____________

أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ» (1).

و الاعتراف بالمعاد و إن أهمله فقهاؤنا (قدس سرهم) إلّا أنه لا وجه للإهمال و قد قرن الإيمان به بالإيمان باللّٰه سبحانه في غير واحد من الآيات كقوله سبحانه: «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» (2)* و «مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» (3)* إلى غير ذلك.

أقول: لو كان الاعتراف بالمعاد دخيلًا في تحقق الإسلام الذي يحقن به الدم و المال و يجري النكاح و مستفاداً ذلك من الآيات المشار إليها لزم أن يكون الاعتراف بالقرآن الكريم و بوجود الملائكة أيضاً كذلك، لقوله سبحانه: «فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا» (4) و لقوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتٰابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ الْكِتٰابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللّٰهِ وَ مَلٰائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا بَعِيداً» (5) إلى غير ذلك.

فالظاهر أن الاعتقاد بالتوحيد و الرسالة و اليوم الآخر من الواجبات النفسية، و كذا الاعتقاد بالكتب و الرسل و الملائكة فيجب تحصيل العلم و الاعتقاد بها، إلّا أن الاعتقاد لا يكون به الإسلام المحكوم معه الشخص بحقن دمه و حرمة ماله، بل المحقق للإسلام الموضوع لما ذكر هو الاعتراف بالتوحيد و رسالة النبي (صلى الله عليه و آله) من غير أن يظهر المعترف خلاف اعترافه و أنه لا يعتقد ما اعترف به، و ما ذكر من الاعتقادات مقوم للإيمان‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 23- 24.

(2) سورة النساء: الآية 59.

(3) سورة البقرة: الآية 62.

(4) سورة التغابن: الآية 8.

(5) سورة النساء: الآية 136.

191

..........

____________

دون الإسلام.

و في صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جل «قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»، فقال لي: «أ لا ترى أن الإيمان غير الإسلام» (1).

و في موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني عن الإسلام و الإيمان أ هما مختلفان؟ فقال: إن الإيمان يشارك الإسلام، و الإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت:

فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و التصديق برسوله (صلى الله عليه و آله) به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس (2).

ثمّ إن اعتبار الاعتراف في الإسلام فيمن لم يكن مسبوقاً بالحكم عليه بالإسلام، و أما من كان مسبوقاً به كأولاد المسلمين إذا كبروا فإنّما يكون كافراً بإنكار الالوهية أو التوحيد أو الرسالة.

و أما إنكار الضروري من ضروريات الدين سواءً كان ذلك الضروري أمراً اعتقادياً كإنكار المعاد أو إنكار الكتاب المجيد أو وجود الملائكة و نحو ذلك، أو كان من الفروع كوجوب الصلاة و الصوم و غيرهما، و إنكار حرمة الزنا و اللواط إلى غير ذلك، فإن وقع الإنكار ممن يلتف إلى كونه ضرورياً من الدين بحيث رجع إنكاره إلى إنكار الرسالة فلا شبهة في أنه يحكم بكفره؛ لعدم اعترافه بالرسالة أو إظهاره أن اعترافه لم يكن على وجه التصديق، و إن لم يكن إنكاره كذلك بأن لم يلتفت إلى كونه ضرورياً‌

____________

(1) الاصول من الكافي 2: 24، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: 25، الحديث الأول.

192

..........

____________

من الدين كما ربّما يقع ذلك ممن كان جديداً في الإسلام.

و قد يقع من غيره أيضاً ممن عاش في بلاد الكفر و نحوها، فقد يذكر أنه يوجب الكفر أيضاً حتى إذا كان الإنكار على وجه القصور فضلًا عن التقصير، و أنه يستفاد ذلك من الروايات:

منها صحيحة داود بن كثير الرقي، قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) سنن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كفرائض اللّٰه عز و جل؟ فقال: «إن اللّٰه عز و جل فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافراً، و أمر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بأُمور كلها حسنة، فليس من ترك بعض ما أمر اللّٰه عز و جل به عباده من الطاعة بكافر، و لكنه تارك للفضل، منقوص من الخير» (1).

و منها صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرتكب الكبيرة فيموت، هل يخرجه ذلك من الإسلام؟ و إن عذّب كان عذابه كعذاب المشركين، أم له مدة و انقطاع؟ فقال: «من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام، و عذب أشد العذاب، و إن كان معترفاً أنه أذنب و مات عليها أخرجه من الإيمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه أهون من عذاب الأول» (2).

و في صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) من شهد أن لا إله إلّا اللّٰه، و أن محمداً رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض اللّٰه- إلى أن قال- ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 30، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 33، الحديث 10.

(3) المصدر السابق: 34، الحديث 13.

193

..........

____________

أقول: كما تقدم لا كلام في كفر من أنكر فريضة من فرائض اللّٰه أو أنكر محرماً من محرمات اللّٰه مع علمه بأنه من شريعة سيد المرسلين، فإن إنكاره هذا مع العلم و الالتفات تكذيب للنبي (صلى الله عليه و آله) و إنكار لرسالته من اللّٰه سواء كانت الفريضة أو الحرام من الضروريات أو لم تكن، و هذا لا يحتاج إلى رواية، بل الحكم بكفره لعدم اعترافه بالرسالة و إنكاره لها.

و بهذا يظهر الحال في صحيحة الكناني (1) و ما هي بمضمونها من اعتبار الجحود في الحكم بالكفر حيث إن ظاهر الجحود هو إنكار الشي‌ء مع اليقين بثبوته كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه «وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ» (2) و قد صرح أهل اللغة بأن الجحود هو الإنكار مع العلم بالحال، و لو فرض أنه مطلق الإنكار فلا ريب أن الأخبار المتقدمة لا بد من رفع اليد عن إطلاقها حيث إنها تعم ما إذا ارتكب مجتهد عملًا كان في الواقع من الكبائر، و لكن مقتضى اجتهاده عدم حرمته، فإنه لا يمكن الالتزام بكفره أو كفر من هو مقلد له فإنه ربّما يكون هو و بعض مقلديه من زهاد الزمان و عدول عصره، مع أن صحيحة عبد اللّه بن سنان (3) مقتضاها الحكم بكفرهما، و كذا ما دل على أن الجحود موجب له بناءً على عدم اعتبار العلم في صدق الجحود و أنه مطلق الإنكار، و كذلك الحال فيما إذا أنكر كونها فريضة أو كبيرة لقصور و قرب عهده إلى الإسلام، فالأمر يدور بين تقييد الروايات المتقدمة إما بالجحود و زعم الحلال إنكاراً و عناداً مع العلم بالحال بحيث يرجع زعمه و جحوده إلى إنكار الرسالة و تكذيبه النبي.

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 34، الباب 2 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 13.

(2) سورة النمل: الآية 14.

(3) وسائل الشيعة 1: 33، الباب 2 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 10. المتقدمة آنفاً.

194

..........

____________

و قد ذكرنا أن الكفر في هذا الفرض لا يحتاج إلى الرواية أو تقييدها بكون الفريضة و الكبيرة من الضروريات، فإن إنكار ذلك بنفسه موجب للكفر، سواء كان الإنكار مع العلم بالحال و الجهل به قصوراً أو تقصيراً، و بما أن القيدين ليسا من قبيل الأقل و الأكثر من المتباينين فتصبح الروايات المتقدمة مجملة، فلا يثبت بها كون إنكار الضروري بنفسه موجباً للكفر، بل ذكر الجحود في بعضها يؤيد تقيدها بالعلم، و هذا خلاصة ما ذكره في المستمسك (1) تبعاً للمحقق الهمداني (2).

و أورد على ذلك في التنقيح بأنه لم يعلم إجمالًا بورود أحد التقييدين كما ذكر على صحيحة ابن سنان و نحوها لتكون مجملة، بل المقدار المعلوم تقييدها بغير مثل المجتهد المزبور و مقلديه فإنه لا يحكم بكفره قطعاً، و أما غيرهما فباق تحت الإطلاق و يحكم بكفره من غير فرق بين الجاهل و العالم و بلا فرق بين الضروري و غيره، و على الجملة يخرج الجاهل القاصر الذي يعتقد خلاف الحكم الواقعي بالتقيّد و يؤخذ بالإطلاق في غيره (3).

أقول: لا يمكن الحكم بكفر الجاهل المقصر أيضاً و لم يلتزم بكفره أحد من الأصحاب فيما أعلم، فيما كان الحكم الذي اعتقد خلافه غير ضروري، نعم ما ذكر أطال اللّٰه عمره الشريف بأن المراد بالكفر في صحيحة عبد اللّه بن سنان مقابل الإيمان الذي موطنه القلب لا الكفر المقابل للإسلام الموضوع للنجاسة (4) على ما هو المشهور، فيصح.

____________

(1) المستمسك 1: 378- 380. (للسيد الحكيم).

(2) مصباح الفقيه 7: 265.

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 62- 63.

(4) التنقيح في شرح العروة 3: 64.

195

..........

____________

و بتعبير آخر الكفر يقابل الإسلام و يقابل الإيمان و يقابل الإطاعة و الموضوع للنجاسة هو المتلبس بالكفر بالمعنى الأول، و المستفاد من الروايات إن تارك الفريضة بزعم أنه حلال متلبس بالكفر بالمعنى الثاني، غاية الأمر يقيد ذلك بما إذا لم يكن ذلك من عذر.

كما أن في بعض الآيات و الأخبار يطلق الكفر في مقابل الطاعة و الامتثال و لا يبعد أن يكون من هذا القبيل قوله سبحانه: «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً» (1) و في بعض الروايات الآخذ به شاكر‌

و التارك كافر (2)، و في قوله سبحانه «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ» (3).

و مما ذكرنا يظهر أن زعم خلاف المسلمات في الشريعة الراجعة إلى الاعتقاديات أو الفروع يوجب الكفر المقابل للإيمان، و إنما يوجب الكفر المقابل للإسلام فيما إذا كان إنكاره و زعمه بحيث يكون الإنكار المزبور عنده أيضاً تكذيباً للنبي (صلى الله عليه و آله) و إنكاراً لرسالته.

و على الجملة المفروض في صحيحة عبد اللّه بن سنان كون الزعم بنحو التقصير و كونه غير الإنكار فإنه قد يكون الزعم بلا إظهار فيكون ارتكاب الكبيرة مع الزعم تقصيراً مخرجاً عن الإسلام بمعنى الإيمان لا عن الإسلام المقابل للكفر الموجب لعدم حرمة دمه و ماله و عدم جريان النكاح، و أما الارتكاب مع الاعتراف فهو مخرج عن‌

____________

(1) سورة الإنسان: الآية 3.

(2) انظر وسائل الشيعة 1: 31، الباب 2 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 5.

(3) سورة آل عمران: الآية 97.

196

و ولد الكافر يتبعه في النجاسة (1) إلّا إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض

____________

الإيمان بمعنى الطاعة و ذلك بقرينة آية الأعراب (1)، و ما تقدم من تحديد الإسلام الموجب لحرمة الدم و المال و جريان النكاح، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

ولد الكافر‌

(1) و المراد في المقام يظهر بالتكلم في مقامين:

الأول: تبعية ولد الكافر له في الحكم بالنجاسة.

الثاني: أن إسلام الولد بعد بلوغه يقطع التبعية و كذلك يقطعها إذا كان إسلامه قبل بلوغه مع عقله و تمييزه و كان إسلامه عن تعمد و قصد.

أما المقام الأول، فقد نسبت التبعية إلى المشهور (2) بل لا يعرف فيه مخالف كما في الجواهر (3) و غيره، و ربّما يشير ما في كلام العلامة في النهاية في قوله الأقرب تبعية أولاد الكفار لهم (4) إلى وجود الخلاف.

و كيف ما كان فيستدل على التبعية بأن الإسلام أمر وجودي، و تقابل الكفر معه تقابل العدم و الملكة، فيكفي في الكفر عدم الإسلام الذي تقدم أن المراد به الاعتراف بالشهادتين.

و أورد على ذلك بأن عدم الإسلام يكفي في صدق الكفر في الولد المميز الذي لم يسلم، و أما غير المميز مما لا شأنية له بالإسلام فلا يصدق عليه الكافر كما لا يصدق‌

____________

(1) و هي قوله تعالى: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم ...» سورة الحجرات: الآية 14.

(2) الحدائق الناظرة 5: 198.

(3) جواهر الكلام 6: 44.

(4) نهاية الإحكام 1: 274.

197

..........

____________

عليه المسلم، و بتعبير آخر عدم الاعتراف بالشهادة يكون كفراً في خصوص مورد على تقدير الاعتراف كان مسلماً و غير المميز ليس كذلك، و لو لم يكن هذا هو المعنى اللغوي للكافر حيث يكفي في موارد تقابل العدم و الملكة القابلية النوعية لا الشخصية، فلا ريب في أن منصرف الكافر في العرف إلى ذلك.

و مما ذكرنا يظهر القول بأن الكفر عدم خاص و هو العدم المبرز في الخارج بشي‌ء فما دام لم يظهر العدم من أحد لم يحكم بكفره كما أن الإظهار معتبر في الإسلام لا يمكن المساعدة عليه، فإن الإسلام الموضوع لحقن الدم و المال و جريان النكاح الموجب لنفي النجاسة عنه هو نفس الاعتراف و الشهادتين، و عدمهما كفر ممن لو اعترف بهما كان مسلماً سواء كان مع الاعتراف تصديق قلبي أم لا، فالإسلام في المقام عين الإبراز و الاعتراف، و الكفر عدمهما، و لكن ممن له شأنية الاعتراف و الشهادة.

و ربّما يستدل على التبعية بخبر حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك؟

فقال: «إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار، و ولده و متاعه و رقيقه له، فأما الولد الكبار فهم في‌ء للمسلمين إلّا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك، فأما الدور و الأرضون فهي في‌ء، و لا تكون له؛ لأن الأرض أرض جزية لم يجر فيها حكم الإسلام و ليس بمنزلة ما ذكرناه؛ لأن ذلك يمكن اختياره و إخراجه إلى دار الإسلام» (1) و لكن في سنده قاسم بن محمد الاصبهاني (كاسولا) و الراوي عنه علي بن محمد القاساني.

و دعوى انجبار ضعفه بعمل المشهور لا يمكن المساعدة عليها، فإن مقتضى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 116، الباب 43 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، الحديث الأول.

198

..........

____________

مدلوله أن يحكم بكفر ولده الصغير و لو كان مميزاً و أجرى الشهادتين عن بصيرة مع أن المشهور لم يفتوا بذلك و ان يحكم بإسلام الولد الصغير و إن أنكر الوحدانية أو الرسالة مع كونه مميزاً عاقلًا مع إسلام والده.

و العمدة في التبعية السيرة القطعية من المتشرعة من المعاملة مع أولاد المسلمين معاملة المسلم و مع أولاد الكافر معاملة الكافر، و ربّما تستظهر التبعية من صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث؟ قال: كفار و اللّٰه أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم» (1) و لكن ظاهرها كونهم كفاراً بحسب دار الجزاء فيجزون جزاء الكفار؛ و لذا ظاهرها و ظاهر مثلها مخالف لما هو عليه الطائفة العدلية، حيث إن علم اللّٰه بعاقبة شخص على تقدير خلقه أو عدم موته قبل زمان تكليفه لا يوجب عقابه و إلّا لم يخلق الدنيا ليتم الحجة على الناس فلا بد من حملهما على بعض المحال.

و منها ما أشير في بعض تلك الروايات من قضية تأجيج النار لهم هذا بالإضافة إلى العذاب.

و أما إدخال أطفال المؤمنين الجنة إذا ماتوا قبل بلوغهم تقديراً لأعمال آبائهم فلا بأس بالالتزام به و لعله يشير إلى ذلك قوله سبحانه: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (2) بناءً على رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قصرت الأبناء عن أعمال الآباء فألحق اللّٰه الأبناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم (3).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3: 491، الحديث 4740.

(2) سورة الطور: الآية 21.

(3) من لا يحضره الفقيه 3: 490، الحديث 4733.

199

كونه عاقلًا مميزاً و كان إسلامه عن بصيرة على الأقوى (1)

____________

و أما استصحاب نجاسة الولد قبل ولوج الروح لكون الجنين قبله كان جزءاً من بدن الأُم المحكوم بالنجاسة لكفره أو استصحاب نجاسة الجنين عند كونه علقة و بقاء تلك النجاسة بعد ولادته قد تقدم الكلام فيه في مسألة المتولد من الكلب و الخنزير فلا نعيد.

و الاستدلال بطهارة الأولاد بقوله سبحانه: «فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا» (1) المفسر بفطرة التوحيد و الرسالة، و في قوله (عليه السلام): كل مولود يولد على الفطرة ثمّ أبواه يهودانه و ينصرانه (2)، لا يرجع إلى محصل، فإن المراد بالفطرة كون الناس بحيث يقبلون التوحيد و الرسالة لو لا إضلال المضلين و اتباع الآباء و الأجداد الضالين.

(1) لو كان الطفل بعد بلوغه معترفاً بالوحدانية و الرسالة من غير أن يظهر خلافه يدخل في عنوان المسلم حيث إن الإسلام الموضوع لحقن الدم و حرمة المال و جريان النكاح شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه، و التصديق بالرسالة كما تقدم، و كذا إذا كان اعترافه بهما قبل بلوغه مع فرض عقله و تمييزه كما أن ولد المسلم مع تمييزه و عقله لو أنكر الوحدانية و الرسالة يحكم عليه بالكفر و النجاسة لكونه مشركاً أو أشد منه و في خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصبي يختار الشرك و هو بين أبويه؟ قال:

«لا يترك و ذاك إذا كان أحد أبويه نصرانياً» (3) و قريب منها غيره.

لا يقال: كيف يحكم بالنجاسة للأولاد الصغار من الكفار مع أن مقتضى حديث رفع القلم خلافه؟

فإنه يقال: كما أن جعل النجاسة للكلب و الخنزير لا يوجب وضع القلم عليهما‌

____________

(1) سورة الروم: الآية 30.

(2) انظر وسائل الشيعة 15: 125، الباب 48 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 28: 326، الباب 2 من أبواب حد المرتد، الحديث الأول.

200

..........

____________

كذلك الحال في أولاد الكفار فإن عدم وضع القلم عن الصبي أنه لم يجعل عليه التكليف المتوجه إلى البالغين ليؤاخذ به بالعقوبة المقررة على مخالفته الدنيوية كالحد أو الأُخروية، و أما كون فعله أو نفسه موضوعاً لحكم وضعي يؤاخذ به السائرين أو هو بعد بلوغه كما هو الحال في النائم و المجنون أيضاً فلا دلالة للحديث على عدمه، فإن النائم إذا احتلم يكون جنباً فتجب عليه الصلاة بعد الإفاقة بالغسل إلى غير ذلك.

و يستفاد من الخبرين أن مع كون أحد الأبوين مسلماً يكون الولد مسلماً بحكم الإسلام فتأمل.

لا يقال: كيف يحكم بإسلام ولد الكافر قبل بلوغه و بكفر ولد المسلم كذلك مع أنه يعتبر في الاعتراف بالوحدانية و الرسالة و إنكارهما القصد و التعمد مع أن عمد الصبي و خطأه سيان كما في الرواية (1).

فإنه يقال: المراد من قوله (عليه السلام): عمد الصبي و خطأه سيان و أن عمده خطأ، أنه إذا كان التعمد بفعل موضوعاً لحكم و ذلك الفعل خطأً موضوعاً لحكم آخر، كما في القتل عمداً الموضوع لحق القصاص، و القتل خطأً الموضوع للدية فصدور ذلك الفعل عن الصبي و لو كان عمداً يحسب خطأً؛ و لذا رتب (سلام اللّٰه عليه) على ذلك تحمل العاقلة دية القتل الصادر عن الصبي.

و أما إذا كان القصد مقوماً لعنوان الفعل كالاعتراف و الشهادة فلا دلالة للرواية المشار إليها على عدم حصول ذلك الفعل عن الصبي كما ذكرنا التفصيل في بحث معاملات الصبي و إنشاءاته.

____________

(1) انظر وسائل الشيعة 29: 400، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

201

و لا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا و لو في مذهبه، و لو كان أحد الأبوين مسلماً فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا بل مطلقاً على وجه مطابق لأصل الطهارة (1)

____________

(1) فإن الولد ليس له حقيقة شرعية و ينسب الولد إلى الأب؛ لأنه مخلوق من مائه، و ينسب إلى الأُم؛ لأن رحمها ربّى تلك النطفة حتى صارت جنيناً و ولجت فيه الروح، و لا يفرق في ذلك بين كون استقرار النطفة في رحم بوجه الحلال أو الحرام، و لذا لا يجوز للأب الزاني أن يتزوج بالبنت المتكونة من نطفته أو تتزوج الأُم بالرجل الذي ولدته بالزنا، و لم يرد في روايات الإرث بأن الولد من الزنا ليس بولد ليؤخذ بإطلاق الحكومة، و إنما نفي التوارث في الزنا و عدم الإرث لا ينفي الولدية، و لذا لا يرث الولد من أبيه إذا قتله و نحو ذلك.

و ما ورد من أن: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (1)، معناه في مورد دوران إلحاق الولد بالزوج أو بالزاني يلحق بالزوج و لا ينظر إلى صورة إحراز تكون الولد من الزنا، و أما كفاية إسلام أحد الأبوين في الحكم بإسلام الولد يظهر من الخبر الثاني من الخبرين المتقدمين، و لا يبعد تمامية سنده أيضاً فإنه على رواية الكليني و إن كانت مرسلة إلّا أن الشيخ رواه بسنده عن فضاله عن أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصبي إذا شب و اختار النصرانية و أحد أبويه نصراني أو مسلمَين قال: «لا يترك، و لكن يضرب على الإسلام» (2) مع أن الدليل على المعاملة بالولد مع معاملة الكفار العمدة فيه السيرة القطعية من المتشرعة و هي غير محرزة مع إسلام أحد أبويه كما لا يخفى، فلا موجب للحكم بنجاسة الولد مع إسلام أحد أبويه بل مقتضى أصالة الطهارة الالتزام بطهارته.

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 290، الباب 15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 14.

(2) تهذيب الأحكام 10: 140، الحديث 15.

202

[الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين]

(مسألة 1) الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين سواءً كان من طرف أو طرفين، بل و إن كان أحد الأبوين مسلماً كما مرّ (1).

____________

ولد الزنا‌

(1) المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً القول بطهارة ولد الزنا، و أنه يحكم بإسلامه على تقدير كون أبويه أو أحدهما مسلماً أو أظهر الإسلام بعد بلوغه أو تمييزه، خلافاً لما حكى عن ابن إدريس حيث ذهب إلى كفره (1) و نجاسته و نقل هذا القول في المختلف (2) عنه، و عن المرتضى (3)، و نقل بعض آخر عن الصدوق (رحمه الله) (4) أيضاً و ظاهر المحكي أن ولد الزنا حتى مع إسلام أبويه و إظهاره الإسلام و بروز الإيمان منه محكوم بالكفر و النجاسة.

و عن بعض حمل كلامهم بأنهم يمكن عقلًا أن يكون ولد الزنا مؤمناً ورعاً فضلًا عن كونه مسلماً إلّا أنه لا يقع خارجاً بل يختار الكفر و الفسق (5)، و الموجب لهذا الحمل ما ذكر من أنه لو لم يكن متمكناً على الإيمان و الطاعة بطل التكليف في حقه أو لزم التكليف عليه بالمحال و يقع عقابه ظلماً، و هذا ينافي العدل.

و عن ظاهر الحدائق أن ولد الزنا يكون محكوماً بالنجاسة دون الكفر (6)، فإن عدم طيب الولادة لا يكون من موجبات الكفر بل ظاهر الأخبار أيضاً عدم كفره على ما يأتي،

____________

(1) السرائر 1: 357.

(2) مختلف الشيعة 1: 231.

(3) الانتصار: 544.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 69.

(5) رسائل المرتضى (المجموعة الثالثة) 3: 132. و مشارق الشموس 1: 278.

(6) الحدائق الناضرة 5: 190- 197.

203

..........

____________

نعم، ولد الزنا لا يدخل الجنة و إن كان مطيعاً مؤمناً ظاهراً، بل يدخل في النار و يثاب فيها على طاعته من غير أن يعاقب إلّا أن يحصل منه ما يستحقه، حيث لا يلزم على اللّٰه تعالى أن يثيب الخلق في الجنة و عدم دخوله فيها، أيضاً يستفاد من الأخبار كما يأتي.

و كيف ما كان فيستدل على نجاسته ببعض الأخبار:

منها: خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تغتسل من البئر الذي تجتمع فيها غسالة الحمام فإن فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرهما، إن اللّٰه لم يخلق خلقاً شراً من الكلب، و إن الناصب أهون على اللّٰه من الكلب» (1) و فيه مع الإغماض عن ضعف السند بالإرسال و غيره لا دلالة له على نجاسة ولد الزنا بوجه، حيث إن النهي عن الاغتسال لا يكون لنجاسة الماء و للإرشاد إليها، بل مقتضى قوله: «و هو لا يطهر إلى سبعة آباء» أن النهي تكليفي تنزيهي خصوصاً بملاحظة ما كان شائعاً في أن في غسالة الحمام شفاء من العين كيف، و إلّا لزم الالتزام بنجاسة أولاد ولد الزنا و أولاد أولاده إلى سبعة آباء و لم يحتمل هذا أحد فضلًا عن الالتزام به، و ذكر عدم طيبه فيه إشارة إلى عدم كفره.

و مرسلة الوشاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه كره سؤر ولد الزنا، و سؤر اليهودي و النصراني، و المشرك، و كل ما خالف الإسلام، و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب (2) و فيه أيضاً مع الإغماض عن إرسالها لا دلالة لها على النجاسة فإن الكراهة بمعناها‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 229، الباب 3 من أبواب الأسآر، الحديث 2.