تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
204

..........

____________

اللغوي، فلا ينافي إرادة الحرمة بالإضافة إلى المشرك و الناصب بدال آخر كما لا يخفى.

و خبر حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام، قال: «ادخله بمئزر، و غض بصرك، و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم» (1) و يظهر الجواب عنه عما تقدم خصوصاً بملاحظة ذكر غسالة الجنب.

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لبن اليهودية و النصرانية و المجوسية أحب إليّ من ولد الزنا. و كان لا يرى بأساً بولد الزنا إذا جعل مولى الجارية الذي فجر بالمراة في حل» (2).

و قد قيل إن لبن اليهودية و النصرانية و المجوسية نجس، و إذا كان هذا اللبن أحب من لبن ولد الزنا فلا يكون لبنه طاهراً.

و فيه أنه لم يتم دليل على نجاسة لبن أهل الكتاب و لا تكون الصحيحة ناظرة إلى الطهارة أو النجاسة الخارجية بل إلى الخباثة المعنوية كما يشهد لذلك ما في ذيلها من أنه لا بأس بالاسترضاع مع جعل مولاها الزاني في حل، فإنه لا يحتمل دخالة هذا الحل في الطهارة الخارجية و نجاسة ولد الزنا.

و أما ما ورد من أن ولد الزنا لا خير فيه، كما في موثقة زرارة سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا خير في ولد الزنا و لا في بشره و لا في شعره و لا في لحمه و لا في دمه و لا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 218، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 21: 462، الباب 75 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.

205

[لا إشكال في نجاسة الغلاة و الخوارج و النواصب]

(مسألة 2) لا إشكال في نجاسة الغلاة (1).

____________

شي‌ء منه» (1) و أن: «الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلّا من طابت ولادته» (2) فلا دلالة له على عدم إسلام ولد الزنا، و عدم دخوله الجنة و لو صار مؤمناً مطيعاً، فإن ما ورد نظير ما ورد من أن: «من طهرت ولادته دخل الجنة» (3) حكم غالبي أو حيثي، و نظير ما ورد في ارتكاب بعض المعاصي و الطاعات أو بعض الأشخاص و إلّا فلا يحتمل التفرقة بين ولد الزنا الذي اتعب نفسه طول عمره في قرار إيمانه و دوام طاعته فلا يدخل الجنة و يدخلها من يطيب ولادته و لو بلا طاعة، و الكلام في ذلك خارج عن موضوع البحث.

الغلاة‌

(1) قيل لا كلام عند الأصحاب في كفر الغلاة و نجاستهم و عن بعض المتأخرين دعوى الإجماع عليه (4)، و المراد بهم من يعتقد الربوبية لأمير المؤمنين أو الأئمة (عليهم السلام) كما في كشف الغطاء (5)، و الوجه في كفرهم و نجاستهم إنكارهم اللّٰه تعالى و إثبات الألوهية لغيره فإنه لا فرق بين الالتزام بأن الإله هو الصنم أو شخص آخر أو أحد الأئمة (عليهم السلام).

و ربّما يقال كما عن الشيخ (قدس سره) في طهارته أنهم يعتقدون بحلوله تعالى فيهم أو في أحدهم (عليهم السلام) (6) و هذا الحلول خلاف الضرورة من الدين، فالالتزام بكفرهم و نجاستهم مبني على أن إنكار الضروري بنفسه موجب للكفر فلا يجتمع الالتزام بكفرهم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 20: 442، الباب 14 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 7.

(2) بحار الأنوار 5: 285، الحديث 4. عن علل الشرائع 2: 564.

(3) المحاسن 1: 139، الحديث 28.

(4) روض الجنان 1: 437.

(5) كشف الغطاء 2: 403.

(6) كتاب الطهارة 2: 358. (الطبعة القديمة).

206

و الخوارج (1)،

____________

و نجاستهم مطلقاً مع الالتزام بأن إنكار الضروري غير موجب بنفسه الكفر.

اللهم إلّا أن يقال: إنه إن لم يصح عند المعتقد بالحلول إسناد الخلق و الربوبية و المعبودية إلّا إلى علي (عليه السلام) أو غيره من الأئمة (عليهم السلام) فيدخل المعتقد في القسم السابق، و إن صح إسناد ما ذكر إليه تعالى و إلى علي (عليه السلام) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) فهذا شرك بمعنى الالتزام بتعدد الآلهة.

و على الجملة ما هو الدخيل في تحقق الإسلام الموجب للخروج عن الكفر الاعتراف بالتوحيد الوارد في كلمة التوحيد و الاعتراف بالرسالة على ما تقدم.

نعم، الأمر كما ذكر من الابتناء لو كان الغلو باعتقاد أنه قد فوض إلى علي أو الأئمة (عليهم السلام) أمر الخلق و الرزق و النعمة و البلايا و غيرها من الأُمور الراجعة إلى التكوين و التشريع كما يظهر ذلك من بعض الأشعار التي زعم أنها مدائح لهم (عليهم السلام)، فإن اعتقاد التفويض أو التشريك بذلك خلاف الكتاب العزيز و السنة فهو مع الالتفات بأنه إنكار للكتاب و السنة موجب للكفر لا مطلقاً، و أما لالتزام بأنهم شفعاء عند اللّٰه و أن العباد يتوسلون بهم إلى اللّٰه و يجعلونهم شفعاءهم عنده جل و علا فهو المذهب الحق الصحيح نرجو أن نحيا عليه و نموت عليه و نحشر عليه إن شاء اللّٰه تعالى.

الخوارج‌

(1) المراد من الخوارج الطائفة الملعونة المعتقدون بفسق أمير المؤمنين (عليه السلام) بل كفره و المتقربون إلى اللّٰه ببغضه و مخالفته و قتاله، فإنه لا ينبغي الريب في كفرهم و نجاستهم، فإنهم ناصبون بأعلى مرتبة النصب.

و أما من خرج على أمام عصره من غير نصب و لا استحلال لقتاله بل يرى نفسه عاصياً و بائعاً آخرته بدنيا غيره في خروجه عليه (عليه السلام) فكون ذلك نصباً غير ظاهر،

207

و النواصب (1)

____________

فيؤخذ بما دل على أن الاعتراف بالتوحيد و الرسالة هو الإسلام الموجب لحل النكاح و التوارث و حرمة المال و الدم و أن يسقط حرمة دم من خرج عليه (عليه السلام) لكونه باغياً كما هو الحال في الباغي على طائفة من المسلمين.

النواصب‌

(1) بلا خلاف ظاهر بل في بعض الكلمات دعوى الإجماع عليه و قد تقدم أن النصب أي إظهار العداوة لعلي (عليه السلام) أو الأئمة (عليهم السلام) بنفسه موجب للكفر بلا فرق بين الخروج على الإمام (عليه السلام) و عدمه، و كفر هذا أو نجاسته غير مبني على أن النصب خلاف المودة لذي القربى الثابت من الدين ضرورة، فإن مظهر العداوة لهم كافر و نجس، و لو لم يلتفت إلى كون المودة لهم لذلك أو اعتقد أن المودة لهم تختص بغيرهم من القربى كما هو الحال في الطائفة الملعونة المسماة بالخوارج.

و يشهد لذلك ما في موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم، فإن اللّٰه تبارك و تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب و إنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (1) و لعل كون الناصب أنجس من الكلب أن اعتبار النجاسة للكلب لا لخبثه الباطني بخلاف الناصب لهم (عليهم السلام). و على الجملة ظاهرها أن النجاسة المعروفة في الكلب هي الثابتة للناصب بنحو يوصف بالأشد.

و في موثقة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس» (2) و ظاهرها عدم حرمة مال الناصب فلا يحصل له الإسلام‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 9: 487- 488، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

208

..........

____________

الموضوع لحقن الدم و المال و استحلال الفروج.

و في موثقة فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر النصاب فقال:

«لا تناكحهم و لا تأكل ذبيحتهم و لا تسكن معهم» (1).

ثمّ إن المراد بالناصب المظهر العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) كما هو مقتضى التقييد في موثقة ابن أبي يعفور إلّا أنه قد يقال إن التقييد المزبور فيها لا يوجب رفع اليد عن الإطلاق في سائر الروايات، حيث يشمل من يظهر العداوة للشيعة لاعتقادهم الولاية و الإمامة لأهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم خصوصاً بملاحظة رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد رجلًا يقول: أنا أبغض محمداً و آل محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنكم تتولونا و أنكم من شيعتنا» (2).

و لكن يرده أن المعروف من الناصب عند الشيعة هو مظهر العداوة للأئمة (عليهم السلام) فتحمل الرواية المزبورة مع الغمض عن سندها على مرتبة النصب غير الموجب للكفر في مقابل الإسلام الذي هو الاعتراف بالشهادتين المترتب عليه حقن الدم و المال و جواز النكاح.

و على الجملة الناصب عند الشيعة ينصرف إلى من نصب لأهل البيت (عليهم السلام) و إلّا معاداة الشيعة لاعتقادهم بمسألة الولاية بالوصاية قد أوجب أن يعاديهم غيرهم، بل قد يوهم كثرة النصب لأهل البيت (عليهم السلام) في دولة بني أُمية و معاشرة الشيعة و مساورتهم معهم يوجب أن تحمل نجاسة الناصب على معنى الخباثة الباطنية (3)، حيث لم يرد أن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 20: 554، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه، الحديث 16.

(2) وسائل الشيعة 9: 486، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) مفاتيح الشرائع 1: 71، المفتاح 79.

209

و أما المجسمة و المجبرة و القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم (1) إلّا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد.

____________

الأئمة في ذلك الزمان كانوا يتعاملون معهم معاملة نجس العين و كذا أصحابهم، و لم يشر إلى نجاستهم إلى زمان الصادق (عليه السلام).

و لكن يدفعه أن بعض أحكام الشريعة قد ظهر في زمان الصادقين (عليهما السلام) و لم يعلم ذلك من قبل، كما في مسألة الخمس في غير غنائم الحرب، و يمكن أن يكون ذلك من بعض تلك الأحكام، بل من المحتمل أن يكون الحكم ثابتاً و كان عدم إظهاره للمحذور في بيانه، حيث إنه لم يثبت أن الأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا يجتنبون عن سؤرهم لعنة اللّٰه عليهم.

و على الجملة فلا مجال لدعوى أن نجاسة الناصب لو كانت لكانت مبينة قبل زمان الصادق (عليه السلام) و منتشرة بين الشيعة في دولة بني أُمية.

المجسمة و المجبرة‌

(1) الظاهر أن مراده (قدس سره) أن اعتقاد الجسمية للّٰه تعالى أو كون العباد مجبورين في أفعالهم لا يوجب الكفر، و أن الاعتقاد بوحدة الوجود من الصوفية أيضاً لا يوجب الكفر إذا التزموا بأحكام الإسلام و لم ينكروها.

أقول: قد تقدم أن الإسلام المقابل للكفر الموجب لحقن المال و الدم وحل الفروج هو الاعتراف بالشهادتين مع عدم النصب لأهل البيت (عليهم السلام) فلا يكون مجرد اعتقاد الجسمية للّٰه تعالى موجباً للخروج عن الإسلام إلّا إذا التفت المعتقد بما يلزمها من عدم القدم و الحاجة، فإن مع الالتفات إلى ذلك فلا يكون معترفاً بما هو مفاد كلمة التوحيد.

و أما نفس نفي الجسمية فلا يكون من ضروريات الدين، فإن كثيراً من المسلمين على اعتقادها و يأخذون بما يُوهمه بعض الآيات و الروايات.

210

..........

____________

و هذا بناءً على اعتقاد الجسمية الحقيقية، و أما المعتقد بغيرها كالجسمية الإلهية كما يظهر من صدر المتألهين في شرحه على الكافي فالأمر أوضح و إن كان فاسداً أيضاً حيث جعل الجسم الإلهي للمقسم و هو ما يكون له أبعاد ثلاثة فراجع.

و مما ذكرنا في المجسمة يظهر الحال في المجبرة أو القائل بشبهة الجبر، حيث يزعم الجبر و مع ذلك يلتزم بالتكاليف و يصحح إنزال الكتب و إرسال الرسل و يلتزم بالثواب و العقاب بالكسب أو بغيره مما ذكروا في الكتب، فإن فسادها لا يوجب الكفر بل إنكار الضروري من الدين، و كذا الحال في التفويض. و ما ورد في الروايات من كفر القائل بالتجسيم و التشبيه أو التفويض فلا بد من حملها على إنكار الحق و نحوه جمعاً بين الأخبار فراجع.

و أما القول بوحدة الوجود فظاهر كلام الماتن أنه بنفسه لا يوجب الكفر، و لكن الالتزام بأن الوجود له وحدة شخصية و لا يكون الاختلاف بين الوجود و الموجود إلّا بالاعتبار، فإن هذا إنكار أن الشي‌ء الخالق غير المخلوق و العبد غير الرب و النبي (صلى الله عليه و آله) غير أبي جهل و الفاسق غير المطيع، و اعتقاد ذلك زندقة و إنكار لما هو مضمون كلمة التوحيد، و قد أوجب حسن الظن ببعض الصوفية توجيه اعتقادهم هذا إلى غير ظاهره، و لعل اعتقادهم هذا بنفسه عدم الالتزام بأحكام الإسلام التي منها الالتزام بمفاد كلمة التوحيد، و قد ذكر السبزواري (1) في تعليقته على الأسفار أن: القائل بالتوحيد إما أن يقول بكثرة الوجود و الموجود جميعاً مع التكلم بكلمة التوحيد لساناً و اعتقاداً بها إجمالًا و أكثر الناس في هذا المقام.

أقول: كلمة التوحيد لا ترتبط بالاعتراف بوحدة الوجود بل مفادها وحدة وجود‌

____________

(1) نقله السيد الحكيم في المستمسك 1: 391.

211

[غير الاثني عشرية من فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين و معادين لسائر الأئمة و لا سابين لهم طاهرون]

(مسألة 3) غير الاثني عشرية من فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين و معادين لسائر الأئمة و لا سابين لهم طاهرون (1) و أما مع النصب أو السب للأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم فهم مثل سائر النواصب.

____________

الإلٰه، و قال إما أن يقول بوحدة الوجود و الموجود معاً و هو مذهب بعض الصوفية، و إما أن يقول بوحدة الوجود و كثرة الموجود و هو المنسوب إلى أذواق المتألهين و عكسه باطل، و إما أن يقول بوحدة الوجود و الموجود معاً في عين كثرتهما و هو مذهب المصنف و العرفاء الشامخين.

أقول: وحدة الوجود و كثرة الموجود مبني على أصالة الماهية و إلّا فلا معنى له، و الرابع: غير مفهوم لمن تدبر و كيف ما كان فشي‌ء من الاعتقادين لا يوجب الكفر و إن كان فاسداً.

غير الاثني عشرية من الشيعة‌

(1) غير الاثني عشرية من سائر فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين و معادين لسائر الأئمة بأن كان امتيازهم عن الاثني عشرية عدم عرفانهم لسائر الأئمة محكومون بالطهارة؛ لعدم الموجب لنجاستهم و لم يتعرض (قدس سره) لغير الشيعة من المسلمين أي العامة لوضوح أن عدم التزامهم بالولاية التي عند الشيعة و أنها بني عليها الإسلام لا يوجب الكفر، خلافاً لصاحب الحدائق حيث التزم بكفرهم و نسبه إلى السيد المرتضى و المشهور من المتقدمين (1).

و الوجه في ذلك للروايات المستفيضة الواردة فيها كفر من أنكر ولايتهم (عليهم السلام) بدعوى أن الانكار المزبور من موجبات الكفر على ما يستفاد منها و لأن مسألة‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 5: 175- 176 و ما بعدها.

212

[من شك في إسلامه و كفره طاهر]

(مسألة 4) من شك في إسلامه و كفره طاهر، و إن لم يجر عليه سائر أحكام الإسلام (1)

____________

ولايتهم (عليهم السلام) ثبتت ببيان النبي (صلى الله عليه و آله) بالضرورة، فيكون إنكارها من إنكار ما ثبت من الشريعة بالضرورة.

و لكن شي‌ء من الأمرين لا يثبت كفرهم، فإن الكفر الوارد في الروايات الكفر هو في مقابل الإيمان لا الإسلام؛ لصراحة بعض الأخبار الصحيحة على أن جماعة الناس على الإسلام الموجب لحقن الدم و المال و ثبوت التوارث و التناكح وحل ذبائحهم، فراجع موثقة سماعة (1) و صحيحة حمران بن أعين (2) و غيرهما مما ورد في أن الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان (3)، و يمكن حمل بعض الأخبار على الكفر الواقعي و نفي الإسلام الواقعي عنهم.

و على الجملة فالكفر و النجاسة إنما ثبتت في الناصب، و المعروف من معناه عند الشيعة مظهر العداوة لهم (عليهم السلام) و عليه فإن كان سبهم أو سب أحدهم نعوذ باللّٰه للعداوة فهو يوجب الكفر للنصب، و أما إذا لم يكن السب لداعي آخر فإنه ربّما يوجب قتل الساب حداً لا كفراً، و قد أذن الشرع لكل من سمع السب إجراء هذا الحد كما ذكرنا ذلك في الخوارج، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

من شُك في إسلامه و كفره‌

(1) إذا علم حالته السابقة من الإسلام أو الكفر كما إذا كان أحد أبويه أو كلاهما مسلماً و شك في حصول موجب الكفر بعد تمييزه أو بلوغه من إنكاره التوحيد أو‌

____________

(1) اصول الكافي 2: 25. الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 26، الحديث 5.

(3) المصدر السابق: 25، الحديث الأول.

213

..........

____________

الرسالة فالأصل بقاء إسلامه و عدم حدوث كفره، كما إذا علم أنه كافر بكفر أبويه و شك في حدوث إسلامه بعد تمييزه أو بلوغه من الاعتراف بالشهادتين فالأصل بقاء كفره و عدم حدوث إسلامه.

و إما إذا لم يعلم حالته السابقة من الإسلام أو الكفر فأصالة عدم إسلامه لا يثبت كفره، فإن الكفر على تقدير كونه أمراً وجودياً لا يثبت بعدم الإسلام، و على تقدير كونه أمراً عدمياً فليس بمعنى عدم الإسلام مطلقاً بل بنحو خاص، و هذا النحو من العدم الخاص لا يثبت بأصالة عدم الإسلام، و بتعبير آخر تقابل الكفر و الإسلام و إن يكون من تقابل العدم و الملكة إلّا أن هذا العدم ليس عدماً مطلقاً أو عدماً مركباً من العدم و قابلية المحل للوجود، بل العدم فيه هو العدم الخاص و إثبات عدم الخاص باستصحاب عدم المطلق من الأصل المثبت هكذا ذكر في التنقيح (1)، و ظاهر المستمسك (2).

أقول: العدم في تقابل العدم و الملكة و أن يكون عدماً في محل قابل للوجود و لو بلحاظ الصنف أو النوع حتى في مثل العمى و البصر، إلّا أن العدم في تلك الموارد يؤخذ وصفاً، فالعمى هو اتصاف الشخص بعدم البصر، و الجهل هو الاتصاف بعدم العلم، و الكفر هو الاتصاف بعدم الإسلام.

و على الجملة اتصاف المحل القابل للوجود و لو بصنفه أو نوعه دخيل في معنى العمى و الجهل و نحوهما، و لو كان معنى العمى عدم البصر في مورد قابل لأمكن إحرازه بضم الوجدان إلى الأصل؛ لأن القابلية و عدم البصر يحسبان و صفين لموصوف‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 88- 89.

(2) المستمسك 1: 398- 399.

214

..........

____________

واحد و في مثلهما لا يظهر التقييد إلّا بما أشرنا إليه من العدم النعتي، فاستصحاب عدم إسلام الشخص بنحو (ليس) التامة أو مفاد السالبة بانتفاء الموضوع لا يثبت اتصاف ذلك الشخص بعدم الإسلام، و الاتصاف بعدم الإسلام يكون بالإنكار فيمن يكون أحد أبويه مسلماً، و بعدم الاعتراف بالشهادتين فيمن يكون أبواه كافرين على ما تقدم بنحو يكون الإنكار أو عدم الاعتراف وصفاً له.

ثمّ إن المشكوك كما لا يحكم بكفره ليترتب عليه النجاسة لا يحكم بإسلامه أيضاً ليترتب عليه من جواز التناكح و التوارث و وجوب تجهيز اللقيط مبني على كون بلد الإسلام أمارة على إسلامه كما تقدم في بحث الجلد المشكوك الحكم بإسلام المشكوك، و قد ورد النص بذلك، و لكن التعدي إلى وجوب التجهيز مشكل أو مبني على ثبوت الإطلاق في أدلة التجهيز المقتضي لوجوب تجهيز كل ميت و قد خرج عنه الكافر بما دل على أنه لا يجهز، و الأصل عدم كون المشكوك كافراً لما تقدم في محله من اعتبار الاستصحاب في العدم الأزلي فيحرز بقاؤه تحت حكم العام أو المطلق.

لا يقال: الحكم بطهارة المشكوك إما لاستصحاب عدم الكفر، و هذا الاستصحاب معارض بأصالة عدم الإسلام له الموجب لحرمة دمه و ماله، فالتعبد بعدم حرمة دمه و ماله مع التعبد بطهارته بعدم كفره ترخيص قطعي في مخالفة أحد الإلزامين، و أما لقاعدة الطهارة فإنها أيضاً معارضة بأصالة الحلية الجارية في قتله و أخذ ماله.

فإنه يقال: لا بأس بقاعدة الطهارة بناءً على أن الأنفس و الأموال مورد الاحتياط، و بناءً على عدم ثبوت لزوم هذا الاحتياط فالمشكوك و إن لم يحكم بطهارته إلّا أنه لا بأس بالرجوع إلى قاعدة الطهارة في كل ما يباشره و يلاقيه، و هذا المقدار يكفي في ترتيب الآثار كما لا يخفى.

215

[الخمر]

التاسع: الخمر بل كل مسكر مائع بالأصالة (1)

____________

الخمر‌

(1) المشهور بين المتقدمين و المتأخرين عند أصحابنا نجاسة الخمر بل كل مسكر مائع بالأصالة، و عن بعضهم نفي الخلاف فيه (1) أو دعوى الإجماع عليه (2)، بل ذكر جمع أن نجاسة الخمر لا خلاف فيها عند العلماء كافة إلّا من شذّ (3)، و المحكي عن الصدوق (رحمه الله) و والده طهارة الخمر (4)، و حكى الطهارة عن صريح ابن أبي عقيل حيث قال: «من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما؛ لأن اللّٰه تعالى إنما حرمهما تعبداً لا لأنهما نجسان» (5) و نسب في الذكرى إلى الجعفي موافقتهما (6)، و ظاهر الأردبيلي (7) و من تبعه أيضاً الالتزام بالطهارة.

و كيف ما كان فالاستدلال على النجاسة بالإجماع غير تام؛ لأن مع الالتزام بأقوال من تقدم بالطهارة كيف يمكن دعوى تسالم الشيعة أو تسالم الفقهاء، مع أن الناظر في روايات الباب يوجب الجزم بأن النجاسة عند الشيعة في زمانهم (عليهم السلام) كانت موضع الترديد، و العمدة في الباب مراجعة الروايات و ملاحظة المستفاد منها حيث إن الآية المباركة أيضاً لا دلالة لها على النجاسة، فإن قوله سبحانه: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ

____________

(1) الناصريات: 95. المبسوط 1: 36.

(2) السرائر 3: 133 و 474.

(3) منتهى المطلب 1: 70. الناصريات: 95.

(4) كتاب الطهارة (للشيخ الانصاري) 2: 360 (الطبعة القديمة).

(5) مختلف الشيعة 1: 469.

(6) الذكرى 1: 114.

(7) مجمع الفائدة 1: 309- 310.

216

..........

____________

وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (1) (الرجس) فيه لا يمكن أن يكون بمعنى (النجس) بقرينة حمله على (الميسر) و نحوه من الأفعال، بل لو كان محمولًا على (العين) لما كان ظاهراً فيها كقوله سبحانه: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ» (2).

و على الجملة (الرجس) لا سيما في زمان صدور الآيات كان ظاهراً في معناه اللغوي المعبر عنه في اللغة الفارسية ب‍ (پليد).

و يستدل على النجاسة بجملة من الروايات كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب الخمر فيرده أ يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: «لا يصلي فيه حتى يغسله» (3) نعم بالإضافة إلى إصابة الجري لا بد من رفع اليد عن الإطلاق مع أن في بعض النسخ الحيّرى.

و موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تصل في بيت فيه خمر و لا مسكر، لأن الملائكة لا تدخله، و لا تصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتّى يغسل» (4).

و موثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس. و عن الإبريق يكون فيه خمر، أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسله فلا بأس، و قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات. و سئل أ يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال:

____________

(1) سورة المائدة: الآية 90.

(2) سورة الحج: الآية 30.

(3) وسائل الشيعة 3: 468، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 470، الحديث 7.

217

..........

____________

لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرات (1).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في آنية أهل الذمة و المجوس قال:

«لا تأكلوا في آنيتهم، و لا من طعامهم الذي يطبخون، و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر» (2).

و رواية أبي بصير «و فيها ما يبل الميل ينجس حبّاً من ماء، يقولها ثلاثاً» (3).

و خبر زكريا بن آدم سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله» (4) الحديث، إلى غير ذلك من الروايات التي و إن لا يخلو سندها عن الضعف، إلّا أن دعوى الجزم و لا أقل الوثوق بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام) الظاهر في نجاسة الخمر بل المسكر قريبة جداً.

و في مقابلها أيضاً روايات دالة على طهارة الخمر و إنها لا تنجس الثوب و البدن و غيرهما، كصحيحة الحسن بن أبي سارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إن أصاب ثوبي شي‌ء من الخمر، أصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال: «لا بأس إن الثوب لا يسكر» (5).

و صحيحة علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أُصلي فيه؟ قال: صلِّ فيه إلّا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر، إن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 494، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 419، الباب 14، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: 470، الباب 38، الحديث 6.

(4) المصدر السابق: الحديث 8.

(5) المصدر السابق: 471، الحديث 10.

218

..........

____________

اللّٰه تعالى إنّما حرم شربها» (1).

و موثقة عبد اللّه بن بكير قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- عن المسكر و النبيذ يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس» (2).

و رواية أبي بكر الحضرمي- التي لا يبعد اعتبارها سنداً- قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أصاب ثوبي نبيذ أُصلي فيه؟ قال: نعم قلت: قطرة من نبيذ قطر في حبّ اشرب منه؟ قال: «نعم إن أصل النبيذ حلال، و إن أصل الخمر حرام» (3).

أقول: لا يبعد كونها ناظرة إلى النبيذ المحلل الذي تقدم في بحث المياه.

و مرسلة الفقيه عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) فقيل لهما إنا نشتري ثياباً يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حاكتها، أ نصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقال: «نعم لا بأس، إنما حرم اللّٰه أكله و شربه، و لم يحرم لبسه و مسه و الصلاة فيه» (4) أقول: ودك الخنزير أي شحمها).

و ربّما يقال بأن الطائفتين متعارضتان، فتحمل الدالة على الطهارة على التقية و يؤخذ بالدالة على النجاسة، و أورد على ذلك الاردبيلي و من تبعه بأن الجمع العرفي بينهما موجود (5)، و معه لا تصل النوبة إلى رعاية المرجحات فإن رعايتها فرع تكافؤ المتعارضين و عدم كون أحدهما قرينة عرفية على المراد من الآخر.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 472، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 14.

(2) المصدر السابق: 471، الحديث 11.

(3) المصدر السابق: الحديث 9.

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 248، الحديث 751، و الوسائل 3: 472، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 13.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 312.

219

..........

____________

و على الجملة يحمل الظاهرة في نجاسة الخمر على كراهة الصلاة في الثوب الذي أصابه الخمر بقرينة ورود الترخيص فيها قبل غسله، و يجري ذلك حتى بالإضافة إلى ما علق الترخيص في الصلاة في الثوب المزبور على غسله، فإن مفهوم ثبوت البأس فيها قبل غسله و البأس يحتمل الكراهة.

و لكن الصحيح أن الطائفتين من المتكافئتين لصراحة بعضها، أو أنها كالصراحة في نجاسة الخمر، و قد تقدم أن: «ما يبل الميل ينجس حباً من الماء» (1).

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان الواردة في الثوب الذي يعيره الذمي الذي يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فقال (عليه السلام): «صلِّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر حتى تستيقن أنه نجسه» (2).

و ما ورد في عدم إجزاء مطلق صب الماء في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، بل يلزم دلكه و غسله ثلاث مرات (3) إلى غير ذلك مما لا يكون حمله على كراهة الاستعمال من الجمع العرفي بينها و بين الطائفة الدالة على الطهارة.

و قد تقدم أن دعوى الوثوق بصدور بعض تلك الأخبار عن المعصوم (سلام اللّٰه عليه) لكثرتها و ورودها في موارد مختلفة غير بعيدة، كما أن الأخبار الدالة على الطهارة و إن يقبل بعضها الحمل على النبيذ المحلل المحكوم بالطهارة، كمعتبرة أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصاب ثوبي نبيذ أُصلي فيه؟ قال: نعم، قلت:

قطرة من نبيذ قطر في حب أشرب منه؟ قال: نعم إن أصل النبيذ حلال و إن أصل الخمر‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: 521، الباب 74، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: 494، الباب 51، الحديث الأول.

220

..........

____________

حرام» (1) فإن النبيذ فيها يمكن حمله على ما ورد في صحيحة حنان بن سدير قال: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في النبيذ، فإن أبا مريم يشربه، و يزعم أنك أمرته بشربه؟ فقال: «صدق أبو مريم، سألني عن النبيذ فأخبرته أنه حلال، و لم يسألني عن المسكر، ثمّ قال: إن المسكر ما اتّقيت فيه أحداً سلطاناً و لا غيره، قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): كلّ مسكر حرام، و ما أسكر كثيرة فقليله حرام» (2) الحديث، إلّا أن بعضها الآخر لا يقبل الحمل.

و حمل الأخبار الدالة على الطهارة لرعاية التقية ترجيحاً للدالة على النجاسة لا يخلو أيضاً عن إشكال، فإن تلك الأخبار لم يظهر وجه لصدورها تقية، فإن العامة أو معظمهم كانوا يستحلون النبيذ المسكر على ما تقدم، و لم يرد في الروايات حليته و إنّما وردت طهارة الخمر و النبيذ مع أن الخمر نجسة عند علماء العامة إلّا شاذ منهم، و حملها لرعاية التقية بالإضافة إلى الأُمراء و السلاطين ليس بأولى من حمل الأخبار الدالة على النجاسة لرعاية التقية من علماء العامة القائلين بنجاسة الخمر، و مع ذلك يتعين الأخذ بالدالة على النجاسة لحكومة صحيحة علي بن مهزيار الناظرة إلى روايات الباب، قال:

قرأت في كتاب عبد اللّٰه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: «لا بأس بأن يصلى فيه، إنّما حرم شربها»، و روى زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ- يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسله كله، و إن صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع بخطه و قرأته: خذ بقول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 471، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 25: 352، الباب 22 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 5.

221

..........

____________

أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)، فإن ظاهرها الأخذ بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) المنفرد، و إلّا لذكر (سلام اللّٰه عليه) خذ بقول أبي عبد اللّه و أبي جعفر (عليهما السلام).

و بتعبير آخر هذه الصحيحة كالأخبار الواردة في مرجحات المتعارضين لا تحسب من إحدى الطائفتين المتعارضتين، بل تكون علاجاً لهما لتلك الأخبار، غاية الأمر أنها عامة لكل متعارضين و هذه الصحيحة مختصة للترجيح في هذه المسألة.

و مما ذكر ظهر أنه لو قلنا بأن الترجيح في الباب كان مع قطع النظر عن هذه الصحيحة لأخبار الطهارة لمخالفتها لما عليه علماء العامة من نجاسة الخمر، لكان المتعين بلحاظ هذه الصحيحة الأخذ بالدالة على النجاسة، و هذه الصحيحة تؤيد ما أشرنا إليه من أن الحمل على الكراهة في النهي بقرينة الترخيص الوارد في خطاب آخر يعد جمعاً عرفياً في التكاليف لا في موارد الإرشاد إلى المانعية أو غيرها من الوضع.

و قريب منها رواية خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلّى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فإن اللّٰه إنّما حرم شربها، و قال بعضهم لا تصل فيه فكتب (عليه السلام):

«لا تصلِّ فيه فإنه رجس» (2) الحديث، فإن الظاهر منشأ الاختلاف بين أصحابه لاختلاف الروايات عنهم (عليهم السلام) كما يشير إليه قوله في مقام الحكاية فقال بعضهم: صل فيه فإن اللّٰه حرم شربها، و على ذلك فتكون الرواية كالصحيحة المتقدمة، ناظرة إلى الطائفتين لا أنها من إحداهما و لكن في سندها سهل بن زياد و عليه فالعمدة في المقام الصحيحة المتقدمة. و قد ذكر في محله عدم كون المكاتبة خللًا في الرواية.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 468- 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 418، الباب 13، الحديث 2.

222

..........

____________

و المتحصل مقتضى صحيحة علي بن مهزيار نجاسة كل من الخمر و النبيذ المسكر و أنه يطرح ما روي عنهم (عليهم السلام) في طهارتهما، و أما نجاسة سائر المائع المسكر و إن لم يدخل في عنواني الخمر و النبيذ المسكر ففيها تأمل، فإن كل مائع مسكر يُشرب حرام كالخمر على ما نطقت به الروايات الكثيرة.

و في صحيحة كليب الأسدي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ فقال: «إن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) خطب الناس فقال: أيها الناس، ألا أن كل مسكر حرام، ألا و ما أسكر كثيره فقليله حرام» (1) و نحوها غيرها إلّا أنه لا يستفاد منها نجاسة كل مسكر، نعم في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) «أن اللّٰه عزّ و جل لم يحرم الخمر لا سمها، و لكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2) و في رواية عطاء بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) «كل مسكر خمر» (3).

و يمكن دعوى أن الحكم بأن كل مسكر خمر على ما هو مفاد الصحيحة و ما هو بمفادها أن يثبت لكل مسكر نجاسة الخمر أيضاً.

و في الصحيح عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره فقال: «لا و اللّٰه و لا قطرة قطرت في حبّ إلّا أهريق ذلك الحب» (4) فإنه لو لم تكن القطرة من المسكر نجسة لما كان يتعين إهراق حبّ الماء مع استهلاك القطرة فيه.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 337، الباب 17 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 342، الباب 19، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: 326، الباب 15، الحديث 5.

(4) المصدر السابق: 341، الباب 18، الحديث الأول.

223

..........

____________

أضف إلى ذلك أنه لا يحتمل بحسب الارتكاز أن يكون النبيذ المسكر محكوماً بالنجاسة كالخمر و لا يكون مائع آخر مسكر كالخمر و النبيذ المزبور نجساً، بل كان محرماً شربه فقط.

و العمدة في المقام هذا الوجه الأخير، و أما غيره فقابل للمناقشة، فإن صحيحة علي بن يقطين لا ظهور لها بالإضافة إلى غير التحريم، و رواية عطاء ضعيفة سنداً، و كذا رواية عمر بن حنظلة فإنه لم يثبت وثاقته على ما ذكر في محله، مع أن رواية عمر بن حنظلة مما ورد في نجاسة المسكر و بمعارضتها ما دل على طهارته.

لا يقال: قد ورد في موثقة عمار: «لا تصلِّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل» (1)، فمقتضى إطلاقها نجاسة كل مسكر.

فإنه يقال: الموثقة معارضة بمثل موثقة عبد اللّه بن بكير قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- عن المسكر و النبيذ يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس» (2) فلا يمكن الأخذ بشي‌ء منهما، و حكومة صحيحة علي بن مهزيار كانت بالإضافة إلى ما ورد في الخمر و النبيذ المسكر كما لا يخفى، حيث إن تفسير النبيذ فيها بالمسكر لو لم يكن ظاهراً في تنويع النبيذ فلا أقل من احتماله.

ثمّ إن التعدي بالارتكاز و التأييد بما ذكر من الروايات يختص بالمائع المسكر الذي يشرب، و أما المائع المسكر الذي لا يشرب كالاسپرتو المعروف ب‍ (الكل) (3) الصناعي في عصرنا بناءً على أنه يسكر بإضافة الماء إليه فلا موجب للتعدي إليه فضلًا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) المصدر السابق: 471، الحديث 11.

(3) الكل (بالفارسية)/ الكحول.

224

..........

____________

عن المسكر غير المائع بالأصالة.

و المتحصل من جميع ما ذكرنا أنه لا فرق في حرمة التناول، بين مسكر و مسكر آخر حتى الجامد منه بالأصالة؛ لقول رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «كل مسكر حرام» (1) على ما في الروايات، و لما في مثل صحيحة علي بن يقطين إن اللّٰه عزّ و جل لم يحرم الخمر لا سمها و لكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2) و التنزيل بلحاظ الحرمة فلا يستفاد منه التنزيل بحسب جميع الآثار، و لكن النجاسة كما تقدم لم تثبت إلّا في الخمر و نبيذ المسكر، و يتعدى إلى سائر المائع بالأصالة المسكر المشروب و إن لم يطلق عليه الخمر و النبيذ لارتكاز عدم الفرق، و أما التعدي إلى غير المشروب و إن أمكن شربه بخلط الماء فضلًا عن المسكر الجامد بالأصالة غير ممكن.

و ما يقال: إن المسكر الوارد في الروايات التي أمر بغسل الثوب فيها من إصابته أو إهراق الماء الذي وقع فيه قطرة من المسكر ينصرف إلى المسكر المائع بالأصالة المعد للشرب، و كذا فيما ورد بأن: «كل مسكر خمر» (3) بلا وجه.

و يقال أيضاً في وجه طهارة المسكر الجامد بأنه يبعد تنزيل غير المائع منزلة الخمر فلا يقال للبس الثوب الموجب لإسكار الشخص فرضاً أنه خمر، و هذا أيضاً لا يمكن الاعتماد عليه فإن التنزيل قد وقع بالإضافة إلى التحريم في قوله (عليه السلام) «فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (4) و لذا نلتزم بحرمة تناوله.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 325، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 342، الباب 19، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: 326، الباب 15، الحديث 5.

(4) المصدر السابق: 342، الباب 19، الحديث الأول.

225

و إن صار جامداً بالعرض (1) لا الجامد كالبنج، و إن صار مائعاً بالعرض

____________

نعم، دعوى الانصراف إلى المعد للشرب له وجه في مثل قوله (عليه السلام): «و لا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل» (1)، فإن مثل الاسپرتو المتعارف في زماننا لم يكن في ذلك الزمان ليجري عليه ما ذكر لسائر أقسام المسكرات، فإن الاسپرتو على ما يقال ليس بمسكر فعلًا بل سم قاتل، و إنما يوجب السكر فيما إذا أُضيف عليه الماء، نعم بعد خلط الماء يدخل في قوله (عليه السلام): «فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2) أي حرام، و لكن ما دل على نجاسة الخمر و المسكر لا يعمه.

الجامد بالعرض‌

(1) مجرد الانجماد لا يوجب استحالة المسكر أو الخمر كما في انجماد الماء فيقال إنه ماء منجمد، و في هذا الفرض الإطلاق في أدلة نجاسة الخمر و إن كان غير خال عن المناقشة إلّا أن المتفاهم بحسب الارتكاز عدم الفرق فيه قبل صيرورته جامداً و بعده، حيث إن ارتكاز المتشرعة عدم كون الانجماد من المطهرات، و قد تقدم في أدلة نجاسة المضاف بوقوع النجاسة فيه أنه لا يطهر بالانجماد كما هو مقتضى النهي عن أكل السمن المائع المتنجس، و أنه يسرج به أضف إلى ذلك ما ورد في عجن الدواء أو غيره بالخمر.

نعم، لو فرض خروج الخمر أو غيره من المسكر المائع إلى حقيقة أُخرى بحسب العرف كما في بخار الخمر، فالبخار المزبور كبخار البول و إن كان طاهراً إلّا أنه بعد صيرورته مائعاً يصدق عليه الخمر كما هو الحال في بخار البول أيضاً.

و إذا شك في كونه من قبيل الاستحالة أو الانجماد المتقدم فإن كان بالشبهة المصداقية فيجري الاستصحاب في ناحية كونه مسكراً أو خمراً و إن كان بالشبهة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة 25: 342، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

226

[ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه]

(مسألة 1) ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه (1)، و هو الأحوط و إن كان الأقوى طهارته.

____________

المفهومية فلا مجال للاستصحاب لا في ناحية الموضوع و لا في ناحية الحكم كما تقدم سابقاً، بل يرجع إلى أصالة الطهارة حتى بناءً على أن الشك في كون شي‌ء مطهراً بالشبهة الحكمية يرجع إلى استصحاب النجاسة، فإن الاستحالة على ما يأتي ليست من المطهرات، بل ارتفاع النجاسة بها من قبيل ارتفاع الحكم بانعدام الموضوع له.

العصير العنبي‌

(1) العصير منها عصير من العنب و عصير من الزبيب و عصير من التمر. أما العصير العنبي فالمنسوب (1) إلى المشهور أنه ملحق بالخمر بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه من حيث حرمة شربه و نجاسته، و ليكن المراد من المشهور بين متقدمي المتأخرين حيث إن قدماء أصحابنا لم يتعرضوا لنجاسته، كما أن المشهور بين متأخري المتأخرين على ما قيل هي الطهارة (2)، و على كل حال فدعوى الإجماع في المسألة لا يبعد كونها جزافاً.

و الحاصل لا ينبغي الريب في أن العصير العنبي بعد غليانه و ذهاب ثلثيه على ما يأتي حرام شربه.

و الكلام في نجاسته، و ربّما يستدل على نجاسته بوجوه:

و العمدة منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المزر من الشعير، و النبيذ من التمر» (3)، و فيه أن مفادها لا يكون أن العصير من‌

____________

(1) مسالك الافهام 1: 123. المدارك 2: 292.

(2) مستند الشيعة 1: 214- 215. و حكاه عنه في المستمسك 1: 406.

(3) وسائل الشيعة 25: 279، الباب الأول من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

227

..........

____________

الكرم خمر بإطلاقه، بل إن الخمر المحكوم بحرمة الشرب و النجاسة تحصل منه كحصولها من الأربعة الباقية.

و لذا لا يمكن أن يقال إن مفادها أن العصير العنبي خمر و لو قبل غليانه، و كذا الحال في الزبيب أنه يصير خمراً بمجرد ما إذا أُلقي في الماء حتى يدخل في جوفه و يصير نقيعاً.

و الحاصل أن مفاد الرواية عدم الفرق في حكم الخمر بين أن يصنع من عصير العنب أو الزبيب و التمر أو العسل أو الشعير في مقابل ما حكى عن فتاوى العامة من أن الخمر يختص بالمصنوع من بعضها كما لا يخفى.

و صحيحة معاوية بن عمار أو موثقته قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحقِّ يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث، و أنا أعرف أنه يشربه على النصف، أ فأشربه بقوله، و هو يشربه على النصف؟ فقال: خمر لا تشربه، قلت:

فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث، و لا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجاً على الثلث، قد ذهب ثلثاه، و بقي ثلثه، يشرب منه؟ قال: نعم (1).

حيث إنه يقال: الحكم بكون العصير خمراً مقتضاه ثبوت جميع أحكامها له و منها نجاستها و عدم جواز بيعها، و فيه أنه لم يثبت كون نسخ التهذيب مشتملة للفظة (خمر)، و قد نقل في الوسائل الرواية عن الكافي أولًا ثمّ قال رواه الشيخ بلا تعرض منه لزيادة لفظ (خمر) في رواية التهذيب.

و الحاصل أنه لم تثبت لفظة (خمر) في رواية الشيخ، و على تقديره أيضاً يكون‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 293- 294، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 4.

228

..........

____________

خلو رواية الكافي موجباً لعدم ثبوته لا لترجيح رواية الكافي و كون رواياته أضبط ليقال إنه لا دليل على الترجيح بعد كون كل منهما خبر عدل يدخل في دليل اعتبار خبر العدل لو لا الآخر، بل لأن عدم اللفظ المزبور في أحد النقلين في المقام ليس من اختلافهما بالأقل و الأكثر في النقل ليؤخذ بالثاني، و يقال إن راوي الأقل لا ينفي الزائد، فإن الظاهر في مثل المقام مما يوجب وجود لفظ في أحدهما اختلاف المضمون أن الراوي بلا زيادة ينفيه.

ثمّ لو قيل بثبوت لفظ (خمر) في نسخ التهذيب لكثرة نقله، و إن النقلين ليسا من المتعارضين، بل من قبيل اختلافهما بالزيادة و النقيصة، فالذي يروي النقيصة لا ينفي الزيادة فلا يصح الحكم بنجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه، و ذلك فإن قوله (عليه السلام): «خمر لا تشربه» ليس بياناً للحكم الواقعي للعصير، بل الحكم الواقعي كان معلوماً لدى السائل و إنّما سأل الإمام (عليه السلام) عن الشبهة الموضوعية و اعتبار قول ذي اليد فيها.

و إذا لم تكن الرواية ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي للعصير بعد غليانه فلا يمكن الأخذ بإطلاق التنزيل في الحكم الظاهري، بل يكون مدلولها عدم الاعتناء بقول ذي اليد الذي لا يعتقد حل العصير إلّا بذهاب ثلثيه، و من الظاهر أن التنزيل في الحكم الظاهري يتبع التنزيل في الحكم الواقعي، فإن كان التنزيل في خطاب الحكم الواقعي بحسب جميع الآثار يكون التنزيل في بيان الحكم الظاهري أيضاً كذلك و لو كان من جهة حرمة شربه فقط فلا يمكن أن يكون التنزيل في الحكم الظاهري بحسب جميع الآثار، و بما أن الرواية ناظرة إلى بيان الحكم الظاهري فلا يمكن القول بأن التنزيل بحسب جميع الآثار، بل لا بد في إثباته من إحراز التنزيل المطلق بحسب الحكم الواقعي فتدبر.

229

..........

____________

و قد يقال: إنه لو كان في نقل التهذيب لفظة (خمر) أيضاً لا يستفاد نجاسة العصير، حيث إنه فرق بين قوله العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه خمر لا تشربه، و بين القول بأنه خمر فلا تشربه أو لا تشربه لأنه خمر، فيستفاد عموم التنزيل من الأخيرين دون الأول، فإن في الأول يكون (لا تشربه) بياناً للتنزيل و تكراراً للحكم المذكور أولًا.

و بتعبير آخر لو كان في اللفظ الدال على النهي عن الشرب الفاء أو كان في البين تعليل لكان ظهور الكلام في بيان الحكمين أحدهما أصلي و الآخر تفريع بخلاف الفرض الأول فإنه لا ظهور له في تعدد الحكم لو لم نقل بظهوره في وحدته، و هذا أيضاً لا يخلو عن وجه.

و قد يقال: إنه لا دلالة للرواية على نجاسة العصير العنبي بعد غليانه و لو فرض ثبوت رواية الشيخ و عدم معارضتها بنقل الكليني فإنه لم يثبت أن البختج مرادف للعصير العنبي، و لعل المراد قسم منه يصير خمراً فيعمه ما للخمر من النجاسة و الحرمة.

و فيه أن المراد به العصير المطبوخ و لو كان قسم منه خمراً لما كانت حليته بذهاب الثلثين، بل لا بد من تخليله و فرض السائل أنه يحل بذهاب الثلثين و كذا فرض الإمام شاهد قطعي بأن المراد منه العصير المطبوخ.

و ربّما يستدل على نجاسة العصير بعد غليانه بمرسلة محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار، حتى يغلي من ساعته، أ يشربه صاحبه؟ فقال: «إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه، حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 285، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 7.

230

نعم، لا إشكال في حرمته سواء غلى بالنار أو بالشمس أو بنفسه (1)

____________

و رواية أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الطلا فقال: «إذا طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال، و ما كان دون ذلك فليس فيه خير» (1).

و الروايتان مع الغمض عن إرسال الأُولى و كون علي بن أبي حمزة البطائني في سند الثانية لا دلالة لهما على النجاسة، فإن ظاهر نفي (الخير) نفي الأثر المرغوب من العصير فإنه إذا انتفى يقال: إنه لا خير فيه في تلك الحال من غير فرق بين أن يحكم بطهارته أو نجاسته.

و أوهن من الاستدلال المزبور الاستدلال على النجاسة بما ورد في نزاع آدم و نوح (عليهما الصلاة و السلام) مع إبليس في واقعة غرسهما (2) فإن استفادة حرمة العصير بعد غليانه منهما مشكل جداً فضلًا عن النجاسة.

و المتحصل أن مقتضى أصالة عدم جعل النجاسة للعصير بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه و لا أقل من أصالة الطهارة فيه محكم.

(1) و ربما يفصل في العصير العنبي بأنه إن كان غليانه بالنار فلا يحكم بنجاسته، بل يحرم شربه إلى أن يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، و إن غلى بغير النار أو نش فيحكم بنجاسته و لا يحل إلّا بالتخليل، نسب ذلك إلى ابن أبي حمزة (3) و ربّما ينسب إلى غيره و عن الشريعة الاصبهاني اختيار هذا القول في رسالته في العصير (4).

و يستدل على ذلك بصيرورة العصير بنشه و غليانه بنفسه خمراً فلا يحل إلّا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 285، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: 282- 284، الحديث 2- 4.

(3) مصباح الفقيه 7: 206. (للهمداني). و الوسيلة: 365.

(4) مصباح الفقاهة 1: 103 (للسيد الخوئي).

231

..........

____________

بالتخليل، و لكن لا يخفى أنه لو اتفق صيرورة العصير بما ذكر مسكراً فالأمر كما ذكر، إلّا أنه أمر اتفاقي لو حصل و لم يثبت أن مجرد غليان العصير أو نشه يوجب كونه خمراً، بل لا يبعد ثبوت خلافه فإنه لو كان صنع الخمر بهذه السهولة لما كان بُذِلَ في صنعه التعب و الأموال الهائلة كما لا يخفى.

و يستدل أيضاً بأن ما ورد في حل العصير بذهاب الثلثين بقاء ثلثه قد فرض فيها غليانه بالنار أو طبخه، و ما ورد في عدم حل العصير بالغليان الظاهر في الغليان بنفسه لم يذكر فيها حله بذهاب ثلثيه، و في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (1).

و في رواية أبي بصير المتقدمة و سئل عن الطلا فقال: «إن طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال» (2) و نحوها غيرها.

و في صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يحرم العصير حتى يغلي» (3) و نحوها غيرها، و لكن لا يخفى أنه لا وجه لظهور الثانية في الغليان بنفسه، و إنما الثابت ظهور الأفعال في المباشرة لا بالاستنابة لو لا القرينة و التقييد بالنار في بعضها باعتبار أن يكون الغليان و الطبخ بها غالباً فلا يوجب تقييد الإطلاق في غيرها مع أن كل من المطلق و المقيد الحكم فيهما انحلالي موافق أحدهما الآخر في الحكم، فليس المورد من موارد التقييد بناءً على عدم دلالة الوصف على المفهوم كما هو الصحيح.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 282، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 25: 285، الحديث 6.

(3) وسائل الشيعة 25: 277، الباب 32 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث الأول.

232

..........

____________

أضف إلى ما ذكر أن مقتضى الوجه الثاني أن لا يحل العصير العنبي إلّا إذا غلى بنفسه بذهاب ثلثيه لا أن يكون محكوماً بالنجاسة.

و قد يقال في وجه اعتبار الغليان في الحلية بذهاب الثلثين و إن ما يغلي بنفسه لا يطهر و لا يحل إلّا بالتخليل، ما ورد في موثقة عمار بن موسى الساباطي قال: وصف لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالًا، فقال: «خذ ربعاً من زبيب و تنقيه، ثمّ تصب عليه اثني عشر رطلًا من ماء، ثمّ تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف و خشيت أن ينش، جعلته في تنور سخن قليلًا حتى لا ينش، ثمّ تنزع الماء منه كله إذا أصبحت» (1) الحديث حيث ذكر أن ظاهره أن عصير الزبيب مع النشيش بنفسه لا يحل بذهاب ثلثيه فيكون الأمر في عصير العنب أوضح، و يوضح ذلك بأن جعل الزبيب في تنور سخن مع أنه معد للغليان لئلا يكون غليانه بنفسه.

و فيه أنه مع ما في سندها من احتمال إرسالها أن غاية مدلولها عدم حل ما غلى بنفسه بذهاب ثلثيه، و لا يدل على النجاسة مع أنه يحتمل أن يكون ذكر عدم النشيش من قبل نفسه لفساد العصير أو عدم صيرورته بالشكل المطلوب منه لا دخيلًا في الحكم الشرعي مثل أكثر ما ذكر فيها من الخصوصيات.

و على الجملة فلم يثبت أن مع غليان العصير بنفسه يصير خمراً و لا تحل إلّا بالتخليل و إن يظهر ذلك ما في الرضوي إن نش العصير من غير أن تمسه النار فدعه حتى يصير خلًا (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 289، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 2.

(2) الفقه المنسوب إلى الامام الرضا (عليه السلام): 280.

233

و إذا ذهب ثلثاه صار حلالًا سواءً كان بالنار أو بالشمس أو بالهواء (1)

____________

(1) و ذلك للإطلاق في مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (1) فإنها تصدق ما إذا كان ذهاب ثلثي العصير المغلي بالنار أو بالشمس أو الهواء، و بتعبير آخر غاية ما ذكر فيها من إصابته النار غليانه بالنار و أما حليته بذهاب ثلثيه لم يذكر فيه قيد النار.

و أما ما ورد في اعتبار الطبخ إلى ذهاب ثلثيه من رواية أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الطلاء فقال: «إن طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال» (2) حيث يقال مفهومه إن لم يطبخ إلى ذلك الحد فليس بحلال، و فيه مع ضعف سنده بعلي بن أبي حمزة البطائني أنَّ ذكر الطبخ فيها لكون ذهاب الثلثين به غالباً فلا يمنع عن الأخذ بالإطلاق المتقدم، فالرواية نظير ما في صحيحة زرارة «فإذا أخذت عصيراً فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب» (3).

و مما تقدم يظهر الحال في مثل رواية أبي الربيع الشامي الوارد فيها أن: «روح القدس أخذ ضغثاً من نار فرمى به عليهما، و العنب في أغصانها، حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شي‌ء» (4) الحديث فإنه مضافاً إلى ضعف سنده مقتضاها إعدام الثلثين و إتلافهما بالنار في حلية نفس أكل العنب و مع الإغماض عن ذلك فذكر النار يحمل على أنها أحد موجبات الإتلاف جمعاً بينه و بين الإطلاق المتقدم، و إلّا كان المعتبر في حله إحراقه فإن النار قد أحرقت ثلثي العنب.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 282، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 285، الحديث 6.

(3) المصدر السابق: 284، الحديث 4.

(4) المصدر السابق: 282، الحديث 2.

234

..........

____________

و المتحصل بمقتضى ما تقدم حل العصير المغلي بالنار بذهاب ثلثيه سواء كان الذهاب بالطبخ أو بغيره.

و أما كون غير المغلي بالنار فشمول صحيحة عبد اللّه بن سنان له بدعوى إن إصابة النار تعم ما إذا كان فيه نشيش بغيرها أم لا غير ممكن، فإن ظاهر قوله (عليه السلام) إصابته النار أن لإصابتها دخل في حرمته، و مع النشيش قبل إصابتها يكون محرماً بالنشيش لا بإصابتها على ما يأتي.

و المتحصل مما ذكر أن العصير المغلي بالنار يحرم شربه من غير أن يحكم بنجاسته إلى أن يذهب ثلثاه بالنار أو بغيرها، و ليس في البين ما يوجب تقييد ذهاب الثلثين بالنار و رفع اليد عن إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة.

و ما في صحيحته الأُخرى من قوله (عليه السلام): «إن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه فهو حلال» (1)، و كذا ما في رواية أبي بصير و قد سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الطلا من قوله: «إن طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال، و ما كان دون ذلك فليس فيه خير» (2) لا دلالة لهما على التقييد لما ذكرنا من أن الغالب في إذهاب الثلثين يكون بالطبخ.

و أما المغلي بغير النار فيحكم بحرمة شربه أيضاً، و لكن لا يجوز شربه قبل أن يصير خلًا، فإن ما ورد في التحليل بذهاب الثلثين يختص بالمغلي بالنار و يكون مقتضى الإطلاق في مثل موثقة ذريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا نش العصير أو غلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 277، الباب 32 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 285، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 6.

235

بل الأقوى حرمته بمجرد النشيش و إن لم يصل إلى حدّ الغليان (1)

____________

حرم» (1). عدم جواز حله بلا فرق بين ذهاب ثلثيه بعد ذلك أم لا، غاية الأمر يرفع عن إطلاقها بالإضافة إلى المغلي بالنار بدلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة و يبقى غيره تحت الإطلاق.

نعم، بعد صيرورته خلّاً يكون حله مدلول ما ورد في جواز الخل و حله مع أنه لو كان تخليل الخمر محللًا له يكون الحكم في غيره أولى، بل التخليل مسبوق بالنشيش لا محالة.

(1) و يدل على ذلك موثقة ذريح قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول «إذا نش العصير أو غلى حرم» (2) و يقال إن المراد بالنشيش الصوت الحاصل قبل الغليان، و لو كان المراد ذلك لكان عطف الغليان عليه مستدركاً؛ لأن النشيش يحصل قبل الغليان لا محالة فيكون تعليق التحريم بالغليان في غير محله.

و ربّما يقال إن الموجب للتحريم هو الغليان بالنار، و أما في غير المطبوخ فيكفي في حرمته مجرد النشيش بحمل النشيش في الموثقة على العصير غير المطبوخ و حمل الغليان على المطبوخ بقرينة خبر محمد بن الهيثم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن العصير يطبخ بالنار، حتى يغلي من ساعته، أ يشربه صاحبه؟ فقال: «إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (3).

و ربّما يظهر ذلك من رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن شرب العصير، قال: تشرب ما لم يَغل فإذا غلى فلا تشربه، قلت: أي شي‌ء الغليان؟ قال: القلب (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 287، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 287، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 285، الباب 2، الحديث 7.

(4) المصدر السابق: 287، الباب 3، الحديث 3.

236

و لا فرق بين العصير و نفس العنب فإذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراماً (1)

____________

و وجه ظهورها أن الغليان بمعنى القلب لا يحصل بغير النار فلا يكون النشيش بالنار موجباً لحرمة العصير بخلاف النشيش بغيرها فإنه يوجبها أخذاً بظاهر عطف الغليان عليه في الموثقة، بل يمكن أن يدعي أنه لا يطلق على الغليان في موارد الطبخ النشيش، و إنما يطلق عليه في غير مورد النار، فليس النشيش الصوت المسبوق على الغليان بل صوت نفس الغليان، و لكن فيما كان الغليان بغير النار و أما الغليان بالنار و هو القلب.

و على الجملة فلم يثبت للنشيش معنى غير الغليان بغير النار و فيما إذا غلى بغير النار فلا يحل كما تقدم إلّا بالتخليل.

لا يقال: مقتضى قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «إن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، و يبقى ثلثه فهو حلال» (1) يعم العصير الذي غلى بنفسه أو بغير النار.

فإنه يقال: لم يحرز أن العصير مع غليانه بنفسه يقبل الطبخ و يصير به عصيراً مشروباً، بل من المحتمل أنه بالغليان كذلك يفسد و إن أُحرز كونه قابلًا للشرب من غير فساد فلا بأس بالأخذ بالإطلاق المزبور، و لكن لا يوجب ذلك حله فيما إذا كان ذهاب ثلثيه كغليانه بغير النار فتدبر.

(1) ذكر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد ظاهر النصوص اشتراط كونه معصوراً فلو غلى ماء العنب في حبه لم يصدق عليه أنه عصير غلى ففي تحريمه تأمل، و لكن صرحوا بحرمته أيضاً بالغليان و مقتضى أصالة الحلية و عمومات الحل و حصر المحرمات حليته حتى يتم على تحريمه دليل (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 288، الباب 5، من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 11: 200.

237

و أما التمر و الزبيب و عصيرهما فالأقوى عدم حرمتهما أيضاً بالغليان (1) و إن كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلًا، بل من حيث النجاسة أيضاً.

____________

و قد أورد بأنه لا يحتمل أن يكون للعصر دخالة في تحريمه بالغليان؛ و لذا لو خرج ماء العنب بغير العصر كالغليان فلا يمكن الالتزام بعدم حرمته (1).

أقول: قد يخرج ماء العنب بغير العصر كما كان إخراجه بطبخ العنب نظير طبخ الطماطة فالماء الخارج منها مع فرض غليانه يحكم بحرمته حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه؛ لأن احتمال دخالة إخراج مائه بالعصر موهوم بحسب المتفاهم العرفي، و أما إذا لم يخرج ماؤه بل طبخ العنب و فرض غليان مائه في حبه من غير أن يخرج إلى الخارج فإن كان فرض ذلك واقعاً بأن يكون بعض أقسام العنب كالخيار قابلًا للطبخ من غير أن يخرج الماء منه ففي حرمته تأمل، فإن ما ورد في العصير العنبي غايته التعدي إلى ماء العنب الخارج منه، أما الرطوبة الموجودة في داخل الحب إن فرض فيها الغليان فلا دليل على حرمته فيرجع فيه إلى عموم الحل أو الأصل.

التمر و الزبيب و عصيرهما‌

(1) يقع الكلام في حرمة عصير الزبيب بالغليان تارة، و في حرمة عصير التمر أُخرى، أما الكلام في حرمة ماء الزبيب بالغليان فقد تنسب إلى جماعة من متأخري المتأخرين و لكن المشهور على حليته، فقد استدل على الحرمة بالاستصحاب التعليقي حيث إن الزبيب كان حال كونه عنباً يحرم ماؤه بالغليان و بعد صيرورته زبيباً يحتمل بقاؤه على ما كان عليه.

____________

(1) كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) 2: 366 (الطبعة القديمة)، و انظر المستمسك 1: 411.

238

..........

____________

و هذا الاستصحاب مخدوش: أولًا: بأنه استصحاب في الشبهة الحكمية و لا مجال للاستصحاب في تلك الشبهات.

و ثانياً: أن الاستصحاب على تقدير اعتباره في الشبهات الحكمية يجري فيما كان للحكم المستصحب فعلية سابقاً ليقال إنه كنا على يقين منه، و بما أن الزبيب لم يكن حال كونه عنباً محرماً لعدم غليانه في ذلك الحال على الفرض، فلا حكم فعلي ليستصحب.

لا يقال: المستصحب هي الحرمة المعلقة على الغليان.

فإنه يقال: الحرمة المعلقة على الغليان ليس بحكم شرعي، و إنّما هو حكم عقلي يرجع إلى الملازمة بعد حصول جزء الموضوع أي أنه يكون الحكم بحصول جزئه الآخر.

و بتعبير آخر المستصحب في المقام الحكم في مقام الثبوت الذي كان سابقاً متيقناً و قيود الحكم كلها بحسب مقام الثبوت راجع إلى قيود الموضوع في أنه لا يثبت الحكم المجعول إلّا بخروج القيد إلى الفعلية و إذا وجد جزء أو ذات المقيد يحكم العقل أنه إذا حصل جزؤه الآخر أو قيده يكون الحكم فعلياً و استصحاب هذه الملازمة بالإضافة إلى إثبات الحرمة الفعلية للزبيب المغلي من الأصل المثبت، و مع الإغماض عن ذلك أيضاً لا مجال في المقام للاستصحاب التعليقي؛ لما تقدم من أن الموضوع للحرمة ليس العنب بل العصير العنبي أي الماء الخارج عن داخل العنب و هذا الماء لم يبق و ماء الزبيب ماء خارج قد كسب حلاوة الزبيب هو غير الماء الذي كان داخل العنب كما لا يخفى.

و المتحصل مما ذكرنا أن تغاير أخذ القيد في ناحية الموضوع أو في ناحية الحكم‌

239

..........

____________

يكون في مقام الإثبات فقط، فقوله: العنب المغلي حرام، و قوله: إذا غلى العنب يحرم، تغايرهما باعتبار دلالة الثاني على عدم الحرمة قبل الغليان دون الأول، إلّا بناءً على مفهوم الوصف و الجعل بقائه مفروغ عنه حيث إنه لم ينسخ فالمستصحب في المقام هو الحكم الثابت للعنب ثبوتاً، و بما أنه لا يكون له حكم فعلي ثبوتاً إلّا مع فعلية الغليان فلا مستصحب في موارد الاستصحاب التعليقي ضرورة أن مع غليان العنب لا زبيب، و مع صيرورته زبيباً لا غليان للعنب سابقاً.

و مع الإغماض عما ذكر كله بالبناء على اعتبار الاستصحاب التعليقي فالحرمة في المقام لم تثبت للعنب بل لعصيره مع غليانه، و عصيره ماؤه الذي كان داخل العنب، فالعصير الزبيبي ماء خارجي قد كسب حلاوة الزبيب.

و يستدل أيضاً على حرمة العصير الزبيبي بما عن زيد النرسي في أصله: الزبيب يدق و يلقى في القدر ثمّ يصب عليه الماء و يوقد تحته فقال: «لا تأكله حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث فإن النار قد أصابته قلت: فالزبيب كما هو [يلقى] في القدر و يصب عليه الماء ثمّ يطبخ و يصفى عنه الماء فقال كذلك هو سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلواً بمنزلة العصير ثمّ نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم و كذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد» (1).

و في الجواهر و طهارة الشيخ الأنصاري: في الزبيب يدق و يلقى في القدر و يصب عليه الماء فقال: «حرام حتى يذهب الثلثان (حرام إلّا أن يذهب الثلثان) قلت: فالزبيب كما هو يلقى في القدر قال هو كذلك سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد كلما غلى‌

____________

(1) مستدرك الوسائل 17: 38، الباب 2 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحديث الأول.

240

..........

____________

بنفسه أو بالنار فقد حرم حتى يذهب ثلثاه (إلّا أن يذهب ثلثاه) (1).

و في الجواهر نسبه إلى زيد الزراد.

و ذكر في البحار أن أصل زيد النرسي رواه عن نسخة قديمة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي و النسخة هكذا، حدثنا الشيخ أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري (أيده اللّٰه تعالى) حدثنا أبو العباس أحمد بن سعيد الهمداني قال: حدثنا جعفر بن عبد اللّه العلوي أبو عبد اللّه المحمدي قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي (2).

قال الشيخ الطوسي رضى الله عنه في الفهرست زيد النرسي و زيد الزراد لهما أصلان لم يروهما محمد بن علي بن الحسين بن بابويه و كان محمد بن الحسن بن الوليد يقول هما موضوعان، و كذلك كتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير قد وضع هذه الأُصول محمد بن موسى الهمداني (3) المعروف بالسمّان.

و في النجاشي أن زيد النرسي من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) له كتاب أخبرنا أحمد بن علي بن نوح السيرافي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الصفواني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن زيد النرسي بكتابه (4) و قد ذكر الشيخ في الفهرست أيضاً رواية محمد بن أبي عمير كتاب زيد النرسي (5).

____________

(1) جواهر الكلام 6: 34- 35، و كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) 2: 362 (الطبعة القديمة).

(2) بحار الأنوار 1: 43.

(3) الفهرست: 130.

(4) رجال النجاشي: 174. الرقم 460.

(5) الفهرست: 130.

241

..........

____________

أقول: لو قلنا بأن لزيد النرسي و لزيد الزراد أصلين و إن ما ذكر محمد بن الحسن الوليد تسرع في الطعن، فإنه قد ذكر النجاشي (قدس سره) طريقه إلى كل منهما و لكن لا يثبت بذلك أن الرواية المأخوذة من النسخة التي وجدها المجلسي (قدس سره) بخط الشيخ الآبي هي أصل زيد النرسي الذي ذكر النجاشي طريقه إليه.

و على الجملة فليس طريق مألوف للمجلسي (قدس سره) إلى أصل زيد النرسي أو إلى أصل زيد الزراد، و إنما ينقل هذه الرواية عن نسخة وجدها و قد كتب في أول النسخة سنداً و لعلها موضوعة، و اشتمالها لبعض الروايات التي نُقلت في بعض الكتب كتفسير علي بن إبراهيم و غيره عن ابن أبي عمير عن زيد لا يدل على أن النسخة بتمامها روايات أصل زيد النرسي، و لعلها أُدرجت فيها إيهاماً على أنها أصل زيد الذي ذكرها النجاشي و غيره.

و يقرب ذلك أن النسخة كانت عند صاحب الوسائل و مع ذلك لم ينقل عنها في الوسائل شي‌ء و يحتمل قوياً أن الوجه في ذلك عدم ثبوت إسناد تلك النسخة إلى زيد بطريق مألوف.

و دعوى أن إسناد النسخة إليه كإسناد نسخة الكافي التي بأيدينا إلى الكليني (قدس سره) في الغناء عن الطريق، و الاكتفاء بالشهرة لا يخفى ما فيها أضف إلى ذلك عدم ثبوت التوثيق لزيد النرسي و زيد الزراد و رواية ابن أبي عمير عن زيد النرسي لا تدل على وثاقته على ما ذكرنا عند التعرض لما ذكر الشيخ الطوسي (قدس سره) من أنه لا يروى و لا يرسل إلّا عن ثقة.

و يستدل أيضاً على حرمة عصير الزبيب بل لنجاسته بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه، ثمّ يؤخذ الماء فيطبخ، حتى يذهب ثلثاه، و يبقى ثلثه، ثمّ‌

242

..........

____________

يرفع فيشرب منه السنة، فقال: «لا بأس به» (1).

و فيها- مع الغمض عن سندها فإن فيه سهل بن زياد- أن لا دلالة لها على اعتبار التثليث في ماء الزبيب المغلي حيث إن التثليث قد فرضه السائل في سؤاله لا أنه قد أخذ الإمام (عليه السلام) قيداً في حكمه بالجواز، و بتعبير آخر قد نفى البأس فيها عما فرضه السائل في سؤاله فلا يدل على ثبوت البأس في غيره، بل لو كان القيد في الجواب لما كان لها دلالة أيضاً على المطلوب فإن مدلولها على ذلك التقدير أنه مع عدم التثليث لا يجوز شربه إلى سنة.

و أما عدم جواز شربه أصلًا فلا يستفاد منها، فإن من المحتمل أنه على تقدير عدم التثليث قد يفسد مع بقائه مدة طويلة بصيرورته مسكراً كما يظهر من بعض الروايات.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الاستدلال بموثقة عمار الساباطي أو روايته قال:

وصف لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالًا، فقال لي: تأخذ ربعاً من زبيب و تنقيه ثمّ تصب عليه اثني عشر رطلًا من ماء، ثمّ تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف و خشيت أن ينش، جعلته في تنور سخن قليلًا حتى لا ينش ثمّ تنزع الماء منه كله إذا أصبحت، إلى أن قال: فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث (2).

و قريب منها موثقته الأُخرى و اشتمالهما على ما يحتمل دخله في الحلية و أنه يكون تثليثه لاحتمال عدم فساده مع بقائه مدة طويلة كما ذكر ذلك في ذيل رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي من قوله: «و هو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 295، الباب 8 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 289، الباب 5، الحديث 2.

243

..........

____________

شاء اللّٰه» (1).

و نظير الاستدلال بها الاستدلال بالروايات التي ورد فيها النهي عن شرب النبيذ الذي يجعل فيه القعوة أو العكر حتى يغلي، و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: استأذنت لبعض أصحابنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسأله عن النبيذ، فقال: حلال، فقال:

إنّما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي ثمّ يسكن، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كل مسكر حرام (2).

و في صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يا جارية اسقيني ماءً، إلى أن قال: قلت: يجعلون فيه القعوة، قال: ما القعوة؟ قلت: الدازي قال: ما الدازي؟ قلت: ثفل التمر يضرى به الإناء حتى يهدر النبيذ فيغلي ثمّ يسكن فيشرب، قال: ذلك حرام (3).

فإن ظاهر الأُولى أنه لصيرورته مسكراً حرام، فتكون قرينة للمراد من الثانية.

و أما الاستدلال بعموم قوله (عليه السلام): «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (4) فلا يمكن المساعدة عليه فإن العموم فيها على تقديره لا يعم الزبيب فإن عصير الثمار يطلق على الماء المخرج من جوفها و ماء الزبيب ماء خارجي قد كسب حلاوة الزبيب مع أن العموم غير مراد من الصحيحة قطعاً للزوم التخصيص المستهجن على تقدير إرادة الأنواع فلا بد من الحمل على أفراد النوع ليكون العموم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 290- 291، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 355، الباب 24، الحديث 5.

(3) المصدر السابق: 353، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 282، الباب 2، الحديث الأول.

244

..........

____________

بحسبه و المتيقن منه عصير العنب على ما تقدم.

و ما في نسخة الوسائل في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): إن نوحاً لما هبط من السفينة غرس غرساً فكان فيما غرس النخلة، فجاء إبليس فقلعها- إلى أن قال:- فقال نوح: ما دعاك إلى قلعها- إلى أن قال:- في ذيلها: فإذا أخذت عصيراً فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و أشرب (1)، غلط، و الصحيح (الحبلة) و هو شجر العنب فلا يتوهم أن المراد بالذيل يعم غير العصير العنبي أيضاً فراجع الكافي (2) المروية عنه هذه الرواية.

هذا كله بالإضافة إلى العصير الزبيبي، و أما التمري فلا يجري فيه ما تقدم في العصير الزبيبي من الاستصحاب التعليقي، و لم يرد في الروايات ما يدل على حرمته بالغليان فليس في البين إلّا عموم قوله (عليه السلام): «عصير إصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه» (3)، و قد تقدم عدم إرادة العموم بحسب أنواع الثمار، بل المراد ظاهراً أو من المتيقن العموم بحسب أفراد ما يخرج من العنب و بعض ما ورد في نبيذ التمر يجعل فيه القعوة (4) أو العكر (5).

و قد تقدم أن تحريم نبيذ الزبيب أو التمر بهما لصيرورته مسكراً كما يظهر ذلك من غير واحد من الروايات كحديث وفد اليمن الذي ذكر (صلى الله عليه و آله) فيه، يا هذا قد أكثرت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 284، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 4.

(2) الكافي 6: 394، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 25: 282، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(4) المصدر السابق: 353، الباب 24، الحديث الأول.

(5) وسائل الشيعة 1: 274- 275، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة.

245

[إذا صار العصير دبساً بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته]

(مسأله 2) إذا صار العصير دبساً بعد الغليان قبل أن يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته، و إن كان لحليته وجه (1)،

____________

علي أ فيُسكر؟ قالوا: نعم، قال: «كل مسكر حرام» (1).

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة استأذنت لبعض أصحابنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسأله عن النبيذ، فقال: حلال، قال: إنّما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي ثمّ يسكن، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): كل مسكر حرام» (2).

و رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: دخلت على أبي جعفر ابن الرضا (عليهما السلام) إلى أن قال: فقال: و ما نبيذهم؟ قلت: يؤخذ من التمر فينقى، و تلقى عليه القعوة، قال: ما القعوة؟ قلت: الزازي، قال: و ما الزازي؟ قلت: حب يؤتى من البصرة يلقى في هذا النبيذ، حتى يغلي و يسكن ثمّ يشرب، قال: ذاك حرام (3). إلى غير ذلك.

و أما موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنه سئل عن النضوح المعتق، كيف يصنع به حتى يحل؟ قال: «خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر» (4) فلا يخلو من إجمال حيث يحتمل أن يكون النصوح ما فيه يجعله خمراً أو مسكراً لو لا ذهاب ثلثيه خصوصاً بملاحظة ما تقدم من أن المحرم هو المسكر من نبيذ الزبيب و نبيذ التمر.

(1) و لعل الوجه المشار إليه انتقال المطبوخ عن عنوان العصير المشروب إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 355، الباب 24 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: الحديث 5.

(3) المصدر السابق: 354، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 2: 154، الباب 99 من أبواب آداب الحمام.

246

..........

____________

الدبس الذي هو من المأكول، و الموضوع للحرمة و النجاسة على القول بها هو العصير، و الحاصل صيرورة العصير دبساً نظير انقلابه خلًا، و يمكن أن يكون الوجه أن ما يوجب حرمة العصير بالغليان حتى يذهب ثلثاه كونه في معرض الفساد و صيرورته مسكراً مع طول بقائه و مع صيرورته دبساً قبل ذهاب ثلثيه لا يحتمل فساده، ففي كل من الوجهين ما لا يخفى.

أما الأول: فإن الموضوع للحرمة هو العصير عند حدوث الطبخ، و أما اعتبار بقائه على عنوانه إلى ذهاب الثلثين فلا دليل عليه، بل الدليل على خلافه موجود. فإن قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «كل عصير أصابته النار فهو حرام، حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (1) مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين صيرورته قبل ذهاب ثلثيه دبساً أم لا.

و دعوى أن العصير المفروض في الروايات من المشروب الحلال بعد ذهاب ثلثيه و مع صيرورته دبساً يكون من المأكول يدفعها قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «فإذا أخذت عصيراً فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب» (2).

و أما الثاني: فلم يعلم أن العلة في تحريمه كونه معرض الفساد مع إبقائه مدة طويلة، نعم تقدم في ماء الزبيب أن الأمر بطبخه إلى ذهاب ثلثيه للتحفظ على فساده مع طول بقائه، و ذكرنا أن الطبخ فيه كذلك غير معتبر بخلاف العصير العنبي فإن الطبخ إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 282، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 284، الحديث 4.

247

..........

____________

ذهابهما يعتبر فيه من غير أن يذكر فيه، غير أنهما نصيب الشيطان فراجع.

و أما مسألة انقلاب العصير العنبي بعد غليانه خلًا فلا يبعد أن يقال بحله بصيرورته خلًا لفحوى ما ورد في انقلاب الخمر خلًا.

و بتعبير آخر حل الخل بانقلاب الخمر إليه بالنص لا أنه على القاعدة على ما سنذكر في بحث كون الانقلاب من المطهرات، و حيث لا يحتمل الفرق بين انقلابها و انقلاب العصير العنبي خصوصاً لو قيل بأن العصير قبل صيرورته خلًا يكون مسكراً يكون الأمر في انقلاب العصير خلًا كانقلاب الخمر إليه.

مع أنه يمكن أن يقال ما ورد في تحليل الخل مقتضاه جواز الخل الذي انقلب العصير العنبي إليه، فيكون التعارض بينه و بين ما ورد في حرمة العصير العنبي بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه بالعموم من وجه، فيرجع في الخل المنقلب إليه العصير بأصالة الحل و هذا بخلاف الدبس فإن في حله لم يتم إطلاق فلاحظ.

ثمّ إن الظاهر عدم الفرق في حلية العصير العنبي بل و غيره بناءً على الحرمة بعد الغليان أن يكون ذهاب ثلثيه بالكيل أو الوزن، فإن مع ذهاب ثلثيه بالكيل يصدق ذهابهما كما أنه يصدق ذهابهما بالوزن مضافاً إلى ما ورد في كل من الكيل و الوزن، و في رواية عقبة بن خالد عن رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب، فصب عليه عشرين رطلًا ماءً ثمّ طبخهما حتى ذهب منه عشرون رطلًا، و بقي عشرة أرطال، أ يصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال: «ما طبخ على الثلث فهو حلال» (1).

و في موثقة عمار الواردة في كيفية طبخ ماء الزبيب ذكر الكيل (2) فراجع.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 295، الباب 8 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 289، الباب 5، الحديث 2.

248

و على هذا فإذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه فالأولى أن يصب عليه مقدار من الماء فإذا ذهب ثلثاه حلّ بلا إشكال (1)

[يجوز أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الأمراق و الطبيخ]

(مسألة 3) يجوز أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الأمراق و الطبيخ و إن غلت فيجوز أكلها بأي كيفية كانت الأقوى.

____________

(1) و الوجه فيه أن العصير مع إلقاء الماء عليه لا يخرج عن اسمه، فمع ذهاب ثلثيه يصدق عليه أنه غلى إلى أن يذهب ثلثاه، و في خبر عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب، فصب عليه عشرين رطلًا ماء، ثمّ طبخهما حتى يذهب منه عشرون رطلًا، و بقي عشرة أرطال، أ يصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال: «ما طبخ على الثلث فهو حلال» (1).

و بتعبير آخر، لا يحتاج الحكم بحلية العصير مع المعالجة كذلك إلى الرواية، فإن مع إضافة الماء إلى العصير يكون المقدار المتصاعد بخاراً مضافاً إلى العصير و الماء معاً، بحيث يكون المقدار الباقي ثلث العصير و ثلث الماء، و يكون الماء الباقي مانعاً عن احتراق العصير الباقي.

و مما ذكر يظهر أنه لا فرق في حلية العصير كذلك بين إلقاء الماء عليه من الأول أو بعد طبخه بزمان فإنه إذا طبخ العصير على النصف و خيف احتراقه فإذا أُضيف إليه من الماء مثله فإنه يحكم بحليته بذهاب ثلثه، فإن الثلث الذاهب بالبخار سد مسد العصير وسد مسد الماء كما لا يخفى.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 295، الباب 8 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

249

[الفقّاع]

العاشر: الفقّاع (1)

____________

الفقّاع‌

(1) يقع الكلام في الفقاع في مقامين:

الأول: في لحوقه بالخمر من حيث النجاسة بل من حيث سائر ما يترتب على الخمر و شربه.

و الثاني: في المراد من الفقاع.

و تقدم الكلام في لحوقه بالخمر تبعاً للماتن و لعله ربّما يظهر من الأخبار الدالة على لحوقه بالخمر المراد منه.

فنقول: لا خلاف بين القائلين بنجاسة الخمر في أن الفقاع مثلها في النجاسة و على ذلك يحمل دعوى الإجماع في كلمات جماعة من القدماء و المتأخرين كالسيدين و الشيخ و العلامة و المقداد و غيرهم (1) (قدس سرهم).

و يستدل على ذلك بموثقة ابن فضال قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الفقاع فقال: «هو الخمر و فيه حدّ شارب الخمر» (2).

و موثقة عمار بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن الفقاع؟ فقال: هو خمر» (3).

و نحوهما روايات الوشاء و حسين القلانسي و محمد بن سنان (4).

____________

(1) الانتصار: 418. رسائل المرتضى 1: 99. غنية النزوع: 41 و 429، النهاية: 364، المبسوط: 1: 36، مختلف الشيعة 1: 470، منتهى المطلب 3: 217. التذكرة 1: 64. التنقيح الرائع: 1: 145، السرائر 1: 179، المعتبر 1: 425.

(2) وسائل الشيعة 25: 360، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: الحديث 4.

(4) المصدر السابق: 360- 361، الحديث 3 و 6 و 7.

250

..........

____________

و في خبر الحسن بن جهم و ابن فضال جميعاً قالا: سألنا أبا الحسن (عليه السلام) عن الفقاع، فقال: «هو خمر مجهول، و فيه حد شارب الخمر (1).

و مثله خبر هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع فقال: «لا تشربه، فإنه خمر مجهول، و إذا أصاب ثوبك فاغسله» (2).

و ظاهر هذين الخبرين دخول الفقاع في الخمر حقيقة و إن دخوله فيه خفي، و لعل وجه خفائه ضعف إسكاره؛ و لذلك عبر عنه في خبر زاذان بالخميرة، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) على ما فيه: لو أن لي سلطاناً على أسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخميرة- يعني الفقاع- (3).

و لا يبتني الحكم بنجاسة الفقاع و بغيرها على ثبوت أنه من أفراد الخمر حقيقة ليقال بضعف إسناد الأخبار، بل يكفي فيه الموثقتين المتقدمتين، حيث لو لم يكن الفقاع خمراً حقيقة فمقتضى إطلاق التنزيل فيهما أن يترتب عليه ما ترتب على الخمر و شربه و لا نحتاج في ثبوت النجاسة له بخبر هشام بن الحكم المتقدم، حيث ورد فيه:

«و إذا أصاب ثوبك فاغسله» مع أن من المحتمل رجوع الضمير في قوله: «فاغسله» إلى الفقاع لا الثوب فلا يستفاد منه إلّا المانعية للصلاة.

و ليس في مقابل الموثقتين و سائر الأخبار إلّا ما يتوهم من صحيحة محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن عن شرب الفقاع فكرهه كراهة شديدة (4)، من دعوى أن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 362، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 11.

(2) المصدر السابق: 361، الحديث 8.

(3) المصدر السابق: 361- 362، الحديث 9.

(4) المصدر السابق: 362، الحديث 12.

251

..........

____________

الكراهة لازمها الطهارة و الحلية.

و لكن يدفعها أن الكراهة بمعناها اللغوي و إن لا تدل على خصوص الحرمة إلّا أنها لا ينافيها على ما ذكرنا غير مرة، و بينا أن الكراهة التي تقابل الحرمة اصطلاح من الفقهاء فلا يحمل الوارد في الأخبار عليها إلّا بالقرينة.

نعم، ربّما يقال بالقرينة في خبر زكريا بن آدم حيث ورد فيه قلت: و الفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شي‌ء من ذلك؟ قال: فقال: «أكره أن آكله إذا قطر في شي‌ء من طعامي» (1).

حيث يمكن أن يقال لو كان الفقاع محكوماً بالنجاسة كالخمر و النبيذ المسكر قال (عليه السلام) في الجواب نعم هو بتلك المنزلة، فعدوله إلى قوله: «أكره أن آكله» قرينة على أن المراد بها مقابل الحرمة.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنه لا دلالة في العدول المزبور خصوصاً بملاحظة التقية فإنه يظهر من الأخبار عدم مبالاة الناس بالفقاع و أنهم لا يرونه من أفراد الخمر و لذلك لو كان سند الرواية و دلالتها على الكراهة متيناً لكان المتعين حملها على التقية في مقام المعارضة.

و في صحيحة مرازم قال: كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام) الفقاع في منزله، قال ابن أبي عمير: و لم يعمل فقاع يغلي (2).

و قد حكي عن جماعة اعتبار النشيش في حرمته و نجاسته (3) و عن جماعة أُخرى اعتبار غليانه (4)، بل عن حاشية المدارك صرحوا أي الأصحاب بأن الحرمة و النجاسة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة 25: 381، الباب 39 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(3) كابن الجنيد حكاه في المعتبر 1: 425، و الشهيد الثاني في روض الجنان 1: 440.

(4) كالمحقق في المعتبر 1: 425، و العلامة في المختلف 1: 469.

252

و هو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص (1)، و يقال إن فيه سكراً خفياً و إذا كان مُتخذاً من غير الشعير فلا حرمة و لا نجاسة إلّا إذا كان مسكراً

[ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع]

(مسألة 1) ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع فهو طاهر حلال.

____________

يدوران مع الاسم و الغليان دون الإسكار (1).

و لا يخفى أن مدلول الصحيحة استمرار عمل الفقاع في بيته (عليه السلام) و لا يمكن حمل الاستمرار على التقية فلا بد من الالتزام بأن ما لا يحصل فيه غليان و نشيش فلا حرمة و لا نجاسة فيه و إن سمي فقاعاً.

و بتعبير آخر إخبار ابن أبي عمير بأنه لم يكن في منزلة فقاع يغلي مع خبر مرازم يوجب حمل الأخبار المتقدمة الدالة على حرمة الفقاع و نجاسته على فقاع حصل فيه النشيش و الغليان فيكون اعتباره في حرمته و نجاسته هو الأظهر.

(1) اتفقت كلماتهم على أن الشراب المأخوذ من الشعير على وجه خاص فقاع و وقع الخلاف فيه في جهتين:

الأُولى: أن المأخوذ من غيره أيضاً فقاع أم يختص اسم الفقاع بالمأخوذ من الشعير.

و الثانية: أن المعتبر في كون الشراب المأخوذ منه أو من غيره أيضاً كونه مسكراً أو لا يعتبر ذلك في صدق الفقاع.

أما الجهة الأُولى فقد ذكر في المسالك أن الأصل في الفقاع أن يتخذ من الشعير (2) كما ذكر السيد (قدس سره) في الانتصار (3)، و لكن لما كان النهي معلقاً على اسم الفقاع‌

____________

(1) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 35، عن حاشية المدارك: 77 (كتاب الطهارة).

(2) مسالك الأفهام 1: 123.

(3) الانتصار: 419.

253

..........

____________

ثبت ذلك الحكم له سواءً أخذ من الشعير أم من غيره، فما يوجد في أسواق أهل الخلاف مما يسمى فقاعاً يحكم بحرمته و إن كان مأخوذاً من غير الشعير، و نحوه ما في المدارك (1).

و قد قيل إنه يؤخذ من الشعير و الزبيب و الرمان و الدبس كما عليه أهل الشام و في كشف الغطاء أنه يتخذ من الشعير غالباً (2)، و أدنى منه في الغلبة ما يكون من الحنطة و دونهما ما يكون من الزبيب و دونهما ما يكون من غيرها.

أقول: لم يظهر كون الفقاع في زمان صدور الأخبار في بلاد السائلين و الإمام (عليه السلام) غير ما يؤخذ من الشعير أيضاً، و عليه فلو كان المأخوذ من غير الشعير مسكراً فيدخل في قولهم (عليهم السلام): «كل مسكر حرام» (3) و لا يبعد نجاسته أيضاً لما تقدم من الشراب المسكر المعد للشرب محكوم بالنجاسة، لعدم احتمال الفرق بينه و بين النبيذ المسكر، و أما إذا لم يكن مسكراً و إن كان فيه نوع من التخدير فلا يحكم بحرمته فضلًا عن نجاسته؛ لعدم إحراز دخوله في أخبار الباب على ما هو المقرر في موارد إجمال المفهوم و تردده بين الأقل و الأكثر، فالمتحصل أن المأخوذ من غيره محكوم بأصالة الحلية و الطهارة.

و أما الجهة الثانية: فلا يبعد أن يكون في الفقاع المعمول من الشعير مرتبة ضعيفة من الإسكار كما يظهر ذلك مما تقدم من الأخبار من كونه خمراً مجهولًا (4)، و إنها‌

____________

(1) مدارك الأحكام 2: 293.

(2) كشف الغطاء 1: 172. (الطبعة القديمة).

(3) وسائل الشيعة 25: 325، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(4) وسائل الشيعة 3: 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 5.