تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
254

[عرق الجنب من الحرام]

الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام (1)،

____________

خميرة (1)، و في خبر الوشاء الذي لا يبعد اعتبار سنده: «هي خمرة استصغرها الناس» (2).

و ما في كلمات جماعة أنه ليس بمسكر (3) فلعل المراد منه أنه ليس بمسكر بإسكار سائر المسكرات لخفائه بحيث لو لم يكن في البين أخبار تحريمه لما كان يستفاد تحريمه من قولهم (عليهم السلام): «كل مسكر حرام» (4).

و كيف كان لا يحتمل أن يكون المراد الفقاع كل مائع حصل فيه النشيش و الغليان بنفسه فإن حرمة ذلك غير محتمل و لم يحتمله أحد فيما أعلم، فالمتيقن من خبر تحريم الفقاع ما يعمل من الشعير بوجه خاص كما لا يحتمل أن يعم المراد ما يصفه الطبيب للمرضى في معالجاتهم من إلقاء الماء في الشعير و طبخه و شرب مائه فإنه لا يدخل في الفقاع الذي هو خميرة و لا يحتمل الفرق بين ما ذكر و بين ما يسمى في العرف ب‍ (آش جو).

عرق الجنب من الحرام‌

(1) نسب (5) نجاسة عرق الجنب من حرام إلى المشهور بين القدماء منهم الصدوقين (6) و المفيد في المقنعة (7) و الشيخ في الخلاف و النهاية (8)

____________

(1) الكافي 6: 423، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 25: 365، الباب 28 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(3) انظر مفتاح الكرامة 2: 33. و المستمسك 1: 433.

(4) وسائل الشيعة 25: 325، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث الأول.

(5) الناسب هو البحراني في الحدائق 5: 215.

(6) المقنع: 43، من لا يحضره الفقيه 1: 67.

(7) المقنعة: 71.

(8) الخلاف 1: 483، المسألة 227، و النهاية: 53.

255

..........

____________

و ابن الجنيد (1) و غيرهم و عن الأمالي من دين الإمامية الإقرار بأنه إذا عرق الجنب في ثوبه و كان من حلال حلت الصلاة فيه، و لو كان من حرام حرمت (2). و عن ابن إدريس و العلامة (3) بل المشهور بين المتأخرين طهارته، و ادعى الأول الإجمال عليها و قال: من قال بالنجاسة في كتاب رجع عنه في كتاب آخر (4).

و كيف كان فقد احتج الشيخ (قدس سره) في الخلاف بإجماع الفرقة و طريق الاحتياط و الأخبار التي أحالها على التهذيبين (5) و قد ذكر صاحب المعالم (قدس سره) و ما وجد في التهذيبين إلّا روايتين:

إحداهما: صحيحة محمد الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه، و إذا وجد الماء غسله، قال: في التهذيب في ذيلها: لا يجوز، أن يكون المراد بهذا الخبر إلّا من عرق في الثوب من جنابة إذا كانت من حرام؛ لأنّا قد بيّنا أن نفس الجنابة لا تتعدى إلى الثوب، و ذكرنا أن عرق الجنب لا ينجس الثوب فلم يبق معنى يحمل عليه الخبر إلّا عرق الجنابة من حرام فحملناه عليه، ثمّ قال:

و يحتمل أن يكون المراد أن الثوب أصابته نجاسة المني فحينئذ يصلي فيه و يعيد (6)، و جعل هذا الاحتمال في الاستبصار أشبه (7).

____________

(1) الدروس 1: 124.

(2) الأمالي للصدوق: 516. المجلس 93.

(3) السرائر 1: 181. المختلف 1: 461.

(4) السرائر 1: 181.

(5) الخلاف 1: 483.

(6) التهذيب 1: 271.

(7) الاستبصار 1: 187.

256

..........

____________

و ثانيتهما: صحيحة عاصم بن حميد عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يجنب فيه الرجل و يعرق فيه، فقال: «أما أنا فلا أحب أن أنام فيه، و إن كان الشتاء فلا بأس، ما لم يعرق فيه»، قال الشيخ: الوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية و هو صريح فيه (1).

و يمكن أن يكون محمولًا على أنه إذا كانت الجنابة من حرام.

و قال في المعالم بعد نقل الخبرين، و لا يخفى عليك ما في الاستناد إلى الخبرين في إثبات الحكم من التعسف، و ظاهر الأُولى كون المقتضي لغسل الثوب إصابة المني له، و المقتضي للكراهة في الثانية سراية النجاسة الحاصلة للعرق بإصابة المني إلى الفراش.

أقول: الغرض من نقل ذلك التنبه بأن قول الشيخ أو غيره من الأصحاب لدلالة الأخبار على الحكم لا يوجب الاعتماد بأن في المسألة أخباراً لم تصل إلينا فيمكن أن تكون الدعوى المزبورة على سبيل الاستظهار مما بأيدينا من الأخبار التي لا نراها ظاهراً فيما ذكر.

و يستدل على النجاسة بما في الفقه الرضوي إن عرقت في ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه و إن كانت حراماً فلا تجوز الصلاة فيه حتى تغسله (2)، و هذا ظاهره و إن كانت نجاسة الثوب بالعرق من الحرام بناءً على أن الضمير في (تغسل) يرجع إلى الثوب لا إلى العرق، و أما بناءً على رجوعه إليه‌

____________

(1) الاستبصار 1: 188.

(2) الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 84.

257

..........

____________

فلا يستفاد منها إلّا ما فيه العرق المزبور للصلاة.

و لكن قد ذكرنا مراراً عدم ثبوت كون الفقه الرضوي رواية فضلًا عن كونه قول الإمام (عليه السلام).

و بما نقله الشهيد في الذكرى قال: روى محمد بن همام بإسناده إلى إدريس بن زياد الكفرتوثي أنه كان يقول بالوقف، فدخل سرمن‌رأي في عهد أبي الحسن (عليه السلام) فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أ يصلي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره (عليه السلام) حركه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعة و قال مبتدئاً: «إن كان من حلال فصل فيه، و إن كان من حرام فلا تصلّ فيه» (1).

و هذا أيضاً لا يستفاد منه إلّا المانعية للصلاة نظير المانعية في أجزاء ما لا يؤكل لحمه و إن كان مذكى مع عدم إحراز السند، فإن محمد بن همام يروي عن إدريس مع الواسطة و لم ندرِ أنه الثقة أو غيره، أضف إلى ذلك أن إدريس بن يزداد الكفرتوثي غير مذكور، و المذكور و هو إدريس بن زياد الكفرتوثي ثقة و لم يكن قائلًا بالوقف.

و بما في البحار نقلًا من كتاب المناقب لابن شهرآشوب نقلًا من كتاب المعتمد في الأُصول قال: قال: علي بن مهزيار: وردت العسكر و أنا شاك في الإمامة، فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلّا أنه صائف و الناس عليهم ثياب الصيف و على أبي الحسن (عليه السلام) لباد و على فرسه تجفاف لبود، و قد عقد ذنب فرسه و الناس يتعجبون منه و يقولون: إلّا ترون إلى هذا المدني و ما قد فعل في نفسه؟ فقلت في نفسي لو كان هذا إماماً ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا أن‌

____________

(1) الذكرى 1: 120.

258

سواء خرج حين الجماع أو بعده من الرجل أو المرأة (1)، سواءً كان من زنا أو غيره كوطء البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية، بل الأقوى ذلك (2) في وطء الحائض و الجماع في يوم الصوم الواجب المعين أو الظهار قبل التكفير.

____________

ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق أحد إلّا ابتلّ حتى غرق بالمطر و عاد (عليه السلام) و هو سالم من جميعه، و قلت في نفسي: يوشك أن يكون هو الإمام ثمّ قلت أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب، فقلت في نفسي إن كشف وجهه فهو الإمام فلما قرب مني كشف وجهه ثمّ قال: إن كان عرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه و إن كانت جنابة من حلال فلا بأس فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة (1).

و هذا أيضاً مضافاً إلى عدم إحراز السند لا يدل إلّا على المانعية.

و دعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور فقد ظهر من نقل كلام الشيخ في الخلاف ضعفها فلأن بعضهم استفادوا الحكم مما استفاده الشيخ (قدس سره) و التزم به بعضهم لكونه من الاحتياط مع أن الشهرة على النجاسة بين القدماء غير ثابتة؛ لأن جملة من كلماتهم تعطي المانعية كالعبارة المنقولة عن الصدوقين، و عليه فرعاية المانعية احتياط.

(1) فإن بتحقق الجنابة يكون العرق المقارن لحصولها و ما بعدها داخلًا في إطلاق ما تقدم بخلاف الخارج قبل حصولها كما لا يخفى.

(2) ذكر في المنتهى أما الوطء في الحيض و الصوم الواجب فالأقرب الطهارة، و أما الوطء في المظاهرة قبل التكفير ففيه إشكال (2).

و وجهه الشيخ الأنصاري (قدس سره) (3) بأن المتبادر من الجنابة من الحرام ما تكون‌

____________

(1) بحار الأنوار 77: 117.

(2) منتهى المطلب 3: 235.

(3) كتاب الطهارة 2: 366. (الطبعة القديمة).

259

[العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس]

(مسألة 1) العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس (1)، و على هذا

____________

حرمتها لخصوصية الفاعل أو القابل لا من جهة نفس الفعل و ليست حرمتها في الحيض و الصوم الواجب إلّا من جهة الفعل، و أما في الوطء في الظهار قبل التكفير يمكن أن تكون لخصوصية الفاعل أو القابل.

و أورد في المستمسك على التوجيه بأن حرمته في الحيض من جهة القابل و في الصوم الواجب من جهة الفاعل، و أما حرمته من جهة الفعل فتختص بما إذا نذر ترك الوطء مع رجحانه، أو كان الوطء مضراً و نظير ذلك الوطء في الظهار، حيث إن الظهار نوع عهد لترك الفعل فينبغي أن يكون الطهارة في الظهار أقرب و في الحيض و الصوم مورد الإشكال، ثمّ ذكر دعوى أنصرف روايات الباب إلى ما كانت الجنابة بالزنا فقط لا تخلو عن وجه، و إن كان مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الحرمة من جهة الفاعل و القابل و الفعل (1).

أقول: دعوى انصراف الروايات إلى خصوص ما كانت الجنابة بالزنا فاسد، فإن نظر السائلين إلى السؤال عن الصلاة في خصوص ثوب الزاني الذي عرق فيه غير محتمل، بل مقتضى إطلاقها ما إذا كانت الجنابة بعنوانها محرمة أو محللة.

نعم، شمولها لمثل الوطء في الصوم الواجب مشكل فإن المحرم فيه هو الإفطار لا الجنابة، و لذا لو نسي كونه صائماً و جامع فلا يحكم بحرمته بل لا يبطل صومه على كلام يأتي في محله.

(1) لأن الجنابة ترتفع بتمام الغسل ارتماساً أو ترتيباً و قبل تمامه هو جنب من الحرام فيترتب عليه نجاسة عرقه و لو كان العرق الخارج أثناء الاغتسال، و ذكر (قدس سره) أنه‌

____________

(1) المستمسك 1: 436- 437.

260

فليغتسل في الماء البارد، و إن لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار و ينوي الغسل حال الخروج أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل.

____________

يتعين على الجنب من الحرام الاغتسال بالماء البارد لئلا يخرج العرق أثناء اغتساله و يطهر بدنه من العرق قبل الاغتسال، و إن لم يجد الماء البارد فليرتمس في الماء الحار بجميع جسده، و المراد الكر ليطهر بدنه بالارتماس المزبور أولًا ثمّ ينوي الغسل حال الخروج أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل.

ما ذكره (قدس سره) من لزوم الاغتسال في الماء البارد و مع عدم تمكنه إلّا من الماء الحار فليرتمس في الماء الحار ليس فيه ترتب، بل الجنب من الحرام مخير بين الأمرين كما لا يخفى، و أيضاً فالارتماس أو الاغتسال في الماء البارد مبني على اشتراط الاغتسال بتقدم طهارة البدن.

و أما لو قيل بكفاية طهارة البدن بالاغتسال حيث تحصل الطهارة من الخبث و الاغتسال بالغسلة الواحدة كما يأتي فلا موجب لتعين أحد الأمرين، و لا يكون في الفرض الاغتسال بالغسالة حيث الماء يصير غسالة بعد الاغتسال لا قبله.

و ما في بعض الكلمات من تقدم الطهارة الخبثية على الاغتسال (1) رتبة ليس له وجه، و أيضاً الاغتسال بعد الارتماس في الماء فيه إشكال حتى في غير الجنابة من الحرام، حيث إن ظاهر الأمر بفعل إسناده إلى فاعله حدوثاً، و لا يكفي الإبقاء إلّا في مورد قيام القرينة عليه، فالاغتسال بالارتماس بقاءً في نفسه محل إشكال و لو مع قطع النظر عن الجنابة من الحرام، و عليه فالمتعين عليه أن يغتسل بالماء البارد بحصول الارتماس.

____________

(1) التنقيح في شرح العروة 2: 146.

261

[إذا أجنب من حرام ثمّ من حلال أو من حلال ثمّ من حرام فالظاهر نجاسة عرقه أيضاً]

(مسألة 2) إذا أجنب من حرام ثمّ من حلال أو من حلال ثمّ من حرام فالظاهر نجاسة عرقه أيضاً (1)، خصوصاً في الصورة الأُولى.

____________

نعم، لو قيل بكفاية الاغتسال بالغسل بقاءً يجوز الاغتسال له بعد الارتماس و طهارة بدنه و تحريك بدنه تحت الماء بقصد الاغتسال ارتماساً أو ينوي الغسل حال الخروج بأن يكون اغتساله بالخروج ترتيبياً و لا يضر نجاسة العضو الخارج بالعرق بعد غسل ذلك العضو، فإن المعتبر في الغسل عدم نجاسة العضو قبل غسله و لا يضر نجاسته بعد غسله و لو قبل تمام الاغتسال.

(1) لا إشكال في نجاسة العرق أو مانعيته للصلاة بناءً على ما تقدم في الصورة الأُولى؛ لأن الجنابة قد حصلت في الأول من حرام و لا ترتفع قبل تمام الاغتسال على ما تقدم.

و بتعبير آخر صرف الوجود من الجنابة من الحرام محقق و هو موضوع للنجاسة أو المانعية.

و بهذا يظهر وجه الإشكال في الصورة الثانية فإنه إذا حصلت الجنابة من حلال أولًا فلا يحصل بالثاني جنابة أُخرى؛ لأن الجنب لا يجنب ثانياً ما لم يغتسل قبل موجبها.

نعم، لو كان مفاد ما تقدم من الروايات أن خروج المني أو غيبوبة الحشفة إن كان محرماً فالعرق الخارج من جسده نجس أو مانع عن الصلاة، و إن لم يكن محرماً فالعرق الخارج طاهر بلا فرق بين كون الموجب للغسل بالفعل ذلك المحرم أو ما حصل من قبله، و لا يبعد ظهورها في ذلك فإن المتبادر منها أن خصوصية في السبب المحرم هو الموجب للحكم بنجاسة العرق أو مانعيته للصلاة.

لا يقال: على ذلك يقع التعارض بين صدرها و ذيلها في الفرض؛ لأن مقتضى‌

262

[المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه]

(مسألة 3) المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه (1)، و إن كان الأحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل، و إذا وجد الماء و لم يغتسل بعد فعرقه نجس لبطلان تيمّمه بالوجدان.

____________

صدرها كون السبب المحرم موجباً لنجاسة العرق أو مانعية الصلاة، و ذيلها كون حلية السبب هو الموجب لطهارته أو عدم مانعيته لها، و لا يمكن أن يحكم بالعرق في الفرض بالحكمين فيرجع إلى أصالة الطهارة أو عدم مانعيته.

فإنه يقال: بما أن الحكم بالطهارة يكفي فيه عدم تمام ملاك الحكم بالنجاسة يكون مفاد قولهم- إن كانت الجنابة من حلال فلا بأس بالصلاة في الثوب الذي يعرق فيه- أن السبب الحلال لا يقتضي المانعية فلا يعارض قولهم إن كانت من حرام، فلا يجوز الصلاة فيه حيث إن الحكم بالمانعية لتمام ملاكها معها.

تيمم المجنب من الحرام‌

(1) هذه المسألة مبنية على المسألة المعروفة بينهم في أن التيمّم مبيح أو رافع، و توضيحه أنه لا ينبغي الريب في أن التيمّم طهارة كما يدل عليه الكتاب العزيز و الأخبار، فإن تعقيب قوله سبحانه: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا» ب‍ «مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» (1) مقتضاه أن التيمم طهارة فاقد الماء، حيث إن مسح الوجه و اليدين بالتراب في ذلك الزمان لكونه غاية ذل الشخص و تحطيط نفسه كان أمراً مستصعباً، فذكر اللّٰه أنه لا يريد أن يجعل عليكم من حرج و لكن يريد الطهارة لكم.

و أما الأخبار فقد ورد فيها: «أن التيمم أحد الطهورين» (2) و أن فاقد الماء إذا تيمم:

____________

(1) سورة المائدة: الآية 6.

(2) الكافي 3: 63- 64.

263

..........

____________

«فقد فعل أحد الطهورين» (1) يعني الطهارتين.

و الكلام في أنه طهارة بالإضافة إلى الصلاة و سائر ما يشترط بالطهارة بمعنى أنه يجوز الإتيان بها بالتيمم، أو أنه طهارة رافعة للحدث كالطهارة المائية، غاية الأمر رافعية الطهارة المائية غير موقتة بل يرفع الحدث الحاصل قبله مطلقاً بخلاف التيمّم، فإن رافعيته للجنابة أو غيرها موقتة يرتفع ما دام عذره باقياً، و بعد ارتفاعه يكون جنباً بالسبب السابق.

و على ذلك قلنا بأن التيمّم طهارة رافعة كالمائية و لكن رفعه موقت يكون العرق الخارج بعد التيمم طاهراً أو غير مانع عن الصلاة، حيث إنه حال خروجه ليس بجنب، نعم إذا وجد الماء و لم يغتسل يحكم بنجاسته أو مانعيته لها لكونه جنباً بالسبب السابق.

و لو قيل بكونه طهارة أي مبيحاً بالإضافة إلى الصلاة و سائر ما يشترط بالطهارة مع بقاء جنابته يحكم بنجاسة عرقه أو مانعيته لكونه من عرق الجنب من حرام، و لا يبعد دعوى انصراف الروايات إلى خروج العرق حال الحدث لا حال الطهارة.

و على ذلك فما في المتن بناءً على نجاسة العرق هو الأظهر، و يترتب على المسلكين في التيمّم أن الجنب إذا تيمم بدلًا عن الغسل ثمّ أحدث بالأصغر و كان غير معذور بالإضافة إلى الوضوء يتعين عليه الوضوء، و مع عدم التمكن منه أيضاً يتيمّم بدلًا عن الوضوء؛ لارتفاع جنابته على الفرض ما دام عذره باقياً، و يتعين عليه التيمم بدلًا عن الغسل على مسلك المبيحية، بلا فرق بين تمكنه على الوضوء أو عدم تمكنه؛ لكونه جنباً و الجنب مع عدم تمكنه على الغسل يتيمّم بدله.

____________

(1) التهذيب 1: 197.

264

[الصبي الغير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال]

(مسألة 4) الصبي الغير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال (1) و الأحوط أمره بالغسل إذ يصح منه قبل البلوغ على الأقوى.

____________

(1) يقع الكلام في مقامين:

الأول: بناءً على نجاسة عرق الجنب من حرام أو مانعيته عن الصلاة، يكون عرق الصبي إذا أجنب من حرام كعرق البالغ.

الثاني: بناءً على نجاسته أو مانعيته يكون اغتساله قبل بلوغه رافعاً للنجاسة أو المانعية أم لا يصح اغتساله قبل بلوغه.

و استشكل الماتن في المقام الأول و ذكر أن الأحوط أمره بالغسل حيث يصح غسله فترتفع نجاسته على تقديرها و مقتضاه رفع الجنابة عنه باغتساله قبل بلوغه.

و وجه الإشكال في المقام الأول أن جنابة الصبي لا تكون محرمة حيث لا يكون في حقه تكليف فلا يدخل عرقه في مدلول الروايات المتقدمة، و بتعبير آخر المراد من الجنابة فيها و إن كانت أسبابها على ما تقدم في المسألة الثانية، حيث إنّ المفهوم في العرف العام من الجنابة حصول موجبها إلّا أن ظاهرها كون السبب حراماً بالفعل كما هو ظاهر العنوان المأخوذ في الموضوع، فالسبب المزبور غير حرام من الصبي و ظاهرها حرمته على المجنب الذي خرج منه العرق.

لا يقال: كما لا تكون جنابة من حرام كذلك لا تكون من حلال، فإن الحلية كالحرمة مجعولة في حق البالغين.

فإنه يقال: المراد من الحلية بقرينة المقابلة عدم التحريم فيعم جنابة الصبي.

و لم يبق في البين إلّا دعوى أحد أمرين:

الأول: دعوى أن المرفوع من الصبي قلم المؤاخذة لا ثبوت الأحكام.

265

[عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلال على الأحوط]

الثاني عشر: عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلال على الأحوط (1).

____________

و الثاني: دعوى أن المراد من الجنابة من حرام الموجب المحرم على البالغين، و هذا الموجب و لو حصل من الصبي يوجب نجاسة عرقه أو مانعيته عن الصلاة، و شي‌ء منهما لا يمكن المساعدة عليه؛ فإن ظاهر رفع القلم عنه كرفع القلم عن المجنون عدم جعل التكليف في حقه، و ظاهر الروايات كما أشرنا حرمة موجب الجنابة لمن يخرج منه العرق و إن كان معذوراً في مخالفة الحرمة كما في الواطئ بالشبهة.

و مما ذكرنا من ظهور الرواية في الحرمة الفعلية للمجنب و كون المرفوع في الصبي قلم التكليف كالرفع في المجنون يظهر أن الحكم بصحة الغسل من الصبي أخذاً بخطابات الغسل، و كذا الحكم بصحة سائر عباداته بخطاباتها مشكل.

نعم، يمكن الحكم بمشروعية عباداته التي منها الغسل بما ورد في أمر الأولياء بأمر أطفالهم بالصلاة و الصيام فإن ظاهر الأمر بالأمر بها مطلوبيتها عن الصبي، لا لأن المطلوب مجرد تعويدهم بها فراجعها.

عرق الإبل الجلَّالة‌

(1) قال المحقق في المعتبر، قال الشيخان في الإبل الجلالة أن عرقه نجس يغسل منه الثوب، و قال سلار: غسله ندب و هو مذهب من خالفنا (1)، و حكى (2) القول بالنجاسة عن القاضي و عن العلامة في المنتهى (3).

و يستدل على ذلك بصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل‌

____________

(1) المعتبر 1: 414، المقنعة: 71، النهاية: 53، المراسم: 56.

(2) كشف اللثام 1: 415.

(3) المهذب 1: 51، منتهى المطلب 3: 234.

266

..........

____________

اللحوم الجلالة و إن أصابك من عرقها فاغسله» (1).

و مصححة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة، و إن أصابك شي‌ء من عرقه فاغسله» (2).

و قد حمل المشهور من المتأخرين و جمع من المتقدمين الأمر بالغسل في الروايتين على الاستحباب، و قد عنون في الوسائل الباب 15 من أبواب النجاسات ب‍ (كراهة عرق الجلال) و ذلك لما حكى من الإجماع على طهارة عرق غير الإبل من جلال سائر الحيوان، و الصحيحة الأُولى مدلولها مطلق الجلال، و حمل الأُولى على الاستحباب يوجب حمل الثانية عليه أيضاً؛ لأن مساقهما واحد.

أضف إلى ذلك ما ورد في طهارة سائر ما لا يؤكل من طهارة رطوباتهم غير البول و الغائط و حتى من غير الإبل، فإنه لا خلاف حتى في عرقه إلّا ما حكي عن نزهة ابن سعيد (3).

أقول: لم يظهر من الروايات أن الأمر بغسل العرق من الإبل الجلال أو مطلق الجلال للإرشاد إلى النجاسة ليحمل على استحباب الغسل بما تقدم، فإنه فرق بين الأمر بغسل الثوب و البدن و غيرهما من شي‌ء، كبول ما لا يؤكل لحمه، و بين الأمر بغسل نفس ذلك الشي‌ء كالعرق في الروايتين، فإنه يستفاد من الأمر بالغسل في الأول النجاسة؛ لأن إطلاق الأمر بغسل الثوب أو غيره يعم ما إذا زال ذلك الشي‌ء المصاب بخلاف الثاني، فإنه لا يستفاد منه الإطلاق و لا يعم صورة زواله، و لو اغمض عن ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 423، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) نزهة الناظر: 19.

267

[الأحوط الاجتناب عن الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفأر]

(مسألة 1) الأحوط الاجتناب عن الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفأر بل مطلق المسوخات، و إن كان الأقوى طهارة الجميع (1).

____________

فلا ظهور في الروايتين بالإضافة إلى النجاسة؛ لأن الظهور في الإرشاد إلى النجاسة يتم مع عدم القرينة على الخلاف، و القرينة هنا موجودة فإن الإبل الجلالة و سائر الجلال مما لا يؤكل لحمه، على ما تقدم في البحث في نجاسة البول و الغائط منها، و أجزاء ما لا يؤكل و رطوباته مانعة عن الصلاة، فالأمر بغسل العرق لو لم يكن ظاهراً في أنه لإزالة المانعية و لا أقل من عدم ظهوره في أنه للنجاسة.

و دعوى أن الأمر بالغسل ظاهره أن للغسل خصوصية و لو كان الغرض مجرد إزالة العرق لما كان للغسل خصوصية.

يدفعها أنّ الإزالة في مثل العرق يكون بالماء عادة فلا ظهور لهما في خلاف ما ذكر و اللّٰه سبحانه هو العالم.

و مثلها دعوى أن ذكر العرق ظاهره خصوصية و لو كانت لإزالة المانعية لما كان له خصوصية فإن دفعها لكون العرق مورد الابتلاء فاختص بالذكر دون سائر الرطوبات.

و مما ذكر يظهر أن الإبل لا خصوصية لها بل تعم المانعية لكل جلال.

الثعلب و الأرنب و ...

(1) المحكي (1) عن ظاهر المقنعة في باب لباس المصلي و مكانه نجاسة الثعلب و الأرنب، و في موضع آخر نجاسة الفأرة و الوزغة، و مثله ما عن النهاية و الوسيلة (2) و عن السيد في مصباحه نجاسة الأرنب (3)، و عن الحلبيين نجاسته و نجاسة‌

____________

(1) حكاه في المستمسك 1: 440، و انظر المقنعة: 150 و 70.

(2) النهاية: 52. الوسيلة: 77.

(3) نقله في المعتبر 1: 426، و كشف اللثام 1: 412.

268

..........

____________

الثعلب (1)، و عن ابن الجنيد إضافة الوزغ، و عن الفقيه إضافة الفأرة (2).

و يستدل على النجاسة في الثعلب بمرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته هل يحل أن يمس الثعلب و الأرنب أو شيئاً من السباع حيّاً أو ميتاً؟ قال: «لا يضرّه، و لكن يغسل يده» (3) كما يستدل على النجاسة في الفأرة بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أ يصلّى فيها؟ قال: «اغسل ما رأيت من أثرها، و ما لم تره انضحه بالماء» (4).

و في خبره المروي في قرب الإسناد عن أخيه قال: سألته عن الفارة و الكلب إذا أكلا من الخبز و شبهه، أ يحل أكله؟ قال: «يطرح منه ما أكل و يحل الباقي» (5).

و في موثقة سماعة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الخنفساء تقع في الماء أ يتوضأ به؟ قال: نعم لا بأس به، قال قلت: فالعقرب؟ قال: أرقه (6).

و في صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفارة و الوزغة تقع في البئر؟ قال: «ينزح منها ثلاث دلاء» (7).

و لكن المنسوب إلى المشهور خصوصاً المتأخرين الطهارة في الجميع، و ما ورد في الفأرة و غيرها يحمل على التنزه، أما بالإضافة إلى الأرنب و الثعلب فلما ورد ما يدل‌

____________

(1) الكافي في الفقه: 131، غنية النزوع: 44.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 74، و المقنع: 14.

(3) وسائل الشيعة 3: 300، الباب 6 من أبواب غسل المس، الحديث 4.

(4) المصدر السابق: 460، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(5) وسائل الشيعة 24: 198، الباب 45 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 2.

(6) وسائل الشيعة 1: 240، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 5.

(7) المصدر السابق: 187، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

269

[كل مشكوك طاهر]

(مسألة 2) كل مشكوك طاهر، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه (1) مع كونه من الأعيان الطاهرة.

____________

على قبولهما التذكية و نجس العين غير قابل لها، فإن أثرها الطهارة، و في صحيحة البقباق قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة، إلى أن قال: فلم أترك شيئاً إلّا سألته عنه؟ فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب؟ فقال: رجس نجس (1).

و العمدة ما ورد في قبولهما التذكية، و ضعف المرسلة، و أما هذه الصحيحة فهي قابلة للتخصيص كما خصص بالإضافة إلى الخنزير.

و ما ورد مما يستدل على نجاسة الفأرة يحمل على التنزه بقرينة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن العظاية و الحية و الوزغ يقع في الماء فلا يموت أ يتوضأ منه للصلاة؟ فقال: لا بأس به. و سألته عن فأرة وقعت في حبّ دهن و أُخرجت قبل أن تموت، أ يبيعه من مسلم؟ قال: نعم و يدهن به (2) مع أنه يحتمل أن يكون المراد من أثرها في الصحيحة المتقدمة خرؤها.

و قد تقدم أن ما ورد في النزح لا يستفاد منه نجاسة الماء و لا نجاسة الواقع في البئر فراجع.

و الظاهر الأولى أن يبدل المسوخ في عبارة الماتن بالسباع لورودها في المرسلة و لم يرد ما يستفاد منه نجاسة المسوخ كلها فتدبر.

حكم المشكوك في طهارته‌

(1) يظهر من الكلمات أن الرجوع إلى أصالة الطهارة في الشبهة الموضوعية أو الحكمية متسالم عليه عندهم، و يدل عليه موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كل شي‌ء‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 3: 460، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

270

..........

____________

نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك» (1).

و في خبر حفص بن غياث الذي لا يبعد اعتباره سنداً عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): «ما أُبالي أبول أصابني أو ماء، إذا ما أعلم» (2).

و مقتضى الأُولى الحكم بالطهارة بلا فرق بين الشك في كونه من عين النجس أو لاحتمال تنجس الطاهر سواء كانت الشبهة حكمية أم موضوعية.

نعم، ربما يقال إن الدم المرئي في جسد الحيوان أو منقار الطير محكوم بالنجاسة، و يستدل عليه بالموثقة الأُخرى لعمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما أُكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب، و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلّا أن ترى في منقاره دماً فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه و لا تشرب» (3).

و فيه عدم كون مفادها الحكم الظاهري للدم المرئي في جسد الحيوان أو في خصوص منقار سباع الطير، و أنه يحكم بكونه من القسم النجس، بل في مقام أن الطيور حتى السباع منهم طاهرة فلا تكون مباشرتها الماء موجباً لانفعاله و عدم استعمالها في رفع الحدث و الأكل و الشرب، إلّا إذا كان على بدنها كالمنقار نجاسة خارجية من الدم، حيث إن الرؤية في هذه الرواية و غيرها من موارد ذكرها في الخطابة ظاهره أخذها طريقاً كما في قولهم: صم للرؤية و افطر للرؤية (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة 10: 287 و 290، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4 و 12 و 13.

271

و القول بأن الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف، نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول فإنها مع الشك محكومة بالنجاسة (1).

____________

هذا، و قد ذكرنا أن ورود الرواية في مقام طهارة سؤر الحيوانات الطائرة لا ينافي كونها في مقام بيان نجاسة الدم أيضاً كما هو الأصل في كل حكم يذكر في الخطاب، و لكن لا يبعد أن يكون ذكر الدم من باب المثال من أن نجاسة سؤر الطيور ما إذا كان في بدنها نجاسة عرضية، و لكون الغالب في النجاسة العرضية الحاصلة في جسد السباع منها هو الدم في المنقار اختص بالذكر فتدبر.

(1) كأنه لا خلاف في أن البلل الخارج بعد البول و قبل الاستبراء بالخرطات ناقض للوضوء بحسب الحكم الظاهري، و ظاهر كلماتهم الحكم بأنه بول فيترتب عليه النجاسة كما أن البلل الخارج بعد المني و قبل الاستبراء بالبول ناقض للغسل بحسب الظاهر، و ظاهرها أيضاً الحكم بكونه منيّاً فيترتب عليه النجاسة أيضاً.

و في صحيحة محمد بن مسلم، قلت: لأبي جعفر (عليه السلام) رجل بال و لم يكن معه ماء؟ قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شي‌ء فليس من البول، و لكنه من الحبائل (1).

و في صحيحته الأُخرى: «من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول، ثمّ يجد بللًا، فقد انتقض غسله، و إن كان بال ثمّ اغتسل، ثمّ وجد بللًا، فليس ينقض غسله، و لكن عليه الوضوء؛ لأن البول لم يدع شيئاً» (2)، فإن ظاهر الأمر بالوضوء في الأُولى أو الأخيرة بعد خروج البلل و الحكم بالاغتسال في الثانية بعد خروجه قبل الاستبراء بالبول الحكم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 5.

272

[الأقوى طهارة غسالة الحمام]

(مسألة 3) الأقوى طهارة غسالة الحمام و إن ظن نجاستها، لكن الأحوط الاجتناب عنها (1).

____________

على البلل المزبور بالبول و المني خصوصاً بملاحظة ما ورد في حصر النواقض و موجب الجنابة و يأتي تمام الكلام في مباحث الاستنجاء.

غسالة الحمام‌

(1) و عن الصدوقين (1) المنع عن التطهير بغسالة الحمام و عن النهاية و السرائر أنه لا يجوز استعمالها على حال (2)، و المحكي عن بعض كروض الجنان و حاشية الكركي النجاسة و نسبها في الثاني إلى المشهور (3).

و المستند لعدم جواز التطهير بها أو نجاستها الأخبار الواردة في النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام و في موثقة ابن أبي يعفور «إياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم، فإن اللّٰه تبارك و تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب و إن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (4) و سائر الروايات التي في سند كثير منها ضعف، و مع ذلك علل النهي فيها بأُمور لا تناسب النجاسة الخبثية، و لو تم الظهور في الخبث فلا بد من حمل النهي فيها على الكراهة لبعض ما ورد ما هو صريح في أن غسالة الحمام محكومة بالطهارة كسائر المياه المشتبه طهارتها و نجاستها.

____________

(1) حكي عنهما في ذخيرة المعاد 1: 144، و المستمسك 1: 443.

(2) النهاية: 5، السرائر 1: 90- 91.

(3) حكاه في المستمسك 1: 443. و انظر روض الجنان 1: 428.

(4) وسائل الشيعة 1: 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل، الحديث 5.

273

[يستحب رش الماء إذا أراد أن يصلي في معابد اليهود و النصارى مع الشك في نجاستها]

(مسألة 4) يستحب رش الماء إذا أراد أن يصلي في معابد اليهود و النصارى مع الشك في نجاستها، و إن كانت محكومة بالطهارة (1).

____________

و في صحيحة محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائياً من الحمام و بينه و بين داره قذر، فقال: «لو لا ما بيني و بين داري ما غسلت رجلي، و لا نحيت ماء الحمام» (1) حيث إن المتعين كون المراد بماء الحمام الغسالة الجارية على أرضه.

و في صحيحته الأُخرى قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره، اغتسل من مائه؟ قال: «نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه ثمّ جئت فغسلت رجلي، و ما غسلتهما إلّا مما لزق بهما من التراب» (2) فإنه لو كانت غسالته المجتمعة في البئر محكومة بالنجاسة لكانت حين جريانها على أرض الحمام أيضاً كذلك، و دعوى أن مع جريانها تطهر باتصالها بماء الحياض، يدفعها أن هذا يجري في اتصال الغسالة المجتمعة في بئرها أيضاً فيطهر ما فيها.

و المتحصل فلا بد من الالتزام بأن المراد من الأخبار الناهية التنزه عن الاغتسال حتى الاغتسال بمعناه اللغوي، لا الحكم بالنجاسة حتى مع العلم بحصول النجاسة في زمان، فإنه مع العلم بحصول الطهارة في زمان و الشك فيها فعلًا يرجع إلى أصالة الطهارة بعد تعارض الاستصحابين.

معابد اليهود و النصارى‌

(1) و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال: «رش و صلّ» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 148- 149، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 5: 138، الباب 13 من أبواب مكان المصلي، الحديث 2.

274

..........

____________

و في صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البيع و الكنائس، يصلّى فيها؟ فقال: نعم، و سألته: هل يصلح بعضها مسجداً؟ فقال: نعم (1)، إلى غير ذلك.

و ربما يقال إن تخصيص استحباب الرش بصورة احتمال النجاسة بلا وجه لإطلاق الأخبار؛ و لأن الرش لا يعالج النجاسة الواقعية على تقديرها، بل يوجب سرايتها إلى غير ذلك الموضع من ثوب المصلي أو غيره.

أقول: الإشكال بالرش في صورة النجاسة المحتملة بأنه يوجب سرايتها يجري في غير هذا المورد أيضاً، و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه، فلا يستيقن فهل يجزيه أن يصب على ذكره إذا بال، و لا يتنشف؟ قال: «يغسل ما استبان أنه أصابه، و ينضح ما يشك فيه من جسده، أو ثيابه، و يتنشف قبل أن يتوضأ» (2).

حيث إن ظاهر النضح هو الرش و كذا سائر موارد النضح و الرش.

و لو كان الرش لاحتمال النجاسة فيمكن حملها على الاستحباب في جميع موارده، و منها المقام لما دل على عدم الاعتناء بالنجاسة المحتملة في الثوب و البدن فضلًا عن غيرهما، و قد تقدم ما في معتبرة حفص بن غياث من قول علي (عليه السلام): «ما أُبالي أبول أصابني أو ماء، إذا لم أعلم» (3).

و أما إذا لم يكن الرش لاحتمال فحملها على الاستحباب دون الاشتراط في الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس لا يخلو عن تأمل، إذ غاية الأمر إطلاق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 138، الباب 13 من أبواب مكان المصلي، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

275

[في الشك في الطهارة و النجاسة لا يجب الفحص]

(مسألة 5) في الشك في الطهارة و النجاسة لا يجب الفحص بل يبني على الطهارة (1)، إذا لم يكن مسبوقاً بالنجاسة و لو أمكن حصول العلم بالحال في الحال.

____________

الأمر بالصلاة فيها، فيقيد بالأمر بالرش الوارد في بعضها الآخر، و يأتي تمام الكلام فيها في بحث الصلاة، إن شاء اللّٰه تعالى.

إذا شك في الطهارة و النجاسة هل يجب الفحص؟

(1) لا بد من كون المراد بالحكم بالطهارة في الشبهة بلا اشتراط الفحص، الشبهة الموضوعية، و قد يستدل على ذلك بإطلاق موثقة عمار المتقدمة من قوله (عليه السلام) «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر» (1)، و بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة بعد السؤال: فهل عليّ إن شككت في أنه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه؟ قال: «لا و لكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك» (2).

و لكن الاستدلال بالصحيحة غير تام، فإن الموجب لبطلان الصلاة نجاسة الثوب و البدن المحرزة، فلا مانعية مع الشك في النجاسة و عدم لزوم الفحص فيما كان الأثر للنجاسة الواقعية غير مستفاد منها، و بهذا يظهر في بعض ما ورد بمضمون الصحيحة.

و العمدة الإطلاق في الموثقة فإن مقتضاها الحكم بالطهارة ما لم يحصل العلم بالقذارة، و مع العلم بها وجداناً أو تعبداً كما في موارد استصحاب النجاسة ينتهي موضوع الطهارة الظاهرية المستفادة من الموثقة و نحوها، هذا و في الشبهة الحكمية يعتبر الفحص عن الأدلة لما هو المقرر في محله من أن مع عدمه لا تكون الشبهة موضوع أصل عقلًا و نقلًا.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 466، الحديث الأول.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

فصل

طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني (1)، أو البيّنة العادلة، و في كفاية العدل الواحد إشكال (2) فلا يترك مراعاة الاحتياط.

____________

طرق ثبوت النجاسة‌

(1) المراد طريق وجود العين المحكومة بالنجاسة أو المحكومة بالتنجس، و إلّا فطريق نفس الحكم خارج عن المهم في المقام و موكول إلى الطرق المعتبرة في الأحكام المقررة في علم الأُصول، و اعتبار العلم الوجداني في إحراز موضوع النجاسة أو التنجس ذاتي، إذ العلم عين الانكشاف، و كونه مثبتاً للواقع لازم عقلي لا يمكن التصرف و الردع فيه.

و لا ينبغي الريب أيضاً في اعتبار البيّنة في ثبوتهما و المراد بها قول عدلين، حيث يستفاد من الروايات الواردة في أن القضاء بالبيّنة، و فسر بقول عدلين أن قولهما مبيّن للواقع مع قطع النظر عن القضاء فيكون القضاء بهما قضاءً بالبيّنة أضف إلى ذلك الروايات الواردة في موارد متفرقة حيث يستفاد منها أن اعتبارها أمر مفروغ عنه لا يرفع اليد عنه إلّا مع قيام دليل في مورد كما في ثبوت الزنا حيث لا يثبت إلّا بأربعة رجال.

(2) لا يبعد القول باعتبار خبر الثقة في الموضوعات كالأحكام فيما إذا لم يكن المخبر من قبيل موارد الدعاوى و الترافع، فإن عمدة ما دل على اعتبار خبر الثقة و هي السيرة العقلائية على الاعتناء جارية في الموضوعات أيضاً، و لم يردع عنه الشرع.

نعم، ربّما يتوهم الردع من رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: «كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعله حرٌّ قد باع نفسه، أو خُدع فبيع قهراً، أو امراة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها‌

278

..........

____________

على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة» (1).

و في السند ضعف فإن مسعدة بن صدقة غير موثق و وقوعه في سند تفسير القمي لا يحسب توثيقاً له على ما تعرضنا لما يقال من التوثيق العام في رجال كامل الزيارات و التفسير و أنه غير تام.

و قد يجاب بأن الرواية لا تصلح للردع عما عليه العقلاء من الاعتناء بأخبار الثقات، فإن المراد فيها ما يوضح الأمر و كونها بمعنى شهادة العدلين اصطلاح حادث، و قد استعملت بمعناها اللغوي في الكتاب العزيز و غيره، غاية الأمر ما يوضح الواقع في الدعاوى و موارد الترافع يكون إخبار عدلين أو خبر عدل و امرأتين عدلتين، و يكون ما يوضح الأمر في غير موارد الترافع و الدعاوى خبر الثقة كما هو مقتضى السيرة المشار إليها.

و الحاصل مدلول الرواية أن الأشياء كلها على الحلية حتى يظهر خلافها أو يقوم ما يوضح خلافها و يدخل فيما يوضح خلافها خبر الثقة.

أقول: لو كان المراد بالبينة شهادة العدلين كما لا يبعد ظهورها فيه حتى في زمان أبي عبد اللّه (عليه السلام) لما أمكن أيضاً ردع السيرة بها حيث تثبت حرمة الشي‌ء بإخبار ذي اليد، و استصحاب كونه موضوع الحرمة و نحوهما، فكما يرد الاستثناء على الرواية بها كذلك يرد التخصيص بخبر الثقة في غير مقام الترافع و الدعاوى، و بين البينة و خبر الثقة في غير مقام الترافع و الدعاوى العموم من وجه فلا بأس بعطفه في الاستثناء بالبينة.

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 89، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

279

و تثبت أيضاً بقول صاحب اليد (1) بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة بل أو غصب،

____________

و المتحصل قد ثبت في علم الأُصول أن العموم أو الإطلاق لا تصلح للردع عن السيرة في المورد الخاص على خلافه.

و قد يظهر اعتبار خبر الثقة من الروايات المتفرقة في الأبواب المختلفة كجواز الاعتماد بأذان الثقة و إخباره عن كون المرأة ذات بعل و عدّ منها:

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً و هو يصلي؟ قال: «لا يؤذنه حتى ينصرف» (1) فإنه لو لم يكن إخباره معتبراً لما كان فرق بين إخباره و عدمه. و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكتّ، ثمّ مسح تلك اللمعة بيده» (2) و في دلالة هذه على اعتبار خبر الثقة تأمل ظاهر، فإنه يمكن أن يكون اعتناؤه (عليه السلام) لكون خبره موجباً للشك و لكونه قبل الفراغ يكون مورد قاعدة الاشتغال لا لكون القول المزبور خبر ثقة.

(1) العمدة في اعتبار أخباره السيرة الدارجة بين المتشرعة على الاعتناء بإخبار ذي اليد في نجاسة الشي‌ء و عروض الطهارة سواءً كانت يده عليه يد ملك عين أو ملك منفعة أو ملك انتفاع أو كانت العين بيده أمانة بل أو غصباً، هذا مع ورود بعض الروايات مثل ما ورد في إخبار البائع بنجاسة ما يبيعه من الدهن المتنجس من إعلامه المشتري ليستصبح به (3)، و ما ورد في إقرار ذي اليد بأن ما بيده لغيره (4)، و إن يمكن المناقشة في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 474، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 487، الباب 47، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 17: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3- 5.

(4) وسائل الشيعة 23: 183، الباب 1 و 2 و 5 من أبواب كتاب الإقرار.

280

..........

____________

الأول بأنّ الصدق في مورده مفروض، فإنّ البائع لا يقدم على إخبار يسقط مبيعه عن بعض المالية هذا فيما إذا لم يكن ذو اليد ثقة، و إلّا فلا ينبغي الريب في اعتبار إخباره بموضوع النجاسة أو غيرها من الأحكام بالإضافة إلى ما بيده أو غيره على ما تقدم.

و في موثقة ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن رجل أعار رجلًا ثوباً فصلى فيه و هو لا يصلّى فيه، قال: لا يعلمه، قلت: فإن أعلمه؟ قال: يعيد (1).

لا يقال: علم المصلي بنجاسة ثوبه أو كونه من أجزاء غير مأكول اللحم بعد الصلاة لا يوجب الإعادة و إخبار المالك بنجاسة ثوبه أو أنه لا يصلي فيه لا يزيد على العلم.

فإنه يقال: نعم، و لكن قوله (عليه السلام) «فإن أعلمه» الخ مطلق يعم الإخبار قبل الصلاة و بعدها و يرفع اليد عن الإطلاق المزبور بالإضافة إلى الإخبار بعد الصلاة بقرينة صحيحة العيص بن القاسم: عن رجل صلى في ثوب رجل أياماً ثمّ إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلّى فيه؟ قال: «لا يعيد شيئاً من صلاته» (2) حيث إن هذه الصحيحة مختصة بصورة الإخبار بعد الصلاة و الحال مقتضاهما الاعتناء بقول ذي اليد، و لكن المفروض فيهما كون ذي اليد مالكاً فالتعدي منهما إلى غير المالك يحتاج إلى التشبث بالسيرة المشار إليها.

و قد يستدل على اعتبار إخبار ذي اليد بالعلم الحاصل بالتنجس في أكثر الأشياء التي كانت بيد الآخرين كالأواني و الفرش و الثياب المستعملة و الذبائح و لو لم يكن اعتبار إخبار ذي اليد بطهارتها لكانت محكومة ببقاء التنجس بمقتضى الاستصحاب،

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 488، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: 475، الباب 40، الحديث 6.

281

و لا اعتبار بمطلق الظن و إن كان قوياً (1)، فالدهن و اللبن و الجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة و إن حصل الظن بنجاستها، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها، بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس (2).

____________

و لا فرق في اعتباره بين إخباره بالطهارة أو النجاسة.

أقول: كما يفرض العلم بالتنجس في زمان ما فيها كذلك العلم بطهارتها في زمان آخر حاصل، و استصحاب تنجسها معارض باستصحاب بقاء طهارتها و لو يجريان الماء عليها في أزمنة فترجع إلى أصالة الطهارة، و الشاهد لذلك أنها محكومة بالطهارة بالأخذ من يد الآخرين و لو لم يخبروا بطهارتها.

(1) ينبغي أن يقيد بما لم يصل إلى مرتبة الاطمئنان، و إلّا فالاطمئنان علم في اعتبار العقلاء لم يردع عنه الشرع و لا يكون مع حصوله موضوع للأُصول العملية.

نعم، قد ذكرنا في بحث القضاء أنه لا يكون الاطمئنان مدركاً للقضاء لما ورد من أنه يكون بالبيّنة، بل لا سيرة في اعتبار الوثوق و خبر الثقة بالإضافة إلى موارده لا أنها مردوعة بما ورد في ميزان القضاء و مدركه.

(2) لا يخفى أنه ليس في البين ما يدل على حرمة الوسواس بنفسه، بأن يحكم بفسق الوسواس فيما إذا لم يكن موجباً لترك الواجب أو ارتكاب الحرام كمن يكرر الوضوء لاحتماله الخلل في وضوئه السابق و يعيد الصلاة لاحتماله الخلل فيها، نعم لا يجوز فيما إذا كان موجباً لأحدهما، و ما في صحيحة عبد اللّه بن سنان المروية في مقدمات العبادات قال: ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: رجل عاقل، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أي عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له:

و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو؟ فإنه يقول لك: من‌

282

..........

____________

عمل الشيطان (1). و لكن مجرد إطاعة الشيطان بالاعتناء بالشك لا يكون محرماً حيث إن إطاعته في ترك الواجب أو فعل الحرام غير جائزة، و طاعته في فعل المكروه كالاشتغال ببعض الأعمال المكروهة الموجبة لترك مثل صلاة الليل و التذكر لموته و ما بعده فضلًا عن الاشتغال بما يوجب التلف و تضيع أوقاته الثمينة فلا دليل على حرمته.

أضف إلى ذلك أن الشك و النسيان مطلقاً من الشيطان فلا يمكن أن يقال أن تدارك المنسي أو المشكوك طاعة له مطلقاً، بل طاعته تكون في صورة عدم انطباق الاحتياط على عمله بأن يكون ترديده في عدم موافقة التكليف الواقعي بلا موجب، و حيث إنه يحتمل عدم موافقته فلا يتحقق التشريع بفعله و لا يخرج عمله عن العبث و تضيق الوقت، و هذا فيما إذا لم يكن عمله هذا مستلزماً لترك الواجب أو ارتكاب الحرام كما ذكرنا، و إلّا فلا يجوز كما إذا أوجب وسواسه نقض الصلاة الواجبة التي قد دخل فيها بناءً على عدم جواز قطع الفريضة.

و في صحيحة زرارة و أبي بصير قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيراً في صلاته حتى لا يدري، كم صلى و لا ما بقي عليه؟ قال: يعيد، قلت: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك؟ قال: يمضي في شكّه، ثمّ قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك، قال زرارة ثمّ قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (2). فإن غايتها النهي عن تعويد الخبيث‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 63، الباب 10 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 8: 228، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

283

[لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة و النجاسة]

(مسألة 1) لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة و النجاسة (1).

____________

لما يوجب نقض الصلاة فلا يجوز الاعتناء بنقضها بكثرة الشك و ما في ذيلها: «إنما يريد الخبيث أن يطاع» المراد به إطاعته بترك الواجب أو فعل الحرام، و إلّا فقد تقدم عدم إمكان الالتزام بحرمة إطاعته مطلقاً فتدبر.

و على الجملة فالاحتياط برعاية التكليف الواقعي لا يخرج عن الحسن إلّا بالمزاحمة الموجبة لرعاية الاحتياط فعل الحرام أو ترك الواجب أو ارتكاب مكروه آخر كما تقدم.

و أما إذا كان معرضاً للوسوسة بأن كانت مقدمة معدة لكونه وسواساً فلا يمكن الحكم بحرمته فإن المقدمة السببية للحرام لا تكون محرمة فضلًا عن غيرها، مع أنك سمعت عدم الدليل على حرمة كونه وسواساً مطلقاً.

و على الجملة الحكم بحرمة المقدمة المعدة للحرام تحتاج إلى دليل خاص، و كذا حرمة ارتكاب ما هو مظنة للابتلاء بالحرام و لا يكفي فيه مجرد حرمة ذي المقدمة.

حكم الوسواسي‌

(1) قد يقال إن الوسواس من الحالات النفسانية.

و الظاهر أن أول مراتبها أن تمنع تلك الحالة عن إذعانه بالمعلومات مع حصول العلم له بها.

و أعلى منها أن تمنع تلك الحالة عن حصول العلم له من الأسباب التي يتعارف حصوله منها لغيره من متعارف الناس كأن لا يحصل له العلم بطهارة ثوبه بغسله الذي يكون ذلك الغسل واجباً لطهارته و زوال العين للسائرين.

و أعلاها أن توجب تلك الحالة حصول العلم بخلاف الواقع من أسباب خيالية‌

284

..........

____________

لا وجود لها في الخارج أصلًا، كمن يجزم بتنجس ثوبه أو بدنه مع وقوفه في السطح لإصابة القطرة من الأرض من الغسالة التي تصب فيها، و بما أن العلم بذاته حجة لا يمكن الردع عنه حتى فيما كان مخالفاً الواقع، فعدم الاعتبار بالإضافة إلى عمل الوسواسي يكون بتقيّد التكاليف المترتبة على نجاسة الأشياء بما إذا لم يحرز تلك النجاسة بالوسواس، مثلًا حرمة شرب النجس مقيدة بما إذا لم تكن النجاسة محرزة بالوسواس و كذلك نجاسة الثوب و البدن مانعة عن الصلاة إلّا إذا كانت النجاسة محرزة بالوسواس إلى غير ذلك.

و أما عدم اعتبار علمه بالإضافة إلى عمل غيره مرجعه عدم اعتبار شهادته بموضوع النجاسة، و الدليل على التقيّد في المقام الأول مضافاً إلى الإجماع قوله (عليه السلام):

«لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة» (1) حيث إنّ الوسواس إذا علم بحصول النجاسة لثوبه أو بدنه أثناء صلاته بحيث يحتاج تطهيره إلى قطعها يعمه القول المزبور، و لقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «و أي عقل له و هو يطيع الشيطان» (2).

و عدم اعتبار علمه بالإضافة إلى عمل الآخرين أي عدم قبول شهادته و خبره فإن المعتبر في قبول الشهادة و الخبر وقوعهما عن حس أو علم متعارف على ما تقرر في بحث الشهادة و بحث خبر العدل و الثقة.

أقول: صحيحة زرارة و أبي بصير معاً لا تدل على أزيد من لزوم عدم الاعتناء بالشك الموجب لنقض الصلاة، فلا يستفاد منها غير ما يستفاد من صحيحة محمد بن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 228، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 1: 63، الباب 10 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث الأول.

285

..........

____________

مسلم و غيرها من قوله (عليه السلام): «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فإنه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان» (1).

و أما صحيحة عبد اللّه بن سنان فيمكن أن يقال إن العلم الحاصل بالوسواس ببطلان الصلاة و الوضوء و كذا غيرهما لا يوجب لزوم تداركه، لكن لا لتقييد موضوع لزوم التدارك بما إذا كان الخلل من غير الوسواس، بل لأن عدم لزوم التدارك على الوسواس لكون اعتقاده لحصول الخلل خيالياً.

و الحاصل دعوى عدم ثبوت الأحكام الواقعية في حق الوسواس مع علمه بها بأن يقال مانعية نجاسة الثوب و البدن مختصة بصورة عدم كون الإنسان وسواساً، و كذا اشتراط الطهارة من الحدث أو غيره فهذا غير صحيح؛ لإطلاق الأدلة الدالة على الاشتراط، و ظاهر الروايتين الناهية إحداهما عن تعويد الشيطان من النفس راجع إلى عدم الاعتناء بكثرة الشك المبطل في الصلاة، و الأُخرى منهما راجع إلى وهم الخلل في الوضوء و الصلاة و لا تعم صورة العلم بالخلل المفروض مطابقته الواقع.

نعم، إذا كان الاعتقاد خيالًا و لم يكن في الحقيقة علماً كما هو المفروض في علم الوسواس بما هو وسواس فيمكن ردعه عن العمل باعتقاده، بأن يقال لا يريد الشارع منك الواقع و لا يكون الحدث مبطلًا لصلاتك كما إذا كان عامياً لا يلتفت إلى مطلوبية الواقع من كل أحد لإطلاق الأدلة و عدم ثبوت التقييد فيها و عدم احتمال الخطأ في علمه بموضوع تلك الأحكام.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 227- 228، الباب 16 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث الأول.

286

[العلم الإجمالي كالتفصيلي]

(مسألة 2) العلم الإجمالي كالتفصيلي، فإذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما، إلّا إذا لم يكن أحدهما محلًا لابتلائه فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضاً (1).

____________

العلم الإجمالي بالنجاسة‌

(1) ذكر الشيخ (قدس سره) (1) و تبعه غيره أن من شرط تنجيز العلم الإجمالي بالحرمة أو ما هو موضوع لها عدم خروج بعض أطرافه عن الابتلاء، و وجهه في المستمسك (2) أخذاً من الشيخ العراقي ما حاصله، أن القدرة على المكلف به و الابتلاء ليسا شرطاً في الحكم المتعلق بفعل العبد مثلًا خطاب حرمة شرب الخمر، مدلوله أن الخمر محكوم بحرمة الشرب؛ و هذا الحكم يعم المقدور و الداخل في محل الابتلاء و غير المقدور و غير الداخل في الابتلاء، فلا فرق في الحرمة بين خمر و خمر، و لكن الفرض من الخطاب الدال على حكم الخمر صيرورة الحرمة تكليفاً و ثقلًا و داعياً إلى ترك المقدور و الداخل في الابتلاء، فالحرمة لا تصير على العهدة و الاشتغال في مورد القدرة و الابتلاء، و عليه فلا مانع عن الرجوع إلى الأصل النافي في الطرف المقدور و الداخل في الابتلاء من بعض أطراف العلم؛ لأن التكليف في ذلك الطرف بحيث يتوجه إليه خطاب التكليف فعلًا كالمشكوك البدوي.

و السر في جعل الابتلاء شرطاً في التكليف في مقابل القدرة هو أن الخارج عن الابتلاء مقدور حيث إن المقدور بالواسطة يدخل في القدرة؛ و لذا يصح أمر أهل الصين بالحج فإنه مقدور بالقدرة على المسير إلى مكة، و لكن لا يصح خطاب النهي عن ماء نجس هناك ما لم يكونوا على سفر مكة.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 233، التنبيه الثالث من تنبيهات الشبهة المحصورة.

(2) المستمسك 1: 451 و 452.

287

..........

____________

و فيه أن مدلول خطاب التحريم كما أنه انحلالي بالإضافة إلى متعلق الفعل كالخمر في مثال تحريم الخمر، كذلك انحلالي بالإضافة إلى المكلفين، فالمكلف الذي لا يتمكن من شرب خمر يصبح اعتبار حرمة شربه عليه من اللغو المحض، و مجرد المفسدة في ارتكابه لا يصحح اعتبار حرمة شربه عليه؛ و لذا لا يصح اعتبار الحرمة للصعود إلى السماء السابعة و إن كان فيه مفسدة فالحرمة أي المنع الاعتباري مصححة أن يكون بوصوله إلى المكلف داعياً إلى ترك الفعل لو وجد له داع نفساني إلى ارتكابه، أو تكون تلك الحرمة مؤكداً بوصولها داعيه النفساني إلى تركه، و هذا يجري في الخارج عن الابتلاء و الداخل فيه و لا يجري في غير المقدور؛ و لذا أنكرنا اشتراط الابتلاء بأطراف العلم في تنجيزه، نعم إذا كان عدم الابتلاء بعدم التمكن على ارتكاب بعض الأطراف عقلًا أو شرعاً كما إذا كان معلوم الحرمة فجريان الأصل النافي في باقي الأطراف يكون بلا معارض.

و على الجملة الغرض من خطاب الحرمة تفهم اعتبار الحرمة و الغرض من اعتبارها صيرورتها بوصولها داعياً إمكاناً أو مؤكداً للداعي.

لا يقال: لا يجري حديث: «رفع عن أُمتي ما لا يعلمون» (1) في ناحية الخارج عن الابتلاء ليعارض الجاري في الداخل في الابتلاء؛ لأن الرفع امتناني و لا امتنان في رفع الحرمة المتعلقة بالخارج عن الابتلاء.

فإنه يقال: و إن اختص حديث الرفع بالداخل في محل الابتلاء إلّا أن أصالة الحلية أو الطهارة الجارية في الخارج عن الابتلاء تعارض حديث الرفع و أصالة الحلية الجاريتان في الداخل في الابتلاء، و بما أنه يكون المورد بعد تساقطهما مورد الاشتغال‌

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 369، الباب الأول من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، الحديث الأول.

288

[لا يعتبر في البيّنة حصول الظن بصدقها]

(مسألة 3) لا يعتبر في البيّنة حصول الظن بصدقها (1)، نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (2).

[لا يعتبر في البيّنة ذكر مستند الشهادة]

(مسألة 4) لا يعتبر في البيّنة ذكر مستند الشهادة (3)، نعم لو ذكرا مستندها و علم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة.

____________

فلا بد من رعاية العلم الإجمالي في الطرف الداخل في الابتلاء فتدبر.

في البيّنة‌

(1) و ذلك لإطلاق ما دل على اعتبار البينة فإن مقتضاه ثبوت الواقع بها ظن الواقع بوفقها أو بخلافها أو لا يظن أصلًا.

(2) فإن المتعارضين لا يمكن اعتبار كل منهما و الجامع بينهما يعني إحداهما الكلي لا يدخل في الاعتبار فإن الموضوع للاعتبار ما يكون بالحمل الشائع بينة كما أن اعتبار كل منهما تخييراً بأن يكون الأخذ بإحداهما عملًا موضوعاً لاعتبارها نظير ما يقال في التخيير بين الخبرين المتعارضين في الأحكام و التخيير بين فتوى المجتهدين المتساويين في العلم يحتاج إلى دليل آخر نظير ما ورد في الترجيح بين البينتين في بعض موارد القضاء.

(3) هذا فيما لم يكن بين الشاهدين و المشهود عنده اختلاف في الأعيان النجسة و المتنجسة بملاقاتها حيث إنه في الفرض يكون الإخبار عن نجاسة عين أو تنجس طاهر إخباراً عن كونها عين النجس أو إخباراً عن ملاقاتها لإحداها، و كما يعتبر الإخبار عن عين النجس خارجاً أو ملاقاتها لطاهر بالدلالة المطابقية، كذلك تعتبر فيما إذا كان بالدلالة الالتزامية حتى ما إذا لم يكن المخبر ملتفتاً إلى الملازمة على ما تقرر في بحث اعتبار الخبر.

و بتعبير آخر البينة لا يعتبر قولها في ثبوت الحكم الشرعي الكلي المجعول في‌

289

[إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى]

(مسألة 5) إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى (1)، و إن لم يكن موجباً عندهما أو عند أحدهما، فلو قالا إن هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة، كفى عند من يقول بنجاستهما و إن لم يكن مذهبهما النجاسة.

____________

الشريعة، بل الحكم الشرعي يثبت بالإخبار عن المعصوم أو بقول المفتي، و إنّما تعتبر البينة؛ لأن بها يحرز الموضوع الحاصل لذلك الحكم الشرعي الكلي؛ و لذا لو ذكرت البينة مستندها، بأن قال: هذا الماء القليل نجس فإنه وقع فيه عرق الجنب من الحرام أو وقع فيه قطرة من العصير العنبي بعد غليانه، لا تعتبر على ما في المتن، و لو أخبرت البيّنة بما لا يراه الشاهدان موضوعاً للنجاسة تثبت النجاسة فيما يراه المشهود عليه موضوعاً لها.

نعم، ربّما يقال إنه إذا أخبرت البيّنة عن نجاسة شي‌ء و تنجسه و لم يعلم اختلاف الشاهدين مع المشهود عنده في الحكم، يحمل على وفاقهما مع المشهود عنده؛ لأن الأصل عدم الخطأ لأن السيرة المتشرعة قد جرت على الاعتناء بالشهادة ما لم يعلم خلافها و بأن مستند الشاهدين لا يصلح لها و هذا أيضاً ظاهر الماتن.

و لكن في ثبوت السيرة مع احتمال أن المستند للبينة غير صالح للشهادة خصوصاً مع العلم بالاختلاف في بعض الموضوع للنجاسة و التنجس غير ثابتة فتدبر.

(1) قد ظهر الوجه في ذلك مما تقدم من أن البينة يثبت بها الموضوع للحكم لا نفس الحكم، فإن ثبوت الحكم يكون بالخبر عن المعصوم أو ظاهر الكتاب و غيرهما من أدلة الأحكام؛ و لذا لا يكون عدم كونه موضوعاً عند الشاهدين أو أحدهما مضراً باعتبار الشهادة فيما إذا كان ذلك موضوعاً عند المشهود عنده، أضف إلى ذلك اعتبار المدلول الالتزامي للخبر الذي تدخل فيه الشهادة و إن لم يعتقد أو لم يلتفت بذلك المدلول الالتزامي المخبر و الشاهد.

290

[إذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما كفى في ثبوتها]

(مسألة 6) إذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما كفى في ثبوتها (1)، و إن لم تثبت الخصوصية، كما إذا قال أحدهما: إن هذا الشي‌ء لاقى البول، و قال الآخر: إنه لاقى الدم فيحكم بنجاسته، لكن لا يثبت النجاسة البولية و لا الدمية بل القدر المشترك بينهما، لكن هذا إذا لم ينفِ كل منهما قول الآخر بأن اتفقا على أصل النجاسة و أما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما: إنه لاقى البول، و قال الآخر: لا بل لاقى الدم، ففي الحكم بالنجاسة إشكال.

____________

(1) إذا أخبر أحدهما بإصابة البول مثلًا، و الآخر بإصابة الدم بأن لا ينفي المخبر بإصابة البول إصابة الدم، كما أن المخبر بإصابة الدم لا ينفي إصابة البول فبناءً على كفاية خبر العدل تثبت‌

النجاسة، بل تثبت إصابة كل منهما، و أما بناءً على اعتبار خبر العدلين فلا يمكن الحكم بالنجاسة؛ لأن نجاسته و إن كانت مدلولًا التزامياً لكل من الخبرين إلّا أن المدلول الالتزامي لا يثبت بالبينة، و على تقدير ثبوت النجاسة بالبينة القائمة بها ثبوتها في الفرض مشكل، فإن المخبر بإصابة البول لا يخبر عن النجاسة مطلقاً، بل بالنجاسة الناشئة عن إصابة البول، كما أن المخبر بإصابة الدم يشهد بالنجاسة الناشئة عن إصابته لا مطلقاً، و المفروض احتياج كل من الأمرين في الثبوت إلى شهادة الشاهدين.

و على الجملة فلو قيل في الفرض باعتبار المدلول الالتزامي مع عدم اعتبار المدلول المطابقي لكل من الشهادتين لم يكن فرق بين هذا الفرض و بين ما إذا نفى كل منهما ما شهد به الآخر؛ لأن نفي كل منهما الآخر في المدلول المطابقي لا المدلول الالتزامي، فمع عدم اعتبار المدلول المطابقي للتعارض أو غيره فلا موجب لرفع اليد عن دليل الاعتبار بالإضافة إلى المدلول الالتزامي.

لا يقال: فرق بين الصورتين؛ لأن مع شهادة أحدهما بوقوع البول فيه تكون الشهادة شهادة بوقوع عين النجاسة فيه، و أن تلك العين هي البول و الشاهد الآخر أيضاً‌

291

..........

____________

يشهد بوقوع العين النجسة فيه و أن تلك العين كانت دماً، فتكون نظير ما إذا شهد أحدهما بوقوع الدم الأسود فيه و الآخر بوقوع الدم الأحمر فيه حيث إن الشهادتين تحسب بيّنة على وقوع عين النجاسة فيه في الأول، و على وقوع الدم فيه في الثاني.

و على الجملة سماع الشهادتين فيما ذكر لا لاعتبار البينة بالإضافة إلى الإخبار عن الحكم، بل بالإضافة إلى موضوع الحكم و هو وقوع عين النجاسة في الماء القليل أو وقوع الدم فيه.

فإنه يقال: يمكن القول بأنه مع عدم اتحاد الواقعة المخبر بها لا ثبوت للنجاسة فيما ذكر بأن كان ما أصاب الماء في إخبار أحدهما وجوداً و ما أصاب الماء بإخبار الآخر وجوداً آخر، كما إذا صرح أحدهما بأني رأيت بالأمس أن قطرة بول أصابت هذا الماء، و قال الآخر و لكني رأيت اليوم أن قطرة دم أصابته، أو قال الأول إني رأيت بالأمس أن قطرة الدم الأحمر وقعت في الماء المزبور، و قال الثاني و لكني رأيت اليوم أن قطرة دم أسود وقعت فيه، و ذلك فإنه إن اعتبر خبر العدول يحكم بنجاسة الماء المزبور، و لكن الفرض اعتبار البيّنة خاصة و شي‌ء من الواقعتين لم يثبت بالبيّنة، و ليس المراد أن البيّنة لا تعتبر في الواقعة الكلية بمعنى أنه إذا شهد أحدهما أن هذا الماء أصابته عين النجاسة و شهد بها الآخر أيضاً، أو قال أحدهما إنه أصابت هذا الماء قطرة إما بول أو دم، و قال الآخر أيضاً بمثل ذلك فلا يعتبر قولهما، بل المراد أنه يعتبر في البيّنة أن يكون كل منهما حاكياً عن واقعة واحدة و أمراً واحداً سواء كان ذلك الأمر الواحد شخصياً أو كلياً من حيث العنوان.

نعم، إذا كانت الواقعة المخبر بها متحدة، بأن أخبر كل منهما بإصابة القطرة التي يخبر بإصابتها الآخر، و كان اختلافهما في العوارض، بأن قال أحدهما إن القطرة التي رأيت أصابتها كان ليلًا و قال الآخر كان نهاراً، أو كان اختلافهما في الصنف، بأن قال‌

292

..........

____________

أحدهما: إن القطرة التي رأيت أصابتها كانت دماً أحمر، و قال الآخر: إنها كانت دماً أسود، أو في النوع بأن قال: تلك القطرة كانت دماً و قال الآخر كانت بولًا.

فيمكن القول بثبوت النجاسة حتى في فرض الاختلاف في النوع، حيث إن كل من الشهادتين تنحل إلى أمرين أحدهما واقعة متفق عليها و هي وقوع تلك القطرة التي كانت من عين النجاسة، غاية الأمر أحدهما يعين زمان وقوعه بغير ما يعينه الآخر، و كذا في الاختلاف في الوصف أو النوع، و ربّما يفصل مع اتحاد الواقعة المحكي عنها بين الاختلاف في العوارض و الصنف و بين الاختلاف في النوع بدعوى أن العوارض كالزمان أو الأوصاف ككون الدم أحمر أو أصفر لا دخل لها في تنجس الطاهر بملاقاة عين النجاسة، فالموضوع للتنجس يثبت بشهادة العدلين، بخلاف الاختلاف في النوع، فإن الواقع في الماء المفروض و إن كان موجوداً واحد إلّا أن البول و الدم وقوع كل منهما موضوع للتنجس و شي‌ء منهما لم يثبت بالبينة حيث لم تقم به البينة، و العنوان الانتزاعي أعني وقوع أحدهما في الإناء مدلول التزامي للشهادة المفروضة من كل منهما و المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي حدوثاً و حجية.

بل مع الاختلاف لا تثبت النجاسة حتى على القول باعتبار خبر العدل؛ لأن المفروض أن كلًا من الشاهدين ينفي الموضوع للتنجس الذي يخبر عنه الآخر، و بهذا يظهر الفرق بين وحدة الواقعة المخبر بها و تعددها فإنه مع تعددها، و الالتزام باعتبار خبر العدل تثبت النجاسة دون وحدتها كما ذكر.

أقول: يعتبر في البيّنة على واقعة أن تكون تلك الواقعة قد حكاها عدلان، بأن يكون قول أحدهما تكراراً لما قاله الآخر، و أما إذا لم يكن التعدد في الحكاية بنفسها بل تعددها بتعدد الواقعة المحكي بها فلا بيّنة بل خبر عدل إن قلنا باعتباره فيعتبر فيما إذا‌

293

..........

____________

لم يعارض الخبر الآخر من العدل الآخر.

و أيضاً سقوط الدلالة الالتزامية عن الاعتبار فيما لم تكن الدلالة المطابقية معتبرةً ينحصر بما إذا كان سقوط الدلالة المطابقية بالتعارض، فإن التعارض و التنافي يسري إلى المدلول الالتزامي أيضاً كما ذكرنا، و أما إذا لم يكن اعتبار المدلول المطابقي لا للتعارض، كما إذا أخبر العدلان كل منهما عن واقعة غير واقعة الآخر فالمدلول الالتزامي أيضاً لا يعتبر لعدم كونها خارجاً واقعة واحدة.

و أما مع اتحاد الواقعة و الاختلاف في النوع كما إذا قال إن القطرة التي رأيت أصابتها الماء القليل كانت بولًا و قال الآخر كانت دماً، فالمدلول الالتزامي و هي إصابة الجامع بين البول و الدم لا تعتبر، لا للتعارض أيضاً، بل لو كانا غير متعارضين كما إذا قال أحدهما إن تلك القطرة كانت بولًا و قال الآخر ما أدري ما هي لما كان أيضاً اعتبار لعدم كون المدلول المطابقي بينة.

و أما إذا كان التعارض في المدلول التضمني فسقوط الحكاية عن الاعتبار في بعضها للتعارض أو لعدم كونه ذا أثر لا يوجب سقوط بعضها الآخر، و من هنا لو قال أحد العدلين إن الدم الذي رأيت إصابته الماء القليل كان دماً أسود، و قال الآخر إنه كان دماً أصفر فتعارضهما في وصف الدم لا يوجب سقوط شهادتهما بإصابة الدم.

نعم، مع عدم اتحاد الواقعة المخبر بها بأن قال أحدهما أصاب هذا الماء دمٌ أسود ليلًا و قال الآخر لا أدري، و لكن أصاب الماء الدم الأحمر نهاراً، فعدم اعتبارهما في تمام المدلول ليس تعارض، بل لعدم كونهما حكاية عن واقعة واحدة، ففي مثل ذلك عدم اعتبار المدلول التضمني أيضاً لعدم كونه واقعة واحدة خارجاً قد كرر نقلها.

و على الجملة سقوط الدلالة الالتزامية عن الاعتبار بعدم اعتبار الدلالة المطابقية‌

294

[الشهادة بالإجمال كافية]

(مسألة 7) الشهادة بالإجمال كافية أيضاً، كما إذا قالا: أحد هذين نجس، فيجب الاجتناب عنهما (1)، و أما لو شهد أحدهما بالإجمال و الآخر بالتعيين كما إذا قال أحدهما: أحد هذين نجس، و قال الآخر: هذا معيناً نجس، ففي المسألة وجوه (2): وجوب الاجتناب عنهما، و وجوبه عن المعين فقط، و عدم الوجوب أصلًا.

____________

غير صحيح على إطلاقه، فإنه لو لم يكن اعتبار المدلول المطابقي لكونه ليس حكماً و لا موضوعاً لحكم و كان مدلوله الالتزامي حكماً أو موضوع حكم فلا محالة يعتبر ذلك المدلول الالتزامي كما تقدم في أن إخبار العدلين بنجاسة شي‌ء غير معتبر، و إنّما المعتبر المدلول الالتزامي و هو أن الشي‌ء قد أصابه أحد الأعيان النجسة على ما تقدم.

(1) الشهادة بالإجمال و إن كانت كافية كما إذا قالا إنه قد وقعت في هذا الإناء قطرة من الدم إلّا أنه يعتبر في سماعها تعدد الحكاية عن واقعة واحدة، و لو قال أحدهما ذبحت شاة و وقعت قطرة من دمها في أحد الإناءين، و قال الآخر لا أدري و لكن ذبح دجاجة أو سقطت نقطة دم رعاف في أحدهما لا تثبت النجاسة إلّا على القول بإخبار العدل الواحد.

و نظير ذلك ما إذا علم أحدهما بوقوع عين نجس في إناء زيد و علم الآخر بوقوع نجاسة في إناء عمرو و اشتبه الإناءان و شهدا بأن أحدهما نجس، فإنه لا تسمع إلّا بناءً على اعتبار خبر العدل فإنه عليه يحكم في هذا الفرض بنجاستهما كما لا يخفى، بخلاف ما إذا قيل باعتبار البيّنة خاصة فإنه لا تثبت النجاسة في الفرضين حتى على القول باعتبار الدلالة الالتزامية في نفس الإخبار بالنجاسة، فإن المراد بأحدهما نجس في خبر أحدهما ما وقع عليه دم الشاة، و في قول الآخر ما وقع عليه دم الدجاجة أو دم الرعاف و كذا الحال في الفرض الثاني.

(2) قد ظهر مما تقدم أنه بناءً على اعتبار البينة يكون المتعين هو الحكم بالطهارة‌

295

[لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلًا و الآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلًا فالظاهر وجوب الاجتناب]

(مسألة 8) لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلًا و الآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلًا فالظاهر وجوب الاجتناب (1)، و كذا إذا شهدا معاً بالنجاسة السابقة، لجريان الاستصحاب.

____________

في كلا الإناءين؛ لأن الواقعة المخبر بها في خبر أحدهما نجاسة المعين من الإناءين و في خبر العدل الآخر نجاسة الواحد لا بعينه، و قد تقدم أن أحدهما المعين في الشهادة غير أحدهما لا بعينه، و لا ينحل الخبر الأول إلى شهادتين أحدهما الإخبار عن نجاسة أحدهما و ثانيهما أن ذلك الواحد هو هذا المعين، و هذا ظاهر.

نعم، بناءً على اعتبار خبر العدل الواحد يجب الاجتناب عن المعين فقط؛ لأن شهادة الآخر بنجاسة الواحد لا بعينه كالعلم الإجمالي بنجاسته في انحلاله بقيام الطريق عن التكليف في بعض أطرافه فيرجع في بعضها الآخر إلى الأصل، و هذا بخلاف ما إذا أخبر كل منهما عن نجاسة الواحد لا بعينه فإنه يكون علماً بنجاسة أحدهما لا بعينه غاية الأمر تنزيلًا لا حقيقة.

لا يقال: فيما إذا شهد أحدهما إجمالًا و الآخر بالتعيين فقد شهد كل منهما بما يتفقان في وجوب الاجتناب عن المعين غاية الأمر أن وجوب الاجتناب عند أحدهما ظاهري، و عند الآخر واقعي فيؤخذ بما يتفقان.

فإنه يقال: قد تقدم عدم اعتبار البينة بالإضافة إلى الحكم و إنما يثبت بها الموضوع و حيث إن الحكاية عن الموضوع غير متعددة في نفسها و إنّما تعددها بتعدد المحكي عنه حيث إنه على إخبار أحدهما معين، و في الآخر غير معين.

(1) إذا أخبرا بالنجاسة السابقة فلا ينبغي الريب في اعتبار الشهادة و لو بناءً على اعتبار العدلين في الشهادة، و لكن مع رعاية اتحاد الواقعة المخبر بها، و يكون بقاء النجاسة مقتضى الاستصحاب فإنه لا فرق في ثبوت الحالة السابقة بين العلم الوجداني‌

296

..........

____________

و التنزيلي على ما تقرر في بحث قيام الطرق و الأُصول المثبتة مقام العلم المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية كما هو ظاهر الخطابات الذي ذكر في ناحية الموضوع للحكم العلم و نحوه.

و أما إذا أخبر أحدهما بنجاسته سابقاً مع جهله بنجاسته الفعلية، و أخبر الآخر بنجاسته الفعلية مع جهله بنجاسته السابقة فمع تعدد الواقعة و اعتبار خبر العدلين لا يثبت شي‌ء منهما بخلاف ما لو قيل باعتبار خبر العدل فإنه تثبت النجاسة السابقة و الفعلية، بمعنى أنه لا يحتاج في الحكم بنجاسته الفعلية أيضاً إلى الاستصحاب مع احتمال طرو المطهر.

لا يقال: بناءً على اعتبار البيّنة أيضاً يجب الاجتناب فعلًا؛ لأن كلًا من الشهادتين إخبار عن كون الحكم الفعلي للشي‌ء وجوب الاجتناب.

فإنه يقال: نعم، و لكن قد تقدم عدم اعتبار الحكم المخبر به بالبينة خصوصاً ما إذا كان المخبر به في أحد الخبرين الحكم الواقعي و في الآخر الحكم الظاهري- كما في المقام- حيث إن المخبر عن نجاسته سابقاً مع جهله بحاله فعلًا يخبر عن وجوب الاجتناب الظاهري فعلًا بمقتضى الاستصحاب، هذا كله مع تعدد الواقعة المخبر بها.

و أما مع اتحادها كما قيل إنه ظاهر المتن و إن لم يتحقق لنا هذا الظهور، فالظاهر ثبوت النجاسة الفعلية فيما إذا كان عدم وقوع المطهر على تقدير نجاسته سابقاً محرزاً أو محتملًا و أما مع العلم بوقوعه على تقدير نجاسته سابقاً، فالمرجع قاعدة الطهارة حتى على القول باعتبار خبر العدل.

و توضيح ذلك أنه مع العلم بوقوع المطهر و دوران أمره بين أن يكون وقوعه بعد وقوع المنجس المشهود به في الشهادتين أو وقوعه قبله يكون المقام من موارد تعاقب‌

297

[لو قال أحدهما إنه نجس، و قال الآخر إنه كان نجساً و الآن طاهر فالظاهر عدم الكفاية]

(مسألة 9) لو قال أحدهما: إنه نجس، و قال الآخر: إنه كان نجساً و الآن طاهر، فالظاهر عدم الكفاية و عدم الحكم بالنجاسة (1).

____________

الحالتين للشي‌ء مع الشك في المتقدم و المتأخر؛ و ذلك لأن كلًا من الشاهدين يشهدان على أن قطرة من الدم أصابت الماء القليل، و القطرة من الدم المخبر بها في خبر أحدهما هي المخبر بها في كلام الآخر منهما، غاية الأمر أنهما يختلفان في زمان وقوعها، فأحدهما يقول إنه كان أول الليل و يقول الآخر أنه وقع في منتصف الليل، و المفروض أن المطهر قد وقع قبل منتصف الليل، فيكون استصحاب عدم وقوع المطهر إلى زمان وقوع المنجس موجباً لنجاسته و استصحاب بقاء طهارته قبل منتصف الليل، أي حين وقوع المطهر موجباً لطهارته فعلًا فيتعارضان و يرجع إلى أصالة الطهارة حتى على القول باعتبار خبر العدل.

و حديث أن استصحاب بقاء نجاسته الحاصلة في أحد الزمانين من استصحاب الفرد المردد قد تقدم الكلام فيه و أشرنا في المقام من أنه من قبيل استصحاب الحالة في تعاقب الحالتين الذي يدخل في استصحاب القسم الثاني من الكلي فيما كانت تلك الحالة موضوعاً للحكم أو بنفسها حكماً، و أما إذا علم بعد وقوع المطهر عليه بعد ذلك الوقوع المنجس، فالنجاسة الفعلية للماء المزبور محرزة بالبينة التي ذكرنا أن الاختلاف في زمانه لا يضر باعتبارها بخلاف ما إذا احتمل وقوع المطهر، فإنه في الفرض يكون استصحاب عدم وقوع المطهر بعد وقوع المتنجس المحرز بالبينة مقتضاه النجاسة الفعلية، و بما ذكرنا يظهر أنه يمكن إرجاع قوله (لجريان الاستصحاب) إلى كلا الفرضين في كلامه فتدبر.

(1) كان نظره (قدس سره) في التفرقة في الحكم بين هذه المسألة و المسألة السابقة أن كلًا من الشاهدين يخبران عن وجوب الاجتناب الفعلي في المسألة المتقدمة، و بذلك‌

298

[إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى]

(مسألة 10) إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة، و كذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه، بل و كذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية (1)، أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته.

____________

يدخل خبرهما في البينة بخلاف هذه المسألة فإنهما يختلفان في وجوب الاجتناب فعلًا و عدمه فلا يثبت بهما وجوب الاجتناب حتى على القول باعتبار خبر العدل، و لكن لا يخفى أنه إذا فرض تعدد الواقعة فالتفرقة المزبورة لها وجه بناءً على اعتبار البينة في إخبارها عن الحكم أيضاً.

و أما مع وحدة الواقعة و اعتبار البينة في الموضوع كما ذكرنا يتعين الحكم بالنجاسة الفعلية؛ لأن كلًا منهما يخبران عن وقوع قطرة من البول في الماء القليل المفروض، و ذلك الوقوع في كلام أحدهما بعينه مخبر به في كلام الآخر أيضاً فتثبت نجاسة الماء.

و أما قول أحدهما فالآن طاهر خبر عدل، و المفروض أنه لا يعتبر كما لا يخفى.

و الحاصل يرجع في المقام إلى استصحاب النجاسة الثابتة بقولهما بوقوع البول فيه، و الأمر كذلك حتى بناءً على اعتبار خبر العدل حيث مع تعارض خبر أحدهما بطهارة الماء فعلًا مع خبر الآخر منهما بنجاسته يتساقطان فيرجع إلى استصحاب النجاسة السابقة الثابتة بقول أحدهما بلا معارض، و كذلك الحال في فرض وحدة الواقعة حيث يحتمل بقاء النجاسة الثابتة بقول كل واحد منهما كما لا يخفى.

إخبار ذي اليد‌

(1) و ذلك لقيام السيرة المتشرعة على الاعتناء بإخبار ذي اليد بنجاسة ما يكون تحت سلطانه و يده.

299

[إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته]

(مسألة 11) إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته (1)، نعم لو قال أحدهما: إنه طاهر، و قال الآخر: إنه نجس تساقطا، كما أن البيّنة تسقط مع التعارض، و مع معارضتها بقول صاحب اليد تقدّم عليه.

____________

و دعوى أنه لم تثبت السيرة فيما إذا كان لما في اليد إرادة مستقلة يدفعها عدم الفرق في سيرتهم بين إخبار المولى بنجاسة يد عبده أو أمته، و بين إخباره بنجاسة ثوبهما فإنه إن لم يعتبر خبر المالك في الأول لم يعتبر في الثاني أيضاً، نعم الاعتبار ما لم يعارض بإخبار العبد أو الأمة بالطهارة حيث إن إخبارهما بطهارة بدنهما أو ثوبهما لا يقصر في الاعتبار من إخبار سائر الناس بطهارة ما في أيديهم، اللهم إلّا أن يكون المراد بذي اليد هو المتصرف في الشي‌ء و استعماله بنحو يمكن أن تقع عليه النجاسة، و هذا لا يتحقق بالإضافة إلى ما يكون له إرادة و اختيار كالعبد و الولد و الزوجة فإن ارتكاز المتشرعة على عدم الفرق بين العبد و الولد و الزوجة و كما لا يعتبر إخبار الأب و الأُم أو الزوج بالإضافة إلى تنجس يد الولد الكبير و الزوجة كذلك لا يعتبر بالإضافة إلى يد العبد و الأمة، و كذلك الحال بالإضافة إلى ثيابهم التي لا يستعملها غير العبد و الأمة و غير الولد و الزوجة كما لا يخفى.

(1) فإن السيرة المتشرعة على سماع إخبار ذي اليد بالنجاسة بلا فرق بين كون يده مستقلة أو مشتركة، و من هنا يسمع إخبار من يكون من أهل بيت في إخباره عن نجاسة أثاثه، نعم يعتبر عدم تعارض خبره بالنجاسة بخبر الآخر بالطهارة، و إلّا تساقطا كما هو الحال في البينة أيضاً، حيث تسقط مع المعارضة ببينة أُخرى على الطهارة، و إذا تعارض قول صاحب اليد بالبيّنة تقدّم البيّنة على ما تقدم في بحث ثبوت نجاسة الماء من أن المستفاد مما ورد في القضاء من سماع بينة مدعي الملك، و لزوم الأخذ بها في مقابل قول ذي اليد بأن المدعي غير مالك، و أن العين ملكه، و بتعبير آخر اعتبار قول ذي‌

300

[لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلًا]

(مسألة 12) لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلًا بل مسلماً أو كافراً.

[في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبياً إشكال]

(مسالة 13) في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبياً إشكال، و إن كان لا يبعد إذا كان مراهقاً (1).

[لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال]

(مسالة 14) لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال (2) كما قد يقال، فلو توضأ شخص بماء مثلًا و بعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه، و كذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده، فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان، و مع الشك في زوالها تستصحب.

____________

اليد في النجاسة نظير اعتبار قوله في دعوى الملك.

(1) لا يبعد دعوى ثبوت السيرة إذا كان الصبي مميزاً يعرف النجاسة و الطهارة بلا فرق بين المراهق و غيره، كما لا يبعد عموم تلك السيرة بين كون ذي اليد عادلًا أو فاسقاً، بل مسلماً أو كافراً بحيث يعرف الطهارة و النجاسة في دين المسلمين، و ما ورد في عدم سماع قول المشرك بل الكافر في الإخبار عن التذكية لا يرتبط باعتبار خبره عن النجاسة.

(2) للسيرة المشار إليها و ما تقدم من رواية عدم إعادة الصلاة فيما إذا أخبر صاحب الثوب بعدها بأنه لا يصلّى فيه (1) لا يدل على عدم اعتبار قوله بعد الاستعمال فإن عدم الإعادة لكون المورد من موارد حكومة حديث: «لا تعاد» (2) و أن النجاسة الواقعة للثوب حال الصلاة غير مانعة عنها كما تدل عليه صحيحة زرارة و غيرها.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

301

..........

____________

و أما اعتبار قول من كان صاحب اليد و إن كان خبره عن نجاسة كانت زمان كونه ذا يد فإثبات السيرة مشكل، حيث يقال إن الإخبار عن النجاسة في المقام من صغريات القاعدة العقلائية بأن من ملك شيئاً ملك الإقرار به.

و على الجملة فلم تثبت السيرة على قبول قول من كان ذا اليد إلّا إذا كان ثقة فإن خبر الثقة معتبر بالسيرة سواء كان ذا اليد أو غيره، و أما مع كونه ثقة فالاعتبار غير محرز بلا فرق بين اليد القريبة و البعيدة و إن قيل بالاعتبار فيهما أو في القريبة كما إذا باع شيئاً ثمّ أخبر بنجاسته فإن السيرة مع عدم الوثوق غير ثابتة.

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

303

فصل في كيفية تنجس المتنجسات

يشترط في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية (1)، فإذا كانا جافَّين لم ينجس و إن كان ملاقياً للميتة، و لكن الأحوط غسل ملاقي ميت الإنسان قبل الغسل و إن كانا جافين، و كذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية، ثمّ إن كان الملاقي للنجس أو المتنجس مائعاً تنجس كلّه، كالماء القليل المطلق و المضاف مطلقاً و الدهن المائع و نحوه من المائعات، و إن كان الملاقي جامداً اختصت النجاسة بموضع الملاقاة، سواء كان يابساً كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءاً منه، أو رطباً كما في الثوب المرطوب أو الأرض المرطوبة فإذا وصلت النجاسة إلى جزء من الأرض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به و إن كان فيه رطوبة مسرية، بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة، و من هذا القبيل الدهن و الدبس الجامدين، نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثمّ اتصل تنجس موضع الملاقاة منه فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة و السراية، بخلاف الاتصال بعد الملاقاة و على ما ذكر فالبطيخ و الخيار و نحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزءاً منها لا تتنجس البقية، بل يكفي غسل موضع الملاقاة إلّا إذا انفصل بعد الملاقاة ثمّ اتصل.

____________

كيفية التنجس‌

(1) المراد من الرطوبة المسرية أن يكون في كل منهما أو في أحدهما أجزاء مائية عرفاً بحيث ينتقل بالملاقاة من أحدهما إلى الثاني، و يقابلها الرطوبة غير المسرية و هو أن يكون فيهما أو في أحدهما نداوة تحسب عرضاً لهما أو لأحدهما من غير أن يكون لها وجود مستقل عرفاً، و هذه النداوة و إن تسري إلى ملاقيه مع طول الملاقاة و لكن لا تكون عند العرف إلّا من انتقال عرض إلى معروض آخر، كالفراش على الأرض‌