تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
304

..........

____________

الندية حيث مع طول البسط أو الوضع من حيث الزمان يكسب الفراش النداوة من الأرض، و من ذلك الرطوبة التي تسري إلى جدران المسجد الذي يكون مجاوراً للكنيف و البالوعة التي تكون نجسة.

و العمدة في كون الرطوبة بالنحو الأول تكون موجبة للنجاسة دون الثاني، الارتكاز بأن الثاني لا يوجب تقذر الطاهر الملاقي، و في صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذه؟ قال: «يغسل ذكره و فخذيه» (1).

و في صحيحة البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و إن مسه جافاً فاصبب عليه الماء» (2).

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه وطئ على عذرة يابسة فأصاب ثوبه فلما أخبره قال: أ ليس هي يابسة؟ فقال: بلى، فقال: لا بأس (3).

و على الجملة بقرينة الارتكاز المشار إليه المراد باليابس ما لا ينتقل الأثر إلى الطاهر، بحيث يحتاج في الإزالة إلى غسل ذلك الطاهر فالرطوبة التي يعبر عنها في لغة الفرس ب‍ (نم داشتن) لا يوجب التنجس، و إنّما يوجبه إذا قيل في تلك اللغة (خيس هست).

و لو اغمض النظر عن الارتكاز فلا يستفاد من الجمود على الروايات إلّا عدم التنجس مع عدم الرطوبة بحيث يقال إنه يابس، و في موثقة أبي بكير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: «كل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 441، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 1: 225، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 3: 444، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 14.

305

..........

____________

شي‌ء يابس ذكي» (1) و لا يبعد صدق اليابس مع النداوة التي لا تكون مسرية بالمعنى المتقدم حيث يقال- عرفاً- إن الثوب يبس و لكن فيه النداوة و هي التي لا تكون مسرية.

و مما ذكرنا يظهر أنه لا مجال للقول بأن إطلاق الأمر بالغسل في ملاقي النجاسات يرفع اليد عنه في صورة الجفاف، أي ما لا رطوبة فيهما و لا في أحدهما أصلًا بقرينة قوله (عليه السلام): «كل يابس ذكي» و يبقى غير تلك الصورة تحت الإطلاق.

ثمّ إنه قد تقدم نجاسة الماء القليل و المضاف مطلقاً أي بلا فرق بين قليله و كثيره بملاقاة النجاسة و كذلك سائر المائعات التي لا يطلق عليها الماء لا مطلقاً و لا مضافاً كالدهن المائع.

و ذكرنا أن المضاف أو المائع مع وحدته عرفاً يتنجس جميعه بملاقاة موضع منه للنجاسة إلّا إذا كان لموضع الملاقاة ميز كالجاري من العالي بالدفع بل بغيره، و هذا بخلاف الجامد فإنه يختص النجاسة بموضع الملاقاة.

و في مصححة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فإن كان جامداً فألقها و ما يليها، و إن كان ذائباً فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» (2).

و في موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: «إن كان جامداً فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي، و إن كان ذائباً فاسرج به و أعلمهم إذا بعته» (3).

إلى غير ذلك مما يستفاد منه أن الجامد و لو مع الرطوبة المسرية في جميعه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 17: 97، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

(3) المصدر السابق: 98، الحديث 3.

306

[إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة]

(مسألة 1) إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة، و أما إذا علم سبق وجود المسرية و شك في بقائها فالأحوط الاجتناب (1)، و إن كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه.

____________

تختص النجاسة فيه بموضع الملاقاة فلا يكون الاتصال بموضع الملاقاة و لو مع الرطوبة المسرية في تمام الشي‌ء موجباً لتنجسه بجميعه، بل يكون التنجس في موضع الملاقاة خاصة.

نعم، إذا انفصل موضع المتنجس عن موضع الطاهر ثمّ حصل الاتصال يحكم بنجاسة موضع الاتصال من الطاهر، حيث إن ذلك الموضع مما أصابه القذر و الفرق بين فرضي الاتصال حال الملاقاة و بين الاتصال بعد الانفصال أنه لو كان الاتصال بعد الانفصال يدخل الاتصال المزبور في موضوع أدلة التنجيس حيث إن موضع الطاهر يلاقي رطوبة مع رطوبة الموضع المنفصل من سطحهما و يكون الطاهر مما أصابه القذر كما لا يخفى.

(1) لا بد من الالتزام بكون الاحتياط استحبابياً، و ذلك فإن إحراز الرطوبة المسرية الحاصلة قبل ذلك يجدي إذا قيل بأن الموضوع للتنجس هو ملاقاة الطاهر للنجس مع الرطوبة المسرية في أحدهما أو كلاهما، أو قيل بأن الموضوع له و إن كان تأثر أحدهما من الآخر إلّا أن إثبات نجاسة الطاهر باستصحاب الرطوبة المسرية لا يكون من الأصل المثبت لخفاء الواسطة.

و لكن لم يتم شي‌ء من الوجهين فإن الارتكاز المشار إليه آنفاً قرينة على أن التنجس عبارة عن تأثر الطاهر من النجس و هكذا ما كان في بعض الروايات من أن كل يابس ذكي، و ذكرنا أنه لا يبعد صدقه مع الرطوبة غير المسرية أيضاً و على ذلك فلو شك في الرطوبة المسرية حال الملاقاة فاستصحابها لا يثبت تأثر الموضوع للتنجس شرعاً.

307

[الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص و إن كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته]

(مسألة 2) الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص و إن كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس، و مجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله، لاحتمال كونها مما لا تقبلها، و على فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات (1).

____________

و دعوى خفاء الواسطة فقد بين في الأُصول ضعفه حيث إن مع ثبوت الارتكاز العرفي و فهمهم لا معنى لخفائها و مع عدمه فلا معنى للقول بأن الموضوع للتنجس هو التأثر و في صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن الدود يقع من الكنيف على الثوب، أ يصلّى فيه؟ قال: «لا بأس إلّا أن ترى أثر فتغسله» (1) و ظاهر رؤية الأثر في الثوب و لو كان ذلك الأثر الرطوبة الكامنة في الدود بمروره على العذرة فتكون دالة على أن تنجس الثوب موضوعه تأثره بالنجس أو المتنجس.

و دعوى أن التأثر يعتبر فيما إذا كانت الرطوبة المسرية في النجاسة خاصة، و أما إذا كانت في الطاهر الملاقي فقط فيكفي في التنجس الملاقاة مع تلك الرطوبة مدفوعة بأن تأثر الطاهر انتقال بعض رطوبته إلى النجس بمقتضى الارتكاز المتقدم و يعبر عن الانتقال في الصورتين بالسراية.

الذباب الواقع على النجس‌

(1) لا يخفى أنه لو قيل بتنجس بدن الحيوان و إن مطهره زوال عين النجاسة عن عضوه الحامل للعين، يتعين في فرض الشك في زوال العين و الرطوبة المسرية في الثوب أو غيره أن يحكم بتنجسه؛ لأن تأثر رطوبة الثوب من عضو الحيوان الملاقي له محرز، و مقتضى الاستصحاب بقاء ذلك العضو على نجاسته و هذا بخلاف القول بأن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 526، الباب 80 من أبواب النجاسات.

308

..........

____________

النجس هو العين على عضو الحيوان و عضوه لا يتنجس بها، فإن استصحاب بقاء العين على عضوه لا يثبت ملاقاة الثوب لتلك العين.

نعم، قد يقال بأنه يحكم بطهارة الثوب على القولين للقطع بأن الثوب في الفرض لم ينفعل بنفس عضو الحيوان فإنه لو كانت العين حال الملاقاة على عضوه موجودة فملاقاة الثوب تلك العين سابق على ملاقاته نفس الثوب فينجس بالسبب السابق دون نفس العضو؛ لأن المعلول يستند إلى علته السابقة مع تحقق العلل، و إن لم تكن العين على عضوه زمان الملاقاة فلا تنجس للثوب لطهارة عضو الحيوان بزوال تلك العين التي كانت عليه.

و على الجملة لا فرق بين القولين في أن المرجع في الفرض أصالة الطهارة و لكن لا يخفى ما فيه، فإن إثبات الموضوع بالأصل لا يثبت حدوث الحكم بحدوثه و لا يكون للموضوع تأثير في الحكم؛ لأنه ليس من السبب بل الحكم أمر اعتباري يثبت بالاعتبار فالاستصحاب في الموضوع يحرز به ثبوت الحكم، و أما حدوثه بما ذا فلا شأن للاستصحاب في ذلك، أ لا ترى أنه علم بنجاسة أحد المائعين و بطهارة الآخر منهما ثمّ علم بحدوث حالة في أحدهما فإنه إما طهر المتنجس منهما أو تنجس الطاهر منهما، فإنه إذا فرض ملاقاة أحدهما للآخر بعد ذلك يحكم بنجاسة الملاقي لما هو نجس بالاستصحاب، مع أنا نعلم بأنه لم تحدث النجاسة في الملاقي بالكسر بهذه الملاقاة فإن مستصحب النجاسة لو كان نجساً في الواقع فنجاسة ملاقيه كانت من قبل حين حدوث تغير في أحدهما، و لو كان طاهراً فالملاقي للطاهر أيضاً طاهر.

و الجواب في الفرعين واحد و هو ما تقدم من شأن الاستصحاب في الموضوع بثبوت الحكم لا حدوثه بحدوثه و تأثيره في حكمه.

309

..........

____________

و قد يقال: إنّ التفصيل بين القول بتنجس بدن الحيوان أو عدم تنجسه في الحكم بنجاسة الثوب في الفرض و عدم الحكم بتنجسه كان مبنياً على القاعدة الأولية المستفادة من الروايات العامة، و لكن المستفاد من بعض الروايات الواردة في سؤر الحيوان عدم الفصل في الحكم، بل يحكم إما بطهارة الثوب على القولين أو بنجاسته على القولين فإنه (سلام اللّٰه عليه) قد ذكر في موثقة عمار الساباطي بطهارة سؤر الحيوان إلّا أن ترى في منقاره دماً (1).

و ظاهر رؤية الدم في منقاره حال شربه الماء، و المراد بالرؤية العلم للقطع بعدم دخالة خصوصية للرؤية، فإن كان المراد بالعلم الوجداني فالاستصحاب لا يثبت العلم الوجداني فيحكم بطهارة الملاقي في فرض احتمال بقاء عين النجاسة التي كانت على عضو الحيوان، و إن كان المراد مطلق العلم و لو ما كان مقتضى الاستصحاب يكون الموضوع للنجاسة الملاقى بالفتح بحسب الظاهر هو إحراز عين النجاسة على عضوه الملاقي و لا يحتاج إلى إثبات أن الطاهر قد لاقى تلك العين التي على عضوه.

أقول: قد تقدم أن العلم في الموثقة قد ذكر طريقاً و أن مدلولها أن جوارح الطير كغير جوارحه طاهرة في نفسها، و لا تكون مباشرتهم الماء و غيره موجباً لانفعاله، و إنّما النجاسة فيها تكون في العين التي قد تحمل بعض أعضائها كالدم في منقارها فأخذ العلم طريقاً معناه أنه قد ذكر في الخطاب من غير أن يؤخذ في ناحية الموضوع ثبوتاً، و لو سلم أن المذكور فيها حكم ظاهري للماء الذي يشرب منه جوارح الطير و أنه يحكم بنجاسته مع العلم بالدم في منقارها، و لو كان العام تعبدياً فهي معارضة بصحيحة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

310

[إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه و إلقاء ما حوله]

(مسألة 3) إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه و إلقاء ما حوله (1)، و لا يجب الاجتناب عن البقية، و كذا إذا مشى الكلب على الطين فإنه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله إلّا إذا كان وحلًا، و المناط في الجمود و الميعان أنّه لو اخذ شي‌ء منه فإن بقي مكانه خالياً حين الأخذ- و إن امتلأ بعد ذلك- فهو جامد، و إن لم يبق خالياً أصلًا فهو مائع.

____________

علي بن جعفر المتقدمة الواردة في الدود يقع على الثوب من الكنيف (1)، فإن ظاهرها الحكم بالطهارة إلّا مع العلم بتأثر الثوب.

و على الجملة فلا موجب لرفع اليد عن التفصيل المتقدم الذي تقتضيه القواعد الأولية.

تنجّس الجامد‌

(1) قد تقدم أن المائع فيما إذا أصاب النجس موضعاً منه تنجس جميعه، و أما الجامد فلا يتنجس إلّا موضع الملاقاة منه، و المراد بالمائع مقابل الجامد، و ذكروا أن الجامد أنه إذا أُخذ منه شي‌ء يبقى موضعه خالياً و إن زال الخلو بعد ذلك و لو بزمان قصير، بخلاف المائع فإنه إذا أخذ منه شي‌ء فمجرد الأخذ يزول الخلو عن موضع الأخذ.

و المذكور في الروايات التفصيل بين الزيت و السمن و العسل تارة، كرواية إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمان عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: «أما الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبين له فيبتاع للسراج، و أما الأكل فلا، و أما السمن فإن كان ذائباً فهو كذلك، و إن كان جامداً و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثمّ لا بأس به، و العسل كذلك إذا كان جامداً» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 526، الباب 80 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة 17: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

311

..........

____________

و يمكن أن يكون وجه التفصيل ما قيل من أن الزيت و الأصل منه أخذه من الزيتون لا ينجمد و يكون مائعاً بخلاف السمن بل العسل فإنه يحصل فيهما الانجماد؛ و لذا ذكر فيهما التفصيل بين ذوبانهما و جمودهما.

و بهذا يتحد في المضمون مع سائر الروايات الوارد فيها التفصيل بين الذوبان و الجمود بلا فرق بين الزيت و السمن و العسل حيث يحمل الزيت فيها على المأخوذ من غير الزيتون و من الدالة على التفصيل بين الزيت و السمن و العسل صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل، فقال: «أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به» (1) و لكن قد ورد في بعض الروايات عدم الفرق بين الزيت و غيره.

و في مصححة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامداً فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و إن كان ذائباً فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك» (2).

و في صحيحة الحلبي عن الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب، فتموت فيه، فقال: «إن كان سمناً أو عسلًا أو زيتاً فإنه ربّما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و إن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، و إن كان ثرداً فاطرح الذي كان عليه و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت فيه» (3).

و ما في ذيل الصحيحة من طرح الذي كان عليه يحمل على وقوع مثل الخنفساء‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 97، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 1: 205- 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف و المستعمل، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 24: 195، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 3.

312

[إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعرق لا يسري إلى سائر أجزائه إلّا مع جريان العرق]

(مسألة 4) إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعرق لا يسري إلى سائر أجزائه إلّا مع جريان العرق (1).

____________

مما يحرم أكله، و لكن لا ينجس الطعام و الشراب جامداً كان أو مائعاً.

و على الجملة يؤخذ بالروايات المفصلة بين جمود السمن و العسل و بين ذوبانهما فإنهما مع ذوبانهما يتنجس كله كسائر المائع، و يكون المراد بالزيت في الروايات التي ذكر فيها مع السمن و العسل و لكن أمر بالاستصباح به من غير تفصيل، و لكن قيد السمن و العسل بالتفصيل على الزيت بالأصالة بخلاف ما ذكر فيه: أن الزيت مثل العسل و السمن، فإنه يحمل على الزيت من غير الزيتون.

و ربّما يقال إن العسل و السمن حتى في الصيف يكون لهما غلظة بحسب العادة، و لا يكونان مثل سائر المائعات كاللبن، غاية الأمر تكون غلظتهما في الشتاء أشد و عليه فحكمه (سلام اللّٰه عليه) بتنجس السمن و العسل في الصيف شاهد بأن المراد بالجامد ليس ما ذكر الماتن من أنه لو أخذ منه بقي مكانه عند الأخذ خالياً، بخلاف المائع فإنه بمجرد الأخذ لا يبقى مكانه خالياً أصلًا، بل المراد مرتبة من الكثافة و الغلظة بحيث تمنع عن السراية فيكون المراد بالمائع مقابله، و عليه فلو أخذ من السمن مقداراً و بقي حين الأخذ مكانه خالياً و لكن عاد سطحه إلى التساوي و لو بعد حين فهو مائع بخلاف الجامد.

أقول: الوارد في الروايات الذائب فلا يصدق عليه الذائب على ما يكون مكان المأخوذ منه عند الأخذ خالياً، فالتفصيل بين الجامد و غيره بما ذكر في المتن متعين و يمكن فرض ما ذكر في العسل أيضاً، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

سريان النجاسة‌

(1) المراد جريانه من الموضع المتنجس أو من غيره فإنه لو كان العرق كثيراً متصلًا بعضه ببعض نظير الماء المتصل فيكفي في تنجس البقية و سائر الأعضاء التي يكون العرق‌

313

[إذا وضع إبريق مملوّ ماءً على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب]

(مسألة 5) إذا وضع إبريق مملوّ ماءً على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب (1)، يخرج منه الماء، فإن كان لا يقف تحته بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الإبريق من الماء، و إن وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجس، و هكذا الكوز و الكأس و الحب و نحوها.

[إذا خرج من أنفه نُخاعة غليظة و كان عليها نقطه من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله]

(مسألة 6) إذا خرج من أنفه نُخاعة غليظة و كان عليها نقطه من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله (2)، من سائر أجزائها، فإذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف لا يجب غسله، و كذا الحال في البلغم الخارج من الحلق.

____________

المتصل عليها بمجرد الملاقاة، و لا يكون التنجس فيما إذا كان العرق من قبيل الرطوبة المسرية على الأعضاء من غير أن يكون بصورة القطرات المتصلة بعضها ببعض.

(1) إذا كان الثقب في أسفل الإبريق بحيث يخرج الماء منه بدفع وقوه و يرسب في الأرض لرخوتها أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الإبريق حتى ما إذا كان أسفل الإبريق مماساً للأرض المتنجسة فإن وقوع الماء مع خروجه عن الإبريق بدفع و قوة نظير وقوع مائه على اليد النجسة لا يوجب سراية النجاسة على ما تقدم، و ذكرنا أن ذلك ليس لتعدد الماءين عرفاً فإنهما واحدان، بل ما دل على التنجس منصرف عن هذا الفرض.

و أما إذا كان الماء يقف تحت الإبريق بأن يكون الماء الواقف المتنجس مماساً لماء الإبريق بذلك الثقب فظاهر المتن تنجس ما في الإبريق، و لكن يمكن أن يقال إن مجرد وقوفه تحت الإبريق لا يمنع عن الدفع و القوة في الخارج ما لم يتقارب سطح ما في الإبريق إلى سطح الماء الواقف فتدبر.

(2) لما تقدم من أن غير المائع لا يتنجس بالملاقاة إلّا موضعها، و إذا شك في ملاقاة الدم أو ذلك الموضع لظاهر الأنف فمقتضى الاستصحاب عدم ملاقاة ظاهره للنجاسة.

314

[الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه]

(مسألة 7) الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه (1)، و لا يجب غسله و لا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن.

____________

(1) قد تقدم أن الرطوبة المسرية شرط تنجس الطاهر بملاقاة النجاسة أو المتنجس و عليه فلا يتنجس الثوب بالتراب المتنجس في الفرض، نعم يستفاد من صحيحة علي بن جعفر أن الصلاة فيه غير جائزة إلّا مع نفضه و إخراج التراب المتنجس منه، قال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه و رأسه، يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ قال: «نعم ينفضه و يصلّي فلا بأس» (1).

نعم، لا دلالة لها على المنع لسائر الحمل كما إذا وضع وصلة متنجسة في جيبه و صلى، و على ذلك فإن نفض و شك في بقاء التراب المتنجس و كان شكه في مقدار ذلك التراب أنه الأقل أو الأكثر فلا بأس بالصلاة في ذلك الثوب لأصالة عدم التراب المتنجس الزائد، و لا يجري استصحاب بقاء التراب المتنجس فإنه من استصحاب القسم الثالث من الكلي، و إن كان مقداره معلوماً و شك في خروج تمام ذلك المقدار فلا بأس باستصحاب ذلك المقدار، فإنه من قبيل استصحاب الشخص و يترتب على هذا الاستصحاب عدم جواز الصلاة فيه.

نعم، لا يترتب على هذا الاستصحاب تنجس ملاقيه كما إذا وضع الثوب المزبور في ماء قليل فإنه لا يحكم بنجاسة ذلك الماء؛ لأن استصحاب التراب السابق لا يثبت ملاقاة الماء بذلك التراب على غرار ما تقدم في استصحاب بقاء العين في بدن الحيوان حال ملاقاته الماء.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 443، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

315

[لا يكفي مجرّد الميعان في التنجس]

(مسألة 8) لا يكفي مجرّد الميعان في التنجس بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر، و بعبارة أُخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين، فالزئبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس و إن كان مائعاً (1)، و كذا إذا أُذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا ينجس إلّا مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج.

[المتنجس لا يتنجس ثانياً]

(مسألة 9) المتنجس لا يتنجس ثانياً و لو بنجاسة أُخرى (2)، لكن إذا اختلف

____________

(1) المراد أن ميعان الزئبق لا يكون كميعان السمن و الدهن و العسل و غيرها من المضاف، بل و لا يكون من الرطوبة المسرية فلا تكون ملاقاته النجاسة أو المتنجس موجباً لتنجسه، بل لو كان في أحدهما رطوبة مسرية أو أصاب الزئبق الرطوبة الخارجية تنجس موضع ملاقاته النجاسة، و كذا الحال في سائر الفلزات المذابة فإنها تعد من الجوامد فلا تسري النجاسة من موضع منه إلى سائر مواضعها.

و على الجملة المائع الذي لا يتأثر بملاقاة يابس كالجامد اليابس، نعم لو تنجس موضع من الفلز قبل ذوبه أو حال ذوبانه فمع استمرار ذوبانه بعد الملاقاة و إن لا يتنجس سائر مواضعه كما ذكرنا إلّا أنه بعد ذلك غير قابل للتطهير و لو بالغسل؛ لعدم إمكان إحراز أن الموضع المتنجس منه قد غسل لاحتمال صيرورة الموضع المتنجس منه في باطن الفلز، و أما سراية النجاسة إلى جميع أجزائه كما في ظاهر التنقيح (1) فلم يظهر له وجه.

المتنجس لا يتنجس ثانياً‌

(2) و الوجه في ذلك أن نجاسة الشي‌ء بمعنى انتقاض طهارته غير قابل للتعدد، و عليه فلو أصاب الثوب بولًا ثمّ أصابه البول مرة أُخرى فلا تتعدد نجاسة الموضع الذي‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 216.

316

حكمهما يرتب كلاهما، فلو كان لملاقي البول حكم، و لملاقي العذرة حكم آخر، يجب ترتيبهما معاً؛ و لذا لو لاقى الثوب دم ثمّ لاقاه البول يجب غسله مرتين، و إن لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم و قلنا بكفاية المرة في الدم، و كذا إذا كان في إناء ماء نجس ثمّ ولغ فيه الكلب يجب تعفيره و إن لم يتنجس بالولوغ و يحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدة و الضعف و عليه فيكون كل منهما مؤثراً و لا إشكال.

____________

أصابه البول مرتين، و هذا مما لا ينبغي التأمل فيه، و إنّما الكلام فيما إذا أصابه منجس من نوع آخر فإن لم يكن لذلك النوع الآخر حكم خاص فالأمر كما تقدم، كما إذا أصاب الثوب البول ثمّ أصاب ذلك الموضع الغسالة المتنجسة، و إنّما الكلام فيما كان لما أصابه ثانياً حكم خاص كما إذا أصاب الثوب الماء المتنجس أولًا ثمّ أصاب ذلك الموضع البول، فظاهر العبارة أن إصابة البول لا يوجب في الفرض نجاسة الثوب، و لكن يجري عليه حكم التنجس بالبول فيجب غسله مرتين و عليه فيشكل الأمر بأن الغسل مرتين مطهر للنجاسة الحاصلة للثوب بإصابة البول و المفروض أن النجاسة لم تحصل للثوب في الفرض بإصابته.

و قد يقال في الجواب إن ما ورد في لزوم غسل الإناء من الولوغ بالتراب أولًا ثمّ بالماء (1) مقتضى إطلاقه ثبوت هذا الحكم سواء تنجس الإناء بنجاسة أُخرى قبل ذلك أم لا، كما أن ما ورد في غسل الثوب مرتين بإصابة البول إياه (2) مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين تنجس الثوب قبل ذلك بنجاسة أُخرى و عدمه فاللازم الأخذ بالإطلاق برعاية ما له حكم خاص.

و فيه أن ما ورد في غسل الثوب من نجاسة البول مرتين و الإناء من ولوغ الكلب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 516، الباب 70 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة 3: 395 و 396، الباب الأول، الحديث 1 و 2 و 7.

317

..........

____________

بالتراب إرشاد إلى أن تطهير الثوب أو الإناء من النجاسة البولية أو الحاصلة له بولوغ الكلب يكون مطهرهما الغسل مرتين أو الغسل بالتراب، و المفروض أن المتنجس أولًا بالماء المتنجس لا يتنجس ثانياً بإصابة البول؛ لأن نقض الطهارة لا يتكرر و ينحصر الدفع بأن للنجاسة مراتب بالشدة و الضعف، فيمكن أن يكون المتنجس بالماء المتنجس أولًا متنجساً بمرتبة أُخرى بولوغ الكلب أو إصابة البول و هكذا.

و أما ما ذكر في المستمسك من أن عدم تنجس المتنجس ثانياً مخالف لأصالة عدم التداخل المتسالم عليه عند أكثر المحققين، فإن مقتضاها أن يحصل مع كل ملاقاة نجاسة أُخرى للشي‌ء غير النجاسة التي حصلت بملاقاة أُخرى، و مقتضى تعدد النجاسة تعدد المطهر و العمدة في التداخل ظهور الاتفاق عليه (1) فلا يمكن المساعدة عليه.

و ذلك فإن أصالة عدم التداخل فيما إذا كان الحكم المترتب على كل شرط قابلًا للتكرار و ذكرنا أن نجاسة الشي‌ء بمعنى انتقاض طهارته غير قابل للتكرار فقوله (عليه السلام):

«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2) إرشاد إلى انتقاض طهارة الثوب بإصابة البول و أن مطهره الغسل فلا يفرق في طهارته بغسله بين إصابة البول إياه مرة أو مرات فلا حاجة في المقام إلى التشبث بالإجماع، بل الإجماع مدركي مستفاد من الروايات الظاهرة فيما ذكرنا.

نعم، يمكن أن يكون لطهارة الشي‌ء مراتب أو أن الطهارة من الخبث كالطهارة من الحدث، و كما أنه يمكن أن تنتقض الطهارة من الحدث الأصغر و لا تنتقض من الحدث‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 476.

(2) وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

318

[إذا تنجس الثوب بما يكفي فيه غسله مرة، و شك في ملاقاته لما يحتاج إلى التعدد يكتفي فيه بالمرة]

(مسألة 10) إذا تنجس الثوب مثلًا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة، و شك في ملاقاته للبول أيضاً مما يحتاج إلى التعدد يكتفي فيه بالمرة (1)، و يبني على عدم ملاقاته للبول، و كذا إذا علم نجاسة إناء و شك في أنه ولغ فيه الكلب أيضاً أم لا، لا يجب فيه التعفير و يبني على عدم تحقق الولوغ، نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم أو إما بالولوغ أو بغيره يجب إجراء حكم الأشد من التعدد في البول و التعفير في الولوغ.

____________

الأكبر كذلك يمكن انتقاض طهارة شي‌ء من الخبث بمرتبة و لا تنتقض بمرتبة أُخرى، و مع انتقاضها بمرتبتين يلزم استعمال ما هو مطهر من كلتا المرتبتين.

و الحاصل العمدة في المقام ما ذكر لا لأن أصالة عدم التداخل تجري في التكاليف بأن تكون طبيعة واحدة تعلق بها أمرين في كل من القضيتين الشرطيتين أو غيرها فإن أصالة عدم التداخل في الأغسال كالحيض و الجنابة و مس الميت الأمر بها إرشادي إلى حصول الحدث المانع عن الصلاة، و أن كل مانع يقتضي رافعاً غير الرافع للحدث الآخر كما لا يخفى.

(1) كأنه لا يجري في الفرض الاستصحاب في تنجس الثوب فإن ما أصابه الدم مطهره غسله مرة، و ما أصابه البول مطهره غسله مرتين، و بعد غسله مرة من إصابة الدم و جريان الاستصحاب في ناحية عدم إصابة البول إياه يحرز طهارته، فإن الشارع قد حكم بطهارة المتنجس بالدم بالغسل مرة إذا لم تصبه نجاسة أُخرى موجبة لتعدد غسله، و مع هذا الأصل الحاكم لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي أي استصحاب بقاء نجاسة الشي‌ء.

و هذا بخلاف ما إذا علم بإصابة البول أو الدم فإن استصحاب بقاء نجاسته بعد غسله مرة يقتضي إحراز طهارته بالغسل مرتين، و استصحاب عدم إصابته البول و إن‌

319

..........

____________

لا يعارض أصالة عدم إصابته الماء المتنجس أو الدم مثلًا؛ لأن الغسل مرة مقطوع به إلّا أنه لا يثبت أنه أصابه الماء المتنجس أو الدم ليطهر بالغسل مرة فالاستصحاب في ناحية بقاء نجاسته محكم.

أقول: عدم جريان الاستصحاب في ناحية بقاء نجاسة الشي‌ء بعد غسله مرة في الفرض الأول، و إن يكون من قبيل استصحاب الشخص لا الكلي حيث إنه بعد غسله مرة يحرز عدم بقاء شدة النجاسة على تقدير إصابة البول أو عدم بقاء حكمه، و يحتمل بقاء أصل النجاسة التي حصلت بإصابة الماء المتنجس أو الدم، إلّا أن مع الأصل الحاكم أي استصحاب عدم إصابة البول لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي؛ لما أشرنا من أن الشارع قد حكم بطهارة كل متنجس بالماء المتنجس بالغسل مرة فيما لم يصبه البول.

و كذا ما إذا علم بأنه أصاب الإناء الولوغ أو غيره، فإن استصحاب عدم الولوغ مقتضاه طهارته بمجرد الغسل فإن الشارع قد حكم بطهارة الإناء من كل متنجس بالغسل كما هو مقتضى موثقة عمار الواردة في أنه كيف يطهر الإناء (1) الذي يكون قذراً، و قد خرج عن حكم الموثقة ما إذا كان تنجسه بالولوغ، و مع استصحاب عدم تنجسه بالولوغ يحكم بطهارته بالغسل من دون تعفير و لا يحتاج إلى إثبات أنه تنجس بغير الولوغ لما تقرر في محله من أن استصحاب عدم عنوان المخصص و المقيد للفرد المشكوك يدخله تحته العام و المطلق.

و هل الحكم كذلك في غير الإناء من سائر الأشياء كالثوب و البدن و غيره فيما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 496، الباب 53 من أبواب النجاسات.

320

[الأقوى أن المتنجس منجّس]

(مسألة 11) الأقوى أن المتنجس منجّس كالنجس (1) لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس فإذا تنجس الإناء بالولوغ يجب تعفيره لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الإناء أوصب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب فيه التعفير

____________

احتمل ما أصابه مما له حكم خاص فهو مبني على ثبوت عموم أو إطلاق بأن كل متنجس يطهر بطبيعي الغسل أو بالغسل مرة إلّا الثوب أو البدن فيما إذا أصابه البول فإنه إن ثبت هذا العموم أو الإطلاق بخطاب أو بغيره فباستصحاب أن الثوب أو البدن أو غيرهما مما هو متقذر لم يصبه البول يحكم بطهارته بالغسل مرة أخذاً بالعموم أو الإطلاق على ما تقدم، و لكن في ثبوت العموم أو الإطلاق كذلك تأمل، و استصحاب أن الثوب أو البدن لم يصبه البول لا يثبت أنه أصابه الماء المتنجس مثلًا.

و عليه فلا بأس باستصحاب بقاء نجاستهما بعد غسلهما مرة بناءً على جريان الاستصحاب في نفس الحكم، و أما بناءً على أنه معارض بعدم اعتبار النجاسة لهما بعد غسلهما مرة يكون المرجع بعد تعارضهما قاعدة الطهارة، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

المتنجس منجّس‌

(1) قد تقدّم أن ملاقاة الطاهر النجاسة مع الرطوبة المسرية موضوع لتنجس ذلك الطاهر بلا فرق بين كون الرطوبة المسرية في النجاسة أو الطاهر أو أصابهما من الخارج و يعبّر عن ذلك بسراية النجاسة و لم يثبت الخلاف في ذلك إلّا إلى المحدث الكاشاني (1) حيث ظاهر كلامه أن التنجس يختصّ بالثوب و البدن، و أمّا غيرهما فلا يتنجس، بل العين الموجودة على الطاهر هي النجس فلا بأس بالطاهر مع إزالتها بأي مزيل. و ذكرنا أن عدم التنجس ربّما يظهر من كلام السيد المرتضى.

____________

(1) مفاتيح الشرائع 1: 75، الوافي 1: 24 (الطبعة القديمة).

321

..........

____________

و كيف ما كان فالقول المزبور ضعيف فتنجس المضاف و الماء القليل و كل الأشياء بملاقاة عين النجاسة مستفاد من الروايات المتفرقة في الأبواب المختلفة، فهل التنجس يختص بملاقاة عين النجاسة أو يعمّ ملاقاة المتنجس؟

و بتعبير آخر المتنجس كالنجس في أن ملاقاة الطاهر إيّاه مع الرطوبة المسرية موضوع أيضاً لتنجس ذلك الطاهر أو يختصّ الموضوع للتنجس بملاقاة النجاسة خاصّة و على الأوّل أي بناءً على تنجس الطاهر بملاقاة المتنجس فهل التنجس يثبت مطلقاً أو فيه تفصيل؟

المشهور على ما قيل ملتزمون بأن المتنجس كالنجس في أن ملاقاته توجب التنجس مع الرطوبة المسرية بلا فرق بين متنجس و متنجس آخر و بلا فرق بين طاهر و طاهر آخر.

و بتعبير آخر كلّ طاهر يحكم بنجاسته بملاقاة النجاسة يحكم بتنجسه بملاقاة المتنجس أيضاً، بل دعوى الإجماع على ذلك واقعة في كلمات جملة من الأعيان كالقاضي في الجواهر (1) و المحقق في المعتبر (2) و الفاضل الهندي في كشف اللثام (3) و غيرهم (قدس سرهم) و عن بعضهم دعوى الضرورة على ذلك و لم ينسب الخلاف في المسألة إلّا إلى المحدث الكاشاني (4) المخالف في المسألة المتقدّمة و إلى ظاهر ابن إدريس حيث ذكر كلاماً في مسألة ملاقاة جسد الميت بعد برده و قبل غسله ما ظاهره عدم تنجس‌

____________

(1) جواهر الفقه: 14. المسألة 30.

(2) المعتبر 1: 350.

(3) كشف اللثام 1: 445.

(4) مفاتيح الشرائع 1: 75، الوافي 1: 24، (الطبعة القديمة).

322

..........

____________

الطاهر بملاقاة المتنجس (1) و لكن لا يخفى أن عدّ تنجس الطاهر بملاقاة المتنجس من الضرورة لو أُريد منه أن التنجس في الجملة من ضروريات الفقه فلا بأس و إلّا فالحكم على الإطلاق غير ثابت كما يأتي فضلًا عن الإجماع أو الضرورة.

و قد ذكر الأغا رضا الاصبهاني (قدس سره) في الرسالة التي وجهها إلى العلامة البلاغي (قدس سره) أنه لم أجد أحداً من المتقدمين يفتي بتنجيس المتنجس فضلًا عن كون ذلك مجمعاً عليه فيما بينهم فإن وجدتم منهم من يفتي بذلك فلتخبرونا بذلك و إلّا لبدلنا ما في منظومة الطباطبائي (قدس سره) (2):

و الحكم بالتنجيس إجماع السلف * * *و شذ من خالفهم من الخلف

إلى:

و الحكم بالتنجيس إحداث الخلف * * *و لم نجد قائله من السلف

و كيف ما كان فلم يثبت في المسألة إجماع و على تقديره فهو مدركي مستفاد من الوجوه الآتية المستدل بها على التنجيس و عمدة تلك الوجوه الروايات:

منها ما ورد في غسل الإناء الذي شرب منه الكلب (3) حيث إن شرب الكلب الماء من إناء يكون عادة من غير ملاقاة فمه و طرف لسانه الإناء، و لو لا أن الماء يتنجس و ينجس الإناء لم يكن وجه لغسل الإناء و تعفيره.

و كذا ما ورد في غسل الإناء من شرب الخنزير الماء منه (4).

____________

(1) السرائر 1: 163.

(2) عنه في التنقيح في شرح العروة 3: 224.

(3) وسائل الشيعة 1: 225، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 3.

(4) المصدر السابق، الحديث 2.

323

..........

____________

و منها رواية العيص بن القاسم التي رواها الشهيد (قدس سره) في الذكرى قال: سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء؟ فقال: «إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه» (1) فإنه لو لا تنجس بدنه أو ثوبه من الوضوء المفروض لما كان وجه للأمر بغسلهما.

و رواية المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء، أمر عليه حافياً؟ فقال: أ ليس وراءه شي‌ء جاف؟

قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً (2)، فإنه لو لا تنجس الرجل من الأرض المتنجسة بالمشي عليها لما كان وجه للسؤال عن وجود أرض يابسة، و ذكر أن تنجس الرجل من بعض الأرض يطهره بعضها الآخر من الأرض.

و موثقة عمار الساباطي عن رجل يجد في إنائه فأرة و قد توضأ من ذلك مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه إلى أن قال الإمام (عليه السلام) في الجواب فعليه أن يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء (3) فلو لا أن الماء المتنجس منجّس لكلّ ما أصابه لم يكن وجه للأمر بالغسل منه.

و ربّما يجاب عن هذه الروايات و أمثالها مع ما في بعضها من ضعف السند أن مدلولها خارج عن مورد الكلام فإن الكلام في تنجيس المتنجس فيما إذا كان المتنجس يابساً و الرطوبة المسرية في الطاهر الملاقي له، و المفروض في الروايات المتقدمة عكس هذا، و أن الرطوبة المسرية في المتنجس و الملاقى الطاهر يابس و لا بأس في‌

____________

(1) الذكرى 1: 84.

(2) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

324

..........

____________

مثله الالتزام بالسراية نعم، لو أنكر أحد السراية في ذلك الفرض أيضاً تكون تلك الرواية حجة عليه.

لا يقال: لا فرق بحسب الارتكاز بين كون الرطوبة المسرية في الطاهر الملاقى أو في المتنجس؛ و لذا لم يفرق في تنجس الطاهر بعين النجاسة بين كون الرطوبة في عينها أو في الطاهر الملاقي لها.

فإنه يقال: عدم الفرق في الطاهر الملاقي لعين النجاسة لوجود ما يدلّ على عدم الفرق و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) سألته عن الفراش يصيبه الاحتلام كيف يصنع به؟ قال: «اغسله و إن لم تفعل فلا تنام عليه حتى ييبس فإن نمت عليه و أنت رطب الجسد فاغسل ما أصاب من جسدك» (1) فإن ظاهرها تنجس جسد الإنسان الرطب الملاقي لموضع المني اليابس من الفراش، و ليس في الروايات المتقدّمة ما يدلّ على عدم الفرق في تنجس الطاهر بملاقاة المتنجس بين كون الرطوبة المسرية في المتنجس أو في الطاهر الملاقي له.

لا يقال: صحيحة علي بن جعفر المتقدمة معارضة بصحيحة أبي اسامة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تصيبني السماء و عليّ ثوب فتبلّه و أنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أ فأُصلّي فيه؟ قال: «نعم» (2).

فإنه يقال: هذه مما دلت على طهارة المني و قد طرحت في مقام المعارضة لموافقتها للتقية هذا لو لم يكن حملها على صورة الشك بإصابة المبتل لموضوع المني‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 443، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) المصدر السابق: 445، الباب 27، الحديث 3.

325

..........

____________

من الجسد كما قيل، و نحوها رواية علي بن أبي حمزة (1) فلا حظها.

أقول: الأظهر ثبوت الارتكاز بعدم الفرق بين الرطوبة المسرية في المتنجس أو في الطاهر الملاقي له كما في الطاهر الملاقي لعين النجاسة، و لو كان منشأ الارتكاز ما صدر عنهم (صلوات اللّٰه عليهم) في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلّي عليه و اعلم موضعه حتى تغسله. و عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثمّ يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة و إن أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطباً فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس و ان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع حتى ييبس (2)، فإن ظاهر ذيلها تنجس الجسد الطاهر الرطب بملاقاة موضع القذر من الأرض و لو كانت قذارة بمثل صب الماء المتنجس.

و على الجملة فالمستفاد من الروايات المتقدمة و لو بملاحظة هذه الموثقة تنجس الطاهر الملاقي للمتنجس و لو في الجملة.

و ربّما يستدلّ على التنجس بملاقاة المتنجس بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلّى عليه؟ قال: «إذا يبست فلا بأس» (3) بناءً على اعتبار اليبس و اشتراطه غير مقيد بكونه بالشمس ليطهر موضع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 445، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 452، الباب 30، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 453- 454، الحديث 2.

326

..........

____________

السجود بل اعتباره لعدم سراية النجاسة إلى جسد المصلي و ثوبه فتكون من قبيل الروايات المتقدّمة.

و نحوها موثقة عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: «إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها» (1).

و لا يخفى أنه لو تمّ الدليل على طهارة موضع السجود يقيد نفي الباس فيهما بما إذا وضع جبهته في السجود على ما يصحّ السجود عليه كما هو الحال في موثقة عمار المتقدمة الدالة على جواز الصلاة على الأرض القذرة مع عدم الرطوبة في الرجل و الجبهة، و هذا ليس بعيداً بحيث يتعين حملهما على صورة الجفاف بالشمس بل الحمل عليه يحتاج إلى ورود القرينة كما لا يخفى.

لا يقال: الصحيحة و الموثقة الأخيرة كافية في الحكم بكون المتنجس منجساً بضميمة ما تقدّم من انفعال الماء القليل بملاقاة القذر سواء كان ذلك القذر عيناً نجسة أو متنجساً و ذلك فإن المستفاد منهما أن الرطوبة المسرية الموجودة في البواري و الحصر يكون منجساً للثوب و البدن و إذا فرض تنجس الثوب و البدن بها فإن لاقى أحدهما بعد جفاف الرطوبة التي أصابهما شيئاً طاهراً مع الرطوبة المسرية فيه فتلك الرطوبة بما أنها ماء فيتنجس بملاقاة ذلك الثوب أو البدن، و المفروض أن الماء المتنجس الموجودة في ذلك الشي‌ء منجس للشي‌ء المزبور أخذاً بما دلّ على أن الماء المتنجس ينجس ما أصابه كما هو المستفاد من موثقة عمار الواردة في ماء حب وجد فيه فأرة متسلّخة (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 454، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

327

..........

____________

فإنه يقال: لا حاجة إلى هذا التطويل بل موثقة عمار المتقدمة الدالّة على عدم جواز الصلاة على الأرض القذرة اليابسة فيما إذا كان بدنه من رجله أو غيرها رطبة كافية في الالتزام بسراية القذارة من الأرض إلى العضو الرطب الملاقي لتلك الأرض اليابسة، بل لو اغمض عن ذلك فلا يمكن إثبات السراية بما ذكر فإنه يمكن الالتزام بتنجيس الرطوبة المسرية التي تكون في الثوب الطاهر أو البدن الطاهر بالملاقاة مع الحصير اليابس، و لكن لا يوجب تنجس تلك الرطوبة تنجس الثوب فإن تنجس تلك الرطوبة لكونها من الماء القليل و لكن لم تصب تلك الرطوبة نفس الثوب أو البدن بعد تنجّسها.

و المستفاد من قوله (عليه السلام): «و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء» (1) أن إصابة الماء القليل المتنجس بعد تنجّسه موضوع لتنجس الطاهر، و تنجس الشي‌ء بتنجس الماء الذي فيه غير ثابت إلّا في مورد كونه أناءً للماء الذي يصيبه القذر أو كان الشي‌ء مما أصابه الماء بعد تقذّره و الثوب و البدن الطاهرين المرطوبين بالرطوبة المسرية لا يكون منهما، و هذا نظير ما تقدّم من أن مجرد الاتصال مع الرطوبة المسرية في الجامد لا يوجب سراية النجاسة إلى غير الجزء الذي أصابته النجاسة.

لا يقال: لا مناص عن الالتزام بأنه لا فرق في منجسية المائع المتنجس بين أن يكون أصابته الجسم الطاهر بعد تنجسه أو من قبل بدلالة صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر، و قد عرق ذكره و فخذاه؟ قال: يغسل ذكره و فخذيه (2) فإن مقتضاها تنجس الفخذ و لو‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

(2) تهذيب الأحكام 1: 421، الحديث 6.

328

..........

____________

بإصابة عرق ذكره بالعرق الذي على فخذه.

فإنه يقال: مضافاً إلى أن ذلك في المتنجس بواسطتين و لا بأس بالالتزام به و لا يمكن التعدي إلى الرطوبة المسرية التي تنجس بأزيد من الواسطتين يعارضها ذيلها: «عمن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: «لا» (1) و إن يمكن الجواب عن المعارضة بأن الحكم بعدم لزوم الغسل لعدم العلم بإصابة الموضع النجس من اليد الثوب جمعاً بين الصدر و الذيل بالإطلاق و التقييد.

و المتحصل لا ينبغي التأمل في انفعال الماء القليل و كلّ مضاف و مائع بإصابة النجاسة و المتنجس على ما تقدّم في بحث تنجس المضاف و يدلّ عليه ما تقدّم من الروايات التي ذكرنا في انفعال الماء القليل.

كما لا ينبغي التأمل في أن إصابة الماء المتنجس أو المائع المتنجس شيئاً طاهراً يوجب انفعاله على ما استفيد من موثقة عمار الواردة في حب الماء الذي وجدت الفارة فيه متسلخة (2).

و أمّا تنجس الجامد الرطب بالمتنجس اليابس فالعمدة فيه الارتكاز المشار إليه و لا يبعد كون منشئه بعض الروايات الواردة منهم (سلام اللّٰه عليهم) كموثقة عمار (3) المسئول فيها عن الصلاة على أرض قذرة على ما تقدّم.

و في موثقته الثانية قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 421، الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 1: 142، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

329

..........

____________

فقال: «ليس عليها شي‌ء إلّا أن يصيب شي‌ء من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي أصابه بعينه» (1) فإن مقتضاها تنجس الثوب و لو بملاقاة ثوب آخر متنجس بالماء المتنجس و قد كانت الرطوبة المسرية في ثوبها فإنه يصدق في الفرض أن ثوبها أصابها القذر فإن القذر كما تقدّم في مقابل النظيف و الإصابة تصدق مع الرطوبة في أحد المتلاقيين بل بدونها أيضاً، غاية الأمر يرفع اليد عن الإصابة بدونها بما تقدّم من أن: «كلّ يابس ذكي» (2).

و يمكن أن تكون هذه الموثقة من المطلق الدال على كفاية طبيعي الغسل في تطهير كلّ متنجس جامد و ما ورد في كيفية تطهير الإناء المتنجس حيث لو لم يكن المتنجس موجباً لتنجس ما يلاقيه لما كان حاجة إلى تطهير الإناء المتنجس اليابس مع أن مقتضى الإطلاق في بعضها عدم الفرق في لزوم الغسل بين كون الإناء رطباً أو يابساً.

و في موثقة عمار بن موسى الاخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، و عن الإبريق و غيره يكون فيه خمر أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس، و قال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات، سئل:

يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، و يغسله ثلاث مرات (3).

و احتمال أن الأمر بغسل الإناء لارتفاع حرمة الأكل و الشرب فيه لكون الأكل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 450، الباب 28 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5. و في الاستبصار: «زكي».

(3) المصدر السابق 25: 368، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث الأول.

330

..........

____________

و الشرب في الإناء الملاقي لعين النجاسة كالأكل و الشرب في إناء الذهب و الفضة موهوم جدّاً، و يدفعه صدر الموثقة لأن الدن لا يؤكل فيه و لا يشرب فيه.

نعم، يمكن أن يقال إن الأمر بغسل الإناء في الموثقة و نحوها لاهتمام الشارع بالتحفظ و الاجتناب عن النجاسات العينية المتخلفة آثارها في الأواني كما يشهد بذلك قوله (عليه السلام) في الموثقة: «لا يجزيه حتى يدلكه و يغسله بيده ثلاث مرات».

و لكن هذا أيضاً غير تام لما ورد في الإناء الذي شرب منه الخنزير من أنه يغسل سبع مرات (1)، مع أنه لا يبقى في الإناء المزبور أثر للخنزير، بل و لا أثر من الماء الذي شرب منه بعد جفاف الإناء.

و الحاصل يستفاد مما ورد في غسل الإناء تنجس الإناء بالماء المتنجس بمباشرة الكلب و الخنزير أو وقوع قذر آخر فيه كإصابة الماء المتنجس، و أن الإناء المزبور ينجّس الطعام و الشراب الذي يجعل فيه بلا تطهيره.

نعم، يمكن أن يقال لا يستفاد منها أزيد من تنجس المائع بالإناء المتنجس، و أمّا غير المائع فلا يستفاد إلّا من الموثقين السابقين.

و أما خبر زكريا بن آدم (2) فظاهره تنجس الجامد بالمضاف المتنجس بعين النجس، و لكن تنجس الجامد بالماء المتنجس بعين النجس أو ساير المائع المتنجس العمدة فيه موثقة عمار الواردة في حب ماء وجد فيه فأرة (3)، نعم هي لا تعمّ الإصابة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 417- 418، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 470، الباب 38، الحديث 8.

(3) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

331

..........

____________

قبل تنجس الماء أو المائع و خبر زكريا يعمّه فيؤخذ بها من تلك الجهة لو تمّ أمر السند فيها و لم يمكن استفادة ذلك من غيرها.

و قد يستدلّ على تنجيس المتنجس بما ورد في سؤر الكلب حيث ذكر أن الموجب لتنجيس سؤره لكونه رجس نجس و في صحيحة البقباق حتى انتهيت إلى الكلب فقال: «رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرة ثمّ بالماء» (1).

و في خبر معاوية بن شريح ذكر بعد النهي عن سؤره أنه نجس (2).

و وجه الاستدلال أن المراد بالنجس يعمّ عين النجاسة و المتنجس، و النجس و إن طبق في الروايتين على الكلب فيكون من عين النجاسة إلّا أن مقتضى التعليل أن نجاسة الشي‌ء و لو كان عرضاً موجب لتنجيس ما يلاقيه.

و فيه أنه على تقدير تسليم أن النجس يعمّ المتنجس فلم يذكر نجاسة الشي‌ء تعليلًا ليؤخذ بإطلاقه و غاية ما يستفاد دخالة كون الكلب رجساً و نجساً في نجاسة سؤره و استعمال التراب في تطهير الإناء الذي تنجس بولوغه؛ و لذا لا يجري التعفير في ساير المتنجسات و لا في إصابة ساير الأعيان النجسة، و بتعبير آخر لا يحرز صدق الرجس النجس على ساير الأعيان النجسة فضلًا عن المتنجسات.

نعم، ذكر في خبر معاوية أن الفرق بين الكلب و غيره من الحيوانات أن الأول نجس (3) و لذا ينجس سؤره و لكن على تقدير ظهور النجس في الأعم بحيث يعم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الآسار،، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 6.

(3) المصدر السابق.

332

..........

____________

المتنجس لا يمكن الاعتماد عليها؛ لضعفها سنداً و على تقدير الإغماض عن كلّ ذلك فلا يمكن التعدي إلى غير المائعات و أوانيها كما لا يخفى.

و قد يستدلّ على عدم تنجيس المتنجس برواية سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أني أبول ثمّ اتمسّح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي قال:

«ليس به بأس» (1) بدعوى البلل لو تنجس بالموضع المتنجس بالبول و نجس السراويل لما ذكر (عليه السلام) نفي الباس.

و فيه أن الرواية إمّا محمولة على التقية في جواز استنجاء موضع البول بالأحجار كما عليه العامة، و إمّا ناظرة بعدم كون الخارج موجباً للوضوء بعد تقييده بالاستبراء الوارد في ساير الروايات فلا تصل النوبة إلى الالتزام بمعارضة الرواية لصدر صحيحة العيص بن القاسم (2) الدالة على تنجس الفخذ بموضع البول ليؤخذ بقاعدة الطهارة هذا مع ضعف الرواية سنداً فلاحظ.

و دعوى أنه لم يفرض فيها الوضوء قبل خروج البلل يدفعها أنها مطلقة كسائر الروايات الواردة في عدم ناقضية البلل فالمقيد لها مقيد لهذه الرواية أيضاً.

و يستدل عليه أيضاً بما في ذيل صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عمن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال:

«لا» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: 350، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(3) المصدر السابق 3: 401، الباب 6 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

333

..........

____________

و فيه أنه قد تقدّم أن إصابة عرق اليد بالثوب لا يلازم تنجس الثوب فلعله من عرق موضع من اليد لم يمسّ الذكر كما لا يخفى.

و برواية حفص الأعور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الدن يكون فيه الخمر ثمّ يجفّف، يجعل فيه الخلّ؟ قال: «نعم» (1) فإن تجويز جعل الخل في الدن المزبور ظاهره عدم تنجس الخل به.

و فيه أنها مقيّدة بالغسل الواردة في موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟

قال: «إذا غسل فلا بأس» (2) و يحتمل أن تكون الرواية مما دلّ على طهارة الخمر و قد تقدّم أنها محمولة على التقية، و يؤيده أن لحفص الأعور رواية في طهارة الخمر (3).

و بصحيحة علي بن مهزيار قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره: أنه بال في ظلمة الليل و أنه أصاب كفّه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه و لم يره و أنه مسحه بخرقة ثمّ نسي أن يغسله و تمسّح بدهن فمسح به كفّيه و وجهه و رأسه ثمّ توضأ وضوء الصلاة فصلّى فأجابه بجواب قرأته بخطّه: «أمّا ما توهمت ممّا أصاب يدك فليس بشي‌ء إلّا ما تحقق فإن حققت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتها بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها و ما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قبل أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلّا ما كان في وقت، و إذا كان جنباً أو صلى على‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 495، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 494، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 25: 368، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 3.

334

..........

____________

غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لأن الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك إن شاء اللّٰه» (1).

و يقال بدلالة هذه الصحيحة على عدم تنجيس المتنجس و إن التنجيس ينحصر بملاقاة عين النجاسة و ذلك فإنه قد ذكر فيها كبريان:

إحداهما بطلان الصلاة مع الحدث سواء كان بالجنابة أو بالحدث الأصغر و أنه تجب إعادة تلك الصلاة في الوقت و قضائها مع الانكشاف مع فوت الوقت.

و ثانيتهما أن الصلاة مع الخبث المنسية موجبة للإعادة في الوقت و لا يجب قضاؤها خارج الوقت.

و قد طبق الكبرى الثانية على مورد السؤال و حكم بلزوم إعادة الصلاة التي صلّاها بالوضوء المزبور و لا يجب قضاؤها مع التذكر خارج الوقت.

و هذا التطبيق لا يصحّ إلّا مع عدم تنجيس المتنجس فإن البول الذي أصاب الكف يوجب تنجس اليد؛ لأن الملاقاة بعين النجاسة و لا يوجب تنجس اليد بعد مسحها بخرقة أو غيرها تنجس الدهن، و لا ساير الأعضاء التي مسحها بالدهن، و لا نجاسة الماء الذي توضأ به فيحكم بصحة ذلك الوضوء كما أنه لو توضأ ثانياً لصلاة اخرى مع تلك اليد يكون محكوماً بالصحة.

غاية الأمر أن الكفّ بما أنها متنجسة منسية تجب إعادة الصلاة التي صلاها بالوضوء الأوّل فيما لو تذكر في الوقت و أمّا إذا تذّكر بعد الوقت فلا قضاء.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 479، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

335

..........

____________

لا يقال: كيف يصحّ الوضوء المزبور مع أن طهارة أعضائه شرط فيه.

فإنه يقال: الاشتراط لانفعال الماء القليل الذي يتوضأ به فلو بنى على عدم انفعاله فلا اشتراط، و أمّا الصلاة التي صلّاها بالوضوء ثانياً فتصّح فلا إعادة و لا قضاء فإن الكفّ و إن لا تطهر بالغسل في الوضوء الأوّل إلّا أن يغسلها ثانياً في الوضوء الثاني فتطهر فلا يبقى للجسد خباثة.

و لكن أورد على الرواية بأنها مضمرة و لا يعتبر إلّا فيما كان مضمرها من احرز أنه لا يسأل غير الإمام (عليه السلام) كزرارة و محمد بن مسلم و أمثالهما و علي بن مهزيار و إن كان من أمثالهما إلّا أن السائل سليمان بن رشيد لا هو، غاية الأمر أنه اطمأن أو أحرز بطريق معتبر أن المسئول هو الإمام (عليه السلام) و إحرازه و اطمئنانه لا يكون حجة لنا.

أقول: المضمر في المقام علي بن مهزيار الراوي لا سليمان بن رشيد، و الظاهر و لا أقل من الاحتمال أنه قد ذكر في الكتاب تعينه (عليه السلام) و قد قرأ علي بن مهزيار الكتاب و جوابه بخط المسئول فيكون الإضمار من علي بن مهزيار لمعلوميته أنه لا يروي عن غير الإمام (عليه السلام) و لكن مع ذلك لا بد من إرجاع المراد من الرواية إلى الإمام (عليه السلام) و ذلك فإن الحكم بإعادة الصلاة التي صلاها بالوضوء المزبور لا يصحّ حتى بناءً على عدم تنجيس المتنجس فإنه إذا غسل الكف المزبور في الوضوء الأوّل مرتين كما إذا غسل قبل الوضوء أي غسل الوجه مرة و عند غسل اليد بعد غسل الوجه اخرى يحكم بصحة الوضوء كما أنه إذا غسل بالكف المزبورة الوجه يكون صب الماء به على الوجه غسله مرّة و غسله بعد غسل الوجه ثانياً يوجب طهارته فالحكم بإعادة تلك الصلاة لا يتم إلّا إذا لم يجرِ الماء على الكف في ذلك الوضوء قبله مرتين و مقتضى إطلاق الحكم بإعادة الصلاة التي صلاها بالوضوء المزبور يمنع التقريب المزبور.

336

..........

____________

و يستدل أيضاً على عدم تنجيس المتنجس ببعض الروايات الواردة في الاغتسال في الكنيف الذي يبال فيه و ينزو من تلك الأرض الماء في الإناء و الثوب فإن الجواب بنفي البأس يعطي عدم تنجيس الأرض المتنجسة بعين البول الماء و الثوب فما ظنّك بالمتنجس بغيره ففي معتبرة عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

اغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض فقال:

«لا بأس به» (1).

و في صحيحة هشام بن سالم اغتسل من الجناية و غير ذلك في الكنيف الذي يبال فيه و عليَّ نعل سندية فاغتسل و عليَّ النعل كما هي؟ فقال: «إن كان الماء الذي يسيل من جسدك يصيب أسفل قدميك فلا تغسل قدميك» (2).

و فيه أنه لم يفرض إحراز النزو من موضع القذر فتحمل الاولى على صورة احتمال كون الموضع قذراً.

و أمّا الثانية فالسؤال فيها راجع إلى الاغتسال مع لبس النعل، و الجواب فيها راجع إلى أنه لو وصل ماء الاغتسال من ساير الجسد إلى باطن الرجل فهو يكفي في الاغتسال و غسل الرجل و إلّا فيغسل الرجل، و أمّا النزو من موضع النجس فليس وارداً في السؤال و الجواب فلا يمكن التمسك بإطلاقها من هذه الجهة.

و على تقدير الإطلاق فيهما فيحملان على فرض جفاف الأرض بالشمس بقرينة مثل صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): عن البول يكون على السطح في المكان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 213، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 7.

(2) المصدر السابق: 214، الحديث 10.

337

..........

____________

الذي يصلّى فيه؟ فقال: «إذا جففته الشمس فصّل عليه فهو طاهر» (1).

و يؤيده خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الكنيف يصبّ فيه الماء فينتضح على الثياب ما حاله؟ قال: «إذا كان جافّاً فلا بأس» (2).

و المتحصل أنه لم يثبت ما يوجب رفع اليد عما دلّ على تنجيس المتنجس حتى فيما إذا لم يستقر الماء القليل مع المتنجس كما فيما ينزو من الأرض المتنجسة في الإناء و الثوب و اللّٰه سبحانه هو العالم.

نعم، قد يقال بدلالة موثقة حنان بن سدير على مذهب الكاشاني من عدم تنجيس المتنجس قال: سمعت رجلًا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتد ذلك عليّ فقال (عليه السلام): «إذا بلت و تمسّحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئاً فقل: هذا من ذاك» (3) بدعوى أن مسح الذكر و زوال البول بالمسح و إن لم يطهّر الموضع إلّا أنه لا يوجب تنجيس الريق الموضوع عليه؛ و لذا لو تردد أن الخارج بعد المسح مما أصاب ثوبه بول أو من الريق فيحكم بأنه طاهر؛ لأصالة عدم إصابة البول ثوبه.

و فيه أنه لم يفرض في الرواية مسح موضع خروج البول بالريق و لو فرض إطلاقها فهو مقيد بمثل صحيحة العيص المتقدمة (4) كما قيدنا ذيلها بصدرها، أضف إلى ذلك أن علاج الاشتداد على السائل بناءً على عدم كون المتنجس و لو بعين النجاسة بعد زوال العين منجساً ينحصر بالاستبراء بالخرطات لا بمسح الذكر بالريق فإنه بعد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 501، الباب 60، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 1: 284، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.

(4) المصدر السابق: 350، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

338

..........

____________

الاستبراء يحكم بطهارة البلل الخارج منه فلا ينجس الثوب و لا البدن.

و أمّا بناءً على تنجيس المتنجس ينحصر العلاج في صورة فقد الماء بمسح موضع غير المتنجس من الذكر بالريق لأن يحمل في صورة رؤية الرطوبة في الثوب على أنها من الريق لا من البلل المتنجس بخروجه بأطراف مخرج البول، و على ذلك فالموثقة تدل على تنجيس المتنجس لا على نفيه.

كما يقال بأن لازم القول بتنجيس المتنجس سراية النجاسة إلى كلّ طاهر بمرور الزمان فينجس الأبنية و الأثاث و كلّ ما في السوق و تسري إلى أهله و أهل البيوت، و هذا مما يقطع بخلافه، و أن الشارع لا يعتبر حكماً يصير بعدم إمكان امتثاله، و هو وجوب الاجتناب عن كلّ شي‌ء، من اللغو الظاهر.

و يكفي في الجزم بالسراية المزبورة ملاحظة الأواني المستعملة في الأمكنة التي يدخلها الصغير و الكبير و النساء و الرجال من الذين لا يبالون بالنجاسة، و من ملاحظة آلات المستعملة من البنائين حيث يستعملونها في جميع البناءات و الأمكنة مع نجاسة بعضها و لم تجرِ عادتهم على تطهيرها بعد استعمالها، و ملاحظة الغفلة عن نجاسة شي‌ء الموجب لمباشرة ساير الأشياء بالأعضاء المتنجسة بذلك الشي‌ء إلى غير ذلك فإن سراية النجاسة إلى ساير الأشياء و العلم بها بمرور الزمان مما يقطع به.

و عن المحقق الهمداني و من يدعي الإذعان بقول المعصوم (عليه السلام) من إجماع العلماء لكون إجماعهم سبباً عادياً للعلم به و زعم أن الأسباب المشار إليها لا يوجب القطع لكلّ أحد بابتلائه بالنجاسة الموجبة لتنجيس ما في بيته من الأثاث في طول عمره مقلد محض لا يقوى على استنتاج المطلب من المبادئ المحسوسة فضلًا عن أن يكون‌

339

و إن كان الأحوط خصوصاً في الفرض الثاني (1) و كذا إذا تنجّس الثوب بالبول وجب تعدّد الغسل، لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدّد، و كذا إذا تنجس شي‌ء بغسالة البول بناءً على نجاسة الغسالة لا يجب فيه التعدّد.

____________

من أهل الاستدلال (1).

أقول: لا يمكن لنا الجزم بتنجس جميع ما في الأسواق من الأمتعة و الأثاث و ما في البيوت و الأبنية بمرور الزمان حيث يرد على بعضها مطهر و لو مع الغفلة عن نجاسته و طهارته به، و أن الملاقاة في بعضها الآخر يكون بلا رطوبة مسرية كالنقود التي تنتقل من بعض الناس إلى الآخرين و تتناولها أيدي كثير من الناس بمرور الزمان.

نعم، الإنصاف تنجس الماء القليل الموضوع في مثل أطراف الصحن أيام الزيارة و الأواني المستعملة في شرب الماء منها، و كذا تنجس بعض المقاهي من حيث أثاثه التي لا تستعمل فيه الماء المعتصم غير بعيد، و لكن الاحتياط منها بالاجتناب ليس أمراً عجيباً في أذهان المتشرعة المبالين في الدين، و لا يكون لزوم الاجتناب عنها لغواً لا يمكن امتثاله.

أضف إلى ذلك موارد انحلال العلم الاجمالي بالالتفات إلى التنجس بعد انقضاء بعض أطرافه مما يمكن جريان الأصل معه في بعضها الآخر أو لكون التكليف في بعضها معلوماً تفصيلًا نظير الانحلال في المال الذي يؤخذ من الجائر.

(1) فإن الثابت من التعفير هو الإناء الذي تنجس بشرب الكلب من مائه فيتعدى إلى الإناء الذي شرب من اللبن فيه مثلًا، و أمّا الإناء الآخر الذي صب فيه من ذلك الماء أو اللبن فتنجس به فيدخل في إطلاق موثقة عمار الدالة على غسل الإناء المتقذر ثلاث‌

____________

(1) مصباح الفقيه 8: 22.

340

..........

____________

مرات (1)، و لا سبيل لنا إلى الجزم و الاطمينان بأن ملاك لزوم التعفير تنجس الإناء بالماء الذي شرب منه الكلب، و هذا يجري في الإناء الذي صب فيه ذلك الماء المتنجس.

نعم، يمكن أن يقال: إن التعفير في الإناء الثاني الذي صب فيه الفضل لو لم يكن أقوى فلا ريب في أنه احتياط لازم؛ و ذلك أنه لم يفرض في الموثقة إناء قد شرب الكلب منه و بقي فضله فيه بل المسئول به حكم الماء بعد شرب الكلب منه و قد حكم (سلام اللّٰه عليه) بأن الكلب: «رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء» (2) و الضمير في (اغسله) يرجع إلى ما فيه الفضل فيعمّ ما إذا كان في الإناء الأوّل أو اريق في إناء آخر، و كذا الحال في تنجس الثوب بالماء المتنجس بالبول أو الغسالة فإن تعدّد الغسل ثابت في الثواب الذي أصابه البول.

و أمّا ما أصابه الماء المتنجس بالبول فيدخل في إطلاق مثل موثقة عمار: «و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء» (3) و موثقته الاخرى: «ليس عليها شي‌ء إلّا أن يصيب شي‌ء من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي أصابه بعينه» (4) فإن القذر يعمّ الغسالة و الماء المتنجس بالبول أو غيره.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 496- 497، الباب 53 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

(4) وسائل الشيعة 3: 450، الباب 28 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

341

[قد مرّ أنه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره]

(مسألة 12) قد مرّ أنه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره، فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة أصلًا كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل أصلًا يمكن أن يقال إنه لا يتنجس بالملاقاة و لو مع الرطوبة المسرية و يحتمل أن يكون رجل الزنبور و الذباب و البق من هذا القبيل (1).

____________

يشترط التأثير في الملاقاة‌

(1) قد تقدّم اعتبار الرطوبة المسرية في أحد المتلاقيين، و أن الملاقاة بدونها لا تكون موجباً لتنجس الطاهر و اعتبار الرطوبة المسرية لانتقالها من النجس أو المتنجس إلى الطاهر أو انتقالها من الطاهر إلى أحدهما، و لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة كما ذكر فلا يتنجس بالملاقاة مع النجاسة أو المتنجس الرطبين.

و مثّل لذلك ما إذا دهن جسم بحيث يمنع التدهين عن تأثره برطوبة ما يلاقيه فلا يتنجس ذلك الجسم و فيه لو فرض عدم تأثر ذلك الجسم برطوبة ما يلاقيه بالتدهين فالدهن الممسوح به يتنجس بذلك النجس أو المتنجس، و بما أن الرطوبة المسرية للدهن متنجس فيوجب نجاسة ذلك الجسم.

اللهم إلّا أن يقال هذا النحو من الملاقاة مما يكون إصابته للطاهر قبل تنجسه غير موجب لتنجس الطاهر إلّا في موارد الإناء و نحوه كما تقدّم.

و أمّا ما ذكره في رجل الزنبور و الذباب و البق فالواقع خلافه، و لكن ذكرنا أن الرجل و غيرها من أعضاء الحيوان لا يتنجس حيث إن أدلّة التنجيس قاصرة عن الشمول لغير موارد التطهير بالغسل غير الجاري في الحيوان.

و تظهر الثمرة بين القول بتنجس بدن الحيوان و أن طهارته بزوال العين و بين عدم تنجسه ما إذا أصاب عين النجاسة عضو الحيوان و يبس على ذلك العضو كما إذا أصابه الدم و يبس على عضوه ثمّ ذبح الحيوان فبناءً على التنجس لا يكفي في تطهير ذلك‌

342

[الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس]

(مسألة 13) الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس فالنخامة الخارجة من الأنف طاهرة و إن لاقت الدم في باطن الأنف، نعم لو ادخل فيه شي‌ء من الخارج و لاقى الدم في الباطن فالأحوط فيه الاجتناب (1).

____________

العضو إلّا الغسل، و بناءً على عدم تنجسه يكفي في طهارته إزالة العين.

أضف إلى ذلك ما تقدّم من أنه لو لاقى ذلك العضو الطاهر مع الرطوبة المسرية و شك في بقاء عين النجاسة على ذلك العضو عند الملاقاة فيحكم بتنجس الملاقي بناءً على تنجس بدن الحيوان و يحكم بطهارته بناءً على عدم تنجسه كما تقدّم سابقاً.

(1) قد تقدّم أن ما دلّ على تنجيس الطاهر لا يعم الملاقاة في الباطن بل لا دليل على نجاسة الدم و غيره ما دام في الباطن، و إنما يحكم بالتنجس فيما إذا كان الداخل ظرفاً لملاقاة الشيئين الخارجيين و كان أحدهما طاهر و الآخر نجس كما إذا وضع إصبعه الطاهر على إصبعه النجس مع الرطوبة داخل فمه فإنه يتنجس إصبعه الطاهر، و أمّا في غير ذلك فلا دليل على التنجس فراجع.

343

فصل

يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة النجاسة عن البدن (1) حتى الظفر و الشعر و اللباس ساتراً كان أو غير ساتر، عدا ما سيجي‌ء من مثل الجورب و نحوه مما لا تتم الصلاة فيه.

____________

وجوب الطهارة في الصلاة‌

(1) بلا خلاف معروف أو منقول بل ظاهر الكلمات أن الحكم متسالم عليه و الروايات بالغة حدّ التواتر إلّا أنها وردت في موارد خاصة من البول و الدم و المني و إصابة رطوبة الكلب و نحو ذلك و لم يرد رواية جامعة لجميع أفراد النجس و المتنجس، و أن الشرط في الصلاة طهارة البدن و الثوب من جميعها، و ما في صحيحة زرارة: «أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني» (1) لا يعدّ من الرواية الجامعة حيث من المحتمل كون (غير ذلك) معطوفاً على (الرعاف) لا على (الدم) و يؤيد فرض إصابة المني بعد ذكره، و مع ذلك فهو يختص باللباس و لا يعمّ البدن إلّا أن يقال بعدم احتمال الفرق.

و أمّا صحيحة زرارة: «لا صلاة إلّا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار» (2) بدعوى أن الطهور و إن ينصرف عند الإطلاق إلى الطهارة من الحدث فيما كان بمعنى الطهارة كما في هذه الرواية إلّا أن قوله (عليه السلام) في ذيلها: «و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار» قرينة على أن المراد منه ما يعمّ الخبث و أن الصلاة المنفية تعم فقد الطهارة الحدثية و الخبثية، و لكن يأتي أن الحكم المذكور في ذيلها حكم آخر و لا يكون قرينة على كون المراد في صدرها مطلق الطهارة و لو من الخبث فيكون من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2. و تمام الرواية في التهذيب 1: 421، الباب 22، الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة 1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث الأول.

344

..........

____________

قبيل الطهور الوارد في صحيحة اخرى: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» (1) في كون المراد به الطهارة من الحدث و يمكن كون المراد بالطهور فيهما ما يتطهر به فلا دلالة لهما على موضع استعماله.

و كيف كان فالروايات المشار إليها الواردة في موارد متفرقة كافية في ثبوت الاشتراط بضميمة عدم احتمال الفرق بين تلك الموارد و غيرها من أفراد النجاسة و المتنجس و بعض أجزاء البدن و بعضها الآخر خصوصاً بملاحظة ما ورد في اغتفار تنجيس ثوب لا يتم الصلاة فيه كمرسلة إبراهيم بن أبي البلاد عمن حدثهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بالصلاة في الشي‌ء الذي لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيب القذر مثل القلنسوة و التكّة و الجورب» (2).

و مرسلة عبد اللّه بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «كلّ ما كان على الإنسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلّي فيه و إن كان فيه قذر مثل القلنسوة و التكّة و الكمرة و النعل و الخفين و ما أشبه ذلك» (3) فإن ظاهر مثلهما أنّه قذارة ما لا يتم الصلاة فيه مانعة عن الصلاة.

و يمكن الاستدلال على اعتبار طهارة حتى مثل الظفر و الشعر من المصلي أو مانعية نجاستهما بما في موثقة عمّار من قوله (عليه السلام): «و إن كانت رجلك رطبة و جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة 3: 456، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(3) المصدر السابق: 456- 457، الحديث 5.

345

و كذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط و قضاء التشهد و السجدة المنسيين، و كذا في سجدتي السهو على الأحوط و لا يشترط فيما يتقدمها من الأذان و الإقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام، و لا فيما يتأخرها من التعقيب، و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف (1) الذي يتغطى به المصلي مضطجعاً إيماءً سواء كان متستراً به أو لا، و إن كان الأقوى في صورة عدم التستر به بأن كان ساتره غيره عدم الاشتراط.

____________

ييبس» (1) فإن (غير ذلك) تعم ما ذكر كما لا يخفى.

ثمّ إن مقتضى ما تقدّم اعتبار طهارة الثوب و البدن في قضاء الأجزاء المنسية و صلاة الاحتياط؛ لأن تلك الأجزاء بعينها من الصلاة غاية الأمر تغير مواضعها بالنسيان كما هو ظاهر قضائها بعد الصلاة أي الإتيان بها بعد الصلاة حيث إن القضاء لغة الإتيان بالشي‌ء، و كذا يعتبر في صلاة الاحتياط فإنها من الصلاة على تقدير نقصها، نعم لا يعتبر في سجدتي السهو حيث إنهما ليستا من أجزاء الصلاة؛ و لذا لا تبطل بتركهما و لو عمداً و إنما وجبتا لمجرد إرغام الشيطان، و كذا لا تعتبر في الأذان و الإقامة و التعقيب؛ لكونها خارجة من الصلاة لأن افتتاحها التكبيرة و اختتامها التسليمة؛ و لذا لا يعتبر فيها ساير ما يعتبر في الصلاة أيضاً.

نعم، يعتبر في الإقامة القيام و الطهارة من الحدث و لكن بدليل آخر غير ما دلّ على اعتبارهما في الصلاة كما يأتي.

(1) المعتبر في الصلاة التستر بالثوب كما هو ظاهر ما ورد في أن المجزي في الصلاة الإزار و القميص (2) على ما يأتي ممّا يستفاد منه عدم جواز الصلاة عارياً، و أمّا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 4: 397- 398، الباب 24 من أبواب لباس المصلي، الأحاديث 5- 8.

346

و يشترط في صحة الصلاة إزالتها عن موضع السجود (1) دون المواضع الأُخر فلا بأس بنجاستها إلّا إذا كان مسرية إلى بدنه أو لباسه.

____________

الستر الواجب بنفسه هو التحفظ عن الفرج و العورة بحيث ينظر إليه سواء كان بالثوب أو بغيره، و عليه فالمصلي مضطجعاً مع تمكنه على الثوب لا يجوز له الصلاة عارياً و أن يغطي جسده و منه عورته باللحاف و مع عدم تمكّنه لا بأس به لوجوب الصلاة و لو عارياً مع عدم التمكن، و لكن لا يعتبر طهارته فإن لسان الأدلة اعتبار طهارة ثوب المصلي، نعم إذا كان ملتفاً باللحاف بحيث يعدّ ثوباً فيعتبر طهارته سواء كان ستره به أو بغيره.

و على الجملة فما في المتن من التفصيل بين صورة التستر به و عدمه لا يمكن المساعدة عليه.

وجوب طهارة مسجد الجبهة‌

(1) بلا خلاف ظاهر أو منقول إلّا ما حكي (1) عن الراوندي و الوسيلة و قد نقل المعتبر القول بجواز السجود على الأرض و الحصر و البواري المتنجسة بالبول فيما إذا جففتها الشمس منهما و استجوده (2) مع أنهم لم يلتزموا بطهارة الأشياء المزبورة بتجفيف الشمس لانحصار المطهر للمتنجس بالماء.

و على الجملة فهؤلاء لا يجوزون السجود على المتنجس بأن لم يلتزموا باشتراط طهارة موضع الجبهة من السجود بل يلتزمون بالعفو عن نجاسة موضعها في الموارد المزبورة.

و حكي (3) عن فخر المحققين اعتبار طهارة مكان المصلي بأن لا يكون فيه‌

____________

(1) حكاه المحقق في المعتبر 1: 446.

(2) المعتبر 1: 446.

(3) حكاه السيد الخوئي في التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 261. و انظر إيضاح الفوائد 1: 90.

347

..........

____________

نجاسة مسرية، و عن غيره اعتبار عدم النجاسة المسرية في موضع الصلاة لئلا يتنجس الثوب أو البدن بتلك النجاسة المسرية.

و تظهر الثمرة بين القولين في ما إذا كانت النجاسة المسرية موضع عفو في الثوب و البدن كالدم الأقل من الدرهم أو كانت السراية إلى مثل الجورب و نحوه مما لا تتم الصلاة فيه فعلى ما ذهب إليه الفخر عدم جواز الصلاة في ذلك الموضع و عن غيره جوازها فيه.

و كيف ما كان فالمستند للحكم المزبور مضافاً إلى التسالم بالإضافة إلى طهارة موضع الجبهة مع الالتزام بمطهرية تجفيف الشمس بل مع عدمه أيضاً في غير الموارد التي أشرنا إليها صحيحة الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب إليه بخطّه: «إن الماء و النار قد طهّراه» (1).

و تقريب الاستدلال أن المرتكز في ذهن السائل اعتبار طهارة موضع السجود و المتيقن منه موضع الجبهة و قد قرّر (سلام اللّٰه عليه) السائل على مرتكزه و لم يردعه و إنما أجاب بالجواز في الفرض نظراً إلى طهارة موضعه بالنار و الماء.

نعم، قد يقع الكلام في فقه الحديث و بيان أن الجص بعد تنجسه بملاقاة العذرة حيث يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى كيف يطهره الماء و النار؟

و قد يقال: إن الجص و إن يتنجس بملاقاة العذرة و الدسومة الخارجة من عظام الموتى إلّا أن العذرة و العظام يطهران بالاحتراق و صيرورتهما رماداً؛ لما يأتي من أن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 527، الباب 81 من أبواب النجاسات.

348

..........

____________

الاستحالة في الأعيان النجسة و المتنجسة توجب الطهارة و لو بانتفاء موضع النجاسة و معروضها ثمّ إن الجص المتنجس يطهر بصب الماء عليه أو إلقائه في الماء ليمكن استعماله في التجصيص و وجه طهارته بذلك حصول الغسل به حيث لا يتوقف حصوله على خروج الغسالة؛ لما يأتي من أنه يكفي في تطهير الأرض الرخوة و باطن الصابون و نحوهما- مما لا يخرج عنه الغسالة- وصول الماء الطاهر إلى مواضعه المتنجسة و إن لم يخرج منها و لو فرض عدم فهم وجه طهارة الجص في فرض السؤال فلا يضر ذلك بالاستدلال بالرواية على اعتبار طهارة مسجد الجبهة لتقرير السائل على معتقده.

و أمّا دعوى أن المراد بالنار الشمس و أن الجص المزبور للتجصيص المتوقف على الرطوبة و استعماله بالماء إذا جففته الشمس يطهر فيجوز السجود عليه فلا يمكن المساعدة عليها؛ فإن إرادة الشمس من النار في نفسه غير محتمل خصوصاً بملاحظة فرض السائل طبخ الجص بالنار التي وقودها العذرة و عظام الموتى.

أقول: المذكور في الصحيحة طهارة الجص بالماء و النار لا بالماء خاصة كما هو مقتضى التوجيه المزبور، مع أن التجصيص غالباً يكون بجعل الماء القليل في الإناء و إلقاء الجص في ذلك الماء تدريجاً بحيث ربما يبقى ما يلقى في الإناء من الجص يابساً حيث يجذب الماء ما القي فيه قبل ذلك، نعم تسرى رطوبته إلى ذلك اليابس أيضاً بخلط ما في الإناء باليد و نحوها حتى يصلح استعماله في التجصيص، و من الظاهر أن سراية رطوبة إلى اليابس بخلط ما في الإناء من الجص لا يعدّ غسلًا، و على تقدير الإغماض عن ذلك أيضاً فالمعتبر في تطهير المتنجس بالماء القليل ورود الماء عليه كما هو مقتضى القول بتنجس ما في الإناء من الماء القليل بإدخال القذر فيه مع أن‌

349

..........

____________

المتعارف في التجصيص إدخال الجص و إلقاؤه في ماء الإناء.

و يمكن أن يقال بأنه لم يفرض في السؤال تنجس الجص المطبوخ بالعذرة و عظام الموتى حيث إن العظم من الميتة مما لا تحله الحياة، و العذرة استعمالها وقوداً يكون بعد جمعها من الكنائف مما تجعل في سطوح البيوت و نحوها بعد جفافها فالمراد من تطهير النار إزالتهما باستحالتهما رماداً، و من مطهرية الماء إزالة الأثر الباقي منهما على الجص حيث يستهلك ذلك الأثر فكان الموجود في ذهن السائل أن العذرة و عظام الموتى لا يجوز السجود عليهما بعد الاحتراق و قبله.

و هل الجصّ الذي يبقى فيه بعض الأثر منهما بعد احتراقهما كذلك لا يجوز السجود عليه؟ فأجاب (سلام اللّٰه عليه) بأنه لا بأس بالسجود على الجص المزبور لزوال العذرة و عظام الموتى و أثرهما بالنار و الماء، و لا دلالة في الحديث على اعتبار طهارة مسجد الجبهة من النجاسة الحكمية لا سؤالًا و لا جواباً.

نعم، ربما يستدل على اعتبار طهارة المسجد بما في النبوي المرسل: «جنبوا مساجدكم النجاسة» (1) و التعبير بالجمع لا يدل على اعتبار الطهارة في جميع المساجد السبعة فإن الجمع بملاحظة أفراد المصلين حيث إن المسجد ينصرف إلى موضع الجبهة.

و فيه أن الرواية ضعيفة سنداً و دلالة فإنه لو لم يكن ظاهر المساجد بيوت اللّٰه المعد للصلاة فلا أقلّ من احتمالها نظير النهي عن النهي في قوله (عليه السلام): «جنبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين و الصبيان» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 229، الباب 24 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 233، الباب 27، الحديث الأول.

350

..........

____________

و على الجملة لا يمكن الاستدلال بهذا الخبر لا على طهارة مسجد الجبهة و لا اعتبار طهارة جميع المساجد السبعة، فما قيل من الاستدلال به على طهارة مواضع الأعضاء السبعة ضعيف.

لا يقال: كون المراد بالمساجد بيوت اللّٰه يأتي في صحيحة ابن محبوب المتقدمة (1).

فإنه يقال: السؤال فيها كان راجعاً إلى السجود على الجص المفروض طبخه بالعذرة و عظام الموتى بخلاف النبوي و نحوه فإنهما ناظران إلى حكم المساجد.

لا يقال: لو فرض دلالة صحيحة ابن محبوب على طهارة موضع السجود و لو من الجبهة فقد يعارضها ما في موثقة عمار من قوله (عليه السلام): «إن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس» (2) فإن مفهومها جواز الصلاة على ذلك الموضع القذر مع جفاف الجبهة و لو كانت الطهارة في مسجد الجبهة أو ساير المواضع معتبرة لما صحّ الصلاة في ذلك الموضع القذر و لو مع جفاف الجبهة أو ساير المواضع.

فإنه يقال: المعتبرة في السجود كما يأتي في المسألة الآتية مسّ الجهة أي شي‌ء منها الأرض أو غيرها مما يصحّ السجود عليه و الطهارة معتبرة في مسجد الجهة و لو في المقدار الذي يتحقق به المسّ المعتبر في السجود لا في تمام الموضع الذي يقع عليه الجبهة، و دلالة الصحيحة على صحة الصلاة و لو مع نجاسة تمام موضع الجبهة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 527، الباب 81 من أبواب النجاسات.

(2) المصدر السابق: 452، الباب 29، الحديث 4.

351

..........

____________

بالإطلاق فيرفع اليد عن هذا الإطلاق بحملها على صورة نجاسة بعض موضع الجهة بصحيحة ابن محبوب المفروض فيه نجاسة تمام موضع الجبهة لو لا طهارته بالنار و الماء، بل العمدة في رفع اليد عن إطلاق الموثقة التسالم على اعتبار طهارة موضع الجبهة، و المقدار المعلوم من التسالم عدم جواز الصلاة مع نجاسة تمام موضع الجبهة بأن لا تقع الجبهة على موضع يكون و لو مقدار ما من ذلك الموضع طاهراً، و اعتبار الزائد على ذلك مدفوع بأصالة البراءة عن الاشتراط، بل للموثقة المزبورة حيث لا تصل معها النوبة إلى الأصل العملي.

و مما ذكرنا يظهر الحال في مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلى عليه؟ قال: «إذا يبست فلا بأس» (1) فإنه يحمل على ما إذا جعل للموضع المعتبر في السجود من الجبهة شيئاً طاهراً يصحّ السجود عليه، كما أنه يرفع بمثل هذه الصحيحة اليد عن إطلاق النهي في موثقة عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشاذ كونه يصيبها الاحتلام أ يصلى عليها؟ قال: «لا» (2) بحملها على صورة عدم جفاف الاحتلام و تعدي النجاسة إلى ثوبه أو بدنه كما دلّ على ذلك موثقة عمار المتقدّمة (3).

و أيضاً المقدار المنكشف في صحيحة ابن محبوب (4) من اعتقاد السامع بطهارة المسجد سطح الموضع المماس للجبهة.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 453- 454، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 455، الباب 30، الحديث 6.

(3) المصدر السابق: 452، الباب 29، الحديث 4.

(4) المصدر السابق: 527، الباب 81 من أبواب النجاسات.

352

[إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح]

(مسألة 1) إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الآخر نجساً و إن كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهراً، و إن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجساً، فلو وضع التربة على محل نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر صحّت صلاته.

(مسألة 2) تجب إزالة النجاسة عن المساجد (1) داخلها و سقفها و سطحها و طرف الداخل من جدرانها، بل و الطرف الخارج على الأحوط إلّا أن لا يجعلها الواقف جزءاً من المسجد، بل لو لم يجعل مكاناً مخصوصاً منها جزءاً لا يلحقه الحكم، و وجوب الإزالة فوري فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي، و يحرم تنجيسها أيضاً، بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها و إن لم تكن منجّسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها، بل مطلقاً على الأحوط، و أما إدخال المتنجّس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك.

____________

و أمّا اعتبار طهارة باطنه أو سطحه الآخر أو طهارة ما تحت ذلك الموضع المماس فشي‌ء منها لا يستفاد لا من السؤال فيها، و لا من التقرير لما كان في ارتكازه، و لا من التسالم المشار إليه آنفاً فيرجع إلى أصالة البراءة عن غير طهارة السطح الظاهر ممّا يمسّ الجبهة كما لا يخفى.

وجوب تطهير المساجد‌

(1) لم يظهر الخلاف في وجوب إزالة النجاسة عن المساجد بل ظاهر جماعة كالشيخ (قدس سره) و ابن ادريس و العلامة و ولده و الشهيد (1) و غيرهم دعوى الإجماع عليه.

____________

(1) الخلاف 1: 518، ذيل المسألة 260. السرائر 1: 163، نهج الحق و كشف الصدق: 436، إيضاح الفوائد 1: 92، الذكرى 3: 129.

353

..........

____________

و قد يقال بأن عدم جواز تنجيسها و وجوب إزالة النجاسة عنها من المرتكزات في أذهان المتشرعة لرعاية قداسة المكان حيث عدّت للصلاة و العبادة و المخالف هو صاحب المدارك و صاحب الحدائق (1) شاذ لا ينافي قطعية الحكم و قد استدل في الحدائق على جواز تنجيسها برواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة؟ قال: «يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض و لا يقطع الصلاة» (2) بدعوى أن المسح فيها يعمّ حائط المسجد، بل هو الغالب في الصلاة.

و لكن لا يخفى ما فيه للمناقشة في سنده بعلي بن خالد و إن وصفها بالموثقة و عدم إطلاقها فإنه لو عمّ حائط المسجد لعمّ حائط المملوك للغير.

و ما ذكر من الغالب في الصلاة هي الصلاة في المسجد كما ترى.

أقول: إزالة النجاسة عن المسجد فيما كانت نجاستها هتكاً أو تكون موجبة للتعدي إلى المصلين ظاهرة، و أمّا مع عدمهما كما إذا تنجس سقفه أو جدرانه بالماء المتنجس أو باليد القذرة و نحوهما فلا سبيل لنا إلى إحراز الارتكاز خصوصاً فيما كان المسجد متروكاً لا يصلي أحد فيه إلّا نادراً.

نعم، قد يستدل على عموم الحكم و الارتكاز بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الدابة تبول فيصيب بولها المسجد أو حائطه أ يصلى فيه قبل أن يغسل؟ قال: «إذا جف فلا بأس به» (3) بدعوى أن أصل إزالة البول عن المسجد كان مسلماً بحسب ارتكاز علي بن جعفر، و إنما سأله عن جواز تقديم الصلاة فيه على إزالته،

____________

(1) مدارك الأحكام 2: 306، الحدائق الناضرة 5: 294.

(2) وسائل الشيعة 3: 435، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(3) المصدر السابق: 411، الباب 9، الحديث 18.