تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
393 /
354

..........

____________

و الإمام (عليه السلام) لم يردع في الجواب عن مرتكزه ثمّ إن البول من الدواب و إن كان طاهراً إلّا أن حكمه (عليه السلام) بجواز الصلاة فيه مع جفافه بالقضية الشرطية الظاهرة في المنع مع عدم جفافه؛ لرعاية التقية كما هو الحال في ساير ما ورد ظاهره نجاسة بول الدواب و أرواثها.

و على الجملة فرض السائل إصابة البول لحائط المسجد و سؤاله عن جواز الصلاة فيه قبل غسله ظاهره ارتكاز لزوم تطهيره، و لما لم يرد في الجواب ما يردعه عن الارتكاز يكون عدم الردع كافياً في ثبوت الحكم.

و ربّما يقال في الجواب: إنه لا سبيل لنا إلى إحراز أن المرتكز عند السائل كان لزوم تطهير المسجد عن النجاسات؛ و لذا سئل عن جواز تقديم الصلاة على تطهيره من بول الدابة، بل من المحتمل جدّا أنه كان يعرف طهارة بول الدابة لبعد خفاء طهارته على مثل علي بن جعفر، و أنه كان يعتقد استحباب تنزيه المساجد و سأل أخاه أن الصلاة في المسجد المزبور قبل غسله ينافي استحباب التنزيه أم لا؟

و فيه أن هذا الاحتمال لا يناسب الجواب و لا ظاهر السؤال، نعم يمكن أن يقال:

إنه و إن كان يعتقد تطهير المساجد عن النجاسات و لكن لا سبيل لنا إلى إحراز اعتقاده أنه واجب نفسي، بل لعلّ اعتقاده كان مبنياً على الممانعة من سراية تلك النجاسة إلى ثوب المصلي و بدنه و قد سأل أخاه عليه عن الصلاة فيه قبل غسله من بول الدابة لاحتماله طهارة بوله، فيكون نظير روايته الأُخرى قال: سألته عن الثوب يوضع في مربط الدابة على بولها أو روثها؟ قال: «إن علق به شي‌ء فليغسله و إن أصابه شي‌ء من الروث أو الصفرة التي يكون معه فلا يغسله من صفرة» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 19.

355

..........

____________

و على الجملة الرواية الاولى تكون مما دلّ على نجاسة أبوال الدواب و لا بعد لخفاء طهارتها في ذلك الزمان لمثله أيضاً كما يظهر من سؤاله في الرواية الثانية.

و قد يستدل على الحكم بموثقة محمد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم و بين المسجد زقاقاً قذراً أو قلنا له: إن بيننا و بين المسجد زقاقاً قذراً؟ فقال: لا بأس، الأرض تطهر بعضها بعضاً (1)، فإنه لو لم يكن تنجيس المسجد و لو بالدخول فيه بالنعل أو الرجل القذر محرماً لم يكن معنى لتعليل نفي البأس بأن النجاسة الحاصلة من الأرض تزول ببعضها الأُخرى و لو بالمشي عليه.

و لكن لا يخفى أنه لم يظهر أن وجه السؤال في مسألة تنجيس المسجد، بل من المحتمل أن يكون السؤال ناظراً إلى الصلاة في ذلك المسجد مع كون المشي إليه موجباً لتنجس الخف أو الرجل و أجاب (عليه السلام) بعدم الباس لزوال تنجسهما عند الوصول إليه ببعض الأرض الأُخرى فيكون مدلولها قريب إلى ما يدلّ عليه رواية المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافياً؟ فقال: أ ليس وراءه شي‌ء جاف؟ قلت: بلى، قال: لا بأس إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً (2).

و مما ذكرنا يظهر الحال في ما رواه في آخر السرائر من رواية محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3) بل ذيلها ظاهر فيما احتملنا فلاحظ.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 3.

(3) السرائر 3: 555 و فيه: و قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربّما مررت به و ليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته؟ قال: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضاً».

356

..........

____________

و أمّا الاستدلال بالروايات الواردة في اتخاذ الكنيف مسجداً من أنه ينظف و يلقى عليه التراب بناءً على إطلاقها و عدم كون المراد بالمسجد فيها خصوص المصلّى فلا يصلح؛ لأنه لا دلالة لها على أزيد من اعتبار طهارة الأرض منها الّتي يصلى عليها، و لا تعمّ تطهير جدرانها و سطحها الباطن، و لعلّ اعتبار ظاهر أرضها لأن لا تسري النجاسة إلى بدن المصلي أو ثيابه في موارد الرطوبة المسرية في الأرض أو في ثوبه و بدنه.

و قد يستدلّ على الحكم بقوله سبحانه: «وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (1) بدعوى أنه بعد اعتبار القذارة لأُمور تعمّها الآية المباركة.

و لكن لا يخفى أن لزوم التطهير من القذارة العرفية غير ثابت و لو بنحو الواجب الكفائي بالإضافة إلينا فكيف تعمّ الآية القذارة الشرعية بعد اعتبارها؟ خصوصاً بأن الخطاب لإبراهيم و ابنه إسماعيل على نبينا و عليهم الصلاة و السلام.

إزالة النجاسة عن المساجد وجوبها فوري فإنه لا يحتمل تأخيرها جائزاً إلى أواخر عمر المكلف و حيث لم يحدّد بزمان كإلى سنة أو سنتين يتعين الفورية العرفية مع أنها تناسب المرتكز عند المتشرعة من قداسة المساجد و نحوها و أيضاً يستفاد ممّا دلّ على وجوب الإزالة حرمة تنجيسها كما هو مقتضى الملازمة بين وجوب فعل و عدم جواز ما لا يجتمع جوازه مع وجوب ذلك الفعل فإذا أمر بدفن الموتى فيستفاد‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 125.

357

..........

____________

منه حرمة نبش قبره و إذا أمر بنجاة النفس المحترمة عن الهلكة فيستفاد منه حرمة إلقائها في الهلكة.

و قد ألحق (قدس سره) بحرمة تنجيسها إدخال عين النجاسة فيها بلا فرق بين كون إدخالها يعدّ هتكاً لها أم لا، و لعلّه استفاد في صورة عدم الهتك من قوله سبحانه: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (1) و للنبوي: «جنبوا مساجدكم النجاسة» (2).

و لكن يرد عليه أن ما دلّ على جواز صلاة المستحاضة في المسجد و دخول من به جروح أو قروح و دخول الصبيان المساجد مما جرت عليه سيرة المتشرعة مع أن كلّ ذلك من إدخال النجاسة في المسجد؛ و لذا التزم بعض الأصحاب بالجواز في مثل هذه الفروض مما ثبت السيرة بالدخول و الإدخال فيها.

و فيه ما تقدم سابقاً من أن للمشرك نجاستين:

إحداهما: خارجية حيث إن الشرك و الاعتقاد بخلاف التوحيد قذارة نفسانية.

و ثانيتهما: القذارة الاعتبارية بحيث يتنجس ما يلاقيه بالرطوبة و المناسب لمنعهم عن دخول المسجد الحرام أو البيت الحرام بيت التوحيد و نفي الشرك يناسب إرادة الأوّل من القذارتين من الآية، بل لم يظهر اعتبار النجاسة بالمعنى الثاني في زمان نزول الآية فلا يمكن التعدي إلى ساير النجاسات الاعتبارية، و لو اغمض عن ذلك فمن المحتمل دخالة كلتا النجاستين في الحكم المزبور، و بهذا الاعتبار وصفوا بالنجاسة بالمعنى المصدري و كأنهم النجاسة فلا يجري ذلك في مثل الدم و البول و المني فضلًا عن المتنجسات.

____________

(1) سورة التوبة: الآية 28.

(2) وسائل الشيعة 5: 229، الباب 24 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.

358

[وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي]

(مسألة 3) وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي (1) و لا اختصاص له بمن نجّسها أو صار سبباً فيجب على كل أحد.

____________

و أمّا النبوي فقد تقدّم الكلام فيه و المتحصل لو كان إدخال عين النجاسة أو المتنجس هتكاً للمسجد و معابدهم فلا يجوز كما لا يجوز الهتك و لم لم يكن الشي‌ء نجساً كجعل المسجد مجمع زبالة و أمّا في غير ذلك فالأصل عدم التحريم و المنع و اللّٰه سبحانه هو العالم.

وجوب تطهير المساجد كفائي‌

(1) فإن الغرض و هو حصول الطهارة للمسجد يحصل بفعل البعض فيكون تكليف كلّ بتطهيره ما دام لم يحصل الطهارة له و لو بفعل البعض من غير فرق بين تلويث المسجد بغير فعل المكلف أو بفعل مكلف.

و ربّما يقال إن مع تنجيسه بفعل مكلف يكون لوجوب التطهير جهة اختصاص به و إن وجب على السائرين أيضاً بنحو الواجب الكفائي وجهة الاختصاص به إجباره على تطهيره أو دفع الأُجرة لتطهيره فيما إذا لم يحصل التطهير بالتبرع، و الوجه في ذلك أنه كما يحرم تنجيس المسجد حدوثاً كذلك يحرم تنجيسه بقاءً، و بقاء نجاسته مستند إليه.

و فيه إن أُريد من جهة الاختصاص أن الإزالة تجب عليه عيناً غاية الأمر لو لم يقم بها وجب على السائرين كفاية كما في وجوب نفقة ولد الفقير على والده الغني فإنه لو ترك الإنفاق يجبر عليه، و مع عدم التمكن على الإجبار و أخذ النفقة منه يجب على السائرين كفاية فهذا لا دليل عليه في المقام و حرمة التنجيس بقاءً ليس إلّا عبارة أُخرى عن وجوب الإزالة.

و بتعبير آخر ما استفيد بالملازمة المتقدّمة حرمة التنجيس حدوثاً خاصاً، و أمّا حرمة إبقائه على نجاسته فهي عبارة أُخرى عن ترك الازالة الواجبة على نحو الكفاية‌

359

[إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى ازالتها]

(مسألة 4) إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى ازالتها مقدّماً على الصلاة مع سعة وقتها و مع الضيق قدّمها (1) و لو ترك الإزالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى لترك الإزالة، لكن في بطلان صلاته إشكال و الأقوى الصحة هذا إذا أمكنه الإزالة، و أمّا مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت

____________

و تطهير المسجد لا يدخل في الضمان إلّا مع الأمر به لا بنحو التبرع فإن المسجد أو وصفه لا يدخل في تلف المال في اليد أو إتلافه على ما تقرر في محلّه من أن المسجد لا يكون مالًا حتى للموقوف عليهم ليكون فيه ضمان تلف الوصف أو تلف العين، و سيأتي أن تنجيس مال الغير أيضاً لا يوجب ضمان أُجرة تطهيره بل يكون ضمان تلف الوصف فينتفي في تنجيس المسجد ضمان الوصف أيضاً.

التزاحم بين الصلاة و الإزالة‌

(1) لأن الموجب لتقديم الصلاة في ضيق الوقت لكون وجوبها أهمّ حيث إن الصلاة من إحدى الخمس الذي بني الإسلام عليه (1)، و أنها أوّل ما يحاسب به العبد (2)، و أنها من فرائض اللّٰه (3) إلى غير ذلك بلا فرق بين درك ركعة من الصلاة مع إزالتها عن المسجد أوّلًا في الوقت أم لا.

و ما قيل من أن ثبوت البدل لأحد الواجبين في باب التزاحم مرجح لما ليس له بدل قد ذكرنا في محله عدم تمامه حيث يحتمل أن يكون المبدل أقوى ملاكاً من البدل و الواجب الآخر هذا فيما إذا كان الموضوع لوجوب البدل عدم التمكن على المبدل، و أمّا إذا كان الموضوع له عدم التمكن بمعنى عدم اشتغال الذمة بتكليف آخر فالاتيان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 15، الباب الأول من أبواب مقدمة العبادات.

(2) وسائل الشيعة 4: 34، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 10.

(3) وسائل الشيعة 1: 15، الباب الأول من أبواب مقدمة العبادات.

360

فلا إشكال في صحة صلاته (1) و لا فرق في الإشكال في الصورة الاولى بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (2) و إذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من

____________

بالواجب الآخر مع البدل و إن يتعين إلّا أن عدم التكليف بالمبدل مع ذلك التكليف يخرج عن باب التزاحم بينهما فإن الملاك فيه عدم التكليف بالآخر من المتزاحمين بصرف القدرة في أحدهما لا بمجرد ثبوت التكليف بأحدهما كما لا يخفى، بخلاف سعة الوقت حيث لا تزاحم بين الواجب الموسع و الواجب المضيق، بل يمكن الأمر بكلّ منهما بلا حاجة إلى الترتب، و حيث إن الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص فلا بأس بالحكم بصحة الصلاة التي أتى بها زمان ترك الإزالة أخذاً بإطلاق متعلق الأمر.

و قد ذكرنا أن الترخيص في التطبيق على كلّ فرد يجري في الفرد المزاحم لوجوب الإزالة و لو بنحو الترتب، و على ذلك فيؤتى بذلك الفرد بداعي الأمر بطبيعي الفعل كما يؤتى غيره بهذا الداعي.

و أمّا دعوى صحة الفرد المزبور لشموله للملاك و إن لا يعمه الطبيعي المتعلق به الأمر كما عن صاحب الكفاية فلا يمكن المساعدة عليها؛ لأن السبيل إلى إحراز إعلان دخوله في الطبيعي المتعلق به الأمر و إذا فرض عدم دخوله فيه فكيف يحرز حصوله فيه؟

(1) لدخول الفرد المزاحم للإزالة تحت إطلاق متعلق الأمر مع عدم الأمر بالإزالة حتى بناءً على أن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده الخاص لفرض عدم الأمر بالإزالة في الفرض.

(2) أو في مكان ثالث؛ لأن الصلاة في أي مكان فرض ضد للإزالة على الفرض و بناءً على أن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده الخاص تكون الصلاة منهياً عنها بناءً على ذلك القول أو على القول بأن الأمر بالشي‌ء يقتضي عدم الأمر بضده و لو موسعاً و حتى على نحو الترتب.

361

مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة (1).

____________

لا يقال: النهي الغيري لا يوجب بطلان العمل حيث إن النهي المزبور يجتمع مع الصلاح الخالص الموجب لصحته عبادة.

فإنه يقال: مع النهي الغيري لا يمكن كشف الملاك و لو بالأمر أو الترخيص في التطبيق عليه و لو مترتباً، نعم يأتي في التعليقة الآتية أن عدم كشف الملاك ينحصر بصورة داعوية النهي الغيري فانتظر.

(1) لأنه كما يجوز له في هذا الحال ساير الأفعال المباحة كذلك يجوز الاشتغال بالواجب الموسع.

و بتعبير آخر كما أن الأمر بالمركب الارتباطي لا يسقط إلّا بالإتيان بجزئه الأخير و لكن مع ذلك تسقط داعويته بالإضافة إلى الأجزاء المأتية كذلك الواجب الكفائي و إن لا يسقط عن السائرين إلّا بتمام الفعل من البعض إلّا أن داعويته للسائرين بالإقدام يسقط باقدام البعض و الأمر بالإزالة ينافي الأمر بالصلاة بداعويته حتى بناءً على أن الأمر بالإزالة منهي عنده الخاص؛ و لذا لو لم يلتفت إلى نجاسة المسجد أو جهل بها فتصحّ صلاته و لو انكشف بعد الصلاة أنه كان متنجساً.

و لا يقاس ذلك بصورة الصلاة في الدار المغصوبة جهلًا بغصبها أو الوضوء بالماء المغصوب جهلًا بغصبية الماء حيث ذكرنا أن مع النهي الواقعي لا يصح الوضوء و الصلاة و الوجه في عدم القياس أن النهي عن الغصب نفسي يكشف عن الفساد الغالب فلا تصحّ عبادة بخلاف النهي الغيري فإنه لا مبغوضية فيه و إنما لا يعمه الأمر لتنافي الغرض لا الملاك و مع عدم النهي كما هو مقتضى فرض الجهل لا تنافي في الفرض بل يمكن الأخذ بإطلاق متعلق الأمر في الفرد المزاحم بالالتزام بالترخيص فيه مع عدم داعوية النهي الغيري.

362

[إذا صلى ثمّ تبيّن له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة]

(مسألة 5) إذا صلى ثمّ تبيّن له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة، و كذا إذا كان عالماً بالنجاسة ثمّ غفل و صلى، و أمّا إذا علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثمّ الإزالة أو إبطالها و المبادرة إلى الإزالة؟ وجهان أو وجوه، و الأقوى وجوب الإتمام (1).

____________

و بما ذكرنا يظهر الخلل فيما ذكر في التنقيح في المسألة الخامسة من قياس الصلاة مع نجاسة المسجد في صورة الجهل بها بناءً على النهي الغيري بالصلاة في الدار المغصوبة، أو الوضوء بالماء المغصوب مع الجهل بالغصب فلاحظ و تدبّر.

(1) و علّل ذلك (قدس سره) في مسألة عدم جواز قطع الفريضة بأن دليل الفورية قاصر الشمول لمثل المقام فتبقى حرمة قطع الصلاة الفريضة بلا مزاحم، و أورد عليه بأن وجوب فورية الإزالة بعينه ما دلّ على وجوب الإزالة و مرجعه إلى حرمة إبقاء المسجد على تنجسه و الحرمة سارية إلى كلّ زمان و منه زمان الالتفات إليه أثناء الصلاة، و على ذلك تكون حرمة قطع الصلاة و حرمة إبقاء المسجد على نجاسته من المتزاحمين و لم يعلم أهمية أحدهما بل الأهمية في كلّ منهما محتملة فيكون الحكم التخيير ثمّ ذكر في آخر كلامه بما أن العمدة في دليل حرمة قطع الصلاة الإجماع و لا إجماع في الفرض فالمتيقن رعاية التكليف بالإزالة فوراً.

و قد يقال بأنه كما لا إطلاق في ناحية وجوب الإزالة بحيث يعمّ تنجس المسجد حال كون المكلف أثناء الصلاة كذلك لا إطلاق في دليل حرمة قطع الفريضة بحيث يعم مثل الفرض فإن عمدة الدليل على عدم جوازه الإجماع لا مثل ما ورد من أن تحريمها التكبير و تحليلها التسليم حيث إن المراد من تحريمها الدخول بها، و من التحليل الخروج منها و لذا تعمّ ذلك الصلاة المندوبة مع أنه لا حرمة للقطع فيها.

و بتعبير آخر للصلاة موانع و قواطع و المعتبر فيها تركها من الشروع في تكبيرة‌

363

..........

____________

الإحرام إلى آخر الصلاة و لا فرق في ذلك بين الصلاة المندوبة و المستحبة إلّا في بعض الموانع فالمراد من تحليلها بيان أوّل فعل يعتبر معه رعاية تلك القواطع و الموانع و آخر فعل منها التسليمة كما لا يخفى.

أقول: قد تقدم أن حرمة تنجيس المسجد و إن يستفاد من دليل وجوب الإزالة إلّا أن الحرمة في تنجيسه حدوثاً، و أمّا إبقاؤه على نجاسته فهو فعل لمن نجّسه و لا يستفاد حرمته مع الدليل على وجوب الإزالة بنحو الواجب الكفائي لعدم تعدّد تكليف وجوب الإزالة حرمة و التنجيس بقاءً، و إرجاع وجوب الإزالة إلى حرمة بقاء المسجد على نجاسته غير صحيح؛ لأن بقاء المسجد على نجاسته ليس فعلًا ليتعلق به الحرمة، نعم هو فعل من نجّسه و المفروض أن وجوب الإزالة لا يختص به بل يثبت للجميع بنحو الواجب الكفائي، و عليه فما دلّ على وجوب إزالته لا يعمّ ما إذا حصل التنجيس حال الصلاة أو التفت إلى التنجّس أو علم بها أثناءها بأن استفيد من الدليل المزبور فوريته حتى بالإضافة إلى هذا الحال، و كذا لا دليل على حرمة قطع الصلاة في الفرض؛ لأن العمدة فيه الإجماع و هو غير حاصل في الفرض فيكون الحكم التخيير بين قطع الصلاة و الاشتغال بالإزالة أو إتمامها ثمّ إزالتها.

لا يقال: إذا لم يكن في دليل وجوب الإزالة فورية بالإضافة إلى الفرض و كذا في دليل حرمة قطع الصلاة فيحوز للمكلف في الفرض ترك كلا الأمرين بأن قطع صلاته و ترك إزالته في زمان لو لم يقطع الصلاة لكان مصلياً فيه.

فإنه يقال: لعدم الإجماع على حرمة قطع الصلاة في فرض الاشتغال بالإزالة و إلّا فالظاهر ثبوت الإجماع على عدم جواز قطعها مع عدم الاشتغال بالإزالة.

و قد يفصّل بين ما إذا كان المسجد تنجّس أثناء الصلاة أو ما إذا التفت إليه أثناء‌

364

[إذا كان موضع من المسجد نجساً لا يجوز تنجيسه ثانياً]

(مسألة 6) إذا كان موضع من المسجد نجساً لا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه (1) بل و كذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشد و أغلظ من الاولى، و إلّا ففي تحريمه تأمل بل منع إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر لكنه أحوط.

____________

الصلاة و بين ما إذا احتمل نجاسته قبل الصلاة و علمها أثناءها فإنه يجري في الأولين استصحاب حرمة قطع الصلاة الثابتة قبل حدوث تنجّسه أو قبل الالتفات إليه بخلاف ما إذا علمه أثناءها فإن حرمة القطع في الفرض من الأول غير ثابت نظراً إلى وجوب إزالة تنجس المسجد فوراً الثابت واقعاً قبل الدخول في الصلاة.

و فيه أن وجوب الاتمام أو حرمة القطع غير ثابت في شي‌ء من الفروض الثلاثة؛ و لذا لو علم عند الدخول في الصلاة بحدوث نجاسة المسجد و هو في أثنائها يجوز له القطع قبل حدوثها للتهيؤ للإزالة بمجرد الحدوث.

أضف فيها إلى ذلك أن الاستصحاب في الفرضين الأولين من الاستصحاب في الشبهة الحكمية و هو غير جار في أمثال المقام مما تقع المعارضة فيها بين استصحاب المجعول و استصحاب عدم الجعل بالإضافة إلى الظرف الذي يحتمل اختصاص الحكم المجعول بما قبله فتدبر.

لا يجوز تنجيس المسجد ثانياً‌

(1) و قد علل حرمة تلويثه و إن لم يكن منجساً لموضعه بأنه هتك و مناف للأمر بتعظيم المشاهد و مساجد اللّٰه، و لكن في إطلاق كونه هتكاً و منافياً لتعظيمه تأمل بل منع، و يظهر ذلك بملاحظة تلويث بدن الشهيد و لو كان متنجساً من قبل بدمه الخارج من عروقه المقطوعة.

و قد يقال بأن حرمة تلويثه مبني على حرمة دخول النجاسة الملوثة في المساجد.

365

[لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز]

(مسألة 7) لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز (1) بل وجب، و كذا لو توقف على تخريب شي‌ء منه، و لا يجب طمّ الحفر و تعمير الخراب، نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن ردّه بعد التطهير وجب.

____________

و فيه أن الدخول لا يتحقق بالتلويث بل يحصل قبله.

و أيضاً دعوى اختصاص الآية بحرمة إدخال النجاسة الملوثة لا يمكن المساعدة عليها لما تقدّم من عدم دلالة الآية على حرمة دخول النجاسة حتى يخرج عنه بما إذا لم يكن منجسة و ملوثة بالسيرة المتشرعة من إدخال غير المنجسة و الملوثة فيها اللهم إلّا أن يقال إن التلويث حرمته بالفحوى فإنه إذا كانت النجاسة الثانية أشدّ و أغلظ حرمة كما إذا ألقى البول على موضع من المسجد المتنجس من قبل بالماء المتنجس فالتلويث بنظر العرف لا يقصر عن الفرض المزبور و قد تقدّم أن النجاسة قابلة للتعدّد فيما إذا كان بينهما اختلاف في المطهر و لا أقلّ من تبدّل النجاسة الأخف إلى الشديد، و المستفاد مما دلّ على وجوب الإزالة عدم جواز التنجيس بالأشد أيضاً و لو كون الموضع متنجساً بالأخف قبله، نعم إذا لم تكن النجاسة الثانية أشد أو أكثر فلا دليل على عدم جواز تنجيس المتنجس سواء قيل بالتداخل في المزيل أو في المزال كما لا يخفى فإنه لا يستفاد من دليل وجوب الإزالة حرمته.

تطهير المسجد‌

(1) يقع الكلام في جواز حفر أرض المسجد و وجوبه فيما إذا توقف تطهيره عليه، و كذا فيما لو توقف التطهير على تخريب شي‌ء منه و أنه إذا حصل الحفر بالجواز أو الوجوب فهل يجب طمّ الحفر أو تعمير الخراب أم لا يجب؟ و أنه إذا أخرج شي‌ء من المسجد خارجه للتطهير أو لغاية اخرى مجوزة له فهل يجب ردّه على مكانه بعد تطهيره أو بعد تدارك الغاية المزبورة؟

366

..........

____________

أمّا الكلام في الجهة فقد يقال إن ما دلّ على عدم جواز‌

تخريب شي‌ء من المسجد لا يعمّ ما إذا كان التخريب لمصلحة عامة كالتوسعة و إحداث باب أو (روشن) فيه و تخريب شي‌ء منه لتطهيره من تلك المصلحة.

و يناقش في ذلك بأن تطهيره من تنجسه الموقوف على حفره أو تخريب شي‌ء منه لا يعدّ من مصالح المصلين فيه، بل قد يوجب منع الصلاة و إضرار المصلين، و عليه فما دلّ على حرمة تخريبه كذلك مثل قوله سبحانه: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا» (1) يكون مع ما دلّ على وجوب تطهيره من المتزاحمين، و بما أن الأهمّية محتملة في كلّ منهما يكون الحكم التخيير، بل يمكن أن يقال بعدم جواز التخريب فإن إطلاق دليل تحريمه يرفع موضوع وجوب الإزالة حيث لا تمكن مع تحريمه على إزالة نجاسته.

و بتعبير آخر إذا توقف الواجب على فعل المنهي عنه فمع احتمال الأهمية في جانب الحرمة أيضاً يكون إطلاق تحريمه حاكماً على وجوب ذي المقدمة، أضف إلى ذلك أنه لم يثبت وجوب تطهير المسجد من التنجس في الفرض إذ العمدة في وجوبه الإجماع و الارتكاز و هما غير ثابتين في الفرض، نعم لا بأس بالالتزام بوجوب التطهير و لا أقلّ من جوازه إذا كان الحفر أو التخريب يسير بحيث لا تمنع عن الصلاة في ذلك الموضع و لا يكون إضراراً بالمصلي فيه.

و هذا مع عدم الباذل لتعمير الخراب و طمّ الحفر و إلّا فالحفر و التخريب المزبور يعدّ من المصالح العامة فيما كانت النجاسة في موضع السراية إلى لباس المصلي أو‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 114.

367

..........

____________

بدنه و إذا كانت في غير ذلك الموضع فلا ينبغي التأمل في جوازه أيضاً لانصراف ما دلّ على عدم جواز تخريب المسجد عن مثل هذا الفرض.

و أمّا عدم وجوب طم الحفر و تعمير الخراب فلأن الإنسان لا يضمن الاتلاف فيما إذا كان مكلّفاً به لمصلحة المالك بحيث يعدّ إتلافه إحساناً لمالك المال كما إذا توقف إخماد حريق دار المالك على كسر بابه أو تخريب جدار بيته، و المفروض أن الحفر أو التخريب لمصلحة المسجد، بل المسجد لا يدخل في ملك أحد كما تقدم فإن وقفه تحرير للأرض و البناء و يختص الضمان بموارد كون المتلف ملكاً للغير و العمدة في المقام هذا الوجه، و إلّا فلا يجري الوجه الأوّل فيما إذا كان القائم بتطهيره منجساً له.

و مما ذكر يظهر الفرق بين إتلاف أجزاء البناء و سائر آلاته فإن وقف ساير آلاته من قبيل تمليك المسجد أو المصلين فيضمن له أو لهم متلفها.

و أمّا وجوب ردّ الآجر و نحوه من أجزاء البناء بعد تطهيره إلى المسجد فلأنه يدخل في وقف البناء مسجداً و الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1) فلا يجوز التصرف في البناء و أجزائها بما ينافي الوقف؛ و لذا لو لم يمكن صرفه في هذا المسجد لتعين صرفه في مسجد آخر حفظاً لغرض الواقف المستفاد من وقفه، بل الملحوظ فيه بحسب المتفاهم العرفي حفظ مراتب الانتفاع، و لا يخفى أنه لا يمكن الاستدلال على وجوب الردّ بما دلّ على وجوب ردّ الحصى أو التراب المأخوذ من البيت أو المسجد الحرام إليه و ذلك فإن الإخراج فيهما لم يكن بأمر الشارع لو لم نقل باحتمال اختصاص الحكم بالبيت و المسجد الحرام و لا يجري في ساير المسجد و الاخراج المفروض في المقام ما يتوقف عليه تطهير المسجد.

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 175، الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات.

368

[إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره]

(مسألة 8) إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1) أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه و تطهيره كما هو الغالب.

____________

(1) نقل عن كثير من الأصحاب لزوم تطهير ساير آلاته، بل لم ينقل فيه خلاف، و لكن لا يخفى أن المستفاد مما تقدم من الروايات الواردة في جعل الكنيف مسجداً، و صحيحة علي بن جعفر (1) المتقدّمة الدالة على لزوم تطهير المسجد بالتقرير إزالة النجاسة عن نفس المسجد و بنائه و لا يشمل فرشه و آلاته.

نعم، لو قيل بحرمة إدخال النجاسة و المتنجس و وجوب إخراجهما عنه لتعين تطهير ما ذكر، و لكن الالتزام بما ذكر غير ممكن فإن الآية المباركة «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» (2) لا يمكن استفادة حرمة إدخال ساير النجاسات العينية فضلًا عن المتنجسات و النبوي ضعيف سنداً و دلالة على ما تقدّم. ثمّ بناءً على تقدير وجوب التطهير أو جوازه يختار ما لا يكون فيه إتلاف أو كان التلف فيه أقلّ كما هو مقتضى عموم الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (3) كما أنه لا يجوز تنجيس الحصير حيث إن تنجيسها تصرف في الوقف التمليكي على خلاف جهة الوقف بل يجري ذلك في مثل المنابر الموقوفة للمساجد فإنه و إن كان وقفها تمليكياً أو انتفاعياً إلّا أنه لا يجوز للموقوف عليهم التصرف المنافي لوقفها عرفاً فإن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فالفرق بين تنجيس الحصير و المنابر بالالتزام بعدم جواز الأول و عدم حرمة الثاني مشكل، و عليه فإن كان التنجيس تجاوزاً عن وقفهما فلا يبعد أن يجب تطهيرهما على من نجّسه خاصة لكون الإبقاء على النجاسة المستند إلى من نجسهما أيضاً تجاوز عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 18.

(2) سورة التوبة: الآية 28.

(3) وسائل الشيعة 19: 175، الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات.

369

[إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع فإن وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز]

(مسألة 9) إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع كما إذا كان الجص الذي عمر به نجساً أو كان المباشر للبناء كافراً فإن وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز (1) و إلّا فمشكل.

[لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خراباً]

(مسألة 10) لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خراباً (2) و إن لم يصل فيه أحد و يجب تطهيره إذا تنجس.

____________

وقفهما بحسب المتفاهم العرفي.

(1) الأظهر أنه يكفي في تطهير المسجد غسل ظاهر جدرانه و سقفه و أرضه و لا يجب تطهير بواطنها فإنه كما أشرنا ليس في البين دليل على وجوب الإزالة بأزيد مما ذكر خصوصاً فيما إذا كان التطهير موجباً لانعدام المسجد سواء وجد باذل للبناء أم لا فإن مقتضى الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إبقاء البناء الأوّل إلّا إذا كان البناء الثاني لمصلحة المصلين من التوسعة فيه و نحوها، فإنه يمكن أن يقال بجواز التخريب في الفرض أخذاً بالسيرة الظاهرة الثابتة من صدر الإسلام و اللّٰه سبحانه هو العالم.

(2) المراد المسجد الذي لا يخرج بخرابه عن عنوان المسجد بأن يقال إنه مسجد خراب لا أنه كان مسجداً و صار بالفعل شارعاً أو ميداناً أو حماماً أو نحو ذلك فإن حكم هذا القسم يأتي في المسألة الثالثة عشر.

و الوجه في عدم الجواز فإن ظاهر الأمر بإزالة النجاسة عن المساجد و حرمة تنجيسها أنه لرعاية قداسة المكان، و لا فرق في ذلك بين المسجد العامرة و الخربة التي لا يصلي فيه أحد لخرابه نعم صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (1) و إن ورد السؤال فيه عن المسجد الذي يصلى فيه، و كذا ما ورد في جعل الكنيف مسجداً (2) إلّا أن الارتكاز‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 18.

(2) وسائل الشيعة 5: 209، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد.

370

[إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه]

(مسألة 11) إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه (1) إن أمكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد تطهيره بصب الماء و استلزم ما ذكر.

[إذا توقف التطهير على بذل مال وجب]

(مسألة 12) إذا توقف التطهير على بذل مال وجب (2) و هل يضمن من صار سبباً للتنجس؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة (3).

____________

المشار إليه يعم غيره أيضاً.

(1) قد تقدّم أن حرمة التنجيس مستفادة مما ورد في وجوب تطهير المسجد و إزالة النجاسة عنه و التنجيس الذي يتوقف عليه التطهير و يطهر بعد ذلك غير مستفاد عدم جوازه، و لا تصل النوبة إلى ما قيل من حرمة تنجيس الموضع الزائد مع وجوب الإزالة من المتزاحمين و وجوب الإزالة المتحقق بامتثاله طهارة تمام ذلك الموضع أهمّ من عدم جواز تنجيس المسجد بالتنجيس الزائل في زمان قصير.

(2) التفرقة بين المقام بالالتزام ببذل المال الموقوف عليه التطهير و ما ذكروه من عدم وجوب بذل الكفن في تجهيز الميت الواجب لكون وجوب التكفين مع عدم الكفن ضررياً مشكل، نعم يمكن أن يقال إنه يستفاد مما دل على أن أول ما يخرج من تركة الميت الكفن أنه كما لا يجب على السائرين أداء دين الميت كذلك لا يجب بذل الكفن مع عدم التركة له حيث إن الكفن كما ذكرنا مقدم على ساير الديون و مع الإغماض عن ذلك فوجوب التجهيز كفائي و لا يوجب ضرراً مع اشتراك الجميع في بذل الكفن كما لا يوجب التطهير في المقام ضررياً مع اشتراك السائرين في بذله.

(3) هذا لما تقدم من أن المسجد لا يكون ملكاً للغير ليضمن إتلاف عينه أو وصفه، نعم لو كان وقف شي‌ء تمليكياً لعنوان عامّ أو انتفاعياً كذلك فيلتزم بالضمان و إن تدارك إتلاف الوصف في أمثال المقام مما لا يمكن إيصاله إلى المالك بغير إصلاح العين يكون بضمان إصلاحه و إرجاعه إلى الحالة الأوّلية أخذاً بسيرة المتشرعة بل‌

371

[إذا تغيّر عنوان المسجد ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره كما قيل إشكال]

(مسألة 13) إذا تغيّر عنوان المسجد (1) بأن غصب و جعل داراً أو صار خراباً بحيث لا يمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكاناً للزرع ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره كما قيل إشكال، و الأظهر عدم جواز الأول بل وجوب الثاني أيضاً.

____________

العقلاء في نظائر ما ذكر.

هذا بالإضافة إلى ضمان تلف العين و الوصف أو إتلافهما بمعنى سقوط العين عن المالية رأساً أو عن بعض ماليته بالتصرف فيها، و أمّا مجرّد التنجيس في غير المشروبات و المائعات فلا يوجب ذلك و مجرد إيجاد الموضوع للتكليف على الغير الموقوف امتثاله على صرف المال لا يوجب الضمان و لا يعدّ من إتلاف المال على الغير كما إذا أبرأ الدائن المديون الذي عنده زاد و راحلة عن دينه فإنه لا يضمن المبرئ ما يصرفه المديون في حجه الواجب عليه بإبراء دائنه.

و الحاصل أن المساجد لعدم كونها ملكاً لا يدخل إتلاف عينه أو وصفه في الضمان و أن مجرّد التنجيس في غيرها من الوقوف التمليكية أو الانتفاعية لا يوجب النقص في المالية ليوجب ضمان الوصف الذي يكون ضمانه فيهما و سائر الموارد التي لا يمكن فيها إيصال بدل الوصف أي قيمته إلى المالك إلّا بإرجاع العين و إصلاحها بأُجرة الإصلاح، و لا مجال أيضاً لدعوى أن تنجيس المسجد فيما توقف على بذل المال إتلاف لذلك المال على السائرين؛ لما تقدم من أن إيجاد الموضوع للتكليف على الغير الموقوف امتثاله على صرف المال لا يعدّ إتلافاً على الغير بذلك المال.

(1) إذا تغيّر عنوان المسجد بأن بنى بعد هدمه داراً أو جعلوه جادّة و الحاصل يكون بحيث لا يصدق عليه عنوان المسجد فعلًا بل يقال كان مسجداً و لا ينافى زوال عنوان المسجد بقاؤه وقفاً و تحرير أرضه للعبادة لما ذكر في محلّه من أن زوال عنوان‌

372

..........

____________

الموقوف لا يوجب إنهاء الوقف و بطلانه، و بما أن ظاهر الخطابات في العناوين التي ذكرت موضوعاً للأحكام الوارد فيها أنها بفعليتها موضوعات لها تكون حرمة تنجيس المسجد و وجوب إزالة النجاسة عنه دائرتين مدار فعلية العنوان، و لا يجري بعد زوالها استصحاب حرمة التنجيس و لا وجوب تطهيره بناءً على الاستصحاب التعليقي.

و الوجه في عدم الجريان أن عنوان المسجد مفهوم للحكم فلا استصحاب بعد زواله هذا أوّلًا.

و ثانياً عدم الاعتبار بالاستصحاب في الأحكام الكليّة التخييريّة فضلًا عن التعليقيّة.

و لو قيل باعتباره فيها فلا بد من التفصيل بين حرمة التنجيس حيث إن استصحابها تخييري و بين وجوب الإزالة فإن استصحابه تعليقي لا يجري في موارد تعليق الموضوع كما في المقام، و قد ذكر في محلّه عدم اعتباره، و ما ذكرنا سابقاً في توجيه الاستصحاب التعليقي من استصحاب مثل الحلية المغياة بغليان العصير حال صيرورته زبيباً.

أمّا ما في المتن من ابتناء الخلاف على القول بجواز جعله مكاناً للزرع لم يظهر وجهه فإن ظاهر الخطاب ما ذكرنا حتى لو قيل بعدم جواز الزرع و نحوه أخذاً بما دلّ على أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1) فإن مقتضاه عدم جواز التصرف في العين الموقوفة بما ينافي الوقف أو غرض الواقف.

نعم، لا بأس بالتصرف في العين الموقوفة بما لا ينافيها و لو فرض صيرورة ما كان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 175، الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات.

373

[إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة]

(مسألة 14) إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1) و إلّا فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل لكن يجب المبادرة إليه حفظاً للفورية بقدر الإمكان و إن لم يمكن التطهير إلّا بالمكث جنباً فلا يبعد جوازه بل وجوبه و كذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتك حرمته.

____________

مسجداً بحيث من الخراب لا يعدّ زرعه منافياً فلا بأس به و لكن لا يجوز إجارتها من الحاكم أو غيره حيث إن الإجارة تمليك منفعة العين، و قد ذكرنا أن الوقف في المساجد و نحوها تحرير فلا تدخل عينه و منفعته في ملك أحد و إنما يتصدى الحكم بالإجارة في الوقف الذي يمكن فيه ذلك التمليك فيتصدى الحاكم بها حسبة.

(1) و ذلك لعدم المزاحمة بين وجوب الإزالة و حرمة المكث فإن الجنب يجوز له المرور جنباً في غير المسجدين، نعم لو لم يمكن التطهير إلّا بالمكث فيها و أمكن للجنب الاغتسال فإن مقتضى إطلاق حرمة المكث عدم وجوب الإزالة في زمان يسع الاغتسال حيث لم يعلم أهمية الإزالة بحيث لا يجوز تأخيرها حتى بهذا المقدار بل الاغتسال في الفرض كتهيئة سائر مقدماته، و لو لم يمكن تطهيره إلّا جنباً و توقف على المكث فيه فقد نفى البعد عن جواز الإزالة، بل وجوبها و لكن لا يخفى أنه بعيد فإن حرمة مكث الجنب في المسجد مع وجوب تطهيره تكليفان متزاحمان و لم يحرز أهمية الإزالة، بل الأهمية في كلّ منهما محتملة فيكون إطلاق دليل حرمة المكث بالمسجد نافياً التكليف بالإزالة؛ لأنه لا يمكن الأمر بفعل مع حرمة مقدمته.

لا يقال: بما أن المكلف في الفرض غير متمكن على الاغتسال فليتيمم للدخول لكون التيمم طهارة فاقد الماء.

فإنه يقال: إذا كان المكلف فاقد الماء بالإضافة إلى الصلاة فلا بأس و يخرج عن‌

374

[في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى إشكال]

(مسألة 15) في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى إشكال (1) و أمّا مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فِرَقهم.

[إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد لا يلحقه الحكم]

(مسألة 16) إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه

____________

فرض الكلام، و أمّا إذا كان واجداً بالإضافة إليها فلا دليل على كون التيمم رافع للحدث على ما تقدّم سابقاً.

و الحاصل أن التيمم مبيح لا رافع هذا كلّه فيما إذا لم يكن بقاء المسجد متنجساً هتكاً لمعبد المسلمين و إلّا قدم جانب الإزالة مع عدم قيام الغير بها لكونها أهم، و لا يحتاج في الفرض إلى التيمم للدخول في المسجد ما لم يكن فاقداً الماء للصلاة لما تقدّم من أن التيمم طهارة لمن كان فاقداً للماء بالإضافة إلى الصلاة.

(1) لا إشكال في أن مجرّد تنجيس مساجدهم غير محرم لعدم الدليل عليه و اختصاص ما تقدم بمساجد المسلمين من روايات جعل الكنيف مسجداً (1) و صحيحة علي بن جعفر (2) و حتى النبوي جنبوا مساجدكم النجاسة (3)، و يلزم على القائل بحرمة تنجيسها الالتزام بوجوب تطهيرها و لو مع تنجسها بمباشرة أهلها من الكفار.

نعم، لو صار ما كان معبداً لهم مسجداً للمسلمين لحقه الحكم و هذا أمر آخر.

و على الجملة الالتزام بصدق عنوان المسجد على بيعهم و كنائسهم فإنهم يعبرون عن مساجدهم بما ذكر لا يوجب لحوق حكم مساجد المسلمين بها.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 209، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد.

(2) وسائل الشيعة 3: 411، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 18.

(3) وسائل الشيعة 5: 229، الباب 24 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.

375

جزءاً من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير و حرمة التنجيس (1) بل و كذا لو شكّ في ذلك، و إن كان الأحوط اللحوق.

[إذا علم إجمالًا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما]

(مسألة 17) إذا علم إجمالًا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما (2).

____________

(1) كما إذا بنى البناء و قال جعلت أرض البناء مسجداً فإنه يخرج جدرانها و سقفها عن كونه مسجداً فإن مقتضى كون الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1) كون الجدران و السقف و الصحن خارجة عن المسجد و تتصل به، و هذا الاتصال لا يوجب سراية حكم المسجد إليها و بذلك يظهر حكم ما إذا وقف أحد الأرض مسجداً، و تخيل آخر أنها وقفت لنزول المارة و جعل لها جدراناً و سقفاً فإنه لا يجرى على الجدران و السقف حكم المسجد، و لا ينافي كون الأرض مسجداً بقاء الجدران و السقف ملكاً فإن المسجدية تنافي الملكية و المفروض عدم كونها غير الأرض مسجداً.

و عليه فلو شك في كون صحن المسجد وقف مسجداً أم لا و كذا جدرانه فمقتضى الاستصحاب عدم وقفها مسجداً، و لا أقل من أصالة البراءة عن حرمة تنجيسها و وجوب إزالة النجاسة عنها ثمّ إن إحراز أن الصحن أو غيره وقف مسجداً أو أنه وقف على المسجد يمكن بالسيرة العملية من المترددين و أنهم يعاملون معاملة المسجد أم لا، و سيأتي أن هذه السيرة طريق يعتمد عليه في إحراز خصوصيات الوقف و بتعبير آخر الشهرة العملية كالشهرة القولية مما يؤخذ بها في إحراز أصل الوقف و خصوصياته و ليس في غالب الموقوفات طريق إلى إحراز أصل وقفها إلّا السيرة العملية و الشهرة القولية.

(2) للعلم الإجمالي بوجوب الإزالة عن أحدهما و مقتضى سقوط الاصول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 175، الباب 2 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات.

376

[لا فرق بين كون المسجد عامّاً أو خاصّاً]

(مسألة 18) لا فرق بين كون المسجد عامّاً (1) أو خاصّاً و أمّا المكان الذي أعدّه للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم.

[هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة الظاهر العدم]

(مسألة 19) هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة؟ الظاهر العدم (2) إذا كان مما لا يوجب الهتك، و إلّا فهو الأحوط.

____________

النافية في كلّ من طرفي العلم رعاية احتمال التكليف في كلّ منهما.

(1) الوارد في الروايات لزوم تطهير المسجد المستفاد منها عدم جواز تنجيسها و مقتضى الإطلاق أو العموم فيها عدم الفرق بين مسجد و مسجد آخر كان مسجد سوق أو محلّة أو بلد أو جامع و هكذا و هكذا، و أمّا كون المسجد عامّاً أو خاصّاً فإن اريد منه عدم الفرق بين مسجد الجامع و بين مسجد سوق فالأمر كما ذكره.

و أمّا لو اريد منه من الخاص المسجد الذي يكون موقوفاً على طائفة خاصة بحيث لا يجوز الصلاة فيها لغير تلك الطائفة كما إذا جعله مسجداً للفقراء أو للزوار و نحو ذلك فلم يحرز تحقق المسجدية بذلك فإن وقف الأرض أو البناء مسجداً أي مكاناً للعبادة عبارة اخرى عن تحريرهما بحيث لا يقبل الملكيّة إلى الأبد فيكون كلّ الناس سواء في العبادة فيه فالمنع عن عبادة بعض الناس فيه و اعتباره في وقفه ينافي عنوان المسجدية؛ و لذا يعدّ المنع عن دخول الكافر و المشرك فيه من أحكامه لا أن دخولهما ينافي وقف الواقف و إنما المنافي لوقفه مسجداً المزاحمة للعبادة فيه.

نعم، الأمر في مسجد البيت المعبّر عنه في العرف ب‍ (نمازخانه) لا يدخل في عنوان المسجد حقيقة و لا يخرج عن ملك مالكه و لا يترتب عليه الأحكام المذكورة للمساجد و منها عدم جواز تنجيسه تكليفاً و وجوب إزالتها عنها.

(2) قيل الأظهر الوجوب فيما إذا أحرز أن الغير يقوم بإعلامه بتطهيره لأن الغرض من وجوب الإزالة يقوم بطبيعي الفعل الصادرة عنه بالمباشرة أو التسبيب؛

377

..........

____________

و لذا يكون الواجب مع تمكّنه على التطهير بالمباشرة أحد الأمرين لا خصوص التطهير بالمباشرة، و أمّا إذا لم يتمكن عليه بالمباشرة و علم أيضاً بعدم قيام الغير به على تقدير إعلامه أمّا لعدم مبالاته بالدين أو أنه لا يثق بإخباره فلا تكليف حتى بالاضافة إلى الإعلام، و إذا احتمل قيام الغير به يكون المورد من موارد الشك في التكليف من جهة الشك في القدرة، و فيما إذا أحرز الغرض و شك في تفويته بمعنى فوته مع التمكن على استيفائه كما إذا رأى غريقاً و لم يتمكن من إنقاذه بالمباشرة و احتمل تمكنه عليه بالتسبيب و الإعلام يكون المورد من موارد الاشتغال فإنه كما أن العلم بالتكليف منجز كذلك العلم بالغرض الملزم.

أقول: ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) ليس كون المعتبر في وجوب الإزالة المباشرة بحيث لو استأجر غيره لصب الماء على الموضع المتنجس أو أمر ولده أو عبده بذلك لم يحصل موافقة تكليفه و بتعبير آخر الواجب على من التفت إلى تنجس المسجد تطهيره بالمباشرة أو بالاستنابة و التسبيب، و إذا لم يمكنه ذلك فيسقط التكليف عنه لعجزه و أنه لا يصدق على إعلامه الغير بالنجاسة حتى فيما إذا علم أنه يثق بإخباره فيقوم بتطهيره التطهير بالتسبيب، بل هو داخل في إرشاد الغير إلى موضوع التكليف المتوجه إليه و أن هذا الإرشاد غير لازم هذا بالإضافة إلى صورة وثوق الغير به أو بإخباره فضلًا عما إذا لم يكن للغير وثوق به أو لا يعلم أنه يثق به أم لا.

و على الجملة التسبيب يحصل فيما إذا صحّ إسناد الفعل إليه أيضاً بأن يقال إنه طهّر المسجد بل هذا نظير ما عجز عن الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في مورد لعلمه بأنه لا يترتب على أمره أو نهيه أثر و أعلم الغير بأن فلاناً يترك المعروف أو يرتكب المنكر الفلاني ليأمر هو بالمعروف أو النهي عن المنكر فإنه لا سبيل إلى‌

378

[المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس]

(مسألة 20) المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكاً (1) بل مطلقاً على الأحوط، لكن الأقوى عدم وجوبها مع عدمه و لا فرق فيها بين الضرائح و ما عليها من الثياب و سائر مواضعها إلّا في التأكد و عدمه.

____________

الالتزام بوجوب هذا الإعلام، نعم إذا كان الواجب الكفائي بحيث يعلم بعدم رضا الشارع بترك ذلك الفعل و أمره بتحصيله بأي وجه كما في تجهيز الميت المؤمن فإنه يجب على من يعجز عن تجهيزه بالمباشرة أو التسبيب إعلام الغير به ليقوم هو بتجهيزه، و منه ما إذا كان بقاء المسجد على نجاسته هتكاً للمسجد أو للمسلمين فإنه يجب على العاجز إعلام الغير به نظير إعلام الغير بالغريق ليقوم الغير بإنقاذه.

(1) إذا كان التنجيس بحيث يكون هتكاً و إهانة للمشهد فلا ينبغي الريب في حرمته، و كذا تجب الإزالة بحيث مع بقائه على النجاسة يعدّ مهانة، و الدليل على ذلك ارتكاز المتشرعة، و ما ورد في شأن المشاهد من قداستها و فضلها، و أمّا إذا لم يكن هتكاً فظاهر الماتن التفصيل بين التنجيس و الإزالة بحرمة الأول و عدم وجوب الثاني.

و قد يقال في وجهه أن تنجيس المشاهد و الضرائح تصرف فيها على خلاف وقفها فإنها وقفت أي جعلت ملكاً للمسلمين أو الإمام (عليه السلام) لأن يزار فيها مع التحفظ على طهارتها و نظافتها و عدم وجوب الإزالة بعد التنجس لعدم الدليل عليه.

و فيه أن الوقف كما ذكر إذا اقتضى عدم جواز تنجيسها يقتضي أيضاً لزوم إزالة تلك النجاسة على من نجّسها فإن إبقاءها على نجاستها تصرف منها على خلاف وقفها، و أيضاً لحاظ نظافتها و عدم تنجيسها في وقفها حتى في صورة عدم كون التنجيس مهانة غير محرز خصوصاً بملاحظة أوقات الزحام و دخول المواكب و العزاءات في الصحن أو الحرم الشريف.

379

[تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف و خطّه]

(مسألة 21) تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف و خطّه بل عن جلده و غلافه مع الهتك كما أنه معه يحرم مسّ خطّه أو ورقه بالعضو المتنجس و إن كان متطهراً من الحدث، و أمّا إذا كان أحد هذه بقصد الإهانة فلا إشكال في حرمته (1).

____________

طهارة المصحف و أحكامه‌

(1) تجب إزالة النجاسة عن ورق القرآن و خطه بل و جلده و غلافه مع كون نجاستها هتكاً له فإن ما ورد في عظمة القرآن و كونه معجزة خالدة و كذا ما هو المرتكز في أذهان المتشرعة من أنه لا يعامل معه معاملة ساير الكتب مقتضاه عدم جواز هتكه و الممانعة عنه، و أمّا مع عدم الهتك فقد يقال بوجوب الإزالة و يستدلّ بقوله سبحانه «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (1) فإن الآية المباركة و إن كانت ناهية عن المسّ بالحدث كما هو إسناد الطهارة إلى الماسّ لا العضو الممسوس به إلّا أنه يمكن استفادة الحكم بالأولويّة.

لا يقال: غاية الأمر يستفاد مما دلّ على عدم جواز مسّ المحدث عدم جواز تنجيسه، و أمّا وجوب تطهيره نظير وجوب تطهير المساجد فلا يستفاد منه.

فإنه يقال: ظاهر الآية أي عدم تقييد المنهي عنه بفعل المخاطب لزوم الممانعة عنه، نعم يجري ذلك بالإضافة إلى خطّه خاصّة، و أمّا مسّ ورقه فغير ظاهر فإن المحرم على المحدث مسّ خطّه.

أقول: لو تم ما ذكر لكان مقتضاه عدم جواز مسّ خطّ القرآن باليد النجسة و إن لم يوجب تنجّس خطّه أو ورقه و يلزم الممانعة عن المسّ و لو كان الماسّ صغيراً يتعلم القرآن بلا طهارة، و كذا لا يجوز مسّ كتابته مع نجاسة بدن الماسّ و إن لم يكن عضوه الخاص متنجّساً كصاحب القروح أو الجروح، و أيضاً ما ذكر في دلالة الآية المباركة‌

____________

(1) سورة الواقعة: الآية 79.

380

[يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس]

(مسألة 22) يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس، و لو كتب جهلًا أو عمداً وجب محوه، كما أنه إذا تنجس خطّه و لم يمكن تطهيره يجب محوه.

[لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر]

(مسألة 23) لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر، و إن كان في يده يجب أخذه منه (1).

____________

على عدم مسّ المحدث كتابة القرآن لا يخلو عن المناقشة حيث يحتمل أن يكون المراد بمسّه إدراكه و كشف المرادات من آياته بتمامه فيكون المقصود من «الْمُطَهَّرُونَ» المطهرون من دنس العصيان و المخالفة المعبر عنهم في موضع آخر من الكتاب ب‍ «الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (1)* و على الجملة لم يذكر في الآية «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» ليكون ظاهرها الطهارة من الحدث.

نعم لا يجوز مسّ المحدث كتابة القرآن للروايات التي عمدتها موثقة أبي بصير (2) و لا يستفاد منها ممانعة الغير من مسّها مع الحدث فضلًا عن أن يستفاد منها إزالة تنجس ورقه أو خطّه أو غير ذلك مع عدم الهتك لعدم إحراز تمام الملاك لعدم جواز المسّ و من هنا يظهر الكلام في مسألة 22.

(1) لو قيل بأن الكفار مكلفون بالفروع و منها حرمة تنجيس المصحف يكون إعطاء المصحف بيده مع إحراز تنجّسه في يده من التسبيب إلى الحرام حيث إن الكافر لا يعلم التنجيس و حرمته.

و على الجملة لا يدخل المقام في مسألة إعطاء العنب لمن يصنعه خمراً حيث إن المفروض في تلك المسألة أن الصانع يعلم صنع الخمر و أنه حرام فيكون إعطاؤه له داخلًا في مسألة إعانة الغير على الحرام فقد ذكرنا في المكاسب المحرمة أن الإعانة‌

____________

(1) سورة النساء: الآية 162.

(2) وسائل الشيعة 1: 383، الباب 12 من أبواب الوضوء، الحديث الأول.

381

[يحرم وضع القرآن على العين النجسة]

(مسألة 24) يحرم وضع القرآن على العين النجسة (1) كما أنه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه و إن كانت يابسة.

[يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية، بل عن تربة الرسول و سائر الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم)]

(مسألة 25) يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية، بل عن تربة الرسول و سائر الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) المأخوذة من قبورهم و يحرم تنجيسها، و لا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك و الاستشفاء. و كذا السبحة و التربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة.

____________

على غير الظلم من المحرمات ليست بحرام، و إنما المحرم هو التعاون على الحرام و العصيان و أمّا وجوب أخذه منه فهو مبني على لزوم الممانعة عن تنجيس المصحف على ما تقدّم من استفادته من الآية المباركة، و بما أن شيئاً من الأمرين غير ثابت يكون عدم جواز الإعطاء و وجوب الأخذ في صورة الهتك خاصّة لعلمنا بأن الشارع لا يرضى بهتك حرماته.

و أمّا تعليل مسألة وجوب الأخذ بدليل منع الغير على المنكر و عدم جواز الإعطاء بحرمة الإعانة على الإثم فغير صحيح فإن الثابت المنع عن المنكر ما إذا كان الفعل في مذهب فاعله منكراً أيضاً؛ و لذا لا يمنع الكفار في بلاد المسلمين عن شرب الخمر في بيوتهم و أكل الميتة و غير ذلك من المحرمات التي لا يرونها محرمة بحسب مذاهبهم، و مسألة الإعانة قد تقدمت الإشارة إليها فلا يفيد.

ثمّ إن تقييد الماتن الحكم في مسألة 21 بصورة الهتك مع إطلاقه في هذه المسألة لا يجتمعان.

(1) هذا فيما إذا كان الوضع مهانة بشأن الكتاب العزيز لا في مثل جعله على بساط و نحوه من جلد الميتة، و إذا كان وضعها عليها مهانة له وجب رفعها عنها لكون بقائه عليها كوضعها مهانة و هتكاً و بهذا يظهر الحال في المسألة الخامسة و العشرين.

382

[إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه]

(مسألة 26) إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه و لو بأُجرة (1) و إن لم يمكن فالأحوط و الأولى سدّ بابه و ترك التخلّي فيه إلى أن يضمحلّ.

[تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه]

(مسألة 27) تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره (2).

____________

(1) حيث إن بقاءه في بيت الخلاء أو بالوعته مهانة له فيجب إخراجه و لو بأُجرة على ما ذكر في تطهير المسجد، و لو لم يمكن إخراجه فاللازم سدّ بابه و ترك التخلي إلى أن يضمحل؛ لأن التخلي فيها قبل اضمحلاله مهانة اخرى فلا وجه للالتزام بالأحوط الأولى كما لا يخفى.

(2) فإن كان المصحف للغير فلا يضمن إلّا النقص الحاصل بتنجيسه إن حصل على ما تقدّم من أن ضمان اليد و الإتلاف يعمّ الأوصاف سواء كانت من أوصاف الكمال أو الصحة.

و عليه فلا ضمان فيما لم يوجب تنجيسه نقصان قيمته السوقية كالفراش المكتوب عليه سورة من سور القرآن و إن كان تطهيره محتاجاً إلى مئونة و اجرة حيث ذكرنا أن فعل ما يوجب دخول الغير في موضوع تكليف يحتاج موافقته إلى بذل المال لا يكون من إتلاف المال عليه، و إنما يستند الاتلاف إلى تكليف الشارع.

و أمّا النقص الحاصل بتطهيره فيمكن أن يقال بأن ضمانه على من تصدى لتطهيره فيما إذا كان المصحف للغير فيضمن له ذلك النقص أي تفاوت قيمة كونه متنجساً و قيمته بعد تطهيره، و لكن الأظهر عدم الضمان؛ لأن تطهيره إحسان لمالكه بإسقاطه بتطهيره التكليف المتوجه إليه أيضاً بنحو الكفائي فلا يقاس المقام بإتلاف مال الغير لحفظ المتلف نفسه بل يقاس بإتلافه لحفظ نفس المالك كما لا يخفى.

383

[وجوب تطهير المصحف كفائي]

(مسألة 28) وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختص بمن نجّسه، و لو استلزم صرف المال وجب، و لا يضمنه من نجّسه إذا لم يكن لغيره و إن صار هو السبب للتكليف بصرف المال، و كذا لو ألقاه في البالوعة فإن مئونة الإخراج الواجب على كلّ أحد ليس عليه؛ لأن الضرر إنما جاء من قبل التكليف الشرعي، و يحتمل ضمان المسبب كما قيل، بل قيل باختصاص الوجوب به، و يجبره الحاكم عليه لو امتنع أو يستأجر آخر، و لكن يأخذ الاجرة منه (1).

____________

(1) إذا كان بقاء المصحف على نجاسته هتكاً فقيل بأنه لا يجب على غير من نجّسه تطهيره حتى مع فرض تركه تطهيره فهذا غير محتمل، و إن اريد أنه يجب عليه تطهيره أوّلًا و مع امتناعه يجب على السائرين نظير ما يقال في وجوب إنفاق الوالد على ولده فهذا يحتاج إلى دليل، و الذي عندنا عدم رضا الشارع ببقاء المصحف على نجاسته.

و إذا لم يكن بقاؤه على نجاسته هتكاً ففي ثبوت وجوب الإزالة في الفرض تأمل بل منع، و على تقديره فيكون الحكم فيه كما في صورة الهتك، و قد تقدم سابقاً أن فعل ما يحصل موضوع التكليف للسايرين الموقوف امتثاله على صرف المال لا يكون من إتلاف ذلك المال على السائرين نظير إبراء المديون عن دينه الموجب لحصول الاستطاعة له على ما تقدّم.

و على الجملة فما قيل من اختصاص الوجوب بمن نجسه و ضمانه المال المصروف على تطهيره بلا وجه.

ثمّ إن المصنف (قدس سره) قد قيد المصحف بما إذا لم يكن لغيره، و مقتضاه أنه إذا كان لغيره يضمن مئونة التطهير للغير، و لكن قد تقدم أن ضمانه بالإضافة إلى تلف الوصف لو كان، و إلّا فلا يفرق في مئونة التطهير بين ما إذا كان المصحف لنفسه و قد طهره الغير أم‌

384

[إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال]

(مسألة 29) إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال إلّا إذا كان تركه هتكاً و لم يمكن الاستيذان منه فإنه حينئذ لا يبعد وجوبه (1).

____________

كان لغيره، و كذا في النقص الحاصل بالتطهير على ما تقدم.

نعم، لا يبعد الالتزام بضمان النقص الحاصل بالتطهير فيما إذا كان التطهير حصل ممن نجّسه و كان المصحف للغير اللهم إلّا أن يلتزم أن تطهيره إذا حصل بإذن المالك كما يأتي يكون إذن المالك إذناً له في إتلاف وصفه الموجب لنقص ماليته مجاناً.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنه لا حاجة في تطهير مصحف الغير إلى الإذن منه فيما إذا كان بقاؤه على تنجّسه هتكاً و يجب التطهير بلا استيذان فيما لم يمكن الاستيذان و لو بامتناع المالك عن الإذن.

و الأظهر أنه إن أمكن الاستيذان منه حتى في صورة كون بقائه على تنجسه هتكاً تعين الاستيذان فإن لم يأذن و لم يباشر في تطهيره وجب التطهير؛ لأن ما دلّ على عدم جواز التصرف في مال الغير بلا طيبة نفسه و رضاه مقتضى الجمع بينه و بين العلم بعدم رضا الشارع ببقاء المصحف على تنجسه هو التطهير بالاستيذان نظير ما ذكر في تجهيز الميت بالاستيذان من الولي و أن الاستيذان منه قيد للواجب لا أنه شرط في وجوب التجهيز على السائرين، و يستفاد هذا المعنى من الماتن أيضاً لو كانت العبارة بعطف عدم إمكان الاستيذان بالواو.

لا يقال: مع لزوم التطهير على السائرين و لو بنحو الواجب الكفائي يعلم إذن الشارع في التصرف في مال الغير، و مع إذن الشارع لا معنى للاستيذان من مالك المال كما لا أثر لامتناعه عن الإذن.

و بتعبير آخر مع إذن الشارع و رضاه في التصرف في مال الغير لا تحقق لعنوان الغصب و العدوان على المالك فإن الشارع هو المالك الحقيقي كما ذكر ذلك في أكل‌

385

..........

____________

طعام الغير لدفع الجوع المهلك، و لا يقاس المقام بالاستيذان من الولي في تجهيز الميت فإن ورد أن تجهيز الميت للولي في مورد إيجابه على السائرين كفاية و معناه أن الأمر بالتجهيز المقيد بالاستيذان من الولي متوجه على السائرين.

فإنه يقال: لا فرق بين ما دلّ على أن تجهيز الميت للولي و بين النهي عن التصرف في مال الغير بإتلافه عينه أو وصفه بلا إذن مالكه في أن مقتضى الجمع العرفي بين الأمر على السائرين و النهي المزبور هو القيام بالفعل بتحصيل إذن مالكه، و الأمر في أكل طعام الغير لدفع الجوع المهلك أيضاً كذلك، غاية الأمر لو لم يأذن المالك في الأكل سقط النهي للعلم بعدم رضا الشارع بهلاك النفس. و كون الأمر بحفظه أهم من حرمة التصرف في مال الغير بلا رضا صاحبه، و فيما كان بقاء المصحف على تنجسه هتكاً و لم يأذن المالك في تطهيره و لم يباشر به بنفسه أو لم يمكن الاستيذان و لو بتوقفه على مضي زمان على بقاء المصحف على تنجسه مع كونه هتكاً تعين الإزالة للعلم بعدم رضا الشارع بهتك المصحف أو مهانته و لو بعدم إزالة النجاسة عنه، و لكن هذا من تقديم جانب الأمر بالإزالة على النهي في التصرف في مال الغير في مقام تزاحم الملاكين لا في مقام تزاحم التكليفين في مقام الامتثال، فإن التزاحم بين التكليفين ينحصر بما إذا كان متعلق كلّ منها غير الآخر وجوداً، و لم يتمكن المكلف من الجمع بينهما في الامتثال، و فيما نحن فيه عنوان المنهي عنه و هو التصرف في مال امرئ مسلم بلا طيبة نفسه ينطبق على نفس الإزالة و التطهير.

و على ذلك فلو لم يكن بقاء المصحف على تنجسه هتكاً، و لم يمكن الاستيذان من المالك و لم يأذن فيه فلا علم لنا بعدم رضا الشارع ببقائه على تنجسه فيكون مقتضى إطلاق النهي عن التصرف في مال الغير عدم جواز التطهير.

386

[يجب إزالة النجاسة عن المأكول و عن ظروف الأكل و الشرب]

(مسألة 30) يجب إزالة النجاسة عن المأكول (1) و عن ظروف الأكل و الشرب إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول و المشروب.

____________

و بتعبير آخر لا إطلاق في ناحية ما استفيد منه وجوب تطهير المصحف ليعم فرض عدم إذن المالك فيه أو عدم إمكان الاستيذان منه ليقع التعارض بينهما فيسقطان في مورد اجتماعهما، و يرجع فيه إلى إصالة الحلية أو أصالة البراءة من الوجوب و الحرمة فيحكم بالجواز.

ثمّ إن في مورد لزوم التطهير فإن كان التطهير بإذن المالك فلا ضمان في إتلاف وصف المصحف بالنقص الحاصل بالتطهير فإنه قد وقع بإذن المالك.

أضف إلى ذلك أنه إحسان إلى المالك فيما إذا كان هو أيضاً مكلفاً بالتطهير و قد أحرز تكليفه و لو بإخبار من استأذن منه في التطهير و في غير ذلك فلا يبعد الضمان؛ لأن جواز التطهير للغير أو وجوبه لا ينافي الضمان كما فرض أكل طعام الغير دفعاً لجوعه المهلك.

(1) ليس وجوب إزالة النجاسة عن المأكول كوجوب إزالتها عن المسجد وجوباً نفسياً، بل وجوب إزالتها عن المأكول شرطي حيث إن أكل النجس و المتنجس محرّم، و تستفاد حرمته مما ورد في إهراق المرق المتنجس و غسل اللحم المتنجس و إهراق الماء المتنجس و النهي عن شربه و كذا النهي عن أكل السمن أو الدهن أو الزيت المتنجس، و مما ورد في تطهير الأواني المتنجسة فإن ظاهره أن غسلها لتنجس ما يجعل فيها قبل تطهيرها إلى غير ذلك.

387

[الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة]

(مسألة 31) الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة خصوصاً الميتة بل و المتنجسة (1) إذا لم تقبل التطهير إلّا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات و غيرها للتسميد و الاستصباح بالدهن المتنجس، لكن الأقوى جواز الانتفاع بالجميع حتى الميتة مطلقاً في غير ما يشترط فيه الطهارة، نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم، و في بعضها لا يجوز بيعه مطلقاً كالميتة و العذرات.

____________

الانتفاع بالنجس و المتنجس‌

(1) قد ذكر تفصيل الكلام في المقام في المكاسب المحرّمة و المتحصل منه أن الأصل جواز الانتفاع بكلّ نجس و متنجس، و إنما المنهي عنه أكل النجس و المتنجس و شربهما تكليفاً و عدم جواز استعمالهما فيما يشترط فيه الطهارة شرطاً أو وضعاً و لم يرد في البين ما يوجب رفع اليد عن الأصل المزبور.

نعم، لا بأس بالالتزام في الميتة بالكراهة للروايات الوارد فيها النهي عن الانتفاع بها و إن يتعين رفع اليد عن ظهورها بحملها على الكراهة لثبوت الرخصة في بعضها.

و أمّا بالإضافة إلى المعاوضة فإن لم يكن لعين النجس منفعة محلّلة مقصودة فالمعاوضة عليها محكومة بالبطلان لكون أخذ المال بإزائها من الأكل بالباطل، و كذا ما إذا نفى الشارع المالية عنها كما في الميتة فإن ما ورد في كون ثمنها سحتاً مقتضاه إلغاء ماليتها و كما في الخمر و أن يحل الانتفاع بجعلها خلّا و أيضاً إذا كان للمتنجس منفعة محلّله مقصودة و منفعة محرمة فالمعاوضة عليها باشتراط استعمالها في المحرم يوجب بطلان الشرط، و أمّا نفس المعاوضة فهو مبني على أن الشرط الفاسد مفسد للعقد أم لا فراجع في تفصيل الكلام إلى محلّه.

ثمّ إن ما ذكر (قدس سره) من إلحاق بيع العذرات بالميتة مبني على عدم المالية للعذرة و إلّا يحكم بحلية المعاوضة عليها كالمعاوضة على الروث.

388

[كما يحرم الأكل و الشرب للشي‌ء النجس كذلك يحرم التسبيب لأكل الغير أو شربه]

(مسألة 32) كما يحرم الأكل و الشرب للشي‌ء النجس كذلك يحرم التسبيب لأكل الغير أو شربه و كذا التسبيب لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة، فلو باع أو أعار شيئاً نجساً قابلًا للتطهير يجب الإعلام بنجاسته، و أمّا إذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أن ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس فلا يجب إعلامه (1).

____________

(1) التسبيب إلى الحرام يتحقق مع جهل المباشر حرمة الفعل أي عنوانه المحرم مع كونه محرماً عليه و إن كان معذوراً في ارتكابه لجهله بحرمته كمن قدّم الطعام المتنجس إلى الجاهل به، و يرتفع عنوان التسبيب بإعلامه أن الطعام متنجس.

نعم، لو علم أن الغير يأكل الطعام قبل تطهيره بعد إعلامه يكون تقديمه إليه بعد إعلامه من إعانة الغير على الإثم و العدوان.

و قد ذكرنا في بحث المكاسب المحرمة أنه لا دليل على حرمة الإعانة في غير مورد ظلم الغير و أن المحرم هو التعاون على الإثم و العدوان بأن يجتمع مع الغير في تحقيق حرام و عصيان بأن يصدر ذلك الحرام منهما أو منهم، و كذلك لا تسبيب إلى الحرام فيما إذا لم يكن الفعل محرماً على المباشر لا تكليفاً و لا وضعاً كما في تقديم الطعام المتنجس إلى الطفل و المجنون، و تقديم الثوب المتنجس لمن يصلي فيه مع جهله نجاسته فالصلاة في الثوب المتنجّس جهلًا كالصلاة في الثوب الطاهر في الصحة؛ و لذا يجوز الايتمام بمن يصلي في الثوب المتنجس جهلًا و لا يجوز الايتمام بصلاة من توضأ بالماء المتنجس جهلًا فإن الصلاة مع التوضؤ بالماء المتنجس محرم وضعاً و يجب إعادتها أو قضاؤها مع العلم بالحال بعد الصلاة.

و قد ورد فيمن أعار ثوباً للغير و هو يصلي فيه و المعير لا يصلي فيه أنه لا يعلمه و لكن ورد فيمن يبيع الدهن أو السمن المتنجس أنه من إعلام المشتري بنجاسته‌

389

[لا يجوز سقي المسكرات للأطفال]

(مسألة 33) لا يجوز سقي المسكرات للأطفال (1) بل يجب ردعهم و كذا ساير الأعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم بل مطلقاً و أمّا المتنجسات فإن كان التنجس من جهة كون أيديهم نجسة فالظاهر عدم البأس به و إن كان من جهة تنجس سابق فالأقوى جواز التسبيب لأكلهم و إن كان الأحوط تركه، و أمّا ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبيب فلا يجب من غير إشكال.

____________

ليستصبح به.

و على الجملة التسبيب إلى الحرام حرام، و لكن إعلام الغير بحرمة الفعل الذي يرتكبه الغير مع جهله بالحال من غير تسبيب منه غير واجب إلّا في موارد يعلم بأهمية الغرض و أن الشارع لا يرضى بارتكابه بل أوجب التحفظ عليه كحفظ النفس أو العرض من التلف و أوجب على المكلفين منع المرتكب عنه و لو مع جهل المرتكب أو عدم الحرمة في حقه كمنع الأطفال عن الزنا و اللواط و السرقة و نحو ذلك من المحرمات على البالغين.

و مما ذكر يظهر أن ما ذكره (قدس سره) في إعارة الشي‌ء النجس كالثوب غير تام؛ لأن عمدة الدليل على حرمة التسبيب المفهوم من خطاب التحريم من أن المحرم هو الأعم من الفعل المباشري و التسبيبي لا مجرّد مبغوضية الفعل ليقال بوجوب الإعلام أيضاً فإن المبغوضية عن المكلف في فعل بالمباشرة أو التسبيب لا في الفعل مطلقاً إلّا في موارد أشرنا إليها كما لا يخفى.

(1) لا لكونه من التسبيب إلى الحرام بل للأخبار الواردة في المنع عن ذلك بل ظاهر بعضها لزوم منعهم عن ذلك و مثله بعض المحرمات في الشريعة كالسرقة و نحوها و سائر الأعيان النجسة التي تكون مضرة لهم بحيث لا يجوز إيقاعهم في ذلك الضرر.

390

..........

____________

و أمّا الردع فلا ينبغي الريب في حسنه؛ لكونه إحساناً إلى الطفل.

و أمّا وجوبه على غير الولي لم يقم عليه دليل و لا يبعد الالتزام بوجوبه على وليهم؛ لأن تحفظهم عن الضرر من شئون ولايته.

و أمّا في غير ذلك من الأعيان النجسة فلم يقم عليه دليل و التعدي من مثل الخمر إلى ساير الأعيان النجسة فيه ما لا يخفى.

و من هنا يظهر جواز التسبيب إلى أكلهم المتنجسات خصوصاً المتنجس بأيديهم النجسة كما هو مقتضى السيرة المتشرعة من عدم التزامهم بتطهير أيديهم قبل أكلهم، و إذا كان هذا حال التسبيب فالأمر في عدم لزوم روعهم عن أكل المتنجسات أظهر.

نعم يجب على الأولياء منع أطفالهم عما يضرّهم في أبدانهم و أخلاقهم و يستفاد ذلك مما ورد في حق الحضانة مستشهداً بقوله سبحانه «لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» (1) و ما ورد في تأديب أطفالهم و حقوق الأولاد، نعم هذا الوجوب غير مربوط بوجوب الإعلام أو حرمة التسبيب بل بعنوان التحفظ على الأطفال و تأديبهم فإن هذا تكليف على الأولياء يستفاد مما اشير إليه فلاحظ.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 233.

391

[إذا كان موضع من بيته أو فراشه نجساً فورد عليه ضيف و باشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب إعلامه إشكال]

(مسألة 34) إذا كان موضع من بيته أو فراشه نجساً فورد عليه ضيف و باشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب إعلامه إشكال، و إن كان أحوط بل لا يخلو عن قوة، و كذا إذا احضر عنده طعاماً ثمّ علم بنجاسته، بل و كذا إذا كان الطعام للغير و جماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة، و إن كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة لعدم كونه سبباً لأكل الغير بخلاف الصورة السابقة (1).

____________

الإعلام بالنجاسة‌

(1) قد تقدم أن المستفاد مما دلّ على عدم جواز أكل المتنجس و شربه أن لا فرق في المبغوضية بين أن أكل أو آكل من يحرم عليه أيضاً ذلك الأكل أو الشرب و يكون ذلك فيما إذا كان المباشر مقهوراً في إرادته كما في صورة الإكراه أو جاهلًا بحرمته و أراد أكله أو شربه لجهله بالحال.

و أمّا إذا لم يكن في البين تسبيب إلى الأكل و الشرب بما ذكر فلا يستفاد لا من الخطابات و لا من غيرها فعل ما لعلّه يمنع عن ارتكاب الحرام الواقعي إلّا في موارد قيام دليل خاص أو العلم بأهمية الغرض فيها بحيث لا يرضى الشارع بفوته مهما أمكن؛ و لذا لا يجب إعلام الغير بأن ما يرتكبه من الفعل ارتكاب للحرام الواقعي أو ترك للواجب الواقعي.

و ما قيل من أن التحفظ على الغرض الملزم للمولى لازم مهما أمكن، و عليه فلا فرق بين التسبيب و ترك الإعلام في أن كلّاً منهما خلاف التحفظ على الغرض يدفعه بأن اللازم على المكلف من التحفظ على الغرض ما يقتضيه التكليف المتوجه إليه و عليه يكون فرق بين التسبيب و غيره و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما كان عليك لو سكتّ» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 2: 259- 260، الباب 41 من أبواب الجنابة، الحديث الأول.

392

[إذا استعار ظرفاً أو فرشاً أو غيرهما فتنجس عنده هل يجب عليه إعلامه عند الرد؟ فيه إشكال]

(مسألة 35) إذا استعار ظرفاً أو فرشاً أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه إعلامه عند الرد؟ فيه إشكال، و الأحوط الإعلام بل لا يخلو من قوة إذا كان مما يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة.

____________

و ربّما يقال إنه يستفاد من صحيحة معاوية الواردة في بيع الزيت المتنجس: «بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» (1) أنه يجب الإعلام بنجاسة الشي‌ء مما يأكله الغير بمعنى أن الواجب على كلّ أحد هو ترك أكل المأكول النجس و المشروب النجس فلا بد من التصدي له و لو بالإعلام، و لكن استفادة ذلك في ساير المحرمات غير ممكن.

و فيه أن وجوب الإعلام بالإضافة إلى البائع المعطي للزيت النجس و هو داخل في التسبيب بالمعنى المتقدّم لا التسبيب بمعنى فعل مطلق السبب ليقال بأن التسبيب ربّما يتحقق مع علم الغير بحال الفعل مما يدخل فيه فعل الفاعل في عنوان الإعانة على الإثم.

و مما ذكرنا يظهر أن التسبيب بالمعنى المتقدم لا يتحقق بمجرد كون موضع من بيته أو فراشه نجساً و باشره الضيف بالرطوبة المسرية مع جهله بنجاسته فإنه إنما يجب إعلامه فيما إذا كانت مباشرته مع الرطوبة موجباً لتنجس طعامه الذي يقدّمه للضيف بعد ذلك و نحوه.

و أمّا إذا لم يكن إلّا موجباً لتنجس طعامه الذي يأكله بعد رجوعه في بيته ففيه تفصيل فإنه لو كان سبباً لمباشرته كان وضع المنديل المتنجس في موضع يباشره الضيف عادة فلا بد من الإعلام.

و أمّا لو أصاب اتفاقاً يد الضيف إلى جدار متنجس فلا تسبيب بالإضافة إلى أكله‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 98، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

393

..........

____________

الطعام المتنجس بعد رجوعه إلى بيته، كما لا تسبيب بالإضافة إلى صورة رؤية أحد من الضيوف تنجس الطعام الذي قدّمه المضيف إليهم.

و يدخل في التسبيب الفرض الذي ذكر في مسألة 35 حيث لا يعتبر في التسبيب كون المعطي للشي‌ء المتنجس مالكاً له بل يجري ذلك فيما يردّه الغاصب المال على مالكه فلاحظ.