بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
214 /
53

العرف صحتها، فالموضوع له واحد غير أن الشارع لا يمضي بعض الافراد. اذن يتمسك بالإطلاق الا في المورد الذي نص الشارع على عدم ترتيبه الاثر عليه.

بقي اشكال السبب و المسبب:

و هو: أنه ان كان الشارع يريد من إمضاء العقود في مثل" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" إمضاء الأسباب، فلا اشكال في التمسك بالإطلاق و المراد من" العقود" هي العقود العرفية لان الخطابات الشرعية منزلة على ما عند العرف، و أما ان أراد من ذلك إمضاء المسببات، أي ما يحصل منها و هو النقل هو الممضى شرعا فان هذا لا يقتضي إمضاء ما يعتبره العرف سببا للنقل، فلا يمكن حينئذ التمسك بالطلاق المسبب فيما شك في كونه سببا ناقلا.

و أجاب بعض المحققين: بأنه ان كان المراد من" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" هو الإمضاء فان إمضاء المسبب يستلزم إمضاء السبب، و ان كان المراد منه جعل الحكم أي وجوب الوفاء بالمسبب فلا يستلزم الحكم بالوفاء بالسبب.

أقول: الظاهر عدم الفرق بين الأمرين، فانه يستلزم الوفاء بالسبب الا اذا نص على عدم إنفاذه بسبب من الأسباب، فلا مانع من التمسك بالإطلاق.

و المختار بناء على عدم الحقيقة الشرعية ان المراد من" البيع الصحيح" هو الصحيح العرفي الشرعي، و بهذا صرح الشيخ‌

54

(قده) في آخر كلامه، و عليه فالمحلل في" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" هو البيع العرفي. نعم يخطأ العرف في كل مورد لا يراه بيعا صحيحا و يردعهم عن ترتيب الاثر عليه.

و لو لم يصح التمسك بالإطلاق يتمسك بالإطلاق المقامي المستفاد من الآية مع عدم التقييد مع كونه في مقام البيان، بل هو في الواقع إنفاذ و قبول لما يراه العرف بيعا صحيحا و الا لردع.

و على فرض عدم جواز التمسك به أيضا فلا سبيل إلى التمسك بالبراءة، بل في مورد الشك في تحقق الملكية بعقد ما يبنى على عدم الصحة، و أما المسبب فان الأصل في العقود هو الفساد.

55

المعاطاة

...

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

لا ريب في عدم تحقق" البيع" بالاعتبار المجرد، بل لأبد له من مبرز، فان كان الإبراز بالقول و هو الإيجاب و القبول فلا اشكال و لا خلاف في تحققه بذلك، و ان كان بالفعل و هو المعاطاة فهو مورد البحث و الكلام، فهل تفيد المعاطاة الملك أو الإباحة؟ و على الأول فهل هو لازم أو جائز!

أنحاء المعاطاة و آثارها

و المعاطاة: ان كانت على وجه الإجبار لم تفد شيئا، إذ لا اعتبار حينئذ، و لا يمكن التعاطي من غير قصد، و أما مع القصد فلا تخلو من ثلاثة أقسام:

1 الإعطاء مع قصد الإباحة.

2 الإعطاء مع قصد التمليك.

58

3 الإعطاء مع قصد الأمانة.

فالأول يفيد الإباحة، و الثاني التمليك، و الثالث الأمانة. و في تعيين كل واحد منها لأبد من قرينة زائدة على الإعطاء و لو كان معاملة مفهمة للمقصود حتى يؤثر فيه.

و اما الإعطاء بلا قصد فعلى فرض إمكانه لا يفيد شيئا، لان مجرد الإعطاء لا يكفي دليلا على الرضا و يكون المال مغصوبا عند الأخذ، فان قصد النقل (من غير قصد لنوع من أنواعه بالخصوص) فلا أثر له أيضا كذلك، لان أقسام النقل معينة بعناوينها من البيع و الهبة و الإجارة ..

فقصد الجنس دون الفصل غير ممكن فتأمل.

و انما الكلام في التعاطي بيعا و تمليكا بأن يعطي أحدهما بقصد التمليك بعوض و يقبل الأخر بإعطاء العوض أو اباحة بأن يتعاطيا على نحو التراضي و الإباحة في التصرف منهما بلا تمليك فهل يصح أولا؟

هنا مطالب:

الأول: ما هو المتعارف بين الناس؟ فيه قولان.

الثاني: ما هو الحكم في الحالين؟ ان قصد الإباحة لم يفد الملك كما هو واضح، و اما ان قصد التمليك ففيه أقوال: فقيل انه بيع لازم، و قيل بل جائز، و الثالث انه بيع فاسد لعدم الصيغة. و الملك لمالكه لكن يترتب عليه الإباحة تعبدا عند بعضهم، و قيل بل من المالك، و ذهب بعضهم إلى عدم جواز التصرف.

59

و أما اذا لم يقصد لا الإباحة و لا التمليك فاما لا يعقل أصلا، و اما لا يترتب عليه شي‌ء. فيكون المعطى بحكم المغصوب.

كلمات الفقهاء حول المعاطاة

الثالث: ما المستفاد من كلمات الأصحاب في المقام؟

قال المحقق الثاني(قده): ان محل النزاع هي المعاطاة المقصود بها التمليك، و لذا فقد نزل الإباحة في كلام الفقهاء على الملك الجائز.

و قال صاحب الجواهر(قده): ان محل النزاع هي المعاطاة المقصود بها مجرد الإباحة، و أبقى الإباحة في كلامهم على ظاهرها.

و لنقل كلمات جماعة من الفقهاء في المقام و نذكر ما يمكن أن يستفاد منها، فنقول:

قال في الخلاف:" اذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال أعطني بها بقلا او ماء فأعطاه فانه لا يكون بيعا، و كذلك سائر المحقرات، و انما يكون اباحة له، فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفا مباحا من دون ان يكون ملكه ..".

أقول: قوله" انما يكون اباحة" يحتمل أن يكون حكما و يحتمل ارادة ان المتعاطيين يبيح كل منهما التصرف في ماله للآخر. و أما قوله" فيتصرف كل منهما" فصريح في عدم الملك.

و كلامه(قده) في المبسوط يحتمل فيه الوجهان المذكوران كذلك، فقد قال هناك ما نصه" فأما البيع: فان تقدم الإيجاب .. و ان‌

60

تقدم القبول .. فإذا ثبت هذا فكل ما يجري بين الناس انما هو استباحات و تراض دون أن يكون ذلك بيعا منعقدا، مثل أن يعطي للخباز درهما فيعطيه الخبز أو قطعة للبقلي فيناوله البقل، و ما أشبه ذلك. و لو أن كل واحد منهما يرجع فيما أعطاه كان له ذلك، لأنه ليس بعقد صحيح هو بيع".

لان ظاهر قوله" انما هو استباحات و تراض" عدم قصد المتعاطيين الملك، و ظاهر قوله" لأنه ليس بعقد صحيح هو بيع" كونه بيعا غير صحيح.

فظهر أنه لا يمكننا نفي ارادته(قده) كون المعاطاة مقصودا بها الإباحة، بمعنى استباحة كل من المتعاطيين التصرف في مال الأخر منه، فما ذكره المحقق الثاني(قده) لا يساعده كلام الشيخ(قده).

ثمّ قال في الخلاف بعد العبارة المذكورة" و فائدة ذلك أن البقلي اذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لان الملك لم يحصل لهما. و به قال الشافعي، و قال ابو حنيفة يكون بيعا صحيحا و ان لم يحصل الإيجاب و القبول، و قال ذلك في المحقرات دون غيرها.

دليلنا، ان العقد حكم شرعي و لا دلالة في الشرع على وجوده هنا فيجب ان لا يثبت، و أما الإباحة بذلك فهو مجمع عليها لا يختلف العلماء فيها".

61

لكن الاستدلال للحكم بالإباحة بالإجماع غير تام، لوجود الخلاف في المسألة.

و قال في السرائر:". فإذا دفع قطعة إلى البقلي أوالي الشارب فقال" أعطني" فانه لا يكون بيعا و لا عقدا، لان الإيجاب و القبول ما حصلا، و كذلك سائر المحقرات و سائر الأشياء محقرا كان أو غير محقر من الثياب و الحيوان، و انما يكون اباحة له، فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفا مباحا من غير أن يكون ملكه أو دخل في ملكه، و لكل منهما أن يرجع فيما بذله، لان الملك لم يحصل لهما. و ليس ذلك من العقود الفاسدة لأنه لو كان عقدا فاسدا لم يصح التصرف فيما صار إلى كل واحد منهما، و انما ذلك على جهة الإباحة".

أقول: و هذا ظاهر في دعوى صاحب الجواهر(قده)، إذ لو كانا قاصدين للملك لكان عقدا فاسدا، بل انهما يقصدان الاستباحة، و لذا كان لكل منهما أن يرجع فيما بذله.

و قال في الغنية:" و اعتبرنا حصول الإيجاب و القبول تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري و الإيجاب من البائع، بأن يقول" بعنيه بألف" فيقول" بعتك بألف"، فانه لا ينعقد بذلك، بل لأبد أن يقول المشتري بعد ذلك" اشتريت" أو" قبلت" حتى ينعقد، و احترازا أيضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة، نحو أن يدفع إلى البقلي قطعة و يقول‌

62

" أعطني بقلا" فيعطيه، فان ذلك ليس ببيع و انما هو اباحة للتصرف.

يدل على ما قلناه الإجماع المشار اليه، و أيضا فما اعتبرناه مجمع على صحة العقد به و ليس على سحه ما عداه دليل، و لما ذكرنا نهى (صلى الله عليه و آله) عن بيع المنابذة و الملامسة، و عن بيع الحصاة على التأويل الأخر، و معنى ذلك أن يجعل اللمس بشي‌ء أو النبذ له و القاء الحصاة بيعا موجبا".

أقول: يعني انه كما لا ينعقد البيع فيما اذا لم يقل المشتري بعد الإيجاب" اشتريت" أو" قبلت" كذلك المعاطاة لا ينعقد بها البيع مطلقا، و هذا ظاهره قصد المتعاطيين التمليك لا الإباحة.

و يحتمل أن يكون في مقام بيان الفرق بين قول المشتري للبائع" يعني" و قوله له" أعطني"، فان كليهما لا ينعقد به البيع، الا أن الثاني يفيد الإباحة للتصرف.

و الذي يظهر لي أن المراد من هذه" الإباحة" هي" الإباحة المالكية" لا" الإباحة الشرعية".

كما أن استدلاله بالأدلة الثلاثة ظاهر في أن المفروض قصدهما الملك، و الا لكان الاولى أن يستدل لعدم انعقاده بعدم القصد، لكن من المحتمل استدلاله بها لعدم انعقاد البيع بقوله" بعني" لا لعدم انعقاده بقوله" أعطني".

و قال الحلبي(قده) في الكافي بعد ذكر شروط صحة البيع:

63

" فان اختل شرط من هذه لم ينعقد البيع و لم يستحق التسليم، و ان جاز التصرف مع إخلال بعضها للتراضي دون عقد البيع و يصح معه الرجوع".

قال الشيخ(قده):

و هو في الظهور قريب من عبارة الغنية.

أقول: بل أظهر منها، غير أنه لم يتعرض للمعاطاة و نفى كونها بيعا بصراحة.

و قال المحقق في الشرائع:" و لا يكفي التقابض من غير لفظ و ان حصل من الامارات ما دل على ارادة البيع".

أقول: أي لا ينعقد البيع بالتقابض سواء قصد المتقابضان البيع أولا .. و ليس في عبارته ما يفيد اباحة التصرف حينئذ و عدمها.

و قال الشهيد(قده) بعد قوله قد يقوم السبب الفعلي مقام السبب القولي:" و أما المعطاة في المبايعات فهي تفيد الإباحة لا الملك و ان كان في الحقير عندنا".

أقول: قوله" فهي تفيد الإباحة لا الملك" صريح في عدم افادة المعاطاة الملك، و أما إفادتها الإباحة فهي بناء على ما ذهب اليه(قده) من أن تسليط شخص غيره على ماله بالعقد الفاسد يفيد جواز تصرفه فيه و عدم ضمانه له اذا تلف، و لا يستفاد من عبارته هذه انهما ان قصدا الملك أفادت الإباحة دونه، فلعله يقول بافادتها الإباحة من حيث أن‌

64

التسليط على الشي‌ء مع العلم بفساد المعاملة يستلزم اباحة التصرف.

الا ان هذا مما لا يلتزم به الفقهاء، بل انهم يقولون في خصوص المعاطاة بأن الفعل لا يقوم مقام القول، فتفيد الإباحة لكن لا مطلقا، كما لا يلتزمون بعدم الضمان في المأخوذ بالعقد الفاسد، الا بعضهم مع علم المعطى بفساد العقد.

نتيجة البحث

و بعد، فقد ظهر ان عبارات الفقهاء في المقام مختلفة، فلا سبيل إلى جمعها على معنى واحد، و حينئذ نقول: لا أشكال في جواز التصرف فيما أخذ بالمعاطاة ان كان التعاطي بقصد الإباحة، و انما الاشكال في التصرفات الموقوفة على الملك. فقد قيل، بأن الاذن بالتصرف يقتضي الاذن في التملك أولا ثمّ التصرف فيه بشتى انحائه، و قيل بعدم كفاية الاذن لهذه الجهة.

ثمّ ان الشائع بين الناس في هذه الأزمنة ليس غير الشائع بينهم في عصر الشيخ الطوسي(قده)، و على هذا فما يقصدونه هو الاستباحة و التراض، و أما ان قصدا الملك كان بيعا عرفا تشمله العمومات كقوله تعالى" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" و قوله" إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ". بل مقتضاها افادة اللزوم أيضا، فلا بد للقائل بعدمه من اقامة الدليل. اللهم الا اذا قام الدليل على عدم انعقاد البيع بالمعاطاة.

قال الشيخ(قده): قد عرفت ظهور اكثر العبارات المتقدمة‌

65

في عدم حصول الملك، بل صراحة بعضها، و مع ذلك كله فقد قال المحقق الثاني في جامع المقاصد و حاشية الإرشاد انهم أرادوا بالإباحة الملك المتزلزل و زاد في الثاني" ان مقصود المتعاطيين اباحة مترتبة على ملك الرقبة كسائر البيوع، فان حصل مقصودهما ثبت ما قلناه، و الا وجب أن لا تحصل اباحة بالكلية، بل يتعين الحكم بالفساد، إذ المقصود غير واقع، فلو وقع غيره لوقع بغير قصد و هو باطل".

و أجاب الشيخ(قده) عنه: بأن الفقهاء يحكمون بالإباحة المجردة عن الملك في المعاطاة مع فرض قصدهما التمليك، و ان الإباحة حصلت من استلزام إعطاء كل منهما سلعته مسلطا عليها الأخر الاذن في التصرف فيه بوجوه التصرف.

و أجاب المحقق الأصفهاني(قده) عنه أيضا: بأن ما وقع هنا ليس غير مقصود، لان وقوع بعض المقصود كاف، إذ الملكية ذات مراتب، فعند ما يملكه الشي‌ء يقول" ملكتك ذاته و تملكه و الانتفاع به"، فإذا اشترط الشارع الصيغة في تمليك الذات و التملك بقي الانتفاع و هو حاصل بالمعاطاة مع قصد التمليك.

أقول: ان الملكية أمر بسيط و ليس الا ملك الذات، و أما ملك المنفعة و حق الانتفاع فإنما يترتبان على تملك الذات و بتبعه فلا مراتب للملكية. و عليه فإذا زالت ملكية الذات زالت الأمور المترتبة عليها، و لذا لو باع المستعير (و هو مالك المنفعة بالاستعارة) الشي‌ء فضوله لم يملك المشتري المنافع، و من هنا يظهر وجود التضاد بين العين و المنفعة مستقلا.

66

و قال المحقق الخراساني(قده): ان المعاطاة بيع يفيد الملك، الا أنه يؤثر التمليك شرعا بشرط التصرف الملزم.

و قد أستلطف المحقق الأصفهاني(قده) هذا الوجه لكنه أجاب عنه بعدم وقوفه على من وافقه عليه.

أقول: انه يقول بتأثير المعاطاة الملك بشرط تلف أحد العوضين بالتصرفات الموقوفة على الملك كالعتق و الوطي و الوقف. لكن الحق أنه لا تعقل الملكية المقيدة بتلف العين، لأنه ان أريد أن التلف كاشف عن الملكية من أول الامر نظير الإجازة في عقد الفضولي على قول فالملكية تتحقق حينئذ لمن علم بتعقبها لذلك دون من لم يعلم به، و هذا لا يلتزم به احد. و ان أريد أن التلف ناقل لا كاشف، ففيه ما تقدم من أن اعتبار الملكية بعد تلف العين غير معقول، و لو سلم اعتبار العقلاء للملكية بعد التلف لأجل آثار ترتب عليها فان اعتبارها مشروطة بالتلف غير معقول، و ليس من شأن العقلاء جعل هكذا معاملة. فما ذكره(قده) مخالف لكلمات العلماء و بناء العقلاء.

هذا، و الصحيح كما قال المحقق الخراساني(قده) انه لا موجب و لا داعي للجمع بين هذه الكلمات.

الأقوال في المسألة

قال الشيخ(قده): فالأقوال في المسألة ستة:

1 انها تفيد الملك اللازم. و قد نسب هذا القول إلى الشيخ‌

67

المفيد(قده)، و عن العلامة(قده): الأشهر عندنا انه لأبد من الصيغة.

و مفهوم هذا الكلام ان إفادتها للملك خلاف المشهور.

2 اللزوم بشرط كون الدال على التراضي أو المعاملة لفظا، حكي عن بعض معاصري الشهيد الثاني(قده) و بعض متأخري المحدثين.

قال الشيخ(قده):

لكن في عد هذا من الأقوال في المعاطاة تأمل.

أقول: لا يريد القائل اشتراط الصيغة (الإيجاب و القبول) فانه ليس بمعاطاة، بل المراد أن يتقاولا فيما بينهما ثمّ يتعاطيا عوضا عن الصيغة، فلا مجال لتأمل الشيخ(قده).

3 الملك غير اللازم، و قد ذهب اليه المحقق الثاني(قده).

4 عدم الملك، لكن التصرفات كلها حتى المتوقفة على الملك مباحة، قال الشيخ(قده):

و هو ظاهر عبائر كثيرة.

5 عدم الملك مع إباحة التصرفات غير الموقوفة على الملك، نسبه الشيخ إلى الشهيد.

6 عدم جواز التصرف مطلقا، أي أنه بيع فاسد، نسب إلى العلامة(قده)، قال الشيخ:

لكن ثبت رجوعه عنه.

و نقل السيد(قده) عن كاشف الغطاء قوله: ان المعاطاة معاملة مستقلة تفيد الملك كالبيع بالصيغة. و هذا قول سابع.

أقول: يتحصل من ذلك كله عدم الاتفاق على حكم في هذه المسألة. نعم الظاهر اتفاقهم على جواز التصرف فيما أخذ بالمعاطاة‌

68

قبل تلف أحد العوضين لان المخالف ليس الا العلامة(قده) و قد عدل عنه لكن الكلمات في بيان وجه هذا الجواز مختلفة.

ادلة القول الثاني

و كيف كان فلا بد من النظر في الادلة:

لقد قوى الشيخ(قده) القول الثاني، و هو أنها تفيد الملك فيما اذا قصدا التمليك و التملك و استدل على ذلك بوجوه:

(الأول: السيرة) فالسيرة قائمة على معاملة ما أخذ بالمعاطاة معاملة الملك و ترتيب جميع الإثار عليه.

أقول ان أراد الشيخ(قده) من السيرة سيرة المتشرعة، فلا بد من احراز استمرارها حتى زمن الامام (عليه السلام)، فإنها حينئذ معتبرة و لا حاجة معها إلى دليل آخر، و ان أراد سيرة العقلاء بما هم عقلاء فلا بد من احراز إمضاء الشارع لها، و لا أقل من عدم ردعه عنها.

أقول: ان العقلاء يعاملون ما أخذوه بالمعاطاة معاملة الملك، و لكن هل الملك المتزلزل؟ الظاهر انه العكس، فليس عملهم الا على الملك المستقر، و لذا لا يرتضون بالفسخ و الرد، و ليست الملكية عندهم متوقفة على التصرف أو التلف. و هذه السيرة العقلائية بمجرد اتصالها و استمرارها لتشابه الأزمنة إلى زمن المعصوم (عليه السلام) تكون‌

69

سيرة متشرعية لعدم الردع.

اللهم الا أن يثيب جواز التراد شرعا بالدليل.

و على هذا الذي ذكرنا يصدق على هذه المعاملة عنوان" البيع" عند العرف، فيصح التمسك بالدليل:

(الثاني: عموم آية الحل) و هي قوله تعالى:" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ"، قال الشيخ انها تدل على جواز‌

التصرفات المترتبة على البيع حتى المتوقفة على الملك، و على هذا تدل على أن المعاطاة تفيد الملك.

أقول: و هل" أَحَلَّ" يدل على حل التصرفات بالمطابقة، أو هو كناية عن حلية هذه التصرفات، أو أنه لما" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" حلت التصرفات بالملازمة. و الا فلا معنى لحلية البيع، إذ تحليله انما هو باعتبار الإثار المترتبة عليه؟.

اذن لا يريد الشيخ(قده) من كلامه المتقدم دلالة الآية بالمطابقة على جواز التصرفات.

و قال المحقق الخراساني(قده): ان قوله بدلالتها على جواز التصرفات انما هو لان المسبب ليس أمرا اختيارا حتى يحوز و يحلل.

ثمّ أورد عليه بأن اختيارية السبب كافية لاختيارية المسبب، فالاحراق مثلا اختياري بإيجاد سببه الاختياري.

و قال المحقق الأصفهاني(قده): ان البيع لما كان حلالا مطلقا أي سببا كان أو مسببا) فلا يحرم" قول بعت"، فان المحلل هو‌

70

التصرفات، و هى مورد الحاجة و محل الابتلاء. ثمّ أشكل عليه: بأن الحلية متعلقة بالبيع لأنه فعل من أفعال المكلف، و هذه الحلية التكليفية تدل على حلية التصرفات بالملازمة، فلا وجه للقول بتوجه الحلية إلى التصرفات أولا و بالذات.

أقول: انما يتوجه ما ذكراه (قدس سره)ما فيما إذا كانت عبارة الشيخ(قده) ظاهرة في شي‌ء من ذلك، و قد تقدم أنها تحتمل الاحتمالات الثلاثة المذكورة كلها.

ثمّ انه قد يقال: ان المراد من" أَحَلَّ" هو الحكم الوضعي و هو" النفوذ"، أي ان الله أنفذ البيع و أقره و أمضاه. و ان جعلناه بمعنى الحكم التكليفي كان المعنى: ان هذا السبب لمبادلة المال بمال أي التبديل حلال، فهو اذن صحيح. و كذا ان أريد المسبب، أي ان الله جوز مبادلة المال بالمال، فسواء كان بمعنى الحكم الوضعي أو التكليفي سببا أو مسببا دل على الصحة.

انما الكلام في أنه ان كان بمعنى السبب كان معناه: كل ما جعلتموه سببا للمبادلة و كان بيعا عندكم فهو حلال، و حينئذ يتمسك بعمومه و تصح المعاطاة. و ان كان بمعنى المسبب كان المعنى: أحل الله انتقال:

المال و مبادلته بالمال، فلا عموم له ليشمل المعاطاة.

أقول: لكن مبادلة المال بالمال عند العرف لها أسباب عديدة، و الله تعالى أمضى و أنفذ المبادلة المسببة بها عدا المبادلة الحاصلة بالبيع الربوي مثلا. و حينئذ يتمسك بالعموم لأجل المعاطاة التي لا جهة‌

71

ربويه فيها فالعموم يتمسك به في المقام سواء كان المراد إمضاء السبب أو إمضاء المسبب.

هذا، و لا يقدح بعموم" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" كونه في قبال" حَرَّمَ الرِّبٰا" كما لا يخفى. لان العرف يفهم من ذلك تخصيص البيع الربوي دون التخصص.

(الثالث: آية التجارة) قال الله تعالى" لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ" إذ لا ريب في أن المعاطاة تجارة عن تراض و انها تفيد الملك. نعم لا تدل الآية على إفادتها اللزوم.

(الرابع: دليل السلطنة) و هو قوله (صلى الله عليه و آله):" الناس مسلطون على أموالهم". فقد استدل به بأن المراد من التسلط هو التسلط الوضعي و التكليفي معا، أي انها سلطنة مجعولة من الله تعالى للناس على أموالهم و التصرف فيها مطلقا، و من التصرفات: المعاملات التي يتحقق بها النقل و الانتقال عند العرف و التي أمضاها الشارع و رتب عليها الاثر، و من ذلك" المعاطاة" فإنها بيع عرفا يفيد الملك كالبيع بالصيغة.

قال الشيخ(قده):

لا دلالة له على المدعى، لان عمومه باعتبار أنواع السلطنة، فهو انما يجدي فيما اذا شك في أن هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك و ماضية في حقه شرعا أم لا، و أما اذا قطعنا بأن سلطنة خاصة كالتمليك نافذة لكن شك في أن هذا التمليك الخاص

72

يحصل بمجرد التعاطي مع القصد أم لأبد من القول الدال عليه فلا يجوز الاستدلال به.

و قال جماعة منهم المحقق الخراساني(قده) ان هذا الحديث لا يدل حتى على النوع المشكوك فيه، فلو شك في إمضاء الشارع لنوع من أنواع السلطنة لم يجز التمسك به، و كذا اذا شك في صنف من نوع.

و بالجملة، انه يدل على سلطنة المالك على ملكه و نفوذ معاملاته المعلوم صحتها و الماضية شرعا في حقه. و بعبارة أخرى: انه يدل على عدم حجر الشارع للناس، فلهم التصرف في أموالهم.

و قال آخرون منهم السيد و المحقق الأصفهاني" (قدس سره)ما" بأن الحديث يدل على التصرفات النوعية و الصنفية معا، قال السيد:

ليس مراد الشيخ(قده) من النوع هنا النوع المنطقي بل الأعم منه و من الصنف، فإذا كان الشارع قد أمضى التصرف بالنوع فانه قد أمضاه بالنسبة إلى الصنف كذلك.

و قال المحقق الأصفهاني: التسليط عبارة عن إعطاء القدرة على التصرف، و هذا يعني إمضاء الشارع لجميع التصرفات المتعارفة بين الناس و ترتيبه الإثار التي يرتبونها، فالمراد من" التسليط" هو" الإمضاء" و الممضى هو التصرفات الوضعية و التكليفية بجميع أنواعها و أقسامها و أصنافها المتداولة بين الناس.

أقول: و بما ذكره يندفع ما ذكره المحقق الخراساني(قده).

73

نعم هنا احتمال آخر، و هو أن يكون هذا الحديث بمعنى الحديث الأخر" لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره الا باذنه" أي الناس مسلطون على أموالهم فحسب دون أموال غيرهم، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره الا باذنه. و على هذا ينتفي" الإمضاء" و دلالة الحديث في المقام، لأنه على هذا لا إطلاق له بل أنه حكم حيثي و ليس في مقام بيان أقسام التسلط و أنواعه.

(الخامس: الإجماع المركب) قال الشيخ(قده):

هذا مع إمكان اثبات صحة المعاطاة في الهبة و الإجارة ببعض اطلاقاتهما و تتميمه في البيع بالإجماع المركب.

و أورد عليه السيد(قده): بأن الإطلاق الموجود هناك موجود مثله في باب البيع، فلا حاجة إلى الإجماع المركب.

أقول: لعل نظر الشيخ(قده) إلى وجود احتمالات أخر إلى جنب احتمال الإمضاء و الصحة الوضعية، و أما في الإجارة و الهبة فليس الإطلاق ظاهرا الا في النفوذ و الصحة.

كلام كاشف الغطاء(قده) حول المعاطاة

قال الشيخ(قده):

هذا مع أن القول بإباحة جميع التصرفات مع‌

التزام حدوث الملك عند التصرف المتوقف عليه لا يليق بالمتفقه فضلا عن الفقيه، و لذا ذكر بعض الأساطين في شرحه على القواعد في مقام الاستبعاد ان القول بالإباحة المجردة مع قصد المتعاطيين التمليك

74

و البيع مستلزم لتأسيس قواعد جديدة:

منها: ان العقود و ما قام مقامها لا تتبع القصود.

و منها: أن تكون ارادة التصرف من المملكات. قال: و أما" أعتق عبدي عنك، أو عبدك عني" فمعناه أنت وكيلي في تمليك العبد إياي و قبول التمليك ثمّ عتقه عني. و كذا الأخر، و هذا من باب أن الاذن في الشي‌ء اذن في مقدمته أو شرطه.

و منها: تعلق الخمس بما أخذ معاطاة، و كذا الزكاة، و هذا معناه بناء على هذا القول وجوب أداء الزكاة و الخمس على غير صاحب المال، و كذا الامر في الاستطاعة و الديون و النفقات، و كذا في حق الشفعة و المقاسمة، و الحال أنه بناء على ما ذكر ليس ملكا لمن اشترى بالمعاطاة. و كذا توريث ما أخذ بالمعاطاة، فانه يعني كون موت أحد المتعاطيين مملكا فينتقل الشي‌ء إلى وارثه. و كذا الامر في الربا، و مسألة الفقر و الغنى فتترتب عليها الإثار.

و ترتيب هذه الاحكام و غيرها مع القول بالإباحة يستلزم تأسيس قواعد جديدة.

و منها: جعل التلف السماوي من جانب مملكا للجانب الآخر، و التلف من الجانبين معينا للمسمى من الطرفين، و لا رجوع إلى قيمة المثل حتى يكون له الرجوع بالتفاوت مع حصوله في يد الغاصب أو تلفه فيها. فالقول بأنه المطالب لأنه يملك بالغصب أو التلف في يد الغاصب غريب، و القول بعدم الملك بعيد جدا، مع أن في التلف

75

القهري ان ملك التالف قبل التلف فعجيب و معه بعيد لعدم قابليته حينئذ و بعده ملك معدوم، و مع عدم الدخول في الملك يكون ملك الأخر بغير عوض، و نفي الملك مخالف للسيرة و بناء المتعاطيين.

و منها: ان التصرف ان جعلناه من النواقل القهرية فلا يتوقف على النية فهو بعيد، و ان أوقفناه عليها كان الواطئ للجارية من دونها واطئا بالشبهة، و الجاني عليه و المتلف جانيا على مال الغير و متلفا له.

و منها: مسألة النماء الحادث قبل التصرف.

و منها: قصر التمليك على التصرف مع الاستناد فيه إلى ان اذن المالك فيه اذن في التمليك، فيرجع إلى كون المتصرف في تمليك نفسه موجبا قابلا، و ذلك جار في القبض، بل هو أولى منه لاقترانه بقصد التمليك دونه.

التحقيق فيما ذكره كاشف الغطاء

هذه خلاصة ما ذكره كاشف الغطاء(قده)، قال الشيخ(قده):

هذه كلها استبعادات،

لا أن الوجوه المذكورة تنهض في مقابل الأصول و العمومات، إذ ليس فيها تأسيس قواعد جديدة. ثمّ أجاب عن الوجه الأول:

أولا: بأن المعاطاة ليست من العقود و ما يقوم مقامها عند القائل بالإباحة.

و ثانيا: بأن تخلف العقد عن مقصود المتبايعين كثير.

76

أقول: ان أراد الشيخ(قده) ان العقد في هذه الموارد اما باطل فلم يترتب عليه شي‌ء، و اما صحيح فالشارع رتب عليه الإباحة و التصرفات المترتبة على الملك بالإجماع و ان لم يكن ملكا له فالجواب تام. و ان أراد ترتب خلاف المقصود على هذا العقد مع فرض صحته فهذا لا يكون جوابا ..

و أما الحكم بالضمان في المأخوذ بالعقد الفاسد فاما من جهة" قاعدة اليد" و اما من جهة" قاعدة الاقدام"، لا أنه أثر للعقد نفسه مع قولهم بفساده.

و كذا الامر في مسالة الشرط الفاسد، فالعقد صحيح غير أن الشرط فاسد لا أثر له بناء على انه لا يفسد العقد لأنه التزام في ضمن التزام، فإذا لم يمض الشرع أحدهما بقي الأخر على نفوذه و ترتب عليه الاثر، فليس هناك تختلف عن القاعدة المذكورة، و قد ذكرنا أن العقود الصحيحة التي أمضاها الشارع انما يترتب عليها الاثر المقصود، و هذا معنى القاعدة المذكورة.

و كذا الامر في بيع ما يملك مع ما لا يملك، كبيع الشاة مع الخنزير، فان الشارع يمضي بيع الشاة دون الخنزير. و لا تخلف عن تلك القاعدة، لان قوله" بعتك هذين" ينحل إلى: بعتك هذا و هذا، و الشارع أمضى أحدهما مطابقا للقصد دون الأخر، لا أن هنا بيعا واحدا أمضى نصف المقصود به و أبطل النصف الأخر ليلزم التخلف.

و مثله الامر في بيع الفضولي لنفسه، فان انشاءه المبادلة بين الثمن و المثمن يتوقف على اجازة المالك، فان أجاز ترتب الاثر عليه‌

77

و الا فلا. و اما اعتبار نفسه مالكا فهو اعتبار لغو لا أثر له شرعا و لا يضر بالعقد.

و أما النقض بانقلاب العقد المنقطع دائما في حال ترك ذكر الأجل و الذي وافقه السيد(قده) عليه و ان خالفه في سائر النقوض فالظاهر عدم صحته كذلك، لان التزويج يقتضي الدوام بذاته كالتمليك ما لم يقيد. و هذا مطابق للقاعدة، لان العاقد قاصد للنكاح، فلو ترك تقييده و تحديده إلى أجل وقع المقصود الدال على الدوام و ترتب عليه الاثر.

و قد أجاب الشيخ(قده) عما ذكره كاشف الغطاء من لزوم كون ارادة التصرف مملكا بأنه لا بأس بالتزامه اذا كان مقتضى الجمع بين الأصل و دليل جواز التصرف المطلق و أدلة توقف بعض التصرفات على الملك.

و قال السيد(قده) في الجواب عما ذكره كاشف الغطاء(قده):

بأنه ليس كل من قال بالإباحة يقول بمملكية ارادة التصرف، بل يمكن القول بجواز التصرفات الموقوفة على الملك مع الإباحة، بأن يكون" لا بيع الا في ملك" مثلا مخصصا بما نحن فيه، فالاباحة مترتبة على البيع الذي جاز بالإجماع، و هي كافية لجواز التصرفات.

أقول: وفية ان كلام كاشف الغطاء(قده) متوجه إلى القائلين بالإباحة مع قولهم بمملكية التصرف.

و قد أشكل السيد(قده) على الشيخ بمنع كون ذلك مقتضى‌

78

الجمع، بل الاولى هو الحكم بالملكية من أول الامر، فانه مقتضى الجمع لأنه على هذا لا يلزم طرح شي‌ء. نعم لازمه طرح الأصل المقتضي لعدم الملكية، و لا بأس به لتقدم العمومات عليه، و لو فرضنا تحقق الإجماع على عدم الملكية من أول الامر فالأولى طرح عموم ما دل على جواز التصرف و الحكم بعدم شموله لما يكون موقوفا على الملك، و لو فرضنا تحقق الإجماع على جواز مثل هذا التصرف فالأولى طرح عموم ما دل على توقفه على الملك و الحكم بتخصيصه بغير المقام عملا بقاعدة السلطنة.

أقول: هذا يتوقف على عدم تقيد قاعدة السلطنة و بقائها على إطلاقها، أي شمولها لما منع عنه الشارع.

و قال المحقق الأصفهاني(قده): ان كان غرض كاشف الغطاء عدم مساعدة لسببية ارادة التصرف أو نفس التصرف للملكية، فما ذكره(قده) في الجواب من أنه مقتضى الجمع بين القواعد وجيه، إذ لا فرق في كفاية الدليل على السببية بين اقتضاء دليل بالخصوص و اقتضاء الجمع بين الادلة، فالقاعدة المتصدية من الجمع بين القواعد كافية.

و ان كان غرضه أن اثبات السببية و لو بالجمع بين القواعد اثبات أمر غريب لا نظير له في الشريعة، في قاعدة جديدة. فما أجاب به أجنبي عن الاشكال، بل لأبد من اثبات نظيره في الشريعة حتى يخرج عن الغرابة.

ثمّ أجاب(قده) عما ذكره الشيخ نظيرا بالفرق بين البابين،

79

ثمّ قال:" نعم الرجوع في الطلاق بناء على حصوله بمجرد الاستمتاع و لو لم يقصد به الرجوع يكون نظيرا لما نحن فيه".

أقول: بل يمكن القول بأن الطلاق الرجعي أيضا ليس نظيرا لما نحن فيه، فان الادلة قائمة على أن المطلقة رجعيا زوجة الرجل ما لم تخرج عن العدة، فلو مات أحدهما توارثا، فلا تتحقق الزوجية بالاستمتاع هنا.

هذا مع ان الملك يتوقف على الوطي و الوطي متوقف على الملك و هذا دور.

و عن بعضهم انكار توقف الوطي على الملك بل يكفي ملك الوطي.

و قد أجاب المحقق القمي(قده) بأن هذا يستلزم جواز اجارة الامة للوطي.

و أجيب عنه بالنسبة إلى المعاطاة بأنه دفع للثمن في مقابل الإباحة.

وفية: ان الواقع هنا الإباحة في مقابل الإباحة.

و أجاب الشيخ(قده) عما ذكره كاشف الغطاء(قده) من تعلق الأخماس و الزكوات بما أخذ بالمعاطاة بأنه استبعاد محض، فلا مانع من الالتزام بذلك، لان السيرة المستمرة قائمة على معاملة ما أخذ بالمعاطاة معاملة الملك.

أقول: قد يقال ان قيام الدليل على التعلق لا يخرج الحكم عن الغرابة، بل يقتضي وضع قاعدة جديدة، لكن لا يخفى أن القول بأن‌

80

السيرة كاشفة عن الملكية عندهم أولى من القول بأنه حكم تعبدي.

و قال السيد(قده): معنى كلام الشيخ عدم تعلق الخمس و الزكاة بهذا المال، فلا يجب على الأخذ لأنه ليس ما لإله، و لا على مالكه لأنه ليس بيده.

و دعوى: انه مخالف للسيرة حيث انها جارية على التعلق.

مدفوعة بأنه على هذا تكون السيرة دليلا على التعلق.

أقول: ان ما ذكره(قده) يخالف ظاهر عبارة الشيخ(قده).

ثمّ ان الاستطاعة الموجبة للحج لا تتوقف على الملك، بل يجب عليه الحج كما اذا أبيح له التصرف بمال من غير معاطاة.

كما أن أداء الدين مما أبيح له التصرف فيه جائز و لا حاجة إلى كون المال ملكا، كما اذا تبرع متبرع بأداء الدين من غير معاطاة.

و كذا الإنفاق على من يجب عليه، فانه غير متوقف على الملك بل يكفي فيه الإباحة. نعم لا يكون من تجب النفقة عليه ذا حق في هذا المال. و كذا مسألة الغنى و الفقر، فلا يجب أن يكون مالكا حتى يكون غنيا لا يجوز له الأخذ من الزكاة، بل الغني من كان عنده مئونة السنة ملكا أو اباحة.

نعم الخمس و الزكاة يتوقفان على الملك.

قال المحقق الأصفهاني(قده) بالنسبة إلى خمس ربح التجارة بالمأخوذ بالمعاطاة: انه يكون حصول الربح مسبوقا بالتكسب و التصرف‌

81

في المال، فيكون مملكا له و لأصله، و ليس هذا غريبا آخر مع غرابة مملكية التصرف.

أقول: لكن هناك فرض آخر، و هو أنه لو حسب ماله في آخر السنة فوجد الزائد نفس المأخوذ بالمعاطاة لم يجب عليه الخمس لأنه لا يملكه. اللهم الا أن يقال: انه لما كان المال مباحا له بالإباحة المطلقة وجب عليه دفع خمس هذا المال من قبل مالكه لو كان ربحا له لكنه خلاف السيرة و الفتوى. و كذا الزكاة، فلو ملك النصاب و حال عليه الحول عند الأخذ بالمعاطاة وجب على الأخذ دفع زكاته من قبل مالكه، لأنه أجاز له التصرفات فليكن منها دفع الزكاة عن صاحبه.

هذا، و في مسألة أداء الدين مما أخذ بالمعاطاة حيث قلنا بعدم توقفه على الملك كما تقدم اشكال من جهة أخرى، و ذلك أنهم حكموا بتعلق حق الغرماء بهذا المال الذي أبيح للمدين التصرف فيه، و هذا لا وجه له بناء على الإباحة فهو حكم غريب.

بل ان الإشكالات التي ذكرها كاشف الغطاء(قده) في هذه الموارد واردة من جهة أخرى، و ذلك لان مقتضى القواعد وجوب أداء الخمس و الزكاة على المالك لا على الأخذ بالمعاطاة، و كذا تعلق الاستطاعة الموجبة للحج بالنسبة إلى صاحب المال، و مثله مسألة الفقر و الغنى. فهذه الاحكام كلها تتوجه إلى صاحب المال لا المباح له التصرف فيه، مع ان الفقهاء لم يتعرضوا اليها بالنسبة اليه. و هذا غريب.

و أما حق المقاسمة فان المباح له يطالب الشريك بالافراز من‌

82

جهة أن المالك أباح له التصرفات المطلقة، و من جملتها ذلك، فكأنه مجاز أو وكيل من قبله فيه، و هذا ليس مخالفا للقاعدة. هذا، لكن الواقع في الخارج هو المطالبة بالاستقلال لا بعنوان الوكالة مثلا.

و قد يقال: ان اباحة جميع التصرفات ليست حكما صرفا، بل يترتب عليها تعلق حق للمباح له بالمال، فهو حينئذ يراجع الشريك لأجل الافراز احقاقا لحقه. لكن الالتزام به مشكل.

و مسألة حق الشفعة كذلك، و قد نقل في منية الطالب عن المحقق الخراساني(قده): ان حق الشفعة لا يتوقف على الملك بل الإباحة كافية فيه، ثمّ قال: و لا يخفى صحته.

أقول: ظاهر أدلة الشفعة هو جواز الأخذ بها في حال كون الأخذ شريكا في الملك لا مباحا له، سواء كان شريكه المبيح له أو غيره. اللهم الا بتنقيح المناط، بأن يجعل المباح له كالمالك. و هو مشكل، مع انه يستلزم كون حق الشفعة لاثنين أو اكثر بيع واحد، و هو ايضا غريب.

و من الإشكالات: توريث ما أخذ بالمعاطاة و تصرف الوارث فيه كسائر ما تركه مورثه، فإذا كان مباحا له كان مقتضى القاعدة عدم جواز ذلك و إرجاعه إلى المبيح.

و قد أجابوا عن الاشكال بأن موت المباح له موجب للزوم الإباحة، نظير الهبة حيث تلزم بموت أحد الطرفين، و تلف العين المباحة حيث يستلزم الملكية آنا ما قبله. و في المعاطاة تصبح الإباحة لازمة بموت‌

83

أحدهما أو تلف أحد العوضين، و حينئذ تكون الإباحة اللازمة ملازمة للملكية، لان الإباحة اللازمة تناقض عدم الملكية فلا يجتمعان.

و لم يستبعد المحقق الخراساني(قده) القول بالإرث و صيرورة الوارث كالمورث فيما له من حق التصرف في المال، فله ان يتصرف فيه التصرفات المطلقة التي كانت لمورثه على أثر الإباحة.

و لكن هذا مشكل، فان الإباحة هذه ان كانت مالكية فهي لا تفيد الا التصرف، و ان كانت شرعية تعبدية فإنها ليست ملازمة للملكية و لا للحق حتى يورث.

و الانصاف: الاعتراف بأن الوارث يتصرف في هذا المال باعتبار كونه مالكا لإذا حق، فما ذكره(قده) غير صحيح الأمن باب الجمع بين الادلة، فان مقتضاه ثبوت الملكية آنا ما.

و من الإشكالات: مسألة الوصية.

فكيف يوصي المباح له بصرف مال غيره في شئونه؟ و أيضا: كيف يجعل ما أخذه بالمعاطاة ضمن ثلثه فيما اذا أوصى بصرف الثلث في كذا؟ فالحكمان غريبان.

قال المحقق الخراساني(قده): انه لما أذن له في جميع التصرفات، شمل جعل المال من الثلث و صرفه في كذا، فليست الوصية موقوفة على الملك بل تجوز في مال الغير باذنه، نظير سائر التصرفات. نعم لو رجع المبيح عن الإباحة (و لم نقل بالملكية بالموت) فهو و الا فالوصية نافذة.

84

أقول: وفية انه يوصى بعنوان كونه مالا له لا لغيره، و أيضا لما يقول" اعطوا كذا لزيد بعد وفاتي" لا يصير المال لزيد، بل يتوقف على موته، بل كونه ملكا للموصي موقوف عليه كذلك و هذا معناه:

صيرورة الوصية بمال الغير سببا لمملكية موته المال لزيد و هو غريب.

الا أن نقول بالملكية آنا ما، فيكون المال ملكا له فيجوز الوصية به و تنفذ بالموت، فليست في مال الغير. و على هذا تكون" الوصية" من صغريات الاشكال في التصرفات الموقوفة على الملك كالبيع و العتق، و قد تقدم الجواب عنه.

و أما جريان الربا: فقد قال المحقق الأصفهاني(قده): يمكن أن يقال ان المعاملة التي يملك المال بتصرفه فيه كالمعاملة التي يملك المال بقبضه موضوع لهذا الحكم.

أقول: انه(قده) لم يوافق المحقق الخراساني(قده) على هذا فيما تقدم و ان استلطفه فلا وجه لهذا الجواب.

و قال في منية الطالب: ان الربا لا يجوز في تضمين المثل و القيمة فضلا عن التضمين بالمسمى.

أقول: مراده من" تضمين المثل و القيمة" غير واضح، فمن أتلف" منا" من الحنطة فلا يضمن الأكثر منه، و لا يجوز ان يأخذ نصف" من" من الحنطة الجيدة بدلا عن" المن" من الردية التي كانت له و ان كان في قيمته. هذا تصوير ما ذكره، فالربا في هذا المورد حيث‌

85

لا مسمى لا تجوز فضلا عن التضمين بالمسمى، و لكن هل هذا من الربا و القيمة واحدة؟ على أن الربا انما تحرم في المعاملة، و هذا تضمين و إبراء للذمة لا معاملة .. الا اذا قام اجماع.

و لنصور ذلك في القرض، فانه تمليك مال مع الضمان، أي له القيمة أو المثل، فان طلب شيئا زائدا لزم الربا، و هذا لا يجوز على القول به، ففي التضمين بالمسمى بالأولوية.

أقول: ان كانت هذه معاملة و أثرها كون المعوض المسمى ضمان العوض فيما اذا تلف. فإنها معاملة و إتلاف في مقابل إتلاف، و ان قلنا بعدم شمول الادلة لها كانت اباحة في الإتلاف في مقابل اباحة، فالقول بلزوم الربا هنا يحتاج إلى الدليل.

و أيضا: يمكن أن يقال بالإباحة هنا للإجماع و السيرة القائمين على جواز التصرفات الموقوفة على الملك. نعم انهما لا يشملان المعاطاة التي لو كانت معاملة بالصيغة لكانت باطلة من أجل الربا أو الغرر أو غير ذلك، فمورد الكلام هي المعاطاة الجامعة لشرائط البيع عدا الصيغة فالقول بالإباحة لا يستلزم ما ذكر، و القائل بها لا يلتزم هنا بالصحة، فالإشكال مندفع من هذه الناحية، و هذا الجواب أولى مما ذكروا.

و من الإشكالات: كون التصرف من جانب مملكا للجانب الأخر و ان لم يتصرف.

و أجاب الشيخ(قده): بأنه مقتضى الجمع بين الادلة. لكن‌

86

قال السيد(قده): انه لا اجماع هنا على أن التصرف مملك للجانب الأخر، فليكن مباحا له، الا ان يقوم اجماع على الملازمة بين الملكيتين حينئذ.

أقول: و على الإباحة فإنها اباحة لازمة، لعدم إمكان التراد لتصرف أحدهما في ما بيده. و حاصل كلامه: عدم الدليل على هذه الملكية، فلا مورد لأشكال كاشف الغطاء(قده).

و أجاب المحقق الأصفهاني(قده): بأنه كما ان اباحة التصرف ملازمة للإباحة و الاذن في التصرف، فان اعتبار ملكيته لما بيده مقيد برضاه لان يتملك الأخر ما بيده.

أقول: ان هذا الرضا موجود اذا كان قصدهما حين المعاطاة الإباحة و التصرفات مطلقا، فهناك اباحة في مقابل اباحة، و لكنه غير موجود بالنسبة إلى قصد الملكية، لما تقدم من أن الملكية أمر بسيط اذا انتفى انتفت الإباحة، فما ذكره في الجواب عن كلام السيد(قده) غير تام.

و بالجملة: ان قام الإجماع على الملازمة فهو و الا فليس ذلك مقتضى الجمع بين الادلة.

و من الإشكالات: كون التلف السماوي مملكا.

قال الشيخ(قده):

ان ثبت اجماع أو سيرة كما هو الظاهر كان كل من المالين مضمونا بعوضه، فيكون تلفه في يد كل منهما من ماله مضمونا بعوضه نظير تلف المبيع قبل قبضه في يد البائع لان

87

هذا هو مقتضى الجمع بين هذا الإجماع مع عموم على اليد ما أخذت، و بين أصالة عدم الملك الا في الزمان المتيقن وقوعه فيه ..

أقول: و تقريبه انه قد تحقق الإجماع على عدم ضمان المثل و القيمة في باب المعاطاة لو تلف أحد العوضين، لكن مقتضى قاعدة اليد هو ضمان أحدهما دون المسمى، فهنا يدور الامر بالنسبة إلى القاعدة بين التخصيص و التخصص، لأنه ان كان ما نحن فيه من أفراد القاعدة لزم ضمان المثل و القيمة لكن خصصت بالإجماع القائم على ضمان المسمى هنا، و ان كان التالف من ملك من تلف بيده لم تجر القاعدة تخصصا.

و كونه من مال هذا يكون بأحد طريقين بحسب مقام الثبوت:

أحدهما حصوله من أول الامر أي من حين المعاطاة، و الآخر حصوله قبل التلف آنا ما. و حيث أن الاستصحاب يمنع من الأول فلا مناص من الالتزام بالثاني. هذا مع ما تقرر في محله من أنه لو دار الامر بين التخصيص و التخصص فالثاني هو الاولى.

و قد يورد على الالتزام بكون التالف من ملك من تلف بيده، بأنه متى تتحقق هذه الملكية، فهل هو قبل التلف أو بعده أو مقارن له؟

ان كان قبله فالمعنى كون التلف علة و الملكية معلولا لكن المعلول لا يتقدم على العلة، و ان كان مقارنا فالمعنى تقارن العلة و المعلول و هو غير معقول، و ان كان بعد فالملكية بعد التلف لا معنى لها. و لا بد لدفع هذا الاشكال من أن نقول بمملكية الأخذ بالمعاطاة بوصف تعقبه بالتلف، فالموجب‌

88

للملكية هو وصف" التعقب بالتلف"، و حينئذ يدور الامر بين الملكية من أول الامر و الملكية آنا ما، و الاستصحاب مانع من الأول فالثاني.

و لكن الملك آنا ما يخالف قاعدة السلطنة، فيقتضي الجمع تقدمها على الاستصحاب قاله السيد.

وفية انها مخصصة بمقتضى الجمع بين الادلة.

و بعد، فما الدليل على ملك الأخر للباقي في يده؟

قال المحقق الأصفهاني(قده): ان رضا ذاك من الأول بملك هذا للشي‌ء مقيد بكون ما بيده عوضا عما أعطاه.

أقول: ان هذا الرضا غير نافذ شرعا، و لذا كانت قاعدة اليد تقتضي الضمان.

و الواقع: انهم(قده) بحثوا عن ملك الذي تلف ما بيده و أثبتوه عن طريق الجمع بين الادلة، و لم يذكروا وجها تاما لملك الأخر، و ليس الا الإجماع على الملازمة ان كان.

و من الإشكالات: مسألة الغصب، فان العين المأخوذة بالمعاطاة ان غصبت فان قلنا بأن الغصب يوجب الملك للمباح له فانه غريب، و ان قلنا بأن التلف عند الغاصب يوجبه له فهو غريب، و ان قلنا بأن التلف من مالكه الأول فهو غريب. ثمّ من الذي يطالب الغاصب؟

قال الشيخ(قده): يجوز لكل منهما المطالبة، أما المالك فواضح، و أما المباح له فان ذلك من التصرفات المجاز فيها، و أما التلف‌

89

فهو من المباح له. قال: نعم لو قام اجماع كان تلفه من مال المالك لو لم يتلف عوضه قبله له. لكن الذي يهون الخطب هو ان الذي ذكره الشيخ(قده) في الجواب بيان للحكم و ليس رافعا للغرابة.

و من الإشكالات: النماء، فان كان للمالك فهو خلاف السيرة، و ان كان للمباح له فكيف ذا و الأصل ليس له، و ان كان النماء مملكا للعين فهو غريب.

قال الشيخ(قده): حكم النماء حكم الأصل، فكما يجوز له التصرف فيه يجوز في النماء كذلك.

قال كاشف الغطاء: ما الدليل على جواز التصرف في النماء؟ ان شمول الاذن له خفي ..

أقول: لم يجب الشيخ(قده) عن هذه الناحية، و انما اكتفى بالقول بأن حكمه حكم الأصل، و لعله يريد أن الاذن في الأصل اذن فيه و فيما يتعلق به، و ان هذا ليس خفيا عرفا.

و بعد:

ان قام دليل على القول بالإباحة فلا بد من الالتزام بكل هذه الأمور و ترتيب آثار و أحكام الملك على ما ليس ملكا، و إلا فإن هذه لوازم فاسدة.

فلنرجع إلى الادلة:

قال الشيخ(قده): ان رفع اليد عن الإجماع و استصحاب عدم‌

90

حصول الملك بالمعاطاة مشكل. و من جهة أخرى: رفع اليد عن السيرة و اجماع المحقق الثاني أشكل. فالقول الثاني لا يخلو عن قوة.

أقول: اما دعوى الإجماع من المحقق الثاني فغير تامة، و لو سلم فهو غير كاشف عن رأي المعصوم، و كذا الإجماع الذي يدعيه القائل بالعدم.

بقي الاستصحاب من ذاك الجانب، و" أحل الله البيع" من هذا الجانب فإنهما عمدة أدلة الطرفين و من المعلوم أن الدليل مقدم على الأصل.

فالحق: هو القول بالملك.

و هل هو لازم أو جائز أوفيه تفصيل؟ وجوه، و الأقوى الأول.

91

لزوم المعاطاة

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

[أدلة لزوم المعاطاة]

استدل للزوم بوجوه:

الأول: الأصل

فان الأصل في المعاملات هو اللزوم، و مرجعه استصحاب بقاء ملك المبيع للمشتري و الثمن للبائع، فيمتنع التراد و يكون البيع لازما.

و قد أورد عليه: بأنه من قبيل القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، لان المستصحب اما اللازم و اما الجائز، فأما الثاني فمقطوع العدم بعد الفسخ، و أما الأول فمشكوك فيه من الأول و الأصل عدمه.

و الجواب هو ما ذكره الشيخ(قده) من استصحاب القدر المشترك بينهما.

و قد استشكل السيد(قده) عليه: بأن الشك في بقاء الكلي و ارتفاعه مسبب عن الشك في بقاء اللازم و ارتفاعه، فإذا استصحب العدم انتفى الكلي.

و الجواب عنه: ما ذكره الشيخ(قده) في الأصول بأن ارتفاع‌

94

الكلي و بقاءه ليس مسببا عن ذلك، لان لازم ارتفاع اللازم عقلا وجود الجائز، و هذا أصل مثبت، بل ارتفاع الكلي من آثار كون الحادث ذلك المقطوع بارتفاعه. قال: نعم لازم عدم حدوث الفرد الطويل مثلا عدم وجود ما في ضمنه من المشترك لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين.

و قد أورد المحقق الخراساني(قده) على هذا الاستصحاب:

بأنه يتم بناء على جريانه مع الشك في المقتضي، لكن الشيخ لا يرى حجيته حينئذ.

وفية: ان الفسخ أو التراد في المعاطاة رافع للملكية، فلو شك فيه كان الشك في الرافع لا المقتضي، فالإشكال غير وارد.

و قد يشكل عليه أيضا: بأنه معارض باستصحاب بقاء علاقة المالك الأول.

وفية: ان هذه العلاقة انما تتحقق بعد البيع كخيار الفسخ الحادث بعد البيع، فلا حالة سابقة لها حتى تستصحب، و أما ان أريد انها مرتبة ضعيفة من الملك، فيجاب عنه بنفس الجواب المذكور، على أن الملكية لا تقبل ذلك، فالاستصحاب ساقط.

و قال السيد(قده) في جواب الشيخ(قده): ان موضوع الحكم الشرعي في الاستصحاب ان كان ارتفاع الحادث و بقاؤه فما ذكره تام، و أما ان كان الوجود و العدم، بمعنى أن موضوع الحكم وجود الشي‌ء و عدم وجوده لا البقاء و الارتفاع كما ان في استصحاب الطهارة‌

95

وجودها يصحح الصلاة و عدمها يبطلها، لا ان البطلان مشروط بعدم ارتفاع الطهارة فما ذكره غير تام.

وفية: انه لا ينعدم الكلي بانعدام الفرد. نعم بوجوده يوجد، فالشك في الكلي موجود و الاستصحاب جار.

ثمّ ان السيد(قده) بعد أن أورد هذا الاشكال جوز استصحاب الفرد المردد، فانه قبل الفسخ أو الرجوع كان فرد من الملك موجودا و بعده يستصحب ذاك الفرد لو شك في بقائه.

أقول: و يبطله انه ليس للفرد المردد حقيقة.

استصحاب الفرد

و قد جوز الشيخ(قده) استصحاب الفرد الشخصي، بتقريب انه ليس المتزلزل و المستقر حقيقتين متمايزتين. نعم بينهما فرق من حيث الحكم و ان المجعول الشرعي في أحدهما غير المجعول في الأخر فالاختلاف في الأسباب لا المسببات، كما أن الملك الحاصل من الهبة هو الحاصل من البيع، غير أن السبب مختلف.

و أورد السيد(قده) عليه: بأن هذا الملك غير ذاك عند العرف.

أقول: لا يبعد تمامية كلام الشيخ(قده)، لكن الحاكم في المقام هو الوجدان. و يترتب على ذلك انه بناء على انكار الاتحاد لأبد من استصحاب القدر المشترك الذي ذكره الشيخ(قده) أو الفرد المردد الذي ذكره السيد(قده) لو تم و اما بناء على تماميته فيتوقف‌

96

أيضا كما ذكر المحقق الأصفهاني على عدم وجود مرتبتين في الملك من الشدة و الضعف، فلو كان فلا مناص من استصحاب الجامع كذلك، لزوال الضعيف يقينا و القوي مشكوك فيه، و على أن لا يكون لكل من المتزلزل و المستقر خصوصية توجب تعدد الفرد، فانه أيضا مانع عن استصحاب الشخص و هو واضح.

قال(قده): ان ما ذكره الشيخ من الاتحاد يمكن المساعدة عليه و كذا لا شدة و ضعف في الملك بل هو أمر اعتباري واحد و أما الخصوصيات فيحتمل وجودها، و حينئذ يفترقان من هذه الجهة.

قال الشيخ(قده): ان جواز الرجوع في أحدهما دون الأخر لا ينافي الاتحاد، لان هذا حكم شرعي للسبب، و اختلاف السبب من حيث الحكم لا يوجب اختلاف المسبب و تعدده.

أقول: هذا نظير ما اذا سافر زيد ثمّ شك في حياته فتستصحب و الجهل بأبيه هل هو عمرو أو بكر لا يوجب تعدده، أما اذا جهل خصوصية زوج امرأة فلم يعلم هل هو زيد بن بكر أو زيد بن عمرو و قد علمنا بموت أحدهما فان استصحاب بقاء الزوج لا يفيد التعيين فإذا لا يمكن استصحاب الفرد في هذه الصورة، لأنه ان كان زوجها ابن عمرو فقد فرض القطع بموته، و ان كان ابن بكر فهو مشكوك البقاء.

هذا، فان كان ما نحن فيه من قبيل الأول جاز استصحاب بقاء الشخص لان تعدد السبب لا يوجب تعدد المسبب، و ان كان من قبيل الثاني فلا يصح لتعدد المسبب أيضا. و الشيخ(قده) يجعله من قبيل الأول‌

97

فالموجود سابقا شخص الملك بغض النظر عن السبب و مع الشك في بقائه و ارتفاعه يستصحب بلا اشكال.

و قال المحقق الخراساني(قده): هذا يتم فيما اذا كان الحكم للسبب، الا أن الشيخ(قده) ذكر في الخيارات ان جواز الرجوع و عدمه من أحكام الملك، و حينئذ يتعدد الملك المسبب باختلاف الاحكام.

و يمكن الجواب عنه بأنه: صحيح ان اختلاف الحكم يكشف عن اختلاف الموضوع لا بمعنى الموضوع المقيد بالحكم كما ذكر تلميذه المحقق(قده) فلكل منهما خصوصية، لكن الخصوصية تارة ترفع برفعها موضوع الاستصحاب و أخرى لا ترفع، و لما كان موضوع الاستصحاب هو الفرد العرفي لا العقلي فان هذا الاختلاف هنا ليس مؤديا إلى تعدد الموضوع عرفا حتى لا يجري الاستصحاب.

ثمّ قال الشيخ(قده): مع أن الشك في كونه من خصوصيات السبب أو المسبب كاف لاستصحاب اللزوم.

أقول: قد ذكرنا أنه ان كان المتيقن السابق واحدا و شك في بقائه و ارتفاعه فهو مورد للاستصحاب بلا اشكال، و ان كان مرددا بين شيئين لكن شك في الباقي و المرتفع مع العلم بارتفاع أحدهما فلا يجري لان الاستصحاب لا يصلح للتعيين. و على هذا فان علمنا بأن طبيعة المستقر و المتزلزل مختلفة و شككنا في الباقي و المرتفع منهما فالاستصحاب لا يمكنه تعيين ذلك، و ان كان المسبب واحدا و التزلزل و الاستقرار من‌

98

خصوصيات السبب جاز.

هذا، و كل شك مركب من يقينين، فالشاك في النوم و عدمه متيقن من انتقاض طهارته على تقدير النوم و من عدمه على تقدير عدمه، فله يقينان تقديريان و شك فعلي واحد. و من هنا يتولد الشك في بقاء و ارتفاع الطهارة فيستصحب.

و كذا فيما اذا تردد الخارج منه بين المني و البول، فانه ان توضأ يتيقن بارتفاع الحدث ان كان بولا و بعدمه ان كان منيا، فهو شاك في ارتفاع الحدث حينئذ لكن غير شاك بالنسبة إلى شخص الأصغر لأنه متيقن من ارتفاعه به و لا الأكبر لأنه متيقن من بقائه. فلا شك في البقاء و الارتفاع بخلاف الفرض الأول.

و بما ذكرنا ظهر الفرق بين الصورتين، و لذا لا يجري استصحاب الشخص في الثانية بخلاف الاولى.

و على هذا ان كان التزلزل و الاستقرار من خصوصيات السبب جرى الاستصحاب، و ان كان من خصوصيات المسبب لم يجر. و لو شك في ذلك فالأقوى أيضا جواز استصحاب الشخص لأنه مع احتمال وحدة المسبب فالشخص محتمل البقاء.

و الظاهر: ان الشك هنا في البقاء و الارتفاع و انهما من خصوصيات السبب، فلا مانع من استصحاب الفرد.

و قد أورد السيد(قده) عليه بعدم احراز الموضوع.

قلت: كأنه يريد أن المورد شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب،

99

لتردد الموضوع بين الشك في الارتفاع و الشك في التعيين. لكن يمكن الإجابة عنه بأنه يوجد هنا الشك الفعلي مع وجود اليقينين على تقديرين، و وجودهما لا يضر بالشك الفعلي في البقاء و الارتفاع، فلا مانع من الاستصحاب.

و الحاصل: ان الفرد المردد: تارة يكون مرددا بين اثنين، بأن يعلم بدخول أحدهما لا على التعيين الدار مثلا، فمع الشك يستصحب بقاء الداخل و يرتب عليه أثر البقاء. و هذا استصحاب شخصي لكنه مردد بين اثنين، فلا يرتب عليه اثر أحد الرجلين بخصوصه.

و أخرى: يعلم بدخول أحدهما الدار مع العلم بأنه ان كان زيدا فهو باق فيها، و ان كان عمرا فهو الآن خارج عنها. و في هذه الصورة يستصحب الكلي الجامع بين الرجلين و يترتب عليه آثاره، و أما الفرد فمردد بين المقطوعين و لا شك فيه حتى يستصحب.

و ثالثة: يعلم بدخول زيد بخصوصه، لكن لا يدري هل هو ابن عمرو أو ابن بكر، لأنه ان كان الأول فقد خرج يقينا و ان كان الثاني فهو باق يقينا، فهل هذه الصورة تلحق بالأولى فيستصحب الشخص، أو بالثانية فيستصحب الكلي؟ قيل بالأول و هو ظاهر كلام الشيخ(قده)، لان التقدير مشكوك فيه، و قيل بالثاني لعدم احراز موضوع الاستصحاب الشخصي. و بعبارة أخرى الشك في التعيين دون البقاء.

و أجاب عنه في منية الطالب بأنه لا شك في الموضوع في هذا‌

100

المقام، لان الموضوع و هو القدر المشترك محرز قطعا و هو أصل تحقق الملك، لكن تردده بين الأمرين منشأ للشك في بقائه فيستصحب.

و لان المورد شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب، فيما إذا كان زيد في المثال مقطوع الخروج ان كان عمرو، و مشكوك الخروج ان كان ابن بكر، و لا فرق بين المخصص اللبي و اللفظي، أورده السيد المحقق الفشاركي و شيخنا الأستاذ (1) (قدس سره)ما.

و توضيحه: ان الواجب في الاستصحاب هو ترتيب أثر في المتيقن على المشكوك تعبدا، كتنزيل الشك في تحقق النوم منزلة اليقين بعدمه، فيحكم ببقاء الطهارة، فلو انكشف الخلاف وجب اعادة الصلاة التي صلاها بتلك الطهارة، لكن جعل الحكم الظاهري هذا مشروط بقابلية المورد و الا فلا يجعل.

و محل الكلام من هذا القبيل، فهو نظير ما اذا كان أمر الغائب عن أهله مرددا بين القطع ببقائه و القطع بموته، فان هذا المورد لا يقبل جعل الحكم الظاهري لان أمره يدور بين القطع بحياته فلا تقسم أمواله و لا تعتد زوجته، و بين القطع بموته فلا تترتب عليه آثار الحياة لان كلا طرفيه مقطوعين و لا شك في البين، و أما اذا كان أحد طرفيه مقطوع البقاء أو الارتفاع و الآخر مشكوك البقاء و الارتفاع فهي شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب المجعول لتنزيل المشكوك فيه منزلة المتيقن به، و التمسك به فيها غير جائز.

____________

(1) الفقيه الكبير آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي(قده).

101

و كذا اذا كان للشبهة طرفان و دار أمر أحدهما بين الأمرين فإنها شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب فلا يجري كذلك.

كلام الشيخ في اثبات وحدة الحقيقة

ثمّ ان الشيخ(قده) تمسك لإثبات وحدة الحقيقة (بالوجدان) فقال: ان المحسوس بالوجدان ان إنشاء الملك في الهبة اللازمة و غيرها على نهج واحد.

قال السيد(قده): ان أراد من" غيرها" البيع فلا نسلم الوحدة لان إنشاء البيع المبني على اللزوم عند العرف غير إنشائه في الهبة المبنية على الجواز عندهم، و ان أراد الهبة غير اللازمة فالأمر كذلك، و الاختلاف بينهما شرعي.

أقول: و الاولى أن يقال و ان لم أره في كلام أحد: ان كانت الملكية المتزلزلة تغاير المستقرة كان معنى قولهم (عليهم السلام)" البيعان بالخيار ما لم يفترقا" حدوث ملكية أخرى عند الافتراق غير الملكية الحاصلة في المجلس، و الحال أن الامر ليس كذلك قطعا، بل المتزلزل نفسه يلزم بالافتراق، فالملك حقيقة واحدة غير أنه متزلزل تارة و لازم أخرى.

و (بالبرهان) بأنه ان كانت خصوصية التزلزل أو الاستقرار من المالك بمعنى أنه ينشئ بحيث يكون مستقرا أو متزلزلا فلا بد أن يختلف الملك باختلاف حالات المالك من حيث قصده الرجوع و قصد العدم و عدم القصد.

102

هذا كلامه(قده). و الأحسن أن يقال: انه ان قصد اللزوم فهو و ان قصد العدم فالتزلزل و إلا فهو ملك لا لازم و لا متزلزل حتى لا يرد عليه ان الشارع يحكم في العقد اللازم كالبيع باللزوم و ان قصد الرجوع و بعدمه في الجائز كالهبة و ان قصد اللزوم، فالقول بتبعية الملك للقصد باطل.

و ان كانت الخصوصية من قبل الشارع لزم إمضاؤه العقد على غير ما يقصده المنشئ، و هو باطل لما تقدم من أن العقود تابعة للقصود.

أقول: و أما لو أنشأ المالك أصل الملك و عين الشارع الخصوصية لم يلزم التخلف، لان المفروض إضافته القيد اليه لا وضع فرد غير ما قصده المنشئ. لكن ليس حينئذ فردان بل التحقيقية واحدة و الاختلاف حصل باختلاف الحكم.

فتلخص أن الحق صحة استصحاب بقاء الملك. هذا كله في الشبهة الحكمية للمعاطاة.

الاستصحاب في الشبهة الموضوعية

و أما اذا كانت الشبهة موضوعية كأن يتعاطيا ثمّ يشك الطرفان أو أحدهما في أنه هل كان بعنوان المصالحة حتى تكون لازمة أو الهبة حتى تكون جائزة فالحق جريان الاستصحاب كذلك، لان الشك انما هو في بقاء نفس الملكية الحاصلة بالمعاطاة فتستصحب، و أما كون الفرد الحاصل من الملكية في الهبة غير الفرد الحاصل في المصالحة‌