بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
214 /
103

لو سلم التغاير بينهما فغير مانع من استصحاب شخص الملكية الحاصلة من هذه المعاطاة، و كذا لو تردد العقد الواقع بينهما بين البيع و الهبة. اذن أصالة اللزوم جارية في الشبهتين.

قال الشيخ(قده):

نعم لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة.

أقول: لو تداعيا كان قول المنكر للرجوع موافقا لأصالة اللزوم و عليه اليمين، و على الأخر البينة، و قد يكون الأصل موافقا لكليهما معا، كما لو ادعى أحدهما الصلح و أنكره الأخر و ادعى البيع فالموضوع واحد و عليهما معا اليمين، لان كلا منهما منكر و مدع.

و وجه قوله" يحتمل" وقوع الكلام بينهم في أنه هل تلحظ النتيجة في مقام التداعي أو يلحظ اللفظ؟ فعلى الثاني يتحالفان في مفروض المسألة، و على الأول لما كان المدعى للصلح يدعي اللزوم في المجلس و المنكر له ينكر اللزوم وجب اليمين على أحدهما دون الأخر.

و وجه قوله" في الجملة" قيام الأصل الحاكم في بعض الموارد كأن يقول أحدهما هذه هبة، و الآخر يقول صدقة. فان كانت الثانية فلا ترجع لأنها في سبيل الله، و ان كانت الاولى فله الرجوع فيها، فلا تحالف حينئذ، إذ يعتبر في الصدقة قصد القربة دون الهبة. فهذه جهة زائدة في تلك على هذه، فالمعطى المدعي للهبة ينكر قصده القربة، لأنه ينكر الصدقة و الآخر يدعي قصده لها، فالقول قول المعطى لأصالة عدم قصد القربة، و له الرجوع حينئذ بحكومة هذا الأصل على أصالة اللزوم.

104

هذا تمام الكلام في الوجه الأول، و قد ظهر أن مقتضى الأصل مع قطع النظر عن الادلة هو اللزوم.

الثاني: عموم" الناس مسلطون."

قال الشيخ(قده):

و يدل على اللزوم مضافا إلى ما ذكر عموم قولهم" الناس مسلطون على أموالهم.".

أقول: استدل به بناء على اعتباره بعمل الأصحاب به. و وجه الاستدلال: ان مقتضى السلطنة أن لا يخرج المال عن ملكية المعطى له بغير اختياره، فجواز تملك المعطي بالرجوع فيه من دون رضاه مناف لسلطنته المطلقة، فالمعاطاة لازمة.

لكن يضعف الاستدلال به وجوه:

1 أنه لما كانت المعاطاة جائزة لم يكن رجوع المالك الأصلي منافيا لسلطنة الأخر، لأنه قد أقدم من أول الامر على عقد جائز. نظير جعل الخيار للبائع حين العقد، فانه لو فسخ لم يكن منافيا لسلطنة المشتري.

2 ما ذكره المحقق الخراساني(قده) من أنه يمكن أن يقال انه ليس الا لبيان سلطنة المالك على ماله و تسلطه عليه و انه ليس بمحجور، لا لبيان انحصار أنحاء السلطنة له عليه دون غيره ليكون دليلا على اللزوم.

3 ما ذكره المحقق الأصفهاني(قده) من أن الحديث يفيد سلطنة المالك على جميع التصرفات الواردة على المال دون غيرها من‌

105

أنحاء السلطنة، فلا يفيد السلطنة على إبقاء أو ازالة الملكية.

ثمّ قال الشيخ بعد التمسك بالحديث:

فاندفع ما ربما يتوهم من أن غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص على ملكه، و لا نسلم ملكيته له بعد رجوع المالك الأصلي.

أقول: غرضه(قده) دفع توهم أنه يريد من الحديث إطلاقه ليشمل ما بعد الرجوع، حتى يكون تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية بل يريد أن تملك مال الغير عنه بالرجوع فيه بغير رضاه ينافي السلطنة التامة الثابتة له عليه بمقتضى الحديث. و هل بين التقريبين فرق بأن يكون التمسك به قبل الرجوع لا من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؟

أقول: معنى الحديث ان الناس مسلطون على أموالهم لأعلى أموال غيرهم، و كون سلطنة من لا يخرج المال عن ملكه الا برضاه أتم من سلطنة من ليس له الا التصرف فيه معلوم، و لكن الحكم لا يثبت موضوعه بل يترتب على الموضوع الثابت من قبل، فلا بد من دليلين أحدهما يثبت الموضوع و الآخر يرتب الحكم عليه، و هذا الحديث يفيد السلطنة للمالك على ماله و يتكفل افادة بقاء الملكية، و ظاهر عبارة الشيخ(قده) استفادة هذه الجهة أيضا من هذا الحديث. فظهر بطلان التمسك بالحديث لإثبات الملك مطلقا.

و يشهد بما ذكرنا أنا لم نجد أحدا من الأصحاب يقول بأن الادلة النافية للملك كأدلة الخيار و الشفعة معارضة لقاعدة السلطنة، و ذلك‌

106

لان هذه تقتضي سلطنة الشخص على المال ما دام في ملكه، و أما دليل الشفعة مثلا فيفيد أنه ليس ملكا له. فهو كالوارد على دليل السلطنة ..

كما أن أدلة الحجر مثلا لا تعارض هذه القاعدة بل تخصصها كما هو ظاهر.

و هذا الاشكال نفسه وارد على المحقق(قده) في مسألة القرض ان كان وجه تمسكه به على النحو الذي تمسك به الشيخ(قده).

الثالث: قوله (عليه السلام)" لا يحل مال امرئ".

قال الشيخ(قده):

و منه يظهر جواز التمسك بقوله (عليه السلام)" لا يحل مال امرئ الا عن طيب نفسه".

أقول: ان كان هذا الحكم تكليفيا فالمراد لا يجوز التصرف في مال امرئ الا عن طيب نفسه، و ان كان وضعيا فالمعنى لا ينفذ و لا يصح.

و الاستدلال به في المقام يتوقف على ظهوره في الحكم الوضعي، حتى لا يجوز الرجوع، بمعنى عدم تأثيره الا عن طيب نفس المشتري.

قيل: ان نسبت الحلية أو الحرمة إلى المعاملات كانت ظاهرة في الحكم الوضعي أي النفوذ و ان كان الموضوع عينا خارجية كان ظاهرا في الحكم التكليفي، مثلا الخمر حرام أي شربه و لحم الخنزير حرام أي أكله. و على هذا يكون الحديث ظاهرا في الحكم التكليفي، أي لا يجوز التصرف في مال الغير.

و قيل: ان نسبت إلى عين لا بما هي مال فهو تكليفي مثل الخمر حرام، و ان نسبت اليها بما هي مال كان ظاهرا في الحكم الوضعي مثل" لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ".

107

أقول: أقول: و الصحيح أن ظاهره حرمة التصرف في مال الغير مطلقا الا برضاه.

قال الشيخ(قده):

و توهم تعلق الحل بمال الغير، و كونه مال الغير بعد الرجوع أول الكلام مدفوع بما تقدم.

أقول: توضيح التوهم: ان هذا الحديث يجوز التمسك به فيما اذا كان الموضوع معلوما، و كون المال ملكا له بعد الرجوع مشكوك فيه، فيكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و توضيح الدفع: ان تملكه عن الغير بالرجوع فيه تصرف في ماله، و هو غير جائز بمقتضى الحديث الشريف.

قال الشيخ(قده):

مع ان تعلق الحل بالمال يفيد العموم بحيث يشمل التملك أيضا ..

أقول: غرضه(قده) ان هذا الحديث يدل على الحكم الوضعي و هو الفساد بالالتزام كذلك. و الصحيح كما قال السيد(قده) ان كلمة" مع" زائدة هنا، أي ان عموم" لا يحل .." يشمل جميع التصرفات و منها التملك، فهو يقتضي عدم جواز التصرف الخارجي و كذا التملك من أول الامر، فلا شبهة مصداقية حينئذ.

و لكن يتوجه ما أوردناه على الاستدلال بحديث السلطنة، فان الحديث لا يتكفل الموضوع بل يقول: ان المال المفروض كونه للغير لا يجوز التصرف فيه الا برضاه فتأمل.

108

الرابع: آية التجارة

قال الشيخ(قده):

و يمكن الاستدلال بقوله تعالى" لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ ..".

أقول: و مما استدل به للزوم المعاطاة هذه الآية الشريفة باعتبار ان الرجوع فيما ملكه بالمعاطاة ليس تجارة عن تراض، فيدخل في عموم المنع، و المعنى بقرينة" تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ" لا تأكلوا مالا بعنوان التملك الا بالتجارة عن تراض. و بعبارة أخرى: المعنى ان سبب التملك منحصر بالتجارة عن تراض.

هذا اذا كان الاستدلال بجملة المستثنى بناء على دلالتها على الحصر.

قال الشيخ(قده):

و التوهم المتقدم في السابق جار هنا ..

أقول: و في نسخة" غير جار هنا"، و الظاهر أنها الأصح، و غرضه(قده) ان الشبهة المذكورة حول دلالة" الناس مسلطون على أموالهم" غير جارية هنا، لان الحكم هنا ليس الا النهي عن تملك مال الغير الا بالتجارة عن تراض، و الرجوع ليس من مصاديق التجارة عن تراض.

و يمكن التمسك أيضا بالجملة المستثنى منها، فيكون المعنى:

لا تتصرفوا بنحو من الأنحاء في أموالكم الا عن طريق التجارة عن تراض.

أقول: هل الآية الكريمة تفيد لا تأكلوا أموالكم بوصف" أَمْوٰالَكُمْ" اي بقيد الإضافة إلى أصحابها، أو لا تأكلوا أموال غيركم بعنوان أنها أموالكم، او الأعم من كلا الأمرين؟

الظاهر ان المراد هو الثاني، أي لا تأكلوا ما تجعلونه ملكا لكم‌

109

بزعمكم مما هو بأيديكم بسبب من الأسباب الا التجارة عن تراض.

و بعبارة أخرى: لا تتملكوا شيئا من الأموال الا بالتجارة عن تراض ..

فيكون أكل الوارث ما ترك مورثه خارجا عن مدلول الآية تخصصا.

ثمّ ما المراد من الباطل؟

ان كان المراد الباطل الشرعي دلت الآية على جواز الأكل المباح و ان لم تكن تجارة عن تراض، كأكل المارة مما يمرون به مثلا و على هذا لا يلزم التخصيص في الآية بذلك، و يكون الرجوع جائزا فيما اذا اذن الشارع و ان لم يكن تجارة عن تراض، و يكون الاستثناء حينئذ منقطعا. و المختار عند جماعة عدم دلالة الاستثناء المنقطع على الحصر، فالآية تفيد النهي عن كل باطل و لا تفيد حصر غير الباطل في التجارة عن تراض. و عليه فلو شك في جواز الرجوع و عدمه يكون التمسك بالآية لعدم الجواز تمسك بالعام في الشبهة المصداقية لاحتمال اذن الشارع، اذا المفروض أن المراد من" الباطل" هو الباطل الشرعي، بمعنى ما لم يأذن به الشارع.

و ان كان المراد الباطل العرفي أي ما كان باطلا عندكم لا يكون مملكا لكم، فلا تأكلوا ما أخذتموه بشي‌ء من تلك الأسباب الا التجارة عن تراض فعلى هذا يكون اذن الشارع في بعض الموارد كحق المارة و الشفعة و نحوهما مخصصا لهذا" الباطل"، و كذا يكون نهيه عن بيع المنابذة و نحوه مخصصا لما هو" الصحيح" عندهم .. و الاستثناء على هذا التقدير منقطع كذلك و لا دلالة له على الحصر أيضا.

110

و أما اذا جعل الاستثناء متصلا كان تقدير المستثنى منه" بسبب من الأسباب"، أى لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب من الأسباب المملكة عندكم الا بسبب التجارة عن تراض .. دل على الحصر، و كان" الباطل" قيدا توضيحيا و كأنه تعليل للنهي عن ما عدا التجارة عن تراض. و يلزم عليه تخصيص المستثنى منه، لإنفاذ الشارع جملة من الأسباب غيرها.

هذا، و الظاهر ان المراد من" الباطل" هو الباطل الشرعي، و جملة الاستثناء لا تفيد الحصر حتى يلزم التخصيص، فلو احتمل اذن الشارع في الرجوع في المعاطاة جاز له التصرف في المال بعده بما جاز له التصرف فيه قبلها، لان معنى الاذن في الرجوع هو جعل المعاطاة كالعدم.

و بالجملة يتوقف الاستدلال بالآية على دلالتها على الحصر، أو دلالتها على حرمة أكل المال بالأسباب الباطلة عند أهل العرف:

فأما الوجه الأول فان الشيخ(قده) و ان تمسك به هنا قد نفاه في مبحث بيع الفضولي، و ذكر أن الاستثناء منقطع و لا يفيد الحصر، و جعله مثل" لأشي من الغنم بحرام الا الأرنب"، فانه استثناء منقطع و لا يفيد عدم حرمة ما عدا الأرنب من الحيوانات. نعم الحكم في المستثنى منه عام، فليس شي‌ء من الغنم بحرام، و ليس شي‌ء من الأكل بالباطل بحلال.

و لا فرق في عدم الدلالة على الحصر بين أن يكون" الباطل"

111

شرعيا أو عرفيا: أما الأول فلان المفروض عدم معلومية بطلانه شرعا، و أما الثاني فان هذا باطل عرفا كما ذكرنا لكن الشيخ(قده) نفسه قال: اذا أجاز المالك الحقيقي كان المورد نظير أكل المار من الثمر الممرور به، فانه حينئذ يخرج عن كونه باطلا، و على هذا لا يصح التمسك بالجملة المستثنى منها هنا.

و أما الوجه الثاني ففيه أن ذلك أول الكلام، على أنه يستلزم التخصيص و التخصص، بل الآية سياقها لا يناسب" الباطل" العرفي.

و بما ذكرنا ظهر عدم جواز التمسك بالآية للزوم المعاطاة.

الخامس: أدلة خيار المجلس

قال الشيخ" قد":

هذا كله مضافا إلى ما دل على لزوم خصوص البيع، مثل قوله (عليه السلام)" البيعان بالخيار ما لم يفترقا".

أقول: تقريب الاستدلال بهذه الاخبار هو: أن المعاطاة بيع بالحمل الشائع، فتشملها أدلته و تترتب عليها أحكامه، و منها خيار المجلس، فالمتعاطيان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا لزمت المعاطاة.

و التمسك بهذه الاخبار لأجل عدم جواز الفسخ بعد تفرقهما عن مجلس العقد تام كما هو واضح، و أما بناء على كون المعاطاة كالهبة في جواز التراد لم يقتض ذلك المنع عن التراد.

السادس: قوله تعالى" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ"

قال الشيخ(قده):

و قد يستدل أيضا بعموم قوله تعالى" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ..".

112

أقول قال في مجمع البيان: و في و أوفى بمعنى، و الثاني لغة أهل الحجاز. و تقريب الاستدلال كما ذكر الشيخ ان" العقد" هو" العهد" كما في الرواية (1)، و مبرز العهد أعم من اللفظ و الفعل فيشمل المعاطاة، و تكون صغرى لدليل وجوب الوفاء بالعقد فيجب الوفاء بالمعاطاة. و مقتضى إطلاق الآية وجوب الوفاء بها في جميع الأزمنة، فلا يجوز التراد و الرجوع.

و ليست الآية ظاهرة في حرمة التصرف بمال الغير، بل هي ظاهرة في عدم جواز الرجوع عن اعتبار الشي‌ء ملكا للغير، و منه ينتزع لزوم العقد بناء على أن الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية، أو انه إمضاء لعمل اهل العرف و بنائهم على اللزوم. هذا تقريب الاستدلال بالآية.

قال في منية الطالب ما ملخصه: ان الآية تدل على اللزوم في العقود اللفظية، و أما المعاطاة فلا يمكن إفادتها للزومها ثبوتا مضافا إلى قيام الإجماع على الجواز لان اللزوم في العقود تارة شرعي تعبدي كما في باب النكاح حيث حكم الشارع فيه حكما تعبديا بعدم جواز الرجوع فيه بوجه من الوجوه و أخرى حقي كما في باب المعاملات اللفظية كالبيع حيث جعل الشارع فيه الحق للمتبايعين في جعله لازما‌

____________

(1) قال الشيخ على بن ابراهيم: حدثني أبى عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام): قوله" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" قال: بالعهود.

تفسير القمي 1/ 160 و هى اما صحيحة و اما حسنة بإبراهيم بن هاشم.

113

و جعله غير لازم باشتراط الخيار فيه.

و أما اذا كانت المعاملة بالمعاطاة فان الفعل يفيد المبادلة و لكن لا يفيد الالتزام بها، بل هو خارج بالتخصص عن عموم الآية الكريمة، لان العقد هو العهد و الفعل قاصر عن افادة هذا المعنى.

أقول: لأفرق لدى أهل العرف بين البيع بالصيغة و البيع بالفعل، ففي كليهما تمليك من البائع و تملك من المشتري، و لازم هذا التمليك و التملك عدم الرجوع، و من هنا يمكن دعوى أن الالتزام موجود في القسمين.

و في التبيان لشيخ الطائفة(قده): أجمع المفسرون على أن المراد بالعقود العهود، فيجب الوفاء بكل عهد حتى اذا كان قلبيا، و حينئذ فدعوى الفرق بين دلالة الفعل و دلالة اللفظ ممنوعة. نعم اللفظ يكشف عما في الضمير و ليس الفعل كذلك و لذا يمكنه انكار قصد التمليك.

لكن هذا أمر آخر، فانا نقول: اذا علم تحقق أصل المعاملة من الطرفين علم اللزوم بالالتزام، سواء كانت باللفظ أو بالفعل.

و قيل: ان المعاطاة عقد، و العقد هو العهد، و قوله تعالى" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" ظاهر في الحكم التكليفي، و الاستدلال به يختص بما اذا كان متعلق العقد (فعلا)، و أما اذا كان المتعلق (النتيجة) فلا وجه للاستدلال به، لان هذه المعاهدة ان كانت جامعة للشرائط كانت النتيجة و هي الملكية حاصلة و مقتضى طبعها البقاء إلى أن يرفعها إلى أن يرفعها رافع و الا فلا،

114

سواء كانت بالصيغة أو بالمعاطاة، و أما عدم جواز التصرف فلان المفروض بيعه له، و من باع شيئا و ملكه لغيره فلا يجوز له التصرف فيه.

و هذا من أحكام البيع و لا علاقة له بمسألة الوفاء مطلقا، و على هذا لا يجوز أن يتمسك بالآية للزوم المعاطاة و حرمة التصرف فيما أعطاه بالرجوع فيه.

و قد أجاب الشيخ(قده) في أول الخيارات عن ذلك بما حاصله:

ان المراد بوجوب الوفاء هو العمل بما اقتضاه العقد في نفسه، فإذا دل على التمليك وجب العمل بما يقتضيه من الاحكام و الآثار من حرمة التصرف فيه و نحو ذلك.

أقول: وفية ان عدم العمل بالحكم المترتب على النتيجة ليس مخالفة لدليل الوفاء، فمن نذر أن يكون الشي‌ء ملكا لزيد فوفى بنذره و سلمه اياه ثمّ غصبه منه لم يحنث و ان ارتكب محرما.

فالأولى أن يقال في الجواب: ان مفاد دليل الوفاء لا تنقضوا عهودكم و التزموا بالآثار المترتبة عليها، و عليه فان بقي على عهده فهو، و ان فسخ و رجع فان أنفذ الشارع ذلك فهو، و الا فانه يأمر بالوفاء بالعقد و الالتزام بالأحكام المترتبة عليه. و بهذا يندفع ما قيل من أن الآية الشريفة لا تشمل عقد النتيجة.

ثمّ انه اذا احتمل في مورد ان الشارع جعل العقد بقول الشخص" فسخت" كلا عقد، فلا عقد عندئذ حتى يتوجه اليه الامر بالوفاء.

و بعبارة أخرى: تارة نشك في تخصيص العام فحينئذ نتمسك به، و أخرى‌

115

يقوم دليل يرفع موضوع العام فلا يجوز التمسك به. و عليه فان كان العقد موجودا توجه اليه الحكم المذكور، و ان فرض معدوما شرعا لم يجز التمسك بعموم دليل الوفاء، فظهر أن دليل الوفاء بالعقد تابع للعقد حدوثا و بقاء، و مع الشك في البقاء لم يجز التمسك به.

السابع: المؤمنون عند شروطهم

قال الشيخ(قده):

و كذلك قوله عليه الصلاة و السلام" المؤمنون عند شروطهم"، فان الشرط لغة مطلق الالتزام، فيشمل ما كان بغير اللفظ.

أقول: فيه أنه يتوقف على القول بوجوب الوفاء بالشروط الابتدائية، و قد قام الإجماع على خلافه على ما نقل عن غير واحد.

و أيضا: ان كان المراد وجوب العمل بالشرط فيكون حكما تكليفيا كان الاولى أن يقال: على المؤمنين الوفاء بشروطهم، و ان كان المراد هو الحكم الوضعي جاء فيه جميع ما تقدم في الدليل السابق.

و الظاهر أنه حديث أخلاقي كقولهم" المؤمن اذا وعد وفى".

نتيجة البحث

قال الشيخ(قده):

و الحاصل ان الحكم باللزوم في مطلق الملك و في خصوص البيع مما لا ينكر.

أقول: و يدل على اللزوم بالإضافة إلى ما تقدم أدلة الخيارات على أنواعها، فانه بعموماتها تشمل ما كان بغير اللفظ.

ثمّ قال:

الا أن الظاهر فيما نحن فيه قيام الإجماع على عدم اللزوم في المعاطاة ..

116

أقول: و لا يصلح الإجماع المدعى على عدم اللزوم لرفع اليد عن إطلاق الادلة المذكورة، لعدم تنصيص الأصحاب على عدم اللزوم، بل قال أكثرهم بعدم افادة المعاطاة للملك، فاللزوم سالبة بانتفاء الموضوع اذن لا اجماع على عدم اللزوم بناء على القول بالملك.

قال الشيخ(قده):

نعم يمكن أن يقال بعد ثبوت الاتفاق المذكور ان أصحابنا بين قائل بالملك الجائز و بين قائل بعدم الملك رأسا، فالقول بالملك اللازم قول ثالث فتأمل.

أقول: و لكن هذا انما يتم فيما اذا كان القول بعدم اللزوم مما أفتوا به صريحا، فلو اختلفوا على قولين في موضوع بالاستحباب و الوجوب و أفتوا بعد الحرمة كان القول بالحرمة احداث قول ثالث، و ان كانت الفتوى بعدم الحرمة مقيدة بالفتوى بالاستحباب أو بالوجوب جاز القول بالحرمة. و بالجملة: ان نفى القولان الثالث كان القول به أحداثا و الا فلا. و ليس الإجماع المدعى فيما نحن فيه من الإجماع على النفي.

ثمّ قال(قده):

و كيف كان فتحصيل الإجماع .. إلخ.

أقول: ملخص كلامه (قدس سره) الظن بتحقق الإجماع على عدم اللزوم. وفية انه لا دليل اعتبار هذا الظن، اللهم الا أن يكون الظن بالإجماع الكاشف ظنا بقول المعصوم (عليه السلام)، الا أنه يتوقف على القول بحجية مطلق الظن برأي المعصوم (عليه السلام)، و هو غير ثابت.

ثمّ قال:

بل يمكن دعوى السيرة على عدم الاكتفاء في البيوع

117

الخطيرة التي يراد بها عدم الرجوع بمجرد التراضي. نعم ربما يكتفون بالمصافقة، فيقول البائع" بارك الله لك" أو ما ادى هذا المعنى بالفارسية.

نعم، يكتفون بالتعاطي في المحقرات و لا يلتزمون بعدم جواز الرجوع فيها، بل ينكرون على الممتنع عن الرجوع مع بقاء العينين.

نعم، الاكتفاء في اللزوم بمطلق الإنشاء القولي غير بعيد للسيرة و لغير واحد من الاخبار كما سيجي‌ء إنشاء الله تعالى في شروط الصيغة.

و قد أشكل عليه السيد(قده) بالنسبة إلى المحقرات بأن ترادهم فيها ليس من جهة بنائهم على عدم اللزوم فيها، بل لعله من جهة عدم قابليتها للاستنكاف عن التراد.

أقول: بل السيرة العقلائية قائمة على الاكتفاء بالتعاطي و عدم اشتراط الإنشاء القولي مطلقا.

118

الكلام في قوله (ع)" انما يحلل الكلام و يحرم الكلام"

لقد استدل بهذا الخبر تارة على عدم افادة المعاطاة اباحة التصرف و أخرى على عدم إفادتها اللزوم، جمعا بينه و بين ما دل على صحة مطلق البيع كما صنعه في الرياض، و هو ما روي عن خالد بن الحجاج أو ابن نجيح (1) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيئني فيقول:

اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا. فقال: أ ليس ان شاء أخذ و ان شاء ترك؟ قلت: بلى. قال: لا بأس، انما يحلل الكلام و يحرم الكلام.

____________

(1) رواه الشيخ الكليني(قده) في باب بيع ما ليس عنده و الشيخ الطوسي في باب النقد و النسيئة عن ابن أبى عمير عن يحيى بن الحجاج عن خالد بن الحجاج أو ابن نجيح و هو في الوسائل 6/ 376.

119

الوجوه المحتملة في الخبر

و قد احتمل الشيخ (قدس سره) في قوله (عليه السلام)" انما يحلل الكلام و يحرم الكلام" وجوها أربعة:

الأول: أن يراد من" الكلام" في المقامين اللفظ الدال على التحريم و التحليل، بمعنى أن تحريم شي‌ء و تحليله لا يكون الا بالنطق فلا يتحقق بالقصد المجرد عن الكلام، و لا بالقصد المدلول عليه بالأفعال.

الثاني: أن يراد من" الكلام" اللفظ مع مضمونه، كقولهم" هذا الكلام صحيح، و هذا الكلام باطل"، و يكون المراد: ان المطلب الواحد يختلف حكمه الشرعي من حيث الحلية و الحرمة باختلاف المضامين المؤداة بالكلام.

قال:

و على هذا المعنى ورد قوله (عليه السلام)" انما يحرم الكلام" في عدة من روايات المزارعة.

و على هذا فالمراد بالنسبة إلى مورد السؤال ان الكلام ان كان بمضمون البيع و الشراء كان أثره الحلية، بخلاف ما اذا كان بمضمون المواعدة و المقاولة، و ان كان المطلب واحدا.

الثالث: ان يراد من" الكلام" في الفقرتين الكلام الواحد، و يكون الاختلاف في الحكم الشرعي باعتبار الوجود و العدم. قال:

و يحتمل هذا الوجه في الروايات الواردة في المزارعة.

أي: الإيجاب و القبول ان وجدا حل التصرف في مال الغير و الا‌

120

فلا. اذن الافعال غير مؤثّرة.

الرابع: أن يراد من" الكلام" المحلل خصوص المقاولة، و من المحرم إيجاب البيع، لأنه وقع قبل الشراء و هو غير جائز.

أقول: لا اشكال في أن الراوي لا يريد السؤال عن حكم بيع قد وقع بلا لفظ، لأنه يعلم بعدم تحقق البيع، بل يقصد السؤال عن أثر هذا اللفظ الدال على المواعدة و المقاولة، اما من جهة احتماله كون ذلك من مصاديق قوله (عليه السلام)" لأتبع ما ليس عندك" فقال الامام (عليه السلام): أ ليس ان شاء أخذ و ان شاء ترك؟ قال: بلى، فقال (عليه السلام): لا بأس .. أي: لا بأس بهذه المواعدة ما دام أمر القبول و الرد بيده بعد، فإنها ليست من مصاديق" لأتبع ما ليس عندك".

و اما من جهة احتماله أن هذه المقاولة توجب بطلان المعاملة التي ستقع بينهما على الثوب، فالإمام (عليه السلام) يجيب بعدم البأس، لان الرجل ان شاء أخذ و ان شاء ترك. هذا حكم المسألة.

و انما الكلام في تطبيق الكبرى على الصغرى، و ظاهر" انما يحلل الكلام و يحرم الكلام" كون الكلام نفسه محللا و محرما، و أما الاحتمال الثالث فخلاف الظاهر، كما ان جعل" يحرم الكلام" بمعنى ان عدم الكلام محرم خلاف الظاهر، بل المحرم و المحلل اما بمعنى ان الإيجاب و القبول الصحيحين يسببان حلية المثمن للمشتري و الثمن للبائع، و اما بمعنى ان المؤثر في الحلية و الحرمة هو وجود الكلام، فالمؤثر في حلية الوطي هو وجود صيغة النكاح، و المؤثر في حرمته هو وجود صيغة‌

121

الطلاق. فالكلام نفسه محلل و نفسه محرم، و أما ارادة غير ما ذكر فمجاز و لا موجب لحمل الرواية عليه.

و على هذا فلا بيع في المقام حتى يبحث عن شرطية اللظ و عدمها.

نعم يحتمل أن يراد من" الكلام" البيع بالإيجاب و القبول، و بما أنه غير متحقق هنا فليس بمصداق لقوله (عليه السلام)" لأتبع ما ليس عندك" و لذا قال (عليه السلام)" لا بأس".

و لكنه خلاف الظاهر.

و يحتمل أن يراد ان البيع يتحقق بالإيجاب و القبول و هو غير متحقق قبل الشراء، و لذا قال" لا بأس"، إذ لو كان قبل الشراء بيع لكان باطلا.

و لكنه خلاف الظاهر كذلك.

و بالجملة: ان الرواية مجملة، و غاية ما يستفاد منها تأثير" الكلام" في المعاملات. فالاستدلال بها في المقام غير تام.

ثمّ ان الشيخ(قده) بعد أن ذكر أن الرواية لا تدل على انحصار المعاملة في اللفظية قال:

نعم يمكن استظهار اعتبار الكلام في إيجاب البيع بوجه آخر بعد ما عرفت من أن المراد بالكلام هو إيجاب البيع بأن يقال: ان حصر المحلل و المحرم في الكلام لا يتأتى إلا مع انحصار إيجاب البيع في الكلام، إذ لو وقع بغير الكلام لم ينحصر المحلل و المحرم في الكلام. الا أن يقال: ان وجه انحصار البيع في الكلام في مورد الرواية هو عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد، إذ

122

المفروض أن المبيع عند مالكه الأول، فتأمل.

أقول: و لكن من الممكن أن يقال: ان للمورد هنا خصوصية، إذ المعاطاة لم تتحقق. و الامام (عليه السلام) حصر البيع بالإيجاب و القبول معبرا ب‍" الكلام" في مقابل المقاولة لا في مقابل المعاطاة، إذ الواقع هنا هو الكلام لا الفعل.

و يحتمل التعبير ب‍" الكلام" من جهة الغلبة، إذ الأغلب تحقق البيع بالكلام.

و كيف كان فلا ظهور للرواية في مقابل ظواهر عمومات البيع، لتكون دالة على عدم افادة المعاطاة الملك أو اللزوم.

روايات اخرى في الباب.

ثمّ انه(قده) قال:

كما يشعر به قوله (عليه السلام) في رواية أخرى واردة في هذا الحكم أيضا، و هي رواية يحيى بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب أو هذه الدابة و بعنيها أربحك فيها كذا و كذا. قال: لا بأس بذلك ليشترها و لا يواجبه البيع قبل أن يستوجبها أو يشتريها (1).

أقول: يعني انه بقرينة هذه الرواية يفهم أن المراد من" الكلام" في تلك هو البيع، أي ان تحقق البيع قبل الشراء فحرام و الا فحلال، لأنها تشعر باشتراط الكلام، لقوله (عليه السلام)" لا يواجبه البيع.".

____________

(1) الوسائل 6/ 378 باختلاف يسير في اللفظ.

123

الا أن هذا لا يفيد الحصر حتى يقال بعدم تأثير المعاطاة بل الامام (عليه السلام) تعرض في الجواب إلى أحد فردي المعاملة لأنه مورد السؤال و لا مفهوم لكلامه ليكون الفرد الأخر باطلا، بل هو مسكوت عنه.

قال:

و يشعر به أيضا رواية العلاء الواردة في نسبة الربح إلى أصل المال. قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول: أبيعك بده دوازده. فقال: لا بأس، انما هي هذه المراوضة فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة (1). فان ظاهره على ما فهمه بعض الشراح أنه لا يكره ذلك في المقاولة التي قبل العقد و انما يكره حين العقد.

أقول: و لكن من أين نثبت له المفهوم ليدل على الحصر، بل لعل الامام (عليه السلام) أجاب بهذا الجواب لكون المورد مورد القول، لان الراوي قال: فيقول ..

قال(قده):

و في صحيحة ابن سنان: لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك، تساومه ثمّ تشترى له نحو الذي طلب، ثمّ توجبه على نفسك، ثمّ تبيعه منه بعد (2).

أقول: و هذه كسابقتها في عدم الدلالة على الحصر، على أن قوله (عليه السلام)" ثمّ تبيعه" أعم من البيع اللفظي و المعاطاة.

____________

(1) الوسائل 6/ 386 مع اختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل، كتاب التجارة، أبواب احكام العقود، الباب 8 ج 6 ص 375.

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

تنبيهات المعاطاة

و ينبغي التنبيه على أمور:

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

الامر الأول (هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع؟)

هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع من الشروط مطلقا أي سواء قلنا بافادتها الملك أو قلنا بافادتها الإباحة أولا يعتبر فيها من ذلك شي‌ء كذلك، أو لأبد من التفصيل بين القول بافادتها الملك و القول بافادتها الإباحة، أو التفصيل بين ما اذا قصد المتعاطيان الملك و ما اذا قصدا الإباحة؟

ان قلنا: بأن المعاطاة تفيد الملك أعم من الجائز و اللازم فهي بيع، و لازم ذلك شمول أحكام البيع لها حتى بناء على القول بأنه بيع فاسد شرعا.

و ان قلنا بافادتها الإباحة فهي بيع عرفا و لا يؤثر شرعا الا الإباحة، و هل معنى هذا: انه ليس بيعا شرعيا أوانه بيع يفيد الإباحة؟ الظاهر هو الأول، لان البيع ما يفيد الملك، و ما لا يفيده فليس بيعا شرعيا لأنه لا يفيد الملك، و لا يخفى عدم الفرق بين هذا القول و القول بأنه بيع فاسد‌

128

لأنه ايضا لا يفيد الملك، فجعل الأول بيعا دون الثاني لأوجه له.

قال السيد(قده): قوله" بيع عرفا لا شرعا" ان أراد ان هذا بيع مع قطع النظر عن حكم الشرع فهو صحيح، و ان أراد أنه بعد لحاظ حكم الشرع من العرف هو بيع عندهم فليس كذلك.

أقول: ان كان المبني هو وحدة الموضوع له، غير أن الشارع يخطئ اهل العرف في بعض الموارد من حيث التطبيق فالتخطئة تكشف عن أن موردها ليس بيعا عند المتشرعة أيضا فلا يشمله أدلة الشرائط.

و ان كان المبني هو ان اهل العرف قد وضعوا اللفظ لما يفيد الملك عندهم سواء أفاد عند الشارع أم لا فانه يكون بيعا عندهم، لكنهم بما هم متشرعة لا يرونه بيعا لعدم إمضاء الشارع له فيشمله ادلة الشروط حيث ان الاحكام تنزل على المفاهيم العرفية.

نعم لقائل ان يقول: بأنا نعلم حتى بناء على تغاير الموضوع له بأن الشارع لما جعل شرائط البيع، جعلها لكل بيع مملك في اعتباره، و أما ما لم يكن كذلك فالبيع منصرف عنه في نظره و ان كان بيعا في نظر أهل العرف.

و لكن هذا انما يصح فيما اذا أراد الشارع أن يجعل البيع العرفي كلا بيع، كما هو الشأن في البيع الربوي مثلا. و أما اذا أراد ترتيب اثر آخر عليه كالاباحة بعد التصريح بعدم افادته الملك، فان أدلة الاشتراط تشمله و ان كان الموضوع له عنده غير الموضوع له عند أهل العرف لما مر.

129

و قال المحقق الخراساني(قده) ما توضيحه: أنه بيع عرفي لم يؤثر شرعا قبل وجود أحد الملزمات كتلف أحد العوضين، فهو ليس بيعا ابتداء حتى يتحقق أحدها، فهو شرط افادته التمليك و التملك. و حينئذ يكون بيعا شرعا و عرفا، و في البيع عنها في كلام المشهور القائلين بالإباحة هو البيع الشرعي بمجرده لأبد وجود أحد الملزمات، فانه حينئذ يفيد الملك عندهم لا الإباحة الملزمة، و لذا يقولون بأن العوض الأخر الموجود ملك لمن هو بيده في الفرض المذكور فعليه هو بيع شرعي لكن بعد وجود أحد الملزمات، فيشمله أدلة الشرائط.

قال الشيخ:

فنفى البيع عنها في كلامهم و معاقد إجماعهم ..

أقول: الظاهر أن هذه العبارة متفرعة على القول بالإباحة، فانه بناء عليه ليس بيعا شرعيا بل هو عرفي، و يكون المعنى حينئذ ان الإباحة تفيد الملك بالتالي، و يحتمل كونها متفرعة على أول كلامه(قده)، أي: نفى البيع في كلامهم حتى على القول بالملك لان مقصودهم هو المؤثر في افادة اللزوم زائدا على الملك.

هذا كله بناء على أن مقصود المتعاطيين و التملك، و أما مع قصدهما الإباحة فليست بيعا شرعا و لا عرفا، لان الاذن في التصرف ليس بيعا، اذا البيع كما قيل مبادلة مال بمال .. و على هذا فما هو دليل ترتيب أحكام البيع على المأخوذ بالمعاطاة مع عدم إفادتها الملك و عدم قصدهما التمليك و التملك؟

أما السيرة فإنها دليل لبى، فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن، و هو‌

130

المورد الجامع لشرائط البيع. و هل هناك إطلاق يشمل محل الكلام؟

استدل بقوله (عليه السلام)" الناس مسلطون على أموالهم و أنفسهم"، فانه يدل بإطلاقه على افادة المعاطاة الإباحة مطلقا.

أقول: لكن الاستدلال به يتوقف على كونه مشرعا كما هو مختار السيد(قده) فلو شك في اشتراط شي‌ء في معاملة ما يتمسك به، و الظاهر وفاقا للشيخ قده خلافه، بل الحديث يدل على سلطنة الناس على أموالهم بالانحاء المشروعة فقط من البيع و الصلح و الإجارة و الهبة و نحو ذلك، فهو يفيد جواز بيعه و إجارته و هبته .. و غير ذلك من المعاملات المشروعة من ذى قبل، فلا اطلاق له حتى يتمسك به في موارد منع الشارع أو الشك في تجويزه.

قال الشيخ(قده):

و أما على المختار من أن الكلام فيما قصد به البيع فهل يشترط فيه شروط البيع مطلقا، أم لا كذلك، أم يبتنى على القول بافادتها للملك و القول بعدم إفادتها الا الإباحة؟ وجوه ..

ثمّ استشهد قده للأول بأمور، و خلاصة ذلك: ان المعاطاة بيع، فالأدلة شاملة لها، لأنها منزلة على البيع العرفي، فيشترط في صحة ما يراه أهل العرف بيعا كونه جامعا للشرائط الشرعية التي اعتبرها، سواء كان الاثر الملك او الإباحة.

و أورد عليه السيد(قده): بأن البيع العرفي انما يصدق في ما اذا لم يأت ردع عن الشارع، و إلا خرج عن كونه بيعا عرفيا، فلا موضوع تشمله أدلة الشرائط.

131

أقول: فيه انه لا حقيقة شرعية للفظ البيع، و ليس هو من الأمور التي اخترعها الشارع، بل امر متداول عند اهل العرف، فكما ان المفهوم من لفظ" الماء" في لسان الشارع هو نفس المفهوم منه عند أهل العرف فكذلك" البيع"، فإذا قال: يشترط فيه كذا. كان معناه: يشترط في هذا البيع المتعارف أن يكون كذا.

و أشكل المحقق الأصفهاني(قده) بأن دليل إمضاء البيع لا يعقل ان يكون موضوعه الا البيع العرفي. فانه القابل للإمضاء، بخلاف دليل اعتبار شي‌ء في البيع، فانه لا يعقل أن يكون موضوعه البيع العرفي بما هو لان اعتبار احد لا ينوط بنظر شخص آخر، فلا يعقل أن يكون الموضوع حينئذ غير البيع الشرعي، فانه المنوط في نظره بشي‌ء، فالبيع المساوق وجوده لنفوذه هو المنوط بكذا و كذا، لأكل ما قصد به الملك.

فأدله الشرائط اذا لا تتوجه إلى البيع العرفي.

أقول: أن أراد الشيخ ان أدلة الشرائط تخرج البيع العرفي عن كونه بيعا عرفيا فيما اذا فقد أحدها، كان الاشكال واردا، لان الشرط الشرعي لا يضيق المفهوم العرفي و لا يحدد اعتبار أهل العرف، لان المفروض اختلاف النظرين، و لا يؤثر نظر أحد الشخصين في نظر الأخر.

و ان أراد ان أدلة الشرائط تتوجه إلى البيع العرفي لا بمعنى نفي البيعية، بل بمعنى أن هذا البيع لا يمضيه الشارع بدون هذا الشرط، فمتى كان واجدا له كان مؤثرا شرعا و الا فلا. فالإشكال غير وارد، إذ‌

132

لا تضييق للبيع العرفي حينئذ، بل الادلة تتوجه اليه نفسه و تضيق دائرة تأثيره فحسب، فالتأثير هو للجامع للشرائط الشرعية، لا أن موضوع الادلة هو البيع الشرعي.

ثمّ ان الشيخ(قده) بعد أن ذكر وجه التفصيل المذكور ذكر تفصيلا آخر، و هو: ان كانت ادلة الشروط ثابتة بالنصوص فتشمل المعاطاة، و ان كانت بالإجماع فلا. مثلا: كون الوزن معلوما في الموزون قيل:

انه ثابت بالإجماع، و قيل: لا يشترط فيما اذا انتفى الغرر .. فان كان اجماع فهو منصرف إلى البيع الشرعي، و ان كان نص فهو منزل على البيع العرفي.

و وجه الفرق: ان المجمعين انما يشترطون شيئا في البيع من جهة انهم متشرعة، و أما النصوص فلعدم الحقيقة الشرعية تتوجه إلى المفاهيم العرفية.

ثمّ قال الشيخ:

و الاحتمال الأول لا يخلو عن قوة. قال ما توضيحه:

اما بناء على الملك فان هذا بيع تشمله الادلة، و اما بناء على أنه بيع عرفي يفيد الإباحة فان الحكم الشرعي الثابت بقوله تعالى" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" مقتضاه افادته الملك ان كان صحيحا، فان لم يفده فمن أين الإباحة؟ انه عن طريق اشتراط الأصحاب الصيغة، و كذا قوله (عليه السلام)" الكلام يحلل و الكلام يحرم"، و من هنا يقولون بافادتها الإباحة.

و على هذا لا يكون لكلماتهم من ان المعاطاة تفيد الإباحة إطلاق كالنصوص ليشمل الفاقد للشرائط لا سيما مع اختلاف تعابيرهم فيؤخذ بالقدر‌

133

المتيقن، و هو الجامع للشرائط عدا الصيغة فإذا كان كذلك أفاد الإباحة.

فسواء كانت المعاطاة تفيد الملك المتزلزل أو المستقر أو الإباحة على اختلاف الأقوال فانه لأبد أن يكون جامعا للشرائط، لأنه هو القدر المتيقن من كلماتهم.

و هذا الذي ذكره (قدس سره) دليل آخر على الوجه الأول الذي اختاره و قواه.

كلام الشهيد(قده)

قال الشيخ (قدس سره):

ثمّ انه حكي عن الشهيد في حواشيه على القواعد أنه بعد ما منع من إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس و الزكاة و ثمن الهدي الأبعد تلف العين يعني العين الأخرى ذكر: انه يجوز أن يكون الثمن و المثمن في المعاطاة مجهولين، لأنها ليست عقدا، و كذا جهالة الأجل، و انه لو اشترى أمة بالمعاطاة لم يجز له نكاحها قبل تلف الثمن.

قال الشيخ:

و حكى عنه في باب الصرف أيضا أنه لا يعتبر التقابض في المجلس في معاطاة النقدين.

و حيث ان الشيخ (قدس سره) يقول بكون المعاطاة بيعا، صار بصدد اثبات وجوب اجتماع شرائط البيع هنا و ان لم يكن عقدا على ما ذهب اليه الشهيد (قدس سره)، فقال في الجواب:

حكمه بعدم جواز

134

إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الصدقات الواجبة و عدم جواز نكاح المأخوذ بها صريح في عدم إفادتها للملك، الا أن حكمه (رحمه الله) بعدم اعتبار الشروط المذكورة للبيع و الصرف معللا بأن المعاطاة ليست عقدا يحتمل أن يكون باعتبار عدم الملك، حيث أن المفيد للملك منحصر في العقد، و ان يكون باعتبار عدم اللزوم، حيث ان الشروط المذكورة شرائط للبيع العقدي اللازم.

ثمّ قال (قدس سرهما) ملخصه:

و الأقوى اعتبارها و ان قلنا بالإباحة، لأنها بيع عرفي و ان لم يفد شرعا الا الإباحة، و مورد الادلة الدالة على اعتبار تلك الشروط هو البيع العرفي لا خصوص العقدي، و لان إفادتها الإباحة تخالف القاعدة لان المفروض أن مقصود المتعاطيين هو الملك و حينئذ يجب الاقتصار على القدر المتيقن، و هو المورد الجامع للشرائط عدا الصيغة.

لكن المحقق الأصفهاني(قده) قال: لا يعتبر شرائط البيع العقدي في المعاطاة على القول بافادتها الملك شرعا، اما لعدم المقتضي و هو قصور الدليل اللبي، أو لوجود المانع و هو السيرة العملية على أوسع مما تقتضيه النصوص.

قال: و منه يتبين حال المسألة على القول بافادتها الإباحة، لفرض دلالة دليل الشرط على اعتباره في البيع، و ما لا يفيد الملك فليس بيعا شرعا، و قد مر أن موضوع دليل الشرط هو البيع الشرعي دون العرفي.

و اما قصور دليل تأثير المعاطاة في الإباحة عن شموله لفاقد غير الصيغة أيضا فهو خلاف المشاهد من سيرة المسلمين من عدم رعايتهم لما يعتبر‌

135

في العقد القولي كما عن كاشف الغطاء (قدس سره).

أقول: وفية أنا قد ذكرنا سابقا ان أدلة الشرائط متعلقة بالبيع العرفي، و ليس للشارع وضع في قبال وضع أهل العرف، فالمعاطاة بيع و ان قلنا بالإباحة، فيجب رعاية الشروط المذكورة فيها شرعا حتى يترتب الاثر المذكور.

نعم، ما أفاده من شمول إطلاقات الادلة للمعاطاة لكنها مقيدة بالسيرة القائمة على عدم رعايتها فيها محتمل، و قد ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) أيضا، فانه بعد ما صرح قاطعا باعتبار الشرائط على القول بالملك لكونها بيعا بلا اشكال قال: الا أن يقال ان السيرة قد ألقت بعض ما يعتبر بالإطلاق أو العموم، لكنه رده بقوله و أنى لها بذلك.

و الانصاف أن رده في محله، لعدم إمكان اثبات سيرة من المتشرعة على القاء بعض الشرائط المعتبرة شرعا (نعم قد يكون ذلك من غير المبالين بالأحكام الشرعية)، و لا أقل من الشك في تحقق هكذا سيرة، فيكون الشك في التخصيص، فيجب رعاية جميع الشرائط كما ذكر الشيخ (قدس سره).

اللهم الا أن يقال بأن الشرائط هذه شرائط للبيع في حصول الملك، فإذا قلنا بالإباحة كانت أجنبية عنها، فلا يلزم رعايتها فيها بناء على ذلك. لكن الانصاف لزوم الشرائط بناء على هذا أيضا، لان المتيقن من حصول الإباحة هو صورة اجتماعها فيها، و مع عدمه لا يقطع بحصولها بها.

136

الكلام في جريان الربا فيها

قال الشيخ(قده):

و بما ذكرنا يظهر وجه تحريم الربا فيه أيضا و ان خصصنا الحكم بالبيع، بل الظاهر التحريم حتى عند من لا يراها مفيدة للملك، لأنها معاوضة عرفية و ان لم تفد الملك، بل معاوضة شرعية كما اعترف بها الشهيد (رحمه الله).

أقول: و توضيح المرام: ان المعاطاة اما هي بيع و اما هي معاوضة مستقلة، فان كانت بيعا جرت فيها أدلة الربا مطلقا أي سواء أفادت الملك أو الإباحة فالمعاطاة الربوية محرمة و باطلة أيضا.

و ان كانت معاملة مستقلة، فان تمسكنا بما ذكرنا آنفا من أن المتيقن من حصول الإباحة هو ما اذا كانت جامعة للشرائط، فلا بد من أن يقال انه مع كونها ربويه لا تحصل الإباحة بل هي معاملة محرمة، و ان تمسكنا بالاطلاقات فحيث انها متوجهة إلى البيع و المفروض أن المعاطاة معاوضة مستقلة فلا تجري فيها أدلة الربا الا على القول بجريانها في غير البيع من المعاملات كما هو الحق.

الكلام في جريان الخيار في المعاطاة

عبارة الشيخ هنا لا تخلو من اجمال و اشكال، لأنه (قدس سره) قال‌

و أما حكم جريان الخيار فيها قبل اللزوم فيمكن نفيه على المشهور، لأنها جائزة عندهم فلا معنى للخيار.

137

أقول: قوله" قبل اللزوم" غير ظاهر المعنى، لأنه لا يعلم أن المراد منه جعل الخيار للفسخ قبل اللزوم أو جعله قبل اللزوم للأخذ به بعده. و بعبارة أخرى: هل المقصود جعله للأخذ به قبل اللزوم أو جعله قبله للأخذ به بعده؟

و لم يتعرض الشيخ و لا أحد من المحشين لهذا الاشكال، فان كان المراد: جعله للأخذ به قبل اللزوم كما هو الظاهر من قوله بعد ذلك:

لا معنى للخيار، لزم لغوية الجعل، لان المعاطاة ليست لازمة بعد، بل يجوز فيها الرجوع، فما أثر جعل الخيار؟

و أما ما يستفاد من بعض من الفرق بين جواز التصرف و التملك و بين جعل الخيار: بأن الأخذ بالخيار يصير العقد كالعدم بخلاف التصرف بدون الخيار فان البيع باق بعد و لم يقع فيه خلل.

ففيه: انه لا يرفع الاشكال، لان المقصود هو جواز التصرف في هذه العين، فإذا كان له التصرف فيها بدون جعل الخيار فجعله لغو.

و ان كان المراد جعله فعلا للأخذ به بعد لزومه فلا لغوية، لعدم جواز الرجوع حينئذ الا به، كما هو الامر في البيع بالصيغة.

و بالجملة فلا يصح الحكم بعدم المعنى لجعل الخيار بقول مطلق، لأنه يفيد لما بعد اللزوم، و أما بالنسبة إلى ما قبله فلا يصح سواء قلنا بالإباحة أو بالملك الجائز. و على هذا يناسب أن يكون" ان" في قوله" و ان قلنا بإفادة الملك" وصيلة، أي: لا معنى لجعل الخيار بدون اللزوم و ان لم نقل بالإباحة بل قلنا بالملك الجائز، لعدم الفرق بينهما‌

138

في جواز الرجوع.

لكن ينافي ذلك قوله بعدئذ" فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا." فان ظاهره كونها للتشقيق، فكأنه يقول: يمكن نفي الخيار على المشهور من القول بالإباحة فلا معنى للخيار و الحال هذه، و أما على القول بالملك فيمكن القول بجواز جعل الخيار. و على هذا فيرد عليه أن الملاك في لغوية جعل الخيار و عدمها هو اللزوم و عدمه، لا حصول الملك أو الإباحة، و لذا لو قيل بحصول اللزوم بالتصرف على القول بالإباحة ايضا لما كان جعل الخيار لغوا.

و بالجملة فجعل الخيار في محله لما بعد اللزوم سواء قلنا بالإباحة أو بالملك الجائز، و لا يصح لما قبله كذلك.

ثمّ لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا كون (الواو) استئنافية و (ان) تشقيقية فانه يبقى الكلام في قوله بعد ذلك:" بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم" مع انه (قدس سره) كرر القول سابقا و لاحقا بأن المعاطاة بيع قبل اللزوم و بعده حتى على القول بالإباحة فإنها بيع لا يؤثر شرعا الا الإباحة.

فان قيل: انه يتكلم على مبنى الآخرين.

قلنا: ليس الامر بأزيد من أن يقال بأن المعاطاة ليست بيعا، بل هي معاملة مستقلة، فإنها أيضا لا تخلو عن أن تكون لازمة أو جائزة، فعلى الأول يصح جعل الخيار، و على الثاني لا يصح. و على هذا فلا معنى لهذه الجملة التي ذكرها في هذا المقام، و كان الصحيح أن يقول‌

139

بناء على صيرورتها لازمة بعد الملزم، أي يصح جعل الخيار الآن للأخذ به بعد ما صارت لازمة بوجود الملزم.

ثمّ ان في بعض النسخ لفظ" الإباحة" بدل لفظ" جائزة" و عبارته: و أما حكم جريان الخيار فيها قبل اللزوم فيمكن نفيه على المشهور، لأنها اباحة عندهم فلا معنى للخيار.

و يرد عليه أيضا: أن ملاك صحة جعل الخيار و لغويته ليس الإباحة و عدمها، بل الملاك العام هو الجواز و عدمه، فإذا كانت المعاطاة جائزة فلا معنى لجعل الخيار، سواء قيل بالملك الجائز أو بالإباحة بلا فرق بينهما. فلو صارت المعاطاة لازمة بالتلف مثلا فهناك ينفع الخيار المجعول قبل ذلك، فيلزم دفع مثل التالف أو قيمته.

و مراده من الإطلاق في قوله" فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم" هو أنه اذا بنينا على صيرورتها بيعا صح جعل الخيار، سواء كان الخيار مخصوصا بالبيع أولا، بل كان جاريا في كل المعاملات. هذا في مقابل التفصيل بين الخيارات المختصة به فلا تجري، لاختصاص أدلتها بما وضع على اللزوم من غير جهة الخيار، و بين غيره كخيار الغبن و العيب بالنسبة إلى الرد دون أخذ الأرش فتجري لعموم أدلتها.

و يمكن أن يكون الإطلاق اشارة إلى رد تفصيل آخر، و هو التفصيل بين القول بكون المعاطاة بيعا من أول الامر فيجري فيها أدلة الخيار، و كونها بيعا استدامة و بالمآل فلا تجري، لانصراف الادلة‌

140

عنه. فهو (رحمه الله) يقول بثبوت الخيار بناء على صيرورتها بيعا مطلقا، أي سواء كان بيعا من أول الامر أو بقاء في مقابل عدم جريانه لو لم تكن المعاطاة بيعا حتى بقاء.

ثمّ انه قال (قدس سره) في ذيل كلامه:

و أما حكم الخيار بعد اللزوم فيأتي بعد ذكر الملزمات.

أقول: هل كانت الاحكام المذكورة إلى الآن لما قبل اللزوم؟

و على ذلك يتوجه الاشكال بعدم المعنى لثبوت الخيار مع عدم اللزوم الا اذا كان جعله هناك للأخذ به بعد اللزوم كما ذكرنا. و بالجملة فالملاك ما ذكرناه، و هو أنه لو جعل لزمان اللزوم صح و الا فهو لغو لا معنى له.

141

الامر الثاني (في بيان مورد المعاطاة)

قال الشيخ(قده):

المتيقن من مورد المعاطاة هو حصول التعاطي فعلا من الطرفين، فالملك أو الإباحة في كل منهما يتحقق بالإعطاء منهما، فلو أعطى أحدهما و لم يعط الثاني فلا معاطاة، و مقتضى القاعدة عدم تحقق الملك أو الإباحة. لكن عن جماعة‌

من المتأخرين تبعا للشهيد جعله من المعاطاة ..

أقول: ان البائع لما يعطي المثمن يقصد تمليكه للمشتري بإزاء الثمن، فهو قاصد للتمليك و التملك معا، فيكون مثل إنشاء المبايعة بالقول، و قوله" بعت هذا بهذا" فانه بالأول يقصد التمليك، و بقوله" بهذا" تملك العوض، ثمّ المشتري لما يقول" قبلت" يقبل ما قصده البائع، و بذلك يتم البيع و يحصل الملك. فما ذكره الشيخ(قده) في المقام غير واضح، بل الإباحة أو التمليك حاصل بفعل البائع و قصده فقط، و إعطاء المشتري ليس الا وفاء بما التزم به بأخذ المثمن من البائع.

142

اللهم الا أن يقال بأن المعاطاة فعل، فلا بد من ايجابين و قبولين، كما في منية الطالب لكنه عدل عنه في الحاشية، لان الفعل أضعف في الدلالة من القول، فيلزم التكرار حتى تتم الدلالة.

لكن الامر ليس كذلك في الواقع، و لذا من يشترى بالمعاطاة نسيئة و يأخذ الشي‌ء الآن يبنى على تمامية المعاملة و صحتها، مع أنه لم يعط الثمن حين الأخذ.

ثمّ قال الشيخ(قده):

و لا ريب أنه لا يصدق معنى المعاطاة ..

أقول: هذا صحيح، و لكن نفس ما يتحقق بالمعاطاة النقدية يتحقق بالمعاطاة نسيئة، فكلاهما بيع.

قال:

ثمّ صحة هذا على القول بكون المعاطاة بيعا مملكا واضحة ..

و أما على القول بالإباحة فيشكل ..

اللهم الا أن يدعى قيام السيرة ..

أقول: الانصاف عدم الفرق، على أن السيرة قائمة بلا ريب.

قال:

و ربما يدعى انعقاد المعاطاة بمجرد إيصال الثمن واخذ المثمن من غير صدق إعطاء أصلا فضلا عن التعاطي، كما تعارف أخذ الماء مع غيبة السقاء و وضع الفلس في المكان المعد له ..

أقول: الظاهر كون هذه الموارد من باب الاذن و الرضا، و السيرة غير قائمة على عنوان التمليك و التملك فيها، فهو يشرب الماء مع علمه بأنه ملك للسقاء، غير أنه يضمن عوضه فيجعله في محله. و أشكل من ذلك مسألة الحمام، فهل هو شراء للماء الذي اغتسل به أو انه اجارة (مع انعدام الموضوع بالاستعمال)؟ بل الظاهر أنه من باب الرضا و الاذن مع ضمنا العوض.

143

نعم يمكن أن يكون فتح باب الحمام مثلا بمنزلة الإعطاء، و وضع الفلوس في المكان المعين بمنزلة القبول، فيكون معاطاة. و لكنه بعيد أيضا، لأنه يستلزم الإعطاء لغير المعين فتأمل.

و لو أردنا صدق عنوان المعاملة عليه فلا سبيل الا القول بالوكالة، نظير قول ولي الصغير للبقال مثلا متى جاء هذا الصغير بالفلوس فأنت وكيل في إنشاء المعاملة، بأن تأخذ الفلوس منه و تعطيه الشي‌ء المطلوب.

قال:

ثمّ لو قلنا بأن اللفظ غير المعتبر في العقد كالفعل في إمكان المعاطاة، أمكن خلوا المعاطاة من الإعطاء و الإيصال رأسا، فيتقاولان على مبادلة شي‌ء بشي‌ء من غير إيصال، و لا يبعد صحته ..

أقول: يمكن أن يكون مراده انه كما أن الفعل يقصد به التمليك كذلك اللفظ غير الصحيح، فهو يقصد إنشاء التمليك بلفظ غير مؤثر شرعا. و على هذا يمكن أن يكون معاملة صحيحة، حتى و لو قال المشترى في القبول لفظا غير مؤثر كذلك مع قصده القبول، و ذلك لتحقق البيع بذلك عند العرف، و السيرة قائمة على كونه كالفعل.

و يمكن أن يكون مراده من المقاولة أو يتقاولا فيما بينهما حول المعاملة، ثمّ يتعاملا بناء عليه، فان كون هذا لهذا و ذاك للآخر ليس فعلا حتى يكون معاملة، الا اذا أراد تحققها بأخذ كل منهما ما كان له بقصد التملك، و لكن كلامه(قده) قاصر عن افادة هذا المعنى.

ثمّ أقول: ان كان هذا بيعا عرفا فلا فرق بين القول بالملك و الإباحة و القدر المتيقن عند وجود اللفظ غير المعتبر في العقد كونه معاملة تقوم مقام المعاطاة، و هي بيع عند أهل العرف.

144

الامر الثالث (في بيان تميز البائع من المشترى)

قال الشيخ(قده):

تميز البائع من المشتري في المعاطاة الفعلية مع كون أحد العوضين مما تعارف جعله ثمنا كالدراهم و الدنانير و الفلوس المسكوكة واضح، فان صاحب الثمن هو المشتري (و صاحب المثمن هو البائع) ما لم يصرح بالخلاف.

أقول: هذا صحيح بالنسبة إلى مقام الاثبات، فلو ادعى صاحب الدراهم بأنه لم يقصد الشراء بل باع درهمه بالمتاع، و ادعى صاحب المتاع بيعه اياه بالدرهم لا شراءه له بالمتاع، أمكن القول بمخالفة دعوى الأول للأصل، لان المتعارف جعل الدرهم ثمنا لا مثمنا.

و أما في مقام الثبوت فلا، لان كون صاحب المتاع بائعا و صاحب الثمن مشتريا و ان كان متعارفا الا انه يتبع قصدهما، فإنهما ربما يقصدان ما ليس متعارفا بين الناس.

قال:

و أما مع كون أحد العوضين من غيرها فالثمن ما قصدا قيامه مقام المثمن في العوضية ..

145

أقول: هذا في مقام الثبوت، و أما في مقام الاثبات لو تداعيا و ادعى كل منهما أنه البائع و الآخر المشتري، فلا ظهور يرجع اليه، بل يرجع الامر حينئذ إلى الحاكم فيحكم فيه بحسب قواعد التداعي.

و قيل: المشتري من يلحظ في عوض ماله معطى خصوصية زائدة على ماليته، و البائع من لا يلحظ فيه الا المالية، فالمشتري من يعطي ماله و يأخذ اللحم مثلا لحاجته اليه لا لماليته فقط بخلاف القصاب فانه يعطي اللحم و يأخذ عوضه لا لخصوصية فيه بل بالنظر إلى مالية العوض، فلو أعطى حنطة بدل اللحم أخذه لا بعنوان كونه حنطة بل لكونه مالا.

قال:

و لو لم يلاحظ الا كون أحدهما بدلا عن الأخر من دون نية قيام أحدهما مقام الثمن ..

أقول: و أما اذا لم يقصدا شيئا، بل كل منهما يريد تمليك الأخر من دون قصد لأحد العوض، فوجوه:

1 كون كل واحد منهما بائعا و مشتريا، و يترتب على ذلك عدم انطباق الاحكام الخاصة بالبائع على أحدهما، لأنها منصرفة إلى البائع الذي ليس مشتريا.

2 كون المعطي أولا هو البائع، فيكون الأخر المشتري.

3 كونها مصالحة و مسالمة، كما جاء في الرواية الواردة في قول أحد الشريكين لصاحبه" لك ما عندك ولي ما عندي" حيث حملوها على التصالح.

146

4 كونها معاوضة مستقلة، و هي التي يعبر عنها بالفارسية" سودا كردن".

أقول: و هل يتعقل الوجه الأول؟ انه لما يملك أحدهما فهل الأخر يقبل ثمّ يملك أو انه يقبل التمليك و التملك ثمّ يعطي ماله وفاء بما التزم؟ الظاهر هو الثاني، لان الأول تحصيل للحاصل، لان القبول يفيد تمليكه ماله اياه.

ثمّ ان الشيخ اختار الوجه الثاني، و وجهه: كونه المتعارف في مقام الاثبات، و أما في مقام الثبوت فالأمر يتبع قصدهما.

و أما الوجهان الثالث و الرابع فغير صحيحين، لعدم عرفية انعقاد المعاملة بقول كل منهما" صالحت" أو إيجاب كل واحد. فالعقلاء لم يبنوا على كون الإيجاب قبولا، فالايجابان و كذا القبولان لا يترتب عليهما أثر عند العقلاء سواء في البيع أو غيره من المعاملات المتعارفة.

147

الامر الرابع (في الوجوه المتصورة بحسب قصد المتعاطيين)

قال الشيخ:

ان اصل المعاطاة و هي إعطاء كل منهما الأخر ماله يتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه:

(أحدها) ان يقصد كل منهما تمليك ماله بمال الأخر، فيكون الأخر في أخذه قابلا و متملكا بإزاء ما يدفعه.

أقول: و لا يخفى ان كلا منهما غير قاصد للتمليك بالاستقلال، بل المراد من قصد التمليك هو التمليك الاستقلالي و الضمني، فحق العبارة أن يقال: فيكون أحدهما مملكا بإعطاء ماله و الآخر بأخذه قابلا و متملكا بإزاء ما يدفعه.

قال:

فلو مات الأخذ قبل دفع ماله مات بعد تمام المعاطاة.

أقول: و اذا كان كذلك توجه عليه الاشكال بما ذكره في الامر الثاني من أن القدر المتيقن من المعاطاة تحققها من الطرفين. الا أن‌

148

يقال: بأن مراده(قده) من" القدر المتيقن" هو أن التعاطي تارة يكون في مجلس واحد، و أخرى يكون العوض نسيئة، فالقدر المتيقن من المعاطاة هو المعاطاة النقدية، لوقوع الخلاف في غيرها.

وفية: انه لا يريد هذا المعنى البتة، لتصريحه هناك بأنه اذا لم يعط الآخر لم تتحقق المعاطاة، و تصريحه هنا في الامر الرابع بأنه لو مات الأخذ قبل دفع ماله مات بعد تمامها.

و قد أشكل بعضهم بأنه لا يتعين هذا على هذا الوجه، لإمكان ان لا يقصد بأخذه التمليك بل بدفعه، و انما أخذ مقدمة لقبوله بدفع العوض، فلو مات قبل الدفع مات قبل تمام المعاطاة.

أقول: ان معنى الإعطاء بقصد التمليك ليس اخطار التمليك بالبال، بل مجرد إعطائه بقصد أن يكون له كاف. نعم يمكن أن لا يقصد التملك بالأخذ بل يقصده بالإعطاء، لكن الواقع في الخارج خلافه.

(الوجه الثاني) ان يكون تمليك بإزاء تمليك.

أقول: هذا يتصور على وجوه: 1 ان يكون مقابلة بالإحسان.

2 أن يكون شرطا، فيكون كالهبة المشروطة بالعوض. 3 أن يكون مقابلة بالتمليك كتمليك الدرهم في مقابل تمليك الخياطة.

و هل التمليك يقبل التمليك، بأن يكون الإنسان مالكا لتمليك غيره ماله اياه؟

ان" التمليك" لا مالية له حتى يتملك أو يملك، و لا يدفع العقلاء‌

149

شيئا بإزائه. على أن البائع للفعل" كالخياطة" يراه قبل الإيجاب موجودا تحت سلطنته ثمّ يرفع سلطنته ليسلط غيره عليه، و ليس" التمليك" كذلك.

و من هنا قال(قده):

و هذا بعيد عن معنى البيع.

أي: لان تمليك خياطة الثوب بكتابة الكتاب ليس بيعا، إذ البيع مبادلة مال بمال، و لما لم يكن بيعا فما هو؟ صلح أوهبه أو معاملة مستقلة؟

قال:

و قريب إلى الهبة المعوضة.

و ذلك لأنه ليس في الهبة مال في مقابل مال، بل هبة في مقابل هبة.

قال:

لكن اجراء حكم الهبة المعوضة عليه مشكل.

لأنا قلنا في مسألة الهبة المعوضة بلزوم أن يكون الداعي هو الهبة. أو يشترط الهبة في مقابل الهبة بأن يقول" وهبتك هذا بشرط ان تهب لي ذاك"، فيشترط فيها ايجابان و قبولان، و تكون الهبة الثانية وفاء بالشرط الموجود في ضمن الاولى. و لذا لو وهب الأول كان الشي‌ء ملكا للثاني، فان وفى الثاني كان ماله ملكا للأول و الا فلا. بخلاف المقام، إذ المفروض هو التمليك بإزاء التمليك، فالمعاوضة بين تمليكين، و على هذا لا يحتاج التمليك الثاني إلى إيجاب و قبول، و لذا لو لم يملك الثاني لم يترتب الاثر على التمليك الأول. اذن، لا تشبه مسألتنا هذه مسألة الهبة المعوضة.

هذا، و قيل اذا جاز جعل العوض على الهبة صح أن يجعل مالا، بمعنى جعل المال في مقابل الهبة، فيقول: وهبتك هذا بشرط أن يكون هذا المال لي، فان قبل الهبة الاولى كان المال ملكا للواهب، فلا حاجة‌

150

إلى أن يقول صاحب المال بعد ذلك" وهبتك".

أقول: وفية ان مفهوم" الهبة" هو التمليك لا بعوض، فاشتراطه فيها ينافي مفهومها.

نعم يمكن أن يقال بأن المال اعطي مجانا، لكن نفس الهبة" أي الإعطاء" ليس مجانا، لأنه فعل من الافعال فلا يكون بلا داع، فليكن الداعي هنا تملك ذاك المال.

هذا و الشيخ(قده) يقول بالتمليك في مقابل التمليك، و قال السيد(قده): يمكن أن يكون إعطاء الثاني وفاء بالعقد، و أما قبوله فهو يتحقق بأخذ الملك الأول. و حينئذ يصح للأول أن يطالب الثاني بتسليم ماله.

قال الشيخ(قده):

فالأولى أن يقال انها مصالحة و تسالم على أمر معين أو معاوضة مستقلة.

أقول: قد ذكرنا انه لا يعقل المعاوضة بين التمليكين. نعم يمكن اشتراط تمليك جزاء لتمليكه في ضمن عقد صلح، فيجب على الثاني التمليك وفاء بالشرط.

(الوجه الثالث) أن يقصد الأول الإباحة بعوض، فيقبل الأخر بأخذه اياه، فالذي يعطي أولا يقول" أبحت لك هذا بدرهم" مثلا، و بذلك يبيح له جميع التصرفات في الشي‌ء، لكنه يتملك الدرهم بإزاء هذه الإباحة.

و يأتي فيه الاشكال السابق، فان إنشاء المعاوضة بين الإباحة و المال غير معقول.

151

(الوجه الرابع) ان يقصد كل منهما الإباحة بإزاء اباحة الأخر، فكل منهما يقصد اباحة جميع التصرفات، أعم من أن يبيح بداعي الإباحة أو أن تكون اباحة معوضة.

هذا، و قد استشكل الشيخ(قده) في هذين الوجهين الأخيرين من الوجوه الاربعة فقط، من جهة عدم جواز اباحة جميع التصرفات حتى الموقوفة على الملك، كما أن السيد(قده) صور في المقام وجوها أخرى و صححها جميعا، و انما أشكل فيها من الجهة المذكورة، لان هذا النوع من التصرف لا يسوغ لغير المالك، و اذنه ليس مشرعا.

أقول: انهم تعرضوا لهذا الاشكال، و لم يتعرضوا لأشكال التمليك بإزاء التمليك. و يمكن أن يقال في دفعه: بأنه ليس المراد من ذلك الا لحاظ ان المملك يملك مع لحاظ تحقق تمليك الأخر، أي ان المراد من التمليك هنا هو التمليك المقيد بتعقب تمليك المالك الأخر، فلو لم يتحقق تمليك الثاني لم يترتب عليه أثره لعدم لحاظه حينئذ، نظير المقدمة الموصلة التي ذكرها صاحب الفصول.

و قد أشكل المحقق الأصفهاني(قده) على قول الشيخ في الوجه الثاني" فيكون تمليك بإزاء تمليك، فالمقابلة بين التملكين لا الملكين، و المعاملة متقومة بالعطاء من الطرفين .." بما حاصله: ان أراد انه لما أعطى الأول و لم يعط الثاني فملك الثاني لم يكن ملكا للأول فهو صحيح، لان المفروض أن هذا ملكه بإزاء تمليك ذاك، فما لم يملك لم يكن ملكه، و ان كان غرضه ان مال الأول ليس ملكا للثاني فهو مخدوش،

152

لأنه قد ملكه تمليكا صحيحا ..

أقول: المفروض كون المعطي منشأ بإعطائه الإيجاب، و الأخذ بأخذه ينشئ القبول و التمليك، فالثاني يعطى بعنوان الوفاء و تسليم ماله اليه. هذا في الوجه الأول، و في الثاني يقول الشيخ(قده) انه بالاعطاءين يتم التعاطي، فالإعطاء الثاني قبول لا وفاء بالالتزام ..

فالإشكال اجنبي عن المقام، لان المعاملة ما لم يعط الثاني غير متحققة، فلا نقل و لا انتقال من الطرفين. نعم في نظر المعطي قد حصل التمليك بإنشائه و به ملك تمليك الأخر، و لكنها في الواقع غير تامة، لأنه في هذه الصورة يكون إيجاب بلا قبول.

ثمّ قال(قده) ما حاصله: و يمكن دفع الاشكال و تقوية كلام الشيخ(قده): بأن هذا لما كان تمليكا بإزاء تمليك، فانه ما لم يتحقق ذاك لم يتحقق هذا، لان التمليك تارة يكون تسبيبيا (أي إيجاد العمل الموجب لحصول الملكية، كأن يعطي بقصد التمليك) و أخرى تسببيا (أي إيجاد حصول الملك). و بعبارة أخرى: إيجاد نفس الإضافة الملكية، و حينئذ تارة يوجد اضافة الملكية لماله إلى غيره فان هذا يتحقق بالإنشاء الصحيح، و أخرى يوجد اضافة الملكية بإزاء اضافة الملكية، فهو ينشئ لإيجاد الإضافتين، و حينئذ يتوقف على تحقق كليهما، و لا أثر لأحدهما من دون الأخر.

فالتمليك ان كان تسبيبيا بأن يوجد هذا السبب في مقابل إيجاد السبب فان هذا السبب وحده ان وجد اثر أثره، و ان كان تسبيبا فليس‌