بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
214 /
153

كذلك. فان أراد الثاني فالإشكال غير وارد، و ان أراد الأول ورد الاشكال.

أقول: و كيف كان فما لم يأت القبول لم تتحقق الإضافة أصلا.

و قال السيد(قده) معلقا على قوله" و المعاملة متقومة بالعطاء من الطرفين": و يمكن أن يكون القبول بالأخذ، فيكون التمليك واجبا على الثاني من باب الوفاء، بل يمكن أن يقال: ان هذا هو المتعين ..

و أورد عليه: بأن الشيخ قد فرض كون إعطاء الثاني قبولا، فكيف يكون الأخذ قبولا؟

أقول: و الحق مع السيد(قده)، فان الإنشاء مركب من أمرين، فهو تمليك و معاوضة معا، و يكون قبول ذلك بالأخذ، و يجب عليه تمليك ماله اياه من باب الوفاء.

ثمّ هل يمكن جعل الاعطاءين بمعنى كون إعطاء الأول إيجابا و إعطاء الثاني قبولا؟ ان معنى جعل إعطاء الثاني قبولا هو أن يعطي بقصد التمليك في مقابل إعطاء الأول به، فكل منهما يقصد تمليك ماله بإزاء تمليك الأخر، فإذا كان عطاء الثاني إيجابا للتمليك و قبولا للتملك معا لزم محذور الجمع بين لحاظين متضادين، لوضوح أن أحدهما فعل و الآخر انفعال. هذا، و يتوجه المحذور المذكور إلى الوجهين الثالث و الرابع فيما اذا أريد إنشاء الإباحة و المعاوضة بين الإباحتين، بأن يلتزم كل منهما بإباحة ماله للآخر، نظير الإباحة و الصلاح على التزام الطرفين بالإباحة لأنه يستلزم الجمع بين اللحاظين، إذ أحدهما آلي و الآخر استقلالي.

و أما اذا أريد الإباحة بداعي الإباحة، او أن يكون الغرض من‌

154

العوضية كون الإباحة من الأول مقيدة بإباحة الثاني، بأن يبيح له التصرف في ماله فيما اذا أباح الأخر كذلك و الا فلا، لم يتوجه المخدور.

هل يجوز اباحة جميع التصرفات

لكن الشيخ(قده) يستشكل في أصل اباحة جميع التصرفات، سواء كانت بإزاء مال أو اباحة، فهل للمالك أن يبيح جميع التصرفات حتى الموقوفة على الملك مع عدم تمليكه المال اياه؟

و هل له أن يبيح ماله بإزاء مال، بأن يكون مالكا للعوضين و للآخر التصرف في مال هذا فحسب؟

لقد قال (رحمه الله) بعدم الجواز، لان اذن المالك في التصرف ليس مشرعا، و انما يؤثر اذنه في كل مورد لم يرد فيه من قبل الشارع.

و عليه فقوله: أبحت لك عتق عبدي عنك، او نكاح أمتي، أو وقف مالي .. و نحو ذلك. لا أثر له، لقول الشارع: لا عتق الا في ملك، و لا وقف الا في ملك، و لا وطي الا في ملك، و لا بيع الا في ملك ..

مع ان البيع مبادلة مال بمال عرفا، أي كون البائع مالكا للثمن في مقابل ملكه، و المشتري مالكا للمثمن عوض ملكه و هو الثمن، فكل منهما يتبدل ملكه بملك الأخر، و هذا المفهوم غير متحقق في هذه الصورة، إذ المفروض كون المال الذي في يد الأخر ملكا للمبيح.

قال: نعم يمكن رفع الاشكال بأحد وجهين مفقودين هنا:

الأول: أن يقصد بقوله" أعتق عبدي عنك" مثلا أمرين: أحدهما‌

155

تملك المخاطب العبد أولا، و الثاني بيعه بعد ذلك. فيكون معنى هذا الكلام: اعتقه العتق الصحيح شرعا، أي أنت وكيلي في تملكه، فإذا تملكته فلك عتقه عنك، أو اقصد تملكه أو لإثم اعتقه عنك.

و بالجملة: اذا كان يقصد الاذن في العتق الصحيح فانه قاصد للاذن في مقدمة هذا العتق، لان الاذن في ذي المقدمة اذن في المقدمة كذلك.

الثاني: أن يدل دليل شرعي على كون الشي‌ء ملكا له قبل التصرف الموقوف على الملك و أما اذا كان الدليل القائم عقليا فاللازم الالتزام بالملكية آنا ما و ليس الدليل الشرعي المقتضي لذلك الا قاعدة السلطنة.

قال الشيخ(قده): و كلا الوجهين مفقود هنا: اما الأول: فلان المفروض عدم قصد شي‌ء الا إباحة التصرفات، و اما الثاني: فلان القاعدة المذكورة لا تفيد جواز الاذن في بيع مع عدم الملك، لأنها لا تجوز ما لا يجوز شرعا، و ان قوله (عليه السلام)" لا بيع الا في ملك" حاكم عليه.

أقول: فالحاصل ان الشيخ(قده) لا يجوز الإباحة في التصرفات على إطلاقها بدون التمليك، الا أن يوكله في النقل و الانتقال كما قال العلامة(قده) في مسألة" أعتق عبدك عنى"، حيث صحح هذا العتق بأنه استدعاء للتمليك ثمّ عتق العبد، فالاستدعاء هذا متضمن للتوكيل في التمليك و القبول من طرفه ثمّ عتق عبده من قبله، فالعتق عنه قبول للاستدعاء و تمليك له .. ففي الحقيقة هذا بيع ضمني غير مشروط بشرائط البيع، و كذا الامر لو قال" اعتق عبدي عنك" ..

و أما اذا لم يكن في البين توكيل فالاباحة غير صحيحة. فلو‌

156

اذن له في أن يتصرف في ملكه مطلق التصرفات لم يصح، سواء كان التصرف بعنوان شخصي كأن يقول" اشتر بمالي لك كذا"، أو بنحو العموم كأن يقول" أبحت لك جميع التصرفات". فان تصرفاته غير صحيحة، فلو باع الشي‌ء كان لنفس المالك لا للبائع المباح له و يكون عقده موقوفا على اجازة المالك كالفضولي.

لا يقال: اذا جاز أن يكون" أعتق عبدك عني" متضمنا للتوكيل، فليكن" اشتر بمالي لك كذا" كذلك.

لأنه يقال: ان استدعاء العتق لازمه التوكيل في المثال المذكور لعلمه بعدم وقوعه بدونه و هو يريد العتق لا محالة، فيدل بالدلالة الاقتضائية على إيجاد المقدمة ثمّ العتق. و أما اذا كان بصدد الإباحة مستقلة فهو ينشئ الإباحة لا انه يستدعي العتق، فانه لا يترتب على هذه الإباحة شي‌ء.

الا أن يقال: ان الإباحة مستلزمة للاذن في التملك، فيكون البحث صغرويا، و صورته: لو قصد الإباحة فقط فهل له دلالة اقتضائية؟ يقول الشيخ: لا، و يقول بعضهم: نعم.

أقول القول بظهور دلالة الاقتضاء في المقام يتوقف على القصد، و المفروض أنه لأقصد هنا، فكأنه يقول بأنى لا أريد التمليك بل أبيح لك بيع هذا المال، فلا دلالة اقتضائية حينئذ، فالحق مع الشيخ(قده).

موارد النقض على ما ذكر

هذا، و ربما يتوهم خلاف ما ذكر في موارد، و لكن ليس الامر كذلك في الواقع:

157

منها: مسألة دية الميت، فان الميت لم يكن مالكا لها، لكنها تكون لوارثه بموته (مع أن: كلما ترك الميت من مال أو حق فهو لوارثه) فمقتضى الجمع بين الادلة ثبوت الملك التقديري، و القول بتملك الميت لها آنا ما قبل الموت.

و منها: مسألة بيع من ينعتق عليه، فمقتضى الجمع بين (لا عتق الا في ملك) و بين ما يدل على أنه (لا يملك الإنسان أحد عموديه) هو الملكية آنا ما قبل العتق.

و منها: مسألة الهبة، فلو وهب ماله إلى غيره ثمّ باعه و العين باقية قبل الرجوع في الهبة صح بيعه، لان هذا البيع رجوع في الحقيقة عن الهبة لو كانت لغير ذي رحم، فكأنه قد رجع في الهبة ثمّ باع، فالبيع واقع في ملكه و لا حاجة إلى الالتزام بالملكية آنا ما قبله كما هو واضح.

و منها: مسألة بيع ذي الخيار، فلو باع المتاع قبل فسخ عقد البيع صح بيعه، لان هذا البيع يكشف عن تحقق الفسخ قبله، و لذا لو بنى على عدم الفسخ و باع المتاع باعتبار كونه لطرفه لم يقل أحد بصحة بيعه.

هل يجب دخول كل من العوضين في ملك مالك الأخر؟

هذا، و قد ذهب بعضهم بكفاية صدق" البيع" على المعاوضة و المبادلة الشرعية، و انه لا يلزم دخول الثمن في ملك البائع و المثمن في ملك المشتري بالبيع. خلافا للشيخ(قده)، و ادعى وقوع ذلك‌

158

في موارد، منها مسألة المهر، فانه عوض عن البضع و يصح أن يبذل الرجل المهر و تكون المرأة زوجة غيره، و يصدق على ذلك عنوان المعاوضة.

(أقول) وفية:

أولا: جعل المورد من قبيل المعاوضة مشكل، لان البضع ليس مالا حتى تكون مبادلة بين المالين.

و ثانيا: المهر ليس عوضا عن البضع (1)، إذ لو كان عوضا كان مقتضى القاعدة عدم تحقق النكاح عند انتفاء المهر، و الحال انه يجوز العقد على المرأة قبل تعيين المهر لو كانت مفوضة المهر، ثمّ انه يعين مهرها و الا فيجب دفع مهر المثل شرعا.

نعم يجوز أن يعقد ولي الصغير له على امرأة و يضمن هو مهرها لو لم يكن للطفل مال، و لكن هل يضمن الولي المهر للمرأة ابتداء أو أنه يثبت في عهدة الصغير و يضمنه الولي؟ و على الثاني: لا اختصاص للحكم بهذا المورد، فلو عقد على امرأة بمهر في الذمة ثمّ طولب به جاز أن يضمنه غيره عنه و لو قلنا بأن الضمان نقل الذمة من الذمة.

اللهم الا أن يريد القائل صدق العوضية في بعض الموارد عرفا، و لكن هذا العوض ليس عوضا معامليا.

و منها: ما لو قال" خط لزيد ثوبا و علي العوض"، فانه تصدق‌

____________

(1) و مما يدل على ذلك قوله تعالى" وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً .." سورة النساء: 4.

159

العوضية مع أن المعوض و هو خياطة الثوب لزيد لا لباذل العوض.

(أقول) وفية:

أولا: ان هذا ليس معاوضة، بل هو من قبيل الضمان.

و ثانيا: سلمنا صدق المعاوضة عرفا، لكن الخياطة هنا ليست ملكا لزيد، بل باذل العوض مالك للعمل، غير أن زيدا ينتفع من هذا العمل، و يشهد بذلك صحة مطالبة الباذل العمل من الخياط دون زيد.

و منها: مسألة أداء الدين، بأن يؤدي زيد دين عمرو لدائنه.

وفية: انه إبراء و اسقاط و ليس فيه معاوضة.

أقول: فالظاهر ان الحق مع الشيخ(قده) خلافا للقوم، و لا أقل من الشك في صدق عنوان" البيع" على هذه الموارد، فلا تشملها أدلة البيع.

على أن الأصحاب ذهبوا إلى أنه لو باع مال الغير فضوله لنفسه فأجاز المالك الأصلي كان العوض للمالك دون البائع، و لو كان مجرد المعاوضة كافيا لصدق البيع كان الثمن للفضولي، و الحال أنه لم يقل به أحد هناك حتى هؤلاء المخالفون للشيخ(قده) هنا.

و لكن عن جماعة من الأصحاب في باب بيع الغاضب: انه لو اشترى المال المغصوب مع علمه بالحال و سلط الغاصب على الثمن كان للغاصب أن يشتري به شيئا لنفسه و ليس لصاحب المال أن يطالب البائع الغاصب به. و مقتضى هذا تجويزهم شراء الشي‌ء بمال الغير، لان بيع الغاصب باطل و هو لا يملك ثمن المبيع المغصوب، فقولهم‌

160

بملكيته لما يشتريه بهذا الثمن يقتضي أنهم يقولون بتملكه لعوض هذا الثمن الذي أباحه له المشتري و سلطه عليه.

و كذا الامر في الفرع الأخر الذي نقله الشيخ(قده) عن المختلف، و من هنا قال الشيخ بعد أن ذكرهما:

و مقتضى ذلك أن يكون تسليط الشخص لغيره ..

أقول: و يمكن أن يكون ذلك من جهة أن تسليط المشتري البائع على ماله مع علمه بالحال تمليك له في الحقيقة، و لما كان ملكه كان عوضه الذي اشترى به ملكا له، فلا يكون من قبيل المقام حينئذ.

و كيف كان، فان الحكم بذلك من الجماعة مشكل، لأنه يستلزم حلية المال لأكله بالباطل في كل مورد علم مالكه المعطي بالحال، كموارد القمار و الزنا و الربا و بيع الخمر و لحم الخنزير .. و نحوها، بأن يقال بأن تسليط الشخص غيره فيها على ماله مع علمه ببطلان المعاملة و عدم استحقاق الغير له يفيد حلية المال له أو تملكه اياه، هذا كله نقضا.

و أما حلا فان هذا التسليط ليس مجانا بل هو مبني على تلك المعاملة الفاسدة و عوض عن الشي‌ء المأخوذ، و مقتضى ذلك عدم التملك في الفرع الأول و عدم جواز وطي الجارية في الفرع الثاني.

فظهر ان ما ذهب اليه الشيخ(قده) لا ينتقض بما ذكروه قدست أسرارهم.

نعم لو علم ببطلان المعاملة و أباح أو ملك المال بغض النظر عنها و بلا استناد اليها فلا مانع من ذلك.

161

هل تصح الإباحة بالعوض؟

قال الشيخ(قده):

و أما الكلام في صحة الإباحة بالعوض ..

فيشكل الامر فيه ..

أقول: هذا ان ثبت انصراف أدلة المعاملات عن مثل هذه المعاملة و لكن لو قلنا بأن خروج هذه المعاوضة عن المعاوضات المعهودة ليس بحيث يوجب انصراف جميع الادلة عنها كانت نوعا من أنواع التجارة، كأن يعطي الشخص مالا في مقابل حق العبور من ملك الغير مثلا، و قد يدفع الإنسان مالا للحصول على اباحة التصرف في شي‌ء لترتب نفع له على ذلك.

و يمكن أن يقال بشمول قوله تعالى" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" له أيضا.

نعم في صدق عنوان" البيع" عليه تأمل من جهة اشتراط كون المثمن عينا. و قد تقدم البحث عن ذلك سابقا، أما لو كان بالعكس كأن يقول" ملكتك هذه الدراهم باباحتك هذه الدار" صح لعدم اشتراط العينية في الثمن.

قال:

و لو كانت معاملة مستقلة ..

أقول: استدل(قده) ب‍" الناس مسلطون على أموالهم" على صحة هذه المعاملة، لأنها تصرف في المال غير ممنوع عنه شرعا، و ب‍" المؤمنون عند شروطهم" أي بناء على عمومه للشروط الابتدائية.

و قد يستدل في المقام ب‍"" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ"" بناء على أن المعاطاة‌

162

عقد لان العقد هو العهد و ان الإنشاء الفعلي كالانشاء القولي، غير أن الشيخ لم يستدل به اما للتأمل في كون المعاطاة عقدا، و اما لان" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" لا يعم العقود غير المتعارفة، و في هذا بحث و له آثار.

قال:

و على تقدير الصحة ..

أقول: الأقوى هو الوجه الأول و هو اللزوم و لكن فيما اذا كان أخذ العوض في مقابل الإباحة الأبدية، فيجب عليه البقاء على اباحته و الالتزام بها و لكن تكليفا لا وضعا، و أما لو أخذ العوض بإزاء الإباحة الفعلية كان له الرجوع عنها لعموم" الناس مسلطون على أموالهم".

و أما الأخر الذي ملك العوض فليس له الرجوع، لأنه قد ملكه اياه، و عليه الوفاء بما التزم به.

نعم، لو كان تمليكه في مقابل الإباحة الأبدية و بناء عليها كان له الرجوع في ماله لو رجع الأخر عن تلك الإباحة.

حكم الإباحة في مقابل الإباحة

قال الشيخ:

و أما حكم الإباحة بالإباحة ..

أقول: الفرق بين هذه المسألة و المسألة السابقة واضح، فان" الناس مسلطون على أموالهم" جار بالنسبة إلى الطرفين، اللهم الا ان يلتزما بالإباحة الأبدية فيجب الوفاء بذلك عليهما لعموم" المؤمنون عند شروطهم" على ما تقدم.

و قد وقع الكلام بين الأصحاب في الوكالة في ضمن عقد لازم‌

163

أنه هل ينعزل الوكيل برجوع الموكل أو أنها تقتضي الدوام فلا ينعزل بذلك؟

و مثلها مسألة توكيل الزوجة في الطلاق فيما لو سجن الزوج مؤبدا فعلى القول بلزوم هذه الوكالة يصح طلاقها حينذاك، و أما على القول بأن الوكالة من الأمور الاذنية فلا.

و عندنا أن الوكيل ينعزل بعزل الموكل.

164

الامر الخامس (هل المعاطاة جارية في غير البيع؟)

هل المعاطاة جارية في غير البيع من العقود؟ أما بالنسبة إلى العقود التي لأبد فيها من الصيغة بالألفاظ المخصوصة كالنكاح فلا بحث.

قال جامع المقاصد: ان في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة و كذا في الهبة، و ذلك أنه اذا أمره بعمل على عوض معين و عمله استحق الأجرة، و لو كانت هذه اجارة فاسدة لم يجز له العمل و لم يستحق أجرة مع علمه بالفساد، و ظاهرهم الجواز بذلك. كذا لو وهب بغير عقد، فان ظاهرهم جواز الإتلاف، و لو كانت هبة فاسدة لم يجز، بل يمنع من مطلق التصرف و هو ملحظ وجيه.

قال الشيخ:

و فيه: ان معنى جريان المعاطاة في الإجارة على مذهب المحقق الثاني الحكم بملك المأمور الأجر المعين على الامر، و ملك الامر العمل المعين على المأمور به، و لم نجد من صرح به في

165

المعاطاة. و أما قوله" فلو كانت اجارة فاسدة لم يجز له العمل" موضع نظر، لان فساد المعاملة لا يوجب منعه عن العمل، سيما اذا لم يكن العمل تصرفا في عين أموال المستأجر. و قوله" لم يستحق اجرة مع علمه بالفساد" ممنوع، لان الظاهر ثبوت أجرة المثل، لأنه لم يقصد التبرع، و انما قصد عوضا لم يسلم له.

أقول: انما لا يحرم العمل فيما اذا لم يكن العمل تصرفا، كأن يكون أجيرا للصلاة، و أما اذا قال" خط لي هذا الثوب و لك كذا"، فانه ان كان العقد باطلا لم يجز له الخياطة، الا أن يأذن له بالخياطة بالخصوص حتى على فرض بطلان الإجارة، فالحق التفصيل.

ثمّ انه ان أوجد العمل، فان كان نظير الصلاة فان صرف إيجادها إعطاء، و فراغ ذمة الأخر بمنزلة الأخذ، فيستحق الأجير الأجرة و على الموجر دفعها، و ان كان نظير الخياطة فهو يأذن بإيجاد العمل فبتحقق الخياطة يتحقق الإعطاء، و بإعطاء الأجرة من صاحب الثوب تتم المعاطاة.

و قد جعل الشيخ(قده) الأجرة هنا نظير المأخوذ بالعقد الفاسد. و الحق الفرق بين المقامين، فانه في العين المأخوذة بالعقد الفاسد حيث لأقصد لإيجاد العمل تبرعا يقتضي قاعدة اليد الضمان، و أما في العمل فلا وجه للضمان، لان العامل هو الموجب لهتك حرمة عمله، فلا يستحق الأجرة.

هل تجرى في الهبة و الرهن؟

و أما الهبة ففي جامع المقاصد: ان وهب من غير عقد فقد قالوا بجواز‌

166

إتلاف المال الموهوب، و لو كان باطلا لما جاز، و من هنا يعلم جواز الهبة المعاطاتية عند الأصحاب. قال الشيخ: هذا يدل على صحة المعاطاة فيها بناء على الإباحة، و أما على القول بافادتها الملك كما عليه جامع المقاصد نفسه فلا يتم، لان الأصحاب يقولون بأن ما لم يكن فيه إيجاب و قبول لفظا فلا يفيد الملك، فالقول بأن الهبة المعاطاتية تفيد الملك يخالف الإجماع.

و عن التذكرة: اذا كانت المعاطاة صحيحة فلا فرق بين البيع و سائر المعاملات. و أشكل عليه في رهن جامع المقاصد بأنها غير صحيحة فيه عندهم، قال: و يمكن أن يكون حكمهم بعدم الصحة في الرهن من جهة ان مقتضى ذات الرهن هو اللزوم، و المعاطاة سواء قلنا بالإباحة أو الملك الجائز لا تتم فيه، لان الرهن لا يفيد الملك و الإباحة لا تناسبه.

قال الشيخ:

الأظهر بناء على جريان المعاطاة في البيع جريانها في غيره من الإجارة و الهبة ..

أقول: أي تجري المعاطاة في كل مورد جرت فيه أدلة الصحة، فتارة يتمسك لجريانها في البيع بصدق" البيع" و أخرى ب‍" السيرة" و ثالثة ب‍" الإجماع". فان كان الاستدلال لجريانها فيه بالأول، فانه يجري في القرض مثلا لصدق" القرض" على القرض المعاطاتى، و في الهبة لصدق" الهبة" على الهبة المعاطاتية. فيحكم بالصحة، لأنه كما يتحقق ذلك بالقول عند أهل العرف يتحقق بالفعل، فكل دليل قام على صحة ما كان بالقول فهو يدل فيما اذا كان بالفعل.

167

و ان كان الاستدلال لذلك بالإجماع و السيرة فلا بد من احرازهما في غير البيع، و لذا قال جامع المقاصد بالنسبة إلى الرهن: انه لا اجماع فيه.

و يكفي للصحة الصدق العرفي. نعم لو قام اجماع على أن المعاطاة تفيد الجواز في كل مورد لا اللزوم أشكل الامر في الرهن، لعدم صحته بلا لزوم، و لان المفروض افادة المعاطاة الجواز لا اللزوم.

الا أن يقال: ان القول بإفادة المعاطاة الجواز كان مع قطع النظر عن المورد الذي لا تتم فيه المعاملة لو لا اللزوم كالرهن، أي ان اللزوم ملازم لحقيقة المعاملة، و لولاه لم تتحقق حقيقة الرهن. فالإجماع بمعزل عن هكذا مورد، و حينئذ نقول: صدق" الرهن" على الرهن المعاطاتي مع قيام السيرة عليه دليل الصحة.

هل تجرى المعاطاة في الوقف؟

قال الشيخ(قده):

و لأجل ما ذكرنا في الرهن يمنع من جريان المعاطاة في الوقف، بأن يكتفى فيه بالإقباض، لان القول فيه باللزوم مناف لما اشتهر بينهم من توقف اللزوم على اللفظ، و الجواز غير معروف في الوقف من الشارع. فتأمل (لعل وجهه: ان" عدم المعروفية" لا يكفي لمنع الرجوع).

أقول: في الوقف المعاطاتى بحثان:

(الأول في صحته) يمكن أن يقال بالصحة للسيرة التي صح بها‌

168

البيع المعاطاتي و الهبة. و قد أفتى في العروة و جماعة بترتب أحكام المسجد على ما وقف مسجدا بدون صيغة، بل ان المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و سائر المساجد التي بنيت في زمن الأئمة (عليهم السلام) كذلك، إذ لو وقفت بالصيغة لنقل إلينا ذلك، و لو فرض قيام الإجماع على عدم لزوم العقد بلا صيغة لما منع عن الصحة.

(الثاني في لزومه) و حيث ان وقف الشي‌ء بمعنى الحبس و السكون، فهل السكون يستلزم اللزوم و بعبارة اخرى: هل الرجوع ينافي الحبس في حقيقته؟ ان قلنا بذلك كان" الحبس" مثل" الرهن"، و جاء فيه الاشكال المذكور في الرهن، و ان قلنا بأن" الحبس" نظير" التمليك" كان له الرجوع فيه لكن أحكام الحبس من عدم جواز البيع و نحوه جارية فيه الا أن يقوم اجماع على عدم جوازه، أو يقوم دليل تعبدي مثل" الراجع في صدقته كالراجع في قيئه" و" ما كان لله فلا رجعة فيه"، مع أن رجوع الواقف غير معروف كما أشار اليه الشيخ(قده) فيمكن دعوى قيام السيرة عليه. هذا كله بناء على ان الوقف عبارة عن حبس العين.

و اما اذا كان الوقف عبارة عن إيقاف التصرفات فيه الا الموقوف لأجله كان الرجوع منافيا لأصل الوقف و حقيقته كما هو واضح.

169

الامر السادس (في ملزمات المعاطاة)

هناك موارد تلزم فيها المعاطاة اجماعا، و موارد قد وقع فيها الكلام بين الأصحاب قدست أسرارهم.

و قد أسس الشيخ(قده) الأصل في المسألة قبل كل شي‌ء ليتمسك به في موارد الشك، فقال: اعلم أن الأصل على القول بالملك (اللزوم)، لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدمة.

التحقيق في الأصل في المسألة

أقول: لكنه(قده) خدش في الوجوه الثمانية، الا" الاستصحاب"، و أما العمومات فلو فرض صحة التمسك بها هناك، فان التمسك بها هنا مشكل، لان البحث هنا في الملزمات، أي ان المعاملة غير لازمة من أول الامر، و انما يبحث عما يوجب اللزوم، فيقال مثلا: هل تلف بعض المبيع يوجب اللزوم أم لا؟ و هل تغير أوصاف المبيع يوجب اللزوم أم لا؟

170

و نحو ذلك.

و أيضا فان التمسك بها في المقام يبتنى على كون الزمان مفرد للعام لا ظرفا، و قد عنون الشيخ(قده) هذه المسألة في خيار الغبن و في أصوله و ملخص ذلك: انه لو ورد عام ثمّ خصص بالنسبة إلى زمان، فشك في تخصيصه بالنسبة إلى زمان آخر فهل يجوز التمسك بالعام بالنسبة اليه أو لا يجوز؟ مثاله: اذا قال المولى" إكرام العلماء" ثمّ قال" لا تكرم زيدا يوم الجمعة" من دون أن يصرح بأن" يوم الجمعة" قيد للإطلاق الازماني في العام، الدال بإطلاقه على عدم تقييد وجوب الإكرام بزمان خاص، بخلاف ما اذا صرح به، مثل" البيعان بالخيار ما لم يفترقا" و مثل" صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام"، فانه يتمسك بعمومات وجوب الوفاء بالعقد بمجرد الافتراق في الأول و انقضاء الثلاثة أيام في الثاني، لان الدليل يصرح بالتقييد بالزمان، فلا وجه لاحتمال دلالته على خروج الفرد من أفراد العام فهل يتمسك بالعام بعد ذاك الزمان؟ وجهان:

ان كان" أكرم العلماء" مكثرا للزمان بأن يكون بمعنى وجوب الإكرام في كل آن آن جاز التمسك به بالنسبة إلى يوم السبت، لان الامر يتعدد بعدد أفراد الزمان، فيجب إكرام زيد حينئذ، و ان كان الملحوظ في العام هو الافراد الشامل لها و الزمان لوحظ واحدا ظرفا له لم يجز التمسك به بالنسبة إلى يوم السبت مثلا، لان المخرج من تحت العام هو الفرد" زيد".

و قد اختار الشيخ(قده) الوجه الثاني، و قد ذهب بناء عليه إلى عدم اختصاص خيار الفسخ بأول أزمنة ظهور الغبن، فإذا ظهر الغبن‌

171

بعد البيع انقلب جائزا لخيار الغبن، لعدم جواز التمسك بدليل الوفاء بعد الآن الأول لإثبات لزومه فيما اذا لم يأخذ بالخيار.

و أما اذا كان دليل الخيار قاعدة الضرر، فلا ريب في سقوطه بعدم الأخذ به في حينه، لأنه يكون كالمقدم على شراء الشي‌ء بأعلى من ثمنه.

و على هذا الاساس، لما كانت المعاطاة تفيد الملك الجائز، فلو شككنا فيها بالنسبة إلى زمان أو بسبب تغير حال المبيع أو نحو ذلك لم يجز التمسك بعموم" أَوْفُوا." و" المؤمنون .." و غيرهما ليتم اللزوم. اذن لا يتمسك بالعمومات.

و لا يتمسك بالإجماع كذلك، لان مفروض الكلام هو مورد الشك.

و كذا لا يتمسك بالسيرة، لان المتيقن قيامها في غير هذا المورد.

اذن لا طريق إلى اللزوم الا التمسك بالاستصحاب، فهو المرجع في مورد الشك، فيستصحب الملك، لكن استصحاب الجواز المتيقن سابقا مقدم على استصحاب الملك، لان الشك في بقاء الملك بعد الفسخ مسبب عن الشك في بقاء الجواز.

نعم، قد يمكن أن يقال على مبنى الشيخ(قده) بأن الملك يقتضي البقاء حتى يزيله شي‌ء، و لكن جواز المعاطاة من قبيل الشك في المقتضي مع عدم شمول الإجماع لمحل الكلام فيجري الاستصحاب الأول دون الثاني.

فاستصحاب بقاء الملك للمشتري محكم، و ليس للبائع الرجوع بعد التغير. فهذا هو الأصل بناء على القول بالملك.

172

و قد وافق المحقق الخراساني(قده) هنا و في الخيارات و الأصول على مبنى الشيخ(قده)، لكنه قال ما حاصله: ان هذا في صورة كون الدليل المخرج مخرجا في البين، نظير خيار الغبن بناء على خروج العقد من تحت العام عند ظهور الغبن، فانه لما ظهر خرج الفرد من تحت أدلة الوفاء بعنوان اللزوم، لان شمولها له ضرري. فلو لم يأخذ بالخيار لم يتمسك بالعام في الزمان اللاحق، و أما اذا خرج فرد من تحت العام من أول الامر نظير خيار المجلس حيث قال" البيعان بالخيار ما لم يفترقا" فيتمسك. و مثله المعاطاة، فانه اذا وقع ما يشك معه في بقاء اللزوم و عدمه يتمسك بأصالة اللزوم.

أقول: لم يذكر(قده) وجه هذا التفصيل، و لعله لان في الصورة الاولى تقييد لا تخصيص ليتمسك بالعام عند الشك في التخصيص، و أما في الثانية فهو شك في التخصيص فيتمسك فيها بالعام. و الذي يخالجني أن التخصيص في البين لا معنى له، لان التخصيص خروج الفرد من البدء إلى الختم، و أما الخروج بعد الدخول في زمان فهو تقييد لا تخصيص.

ثمّ انه(قده) يقول بالتمسك فيما اذا خرج الفرد من أول الامر مع تصديقه باستمرار الزمان، قال: و كذا لو خرج في آخر الزمان ثمّ تردد بين الأقل و الأكثر، بأن شك في خروج الساعة التي قبل الأخيرة مع اليقين بخروجها، قال: يتمسك بالعموم أيضا.

أقول: هذا لأوجه له كذلك، و ما احتملناه بالنسبة إلى أول الوقت غير آت هنا.

173

هذا، و قد أشكل السيد و بعضهم على هذا الأصل من أصله بما حاصله: ان هذا الأصل انما يفيد لأجل الرجوع اليه في موارد الشك، و لكن الادلة الثمانية لا تصلح لذلك اللهم الا الاستصحاب على ما سيأتي لأنها مخصصة بالإجماع على جواز المعاطاة حين الانعقاد كما هو المفروض و مع الشك يستصحب حكم المخصص.

و أما استصحاب الملكية فلا مانع من التمسك به، الا أنه محكوم باستصحاب بقاء الجواز الثابت من أول الامر حين الانعقاد، و يترتب عليه جواز الرجوع، الا انه من الشك في المقتضي، و في حجيته خلاف.

أقول: هذا يتم فيما اذا كان الجواز المستصحب جواز الرجوع، و أما اذا قيل بأن القدر المتيقن منه هو جواز تراد العينين، و هو يتوقف على بقائهما معا، و مع تلفهما أو تلف أحدهما فلا تراد، فلا جواز كي يستصحب.

و تقريب ذلك: ان الجواز هنا حكم تعبدي برجوع العين، فالمعاطاة لازمة، و لا منافاة بين لزومها و الحكم برجوع العينين كما لا منافاة بين عقد النكاح اللازم و جعل حكم الطلاق فالعقد لازم و الطلاق يرفع الزوجية و ذلك لا يضر بلزوم العقد و بقائه، فلو تلف العينان أو أحدهما ارتفع الحكم، و مع الشك يستصحب بقاء الملك و لزوم المعاطاة.

إلا أن يقال: بأن لازم الحكم بجواز الرجوع هو فسخ المعاطاة، بل هو المتبادر منه عرفا، و عليه فلما كان العقد من قبل جائزا ثمّ شك فانه يستصحب هذا الجواز.

174

الا أن يجاب: بأن الحكم بالجواز قد يقيد بأمر لو زال زال، فلو صالح بماله و شرط الخيار لنفسه بأن يفسخ العقد بلسانه في حضور زيد سقط الخيار بانتفاء احد القيدين، و هنا يتحقق الفسخ بالرجوع واخذ العين نفسها، فان كان ذلك لم يبق مجال لاستصحاب الجواز بعد التلف.

هذا، و لعلنا نجيب عن أصل الاشكال في الأصل فيما سيأتي إنشاء الله تعالى.

هذا كله بناء على القول بالملك.

الأصل بناء على الإباحة

و أما على القول بالإباحة فالأصل هو الجواز، قال الشيخ(قده):

لقاعدة تسلط الناس على أموالهم، و أصالة سلطنة المالك الثابتة قبل المعاطاة ..

أي: فإنها تستصحب الآن بعد وقوع المعاطاة و اباحة المال للمعطى له، فهي تقتضي انه متى أراد الرجوع عن الإباحة واخذ العين كان له ذلك، سواء كانت العين باقية أولا. اللهم الا أن يقوم دليل تعبدي على اللزوم في مورد، كما اذا قام على أن تلف العينين موجب للزوم، و الا كان استصحاب السلطنة و قاعدتها دليلا على جواز الرجوع و عدم خروج المال عن ملكه بالمعاطاة، إذ المفروض أنها تفيد الإباحة لا الملك.

أقول: لكنه(قده) فصل في التنبيه الرابع و قال بأنه لو قصد أحد‌

175

المتعاطيين الإباحة بعوض التمليك ففي المسألة ثلاثة وجوه، ثمّ قوى الأول و هو اللزوم و كذا قال فيما اذا أباح في مقابل الإباحة. و لعل وجه اختياره اللزوم في الثاني دليل" المؤمنون عند شروطهم"، فانه يقتضي عدم جواز رجوعه عما اشترط على نفسه.

لكن الحق أن يقال: لو كانت الإباحة مالكية و أمضاها الشارع فقال" لا يحل مال امرئ الا بطيب نفسه" لم يخل التمسك ب‍" المؤمنون عند شروطهم" لأجل اللزوم من اشكال، لان العقود الاذنية لا تلزم أبدا، فلو رجع المالك عن اباحته لم يجز التصرف للمباح له في المال.

نظير الوكالة، فإنها عقد جائز، و قد وقع البحث بينهم في لزومها لو وقعت شرطا في ضمن عقد لازم، فذهب بعضهم إلى لزومها حينئذ، و قال آخرون: يصح عزل الوكيل عنها مطلقا، لأنها عقد اذني (و ان كان يحرم على الموكل ذلك تكليفا)، فالاباحة ان كانت مالكية و قد رتب عليها الشارع الاثر و أنفذها كان الرجوع عنها مؤثرا البتة.

فالشيخ(قده) قد حكم هناك باللزوم لان" المؤمنون .."

يقتضي وجوب الوفاء تكليفا، و هنا يحكم بالجواز الوضعي.

فهذا توجيه ما صدر منه(قده)، و الا فالقول بغفلته عما ذكر هناك مشكل، و الله سبحانه العالم.

و بالجملة: ان كانت الإباحة مالكية فالأصل هو الجواز، فمتى أراد الرجوع عن اباحته كان له ذلك، سواء بقيت العينان أولا. اللهم الا على القول بأن العقود الاذنية ان أنشأت في ضمن عقد لازم لزمت،

176

و هو قول ليس بالقوي، لقاعدة السلطنة و استصحابها. و أما استصحاب الإباحة الثابتة قبل رجوع المالك عن اباحته فمحكوم بالقاعدة و استصحاب السلطنة، و أما اعتبار السلطنة بعد التلف فمعناه ضمان المباح له بدل العين التالفة.

هذا، لكن الرجوع عن الإباحة بعد التلف لا محصل له، لأنه لو كان المقصود الرجوع عن الإباحة لما قبل التلف فهو غير ممكن، لان ما وقع وقع و لا ينقلب عما وقع عليه، فكيف يترتب عليه الاثر و هو ضمان البدل، و ان كان المقصود الرجوع عن الإباحة بعد التلف فبقاء اباحة التصرف في العين بعد التلف لغو لا معنى له حتى يصح الرجوع عنه.

و أما اذا كانت الإباحة شرعية مستندة إلى رضا المالك بالتصرف بإنشائه الإباحة، أو إنشائه الملكية بالإعطاء، فأباح الشارع التصرف تعبدا مع عدم إمضاء التمليك:

فأما في الصورة الاولى فان قاعدة السلطنة محكمة، لان المفروض أن حكم الشارع مستند إلى رضاه، فمتى رجع عن ذلك رجع الشارع عن اباحته. اذن فالأصل في هذه الصورة الجواز كذلك.

و أما في الصورة الثانية حيث الإباحة شرعية تعبدية فلا مجال للقاعدة المذكورة، لان الحكم فيها وارد من قبل الشارع بالاستقلال و ليس للقاعدة رفع حكم الشارع، إذ المفروض أنه قد رفع السلطنة بحكمه بإباحة التصرف للمباح له، ففي هذه الصورة ليس الأصل هو الجواز، لكن المسلم أنه بعد التعاطي و تحقق الإباحة يجوز الرجوع‌

177

ما دامت العين باقية بالإجماع. و هذا الجواز يستصحب إلى بعد تلف العين لو شك في جواز الرجوع و عدمه بذلك.

هل تلف العوضين من الملزمات؟

قال الشيخ(قده):

ان تلف العوضين ملزم اجماعا.

اما على القول بالإباحة فواضح ..

أقول: وجه الوضوح ان تلفه من مال مالكه و لا دليل على الضمان، و أما" على اليد." فلا يجري هنا، لان المفروض أن الشي‌ء كان مباحا للآخر إما من مالكه و اما من جهة الشارع، فاليد ليست عدوانية حتى يشملها دليل" على اليد ..".

و أما على القول بالملك و ان أمكن الفسخ بعد التلف كفسخ العقد الخياري لكن اللزوم ثابت من جهة اقتضاء" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ".

و أشكل عليه: بأن هذا الدليل انما يفيد فيما اذا كان شاملا للموضوع من أول الامر، و المفروض أنه لا يشمل المعاطاة، و هي جائزة ما دامت العينان باقيتين بالإجماع فالدليل غير شامل و الجواز سابق باق.

قال الشيخ(قده): ان كان هذا الجواز جواز فسخ العقد فان الاستصحاب يقتضي بقاءه بعد التلف، و ان كان الإجماع منعقدا على جواز تراد العينين لا جواز فسخ العقد فانه ما دامتا موجودتين كان الجواز بحاله و بعد التلف فلا موضوع للتراد فلا جواز للرجوع، و يبقي" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" مقتضيا للزوم.

178

و الظاهر أن متعلق" الجواز" هو" تراد العينين" لا تراد الملك حتى ينفسخ به التمليك، و بناء على ما ذكره الشيخ(قده) يندفع الاشكال الذي أورده بعضهم على الأصل فيما تقدم بأنه ينافي مبناه في التمسك بالعام و كون الزمان غير مفرد، فراجع.

و ظهر أن جواز الرجوع هنا ليس كجواز الرجوع في العقد الخياري، فلا يمكنه الفسخ، بل له استرجاع العين من دون فسخ العقد.

و كان الشيخ(قده) استفاد ذلك من الإجماع.

أقول: لكن الفقهاء لا يوافقون على هذا، فان رجوع العين عندهم ليس كالطلاق الرافع للزوجية مع بقاء عقد النكاح، فمن المستبعد أن يكون هذا حكما تعبديا، بأن يقول الشارع بجواز تراد العينين مع بقاء العقد، و ذلك لان المستفاد عرفا من جواز التراد فسخ العقد، و لكن التراد و ان كان مستلزما لانفساخ العقد الا أن الشارع جعل إمكان الفسخ ما دام التراد ممكنا. و على هذا فان تلفت العينان لم يكن له الفسخ، و تكون المعاملة لازمة، فالأصل هنا هو اللزوم بناء على الملك، و لكن يجوز الفسخ بتراد العينين، أي ما دامتا موجودتين. فالإشكال المذكور سابقا مندفع.

هل تلف احداهما ملزم؟

و من هنا يعلم أن الحكم هو اللزوم أيضا لو تلف احد العينين، لعدم إمكان التراد الذي هو المستلزم للانفساخ. كما أن القدر المتيقن من‌

179

الإجماع هو وجودهما، و ترادهما بل لو بقي بعض كل واحد من العينين لم ينفسخ العقد بترادهما، لعدم إمكان ترادهما بتمامهما.

و أما لو تلفت إحداهما دون الأخرى و بنينا على افادة المعاطاة الإباحة لا الملك فهل الحكم هو اللزوم؟

قيل بالجواز لاستصحاب بقاء السلطنة.

و أورد عليه الشيخ(قده): بأنه معارض بأصالة براءة ذمته عن البدل مثلا أو قيمة، و ذلك لأنه اذا استرجع ماله وجب عليه دفع مثل أو قيمة العين التي تلفت بيده، و لما كان الأصل براءة ذمته عن ذلك وقع التعارض بين هذا الأصل و استصحاب بقاء السلطنة على المال، و على هذا يعلم إجمالا ببطلان أحد الأصلين.

قال الشيخ(قده):

و يمكن أن يقال: ان أصالة بقاء السلطنة حاكمة على أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة .. لان معنى السلطنة هو جواز الرجوع في الإباحة في مقابل الإباحة، فلو رجع عن اباحته تحقق رجوع الأخر عن اباحته كذلك، و لازم ذلك إرجاع عين الأخر، و اذا تلفت فمثلها أو قيمتها ..

أقول: و يمكن أن يقال: بأنا نعلم باشتغال ذمته اما بالعين و اما بالبدل، فإذا تلفت العين فالبدل، و الاشتغال اليقيني يقتضى البراءة اليقينية.

اذن أصالة البراءة غير جارية من أصلها حتى تكون معارضة أو محكومة و تبقى السلطنة و يترتب عليها لازمها، اما المثل و اما القيمة لثبوت ذلك بالإجماع، أو لان الرجوع في العين معناه إرجاع عين الأخر، فان تلفت فعليه المثل أو القيمة.

180

قال: و يمكن دعوى أن معنى" الناس مسلطون .." هو السلطنة على استرجاع العين ان بقيت و الا فعوضها، فتكون قاعدة السلطنة مثل" على اليد .." في الدلالة على الضمان.

أقول: هذا مشكل جدا، و لذا لم يستدل أحد من الفقهاء بها لإثبات ضمان الغاصب، بل ظاهرها أن العين ما دامت موجودة يجوز له جميع التصرفات المشروعة فيها، و ليس معنى ذلك انها ان تلفت عند المباح له فله أن يطالب بعوضها.

على أن التسلط على المال ان كان حين التلف بأن يأخذ البدل ممن تلف بيده فلا اشكال في عدم اقتضاء القاعدة لذلك، لان المفروض أنه قد أعطاه المال بنفسه و اذن له في التصرف فيه. نعم له استرجاعها ما دامت باقية، و ان كان بعد التلف فلا مال ليتسلط عليه.

اذا كان احد العوضين في ذمة أحدهما

و أما كان أحد العوضين في ذمة أحد المتعاطيين، بأن يعطيه المال عوض ما في ذمته، فعلى القول بالملك يملكه من في ذمته و يكون الأخذ مالكا للمال، فيكون المورد من قبيل تلف أحد العوضين، و هل يجوز التراد حينئذ؟

لا تراد في هذه الصورة، لان سقوط ما في الذمة بحكم التلف، و الساقط لا يعود، فالمعاملة لازمة.

قال الشيخ(قده):

و يحتمل العود و هو ضعيف.

181

قال السيد(قده): بل لأوجه له.

أقول: وجه الاحتمال الفرق بين التلف الحقيقي و سقوط ما في الذمة، فانه في هذه الصورة يكون التراد بمالكيته لما في ذمة الأخر مرة أخرى و إرجاع ماله اليه.

و وجه الضعف: ان مالكيته هذه غير ما كان أولا، فلم يتحقق التراد.

مع ان القدر المتيقن من دليل جواز التراد هو صورة وجود العوضين في الخارج.

قال الشيخ:

و الظاهر أن الحكم كذلك على القول بالإباحة ..

أقول: و ذلك لان الإباحة في مقابل الإباحة لا يتحقق في المورد، لعدم إمكان التصرف بما في الذمة، لكن التصرف بالإسقاط ممكن، و حينئذ فما لم يسقط لم تلزم المعاملة لأنه كبقاء العينين فلا وجه لقوله" و كذا.".

نعم يصح ذلك ان كانت اباحة في مقابل العين.

انما الكلام في جواز رجوع صاحب العين الموجودة، فهل الامر على القول بالإباحة كما هو على القول بالملك؟ أقول: لأفرق بين المسألتين من هذه الجهة.

هل نقل احد العوضين أو كليهما ملزم؟

و لو نقل العينان او إحداهما بعقد لازم فحكمه حكم التلف بناء‌

182

على القول بالملك، لامتناع التراد حينئذ، و لو فرض أنه فسخ المعاملة (و ان كانت لازمة، لتجدد خيار الفسخ بظهور العيب مثلا حيث قال جماعة بأنه موجب للفسخ من حينه) ففيه وجهان: الرجوع، لإمكان التراد، لا سيما على القول بأن الفسخ يجعل العقد كلا عقد. و العدم، لان الملك الحاصل بعد الفسخ غير الملك الحاصل له بالمعاطاة، فأدله اللزوم جارية في هذه الصورة بعد الشك في شمول ادلة التراد. بل الاستصحاب يقتضي عدم جواز الرجوع، لأنه بالعقد اللازم يسقط موضوع الجواز، فلو شك بعد الفسخ يستصحب عدم الجواز.

و أما بناء على القول بالإباحة، فان لازم نقله للغير كون العين ملكا له ثمّ النقل، إذ لأبيع الا في ملك، و كذا غير البيع من التصرفات المتوقفة على الملك. فعلى هذا تكون المعاملة لازمة، و لا يجوز الرجوع لامتناع التراد، كالقول بالملك. فان فسخ فهل تعود العين ملكا للبائع أو مباحة له كما كان مقتضى المعاطاة؟ الظاهر الأول، لان المفروض أنها صارت ملكا له و باعها مثلا فلو فسخ البيع بقيت على ملكه و لا دليل على رجوعها مباحة.

نعم يجوز الرجوع للمعطى في صورتين:

احداهما: أن يكون عقد المعاطاة هو الذي كشف عن كون العين ملكا للمعطى له قبل النقل، و بعد الفسخ و رجوع المعطي لا يبقى سبب لملكية المعطى له. و كان المراد من الكشف هنا كشف العلة عن المعلول، بأن يكون عقد المعاطاة علة للتملك و الانتقال معا، فان فسخ المعطي‌

183

الانتقال زال التملك، و حينئذ جاز رجوع المعطي عن معاطاته لقاعدة السلطنة، و كذا اذا كان جزءا للعلة، و اما اذا كان سبب الملكية ارادة المعطى له التملك أو كون التملك بحكم شرعي خارجي لم يجز التراد بالفسخ.

الثانية: ان يبيع المعطى له مال المبيح و يكون الثمن للمعطى له، بناء على ما ذهب اليه جماعة من جواز كون المثمن لزيد فيبيعه عمرو و يكون الثمن لعمرو البائع، و حينئذ لو فسخ عاد المال ملكا للمعطي، فيجوز له الرجوع لدليل" الناس مسلطون ..".

قال الشيخ(قده):

لكن الوجهين ضعيفان، بل الأقوى رجوعه بالفسخ إلى البائع.

أقول: و حاصل ذلك عدم جواز الرجوع، و انه بالفسخ يكون المال ملكا للمباح له، و هي ملكية متجددة، فعقد المعاطاة لازم.

لو كان الناقل عقدا جائزا

قال:

و لو كان الناقل عقدا جائزا لم يكن لمالك العين الباقية الزام الناقل بالرجوع فيه و لا رجوعه بنفسه إلى عينه، فالتراد غير متحقق و تحصيله غير واجب.

أقول: و وجه ذلك أن العين لو عادت بالفسخ كانت ملكا للمباح له، و ذلك في حكم التلف، فلا يتحقق معه التراد.

184

لو وهب المباح له العين

و لو وهب المباح له العين إلى غيره فصارت ملكا له بلا عوض، فعلى القول بالإباحة: ان قلنا بجواز هبة ملك الغير من غير أن يكون المال ملكا للواهب آنا ما قبل الهبة جاز التراد برجوعه في هبته، لرجوع العين مباحة للواهب حينئذ، و هي ما دامت موجودة يجوز التراد فيها.

لكن لا يخفى أن الرجوع في تلك الهبة حق للمالك دون الواهب، فرجوع الواهب يحتاج إلى اذن ليكون وكيلا عنه في الرجوع.

أقول: و لكن الحق هو التفصيل بين ما إذا كانت الهبة من قبل المالك المعطي و ما اذا كانت من قبل نفسه، فان كان المالك قد أذن له في الهبة من قبل نفسه كان لازمه التملك ثمّ الهبة، و ان كانت الإباحة شرعية لا مالكية كان نظير اباحة تصرف الأب و الجد في مال الصغير.

و يترتب على ذلك أنه لو رجع عن هبته كان المال ملكا للواهب، فلا رجوع للمعطي.

و ان كانت الهبة من قبل المعطي و كان الواهب كالوكيل فيها عادت الإباحة المعاطاتية برجوع المعطي عن الهبة و اتجه حينئذ التراد و هو الاشكال في رجوع المعطي في الفرض.

و قال المحقق الخراساني(قده) في التعليق على كلام الشيخ" نعم .. اتجه الحكم بجواز التراد .." قال: لا يخفى أن المتجه عدم جوازه، فان تملك المالك للعين الموهوبة تملك بوجه آخر غير‌

185

التملك بالرد في المعاطاة ليجب رد الأخرى إلى مالكها حتى يحصل التراد و يلزم الجمع بين العوضين ..

أي: ان ادلة جواز التردد لا تشمل هذه الصورة، و القدر المتيقن منها هو حال كون هذا المال ملكا قبل الهبة.

أقول: لكن هذا يتجه بناء على القول بالملك، و أما بناء على القول بالإباحة كما هو المفروض فلا، و قد صرح الشيخ(قده) بعدم ملكية الواهب للمال قبل الهبة.

اللهم الا أن يقال يكفي في مغايرة الملك بعد التراد مع ملك الأول صيرورة الموهب ملكا للمتهب.

نعم كلامه(قده) يتم بناء على ما ذهب اليه من أن المعاطاة تفيد الملك بشرط التلف، و الهبة بحكم التلف، فبعد الرجوع عنها تكون هذه الملكية غير الملكية الاولى.

و وجه ما ذكره من لزوم الجمع بين العوضين هو: أن الواهب بمجرد هبته للمال الذي بيده يكون ماله الذي بيد المعطي ملكا للمعطي، لان الهبة بحكم التلف و به يستقر ضمان المثل، فان رجع عن الهبة و رجعت العين إلى ملك مالكها الأول لزم الجمع بين العوضين.

و حاصل اشكاله(قده) هو: أن الرجوع يكون للواهب لا للمالك، لان المفروض أنه لم يكن الواهب لا مباشرة و لا تسبيبا. هذا من جهة، و من جهة أخرى لا مانع من أن يكون الواهب غير المالك، و لا يشترط التملك للمال قبلها، نظير تمليك الحر عمله بالإجارة لغيره، و الحال‌

186

أنه لا يملكه قبلها .. هذا رأيه(قده) خلافا للقوم، فانهم يقولون لأهبة الا في ملك.

أقول: أما ان المالك لم يكن الواهب لا مباشرة و لا تسبيبا. ففيه:

انه ان كانت الإباحة للواهب مالكية فان من جملة التصرفات المباحة له هي" الهبة"، فهي واقعة باذنه و هو الواهب في الحقيقة لكن تسبيبا، و ان كانت الإباحة شرعية أي ان الشارع رتب اباحة جميع التصرفات على هذه الإباحة و ان كان المالك قد أنشأ التمليك كانت الهبة مباحة له من قبل الشارع، و يكون الواهب هو المباح له لا المالك في هذه الصورة، و ليس للمالك حينئذ الرجوع بناء على أن حق الرجوع للواهب لا للمالك لكن الواهب لما يرجع عن الهبة يرجع المال إلى ملك المالك لا إلى نفسه، هذا لو لم نقل ان المتيقن جواز الرجوع للواهب المالك دون المباح له، و الا فليس لكل منهما الرجوع لان المالك ليس بواهب و الواهب ليس بمالك.

و اما أنه لا يلزم أن يكون الواهب مالكا للمال، و التنظير بتمليك ما في الذمة و تمليك العمل. فهذا غير واضح، لان الذمة و العمل حيث يكون باختيار البائع و الحر مع التعهد يعامل معه معاملة الملك عند العقلاء.

و لو سلم عدم لزوم كون المال ملكا له، فان هذا المال ليس له بل هو للغير، و فرق بين عدم لزوم الملكية و كون المال ملكا للغير.

على أن مقتضى قاعدة السلطنة و غيرها كون اختيار نقل المال بيد مالكه‌

187

فالشارع لا يبيح التصرف في مال الغير. و من هنا لا يجوز للمالك الحقيقي أن يبيح ما لم يبحه الشارع، و عليه فالاباحة الشرعية لا تشمل المورد، فليس للمباح له الهبة، لان المفروض عدم شمول الإباحة الشرعية لما لم يكن شرعيا، فالتصرف في مال الغير بدون اذنه غير جائز و الإباحة الشرعية لا تشمله، و الهبة من هذا القبيل.

هذا، و بناء على ما ذكره الشيخ(قده) من أن الراجع هو الواهب لا المالك،، لأبد من ملكية الواهب للمال آنا ما. لما ذكرنا من عدم تشريع الشارع نقل مال الغير بدون رضاه و اذنه.

على أن المعاطاة لزومها بالهبة و كون العوض ملكا للمالك الأول يستلزم دخول العوض في ملك من لم يخرج المعوض عن ملكه. و هذا الاشكال وارد على الشيخ، و دفعه (و تمامية لزوم المعاطاة بالهبة بمجرد هبة المباح له كما ذكر قده) يتوقف على الالتزام بكون المال ملكا للواهب آنا ما قبل الهبة.

قال الشيخ(قده):

اتجه الحكم بجواز التراد ..

أقول: هل التراد بنفس الرجوع أو أنه يرجع إلى ملكه ثمّ يكون التراد؟ ان أراد الأول فهو ليس ترادا، لان التراد لا يتحقق بمجرد الرجوع عن الهبة، بل التراد يتحقق بالإضافة إلى المعاطاة، مع ان الرجوع لأبد أن يكون من الواهب. و ثالثا ان هذه الملكية متجددة و هي غير الاولى. و رابعا ان دليل تصرفه حينئذ على مبنى الشيخ هو قاعدة السلطنة لا أدلة التراد.

188

و ان أراد الفسخ، فان الفاسخ يجب أن يكون الواهب لا المالك على أن المحكم هنا قاعدة السلطنة لا أدلة التراد كما تقدم. و بعد الهبة لا مال له حتى يكون مسلطا عليه.

و قال المحقق الأصفهاني(قده) ما ملخصه: انه ان وهب أحد المتعاطيين ما بيده إلى الأخر، و قلنا بعدم إمكان الرجوع في الهبة للمالك بل الواهب يمكنه الرجوع فهل للواهب الرجوع في عينه الموجودة بيد المعطي أولا؟ يمكن أن يقال يمكنه الرجوع، لان الموهوب لا يصدق عليه التلف، اذا المفروض جواز رجوعه، و ما دامت العينان موجودتين يجوز الرجوع عن الإباحة إذ لم يتحقق الملزم. و يمكن أن يقال بالعدم، لأنه قد وهب المال لثالث، و بمجرد ذلك يتعين كون ما بيد الأول ملكا له عوضا عن ماله الذي وهبه الواهب، فلا يجوز له الرجوع، لان موضوع قاعدة السلطنة حينئذ غير محرز.

أقول: انا اذا قلنا بأن الموهوب بحكم التلف خرج ما كان له بيد الأول عن ملكه، لأنه وجه الضمان، فلا رجوع. لكن المحقق المذكور(قده) قوى الأول" لأنه مع تمكن الواهب من الرجوع في الهبة لا يكون الموهوب بحكم التلف ليتدارك ببدلية العين الباقية، و على فرض احتماله يمكن التمسك بأصالة السلطنة، لما مر مرارا من أن الملكية جهة تعليلية في نظر العرف لا جهة تقييدية".

وفية: أنه ليس الامر كذلك، فان الملكية جهة تقييدية، و كذلك سائر الأمور الاعتبارية التي تترتب عليها الاحكام الشرعية من الزوجية‌

189

و الطهارة و النجاسة و نحوها. نعم هو كذلك في الأمور الخارجية، مثل" الماء" في" الماء المتغير ينجس" فان التغير علة، أي أنه ينجس للتغير. فقاعدة السلطنة معناها عرفا: الناس مسلطون على أموالهم المملوكة لهم.

ثمّ الضمان الذي ذكره في ذيل كلامه ان كان لأجل التلف، فقد صرح من قبل بأن الموهوب لا يكون بحكم التلف، اللهم إلا أن يقال:

الواهب يمكنه الرجوع دون المالك لكن ليس واجبا عليه فيكون الموهوب بحكم التلف بالنسبة إلى المالك. لكن لو كان كذلك لضمن الواهب المسمى لا المثل و القيمة كما صرح به. بقي اشكال الجمع بين العوضين الذي ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) و الجواب: ان الملكية للعين الموجودة ان كانت عوض إنشاء الهبة فالمعاطاة لازمة، ثمّ الواهب يرجع في الهبة فلا يجتمعان.

و ان كانت عوض نقل الواهب ماله إلى الموهوب له، فانه متى رجع الواهب في هبته رجعت عينه التي بيد الأول ملكا له، لأنها عوض فلا يجتمع العوضان.

أقول: و هذا الجواب يتوقف على كون الرجوع في الهبة جاعلا اياها كالعدم، و أما اذا قلنا بأنه تملك جديد اجتمع العوضان في ملك المالك الأول.

ثمّ قال الشيخ(قده):

أو عوده إلى مالكه بهذا النحو من العود.

أقول: الصحيح في معنى العبارة: انه لو وهب كلا المتعاطيين و رجعا في هبتهما اتجه التراد كذلك.

190

لو باع العين ثالث فضولا

قال الشيخ(قده):

و لو باع العين ثالث فضولا فأجاز المالك الأول على القول بالملك لم يبعد كون اجازته رجوعا كبيعة و سائر تصرفاته الناقلة و لو أجاز المالك الثاني نفذ بغير اشكال، و ينعكس الحكم اشكالا و وضوحا على القول بالإباحة.

أقول: أما على القول بالملك فلا اشكال في اجازة الثاني، لأنه المالك للعين، و أما اجازة الأول فإنها اجازة في تصرف الثالث في مال الثاني و هي غير نافذة، و" لم يبعد" كون اجازته رجوعا، حتى تعود العين إلى ملكه، فتكون بالنسبة إلى ملكه فتنفذ حينئذ. و لما ذا قال" لم يبعد"؟ لان فيه إشكالين:

أحدهما: و هو مشترك بين ما نحن فيه و بين ما بيع بالعقد الخياري، فلو باع ذو الخيار الشي‌ء فقد صدر منه أمران: أحدهما فسخ العقد، و الآخر بيع الشي‌ء. و ترتيب الأثرين المختلفين في المرتبة على الفعل الواحد غير ممكن، و لذا قال بعضهم بتحقق الفسخ بالإرادة و البيع بالفعل و الإنشاء. و قيل: انه ببعض الإنشاء يتحقق الفسخ، و بتماميته يتحقق البيع. و هذا الاشكال بعينه جار في المقام، و لذا قال" لم يبعد".

فهذا ما ذكره السيد (قدس سره).

و الثاني: انه" ره" يستشكل في كون الإجازة كالتصرفات الناقلة.

191

و هذا ما استظهره المحقق الأصفهاني(قده)، و هو الأظهر، فكيف تكون الإجازة كالتصرفات الناقلة مع أن متعلق الإجازة تصرف الغير؟ قال" لم يبعد" أن تكون كذلك، لان الإجازة لمن كان له اختيار العقد و البيع موجودة، و حينئذ ينزل الشارع تلك الإجازة منزلة التصرف الناقل، فالناقل في الحقيقة هو المجيز.

فظهر لزوم التمحل لتصحيح اجازة الأول و ترتيب الاثر عليها، بخلاف اجازة الثاني، فلذا قال بالنسبة إلى الأول" لم يبعد" و في الثانية حكم بالصحة و ترتيب الاثر بلا اشكال.

و أما على القول بالإباحة فان الثاني قد أبيح له التصرف بالمال فاجازته فيها اشكال، و أما الأول فهو المالك المبيح و اجازته نافذة بلا اشكال.

و يمكن تصحيح اجازة الثاني بأن يقال: حيث ان الإجازة بمنزلة البيع فانه لو كان قد باع المال بنفسه لنفذ بيعه بمقتضى اباحة التصرفات له في المال، فليكن اجازته لمعاملة الفضولي بمنزلة معاملة نفسه، فتأمل.

هذا، و لم يتعرض الشيخ(قده) إلى صورة اجازتهما معا في آن واحد، لأنه ان كانت اجازة المالك نافذة، يكون بيع الفضولي بيع المالك و تبطل المعاطاة و يكون الثمن للمالك الأول، و ان نفذت اجازة الثاني لزمت المعاطاة ثمّ كون المال ملكا له حتى يكون الثمن له بإجازته. فلو أجازا بيع الفضولي معا، فهل تتعارض الإجازتان و تتساقطان أو تتقدم احداهما؟

192

قال المحقق الأصفهاني(قده): تتقدم اجازة المالك الأول حينئذ لان تصرف ذي الخيار فيما باعه بالبيع الخياري يتوقف على تملكه للمتاع قبل التصرف (و يكون التملك اما بالإرادة، و اما بالجزء الأول من الإنشاء كما تقدم) و فيما نحن فيه على القول بالملك لأبد أن يرجع عن تمليك العين ثمّ يجيز، و الثاني يريد الإجازة للفضولي، فلو تقارنتا فانه في الآن الأول و بمجرد ارادة المالك الأول أو بأول جزء من إنشائه تنتقل العين إلى ملكه فيجيز بيع الفضولي، و تلغو اجازة الثاني. فأجازه الأول اثرها متقدم زمانا على اجازة الثاني.

و بالجملة، ان الشيخ(قده) لم يستبعد على القول بالملك كون اجازة الأول نافذة كسائر تصرفاته، و أما اجازة الثاني فنافذة بلا اشكال. و وجه الاشكال في اجازة الأول كونها متعلقة بعقد واقع على ملك الغير، و هي لا تؤثر كما هو واضح. و قد يرتفع بأن يرجع عن تمليكه أولا ثمّ يجيز بيع الفضولي. و هل المراد من الإجازة هذه أنها من حين العقد أو من حينها؟ فلو مات المالك الأول و قصد الوارث الإجازة فمن أي زمان تؤثر اجازته؟ اذا قلنا بكفاية الإجازة من حينها بأن يرجع عن التمليك ثمّ يجيز لم يبعد النفوذ.

و قد ذكرنا أن اجازة الأول أثرها بطلان المعاطاة، بخلاف اجازة الثاني فان أثرها لزومها و عدم إمكان رجوعه في عينه التي بيد الأول و على اللزوم لأفرق بين أن نقول بأنه كان يجوز له بيع مال الغير فالاباحة لازمة، أو نقول بأنه قد باع ما كان له بمقتضى المعاطاة.

193

و على القول بالإباحة لا اشكال في اجازة المالك الأول، لان العين ملكه و العقد واقع عليه، و لم يبعد اجازة الثاني، لان المباح له حين يجيز العقد الواقع على ملك الغير يملك العين ثمّ يجيز بناء على كفاية الإجازة من حينها أو يملكها آنا ما. و أما بناء على عدم التملك آنا ما و عدم المالكية حين الإجازة فيشكل فيه من جهة أخرى، و هي لزوم خروج المثمن عن ملك المالك الأول و دخول ثمنه في ملك الثاني المجيز، و هذا لا يوافق عليه الشيخ، فنفوذ اجازته حينئذ" بعيد".

هذا، و لو رجع المالك الأول عن المعاطاة و أجاز بيع الفضولي و قد أجاز الثاني حينئذ أيضا، فيمكن إدخال هذا الفرع في الفرع الأتي من أن الإجازة كاشفة أو ناقلة.

ثمّ قال الشيخ(قده):

و لكل منهما رده قبل اجازة الآخر.

أقول: معنى الرد عدم ترتيب الإثار مبنيا على الملك، أما الأول فلا بد من الرجوع عن المعاطاة ثمّ الرد، و أما الثاني فان رده مؤثر بلا اشكال لأنه ملكه.

و هل يكفي لرد الأول كونه من حينه أو لأبد منه في حين العقد؟

ان قلنا بالأول فهو، و الا فلا أثر لرده.

ثمّ ان أثر رد الأول بالنسبة إلى المعاطاة بطلانها، و أما رد الثاني فلا أثر له بالنسبة اليها لا بطلانا و لا لزوما.

و لو تقارن الردان فأيهما المؤثر؟ لا تعارض هنا بين الردين، بالنسبة إلى بطلان بيع الثاني، و لكن رد الاول يوجب بطلان المعاطاة،

194

لان رد الثاني لا أثر له بالنسبة اليها مع رد الأول، و لا ينازع ما ليس له أثر مع المؤثر.

قال(قده):

و لو رجع الأول فأجاز الثاني فان جعلنا الإجازة كاشفة لغا الرجوع، و يحتمل عدمه، لأنه رجوع قبل تصرف الأخر و يفسد و يلغوا الإجازة، و ان جعلناها ناقلة لغت الإجازة قطعا.

أقول: على القول بالملك لو رجع الأول عن معاطاته فأجاز الثاني بيع الفضولي، فان قلنا بأن الإجازة كاشفة لغا رجوع الأول، و الكشف عند بعضهم نظير العلم، فكما أنه لو علم الآن بالعقد لم يؤثر فيه، بل المؤثر و تمام العلة هو العقد من حينه، فعلى هذا لا أثر للإجازة، لأنها لا جزء للعلة و لا شرط، بل بالإجازة يكشف و يعلم بالانتقال بالبيع الصادر من الفضولي من حين العقد، فالمالك الأول لم يؤثر رجوعه شيئا، إذ المعاطاة لزمت بواسطة النقل اللازم الذي كشفت عنه الإجازة.

و يحتمل تأثير الرجوع، لأنه رجوع قبل تصرف الأخر، و معنى هذا أن الإجازة هي الكاشفة، أي ما لم يكشف بالإجازة لم يتحقق العقد.

أقول: و الحق مع الشيخ في هذا التردد، لان الجزم في المقام متعسر. و لكن الانصاف ان الإجازة ليست كاشفة مطلقا، بل يشترط كون العقد قابلا للرد و كون الموضوع محفوظا، و ليس الواقع في المورد كذلك.

و ان قلنا بأن الإجازة ناقلة، أو كاشفة بمعنى الكشف الحكمي أي ترتيب آثار النقل من حين العقد تعبدا فكل أثر أمكن التعبد به فهو و الا فلا فلا أثر للإجازة قطعا، لعدم وجود الملك حتى يجيز.

195

و لو تقارن الرجوع و الإجازة فعلى الكشف لا أثر للرجوع، و يحتمل عدم الاثر للإجازة، لأنه مع الرجوع لأملك للثاني حتى يجيز، و على النقل يتعارض الإجازة و الرجوع، و لو أراد المالك الأول الرجوع و الإجازة تقدم.

لو امتزجت العينان

قال الشيخ(قده):

و لو امتزجت العينان أو أحدهما سقط الرجوع على القول بالملك، لامتناع التراد.

أقول: تارة يكون المزج بحيث ينحفظ معه ملك كل واحد منها، و انما يقع الاشتباه بين الملكين، و أخرى لا يمكن معه تمييز أحد الملكين عن الأخر، و في الصورة الثانية يمتنع التراد الخارجي، و ربما يقال بالتراد الملكي، و لكن اعتبار الملكية هنا بعيد عرفا.

ثمّ المزج تارة يكون مع مال ثالث، و أخرى مع مال المشتري، و ثالثة مع مال البائع. فان امتزج المأخوذ بالمعاطاة بمال ثالث تحققت الشركة بين صاحب المال و الثالث، فيتبدل ملكه المفروز بملك مشاع بين المالين، فلو رجع المالك الأول عن معاطاته فان أراد التراد الخارجي فهو غير ممكن، و ان أراد التراد الملكي فالمفروض عدم صلاحية المال حينئذ للتميز و التملك ثانيا، و ان أراد التراد في الشركة فان الشركة لم تكن حاصلة بالمعاطاة حتى يرجع فيها، فظهر سقوط الرجوع.

و ان امتزج المأخوذ بالمعاطاة عند المشتري بماله الشخصي،

أقول: يعني انها على القول بالملك بيع تترتب عليه الإثار، عدا ما اختص منها بالبيع العقدي الذي بنى على اللزوم، و أما على القول بالإباحة فالأقوى انها بيع، لكن لم يصححه الشارع و لم يمضه قبل تحقق أحد الملزمات، مع قصدهما البيع و التمليك و بعد الملزم تترتب عليه الإثار عدا ما كان منها مختصا بالبيع الواقع صحيحا من أول الامر.

و بالجملة لا أشكال في جواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة للسيرة و الإجماع، و يتوقف ترتب الإثار على الإباحة مطلقا على تلف أحد العينين أو نحو ذلك، عدا ما كان مختصا بما ذكر.

هذا، و لا معنى لثبوت الخيار في المورد الذي لا يجب الوفاء فيه؟

196

فهو يملك بوحدة مجموع المالين، فلا شركة. فلو أراد المعطي الرجوع في معاطاته لم يمكن التراد الخارجي و لا الملكي لعدم التمييز، و لا الملك بالاشاعة لتغير سبب الملكية، و كذا الملكية نفسها.

و ان امتزج بمال البائع كان المتعاطيان شريكين، لكن هذه الملكية جاءت بسبب الامتزاج بين المالين، فهي ملكية مشاعة لكل واحد منهما، و ليس للبائع الرجوع لتغير سبب الملكية، فانه حينئذ هو الشركة بعد أن كان التعاطي.

ثمّ قال الشيخ(قده):

و يحتمل الشركة، و هو ضعيف.

أقول: ان كان وجه الاحتمال التراد أولا بالتراد الملكي ثمّ الشركة، فقد ذكرنا عدم إمكان التراد لعدم التمييز، و ان كان التراد بمعنى إرجاع النصف المشاع بأن يقال عرفا بأنه رجع ما كان له اليه فهذا لا يمكن التصديق به. فاحتمال الشركة ضعيف.

قال الشيخ(قده):

أما على القول بالإباحة فالأصل بقاء التسلط على ماله الممتزج بمال الغير، فيصير المالك شريكا مع مالك الممتزج به. نعم لو كان المزج ملحقا له بالاتلاف جرى عليه حكم التلف.

أقول: الامتزاج يوجب الشركة قهرا، لأنه كان يملك من قبل ماله المفروز، و الآن بعد المزج يشترك مع مالك المال الآخر في المجموع، فكل واحد منهما يشارك الأخر في ملكية كل جزء جزء من مجموع المالين، نظير ما لو باع الإنسان النصف المشاع من ماله، فانه و المشتري يشتركان في تملكه مشاعا، و عليه فالامتزاج ليس بحكم التلف.

197

نعم، لو كان المزج ملحقا للمال بالاتلاف جرى عليه حكم التلف، كأن يمزج نصف كيلو من الجلاب بعشرة أمنان من اللبن، فانه يجري عليه حكم التلف لصدقه عليه.

فعلى الإباحة تتحقق الشركة كما ذكر، و لكل واحد التصرف في المال، لقاعدة السلطنة المحكمة في المقام بلا اشكال، من دون حاجة إلى استصحاب السلطنة، بل لا يجري استصحابها، لان ما كان يملكه سابقا كان مفروزا و الآن مشاع فالموضوع متبدل. فظهر ما في قوله قده" فالأصل."

هذا بناء على التسلط الحكمي.

و أما بناء على التسلط الخارجي فلا تجري القاعدة، لان التصرف في المال الخارجي يستلزم التصرف في مال الغير، لفرض الإشاعة في كل جزء جزء، و لذا نحكم بلزوم الاذن له به من شريكه. كما أن استصحابها لا يجري في هذه الصورة أيضا كذلك.

هذا بناء على ان الإباحة للمباح له بمعنى اباحة جميعا التصرفات، بحيث يسقط المبيح سلطنة نفسه على ماله الا من جهة الفسخ نظير الوكالة، حيث يجعل الوكيل قائما مقامه في جميع الشئون، لكن له عزله عن الوكالة، لكن الوكالة لا تنافي اختيار الموكل في الموكل عليه كما هو واضح.

و أما بناء على كون الإباحة هذه كإباحة الطعام للأكل، فلا مانع من التصرف من غير توقف على الاذن، و مجرد هذا التصرف منه مبطل للإباحة كما لا يخفى.

198

لو تصرف في العين تصرفا مغيرا قال:

و لو تصرف في العين تصرفا مغيرا للصورة .. فلا لزوم على القول بالإباحة.

أقول: وجه عدم اللزوم بناء على القول بالإباحة، هو بقاء الإباحة المعاطاتية و جواز الرجوع فيها. و يحتمل أن يكون الوجه في ذلك عدم تغير المأخوذ بالمعاطاة بتغير الوصف، بل أهل العرف يحكمون بوحدته، فالاباحة باقية و له الرجوع عنها. نعم لو رأى المغايرة و قال بأن الذي أعطيت و أبحت التصرف فيه كان حنطة و هذا طحين و ليس بحنطة، لم تبق الإباحة البتة.

و كيف كان فان التصرف المبيح في هذا المال جائز، لان له الرجوع عن الإباحة لو كانت باقية، و مع عدمها فانه ماله، فيكون نظير الاذن بالتصرف في ماله خالصا ثمّ امتزاجه بغيره حيث لم يأذن بالتصرف فيه حينئذ.

قال:

و على القول بالملك ففي اللزوم وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد.

أقول: لقد كان جواز التراد متعلقا بالحنطة، لأنها التي وقعت عليها المعاملة، و بعد الطحن يمكن الحكم ثبوتا بجواز التراد لبقاء العينين و لو مع تغير حالهما، و يمكن الحكم بجوازه في حال بقائهما على حالهما.

199

و مع الشك في كيفية الحكم إثباتا يتوقف جواز التراد على جريان استصحابه حال كون المأخوذ متغيرا في صورته.

قال:

و منشأ الاشكال أن الموضوع في الاستصحاب عرفي أو حقيقي.

و أورد عليه في منية الطالب: بأن استصحاب جواز التراد معارض باستصحاب بقاء سلطنة المباح له و استصحاب بقاء المسمى على العوضية، و ليس بينهما سببية و مسببية، لكون كل منهما مسببا عن نحو الجعل الشرعي ثبوتا.

أقول: على القول بعرفية الموضوع و تم الاستصحاب أمكن القول ظاهرا بسببية بقاء الجواز الفعلي لخروج الملك، فلو رجع عاد الملك و الا فلا. نعم يبقى عليه أنه اذا كان هذا الاستصحاب نظير استصحاب الكلي، بأن يقال: ان كان المراد هو الجواز المقيد فقد زال قطعا، و ان كان المراد الجواز غير المقيد بتغير الصورة فهو باق قطعا. فالحكم نفسه يدور أمره بين الأمرين، فلو أردنا اجراء الاستصحاب لزم استصحاب الجامع و ترتيب آثاره، لكن استصحاب جامع الحكم و كلية فيه اشكال و خلاف.

و الانصاف عدم ورود هذا الاشكال لعدم المعارضة، لان جواز التراد أثره الشرعي في الحقيقة كون المال ملكا له بالرد، لان هذا معنى الجواز.

هذا، و لا يرد على الشيخ(قده) الاعتراض بعدم الفرق بين الطحن‌

200

و المزج، حيث قال باللزوم في الثاني بناء على الملك بخلاف الأول فاحتمل فيه الوجهين، و ذلك لامتناع التراد هناك بخلاف المقام، فالفرق معلوم.

ثمّ انه بناء على التراد لأوجه للضمان بالمسمى لو فرض تنزل قيمة الشي‌ء بتغير صورته خلافا لبعضهم حيث حكم بذلك.

قال الشيخ(قده):

ثمّ انك قد عرفت مما ذكرنا أنه ليس جواز الرجوع في مسألة المعاطاة نظير الفسخ في العقود اللازمة حتى يورث بالموت و يسقط بالإسقاط.

أقول: ان جواز الرجوع في المعاطاة ليس كالفسخ في العقود، لان الفسخ حق لذي الخيار، و أما في المعاطاة فان الرجوع و التراد حكم، فلا يورث بالموت. فلو مات أحد المتعاطيين لم يكن لوارثه الرجوع فيها، كما انه لا يسقط بالإسقاط كسائر الاحكام، فهو نظير الرجوع في الهبة، فانه لا يسقط بالإسقاط، و للواهب الرجوع فيها ما دامت العين موجودة.

هذا على القول بالملك، و أما على القول بالإباحة فهو نظير الرجوع في اباحة الطعام للأكل، بحيث يناط الحكم فيه بالرضا الباطني من المالك.

و فيما اذا مات أحد المتعاطيين و انتقل المأخوذ بالمعاطاة إلى وارثه، لم يكن للمالك الأول الرجوع بناء على القول بالملك لأنه و ان كان له الرجوع سابقا، لكن جواز التراد له كان بالنسبة إلى‌

201

طرفه الذي ملكه بالمعاطاة، و الوارث قد ملك العين بالإرث، نظير ما إذا باع أحدهما ما بيده لثالث، فانه ليس للأول مراجعة الثالث، لأنه قد ملكها بالبيع و الشراء، و قد كان جواز التراد الثابت له بالنسبة إلى طرفه الذي ملكه اياها بالمعاطاة.

و أيضا فان" التراد" يتقوم برد الملك من الطرفين، و المفروض موت أحدهما، و انتقال ملكه إلى الوارث، فالموضوع منتف.

لو جن أحد المتعاطيين

قال الشيخ(قده):

و لو جن أحدهما فالظاهر قيام وليه مقامه في الرجوع على القولين.

أقول: لو جن أحد المتعاطيين، فعلى القول بالملك قيل يشترط في بقاء جواز الرجوع عدم تغير وصف المتعاطيين أو أحدهما كالمالين فلو جن لم يجز. وفية نظر، و استصحاب جواز الرجوع موجود، غير أن المباشر به هو وليه.

و أما على بالإباحة ففيه اشكال بناء على مختار الشيخ(قده) من أنه كالأذن في أكل الطعام، إذ لا اشكال في بطلان الاذن في الأكل بالجنون، و حينئذ ليس لوليه الاذن من جهة المعاطاة، و كذا جميع العقود الاذنية. و هل لوليه التصرف في مال الأخر حينئذ؟

فيه اشكال، لان الإباحة اذا بطلت من طرف بطلت من الطرف الأخر، لأنها اباحة في مقابل اباحة.

202

هذا بناء على الإباحة المالكية، و أما بناء على الإباحة الشرعية فيمكن أن يقال: ان الشارع جعل حكم الإباحة للمتعاطيين بأن يكون مال كل منهما مباحا للآخر، فان كان تغير وصفهما أو أحدهما مانعا من الرجوع فهو و الا فلا مانع، و لو شك استصحب جواز الرجوع، و ليست المباشرة فيها شرطا، فلوليه ذلك.