ميراث الزوجة

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
103 /
51

و منها ما يمكن استفادة العموم منه مع قطع النظر عن غيره

و لكن لاحتمال اتحاده مع غيره مما لا يستفاد منه ذلك إن لم نقل باستفادة خلافه يسقط الاستدلال به خصوصاً إذا كان احتمال كون ما يستفاد منه العموم من النقل بالمعنى لما لا يستفاد منه ذلك مقبولًا عند العقلاء و أهل العرف.

لا يقال إن احتمال اتحاد ما يستفاد منه العموم مع ما لا يستفاد منه أو يستفاد منه الخصوص غير مقبول عند العرف و العقلاء بل يجب الحكم بتعدد الحديث، و لو فتحنا هذا الباب في الأحاديث ليسقط أكثرها عن الحجية.

فإنه يقال قد يقوم في بعض الموارد قرائن تدل على اتحاد الحديث و عدم صدوره مكرراً بحيث يحصل بها اليقين أو الاطمئنان أو الظن للناقد البصير العارف بأحوال الأحاديث، و إسنادها‌

52

و متونها فلا يحرز بمجرد تكرر نقل بعض الأحاديث تكرر صدوره عن الإمام (عليه السلام)، و لو شككنا في ذلك فليس لنا في البين أصل يدفعه، فإذا أخبر زرارة أو غيره من الشيوخ أحد تلاميذه بحديث في إرث الزوجة مثلًا، و أخبر تلميذه الآخر أيضاً، و هكذا أخبر ساير تلاميذه به لا يستلزم ذلك تعدد المخبر به، و إن كان ما ذكره الشيخ لبعض تلاميذه غير ما ذكره لتلميذه الآخر، و إلا خرج عدد الأحاديث بتكثر الوسائط، و تعدد التلاميذ في كل طبقة عن حد الإحصاء.

إن قلت فمن أين جاء اختلاف المضمون.

قلت اختلاف المضمون إنما جاء من جهة النقل بالمعنى، و اختلاف التعابير و الاتكال على وضوح المعنى عند المخاطب و عطف كلمة بكلمة في مقام التفسير و كون الناقل في مقام التفصيل أو الإجماع،

53

و الاختصار و الاحتياج إلى نقل بعض الحديث و عدم الحاجة إلى نقل تمامه، و دخالة فهم الناقلين و غير ذلك.

فهذا خبر يزيد الصائغ رووه تارة عن محمد بن عيسى عن يحيى الحلبي عن شعيب عنه، و تارة عن محمد بن أبي عبد اللّٰه عن معاوية بن حكيم عن علي بن الحسن بن رباط عن مثنى عنه، و متنه يشهد بأنهما حديث واحد، و مع ذلك يقول في ما خرّجوه عن محمد بن عيسى: سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال لا و لكن يرثن قيمة البناء. و يقول فيما أخرجوه عن محمد بن أبي عبد اللّٰه: إنّ النساء لا يرثن من رباع الأرض شيئاً.

فلو كنا و الحديث الأول نعتمد عليه، و نستظهر من قوله: هل يرثن من الأرض العموم بسبب ترك الاستفصال في مقام الجواب، و لكن مع ملاحظة‌

54

الحديث الثاني يضعف هذا الاستظهار، و يسقط عن درجة الاحتجاج به، و يقوى في النظر إسقاط كلمة مثل الرباع أو العقار أو كون الألف و اللام في الأرض للعهد و لذا ترك الإمام الاستفصال فلا يجوز الاعتماد على مثله في تخصيص عموم الكتاب،

و كذا إذا رأينا أنهم خرّجوا عن زرارة، و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً، و استظهرنا منه الحكم بحرمانها من أرض الدور ثمّ رأينا ما خرّجوا عنهما بطريق آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: النساء لا يرثن من الأرض، و لا من العقار شيئاً لا يجوز الاتكال على الحديث الثاني لاحتمال أن يكون هذا عين الحديث الأول، و يكون المراد من الأرض أرض الدور، و أن يكون قوله: و لا من العقار شيئاً من العطف بالتفسير.

و الحاصل أن الملاك كل الملاك في أعمال‌

55

قواعد باب التعارض أو العموم و الخصوص، و المطلق، و المقيد، و حمل الظاهر على الأظهر إنما هو تعدد الحديث و المخبر به، و هكذا ملاحظة بعض الأصول العقلائية الأخر مثل أصالة عدم النقيصة و أصالة عدم الزيادة، و تقدمها على أصالة عدم النقيصة مطلقاً أو في الجملة كما هو المختار، إنما يصح إذا كان الناقل في مقام نقل عين ألفاظ المروي عنه، و أما إذا لم يكن في هذا المقام، و كانت هناك قرائن على عدم اعتماده على نقل عين اللفظ فحجية هذه الأصول غير معلومة.

إذا عرفت ما تلونا عليك فاعلم أن في أخبار الباب ما يحتمل اتحاده مع غيره بحيث لا يمكن الاعتماد عليه مع عدم ملاحظة هذا الغير، و هذا كروايتي يزيد الصائغ و قد ذكرنا الوجه في احتمال اتحادهما.

56

و مثل رواية علي بن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): إن المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح، و الدواب شيئاً، و ترث من المال، و الفرش، و الثياب، و متاع البيت مما ترك، و تقوم النقض و القصب فتعطى حقها منه (1) و رواية أخرى عنه عن زرارة عن أبي جعفر (عليهم السلام): إن المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى، و الدور، و السلاح، و الدواب شيئاً، و ترث من المال، و الثياب و متاع البيت مما ترك، و يقوم النقض، و الجذوع، و القصب فتعطى حقها منه (2) و روى هذا الحديث أبو محمد الهمداني عن طربال بن رجاء عن أبي جعفر (عليه السلام)، و هذا مضافاً إلى أن طربال رجل‌

____________

(1) الوسائل أبواب ميراث الازدواج ب‍ 6، ح‍ 1

(2) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 12

57

مجهول لا يعتمد على حديثه لا يضر باتحاد الحديث مع ما رواه زرارة.

و رواية محمد بن حمران عن زرارة، و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: النساء لا يرثن من الأرض و لا من العقار شيئاً (1).

و روايته الأخرى عنهما عن أبي جعفر (عليه السلام): إن النساء لا يرثن من الدور، و لا من الضياع شيئاً إلا أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء (2).

و رواية بعض الفضلاء الخمسة عن أبي جعفر (عليه السلام): إن المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض إلا أن يقوّم الطوب، و الخشب قيمة‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 4

(2) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 13

58

فتعطى ربعها أو ثمنها (1).

و رواية جميل عن زرارة، و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً (2).

و الظاهر اتحاد رواية جميل، و محمد بن حمران عن زرارة و محمد بن مسلم لأن لهما كتاب حديث مشترك بينهما (3) و لا يبعد أن يكون المروى عن أحدهما أو كليهما من هذا الكتاب.

و رواية موسى بن بكر الواسطي قال: لزرارة إن بكيراً حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام) أن النساء لا ترث امرأة مما ترك زوجها من تربة دار، و لا أرض إلا أن‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 5

(2) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 6

(3) راجع جامع الرواة ص‍ 165، ج‍ 1.

59

يقوم البناء و الجذوع و الخشب فتعطى نصيبها من قيمة البناء، فأما التربة فلا تعطى شيئاً من الأرض، و لا تربة دار؟ قال زرارة: هذا لا شك فيه (1).

فهذه سبعة أحاديث يحتمل قوياً كونها حديثين بل حديثاً واحداً لإمكان تشرف زرارة، و محمد بن مسلم في مجلس واحد بشرف حضرة الإمام و سماعهما معا هذا الحديث.

فعلى هذا الاحتمال لا يصح الاستناد بقوله (عليه السلام):

من القرى في روايتي علي بن رئاب في مقام الإفتاء بعموم الحرمان فإنه يمكن أن يكون المراد من القرى المدن و المساكين التي تبنى لاجتماع الناس، و مجاورة بعضهم مع بعض مضافاً إلى أنه يمكن أن يكون ذكر هذه الكلمة من اجتهادات بعض الرواة في فهم‌

____________

(1) الوسائل أبواب ميراث الازواج ب‍ 6، ح‍ 15

60

الحديث.

و لو صرفنا النظر عن ذلك و قلنا بدلالته على العموم يخصص بمفهوم رواية يزيد الصائغ و رواية حماد عن زرارة و محمد بن مسلم.

و قوله (عليه السلام): و في رواية الفضلاء من تربة دار أو أرض، و في رواية موسى بن بكر: من تربة دار و لا أرض فالظاهر أن قوله: أو أرض، و قوله:

و لا أرض من العطف بالتفسير، و يجوز أن يكون الهمزة زائدة سهواً أو يكون الترديد من الراوي و احتمال ذلك يكفي في سقوط الاستدلال به للعموم، و روايتي محمد بن حمران، و رواية جميل بعد احتمال وحدتهم بل الاطمئنان بكونهن واحدة لا يحتج بهن إلا في القدر المتيقن، و هو الحرمان عن خصوص أراضي الدور، و لا يعتمد على ذيل إحدى روايتي‌

61

محمد بن حمران فإن احتمال كونها مع روايته الأخرى واحدة هنا أقوى فلا يبعد أن يكون قوله: (و لا من الضياع شيئاً إلا أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء) من النقل بالمعنى فمن المحتمل قوياً كون الأصل ما في رواية جميل: لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً أو جملة أخرى ثمّ نقلها بعض الرواة بما فهم منه من المعنى فقال بعضهم: النساء لا يرثن من الأرض و لا من العقار شيئاً، و قال غيره: إن النساء لا يرثن من الدور، و لا من الضياع شيئاً و لما فهم العموم منه زاد عليه: إلا أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء.

و جملة القول في ذلك عدم حصول الاطمئنان بصدور قوله و لا من الضياع شيئاً إلا إلخ عن الإمام هذا مضافاً إلى جواز كون المراد من الضياع أيضاً‌

62

المنازل و العقار.

و مما لا يثبت تعدده بتعدد تخريجه لانتهائه إلى رجل واحد حديث علاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).

و حديث بعض الفضلاء الخمسة عنه (عليه السلام) (2) و حديث حماد عن زرارة و محمد بن مسلم أيضاً عنه (عليه السلام) (3) و حديثه الآخر عنه (عليه السلام) (4).

فهذه الأحاديث أيضاً عند التأمل ترجع إلى حديث واحد، و إنما توهم تعددها لتكرر نقلها، و إن ترددنا في ذلك فلا ريب في عدم إثبات تعددها بتكرر نقلها و قد ظهر لك مما أسلفناه أن في مثل هذه‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 2

(2) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 5

(3) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 7

(4) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 9

63

الأحاديث يؤخذ بالقدر المتيقن من الجميع و أما الزائد على ذلك فلا يحتج به لعدم حصول الاطمئنان بنقل ألفاظ الإمام (عليه السلام) و إمكان أخبار بعض الرواة عن الإمام أو بعض الوسائط بما فهم من كلامه، و إمكان إرجاع نقل الجميع إلى هذا القدر المتيقن مضافاً إلى إمكان منع دلالة كل واحد منها أيضاً على عموم الحرمان فتدبر.

نعم إذا كان بعض طرق الحديث مشتملًا على معنى لم يذكر في غيره تلويحاً و لا تصريحاً و لا إجمالا و لا تفصيلًا و لا يمكن إرجاعه إلى غيره يجب الأخذ به.

بقي الكلام في حديث عبد الملك بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ليس للنساء من الدور، و العقار‌

64

شي‌ء (1).

و وجه عدم ظهوره في عموم الحرمان يظهر من مراجعة ما ذكرناه في حديث جميل عن زرارة و محمد بن مسلم، و في حديث ميسر بياع الزطي.

و يمكن أن يقال إن حديث الحسين بن أبي مخلد عن عبد الملك قال: دعا أبو جعفر (عليه السلام) بكتاب علي فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوياً فإذاً فيه: إن النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا توفي عنهن شي‌ء فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا و اللّٰه خط علي (عليه السلام) بيده و إملاء رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) (2) أيضاً ينتهي إلى عبد الملك بن أعين الراوي للحديث السابق فلو لم نقل باتحادهما لإباء متنهما عن ذلك، و إن كان لا يخلو‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 10

(2) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 17

65

أيضاً عن وجه فالكلام في دلالته هو الكلام في دلالة رواية جميل و ميسر و غيرهما.

و أما مكاتبة محمد بن سنان فقد أخرج الصدوق في باب نوادر الميراث في الفقيه (1) قال: و كتب الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله علة المرأة أنها لا ترث من العقارات شيئاً إلا قيمة الطوب و النقض لأن العقار لا يمكن تغييره و قلبه، و المرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها و بينه من العصمة، و يجوز تغييرها و تبديلها، و ليس الولد و الوالد كذلك لأنه لا يمكن التفصي منهما، و المرأة يمكن الاستبدال بها فما يجوز أن يجي‌ء و يذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله و تغييره إذا أشبههما [إذا أشبهه نسخة الوسائل] و كان الثابت‌

____________

(1) ص‍ 6، ج‍ 2

66

المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات و القيام (1).

فهي مضافاً إلى أنها مكاتبة، و إن سيدنا الأستاذ الأكبر (قدس سره) قال: إن بعضهم قال: إن محمد بن سنان زعم أن الرضا (عليه السلام) أجابه هكذا ضعيفة جداً من حيث السند فإن في طريق الصدوق إليه علي بن العباس و هو من الضعفاء قال العلامة: رمي بالغلو، و غمز عليه، ضعيف جداً له تصنيف في الممدوحين، و المذمومين يدل على خبثه، و تهالك مذهبه لا يلتفت إليه، و لا يعبأ بما رواه (2).

و روى علي بن العباس هذه المكاتبة عن قاسم بن الربيع الصحاف الكوفي و هو أيضاً ضعيف ذكره العلامة في الضعفاء، و قال: قاسم بن الربيع الصحاف‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 14

(2) رجال العلامة ص‍ 234

67

الكوفي ضعيف في حديثه غال في مذهبه لا التفات إليه، و لا ارتفاع به (1).

و أما الكلام في متنه فيظهر مما ذكرناه في ذيل غيره من الأخبار.

و مما يشهد على أن الحرمان مقصور بأراضي الدور، و المساكن مضافاً إلى ما قدمناه ذكر حكم البناء، و الطوب، و الخشب بعد ذكر حكم العقار و الدور و الأرض، و كذا استثناء البناء، و الطوب، و الخشب فإن جعل الاستثناء منقطعاً خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بالقرينة فظهور الاستثناء في الاتصال أيضاً مما يؤيد بعض ما قويناه في تحصيل مفاد الأحاديث.

و من الروايات الواردة في مسألتنا رواية‌

____________

(1) رجال العلامة ص‍ 248

68

الأحوال عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

لا يرثن النساء من العقار شيئاً، و لهن قيمة البناء و الشجر و النخل (1).

و الخدشة في كون هذا الحديث غير بعض الأحاديث السابقة أيضاً بمكان من الإمكان لجواز أن يكون في مجلس إملاء الحديث جماعة من الأصحاب و هذا قريب جداً لا سيما في عصر الصادق (عليه السلام) الذي تجاوز عدد تلاميذه، و أصحابه عن أربعة آلاف رجل فيجوز أن يخرج عنه في موضوع خاص حديثاً واحداً جميع هؤلاء الرجال.

و لو سلمنا كون هذا الحديث حديثاً مستقلا بنفسه و ادعينا أن الظاهر أن ما أخبر به الأحول غير ما أخبر به زرارة و محمد بن مسلم فدلالته على كون‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 16

69

المراد من العقار مطلق الأراضي محل المناقشة فإن غاية ما يمكن الاستدلال عليه بهذا الخبر حرمانها من أراضي الدور، و المشغولة بالبناء و الأشجار، و النخيل، و هذا أخص من مدعى الشيخ و أتباعه، مضافاً إلى أن الشيخ لم يخرجه في كتابيه، و الفتوى به مخالف للإجماع المركب.

إن قلت: ما المانع من أن يكون المراد من العقار مطلق الأرض.

قلت لا مانع من ذلك لو لا ظهور العقار في الأراضي المشغولة، و أن الأصل في استعمال العقر و العقار استعمالهما في كل شي‌ء له أصل كالدار، و قد استعمل في خصوص الدار، و في القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية فلو لم يكن ظاهراً في خصوص الأراضي المشغولة هنا، و خصوص أرض الدار في ما وقع مقابلًا للبناء و الطوب، و الخشب، و لم نقل‌

70

بأن العقار اسم للأرض و البناء أو الأرض و الشجر ليس ظاهراً في مطلق الأراضي أيضاً فحينئذ لا بد لنا إلا الأخذ بالقدر المتيقن من الأدلة و هو حرمانها من عين أراضي الدور و المساكن دون غيرها، و حرمانها من عين البناء، و الآلات و الطوب، و الخشب دون قيمتها فيجب الاقتصار عليه في تخصيص عموم الكتاب.

هذا و قد مر أن مفهوم رواية يزيد الصائغ، و رواية حماد عن زرارة و محمد بن مسلم خاص بالنسبة إلى ما ادعى عمومه من الروايات.

فتلخص مما ذكر أن إثبات تخصيص عموم الآية زائداً على ما اتفقوا عليه من حرمانها من أراضي الدور و المساكن عيناً و قيمة، و من عين الآلات و أبنية الدور دون قيمتها بهذه الأخبار في غاية الإشكال.

71

وجوه الاستشكال في الاستدلال بهذه الأخبار

اعلم أن ما ذكرناه في وجه هذا الاستشكال يرجع إلى أمور.

أحدها أن أحاديث المسألة التي جمعها في الوسائل في الباب السادس لا تتجاوز عن الستة أو السبعة.

الأول أحاديث زرارة و محمد بن مسلم، و بعض الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) و كلها يرجع إلى حديث واحد عنه (عليه السلام).

الثاني حديث علاء عن محمد بن مسلم، و حديث بعض الفضلاء و حديث حماد عن زرارة، و محمد بن مسلم، و حديثه الآخر كلهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فكل هذه الأحاديث أيضاً يرجع إلى‌

72

حديث واحد.

الثالث حديث عبد الملك بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام)، و حديث عبد الملك عن أبي جعفر (عليه السلام) فإنهما أيضاً على احتمال حديث واحد، و يحتمل أن يكون كل منهما حديثاً مستقلًا بنفسه.

الرابع مكاتبة محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام).

الخامس: حديث الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و قد مر احتمال اتحاده مع غيره من الأحاديث المروية عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

السادس خبر يزيد الصائغ عن أبي جعفر و خبره الآخر عن أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) فإنهما أيضاً حديث واحد.

ثانيها إن ما يتراءى فيها من اختلاف المتن راجع إلى النقل بالمعنى و اختلاف التعابير،

و الاتكال على وضوح المعنى عند المخاطب، و عطف كلمة بكلمة في‌

73

مقام التفسير، و كون الناقل في مقام التفصيل أو الإجمال، و الاحتياج إلى نقل بعض الحديث دون تمامه، و دخالة فهم الناقل و غير ذلك مما يرجع إلى عدم كون الناقل في مقام نقل ألفاظ الإمام (عليه السلام) بعينها.

ثالثها إجمال بعضها لعدم ظهوره لا في العموم، و لا في الخصوص

مثل رواية جميل، و إن قوينا أخيراً ظهوره في الخصوص بل و نفي العموم لكونه في مقام بيان ما هو تمام الموضوع للحرمان، و مثل ما احتملنا أن يكون الألف و اللام فيه للعهد كرواية يزيد الصائغ.

رابعها وجود بعض الشواهد في بعضها المبينة لمفاد بعضها الآخر

فإن الأخبار يفسر بعضها بعضاً.

خامسها ذكر حكم البناء، و الطوب و الخشب في مقابل حكم العقار و الدور و الضياع و الأرض

74

فإن وقوع العقار، و الضياع و الأرض في مقابل البناء و الطوب و الخشب لا يخلو عن ظهور في كون المراد من الأرض و الضياع هو الأراضي المشغولة بالبناء.

سادسها استثناء البناء و الطوب و الخشب لكونه ظاهراً في الاتصال

فإن جعل الاستثناء منقطعاً خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بالقرينة.

سابعها منع ظهور العقار، و الضياع و القرى في مطلق الأرض

فإن العقار استعمل في معان متعددة منها الضيعة و متاع البيت، و الحقوق الكبار، و النخل و الأرض، و المنزل، و استعمل في بعض أخبار مسألتنا في أرض الدار، و قد مرّ أن الأصل في استعمال العقر و العقار استعمالهما في كل شي‌ء له أصل كالدار. و الضيعة و الضياع أيضاً مستعملان في معان متعددة منها العقار و منها الأرض المغلة، و منها‌

75

المنازل قال الليث: الضياع المنازل سميت لأنها إذا ترك تعدها، و عمارتها تضيع.

و القرية أيضاً المصر الجامع و في (كفاية المتحفظ) القرية كل مكان اتصلت به الأبنية و اتخذ قراراً: و تقع على المدن، و غيرها (1).

فالاعتماد على هذه الكلمات التي جاءت في هذه الأحاديث التي عرفت حالها في استفادة العموم، و تخصيص الكتاب مشكل جداً.

ثامنها صراحة بعضها في الخصوص مع كونه في مقام بيان ما هو تمام الموضوع للحرمان

مثل خبر جميل عن زرارة، و محمد بن مسلم، و رواية حماد عنهما، و حديث يزيد الصائغ عن أبي جعفر (عليه السلام) بل و غيرها على بعض الاحتمالات التي ذكرناه في محله.

____________

(1) راجع تاج العروس و غيره من كتب اللغة.

76

تحقيق القول المشهور

اعلم أننا و إن قلنا إن المشهور حرمانها من مطلق الأراضي، و لكن لا يخفى عليك أن الشهرة على هذا القول إنما تحققت بعد أن اختاره الشيخ (قدس سره) و كان عدم حرمانها من غير أراضي الدور و المساكن هو القول الأشهر بل المشهور بين القدماء السابقين على الشيخ كالصدوق في الفقيه و المفيد في المقنعة، و السيد في الانتصار بل و الكليني على ما ربما يستظهر مما جعله عنواناً للباب الذي عقده للأخبار المسألة فقال: (باب ان النساء لا يرثن من العقار شيئاً).

إن قلت: إن الكليني (رضوان اللّٰه تعالى عليه) خرج الأخبار الدالة على العموم و مع ذلك كيف يدل هذا العنوان على أن مختاره عدم الحرمان من غير‌

77

أراضي الدور.

قلت: ليس في الأخبار التي أخرجها ماله ظاهر معتبر في العموم و لا أظن أنه استفاد العموم من هذه الأخبار بل يستفاد مما جعله عنواناً للباب و مما خرجه من الأخبار في هذا الباب أنه لم يستفد منها العموم و هذا مقتضى إمعان النظر في الروايات و من مثله يظهر علوّ مرتبة هذا الرجل العظيم في الفقه و الحديث و قد قرأنا عليك ما يظهر به ضعف القول باستفادة العموم من الأخبار و لكن يستعرض لك ما رواه الكليني في هذا الباب فنقول:

الأخبار التي أخرجها في هذا الباب أكثرها لو لم تدل بالمنطوق أو المفهوم على عدم حرمانها من غير أراضى المساكن- لا تدل على العموم على أكثر من حرمانها من أراضي الدور و لا تصلح لأن تكون مخصصة لعموم الكتاب في‌

78

غيرها كرواية العلاء عن محمد بن مسلم (حديث 5) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و رواية حماد عن زرارة و محمد بن مسلم (حديث 6) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و رواية حماد (حديث 7) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) التي يحتمل اتحادها مع ما رواه عن زرارة و محمد بن مسلم و رواية يزيد الصائغ (حديث 8) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و رواية ميسر بياع الزطي (حديث 11) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لاحتمال كون الألف و اللام في (الأرض) فيهما للعهد و رواية عبد الملك بن أعين (حديث 9) عن أحدهما (عليهما السلام) أيضاً لا يستفاد منه أكثر من ذلك و رواية يزيد الصائغ (حديث 10) عن أبي جعفر (عليه السلام) و كذا رواية محمد بن مسلم (حديث 1) عن أبي جعفر (عليه السلام) يحتمل فيها أيضاً كون الألف و اللام للعهد و إرادة البناء من العقار، نعم بناء عليه تدل على حرمانها من قيمة البناء أيضاً إلا أنه يمكن منع ذلك‌

79

بدعوى ظهور قوله (عليه السلام) (النساء لا يرثن من الأرض و لا من العقار شيئاً) في حرمانها من عين العقار و الأبنية و لو سلم ذلك يقيد إطلاقها بسائر الروايات و هكذا لا ظهور لرواية زرارة (حديث 2) عن أبي جعفر (عليهما السلام) لاحتمال كون (أو) في قوله (من تربة دار أو أرض) من الإمام (عليه السلام) و بمعنى واو العطف و احتمال كونه ترديداً من بعض الرواة و كذا يجي‌ء الكلام في رواية زرارة و محمد بن مسلم (حديث 4) عن أبي جعفر (عليه السلام) لعدم ظهور فيه للعموم لاحتمال كون المراد من عقار الأرض البناء.

هذا مضافاً إلى عدم إثبات تعدد ما توهم دلالته على العموم و ما ليس فيه هذه الدلالة لانتهائها إلى رجل واحد كما ذكرناه مفصلًا و إنما أعدنا الكلام في خصوص ما أخرجه في الكافي ليعلم أننا سلكنا في الاستظهار من الأخبار مسلكاً سلكه‌

80

مثل الكليني شيخ المحدثين (رضوان اللّٰه تعالى عليه).

ثمّ إنه يمكن استظهار ما اختاره المفيد بين القدماء السابقين على الشيخ أيضاً من عد السيد هذا القول مما انفردت به الإمامية.

قال: (مسألة: و مما انفردت به الإمامية القول بأن الزوجة لا تورث من رباع المتوفى شيئاً بل تعطى بقيمة حقها من البناء و الآلات دون قيمة العراص و خالف باقي الفقهاء في ذلك و لم يفرقوا بين الرباع و غيرها في تعلق حق الزوجات و الذي يقوى في نفسي أن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالسيف و المصحف و إن الرباع لم تسلم إلى الزوجات فقيمتها محسوبة لها) انتهى (1).

____________

(1) الانتصار ص‍ 301

81

فلو كان بين الإمامية خلاف يعتد به في ذلك لذكره السيد هنا.

و قد تعرض أستاذه المفيد رضي اللّٰه عنهما لهذه المسألة في (المسائل الصاغانية) و أطال الكلام فيها و أنكر عموم الآية الكريمة (1) و لم يذكر في هذه الرسالة و لا في رسالة الأعلام و لا في المقنعة خلافاً عن الإمامية في هذه المسألة.

و كيف كان فالمستند لما اخترناه هو عموم الكتاب و الروايات المتواترة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام).

هذا تمام الكلام في الموضع الأول أي تحقيق ما تحرم منه.

____________

(1) لم يظهر لي ما ذكره من الوجه في إنكار عموم الآية فراجع (المسائل الصاغانية)

82

الموضوع الثاني في معرفة الزوجة الممنوعة

[أما بحسب الأقوال]

اعلم أنه اختلف كلمات الأصحاب في عموم الحرمان لذات ولد من الميت و عدم اختصاص الحكم بغير ذات الولد فاختار الصدوق في الفقيه و الشيخ في النهاية (1)، و المبسوط على ما حكي عن الأخير، و ابن حمزة في الوسيلة، و المحقق في الشرائع، و العلامة في التحرير، و القواعد، و المختلف و التبصرة و الفخر في الايضاح‌

____________

(1) ظاهر كلامه في النهاية ص‍ 642 عدم الخلاف في اختصاص الحرمان بغير ذات الولد لأنه بعد ما ذكر مختاره في أن الزوجة لا ترث من الأرضين و القرى و الرباع و الدور و المنازل ذكر الخلاف فيه. ثمّ قال: و هذا الحكم الذي ذكرناه إنما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت إلخ و لم يذكر خلافاً فيه.

83

و الفاضل في كنز العرفان، و الشهيد في الدروس و اللمعة اختصاص الحرمان بغير ذات الولد بل قيل إنه المشهور، و لا سيما بين المتأخرين بل ربما يستشعر ذلك من كلام ابن الجنيد فإنه قال: إذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد، و الأبوين كان للزوج الربع، و للزوجة الثمن من جميع التركة عقاراً أو اثاثاً، و صامتاً، و رقيقاً، و غير ذلك، و كذا إن كن أربع زوجات و لمن حضر من الأبوين السدس، و إن حضرا جميعاً السدسان و ما بقي للولد (1) و من هنا يعلم أن نسبة القول بعدم حرمانها مطلقاً إلى ابن الجنيد (قدس سره) على سبيل البت ليس في محله.

فإن بيان حكم الزوجة إذا دخل على الولد، و أنها ترث حينئذ من جميع التركة مشعر بالفرق‌

____________

(1) مختلف الشيعة ج‍ 2، ص‍ 184

84

بينها، و بين غير ذات الولد.

إن قلت: إن دخول الزوجة على الولد أعم من أن تكون ذات الولد و غيرها.

قلت غلبة كون الزوجة التي تدخل على الولد ذات الولد من الميت موجب لصرف ظهور كلامه في الأعم منها و من غير ذات الولد إلى ذات الولد من الميت و كيف كان فليس كلامه هذا نصاً فيما نسب إليه من القول بعدم الحرمان مطلقاً.

و ذهب جماعة إلى عدم الفرق بين ذات الولد و غيرها فهما تشتركان في الحرمان، و نسب هذا القول إلى المفيد، و السيد، و الشيخ في الاستبصار، و التقي، و العجلي، و المحقق في النافع، و تلميذه الآبي.

قال في مفتاح الكرامة: قلت: لم يعلم الخلاف إلا من العجلي، و الآبي و صاحب المفاتيح، و أما المقنعة، و الانتصار،

85

و النافع فليس فيها إلا الإطلاق و مثل ذلك المنقول من عبارة الحلبي فنسبة الخلاف إليهم على البت لعلها لم تصادف محلها فالأولى أن ينسب إلى ظاهرهم- إلى آخر كلامه الذي استظهر فيه حكم المفيد بعدم الفرق كما استظهر عدم صحة ما نسب إلى الشيخ في الاستبصار، و هو استظهار جيد. فنسبة القول بعدم الفرق إلى الشيخ في الاستبصار ليست في محلها.

نعم ظاهر كلامه في الخلاف في المسألة (131) عدم الفرق قال:

دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم.

و أنت تعلم أن الفرق بين ذات الولد و غيرها مقتضى الأخبار المخرجة في كتابيه فيمكن أن يقال كما أفاد في مفتاح الكرامة أن إجماعه، و إجماع المفيد لم يسق لبيان الفرق، و إنما سيق لبيان أمر آخر،

86

و هو رد العامة و استخلص من ذلك أن المخالف صريحاً أي المصرح بعدم الفرق. إنما هو اليوسفي الآبي و العجلي. كما استظهر قبل ذلك عن بعضهم جعل محل الخلاف في غير ذات الولد.

فدعوى أن الأشهر بل المشهور بين الفقهاء اختصاص الحكم بغير ذات الولد قريب جداً.

هذا تحرير المسألة بحسب الأقوال.

و أما بحسب الأخبار

فما جعلوه دليلًا على التخصيص بغير ذات الولد، و مخصصاً لعموم أخبار الحرمان هو مقطوع ابن أذينة، في النساء إذا كان لهن ولد أعطين من الرباع (1).

و استشكل فيه بعدم حجية المقطوع (2) لعدم‌

____________

(1) الوسائل أبواب ميراث الأزواج ب‍ 7، ح‍ 2

(2) الخبر المقطوع هو جزء من الخبر المسند إلى المعصوم (عليه السلام) المذكور بجملته في أصل من الأصول المشتملة على أحكام متفرقة في أبواب الفقه و إنما وقع القطع فيه لما دون كتب الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه فالخبر المقطوع هو جزء من الخبر المسند إلى المعصوم (عليه السلام) و على هذا يقال على مثل خبر ابن أذينة أنه مقطوع إذاً فلا فرق بين المقطوع و المضمر غير أن المضمر يشتمل الإشارة بالمعصوم (عليه السلام) دون المقطوع فليست فيه هذه الإشارة و على هذا يكون المقطوع أقوى من المرسل و لا حاجة في اعتباره بالعمل كما هو الشأن في الأحاديث الضعيفة مثل المرسل و غيره.

87

حجية قول غير المعصوم.

و أجيب عنه بأن ذلك إذا لم يجبر بالشهرة، و عمل المشهور به فإذا كان الخبر معمولًا به مشهوراً بين الأصحاب ينجبر ضعفه بالعمل.

لا يقال إن العمل يكون جابراً لضعف السند إذا كان الخبر مروياً عن الإمام كالمرسل، و أما إذا لم يكن حاكياً عن قول الإمام أو فعله أو تقريره فلا معنى لجبر ضعف سنده بالعمل مضافاً إلى أنه‌

88

لا ضعف لسند هذه المقطوعة فإنه لا كلام لنا في صحة السند إلى ابن أذينة.

فإنه يقال: لا فرق بين المقطوع، و المرسل إذا حصل الاطمئنان بصدور المتن أو مضمونه عن المعصوم، و عمل المشهور، و فتوى الأصحاب، و تخريجه في الكتب المعدة لتخريج أحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يوجب الاطمئنان بالصدور.

و من القرائن التي تدل على صدور هذه الجملة عن المعصوم أن ابن أذينة ليس ممن يقول شيئاً في أحكام اللّٰه من قبل نفسه، و من غير اعتماد على قول المعصوم، و لا يفتي برأيه و لا يكون ذلك إلا إذا سمع من الإمام أو ثبت عنده قوله (عليه السلام)، و ابن أبي عمير أيضاً مع جلالة قدره، و علو شأنه في التحفظ، و التحرز لا يروي ما ليس صادراً عن المعصوم في الأحكام الشرعية، و لا يخبر عمن ليس فتواه حجة‌

89

و كذا من روى عن ابن أبي عمير إلى زمان الصدوق و الشيخ.

فهؤلاء الأجلة لا يخرجون في كتبهم و رواياتهم فتوى غيرهم؟ كائنا من كان فما كان الصدوق، و لا الشيخ أن يرويا و يحتجا بما ليس بحجة عند الشيعة، و لم يصدر عن أهل بيت الوحي.

فيكشف من ذلك أنهم اعتمدوا على ما أخبر به ابن أذينة، و قال لديهم القرائن و الأمارات على كون ما أخبر به كلام الإمام (عليه السلام) أو ما بمعناه.

و بالجملة فهذه القرائن الكثيرة تكفي للاعتماد على خبر ابن أذينة و تحصل لنا الاطمينان بصدوره عن المعصوم (عليه السلام) كما تحصل لنا الاطمينان بكل حديث كان سنده في غاية الصحة و الاعتبار.

و يؤيد ذلك و يقوى الاطمئنان بصدور هذه الجملة عن الإمام (عليه السلام) أن علماء الفهارس، و التراجم‌

90

عدوا من كتب ابن أذينة كتاب الفرائض رووه تلامذته عنه فاكتفى ابن أبي عمير باسم مؤلف الكتاب لمعروفية ذلك التصنيف منه.

و الحاصل أن الاطمئنان، و الوثوق بصدور هذا المقطوع عن الإمام لا يقل عن الوثوق بصدوره غيره من روايات مسألة حرمان الزوجة. هذا كله في سند المقطوعة.

أما الكلام في متنها. فدلالتها على المراد ظاهرة لا يقبل الإنكار لا سيما مع ملاحظة روايات الباب و مغروسية حكم الحرمان إجمالًا في الأذهان.

فالإنصاف أن تخصيص عموم حرمانها عن الرباع على ما قويناه و عن مطلق الأراضي على القول الآخر بغير ذات الولد قوي جداً.

إن قلت: إن قوله (عليه السلام) في ذيل الفضلاء: فنعطي ربعها أو ثمنها إن كان لها ولد من قيمة الطوب،

91

و الجذوع و الخشب معارض مع مقطوعة ابن أذينة، و صريح في حرمان ذات الولد أيضاً.

قلت: خرج الشيخ في التهذيب: فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان من قيمة الطوب و الجذوع و الخشب، و في الاستبصار أيضاً خرجه هكذا إلا أنه قال: إن كانت بدل إن كان.

و خرج في الوافي عن الكافي: فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان له ولد من قيمة الطوب، و الجذوع، و الخشب.

و خرج الحديث في الوسائل إلى قوله: فتعطى ربعها أو ثمنها، و لم يخرج زائداً على ذلك.

و قال في مفتاح الكرامة: الذي وجدته في الكافي في نسخة مضبوطة صحيحة فتعطى ربعها و ثمنها و ليس فيها زيادة على ذلك أصلًا. و على هذا الاعتماد على ما في بعض النسخ المطبوعة.

92

مضافاً إلى أن ملاك إعطاء الثمن ليس كونها ذات ولد بل الملاك المذكور المصرح به في القرآن المجيد في إعطائها الثمن إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد فلها الربع فما في النسخ المطبوعة من الكافي معارض لصريح قوله تعالى: فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ.

و الجمع بينه و بين الآية، و إن كان ممكنا لإمكان أن يكون الملاك في إعطاء الثمن أن يكون له منها ولد و لكن هذا مخالف للاجماع مضافاً إلى أن النسبة بين هذه الجملة، و الآية ليست العموم و الخصوص بل النسبة بينهما العموم من وجه، فيبقى التعارض بينهما في زوجة غير ذات الولد، إذا كان له ولد من غيرها، و في زوجة ذات الولد إذا لم يكن من الزوج المتوفى، و من المعلوم أن الترجيح مع ما يوافق الكتاب.

هذا مضافاً إلى أننا لو أخذنا بهذا يجب أن‌

93

نفصل بين ذات الولد و غيرها إذا اجتمعتا، فنقول بأن ذات الولد من الميت ترث الثمن و غير ذات الولد ترث الربع، و هو تفصيل غريب مخالف للإجماع.

و الحاصل أن ما في هذه النسخ ساقط عن الاعتبار لا يصح الاتكال عليه.

إن قلت: إن مقطوع ابن أذينة أعم من القول المشهور فإنه كما يشمل ذات الولد من الميت يشمل ذات الولد من غيره.

قلت: احتمال شمول الخبر لذات الولد من غير الميت ضعيف جداً لا يعتنى به، و لا يتبادر إلى الذهن لا سيما بمناسبة الحكم و الموضوع و التعليلات الواردة في الأخبار.

بل يرد هذا الاحتمال صريحاً للتعليل الوارد في رواية ميسر قال (عليه السلام): و إنما صار هذا كذا لئلّا تتزوج المرأة فيجي‌ء زوجها أو ولدها من قوم آخرين‌

94

فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم.

إن قلت: فما تقول في بعض التعليلات الواردة في روايات كخبر ميسر و حديث محمد بن مسلم، و روايتي حماد من أنها ربما تزوجت فيفسد على أهل المواريث مواريثهم، و يدخل عليهم داخل بسببها فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم.

قلت: المراد من هذه التعليلات إنما هو بيان بعض ما في الحكم من الحكم و المصالح كأكثر ما هو مذكور في أحاديث علل الشرائع، و ليست من العلل التي تدور مدارها الأحكام حتى يصح الاستناد بها في تسرية الحكم إلى كل مورد كانت فيه هذه العلة، و في نفيها عن مورد ليست فيه، و إلا فهذه العلة موجودة في طرف الزوج أيضاً لأنه ليس له منها نسب يرث به، و إنما هو دخيل عليهم بل يمكن أن يقال بأولوية ذلك في طرف الزوج لأن‌

95

مقتضى هذه التعليلات أن المرأة لو ورثت الزوج تتزوج، و يجي‌ء زوجها أو ولدها من قوم آخرين إلخ و أما الزوج لو ورث الزوجة يجي‌ء و هو من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم.

لا يقال فما معنى ما جاء في هذه الروايات إذا كان الأمر في طرف الزوج أيضاً كذلك.

لأنه يقال معنى ذلك اشتمال هذا الحكم في طرف الزوجة على هذه الحكمة و المصلحة و التنبيه على عدم خلو الحكم من الحكمة و لا ينافي ذلك عدم إنشاء الحكم في جانب الزوج لملاحظة حكم و مصالح أخرى، و نظائر ذلك ليس بنادر في التشريعيات بل و في التكوينيات و العالم بهذه المصالح هو اللّٰه تعالى و رسوله و أوصيائه عليهم الصلاة و السلام، و الواجب علينا أن ندور مدار الدليل، وسعته و ضيقه و عمومه و مطلقه و ما يخصه‌

96

أو يقيده.

هذا كله مضافاً إلى مكان دعوى كون المصلحة المذكورة في الحكم بالحرمان في غير ذات الولد من الميت أقوى فحرمانها يوجب عدم دخول الغير في مواريث قوم الميت، و أما ذات الولد منه فحرمانها لا يمنع من ذلك مطلقاً لإمكان موت ولدها و أخذها بما ورث من أبيه بل الغالب في ذات الولد عدم التزويج كما أن الغالب في غير ذات الولد التزويج.

إن قلت: إن تخصيص عموم الأخبار بخبر ابن أذينة مستهجن لاستلزامه تخصيص الأكثر و التخصيص إنما يصح فيما إذا بقي الغالب أو الأكثر بعد التخصيص تحت العموم، و لا ريب أن ذوات الولد من الأزواج أكثر أفراداً من غيرها.

قلت: مضافاً إلى أن إفادة العموم في هذه‌

97

المسألة ليست بصيغة صريحة و مضافاً إلى منع كون الأحاديث في مقام البيان من جهة تعيين الزوجة الممنوعة حتى أنه توجد فيها روايات بعمومها تشمل حرمانها جميع النساء من الزوجات و غيرهن مما حرمن منه مثل الرواية الأولى و الرابعة و الثامنة و التاسعة، و العاشرة المروية في الكافي (باب إن النساء لا يرثن من العقار شيئاً) فيدل هذا على كون الألف و اللام للعهد أى النساء اللاتى حرمن من العقار دون غيرهن و إنما يلزم تخصيص النساء بغير الزوجات من البنات و الأمهات و الجدات و الأخوات و العمات و الخالات و غيرهن أو القول بإرادة الأزواج أو غير ذوات الولد من النساء.

نقول: ليس كل تخصيص بالأكثر مستهجناً إذا بقي تحت العام من أفراده مقدار يصح به جعل العنوان العام مرآة له و موضوعاً للحكم القانوني‌

98

ضرباً للقاعدة كما هو الشأن في هذه الروايات و إذا كان ما خرج بالمخصص من تحت العام عنواناً كان له أفراد أكثر مما يبقى تحت العام.

كما هو كذلك في مسألتنا هذه، و إذا احتملنا أنه كان للمتكلم غرض عقلائي لإلقاء الكلام الدال على العموم و إخراج الأكثر منه و إفادة مراده بهذه الصورة كإفهام أن علة الحكم على ما يبقى تحت العام أو مقتضيه صدق هذا العنوان و إن الأكثر المخرج منه إنما أخرج لفقد الشرط أو وجود المانع أو غير ذلك، و القدر المتيقن من التخصيص المستهجن هو ما إذا كان ما تحت العام من الأفراد أفراد لا يجمعها جامع غيره و خصص العام بتخصيصات كثيرة بالنسبة إلى كل فرد من أفراده حتى لا يبقى تحته إلا فرد أو اثنان أو ثلاث أو نحو ذلك لأن هذا خلاف وضع المحاورة و لا يتكلم به إلا من لم يعرف أساليب الكلام.

99

و الحاصل أن تخصيص ما دل على عموم الحرمان لذات الولد برواية ابن أذينة ليس من التخصيص المستهجن بشي‌ء و له شواهد كثيرة في المخصصات الواردة على عمومات الكتاب و السنة و لذا لم أجد من رد الاستدلال برواية ابن أذينة بذلك أو احتمله و اللّٰه العالم.

فاندفع بتوفيق اللّٰه تعالى جميع ما يمكن أن يورد على الاستدلال بالمقطوعة متناً، و سنداً، و تخلص من ذلك كله أن القول المشهور بين القدماء و هو اختصاص الحرمان بغير ذات الولد قوي جداً.

و ليكن هذا آخر ما كتبناه حول مسألتنا هذه على سبيل الاستعجال، و في حال ضيق المجال و قد بقي هنا فروع في كيفية التقويم و غيرها لا يتعلق بها كثير بحث و من رامها فليطلبها من كتب فقهائنا المطولة في المواريث (رضوان اللّٰه تعالى عليهم)

100

أجمعين.

و الحمد للّٰه الذي وفقنى لتأليف هذه الرسالة في شهر ربيع المولود من شهور سنة 1385، و قد وقع الفراغ منه قبيل غروب الشمس من اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور- و صلى اللّٰه على محمد و آله الطاهرين.

لطف اللّٰه الصافي‌