دراسات فقهية في مسائل خلافية

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
353 /
109

الموسوي التنكابني، فرغ من تأليفه سنة (1250 ه‍. ق). (1)

46. كتاب تحريم نكاح المتعة، لأبي الفتح، نصر بن إبراهيم المقدسي، تحقيق حمّاد بن محمد الأنصاري، دار طيبة بالرياض.

47. كتاب المتعة مشروعة، للعلّامة الفاني الإصبهاني.

48. رسالة في المتعة، للمحقق الكركي (2)- (فارسى).

49. كتاب خلاصة الايجاز في المتعة للشيخ المفيد. (3)

و إلى هنا نختم الموضوع و البحث، و من أراد التفصيل فليراجع موارده.

____________

(1). الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 1، ص 430.

(2). حياة الكركي و آثاره، ج 6، ص 471.

(3). نفس المصدر، ج 5، ص 149.

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

القسم الثاني صلاة التراويح بين السنّة و البدعة

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

المقدّمة

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه، خاتم الأنبياء، أبي القاسم محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

و بعد، فنزولا عند رغبة بعض السادة من أصحاب الفكر و القلم، المهتمّين بالبحث و التحقيق في المسائل الخلافيّة، أقدّم هذه الدراسة المتواضعة الموجزة حول صلاة التراويح، حيث طلب منّي أن أقدّم بحثا تحقيقيّا حول مسألة من المسائل الفقهيّة المشتركة بين الشيعة و السنّة.

و الحقّ أنّه اقتراح جميل، و ابتكار جليل، فأهنّئهم على هذه المبادرات المباركة. و ليعلم أنّه قلّ أن توجد مسألة فقهيّة عند الإماميّة لم تطابق فتوى مذهب من مذاهب أهل السنّة، إذن نقاط الاشتراك و الالتقاء في الفروع، و الفقه- فضلا عن أصول الدين- أكثر من نقاط الاختلاف و الافتراق.

فحبّذا النظر إلى المسائل الاتّفاقية بعين الاعتبار و الأهمّيّة، و حبّذا احتمال و تحمّل المسائل الخلافيّة، إذ أنّ هذا المقدار من الخلاف، بل أكثر من ذلك ممّا لابدّ منه و هو موجود حتى بين أئمّة المذاهب السنّيّة في الاعتقادات و الفقه. فالخير و الصلاح في رعاية سعة الصدر، و الانفتاح،

114

و الابتعاد عن العصبيّة في المحاورات، و التأدّب بالآداب الإسلاميّة، و التمسّك بالقيم الأخلاقيّة، و بالتالي للرأي الفقهي و أدلّته، ثمّ قبوله أو ردّه أو مناقشته، بعيدا عن التقوقع و الرفض المسبق.

و لقد اخترت من بين المواضيع المقترحة، موضوع صلاة التراويح و نوافل ليالي شهر رمضان المبارك، التي قد يتصوّر لأوّل وهلة أنّها من مختصّات أهل السنّة، و لكنّ التتبّع و التحقيق و مراجعة كلمات الفريقين و آرائهم، يكشف عن خطإ هذا التصوّر، و أنّ أصل المسألة و هو قيام شهر رمضان و نوافل لياليها و الصلوات فيها من الأمور و المسائل المشتركة بين الفريقين، بل الاشتراك في عددها أيضا كاد أن يكون حاصلا في الجملة، و إنّما الخلاف هو في إقامة هذه النوافل جماعة أم فرادى.

إنّ الاطّلاع على نصوص تصريحات علماء أهل السنّة يكشف عن أنّ أهل السنّة يعترفون أيضا بأنّ هذه الصلوات المستحبّة لم تؤدّ جماعة على عهد النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و على عهد الخليفة الأوّل أيضا، و أنّها من إبداعات الخليفة الثاني في السنة الرابعة عشرة من الهجرة النبويّة، و لعلماء أهل السنّة تبريرات لما أبدعه و ابتدعه الخليفة الثاني، و سيوافيك.

و في الختام نسأل اللّه العليّ القدير أن يهدينا جميعا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنه، و أن يوفّقنا لما فيه الخير و الصلاح، إنّه وليّ التوفيق.

معنى التراويح

التراويح (جمع ترويحة) و هي في الأصل: الجلسة مطلقا، ثم سمّيت بها الجلسة التي بعد أربع ركعات في ليالي شهر رمضان لاستراحة الناس بها، ثم‌

115

سمّي كلّ أربع ركعات ترويحة، و هي أيضا اسم لعشرين ركعة في الليالي نفسها. (1)

و الترويحة: هي المرّة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام.

قيل: سمّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنّهم أوّل ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين. (2) فعليك بآراء الفقهاء و أهل اللغة:

1. قال الجزري (ابن الأثير): و منه حديث صلاة التراويح، لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين، و التراويح (جمع الترويحة) و هي: المرّة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام. (3)

2. و قال ابن منظور: التراويح (جمع ترويحة) و هي: المرّة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام.

و الترويحة في شهر رمضان سمّيت بذلك؛ لاستراحة القوم بعد كلّ أربع ركعات، و في الحديث: صلاة التراويح؛ لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين. (4)

3. و قال الفيروز آبادي: ترويحة شهر رمضان سمّيت بها؛ لاستراحة بعد كلّ أربع ركعات. (5)

____________

(1). بحار الأنوار، ج 10، ص 363.

(2). فتح البارى، ج 4، ص 294؛ إرشاد الساري، ج 4، ص 654؛ شرح الزرقاني، ج 1، ص 237.

(3). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 1، ص 274.

(4). لسان العرب، ج 2، ص 462.

(5). القاموس، ج 1، ص 232؛ التوشيح، ج 2، ص 405.

116

4. و قال الكحلاني: و أمّا تسميتها بالتراويح، فكأنّ وجهه ما أخرجه البيهقي من حديث عائشة، قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي أربع ركعات في الليل ثمّ يتروّح، فأطال حتى رحمته. الحديث. فإن ثبت فهو أصل في تروّح الإمام في صلاة التراويح. (1)

أقول: و الإشكال في الحديث هو ما أشار إليه البيهقي من أنّه تفرّد به المغيرة بن دياب، و ليس بالقويّ. (2)

5. و قال الطريحي: التراوح: تفاعل من الراحة؛ لإنّ كلّا من المتراوحين يريح صاحبه، و صلاة التراويح المخترعة من هذا الباب؛ لأنّ المصلّي يستريح بعد كلّ أربع. (3)

قيام شهر رمضان في أحاديث الفريقين

وردت في الصحاح و السنن و المسانيد و الجوامع الحديثيّة أحاديث كثيرة عن النبيّ الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) بصدد نوافل ليالي شهر رمضان في مشروعيّتها، و عددها، و كيفيّتها بما يوحي الاتّفاق و الاشتراك في أصل المشروعيّة، و إنّما الخلاف في إقامتها جماعة، أم فرادى، كما يأتي البحث عنه بالتفصيل في هذه الدراسة.

و نحن هنا- مراعاة للاختصار- نكتفي من كتب السنّة في المتن بذكر ما أورده البخاري، و من كتب الإماميّة بما أورده الشيخ الطوسي في التهذيب.

____________

(1). سبل السلام، ج 2، ص 11.

(2). السنن الكبرى، ج 2، ص 700.

(3). مجمع البحرين، ج 2، ص 362.

117

و نشير في الحاشية إلى المصادر الأخرى التي أوردت نفس الأحاديث المذكورة.

أ. أحاديث أهل السنّة

1. حدّثنا يحيى بن بكير. حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، قال:

أخبرني أبو سلمة أنّ أبا هريرة قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لرمضان: «من قامه إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه». (1)

2. حدّثنا عبد اللّه بن يوسف. أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه».

قال ابن شهاب: فتوفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمر على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر و صدرا من خلافة عمر. (2)

قال الشوكاني: عن النووي أنّ قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، يعني إنّه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أنّ قيام رمضان لا يكون إلّا بها.

و أغرب الكرماني، فقال: اتّفقوا على أنّ المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. (3)

____________

(1). صحيح البخاري، ج 1، ص 343؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 523؛ الموطّأ، ج 1، ص 113؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 436؛ سنن النسائي، ج 3، ص 202؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 171؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 42؛ أحمد، ج 2، ص 281؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 26؛ السنن الكبرى، ج 2، ص 492.

(2). صحيح البخاري، ج 1، ص 343.

(3). نيل الأوطار، ج 3، ص 51.

118

3. حدّثنا إسماعيل. قال: حدّثني مالك عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوجة النبيّ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى و ذلك في رمضان. (1)

4. حدّثنا يحيى بن بكير. حدّثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عروة أنّ عائشة أخبرته أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج ليلة في جوف الليل فصلّى في المسجد، و صلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدّثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فصلّى فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد ثمّ قال: «أما بعد: فإنّه لم يخف عليّ مكانكم و لكنّي خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها» فتوفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمر على ذلك. (2)

قال الشوكاني: قال النووي: فيه جواز النافلة جماعة، و لكن الاختيار فيها الانفراد إلّا نوافل مخصوصة، و هي العيد، و الكسوف، و الاستسقاء، و كذا التراويح عند الجمهور. (3)

و فيها أوّلا: لا دلالة فيها على أنّ النافلة كانت تراويح- و في شهر رمضان‌لكي يستدلّ بها على مشروعيّة التراويح.

ثانيا: تأمّل فقهاء السنّة في الأخذ بمضمونها من الجماعة في النوافل، بل اختاروا فيها الانفراد إلّا في موارد مخصوصة: كالعيد، و الاستسقاء و ...

____________

(1). صحيح البخاري، ج 1، ص 343.

(2). نفس المصدر.

(3). نيل الأوطار، ج 3، ص 50.

119

كما يأتي عن الشوكاني.

ثالثا: التأمّل في السند، فإنّ يحيى بن بكير- و هو يحيى بن عبد اللّه بن بكير- ضعّفه البعض، كالنسائي و أبي حاتم.

قال النسائي: ضعيف، و قال في مورد آخر: ليس بثقة.

و قال أبو حاتم: يكتب حديثه و لا يحتجّ به. (1)

5. حدّثنا إسماعيل. قال: حدّثني مالك عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان و لا في غيرها على إحدى عشرة ركعة يصلّي أربعا فلا تسل عن حسنهنّ و طولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا فلا تسل عن حسنهنّ و طولهنّ، ثمّ يصلّي ثلاثا، فقلت: يا رسول اللّه أ تنام قبل أن توتّر؟ قال: «يا عائشة: إنّ عينيّ تنامان و لا ينام قلبي». (2)

تفسير قوله (عليه السلام) «خشية أن يفترض»‌

هل المواظبة على الخير و الاجتماع على الفعل المستحبّ يصير سببا لأن يفترض عليهم و يوجبه اللّه عليهم؟

أ ليس تشريع الأحكام- وجوبا و استحبابا و ...- تابعة للمصالح و المفاسد؟

فما دخل اجتماع الناس و مواظبتهم على الفعل المستحبّ في إيجاب ذلك المستحبّ، و تبدّله إلى الوجوب؟

____________

(1). تهذيب الكمال، ج 20، ص 40 و 136؛ سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 612.

(2). صحيح البخاري، ج 1، ص 343.

120

ثمّ لو كانت المواظبة على الجماعة فيها خوف الافتراض و الإيجاب عليهم، فلماذا لم ينههم عن إتيان النوافل اليوميّة و المواظبة عليها؛ خوفا من تبدّلها إلى الإيجاب؟!

ثمّ إنّ المواظبة على الجماعة- حسب التعليل- فيه خوف إيجاب الجماعة، لا إيجاب النوافل في رمضان.

و عليه، لعلّ المراد بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «خشية أن يفترض»- على فرض صدور الحديث- هو النهي عن التكلّف فيما لم يرد فيه أمر، و التحذير من ارتكاب البدعة في الدين.

ففي الحديث دلالة واضحة على قبح هذا الفعل منهم، و حينئذ لا يجوز الجماعة بعد ارتفاع الوحي بوفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

قال العلّامة المجلسي (قدّس سرّه): إنّ المواظبة على الخير و الاجتماع على الفعل المندوب إليه لا يصير سببا لأن يفرض على الناس، و ليس الربّ تعالى غافلا عن وجوه المصالح حتى يتفطّن بذلك الاجتماع- نعوذ باللّه- و يظهر له الجهة المحسّنة لإيجاب الفعل ....

و كيف أمرهم (صلّى اللّه عليه و آله) مع ذلك الخوف بأن يصلّوها في بيوتهم؟ و لم لم يأمرهم بترك الرواتب خشية الافتراض؟

ثمّ إنّ المناسب لهذا التعليل أن يقول: خشيت أن تفرض عليكم الجماعة فيها، لا أن تفرض عليكم صلاة الليل، كما في بعض رواياتهم. و قد ذهبوا إلى أنّ الجماعة مستحبّة في بعض النوافل، كصلاة العيد، و الكسوف، و الاستسقاء، و الجنازة و لم يصر الاجتماع فيها سببا للافتراض، و لم ينه عن الجماعة فيها لذلك.

121

فلو صحّت الرواية لكانت محمولة على أنّ المراد النهي عن تكلّف ما لم يأمر اللّه به، و التحذير من أن توجب عليهم صلاة الليل لارتكاب البدعة في الدين، ففيه دلالة واضحة على قبح فعلهم، و أنّه مظنّة العقاب. و إذا كان كذلك، فلا يجوز ارتكابه بعد ارتفاع الوحي أيضا. (1)

ب. أحاديث الإماميّة

1. الطوسي بإسناده، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«ممّا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنع في شهر رمضان كان يتنفّل في كلّ ليلة و يزيد على صلاته التي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات منها بعد المغرب، و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، و يصلّي في العشر الأواخر في كلّ ليلة ثلاثين ركعة؛ اثنتي عشرة منها بعد المغرب، و ثماني عشرة بعد العشاء الآخرة، و يدعو و يجتهد اجتهادا شديدا. و كان يصلّي في ليلة إحدى و عشرين مائة ركعة، و يصلّي في ليلة ثلاث و عشرين مائة ركعة، و يجتهد فيهما». (2)

2. و عنه بإسناده ... عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال:

«يصلّى في شهر رمضان زيادة ألف ركعة» قال: قلت: و من يقدر على ذلك؟

قال: «ليس حيث تذهب، أ ليس تصلّي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة في تسع عشرة منه في كلّ ليلة عشرين ركعة، و في ليلة تسع عشرة مائة ركعة و‌

____________

(1). بحار الأنوار، ج 31، ص 12.

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 62، ح 6؛ الاستبصار، ج 1، ص 462، ح 1796؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 29، ب 7، ح 2.

122

في ليلة إحدى و عشرين مائة ركعة، و في ليلة ثلاث و عشرين مائة ركعة، و تصلّي في ثمان ليال منه في العشر الأواخر ثلاثين ركعة فهذه تسعمائة و عشرون ركعة». (1) الحديث.

3. و عنه بإسناده عن عليّ بن أبي حمزة، قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له أبو بصير: ما تقول في الصلاة في رمضان؟

فقال له: «إنّ لرمضان لحرمة و حقّا لا يشبهه شي‌ء من الشهور، صلّ ما استطعت في رمضان تطوّعا بالليل و النهار، و إن استطعت في كلّ يوم و ليلة ألف ركعة فصلّ، إنّ عليّا (عليه السلام) كان في آخر عمره يصلّي في كلّ يوم و ليلة ألف ركعة. فصلّ يا أبا محمد؛ زيادة في رمضان» فقال: كم جعلت فداك؟

فقال: «في عشرين ليلة تمضي في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات قبل العتمة، و اثنتي عشرة بعدها، سوى ما كنت تصلّي قبل ذلك، فإذا دخل العشر الأواخر فصلّ ثلاثين ركعة، كلّ ليلة ثمان قبل العتمة، و اثنتين و عشرين بعد العتمة سوى ما كنت تفعل قبل ذلك». (2)

4. و عنه بإسناده ... عن أبي بصير: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «صلّ في العشرين من شهر رمضان ثمانيا بعد المغرب، و اثنتي عشرة ركعة بعد العتمة، فإذا كانت الليلة التي يرجى فيها ما يرجى فصلّ مائة ركعة ...» (3)

5. و عنه ... قال محمد بن سليمان: و سألت الرضا (عليه السلام) عن هذا‌

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 68، ح 21؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 29، ب 7، ح 1.

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 63، ح 18؛ الاستبصار، ج 1، ص 463، ح 1798؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 31، ب 7، ح 4.

(3). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 64، ح 19؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 31، ب 7، ح 5.

123

الحديث، فأخبرني به.

و قال هؤلاء (عدّة من أصحابنا) سألنا عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي؟ و كيف فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقالوا جميعا (الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام)): «إنّه لمّا دخل أوّل ليلة من شهر رمضان صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المغرب، ثمّ صلّى أربع ركعات التي كان يصلّيهنّ بعد المغرب في كلّ ليلة، ثمّ صلّى ثماني ركعات، فلمّا صلّى العشاء الآخرة، و صلّى الركعتين اللتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس في كلّ ليلة قام فصلّى اثنتي عشرة ركعة». (1)

6. و عنه أيضا، كتب رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) يسأله عن صلاة نوافل شهر رمضان و عن الزيادة فيها، فكتب (عليه السلام) إليه كتابا قرأته بخطّه: «صلّ في أوّل شهر رمضان في عشرين ليلة عشرين ركعة، صلّ منها ما بين المغرب و العتمة ثماني ركعات، و بعد العشاء اثنتي عشرة ركعة. و في العشر الأواخر ثماني ركعات بين المغرب و العتمة، و اثنتين و عشرين ركعة إلّا في ليلة إحدى و عشرين، فإنّ المائة تجزيك إن شاء اللّه ...». (2)

7. و عنه ... عن أحمد بن مطهّر، قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) إنّ رجلا روى عن آبائك (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان يزيد من الصلاة في شهر رمضان على ما كان يصلّيه في سائر الأيّام.

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 64، ح 20؛ الاستبصار، ج 1، ص 464، ح 1801؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 32، ح 6.

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 67، ح 23؛ الاستبصار، ج 1، ص 468، ح 1800؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 33، باب 7، حديث 7.

124

فوقّع (عليه السلام): «كذب،- فضّ اللّه فاه- صلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عشرين ركعة إلى عشرين من الشهر، و صلّ ليلة إحدى و عشرين مائة ركعة، و صلّ ليلة ثلاثة و عشرين مائة ركعة، و صلّ في كلّ ليلة من العشر الأواخر ثلاثين ركعة.» (1)

8. و عنه أيضا ... عن سماعة بن مهران، قال: سألته عن رمضان كم يصلّى فيه؟ فقال: «كما يصلّى في غيره إلّا أنّ لرمضان على سائر الشهور من الفضل ما ينبغي للعبد أن يزيد في تطوّعه، فإن أحبّ و قوي على ذلك أن يزيد في أوّل الشهر عشرين ليلة، كلّ ليلة عشرين ركعة سوى ما كان يصلّي قبل ذلك. من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب و العتمة، و ثماني ركعات بعد العتمة، ثمّ يصلّي صلاة الليل ...». (2)

هذا بعض ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في نوافل ليلالي شهر رمضان، و أنّها عشرون ركعة إلى عشرين ليلة و ثلاثون في العشر الأواخر على التفصيل الذي مرّ عليك في الروايات.

رأي فقهائنا في مشروعيّة نافلة شهر رمضان

إنّ من أمعن النظر في كتبنا الفقهيّة، و تصفّح أبواب الصلوات المندوبة، تراه يقف على باب فيها بعنوان نافلة شهر رمضان و البحث عن إثبات‌

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 68، ح 24؛ الكافي، ج 4، ص 155، ح 6؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 34، ح 8، ب 7.

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 63، ح 17؛ الاستبصار، ج 1، ص 462، ح 1797؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 30، باب 7، ح 3.

125

مشروعيّتها و عرض الأدلّة عليها، ممّا يفهم منه أنّه من الأمور المسلّمة المفروغ عنها عند الإماميّة، و أنّه ممّا أجمعت الطائفة على شرعيّتها و جوازها. كما أجمعت السنّة على جوازها و شرعيّتها، و من نسب إلى الإماميّة غير هذا الأمر، فهو قليل الباع و ضعيف الاطّلاع (1) على مباني الإماميّة و آرائهم و كتبهم و استدلالاتهم و يكفينا في المقام شاهدا كلام العلّامة العاملي.

قال السيّد العاملي: نافلة شهر رمضان المشهور بين الأصحاب استحبابها كما في المختلف، و المختصر، و غاية المرام، و الروض، و مجمع البرهان، و الكفاية، و المفاتيح و غيرها.

بل كاد يكون إجماعا، كما في فوائد الشرائع و مجمع البرهان و الرياض، بل لا يكاد يوجد منكر، لأنّ الصدوق موافق على الجواز.

فكان اتّفاقا من الكلّ، كما في مصابيح الظلام و هو خيرة الأكثر كما في المعتبر.

و هو الأشهر في الروايات، كما في الشرائع، و النافع، و الذكرى، و الروضة.

و في المختلف: الروايات به متظاهرة.

____________

(1). يقول السرخسي: الأمّة أجمعت على شرعيّتها- نوافل رمضان، صلاة التراويح- و لم ينكرها أحد من أهل العلم إلّا الروافض. المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 145.

يقول المحقّق النجفي: نافلة شهر رمضان و الأشهر في الفتاوى و الروايات استحباب هذه النافلة، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، و بالجملة لم نعثر على خلاف في ذلك عدا الصدوق؛ إذ اقتصار الإسكافي على زيادة الأربع ليلا و ترك التعرّض من ابن أبي عقيل و عليّ بن بابويه ليس خلافا، جواهر الكلام، ج 12، ص 182.

و يرى الزحيلي أنّها سنّة مؤكّدة، و أوّل من سنّها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، الفقه الإسلامي و أدلّته، ج 2، ص 1088.

126

و في البيان: نافلة شهر رمضان مشروعة على الأشهر، و النافي لها معارض بروايات تكاد تتواتر و عمل الأصحاب.

و في الذكرى: الفتاوى و الأخبار متظافرة بشرعيّتها، فلا يضرّ معارضة النادر.

و في المعتبر: عمل الناس في الآفاق على الاستحباب.

و في المنتهى: اتّفق أكثر أهل العلم على استحباب زيادة نافلة شهر رمضان على غيره من الشهور.

و قال أيضا: الإجماع واقع إلّا ممّن شذّ.

و في السرائر: لا خلاف في استحباب الألف إلّا ممّن عرف باسمه و نسبه هو أبو جعفر محمد بن عليّ بن بابويه، و خلافه لا يعتدّ به، لأنّ الإجماع تقدّمه و تأخّر عنه. (1)

أقول: إنّ كلام الصدوق في الفقيه لا يدلّ على نفي مشروعيّة نافلة شهر رمضان، بل الظاهر أنّه إنّما ينفي تأكّد الاستحباب؛ لصراحته بأنّه لا يرى بأسا بالعمل ممّا ورد فيها من الأخبار. (2)

أضف إلى كلامه في الأمالي قال: ... فمن أحبّ أن يزيد فليصلّ كلّ ليلة عشرين ركعة: ثماني ركعات بين المغرب و العشاء، و اثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة إلى أن تمضي عشرون ليلة من شهر رمضان، ثمّ يصلّي كلّ ليلة ثلاثين ركعة .... (3)

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 3، ص 255؛ مختلف الشيعة، ج 2، ص 345.

(2). الحدائق الناضرة، ج 10، ص 509.

(3). أمالى الصدوق، ص 747، المجلس الثالث و التسعون؛ مفتاح الكرامة، ج 3، ص 255.

127

عدد نوافل شهر رمضان

اختلف أهل السنّة في عدد هذه النوافل اختلافا شديدا (1) و ذلك لأجل عدم ورود نصّ صريح من النبيّ الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) يعيّن مقدارها.

فالمشهور عند الجمهور هو عشرون ركعة، و عن البعض: ستّ و ثلاثون ركعة، و عن ثالث: ثلاث و عشرون ركعة، و عن رابع: ستّ عشرة ركعة، و عن خامس: ثلاث عشرة ركعة، و عن سادس: أربع و عشرون ركعة، و عن سابع:

أربع و ثلاثون ركعة، و عن ثامن: إحدى و أربعون ركعة.

و أمّا عندنا: فالمشهور- برغم اختلاف الروايات- هو عشرون ركعة في كلّ ليلة إلى عشرين ليلة، ثمّ ثلاثون في كلّ من العشر الأواخر مع زيادة مائة ركعة في كلّ من ليالي القدر. ليلة التاسع عشر، و واحد و عشرين، و ثلاثة و عشرين، فالمجموع ألف ركعة.

و فيما يلي كلمات الفقهاء من الفريقين لتحديد عدد النوافل:

أ. كلمات فقهاء السنّة

1. ابن قدامة: قال: و المختار عند أبي عبد اللّه (رحمه اللّه) فيها عشرون ركعة،

____________

(1). يراى بعض المعاصرين من أهل السنّة أنّ الأقوال ترجع إلى ثلاثة ليس إلّا حيث قال: و للعلماء في عدد التراويح ثلاثة أقوال: قول كثير من العلماء أنّها عشرون و هو السنّة، لعمل المهاجرين و الأنصار، و قول آخرين: إنّها ستّ و ثلاثون غير الشفع و الوتر و هو ما كان في زمن عمر بن عبد العزيز، و عمل أهل المدينة القديم، و قالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يزيد في رمضان و لا غيره على ثلاث عشرة ركعة. (الفقه الإسلامي و أدلّته، ج 2، ص 1088). و لكنّ الأمر ليس كما قال.

128

و بهذا قال الثوري، و أبو حنيفة، و الشافعي.

و قال مالك: ستّة و ثلاثون، و زعم أنّه الأمر القديم. و تعلّق بفعل أهل المدينة، فإنّ صالحا مولى التوأمة قال: أدركت الناس يقومون بإحدى و أربعين ركعة يؤتون منها بخمس. (1)

أقول: و دليلهم على العشرين هو فعل أبيّ بن كعب الذي جمع عمر الناس عليه، فإنّه كان يصلّي بهم عشرين ركعة. و هو الذي يفهم منه عدم وجود نصّ من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على تعيين العدد.

بل الظاهر من بعض الأحاديث عدم زيادة نوافل رمضان على غير رمضان، أي إحدى عشرة ركعة.

و قد استدلّوا أيضا على العدد بما نسب إلى عليّ (عليه السلام) أنّه أمر رجلا أن يصلّي بهم في رمضان عشرين ركعة. (2)

2. محمد بن نصر المروزى: فإنّه حقّق ما يدّعيه ابن قدامه و غيره من إجماع الصحابة على عشرين، فقال: فإنّه روي عنهم روايات كثيرة، و المتواترة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه ما كان يزيد في رمضان و غيره عن إحدى عشرة ركعة، فكيف يجمع الصحابة على خلاف فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و أولى ما يتّبع لمن أراد أن يلتزم عددا فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و من جعلها نافلة حسب نشاطه، فإنّه يصلّي مرّة عشرا، و مرّة عشرين، و‌

____________

(1). المغني، ج 2، ص 167، (الهامش).

(2). نفس المصدر؛ السنن الكبرى، ج 2، ص 699. و قال: في هذا الإسناد ضعف. أقول: و ضعفه بأبي سعد: (سعيد بن المرزبان)، فإنّه متكلّم فيه.

129

مرّة ثلاثين، و ستّا و ثلاثين، و أربعين و أكثر من ذلك، و كلّ ورد عن السلف. (1)

3. القسطلاني: قال: المعروف و هو الذي عليه الجمهور أنّه عشرون ركعة بعشر تسليمات، و ذلك خمس ترويحات، كلّ ترويحة أربع ركعات بتسليمتين غير الوتر و هو ثلاث ركعات.

أمّا قول عائشة: ... ما كان- أي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- يزيد فى رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة: فحمله أصحابنا على الوتر.

قال الحليمي: و السرّ في كونها عشرين أنّ الرواتب في غير رمضان عشر ركعات، فضوعفت؛ لأنّه وقت جدّ و تشمير.

عن داود بن قيس: أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر، و أبان بن عثمان يصلّون ستّا و ثلاثين ركعة و يوتّرون بثلاث، و إنّما فعل أهل المدينة هذا، لأنّهم أرادوا مساواة أهل مكّة؛ فإنّهم كانوا يطوفون سبعا بين كلّ ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كلّ سبع، أربع ركعات!

و قد حكى الولي بن العراقي أنّ والده الحافظ لمّا ولي إقامة مسجد المدينة أحيا سنّتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلّي التراويح أوّل الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثمّ يقوم آخر الليل في المسجد ستّ عشرة ركعة، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، و استمرّ على ذلك عمل أهل المدينة.

و قال الشافعي و الأصحاب: و لا يجوز ذلك- أي صلاتها- ستّا و ثلاثين ركعة لغير أهل المدينة.

____________

(1). المغني، ج 2، ص 167 (الهامش).

130

و قال الحنابلة: و التراويح عشرون، و لا بأس بالزيادة نصّا، أي عن الإمام أحمد. (1)

4. السرخسي: فإنّها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا، و قال مالك: السنّة فيها ستّ و ثلاثون، قيل: من أراد أن يعمل بقول مالك و يسلك مسلكه، ينبغي أن يفعل كما قال أبو حنيفة: يصلّي عشرين ركعة، كما هو السنّة، و يصلّي الباقي فرادى، كلّ تسليمتين أربع ركعات، و هذا مذهبنا. (2)

5. العيني: و قد اختلف العلماء في العدد المستحبّ في قيام رمضان على أقوال كثيرة: فقيل: إحدى و أربعون ... مع الوتر و هو قول أهل المدينة ... و عن الأسود بن يزيد: كان يصلّي أربعين ركعة و يوتّر بسبع .... و قيل:

ثمان و ثلاثون ثمّ يوتّر بهم بواحدة، رواه ابن نصر عن مالك ... و المشهور عن مالك: ستّ و ثلاثون و الوتر بثلاث.

و روى ابن وهب، قال سمعت عبد اللّه بن عمر يحدّث عن نافع، قال:

لم أدرك الناس إلّا و هم يصلّون تسعا و ثلاثين ركعة (3) و يوتّرون منها بثلاث.

و قيل: أربع و ثلاثون ... حكي عن زرارة بن أوفى في العشر الأخير، و قيل: ثمان و عشرون و هو المرويّ عن ابن أوفى في العشرين الأوّلين من الشهر.

____________

(1). إرشاد الساري، ج 4، ص 657- 659.

(2). المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 145.

(3). قال مالك: بعث إليّ الأمير و أراد أن ينقص من قيام رمضان الذي كان يقومه الناس بالمدينة، قال ابن القاسم: و هو تسع و ثلاثون ركعة بالوتر.

قال مالك: فنهيته أن ينقص من ذلك شيئا و قلت له: هذا ما أدركت الناس عليه، و هذا الأمر القديم الذي لم تزل الناس عليه. المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 193.

131

و قيل: أربع و عشرون، و هو مرويّ عن سعيد بن جبير، و قيل: عشرون، و حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم؛ فإنّه روي عن عمر و عليّ (عليه السلام) و غيرهما من الصحابة، و هو قول أصحابنا الحنفيّة.

أمّا أثر عمر: فرواه مالك في الموطّأ بإسناد منقطع.

فإن قلت: روى عبد الرزّاق ... عن السائب بن يزيد أنّ عمر بن الخطّاب جمع الناس في رمضان على أبيّ بن كعب، و على تميم الداري على إحدى و عشرين ركعة يقومون بالمئين و ينصرفون في بزوغ الفجر.

قلت: قال ابن عبد البرّ: هو محمول على أنّ الواحدة للوتر ...

و عن السائب بن يزيد، قال: كان القيام على عهد عمر بثلاث و عشرين ركعة. قال ابن عبد البرّ: هذا محمول على أنّ الثلاث للوتر.

و قال شيخنا: ما حمله عليه من الحديثين صحيح بدليل ما روى محمد بن نصر ... عن السائب أنّهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة في زمان عمر ...

و أمّا أثر عليّ رضى اللّه عنه: فذكره وكيع عن حسن بن صالح ... عن عليّ رضي اللّه عنه أنّه أمر رجلا يصلّي بهم رمضان عشرين ركعة.

و أمّا غيرهما من الصحابة: فروي ذلك عن عبد اللّه بن مسعود ... كان عبد اللّه بن مسعود يصلّي لنا في شهر رمضان فينصرف و عليه ليل.

قال الأعمش: كان يصلّي عشرين ركعة و يوتّر بثلاث.

و أمّا القائلون به من التابعين: فتشتير بن شكل، و ابن أبي مليكة، و الحارث الهمداني، و عطاء بن أبي رباح، و أبو البختري، و سعيد بن أبي الحسن البصري أخو الحسن، و عبد الرحمن بن أبي بكر، و عمران‌

132

العبدي ... و هو قول جمهور العلماء و به قال الكوفيون، و الشافعي، و أكثر الفقهاء، و هو الصحيح عن أبيّ بن كعب من غير خلاف من الصحابة ...

و قيل: ستّ عشرة عن أبى مجلز ... و قيل: ثلاث عشرة، و اختاره ابن الحقّ.

و قيل: إحدى عشرة ركعة، و هو اختيار مالك لنفسه، و اختاره أبو بكر العربي. (1)

6. الموصلي الحنفي: ينبغي أن يجتمع الناس في كلّ ليلة من شهر رمضان بعد العشاء، فيصلّي بهم إمامهم خمس ترويحات كلّ ترويحة أربع ركعات بتسليمتين يجلس بين كلّ ترويحتين مقدار ترويحة، و كذا بعد الخامسة، ثمّ يوتّر بهم، هكذا صلّى أبيّ بالصحابة، (2) و هو عادة أهل الحرمين. (3)

7. البغوي: و من السنن الرواتب صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات. (4)

8. الماوردي: فالذي أختار عشرين ركعة، خمس ترويحات، كلّ ترويحة شفعين. (5)

9. الجزيري: و تبيّن أيضا أنّ عددها ليس مقصورا على الثمان ركعات التي صلّاها بهم، بدليل أنّهم كانوا يكمّلونها في بيوتهم و قد بيّن فعل عمر أنّ‌

____________

(1). عمدة القاري، ج 11، ص 127 بتلخيص؛ المجموع، ج 4، ص 32؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 202؛ نيل الأوطار، ج 3، ص 53.

(2). الموطأ، ج 1، ص 115.

(3). الاختيار، ج 1، ص 95.

(4). التهذيب في فقه الشافعي، ج 2، ص 232.

(5). الحاوي الكبير، ج 2، ص 368.

133

عددها عشرون، حيث إنّه جمع الناس أخيرا على هذا العدد في المسجد ....

و قد ثبت أنّ صلاة التراويح عشرون ركعة سوى الوتر.

أمّا المالكيّة قالوا: عدد التراويح عشرون ركعة سوى الشفع و الوتر. (1)

أقول: يستفاد من هذه الكلمات، أنّ الحاصل هو أنّ القول بالعشرين هو المجمع عليه عند السنّة، كما ادّعاه ابن قدامة و غيره، و هو رأي الجمهور، كما ادّعاه العسقلاني، و هو رأي أبي عبد اللّه، و الثوري، و أبي حنيفة، و الشافعي، و رأي الحنابلة و حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، و هو منقول عن عليّ (عليه السلام) و عمر و سائر الصحابة و التابعين، مثل الأعمش، و ابن أبي مليكة، و الحارث الهمداني ... و الكوفيّين.

و ستعرف أنّه موافق لرأي المشهور عند الإماميّة؛ فإنّهم أيضا يقولون بالعشرين، و لكن في غير العشر الأواخر، إذ فيها بزيادة عشرة ركعات، و سيأتي عرض الأقوال.

ب. كلمات فقهاء الإماميّة:

أمّا عند الإماميّة: فالمشهور هو ألف ركعة، في كلّ ليلة عشرون ركعة إلى عشرين ليلة، و ثلاثون في العشر الأواخر، مع تفاصيل أخرى تعرف من خلال مراجعة الموسوعات الفقهيّة، و نكتفي في المقام بنقل كلام السيّد المرتضى، و الطوسي، و الحلبي، و الحلّي، و النراقي، و العاملي، و الطباطبائي:

____________

(1). في خصوص العشرين جماعة، و يصلّي الباقي فرادى. عمدة القاري، ج 11، ص 127؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 210؛ شرح الزرقاني، ج 1، ص 239.

134

1. السيد المرتضى: و ممّا انفردت به الإماميّة ترتيب نوافل شهر رمضان على أن يصلّي في كلّ ليلة منه عشرين ركعة، منها ثمان بعد صلاة المغرب، و اثنتا عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة، فإذا كان في ليلة تسع عشرة صلّى مائة ركعة، و يعود في ليلة العشرين إلى الترتيب الذي تقدّم، و يصلّي في ليلة إحدى و عشرين مائة ركعة، و في ليلة اثنتين و عشرين ثلاثين ركعة، منها ثمان بعد المغرب و الباقي بعد صلاة العشاء الآخرة .... (1)

2. الشيخ الطوسي: يصلّي طول شهر رمضان ألف ركعة زائدا على النوافل المرتّبة في سائر الشهور عشرين ليلة، في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثمان بين العشائين و اثنتا عشرة بعد العشاء الآخرة.

و في العشر الأواخر كلّ ليلة ثلاثين ركعة، في ثلاث ليال و هي ليلة تسع عشرة، و ليلة إحدى و عشرين، و ليلة ثلاث و عشرين، كلّ ليلة مائة ركعة. (2)

3. أبو الصلاح الحلبي: و من السنّة أن يتطوّع الصيام (3) في شهر رمضان بألف ركعة، يصلّي من ذلك في العشرتين الأوليتين كلّ ليلة عشرين ركعة:

ثمان ركعات بعد نوافل المغرب، و اثنتي عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة، و قبل الركعتين من جلوس، و يصلّي كلّ ليلة من العشر الأخير ثلاثين ركعة .... (4)

4. أبو الحسن الحلبي: و ما يستحبّ من الصلاة عند سبب نافلة‌

____________

(1). الانتصار، ص 55.

(2). الخلاف، ج 1، ص 530، المسألة 469.

(3). و في مختلف الشيعة، ج 2، ص 349، قال أبو الصلاح: من السنّة أن يتطوّع الصائم.

(4). الكافي في الفقه، ص 159.

135

شهر رمضان، يزاد فيه على المرتّب في اليوم و الليلة ألف ركعة، يبتدئ بعشرين ركعة من أوّل ليلة منه، ثمانية بعد نافلة المغرب، و الباقي بعد العتمة قبل الوتيرة إلى ليلة النصف يزاد على العشرين .... (1)

5. العلّامة الحلّي: و هي ألف ركعة يصلّي كلّ ليلة عشرين ركعة، منها ثمان بعد المغرب و اثنتا عشرة بعد العشاء. (2)

6. الفاضل النراقي: ألف ركعة نافلة شهر رمضان زيادة على النوافل المرتّبة، فإنّها مستحبّة على الأشهر رواية و فتوى، بل عليه الإجماع.

ثمّ في كيفيّة توزيع الألف على الشهر صورتان بكلّ منهما طائفة:

إحداهما: أن يصلّي في كلّ ليلة من الشهر عشرين ركعة، ثمان بعد المغرب و اثنتي عشرة بعد العشاء، أو بالعكس، و يزيد في العشر الآخر في كلّ ليلة عشر ركعات بعد العشاء، و في الليالي الثلاثة القدريّة مائة زائدة على وظيفتها.

ثانيتهما: ما ذكر، إلّا أنّه يقتصر في الليالي الثلاثة على المائة. (3)

7. قال السيّد العاملي: يصلّي كلّ ليلة عشرين إجماعا، كما في الانتصار، و الخلاف، و كشف اللثام، و في المنتهى لا خلاف فيه بين علمائنا القائلين بالوظيفة. (4)

8. السيّد الطباطبائي: و قد اختلفت الروايات في توظيفها و استحبابها إلّا‌

____________

(1). إشارة السبق، ص 105.

(2). قواعد الإحكام، ج 1، ص 40.

(3). مستند الشيعة، ج 6، ص 379؛ ذخيرة الصالحين، ج 2، ص 341.

(4). مفتاح الكرامة، ج 3، ص 255.

136

أنّ أشهر الروايات و أكثرها و أظهرها بين الأصحاب بحيث كاد أن يكون منهم إجماعا، كما يستفاد من جملة من العبارات، بل بانعقاده صرّح الحلّي و المرتضى و الفاضل في المختلف حاكيا له عن الديلمي، و ربّما احتمله عبارة الخلاف أيضا ... يدلّ على استحباب ألف ركعة زيادة على النوافل المرتّبة اليوميّة.

و قول الصدوق بأنّه «لا نافلة في شهر رمضان زيادة على غيره»، (1) شاذّ.

و كيف كان، فالمذهب ما عليه الأصحاب، و قد اختلفوا في كيفيّة توزيع الألف ركعة على الشهر، فالمشهور أنّه يصلّى في كلّ ليلة من العشرين الأوّلين، عشرون ركعة موزّعة و هكذا .... (2)

أقول: يرى بعض متأخّري المتأخّرين أنّ كلام الصدوق في القضيّة لا يدلّ على نفي المشروعيّة، بل الظاهر أنّه إنّما ينفي تأكّد الاستحباب لصراحته بأنّه لا يرى بأسا بالعمل بما ورد فيها من الأخبار. (3)

ج. موقف مغائر للجمهور

هذا، و لكن للكحلاني المعروف بالأمير مؤلّف سبل السلام رأي سلبي في خصوص العشرين، و أنّه لم يرد به حديث صحيح، بل الحديث الصحيح، ورد بخصوص إحدى عشرة ركعة، فيرى أنّ التراويح على هذا الأسلوب‌

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 139.

(2). رياض المسائل، ج 4، ص 197؛ جواهر الكلام، ج 12، ص 187.

(3). الحدائق الناضرة، ج 1، ص 509.

و قد حاول البعض حمل حديث نفي النوافل على نفي كونها سنّة موقوتة موظّفة لا ينبغي تركها كالرواتب اليوميّة. الحدائق الناضرة، ج 10، ص 513؛ الوافي، ج 11، ص 438.

137

الذي اتّفق عليه الأكثر بدعة، فالمحافظة على هذه الكمّيّة و الكيفيّة و تسميتها بأنّها سنّة، ليس لها أساس صحيح، بل يراها من مصاديق البدعة.

و كذلك من الشوكاني في نيل الأوطار.

1. كلام الكحلاني: (1) ... ليس في العشرين رواية مرفوعة، بل حديث عائشة المتّفق عليه أنّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان يزيد في رمضان و لا غيره على إحدى عشرة ركعة.

فعرفت من هذا كلّه أنّ صلاة التراويح على هذا الأسلوب الذي اتّفق عليه الأكثر بدعة.

____________

(1). السيّد محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ولد سنة (1059 ه‍. ق) بكحلان- و هي من أشهر مخاليف اليمن، و فيه بينون و رعين و هما قصران عجيبان، و بين كحلان و ذمار ثمانية فراسخ، و بينه و بين صنعاء أربعة و عشرون فرسخا. (* 1)

- ثمّ انتقل إلى صنعاء، فأخذ من علمائها، ثمّ رحل إلى مكّة، و قرأ الحديث على أكابر علمائها و علماء المدينة و برع في العلوم المختلفة حتى بزّ أقرانه، و تفرّد بالرئاسة العلميّة في صنعاء، و أظهر الاجتهاد و الوقوف مع الأدلّة، و نفّر من التقليد، و زيّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية ... و لقد التفّ حوله كثيرون من الخاصّة و العامّة. و قرأوا عليه كتب الحديث و عملوا باجتهاداته .... (* 2)

و قالوا فيه: محدّث، فقيه، أصولي، مجتهد، متكلم، من أئمّة اليمن. (* 3) و له نحو مائة مؤلّف، و هو مجتهد من بيت الإمامة، أصيب بمحن كثيرة من الجهلاء و العوامّ. الأعلام، ج 6، ص 263، و ج 10، ص 190؛ انظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، ج 3، ص 396؛ البدر الطالع، ج 2، ص 133؛ إيضاح المكنون، ج 1، ص 51.

(* 1). معجم البلدان، ج 4، ص 439.

(* 2). سبل السلام، ج 1، ص 6، المقدّمة.

(* 3). معجم المؤلّفين، ج 9، ص 56.

138

نعم، قيام رمضان سنّة بلا خلاف، و الجماعة في نافلته لا تنكر ... لكنّ جعل هذه الكيفيّة و الكمّيّة سنّة، و المحافظة عليها هو الذي نقول: إنّه بدعة.

و هذا عمر، خرج أوّلا: و الناس أوزاع متفرّقون، منهم من يصلّي منفردا، و منهم من يصلّي جماعة على ما كانوا في عصره (صلّى اللّه عليه و آله) و خير الأمور ما كان على عهده ...

و أمّا حديث «عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الراشدين بعدي» ... و مثله حديث «اقتدوا باللذين من بعدي» فإنّه ليس المراد بسنّة الخلفاء الراشدين إلّا طريقتهم الموافقة لطريقته (صلّى اللّه عليه و آله) من جهاد الأعداء و تقوية شعائر الدين و نحوها. فإنّ الحديث عامّ لكلّ خليفة راشد لا يخصّ الشيخين، و معلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرّع طريقة غير ما كان عليها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

ثمّ عمر نفسه، الخليفة الراشد، سمّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة. و لم يقل: إنّها سنّة، فتأمّل.

على أنّ الصحابة رضى اللّه عنهم، خالفوا الشيخين في مواضع و مسائل، فدلّ أنّهم لم يحملوا الحديث على أنّ ما قالوه و فعلوه حجّة.

و قد حقّق البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه مع أنّه قال:

إنّما الحديث الأوّل يدلّ أنّه إذا اتّفق الخلفاء الأربعة على قول كان حجّة لا إذا انفرد واحد منهم، و التحقيق أنّ الاقتداء ليس هو التقليد، بل هو غيره كما حقّقناه في شرح نظم الكافل في بحث الإجماع. (1)

____________

(1). سبل السلام، ج 2، ص 11.

139

2. كلام الشوكاني: إنّ الذي دلّت عليه أحاديث الباب و ما يشابههما هو مشروعيّة القيام في رمضان و الصلاة فيه جماعة و فرادى، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معين و تخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنّة. (1)

كما أنّ البعض منّا أيضا لم يوافق على هذا الأسلوب السائد بين أهل السنّة، و المحافظة عليه، و يرى فيه قريبا من رأي الأمير الكحلاني، و إليك الرأي المغائر.

3. كلام العلّامة المجلسي: إنّه يظهر من روايات أهل السنّة أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصلّ عشرين ركعة تسمّى التراويح، و إنّما كان يصلّي ثلاث عشر ركعة، و لم يدلّ شي‌ء من رواياتهم التي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص، فضلا عن الجماعة فيها.

و الصلاة و إن كانت خيرا موضوعا يجوز قليلها و كثيرها، إلّا أنّ القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه مخصوص بدعة و ضلالة، و لا ريب في أنّ السنّة يرونها سنّة وكيدة، و يجعلونها من شعائر دينهم. (2)

صلاة التراويح جماعة من بدع الخليفة عمر

يظهر من بعض النصوص أنّ أوّل من سنّ الجماعة في نوافل رمضان هو الخليفة عمر بن الخطّاب. فلم يكن ذلك في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لا في زمن‌

____________

(1). نيل الأوطار، ج 3، ص 53.

(2). بحار الأنوار، ج 29، ص 15.

140

الخليفة الأوّل، بل رأي استحسنه الخليفة الثاني و حرّض الناس عليه، و قد اعترف هو بأنّ ذلك بدعة منه حيث قال: نعم البدعة! و إن لم يلتزم به هو، بل كان يصلّي فرادى و في البيت لا في المسجد.

و قد صرّح بذلك القسطلاني، و القلقشندي و ابن قدامة و العيني و غيرهم، و سيأتي كلماتهم:

أ. حديث البخاري

عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطّاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلّي الرجل لنفسه، و يصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على ابيّ بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى و الناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، و التي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، و كان الناس يقومون أوّله. (1)

ب. كلمات الأعلام

1. القسطلاني: سمّاها (أي عمر) بدعة؛ لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يبيّن لهم الاجتماع لها، و لا كانت في زمن الصدّيق، و لا أوّل الليل، و لا كلّ ليلة، و لا هذا العدد. (2)

____________

(1). صحيح البخاري، ج 1، ص 342؛ مصنّف عبد الرزاق، ج 4، ص 258، ح 7723.

(2). إرشاد الساري، ج 4، ص 657.

141

2. ابن قدامة: و نسبت التراويح إلى عمر بن الخطّاب؛ لأنّه جمع الناس على أبيّ بن كعب، فكان يصلّيها بهم. (1)

3. العيني: و إنّما دعاها بدعة؛ لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسنّها لهم، و لا كانت في زمن أبي بكر ...

ثمّ البدعة على نوعين: إن كانت ممّا يندرج تحت مستحسن في الشرع، فهي بدعة حسنة، و إن كانت ممّا يندرج تحت مستقبح في الشرع، فهي بدعة مستقبحة. (2)

أقول: سيأتي البحث في البدعة، و أنّها نوع واحد و هي ضلال و محرّم.

4. القلقشندي: في أوّليات عمر: هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان و جمع الناس على إمام واحد في التراويح، و ذلك في سنة أربع عشرة. (3)

هذا، و قد نصّ الباجي و السيوطي و السكتواري و غيرهم أيضا على أنّ أوّل من سنّ التراويح هو عمر بن الخطّاب.

و صرّحوا أيضا بأنّ إقامة النوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر. (4)

و عن ابن سعد و الطبري و ابن الأثير: أنّ ذلك كان في شهر رمضان سنة أربع عشرة، و جعل للناس بالمدينة قارئين، قارئا يصلّي بالرجال، و قارئا‌

____________

(1). المغني، ج 2، ص 166.

(2). عمدة القاري، ج 11، ص 126.

(3). مآثر الأنافة في معالم الخلافة، ج 2، ص 337.

(4). محاضرات الأوائل، ص 149 (ط عام 1311) و ص 98 (ط عام 1300)؛ شرح المواهب، ج 7، ص 149؛ طرح التثريب، ج 3، ص 92.

142

يصلّي بالنساء. (1)

5. الباجي و ابن التين و ...: استنبط عمر ذلك من تقرير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من صلّى معه في تلك الليالي، و إن كان كره ذلك لهم، فإنّما كرهه خشية أن يفرض عليهم، فلمّا مات أمن ذلك. (2)

أقول: تراهم لا يخفون الأمر، و أنّ ذلك كان من محدثات عمر بن الخطّاب و استنباطاته. و لكنّهم في مقام التبرير لفعله يدّعون أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان‌

____________

(1). الطبقات الكبرى، ج 3، ص 281؛ تأريخ الطبري، ج 5، ص 22؛ الكامل في التاريخ، ج 2، ص 41؛ تأريخ عمر بن الخطّاب، ص 54. و كلماتهم كما تأتي:

أوّلها: قال ابن سعد في ترجمة عمر: هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، و جمع الناس على ذلك، و كتب به إلى البلدان، و ذلك في شهر رمضان، سنة أربع عشرة. (* 1)

ثانيها: و قال ابن شحنة: هو (أي عمر بن الخطاب) أوّل من نهى عن بيع أمّهات الأولاد ... و أوّل من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التراويح. (* 2)

ثالثها: و قال ابن الأثير: و من هذا النوع قول عمر: نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير و داخلة في حيّز المدح سمّاها بدعة و مدحها إلّا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسنّها لهم، و لا كانت في زمن أبي بكر و إنّما عمر جمع الناس عليها، و ندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة و هي في الحقيقة سنّة. (* 3)

رابعها: السيوطي: أوليات عمر نقلا عن العسكري: قال: هو أوّل من ... سنّ قيام شهر رمضان (بالتراويح) و أوّل من حرّم المتعة، و أوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات. (* 4)

(* 1). الطبقات الكبرى، ج 3، ص 281.

(* 2). روضة المناظر (كما في النص و الاجتهاد): ص 150.

(* 3). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 1، ص 106.

(* 4). تاريخ الخلفاء.

(2). شرح الزرقاني، ج 1، ص 237؛ مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 262، ح 7735.

143

راضيا بهذه البدعة!

6. ابن عبد البرّ: هو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الأشفاع فيه و قال:

لم يسنّ عمر إلّا ما رضيه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يمنعه من المواظبة عليه إلّا خشية أن يفرض على أمّته ... فلمّا أمن ذلك عمر، أقامها و أحياها في سنة أربع عشرة من الهجرة. (1)

7. الزرقاني: قال بعد قوله: نعمت البدعة. و هذا تصريح منه بأنّه أوّل من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد؛ لأنّ البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع و لم يتقدّمه غيره، فابتدعه عمر و تابعه الصحابة و الناس إلى هلّم جرّا، و هذا يبيّن صحّة القول بالرأي و الاجتهاد.

فسمّاها بدعة؛ لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسنّ الاجتماع، و لا كانت في زمان الصدّيق.

و هو لغة ما أحدث على غير مثال سبق، و تطلق شرعا على مقابل السنّة، و هي ما لم يكن في عهده. (2)

8. الكحلاني: إنّ عمر هو الذي جعلها جماعة على معيّن و سمّاها بدعة، و أمّا قوله: «نعمت البدعة» فليس في البدعة ما يمدح، بل كلّ بدعة ضلالة. (3)

و هذه الكلمات كلّها شواهد على أنّ التراويح جماعة تكون بدعة مقابل السنّة النبويّة، قد ابتدعها الخليفة الثاني.

و هذا هو الذي دعا الفقهاء من الفريقين للبحث في حكمها جماعة، و هل أنّ الجماعة فيها مشروعة أم لا؟ و سيأتي البحث عنها.

____________

(1). الاستيعاب، ج 3، ص 1145؛ شرح الزرقاني، ج 1، ص 237 و 238.

(2). شرح الزرقاني، ج 1، ص 237.

(3). سبل السلام، ج 2، ص 10؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 210.

144

حكم الجماعة في نوافل شهر رمضان

إنّ عدم تشريع النوافل الرمضانيّة جماعة على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ابتداع ذلك من قبل الخليفة الثاني، هو الذي صار منشأ للخلاف الفقهي العميق، و محطّا للنزاع و التضارب العلمي بين علماء الإسلام، فترى شريحة من المسلمين، و هم الإماميّة ناقشت أصل مشروعيّة الجماعة فيها، و نفت جوازها، مستندة إلى إثباتات و أدلّة قويّة، و لكنّ المؤسف أنّ البعض لم يتفهّم موقف الإماميّة و مبناهم، فزعم أنّهم ينكرون أصل نوافل شهر رمضان، مع أنّ الأمر ليس كذلك. بل المردود و المنفيّ عندهم إقامة النوافل جماعة، و يرونه بدعة، كما صرّح الخليفة الثاني نفسه بذلك أيضا.

هذا. و لبعض السنّة- أيضا- رأي ليس ببعيد عن الموقف الإمامي.

فالشافعي كرهها جماعة، و بعضهم حبّبها فرادى و في البيت.

فالمسألة غير متّفق عليها تماما حتى عند أهل السنّة و إن كان رأي الكثير منهم إقامتها جماعة.

أ. رأي فقهاء السنّة

1. عبد الرزّاق: عن ابن عمر أنّه كان لا يقوم خلف الإمام في رمضان. (1)

و عنه أيضا: ... عن مجاهد، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، قال: أصلّي خلف الإمام في رمضان؟ قال: أ تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: أفتنصت كأنّك حمار؟ صلّ في بيتك. (2)

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 5، ص 264، ح 7743 و 7742.

(2). مصنّف عبد الرزّاق، ج 5، ص 264، ح 7743 و 7742.

145

2. السرخسي: قال الشافعي: لا بأس بأداء الكلّ جماعة، كما قال مالك (رحمه اللّه) بناء على أنّ النوافل بجماعة مستحبّ عنده و هو مكروه عندنا.

قال السرخسي: و الشافعي (رحمه اللّه) قاس النفل بالفرض؛ لأنّه تبع له، فيجري مجرى الفرض فيعطى حكمه، و لنا أنّ الأصل في النوافل الإخفاء فيجب صيانتها عن الاشتهار ما أمكن، و فيما قاله الخصم إشهار، فلا يعمل به بخلاف الفرائض؛ لأنّ مبناها على الإعلان و الإشهار، و في الجماعة إشهار فكان أحقّ. (1)

و قال أيضا: الفصل الثاني: أنّها تؤدّى بجماعة أم فرادى؟ ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن المعلّى و أبي يوسف رحمهما اللّه. و ذكر أيضا عن مالك (رحمه اللّه) أنّهما قالا: إن أمكنه أداؤه في بيته صلّى كما يصلّي في المسجد من مراعاة سنّة القراءة و أشباهه، فيصلّي في بيته.

و قال الشافعي (رحمه اللّه) في قوله القديم: أداء التراويح على وجه الانفراد، لما فيها من الإخفاء أفضل.

و قال عيسى بن أبان و بكّار بن قتيبة و المزني من أصحاب الشافعي و أحمد بن علوان (رحمه اللّه): الجماعة أحبّ و أفضل، و هو المشهور عن عامّة العلماء رحمهم اللّه و هو الأصحّ و الأوثق.

ثمّ قال- بعد استدلاله بحديث أبي ذرّ- و المبتدعة أنكروا أداءها بالجماعة في المسجد، فأداؤها بالجماعة جعل شعارا للسنّة كأداء الفرائض‌

____________

(1). المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 144. قال الشافعي: و أمّا قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحبّ إليّ منه، الحاوي الكبير، ج 2، ص 368.

146

بالجماعة شرع شعار الإسلام. (1)

تعليقة على كلام السرخسي

أقول: لا أدري بمن يعرّض السرخسي؟! و من يذمّ؟ و من يقصد بالمبتدع مع أنّ الخليفة هو قال: نعم البدعة- نعمت البدعة؟!

و قد كره الشافعي إقامتها جماعة؛ نظرا إلى أنّ الأصل في النوافل الإخفاء.

أم يعرّض بأمثال البغوي الذي نقل وجه أفضليّة الانفراد و استدلّ بفعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قوله: «صلّوا في بيوتكم».

أم يعرّض بالإماميّة الذين لا يرون مشروعيّة الجماعة في النوافل إلّا ما أخرجه الدليل. (2)

ثمّ كيف يكون أداؤها جماعة شعارا للسنّة، مع أن الخليفة الثاني أقرّ بأنّها بدعة، و أنّها مفضولة، و كان يصلّيها وحده، و قد تركت طيل عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر و شطر من خلافة عمر، و كرهها جمع من أكابر السنّة، مثل مالك و أبي يوسف و بعض الشافعيّة تبعا للشافعي حيث إنّ الانفراد كان عنده أحبّ من الجماعة، فهؤلاء ليسوا من السنّة- بزعم السرخسي- حيث إنّهم تركوا ما هو شعار السنّة!

فلو لم يجعلها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شعارا للإسلام و السنّة، و لم يجعله الصحابة‌

____________

(1). المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 145.

(2). قال العلّامة الحلّي: و محلّ الجماعة الفرض دون النفل إلّا في الاستسقاء و العيدين ...

تذكرة الفقهاء، ج 4، ص 235.

147

شعارا للسنّة، فكيف و بأيّ دليل، و من أين صار هذا شعارا للسنّة يميّز به عن سائر المذاهب الإسلاميّة؟ أ ليس هذا من مصاديق البدعة و من أبرزها؟

ثمّ كيف تقاس هذه البدعة بالجماعة في الفرائض؟ مع أنّ تشريع الجماعة في الفرائض ممّا لا كلام فيه. و أمّا تشريع الجماعة في التراويح، بالرأي و الاجتهاد و الاستحسان إذ قال الخليفة الثاني: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد.

3. الموصلي: و السنّة إقامتها بجماعة، لكن على الكفاية، فلو تركها أهل المسجد أساؤوا، و إن تخلّف عن الجماعة أفراد و صلّوا في منازلهم لم يكونوا مسيئين. (1)

4. البغوي: و الأفضل أن يصلّيها جماعة أو منفردا نظر، إن كان الرجل لا يحسن القرآن، أو تختلّ الجماعة بتخلّفه، أو يخاف النوم و الكسل، ففعلها جماعة أفضل، و إن لم يكن شي‌ء من ذلك ففيه و جهان:

أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأنّ عمر بن الخطّاب جمعهم على أبيّ بن كعب.

و الثاني: منفردا أفضل؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى ليالي في المسجد ثمّ لم يخرج باقي الشهر. و قال: «صلّوا في بيوتكم فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة». (2)

و الأوّل أصحّ، و إنّما لم يخرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خشية أن تفرض عليهم. (3)

____________

(1). الاختيار، ج 1، ص 95.

(2). صحيح البخاري، ج 2، ص 214؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 539؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 279.

(3). التهذيب في فقه الشافعي، ج 2، ص 233.

148

5. [صاحب] المدوّنة الكبرى: سألت مالكا عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحبّ إليك أم في بيته؟ فقال: إن كان يقوى في بيته فهو أحبّ إليّ، و ليس كلّ الناس يقوى على ذلك. و قد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله، و كان ربيعة و عدّد غير واحد من علمائهم ينصرف و لا يقوم مع الناس.

قال مالك: و أنا أفعل مثل ذلك. (1)

6. القسطلاني: قال: ذهب آخرون إلى أنّ فعلها فرادى في البيت أفضل؛ لكونه (صلّى اللّه عليه و آله) واظب على ذلك، و توفّي و الأمر على ذلك، حتى مضى صدر من خلافة عمر، و قد اعترف عمر بأنّها مفضولة، و بهذا قال مالك و أبو يوسف و بعض الشافعيّة.

قال الزهري: فتوفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمر على ذلك أنّ كلّ أحد يصلّي قيام رمضان في بيته منفردا حتى جمع عمر الناس على أبيّ بن كعب، فصلّى بهم جماعة و استمرّ العمل على ذلك. (2)

7. الشوكاني: قال مالك و أبو يوسف و بعض الشافعيّة و غيرهم: الأفضل فرادى في البيت؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة». متّفق عليه. و قالت العترة: إنّ التجمّع فيها بدعة. (3)

ب. رأى فقهاء الإماميّة

1. السيّد المرتضى: قال: أمّا التراويح فلا شبهة أنّها بدعة، و قد روي‌

____________

(1). المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 193.

(2). إرشاد الساري، ج 4، ص 659- 661.

(3). نيل الأوطار، ج 3، ص 50؛ مسند الإمام زيد، ص 139، (الهامش).

149

عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أيّها الناس؛ إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة».

و قد روي أنّ عمر خرج في شهر رمضان ليلا، فرأى المصابيح في المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إنّ الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوّع.

فقال: بدعة، فنعمت البدعة!.

فاعترف، كما ترى بأنّها بدعة، و قد شهد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ كلّ بدعة ضلالة.

و قد روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلّي بهم نافلة شهر رمضان زجرهم و عرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة. (1)

و قال السيّد المرتضى أيضا: فأمّا ادّعاؤه- أي قاضي القضاة- أنّ قيام شهر رمضان كان أيّام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ تركه: فمغالطة منه؛ لأنّا لا ننكر قيام شهر رمضان بالنوافل على سبيل الانفراد، و إنّما أنكرنا الاجتماع على ذلك.

فإن ادّعى أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) صلّاها جماعة في أيّامه، فإنّها مكابرة ما أقدم عليها أحد، و لو كان كذلك ما قال عمر: إنّها بدعة!

و إن أراد غير ذلك، فهو ممّا لا ينفعه؛ لأنّ الذي أنكرناه غيره. (2)

و قال أيضا: و ممّا ظنّ انفراد الإماميّة به المنع من الاجتماع في صلاة نوافل شهر رمضان و كراهية ذلك، و أكثر الفقهاء يوافقهم على ذلك؛ لأنّ المعلّى روى عن أبي يوسف أنّه قال: من قدر على أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام في شهر رمضان، فأحبّ إلىّ أن يصلّي في بيته.

____________

(1). تلخيص الشافي، ج 1، ص 193.

(2). شرح ابن أبي الحديد، ج 12، ص 283؛ تلخيص الشافي، ج 4، ص 52.

150

و كذلك قال مالك، قال: و كان ربيعة و غير واحد من علمائنا ينصرفون، و لا يقومون مع الناس، و قال مالك: أنا أفعل ذلك. و ما قام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا في بيته.

و قال الشافعي: صلاة المنفرد في قيام شهر رمضان أحبّ إليّ، و هذا كلّه حكاه الطحاوي في كتاب الاختلاف.

فالموافق للإماميّة في هذه المسألة أكثر من المخالف.

و الحجّة لنا الإجماع المتقدّم، و طريقة الاحتياط، فإنّ المصلّي للنوافل في بيته غير مبدع و لا عاص بإجماع، و ليس كذلك إذا صلّاها في جماعة.

و يمكن أن يعارضوا في ذلك بما يروونه عن عمر بن الخطّاب من قوله- و قد رآى اجتماع الناس في صلاة نوافل شهر رمضان- بدعة، و نعمت البدعة هي!

فاعترف بأنّها بدعة و خلاف السنّة، و هم يروون عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال:

«كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار». (1)

2. الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّى منفردا، و الجماعة فيها بدعة، و قال الشافعي: صلاة المنفرد أحبّ إلىّ منه ... (2) و دليلنا إجماع الفرقة .... (3)

3. البحراني: لا ريب أنّ الجماعة في هذه النافلة محرّمة عند أصحابنا رضي اللّه عنهم قد تكاثرت به أخبارهم. (4)

____________

(1). الانتصار، ص 55.

(2). المجموع، ج 4، ص 5.

(3). الخلاف، ج 1، ص 528، المسألة 268.

(4). الحدائق الناضرة، ج 10، ص 521.

151

موقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام) من التراويح جماعة

1. رواية الكليني: عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي العبّاس البقباق و عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يزيد في صلاته في شهر رمضان، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل و يدعهم، ثمّ يخرج أيضا فيجيؤون و يقومون خلفه فيدعهم و يدخل مرارا. قال: و قال لا تصلّ بعد العتمة في غير شهر رمضان». (1)

قال المجلسي: الحديث صحيح و يدلّ على عدم جواز الجماعة في نافلة شهر رمضان و لا خلاف فيه بين أصحابنا، و قد اعترفت العامّة بأنّه من بدع عمر.

و أمّا قوله: «لا تصلّ بعد العتمة» فلعلّه محمول على غير النوافل المرتّبة. (2)

و في رواية أخرى له أيضا: علي بن إبراهيم عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ صلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ قال:

«... و اللّه؛ لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة، و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فينادي بعض‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 154، ح 2؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 61؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 46، ب 10، ح 3، و ج 8، ص 22، ب 2، ح 1.

(2). مرآة العقول، ج 16، ص 378. و قال في ملاذ الأخيار، ج 5، ص 15: الحديث صحيح.

152

أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الاسلام! غيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا، و لقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري». (1)

قوله: «يثوروا»: أي يهيجوا. (2)

2. رواية الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بأسانيده، عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل: أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر و أبا عبد اللّه الصادق (عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة؟ فقالا: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي، فاصطفّ الناس خلفه، فهرب منهم إلى بيته و تركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الثالث على منبره، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة. و صلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان‌

____________

(1). الكافي، ج 8، ص 62، ح 21؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 46، ب 10، ح 2؛ مستدرك الوسائل، ج 6، ص 217، ب 7، ح 1،. قال المجلسي: الخبر مختلف فيه بسليم، و على هذه النسخة لعلّ فيه إرسالا؛ إذ لم يعهد برواية إبراهيم بن عثمان و هو أبو أيّوب الخزّاز عن سليم.

و قد مرّ مثل هذا السند مرارا عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم.

و لعلّه سقط من النسّاخ، فالخبر ضعيف على المشهور، لكن عندي معتبر، لوجوه ذكرها محمد بن سليمان في كتاب منتخب البصائر و غيره. (* 1)

أقول: أضف إلى وجود قرائن خارجيّة و مؤيّدات من الروايات الموثّقة و الصحيحة تؤيّد مضمون هذا الخبر.

(* 1). مرآة العقول، ج 25، ص 131.

(2). مجمع البحرين، ج 2، ص 337.

153

لصلاة الليل، (1) و لا تصلّوا صلاة الضحى؛ فإنّ تلك معصية، ألا و إنّ كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار، ثمّ نزل و هو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة». (2)

قال الشيخ الطوسي- معلّقا على الرواية-: ألا ترى أنّه (عليه السلام) لمّا أنكر الصلاة في شهر رمضان، أنكر الاجتماع فيها و لم ينكر نفس الصلاة، و لو كان نفس الصلاة منكرا مبتدعا لأنكره كما أنكر الاجتماع فيها.

و يؤيّد ذلك أيضا ما رواه عليّ بن الحسن بن فضّال. (3)

و قال المجلسي الأول: و هذا الخبر يدلّ على مشروعيّة نافلة رمضان و عدّها جماعة لا على عدم مشروعيّتها أصلا.

3. رواية الطوسي: عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أحمد بن الحسن، عن‌

____________

(1). أقول: يرى المجلسي أنّ هذا الحديث مرتبط بصلاة الليل لا نوافل رمضان حيث قال: «الحديث صحيح»، و لا يخفى أنّ ظاهر هذا الخبر نافلة الليل لا صلاة ليالي شهر رمضان.

قوله: «خير» كأنّه على سبيل المماشاة، أي لو كان في البدعة خير فالاقتصار على السنّة خير منه، و في القرآن مثله كثير. (* 1)

و لكن هذا الاستظهار منه (رحمه اللّه) بعيد و خلاف الظاهر؛ إذ لا خصوصيّة لنوافل الليل.

(2). الفقيه، ج 2، ص 87، ح 394، ب 10، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 69، ح 226؛ الاستبصار، ج 1، ص 467؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 45، ح 1807.

و قال والده: و يدلّ على أنّ التراويح التي يصلّيها العامّة و يصلّونها جماعة بدعة، و هم ذكروا أنّ عمر لمّا ابتدعها و اجتمع الناس إليها، قال: «نعمت البدعة» و ممّن ذكره الغزالي في الإحياء. (* 2)

(* 1). ملاذ الأخيار، ج 5، ص 29.

(* 2). روضة المتّقين، ج 3، ص 382.

(3). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 70، ح 227، (و حديث ابن فضّال يأتي بعده)؛ روضة المتقين، ج 3، ص 382.

154

عمرو بن سعيد المدايني، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة من رمضان في المساجد؟

فقال: «لمّا قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أمر الحسن بن عليّ (عليه السلام) أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن عليّ (عليه السلام) بما أمره به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ (عليه السلام) صاحوا: وا عمراه، وا عمراه، فلمّا رجع الحسن (عليه السلام) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ الناس يصيحون: وا عمراه، وا عمراه. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قل لهم: صلّوا». (1)

و الحديث وثّقه المجلسي. (2)

قال الطوسي: فكأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا لمّا أنكر، أنكر الاجتماع و لم ينكر نفس الصلاة، فلما رأى أنّ الأمر يفسد عليه و يفتتن الناس أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم، فكلّ هذا واضح بحمد اللّه. (3)

4. رواية العلّامة الحلّي: عن الصادق و الرضا (عليهما السلام) «لمّا دخل رمضان اصطفّ الناس خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: أيّها الناس؛ هذه نافلة فليصلّ كلّ منكم وحده، و ليعمل ما علّمه اللّه في كتابه. و اعلموا أنّه لا جماعة في نافلة، فتفرّق الناس». (4)

5. رواية ابن إدريس: روى ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب‌

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 70، ح 227؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 46، ب 10، ح 2؛ شرح نهج البلاغة، ج 12، ص 282.

(2). ملاذ الأخيار، ج 5، ص 29.

(3). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 70، ح 227.

(4). تذكرة الفقهاء، ج 4، ص 235، نقله المحقّق الحلّي في المعتبر، ص 238.

155

أبي القاسم، جعفر بن قولويه، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام):

«لمّا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة أتاه الناس فقالوا له: اجعل لنا إماما يؤمّنا في رمضان. فقال لهم: لا، و نهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أمسوا جعلوا يقولون: ابكوا رمضان، و ارمضاناه. فأتى الحارث الأعور في أناس، فقال:

يا أمير المؤمنين، ضجّ الناس و كرهوا قولك.- قال-: فقال عند ذلك: دعوهم و ما يريدون ليصلّ بهم من شاؤوا، ثمّ قال: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً (1). (2)

6. رواية القاضي نعمان: روى القاضي نعمان عن أبي عبد اللّه، جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنّه قال: «صوم شهر رمضان فريضة أو القيام في جماعة في ليله بدعة، و ما صلّاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [في لياليه بجماعة التراويح]، و لو كان خيرا ما تركها، و قد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده (صلّى اللّه عليه و آله)، فقام قوم خلفه فلمّا أحسّ بهم دخل بيته، ففعل ذلك ثلاث ليال. فلمّا أصبح بعد ثلاث ليال صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس؛ لا تصلّوا غير الفريضة ليلا في شهر رمضان و لا في غيره في جماعة، إنّ الذي صنعتم بدعة، و لا تصلّوا ضحى، فإنّ الصلاة ضحى بدعة، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار، ثمّ نزل و هو يقول: عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة». (3)

____________

(1). النساء: 115.

(2). مستطرفات السرائر، ج 3، ص 639؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 47؛ ب 10، ح 5؛ و رواه العياشي في تفسيره، ج 1، ص 275 عن حريز، عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام).

(3). دعائم الإسلام، ج 1، ص 213؛ بحار الأنوار، ج 97، ص 381؛ مستدرك الوسائل، ج 6، ص 217، ب 7، ح 2.

156

قال: و قد روت العامّة مثل هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّ الصلاة نافلة في جماعة في ليل شهر رمضان لم تكن في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم تكن في أيّام أبي بكر و لا في صدر من أيّام عمر، حتى أحدث ذلك عمر فاتّبعوه عليه.

و قد رووا نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، نعوذ باللّه من البدعة في دينه و ارتكاب نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). (1)

قال النوري: قال أبو القاسم الكوفي في كتاب الاستغاثة: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) استنّ على المصلّين النوافل في ليل رمضان فرادى، و هي التي تسمّى التراويح، فاجتمعت الأمّة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يرخّص في صلاتها جماعة، فلمّا ولي عمر، أمرهم بصلاتها جماعة، فصلّوا كذلك و جعلوها من السنن المؤكّدة، ثمّ والوا عليها و واظبوا و هم في ذلك مقرّون بأنّها بدعة، ثمّ يزعمون أنّها بدعة حسنة. (2)

7. رواية الحرّاني: عن الإمام الرضا (عليه السلام): «و لا يجوز التراويح في جماعة». (3)

قال الشيخ الطوسي: فالوجه في هذه الأخبار و ما جرى مجراها أنّه لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي صلاة النافلة في جماعة في شهر رمضان، و لو كان فيه خيرا لما تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يرد أنّه لا يجوز أن يصلّى على الانفراد. (4)

____________

(1). نفس المصادر.

(2). مستدرك الوسائل، ج 6، ص 218؛ ب 7، ذيل ح 1، الاستغاثة، ص 41.

(3). تحف العقول، ص 313، بحار الأنوار، ج 10، ص 363؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 47، ب 10، ح 4.

(4). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 69، ذيل ح 28.

157

أدلّة القول بعدم جواز الجماعة في التراويح

أمّا دليل القول بعدم جواز الجماعة في التراويح: فلعلّ الروايات السابقة التي ذكرناها في موقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته من التراويح بما فيها الصحيحة و الموثّقة، و هي العمدة في المقام و بها الغنى و الكفاية لنفي مشروعيّة الجماعة في نوافل شهر رمضان. و إن كانت لهم أدلّة أخرى. منها: عمومات النهي عن الجماعة في النافلة، إلّا الاستسقاء و العيد و الإعادة كما تلي:

1. عن جعفر بن محمد «... و لا يصلّى التطوّع في جماعة؛ لأنّ ذلك بدعة، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النار». (1)

2. عن الإمام الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: «لا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة، لأنّ ذلك بدعة، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النار». (2)

و عن العلّامة الحلّي: و لا تجوز (أي الجماعة) في النوافل إلّا الاستسقاء و العيدين المندوبين. (3)

و عن المحقّق النجفي: لا تجوز في شي‌ء من النوافل على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل في الذكرى نسبته إلى ظاهر المتأخّرين ... و عن كنز العرفان: الإجماع عليه. (4)

منها: الإجماع على أنّ الجماعة فيها بدعة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 334، باب 20، ح 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 334، باب 20، ح 5.

(3). قواعد الأحكام، ج 1، ص 316.

(4). جواهر الكلام، ج 13، ص 140.

158

منها: رواية زيد بن ثابت عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلّا المكتوبة». (1)

منها: تصريح الخليفة عمر بن الخطّاب بأنّها بدعة. (2) و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«فإنّ كلّ بدعة ضلالة». (3)

منها: ما روت عائشة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى في المسجد، فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى في القابلة، فكثر الناس، ثمّ اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلمّا أصبح قال: «رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلّا أنّي خشيت أن تفرض عليكم». (4)

أقول: و إن كان لنا نقاش في بعض هذه الأدلّة خصوصا حديث عائشة- و قد مرّ البحث عنه- و لكنّ المجموع من حيث المجموع، يوجب العلم بعدم مشروعية الجماعة فيها.

أدلّة القول بجواز الجماعة فيها

استدلّوا للقول بجواز الجماعة في نوافل شهر رمضان بما يلي:

1. إجماع الصحابة على ذلك.

2. جمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أصحابه و أهله فصلّى بالناس جماعة، كما في الحديث‌

____________

(1). سنن أبي داود، ج 2، ص 69 ح 1447.

(2). صحيح البخاري، ج 1، ص 343.

(3). سنن ابن ماجة، ج 1، ص 15، ح 42؛ سنن أبي داود، ج 4، ص 200؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 44؛ و الكافي، ج 1، ص 56، ح 8،- و فيه: كلّ ضلالة في النار.

(4). صحيح البخاري، ج 1، ص 343؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 524، ح 177.