دراسات فقهية في مسائل خلافية

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
353 /
159

المنسوب إلى أبي ذرّ.

3. قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ القوم إذا صلّوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة»، و هذا خاصّ في قيام رمضان، فيقدّم على عموم ما احتجّوا به.

4. قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «فإنّه لم يخف عليّ مكانكم و لكنّي خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها» و لهذا ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) القيام بهم معلّلا بذلك، أو خشية أن يتّخذه الناس فرضا.

5. جاء عن عمر أنّه كان يصلّي في جماعة.

6. إنّ فيها التشدّد في حفظ القرآن و المحافظة على الصلاة.

7. ما قد روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنّ عليّا (عليه السلام) قام بهم في رمضان.

8. و عن إسماعيل بن زياد قال: مرّ- أي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)- على المساجد و فيها القناديل في شهر رمضان. فقال: «نوّر اللّه على عمر قبره، كما نوّر علينا مساجدنا». (1)

مناقشة أدلّة الجواز

أقول: أمّا الرواية الأخيرة: فقد رويت مرسلة؛ لأنّ إسماعيل بن زياد كان من معاصري ابن جريج، و يروي عن التابعين أو تابعي التابعين، فكيف يمكنه الرواية عن عليّ (عليه السلام)؟!

أضف إلى ذلك التأمّل في إسماعيل، فعن ابن عدي: أنّه منكر الحديث‌

____________

(1). المغني، ج 2، ص 169.

160

فإنّ ما يرويه لا يتابعه أحد عليه، إمّا إسنادا و إمّا متنا.

و قال ابن حبّان: شيخ دجّال لا يحلّ ذكره في الكتب إلّا على سبيل القدح فيه. (1)

أمّا الرواية التي قبلها- رواية أبي عبد الرحمن السلمي- و روايات أخرى بمفادها أنّ عليّا (عليه السلام) صلّى بهم النوافل جماعة أو أمر بذلك: فكلّها مخدوشة سندا و هي كما يلي:

1. أخبرنا أبو الحسين، ثنا موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه، ثنا أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي ببغداد، ثنا هشام بن عمّار، ثنا مروان بن معاوية عن أبي عبد اللّه الثقفي، ثنا عرفجة الثقفي، قال: كان عليّ بن أبى طالب رضي اللّه عنه يأمر الناس بقيام شهر رمضان، و يجعل للرجال إماما و للنساء إماما. قال عرفجة: فكنت أنا إمام النساء. (2)

و في السند كلام، فإنّ مروان بن معاوية كثير النقل عن المجاهيل. (3)

2. أنبأ أبو عبد اللّه بن فنجويه الدينوري، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق بن عيسى السنّي، أنبأ أحمد بن عبد اللّه البزّار عن سعدان بن يزيد، عن الحكم بن مروان السلمي، أنبأ الحسن بن صالح عن أبي سعد البقّال، عن أبي الحسن أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أمر رجلا أن يصلّي بالناس خمس ترويحات عشرين ركعة.

____________

(1). تهذيب الكمال، ج 2، ص 172؛ تهذيب التهذيب، ج 1، ص 262؛ الكامل في الضعفاء، ج 1، ص 315.

(2). السنن الكبرى، ج 2، ص 695.

(3). سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 53.

161

و فيه ضعف، و صرّح به البيهقي، و لعلّ ضعفه من جهة أبي سعد (سعيد بن المرزبان البقّال) فإنّه متكلّم فيه، كما قاله التركماني. (1)

3. أنبأ أبو عبد اللّه الحافظ، ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة، عن الحسن، قال: أمّنا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في زمن عثمان بن عفّان عشرين ليلة ثمّ احتبس، فقال بعضهم: قد تفرّغ لنفسه، ثمّ أمّهم أبو حليمة معاذ القاري فكان يقنت. (2) و فيه الحكم بن عبد الملك، و هو ليس بثقة عند يحيى بن معين، و مضطرب الحديث عند أبي حاتم و منكر الحديث عند أبي داود، و ضعيف الحديث عند يحيى. (3)

و أمّا رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن عليّ (عليه السلام) قال: دعا القرّآء في رمضان فأمر منهم رجلا يصلّي بالناس عشرين ركعة، قال: و كان عليّ رضي اللّه عنه يؤثر بهم. (4) ففيه: عطاء و هو مخلط، و سيّ‌ء الحفظ، و ضعيف. (5) و فيه أيضا:

حمّاد بن شعيب، و ضعّفه الأزدي. (6)

فهذه الروايات التي مفادها أنّ عليّا صلّى التراويح جماعة أو أمر بالجماعة فيها، كلّها مورد للإشكال السندي.

أضف إلى ذلك ما مرّ من المعارض لها إن تمّ التعارض بما فيه صحيح السند منها الرواية برقم 3 و 4، و الرواية الثانية للكليني في ص 117 من هذا‌

____________

(1). السنن الكبرى، ج 2، ص 699.

(2). نفس المصدر، ص 702.

(3). تهذيب الكمال، ج 5، ص 93.

(4). السنن الكبرى، ج 2، ص 699.

(5). سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 112.

(6). تهذيب التهذيب، ج 3، ص 16.

162

الكتاب، و يؤيّده ما روي عن ابن أبي الحديد أنّ الإمام (عليه السلام) بعث الحسن (عليه السلام) ليفرّقهم عن الجماعة في نافلة رمضان. ففي شرح النهج: روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم و عرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه و اجتمعوا لأنفسهم و قدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (عليه السلام)، فدخل عليهم المسجد و معه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب، و صاحوا:

واعمراه. (1)

و أمّا حديث أبي ذرّ، فضعيف؛ إذ في السند مسلمة بن علقمة و هو المازني، أبو محمد البصري إمام مسجد داود بن أبي هند، كما يقال: في حفظه شي‌ء، و قد سئل أبو داود عنه؟ فقال: ترك عبد الرحمن حديثه، و قال النسائي: ليس بالقويّ. (2)

و إليك نصّ الحديث:

حدّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي ذرّ قال: صمنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رمضان فلم يقم بنا شيئا منه، حتى بقي سبع ليال، فقام بنا ليلة السابعة حتى مضى نحو من ثلث الليل، ثمّ كانت الليلة السادسة التي تليها، فلم يقمها، حتى كانت الخامسة التي تليها، ثمّ قام بنا حتى مضى نحو من شطر الليل، فقلت: يا رسول اللّه، لو نفلتنا بقيّة ليلتنا هذه.

____________

(1). شرح نهج البلاغة، ج 12، ص 283؛ تلخيص الشافعي، ج 4، ص 52.

(2). تهذيب الكمال، ج 18، ص 102.

163

فقال: «إنّه من قام مع الإمام حتى ينصرف، فإنّه يعدل قيام ليلة» ثمّ كانت الرابعة التى تليها فلم يقمها، حتى كانت الثالثة التي تليها.

قال: فجمع نساءه و أهله، و اجتمع الناس، قال: فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قيل: و ما الفلاح؟ قال: السحور، قال ثمّ لم يقم بنا شيئا من بقيّة الشهر. (1)

و أمّا طريق الترمذي فليس فيه مسلمة بن علقمة، و لكن فيه محمد بن الفضيل الذي قال فيه ابن سعد: بعضهم لا تحتجّ به. (2)

و أمّا رواية مسلم و النسائي: ففيه ابن شهاب و هو الزهري، و هو ممّن أعان الظلمة على ظلمهم، كما صرّح بذلك الآلوسي (3)، و خالط و نادم خلفاء بني أميّة و كان معلّما لأولادهم، و مرشدا لهم في الحجّ، كما عن الذهبي. (4)

و قد روى الذهبي عن الصادق (عليه السلام) «إذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتّهموهم». (5)

و ابن شهاب هذا ممّن أخذ جوائز السلطان كما عن الذهبي أيضا. (6)

و ممّن كتم فضائل عليّ (عليه السلام) كما نقله ابن عساكر عن أخت الزهري حيث قالت له: كتمت فضائل آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله). (7)

____________

(1). سنن ابن ماجة، ج 1، ص 420، ح 1326؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 50، ح 1375.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 11، ص 174؛ مقدّمة فتح البارى، ص 441.

(3). روح المعاني، ج 3، ص 189.

(4). سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 337.

(5). نفس المصدر، ج 6، ص 262.

(6). نفس المصدر، ج 5، ص 337؛ تاريخ الإسلام، ص 235، (حوادث سنة 121).

(7). تاريخ دمشق، ج 42، ص 227؛ شرح ابن أبي الحديد، ج 4.

164

و عن ابن حبّان: لست أحفظ لمالك و لا للزهري فيما رويا من الحديث شيئا من مناقب عليّ (عليه السلام). (1)

و أمّا الجواب عن الدليل السادس: فإنّ هذا الكلام، و هو أنّ فيه التشدّد في حفظ القرآن و المحافظة على الصلاة، ليس بشي‌ء؛ لأنّ اللّه تعالى و رسوله بذلك أعلم. و لو كان كما قالوه لكانا يسنّان هذه الصلاة و يأمران بها، و ليس لنا أن نبدع في الدين بما نظنّ أنّ فيه مصلحة، لأنّه لا خلاف في أنّ ذلك لا يحلّ و لا يسوغ. (2)

و أمّا الجواب عن الباقي: فيظهر بأدنى تأمّل.

كلمات الأعلام في ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) للتراويح

ممّا يؤيّد كون الجماعة في نوافل شهر رمضان مرغوب عنها، هو ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لها و كذلك الخليفة أبي بكر طيلة خلافته، و الخليفة عمر صدرا من خلافته، و تصريحه بأنّها بدعة. و لم تصل إلينا رواية صحيحة مفادها أنّ عليّا (عليه السلام) صلّى النوافل جماعة هذا.

و قد صرّح أعلام السنّة: كالعسقلاني، و العيني، و غيرهما أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصلّ جماعة و لا شجّعهم عليها في رواية قويّة.

و إليك كلماتهم:

1. رأي العسقلاني: قال فتوفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الناس- و في رواية:

و الأمر- على ذلك، أي على ترك الجماعة في التراويح، و لأحمد من رواية‌

____________

(1). المجروحين، ج 1، ص 258؛ انظر كتابنا: البخاري و منهجيته في صحيحه.

(2). تلخيص الشافي، ج 4، ص 52.

165

أبي ذئب عن الزهري في هذا الحديث: و لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع الناس على القيام.

و أمّا ما رواه ابن وهب عن أبي هريرة: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد: فقال: ما هذا؟

فقيل: ناس يصلّي بهم أبيّ بن كعب، فقال: أصابوا و نعم ما صنعوا، ذكره ابن عبد البرّ، و فيه مسلم بن خالد و هو ضعيف، و المحفوظ أنّ عمر هو الذي جمع الناس على أبيّ بن كعب. (1)

2. رأي العيني: قوله: و الأمر على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر و صدرا من خلافة عمر، يعني على ترك الجماعة في التراويح.

قوله: إنّي أرى هذا من اجتهاد عمر و استنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين و قاس ذلك على جمع الناس على واحد في الفرض. (2)

أقول: و مقصوده أنّ الخليفة عمر اجتهد و استنبط جواز الجماعة في نوافل رمضان من إقرار (و رضاء) النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بصلاة الناس خلفه (في الليلتين‌

____________

(1). فتح الباري، ج 4، ص 296؛ انظر: التوشيح، ج 2، ص 405. قال الكشميهني: و الأمر على ذلك:

أي ترك الجماعة في التراويح. و ما روي عن عائشة: «كان الناس يصلّون في المسجد أوزاعا فأمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فضربت له حصيرا فصلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صلّى بصلاته الناس، (* 1) فهي غريبة، كما قاله بهاء الدين ابن شدّاد. (* 2)

(* 1). سنن أبو داود، ج 2، ص 67.

(* 2). دلائل الأحكام، ج 1، ص 435.

(2). عمدة القاري، ج 11، ص 125.

166

أو الأربعة) كما في حديث عروة عن عائشة؛ (1) اذ لم ينههم عن الاجتماع حينما رآهم اجتمعوا و صلّوا خلفه، و هذا هو الدليل الأوّل لعمر.

و الدليل الثاني: هو القياس، حيث إنّه قاس جواز الجماعة في نوافل رمضان بجواز الجماعة في الفرائض، فكما أنّه يشرع في الثاني، كذلك يشرع في الأوّل إذن دليل الخليفة عمر على جواز التراويح هو إقرار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و القياس.

أمّا الإقرار: فقد عرفت أنّه لم يقرّرهم على ذلك، بل نهاهم و أظهر الانزجار، كما في بعض الروايات على أنّه لا دلالة فيه على أنّ النافلة كانت في شهر رمضان. هذا أوّلا. و ثانيا: وجود التأمّل، و النقاش في السند، و ثالثا:

تأمّل فقهاء السنّة في الأخذ بمضمونها.

و أمّا دليل القياس: فهو مع الفارق؛ إذ كيف يقاس الفرض بالنفل على فرض تسلّم المبنى و قبول القياس.

3. رأي السرخسي: يوضّح ما قلنا أنّ الجماعة لو كانت مستحبّة في حقّ النوافل لفعله المجتهدون القائمون بالليل؛ لأنّ كلّ صلاة جوّزت على وجه الانفراد و بالجماعة، كانت الجماعة فيها أفضل، و لم ينقل أداؤها بالجماعة في عصره (صلّى اللّه عليه و آله) و لا في زمن الصحابة و لا في زمن غيرهم من التابعين، فالقول بها مخالف للأمّة أجمع، و هذا باطل. (2)

4. رأي محمد الذهني: و جاء في شرح حديث أبي هريرة: فتوفّي‌

____________

(1). يراجع الحديث الرابع من الصفحة 91 من هذا الكتاب.

(2). المبسوط للسرخسي، ج 2، ص 144. أظنّه عن الشافعي.

167

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمر على ذلك. أي على الحال التي كان الناس عليها في زمنه (صلّى اللّه عليه و آله) من أحيائهم ليالي رمضان بالتراويح منفردين في بيوتهم، و بعضهم في المسجد إمّا لكونهم معتكفين، أو لأنّهم من أهل الصفّة المفردين، أو لأنّ لهم في البيت ما يشغلهم عن العبادة فيكونون في المسجد من المغتنمين فلا مخالفة لأمره- عليه الصلاة و السلام- إيّاهم بصلاة التراويح في بيوتهم.

قوله: ثمّ كان الأمر على ذلك: أي على وفق زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) في جميع خلافة الصدّيق. و قوله: صدرا من خلافة عمر: أي أوّل خلافته.

قال النووي: ثمّ جمعهم عمر على أبيّ بن كعب. (1)

هل صلّى عمر بن الخطّاب جماعة؟

و قد استدلّوا على جواز التراويح جماعة بصلاة الخليفة عمر، و لكن لم يثبت ذلك. و فيما يلي بعض التصريحات من أهل السنّة:

1. جواب أبي طاهر: قال: إنّ الثابت في رواية عبد الرحمن بن عبد القاري، أنّ الذي كان يصلّي بالناس ابيّ، و أنّ عمر كان يصلّي في بيته، و لو صلّى مع الجماعة لكان هو الإمام بلا شكّ.

و قد تقدّم تفضيل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) النفل في البيت على الصلاة في مسجده إلّا أن يكون هناك فائدة لا يحصّلها في بيته، كسماع القرآن من الإمام الحافظ. (2)

2. جواب العيني: قال في شرح قوله: «ثمّ خرجت معه- أي مع عمرليلة‌

____________

(1). صحيح مسلم، ج 1، ص 293 (الهامش).

(2). المغني، ج 2، ص 168.

168

أخرى»: و فيه إشعار بأنّ عمر كان لا يواظب الصلاة معهم، و كأنّه يرى أنّ الصلاة في بيته أفضل، و لا سيّما في آخر الليل.

و عن هذا قال الطحاوي: التراويح في البيت أفضل. (1)

هل البدعة تنقسم إلى أقسام؟

بعد أن اتّضح من خلال هذه الأبحاث أنّ التراويح لم تكن على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عهد أبي بكر، بل هي من إبداعات الخليفة الثاني، كما صرّح هو بذلك حيث قال: نعمت البدعة.

يبقى سؤال يطرح نفسه و هو هل أنّ البدعة أقسام و أنّها تنقسم إلى الأحكام الخمسة، كما عن القسطلاني و ابن عابدين، و أنّ البدعة على نوعين: حسنة و مستقبحة، كما عن العيني، تبريرا لموقف الخليفة الثاني و قوله.

أم أنّ البدعة تساوي الضلالة و النار، كما ورد في الحديث الشريف و عليه الكثيرون، كالشاطبي و غيره.

أنصار الرأي الأوّل كما يلي:

1. قال القسطلاني: بعد قول عمر: «نعمت البدعة هذه»: و هي- أي البدعة- خمسة: واجبة، و مندوبة، و محرّمة، و مكروهة، و مباحة.

و حديث «كلّ بدعة ضلالة» من العام المخصوص، و قد رغّب فيها عمر‌

____________

(1). عمدة القاري، ج 11، ص 126.

169

بقوله: «نعمت البدعة» و هي كلمة تجمع المحاسن كلّها، كما أنّ بئست تجمع المساوئ كلّها، و قيام شهر رمضان ليس بدعة؛ لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «اقتدوا (1)

____________

(1). لنا مناقشة في هذا الحديث سندا و متنا فنقول:

أوّلا: لم يخرّجه البخاري و لا مسلم في صحيحيهما، و قد ذهب غير واحد من أعلام القوم إلى عدم قبول ما لم يخرّجه الشيخان من المناقب.

و كثيرون منهم إلى عدم صحّة ما أعرض عنه أرباب الصحاح.

ثانيا: قد ورد هذا الحديث بطرق ستّة، و العمدة فيه طريق حذيفة و ابن مسعود. و لنركّز النقاش على هذين الطريقين فنقول: أمّا طريق حذيفة: ففيه الضعاف و المجاهيل؛ إذ فيه عبد الملك بن عمير و هو أوّلا: مدلّس ضعيف جدّا، كثير الغلط، مضطرب الحديث جدّا (تهذيب التهذيب، ج 6، ص 47؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 660؛ تقريب التهذيب، ج 1، ص 521).

و هو الذي ذبح عبد اللّه بن يقطر، أو قيس بن مسهّر رسول الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة؛ فإنّه لمّا رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر و بقي به رمق، أتاه عبد الملك بن عمير، فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه، قال: إنّما أردت أن أريحه. (تلخيص الشافي، ج 3، ص 35؛ روضة الواعظين، ص 177؛ مقتل الحسين، ص 185).

ثالثا: لم يسمعه من ربعي بن خراش، و لا سمعه ربعي من حذيفة. (انظر: فيض القدير، ج 2، ص 56).

و في السند سالم بن العلاء المرادي و هو أيضا ضعيف (انظر: ميزان الاعتدال، ج 2، ص 112؛ الكاشف، ج 1، ص 344؛ الضعفاء الكبير، ج 3، ص 70).

و في السند عمرو بن هرم و قد ضعّفه القطّان. (انظر: ميزان الاعتدال، ج 3، ص 291).

و في أكثر طرقه مولى ربعي، و هو مجهول. (انظر: الأحكام، ج 2، ص 243).

أما الطريق الثاني: و هو طريق ابن مسعود: ففيه يحيى بن سلمة بن كهيل، و هو ضعيف. (انظر:

تهذيب الكمال، ج 20، ص 113؛ الكاشف، ج 3، ص 251؛ تهذيب التهذيب، ج 11، ص 225؛ ميزان الاعتدال، ج 4، ص 254).

و فيه أيضا إسماعيل بن يحيى، و هو متروك. (ميزان الاعتدال، ج 1، ص 254).

و لذا قد أعلّه كثير من أهل السنّة و إليك بعضهم:-- 1. قال العقيلي: حديث منكر لا أصل له (الضعفاء الكبير، ج 4، ص 95).

2. و قال ابن حزم: حديث لا يصحّ (أصول الأحكام، ج 2، ص 241).

3. و قال أيضا، و لو أنّنا نستجيز التدليس لاحتججنا بما روي: «اقتدوا باللذين من بعدي) و لكنّه لم يصحّ و يعيذنا اللّه من الاحتجاج بما لا يصحّ. (الملل و النحل، ج 4، ص 88).

4. و قال البزار: لا يصحّ. (فيض القدير، ج 2، ص 52).

5. و قال الترمذي: حديث غريب، و مسلّمة بضعف في الحديث (الجامع الصحيح، ج 5، ص 630).

6. و قال الذهبي: سنده واه جدّا (تلخيص مستدرك الوسائل، ج 3، ص 75).

7. و قال ابن حجر: واه جدّا (لسان الميزان، ج 1، ص 188).

8. و قال الهروي: باطل. (الدرّ النضيد، ص 97).

هذا أوّلا. و ثانيا: على فرض صحّة الحديث، فهو صادر في واقعة خاصّة: و ذلك أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان سالكا بعض الطرق، و كان أبو بكر و عمر متأخّرين عنه جائيين على عقبه، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لبعض من سأله عن الطريق الذي سلكه في اتّباعه و اللحوق به: «اقتدوا باللذين من بعدي».

ثالثا: وقوع التحريف فيه، و ذلك لأنّ هذا الحديث روي بالنصب أي جاء بلفظ: «أبا بكر و عمر». فهما مناديين مأمورين بالاقتداء (تلخيص الشافي، ج 3، ص 35).

و معناه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر المسلمين عامّة بقوله: «اقتدوا» مع تخصيص لأبي بكر و عمر بن الخطّاب أمرهم بالاقتداء باللذين من بعده و هما الكتاب و العترة. و هما ثقلاه اللذان طالما أمر (صلّى اللّه عليه و آله) بالاقتداء و التمسّك و الاعتصام بهما. (المختصر في أخبار البشر، ج 1، ص 156).

رابعا: للحديث تكملة و هي: «و اهتدوا بهدى عمّار» و سيرته و هداه معروف: و هو الذي قال:

يوم بويع عثمان: يا معشر قريش؛ أمّا إذا صدفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم هاهنا مرّة و هاهنا مرّة فما أنا بآمن من أن ينزعه اللّه، فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله. (مروج الذهب، ج 2، ص 342؛ انظر: الغدير، ج 5، ص 552؛ تراثنا العدد، ج 52، ص 15).

170

باللذين من بعدي: أبي بكر و عمر» و إذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة. (1)

جواب الكحلاني: و قد أجاب الكحلاني على الفقرة الأخيرة من كلام‌

____________

(1). إرشاد الساري، ج 4، ص 657.

171

القسطلاني قائلا: و أمّا حديث «عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الراشدين بعدي» و مثله حديث «اقتدوا باللذين من بعدي» فإنّه ليس المراد بسنّة الخلفاء الراشدين إلّا طريقتهم الموافقة لطريقته (صلّى اللّه عليه و آله) من جهاد الأعداء و تقوية شعائر الدين و نحوها، فإنّ الحديث عامّ لكلّ خليفة راشد لا يخصّ الشيخين، و معلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرّع طريقة غير ما كان عليها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ عمر نفسه الخليفة الراشد سمّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة، و لم يقل: إنّها سنّة. فتأمّل. (1)

و أمّا الجواب عن الفقرة الأولى من كلام القسطلاني حول تقسيم البدعه:

فسيجي‌ء من خلال عرض كلام الشاطبي و الحافظ ابن رجب الحنبلي.

2. قال ابن عابدين: ذيل قوله: أنّ كلّ صاحب بدعة لا يكون كافرا: إنّ البدعة أقسام: قوله: صاحب بدعة أي محرّمة، و إلّا فقد تكون واجبة، كنصب الأدلّة للردّ على أهل الفرق الضالّة، و تعلّم النحو المفهم للكتاب و السنّة. و مندوبة، كأحداث نحو رباط و مدرسة، و كلّ إحسان لم يكن في الصدر الأوّل. و مكروهة كزخرفة المساجد. و مباحة كالتوسيع بلذيذ.

المآكل و المشارب و الثياب. (2)

3. العيني: ثمّ البدعة على نوعين: إن كانت ممّا يندرج تحت مستحسن في الشرع، فهي بدعة حسنة، و إن كانت ممّا يندرج تحت مستقبح في الشرع، فهي بدعة مستقبحة. (3)

____________

(1). سبل السلام، ج 2، ص 11.

(2). ردّ المختار على الدرّ المختار، ج 1، ص 560.

(3). عمدة القاري، ج 11، ص 126.

172

أنصار الرأي الثاني كما يلي:

1. الكحلاني: قوله- أي قول عمر-: نعمت البدعة. فليس في البدعة ما يمدح، بل كلّ بدعة ضلالة. (1)

2. الشاطبي: أنّها- أي نصوص كلّ بدعة ضلالة- جاءت مطلقة عامّة على كثرتها لم يقع فيها استثناء ألبتّة، و لم يأت فيها ما تقتضي أنّ منها ما هو هدى، و لا جاء فيها، كلّ بدعة ضلالة إلّا كذا و كذا. و لا شي‌ء من هذه المعاني، فلو كان هناك محدثة تقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنّها لاحقة بالمشروعات، لذكر في آية أو حديث لكنّه لا يوجد.

على أنّ متعقّل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنّه من باب مضادّة الشارع و اطّراح الشرع، و كلّ ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن، و قبح، و أن يكون منه ما يمدح و ما يذمّ. (2)

3. ابن رجب الحنبلي: فإنّه يرى أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «كلّ بدعة ضلالة» (3) يشمل جميع أقسام البدعة و لا يستثنى منه شي‌ء.

قال فقوله: «كلّ بدعة ضلالة» من جوامع الحكم، لا يخرج عنه شي‌ء، و هو أصل عظيم من أصول الدين و هو تشبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكلّ من أحدث شيئا و نسبه إلى الدين و لم يكن له من أصل الدين يرجع إليه فهو ضلالة، و الدين بري‌ء منه، و سواء في ذلك مسائل‌

____________

(1). سبل السلام، ج 2، ص 10.

(2). الاعتصام، ج 1، ص 141.

(3). مسند أحمد، ج 3، ص 310.

173

الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة، و الباطنة. (1)

4. الغامدي: قال في مناقشة التحسين البدعي: و يراد به عند معتقديه و القائلين به، أنّ البدع الشرعيّة ليست مذمومة كلّها، بل فيها ما هو حسن ممدوح مثاب عليه من اللّه، فيقسمون البدع إلى حسن و قبيح.

و هذا التقسيم اغترّ به كثير من أهل الفضل و العلم، و ضلّ به كثير من المبتدعة، و لبّس به على كثير من المقلّدين و الجهلة و العوامّ، فإذا سمع هؤلاء النهي عن بدعة من البدع كانت الإجابة بأنّ هذه بدعة حسنة.

و مناقشة هذا القول، و بيان خطئه، و منافاته للصواب:

أوّلا: القول بحسن بعض البدع مناقض للأدلّة الشرعيّة الواردة في ذمّ عموم البدع، ذلك أنّ النصوص الذامّة للبدعة و المحذّرة منها جاءت مطلقة عامّة، و على كثرتها لم يرد فيها استثناء ألبتّة، و لم يأت فيها ما يقتضي أنّ منها ما هو حسن مقبول عند اللّه، و لا جاء فيها: كلّ بدعة ضلالة إلّا كذا و كذا، و لا شي‌ء من هذه المعاني، و لو كانت هنالك محدثات تقتضي النظر الشرعي فيها أنّها حسنة أو مشروعة، لذكر ذلك في نصوص الكتاب أو السنّة، و لكنّه لا يوجد ما يدلّ على ذلك بالمنطوق أو المفهوم، فدلّ ذلك على أنّ أدلّة الذمّ بأسرها متضافرة على أنّ القاعدة الكلّيّة في ذمّ البدع لا يمكن أن يخرج عن مقتضاها فرد من الأفراد. (2)

____________

(1). البدعة مفهومها و حدودها، ص 48؛ جامع العلوم و الحكم، ص 252.

(2). حقيقة البدعة و أحكامها، ج 1، ص 138؛ الاعتصام، ج 1، ص 141؛ اقتضاء الصراط المستقيم، ج 2، ص 588.

174

ثانيا: من الثابت في الأصول العلميّة أنّ كلّ قاعدة كلّيّة أو دليل شرعي، كلّي إذا تكرّرت في أوقات شتّى و أحوال مختلفة، و لم يقترن بها تقييد و لا تخصيص، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها العامّ المطلق. و أحاديث ذمّ البدع و التحذير منها من هذا القبيل، فقد كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يردّد على ملإ المسلمين في أوقات و أحوال كثيرة و متنوّعة أنّ «كلّ بدعة ضلالة».

و لم يرد في آية و لا حديث ما يقيّد أو يخصّص هذا اللفظ المطلق العامّ، بل و لم يأت ما يفهم منه خلاف ظاهر هذه القاعدة الكلّيّة، و هذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ هذه القاعدة على عمومها و إطلاقها.

ثالثا: عند النظر في أقوال و أحوال السلف الصالح من الصحابة و التابعين و من يليهم، نجد أنّهم مجتمعون على ذمّ البدع و تقبيحها، و التنفير عنها، و قطع ذرائعها الموصلة إليها، و ذمّ المتلبّس بالبدعة، و المتّسم بها، و التحذير من مجالسته و سماع أقواله، و لم يرد عنهم في ذلك توقّف، و لا استثناء فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدلّ بجلاء على أنّه ليس في البدع ما هو حسن. (1)

رابعا: من تأمّل البدع بعيدا عن هوى النفس و رغبتها، يجد أنّها مضادّة للشرع، مستدركة على الشارع، متّهمة له بالتقصير، و كلّ ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن و قبيح، أو أن يكون منه ما يمدح و منه ما يذمّ. (2)

خامسا: لو افترض أنّ في النصوص أو في أقوال السلف ما يقتضي حسن بعض البدع الشرعيّة، فإنّ ذلك لا يخرج النصّ العام الذامّ للبدعة عن عمومه؛

____________

(1). الاعتصام، ج 1، ص 142.

(2). الاعتصام، ج 1، ص 142.

175

لأنّ ما وصف بالحسن إمّا أن يكون غير حسن أصلا، فيحتاج إثبات حسنه إلى دليل، فأمّا ما ثبت حسنه: فليس من البدع، فيبقى عموم الذمّ للبدع محفوظا لا خصوص فيه، و إمّا أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، و العامّ المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أنّ بعض البدع مخصوص من عموم الذمّ وجب عليه الإتيان بالدليل الشرعي الصالح للتخصيص من الكتاب و السنّة أو الإجماع. (1)

سادسا: من ادّعى حسن شي‌ء من المحدثات، لزمه اتّهام الدين بالنقص و عدم الكمال. و اقتضاء ذلك مخالفة الخبر المنزل من عند اللّه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. (2)

سابعا: القول بالبدعة الحسنة يفسد الدين، و يفتح المجال للمتلاعبين، فيأتي كلّ من يريد بما يريد تحت ستار البدعة الحسنة، و تتحكّم حينئذ أهواء الناس و عقولهم و أذواقهم في شرع اللّه، و كفى بذلك إثما و ضلالا مبينا.

ثامنا: عند النظر في بعض المحدثات التي يسمّيها أصحابها بدعا حسنة يجد أنّها قد جلبت على المسلمين المفاسد العظيمة، و أوبقتهم في المهالك الجسيمة، ثمّ يأتي بأمثلة بعضها من خلط المعنى اللغوي بالاصطلاحي.

ثمّ قال: و هذا المذكور هنا إنّما هو لمجرّد التمثيل على أنّ البدع التي يطلق عليها أصحابها حسنة، هي عين القبح و الضلال و الفساد، و إلّا‌

____________

(1). حقيقة البدعة و أحكامها، ج 2، ص 140؛ اقتضاء الصراط المستقيم، ج 2، ص 584؛ مجموع الفتاوى، ج 10، ص 371.

(2). المائدة: 3.

176

فلو استعرضت سائر البدع العلميّة و العمليّة لوجدتها من هذا القبيل.

تاسعا: يقال لمعتقد حسن بعض البدع: إذا جوّزت الزيادة في دين اللّه باسم البدعة الحسنة، جاز أن يستحسن مستحسن حذف شي‌ء من الدين باسم البدعة الحسنة أيضا، و لا فرق بين البابين؛ لأنّ الابتداع يكون بالزيادة و النقصان، و الاستحسان الذي تراه يكون كذلك بالزيادة و النقصان، و كفى بهذا قبحا و ذمّا و ضلالا.

عاشرا: يقال لمحسني البدع: أنتم تقولون بانقسام البدع إلى حسن و قبيح، فكيف نفصّل بين البدعتين، و بأيّ ميزان نفرّق بين المحدثين إذا كان التشهّي و الاستحسان هو الفاصل، و الذوق و الرأي هو المفرّق.

الحادي عشر: قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «كلّ بدعة ضلالة» قاعدة كلّيّة عامّة تستغرق جميع جزئيات و أفراد البدع و برهان ذلك ما يلي:

أوّلا: لفظ «كلّ» من ألفاظ العموم، و قد جزم أهل اللغة بأنّ فائدة هذا اللفظ هو رفع احتمال التخصيص إذا جاء مضافا إلى نكرة، أو جاء للتأكيد.

ثانيا: من أحكام لفظ «كلّ» عند أهل اللغة و الأصول، أنّ «كلّ» لا تدخل إلّا على ذي جزئيات و أجزاء، و مدلولها في الموضعين الإحاطة بكلّ فرد من الجزئيات أو الأجزاء.

ثالثا: و من أحكامها أيضا عندهم أنّها إذا أضيفت إلى نكرة- كُلُّ امْرِئٍ بِمٰا كَسَبَ رَهِينٌ (1)؛ فإنّها تدلّ على العموم المستغرق لسائر الجزئيات، و تكون نصّا في كلّ فرد دلّت عليه تلك النكرة، مفردا كان أو تثنية أو جمعا،

____________

(1). الطور: 21.

177

و يكون الاستغراق للجزئيات، بمعنى أنّ الحكم ثابت لكلّ جزء من جزئيات النكرة، و قد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازما له.

و عند تطبيق هذا الحكم اللغوي الأصولي على الحديث النبوي: «كلّ بدعة ضلالة» نجد أنّ «كلّ» أضيفت إلى نكرة، و هو «بدعة» فيطبق عليها المعنى الذي ذكره أهل الأصول و أهل اللغة، و عليه، فلا يمكن أن تخرج أيّ بدعة عن وصف الضلال، و «كلّ» الواردة على لفظ «بدعة» هي نفسها الواردة على لفظ «امرئ» في الآية السابقة، فهل يستطيع المحسن للبدع أن يزعم وجود فارق بين «كلّ» في قوله «كلّ بدعة ضلالة» و لفظ «كلّ» في الآية السابقة؟

و هل يستطيع أن يقول بخروج شي‌ء من عموم قوله سبحانه إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ* كما يقول بخروج البدعة الحسنة.- على حدّ زعمه- من عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «كلّ بدعة ضلالة». (1)

و في الختام نقول: هذا هو الجواب المقنع- رغم التأمّل في بعض المناقشات- على أمثال القسطلاني و ابن عابدين و غيرهما- في مقام تبرير قول الخليفة عمر بن الخطّاب: «نعمت البدعة» و دعواهم أنّ البدعة على أقسام خمسة، و أنّ حديث «كلّ بدعة ضلالة» من العامّ المخصوص. و لعلّه إلى هذا أشار العلّامة المجلسي حيث قال: و ما ذكره العامّة و بعض الخاصّة من انقسامها بانقسام الأحكام الخمسة و تسمية بعض الواجبات و المندوبات التي وقع عمومها من الشارع، و لن يرد خصوصها، كبناء‌

____________

(1). حقيقة البدعة و أحكامها، ج 2، ص 140؛ الإبهاج في شرح المنهاج، ج 2، ص 94؛ تحذير المسلمين، ص 76.

178

الرباطات و القناطر بدعة اصطلاح جديد غير سديد. (1)

فنقول لهم: إنّ القول بأنّ في البدعة ما هو حسن، يناقض الأدلّة الشرعيّة الواردة في ذمّ عموم البدع، و لم يرد دليل يقيّد الإطلاق، فمحال انقسامها إلى حسن و قبيح، و دعوى حسن شي‌ء من البدع معناه اتّهام النقص و عدم الكمال إلى الدين، و فتح باب الزيادة و النقيصة فيه للمتلاعبين، و عدم التمييز بين البدعة الحسنة من القبيحة. إذن حديث «كلّ بدعة ضلالة» قاعدة كلّيّة عامّة تستغرق جميع أفراد البدعة، فلا يشذّ منها شي‌ء، فما هو الحلّ حينئذ لما صرّح به الخليفة في صلاة التراويح حيث إنّه قال: «نعمت البدعة» بعد أن جمعهم على قارئ واحد.

و لم يرد ما يدلّ على أنّ هذه كانت مشروعة و مأذونا فيها شرعا، بل من المسلّم أنّ أوّل من سنّها هو الخليفة الثاني.

هل فعل الخليفة و قوله حجة؟

يرى البعض من أتباع مدرسة الخلفاء أنّ قول الصحابي أو مذهبه حجّة، بعضهم خصّ الحجّيّة بقول أبي بكر و عمر، و لكنّ الغزالي (2) في المستصفى أنكر هذا المبنى، و عدّه من الأصول الموهومة، فقال:

الأصل الثاني: من الأصول الموهومة، قول الصحابي، و قد ذهب قوم إلى أنّ مذهب الصحابي حجّة مطلقا، و قوم إلى أنّه الحجّة إن خالف القياس،

____________

(1). روضة المتقين، ج 3، ص 382.

(2). قال الذهبي: هو الإمام البحر، حجّة الإسلام، أعجوبة الزمان راجع العلوم و خاض في الفنون الدّقيقة و التقى بأربابها حتّى تفتّحت له أبوابها ...». سير أعلام النبلاء، ج 19، ص 343.

179

و قوم إلى أنّ الحجّة في قول أبي بكر و عمر خاصّة لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «اقتدوا باللذين من بعدي»، و قوم إلى أنّ الحجّة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتّفقوا. و الكلّ باطل عندنا، فإنّ من يجوز عليه الغلط و السهو و لم تثبت عصمته (1) عنه، فلا حجّة في قوله، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز (2) الخطإ؟ (3)

هذا. و الحمد للّه أوّلا و آخرا، إنّه ولي التوفيق و وليّ النعم.

____________

(1). قال ابن أبي الحديد: نصّ أبو محمد بن متّويه في كتاب: الكفاية، على أنّ عليّا معصوم، و أدلّة النصوص قد دلّت على عصمته، و أنّ ذلك أمر اختصّ هو به دون غيره من الصحابة. شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 376.

(2). قال الفخر الرازي في أدلّة القول بالجهر بالسملة: السابع: أنّ الدلائل العقليّة موافقة لنا، و عمل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) معنا، و من اتّخذ عليّا إماما لدينه، فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه. التفسير الكبير، ج 1، ص 207.

(3). المستصفى، ج 1، ص 260.

180

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

181

القسم الثالث الإرسال و التكفير بين السنّة و البدعة

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

المقدّمة

اتّصل بي بعض الإخوة من السادة العلماء من إفريقيا أن أقدّم بحثا موجزا حول الإرسال و وضع اليمين على الشمال، دراسة فقهيّة و روائيّة و تأريخيّة، تستوعب جوانب الموضوع، و بعد التتبّع و الدراسة العاجلة، و رغم ضيق الوقت و كثرة المشاغل، وفّقت لجمع و تدوين هذا الكتيب المختصر، و هو ضمن سلسلة الأبحاث التي شرعنا فيها سابقا بعنوان «بين السنّة و البدعة» منها:

1. صلاة التراويح بين السنّة و البدعة.

2. صوم عاشوراء بين السنّة النبويّة و البدعة الأمويّة.

3. الزواج الموقّت عند الصحابة و التابعين.

4. الإرسال و التكفير بين السنّة و البدعة.

و هو البحث الموجز الذي بين يديك، نسأل اللّه عزّ و جل أن يوفّقنا لخدمة الدين الحنيف، و لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).

المدخل

إنّ وضع اليد اليمنى على الشمال في الصلاة هو المعبّر عنه عند‌

184

أهل البيت (عليهم السلام) بالتكفير، و هو مأخوذ من تكفير العلج للملك- أو الدهقان- بمعنى وضع يده على صدره و التطأمن له. (1) و المشهور عندنا- كما في الخلاف (2)، و الغنية (3) و الدروس (4)، بل ادّعي الإجماع، كما في الانتصار (5)- هو عدم جوازه في الصلاة (6) و قد وردت بذلك روايات متعدّدة، بلغت حدّ الاستفاضة عن أهل البيت (عليهم السلام).

و أمّا عند السنّة: فهو مكروه عند الإمام مالك (7) و بعض الفقهاء السابقين على تأسيس المذاهب الأربعة، بل ولادة بعض أئمّتهم، كما ورد الإرسال أيضا عن بعض التابعين، بل و بعض الصحابة.

و منشأ الخلاف عندهم هو ورود روايات صحيحة عن فعل صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يضع فيها يده اليمنى على اليسرى، كما صرّح بذلك ابن رشد القرطبي. (8)

____________

(1). مجمع البحرين، ج 2، ص 477؛ انظر: النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 4، ص 189. و فيه معاني أخرى. فراجع.

(2). الخلاف، ج 1، ص 109.

(3). غنية النزوع، ص 81.

(4). الدروس الشرعيّة، ص 185.

(5). الانتصار، ص 41.

(6). هذا. و لكن عن ابن الجنيد: أنّ تركه مستحبّ، انظر: مختلف الشيعة، ج 1، ص 100. و عن الحلبي في الكافي، ص 125. و عن المحقّق الحلّي في المعتبر، ص 196: إنّ فعله مكروه. انظر:

جواهر الكلام، ج 11، ص 15؛ ذخيرة الصالحين، ص 200؛ مرآة العقول، ج 15، ص 160.

(7). المجموع، ج 3، ص 312.

(8). بداية المجتهد، ج 1، ص 136. قال الذهبي: هو العلّامة ... برع في الفقه ... لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا و علما و فضلا ... كان يفزع إلى فتياه في الطبّ، كما يفزع إلى فتياه في الفقه.

سير أعلام النبلاء، ج 21، ص 308.

185

و لذا يرى إبراهيم النخعي (1)- الذي توفّي قبل ولادة أئمّة أكثر المذاهب الأربعة- الإرسال في الصلاة. و كذا الحسن البصري (2) التابعي، الذي يعدوّنه سيّد أهل زمانه علما و عملا، و كذلك ابن سيرين (3) و الليث بن سعد. (4)

____________

(1). هو من أعلام القرن الأوّل و قد أدرك جماعة من الصحابة، و توفّي عام ستّ و تسعين للهجرة.

قال الذهبي: هو الإمام الحافظ، فقيه العراق، أحد الأعلام، و روى عن جماعة ... و روى عنه الحكم بن عتيبة و سليمان بن مهران ... و خلق سواهم ... و كان يرى أنّ كثيرا من حديث أبي هريرة منسوخ. و قال العجلي: كان مفتي أهل الكوفة ... و كان رجلا صالحا فقيها ... و عن أحمد بن حنبل: كان إبراهيم ذكيّا حافظا صاحب سنّة. سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 520، و أمّا عندنا فهو مختلف فيه، فعن المامقاني: الميل إلى كونه حسن الحال، و عن التستري: أنّ نصبه- أي عداءه لأهل البيت مشهور. انظر: تنقيح المقال، ج 1، ص 43؛ و قاموس الرجال، ج 1، ص 343.

(2). ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر، و حضر الجمعة مع عثمان ... قيل: كان سيّد زمانه علما و عملا، و عن ابن سعد: كان جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجّة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم. انظر: سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 571. و أمّا عندنا: فالروايات فى ذمّه كثيرة.

(3). هو محمد بن سيرين، ولد في أخريات خلافة عمر، و مات عام عشرة و مائة للهجرة، أدرك ثلاثين صحابيّا. قال العجلي: ما رأيت أحدا أفقه في ورعه و لا أورع في فقهه من محمد بن سيرين.

و قال الطبري: كان ابن سيرين فقيها، عالما، ورعا، كثير الحديث، صدوقا، شهد له أهل العلم و الفضل بذلك و هو حجّة. انظر: سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 606.

و هذا ممّن يرى الإرسال- لا وضع اليمنى على اليسرى- في الصلاة.

ثمّ إنّ علماءنا السلف لم يتعرّضوا له؛ نعم، نقلت عنه كلمات فيها دفاع أو مدح عن الحجّاج بن يوسف. قال التستري: فإن صحّت أحاديثه كفاه جهلا. انظر: قاموس الرجال، ج 9، ص 322؛ تنقيح المقال، ج 3، ص 130.

(4). الليث بن سعد. قالوا فيه: هو الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، عالم الديار المصريّة، ولد عام (94 ه‍. ق) و مات عام (175 ه‍. ق) قال فيه أحمد بن حنبل: ليث كثير العلم، صحيح الحديث .. ثقة-- ثبت ... ليس في المصريّين أصحّ حديثا من ليث.

و قال ابن سعد: استقلّ الليث بالفتوى و كان ثقة و كثير الحديث. و قال العجلي و النسائي: الليث ثقة. و قال ابن خراش: صدوق صحيح الحديث، و قال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلّا أنّ أصحابه لم يقوموا به، سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 138. و هذا أيضا يرى إرسال اليدين في الصلاة. و أمّا عندنا: فقد أدرك الصادق (عليه السلام)، و روى له منقبة عظيمة، لم يهتد بها و عن الخطيب: إنّ أهل مصر كانوا ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث فحدّثهم بفضائل عثمان، فكفّوا عنه. قال التستري بعد ذلك: الرجل- علم اللّه‌لم يكن له غير رذائل، و إنّما حدّثهم بجعائل وضعها له معاوية، و ما أسفه أهل مصر حيث تركوا ما رأوا بعينهم من عمل عثمان و غرّوا بقول زور فيه.

قاموس الرجال، ج 8، ص 632؛ تنقيح المقال، ج 2، ص 46؛ تاريخ بغداد، ج 13، ص 7.

186

و كذا عبد اللّه بن الزبير، الذي يعتبرونه من الصحابة، بل هو الأشهر من مذهب مالك، و عليه جميع أهل المغرب.

و الحاصل اختلف رأي العامّة في ذلك إلى ثلاثة أقوال، مع اتّفاقهم على عدم وجوب ذلك، كما يلي:

1. إنّ ذلك مكروه. 2. إنّه جائز (لا يكره فعله و لا يستحبّ تركه).

3. يستحبّ فعله (1) و لم نعثر على من يرى وجوبه. بل ذلك منسوب إلى العوامّ منهم. (2)

أمّا الأحاديث المنقولة في كتب السنّة: فهي مع قطع النظر عن الضعف في السند تقارب العشرين، و العمدة فيها ما رواه البخاري (3)- و هو حديث واحد،- عن أبي حازم. و لكن فيه شبهة الإرسال و الانقطاع، كما صرّح بذلك‌

____________

(1). البيان و التحصيل، ج 1، ص 394.

(2). الفقه الإسلامى و أدلّته، ج 4، ص 874. روى النووي عن الأوزاعي أنّه يرى التخيير بين الوضع و الإرسال. المجموع، ج 3، ص 311.

(3). صحيح البخاري، ج 1، ص 135.

187

العيني (1) و الشوكاني (2) و غيرهما.

و كذلك حديث مسلم (3) عن أبي وائل، و هذا الحديث أيضا مصاب بآفة الإرسال؛ لأنّ أحاديث علقمة عن أبيه مرسلة. كما صرّح بذلك ابن حجر. (4)

و أمّا باقي الأحاديث: فهي ضعاف عندهم لا يعتمد عليها بإقرار من أصحاب السنن و الجوامع و علماء الرجال.

فلم يبق إلّا أنّه فعل (عمل) لا دليل على جوازه في الصلاة، فإتيانه بقصد المشروعيّة و أنّه من السنّة و الآداب الموظّفة في الصلاة حرام بلا شبهة؛ لأنّ عدم ثبوت مشروعيّته يكفي في حرمة الإتيان بهذا الوجه، كيف إذا ثبت خلافه و النهي عنه شرعا؟ (5) و لذا ورد النهي عن العترة الطاهرة، تارة لأنّه عمل و لا عمل في الصلاة، كما أشار إليه ابن رشد أو قريب منه.

و أخرى تسميته بالتكفير، و أنّه فعل المجوس، (6) و ممّا يؤيّد بل يؤكّد موقف العترة الطاهرة هو الاختلاف عند فقهاء العامّة في كيفيّته، و هل هو تحت السرّة أو فوقه؟ و هل هو وضع اليمنى على اليسرى أو بالعكس؟ إذ كيف يكون سنّة مؤكّدة و لم يعلم كيفيّته! و كيف خفيت الكيفيّة على الصحابة‌

____________

(1). عمدة القاري، ج 5، ص 280.

(2). نيل الأوطار، ج 2، ص 187.

(3). صحيح مسلم، ج 1، ص 150.

(4). تهذيب التهذيب، ج 8، ص 314.

(5). مصباح الفقيه، ج 1، ص 401.

(6). ورد في كتاب طريقة عبادة الزراتشت. آينۀ آئين مزديسني، ص 20. بقلم كيخسرو، الطبعة الثانية. أن طريقة العبادة و الصلاة عندهم هي الوقوف أمام اللّه و جعل يد العبوديّة على الصدر، و من ثمّ عبادة اللّه عزّ و جل

188

مع مواظبتهم على صلاة الجماعة خلف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خمس مرّات في اليوم إضافة إلى النوافل و صلاة الأموات و الأعياد؟ و هذه شواهد و مؤكّدات على أنّها لم تكن على عهد النبيّ الكريم، بل هي أمور حدثت بعده، كما في نوافل شهر رمضان جماعة، و زيادة «الصلاة خير من النوم» في الأذان و حذف «حيّ على خير العمل» منه، و تحريم المتعتين، و المنع من تدوين الحديث الشريف ووو ....

ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)

وردت روايات متعدّدة عن أهل البيت (عليهم السلام) تنهى عن التكفير، و تراه من فعل المجوس:

1. عن أحدهما (عليهما السلام): قلت: الرجل يضع يده في الصلاة، و حكى اليمنى على اليسرى؟ فقال: «ذلك التكفير، لا تفعل. (1)»‌

2. عن أبي جعفر (عليه السلام): «و عليك بالإقبال على صلاتك .. و لا تكفّر؛ فإنّما يفعل ذلك المجوس». (2)

3. عليّ بن جعفر قال: قال أخي «قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل و ليس في الصلاة عمل». (3)

4. عليّ بن جعفر [عن أخيه موسى بن جعفر] و سألته عن الرجال يكون في صلاته أ يضع إحدى يديه على الأخرى بكفّه أو ذراعه؟ قال: «لا يصلح ذلك فإن فعل فلا يعود له». (4)

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 7، ص 266، ب 16.-- قال المجلسي بعد نقل الحديث الأوّل: حسن كالصحيح، و المراد من التكفير وضع اليمين على الشمال، و هو الذي يفعله المخالفون، و النهي فيه للتحريم عند الأكثر مرآة العقول، ج 15، ص 74.

(2). وسائل الشيعة، ج 7، ص 266، ب 16.-- قال المجلسي بعد نقل الحديث الأوّل: حسن كالصحيح، و المراد من التكفير وضع اليمين على الشمال، و هو الذي يفعله المخالفون، و النهي فيه للتحريم عند الأكثر مرآة العقول، ج 15، ص 74.

(3). وسائل الشيعة، ج 7، ص 266، ب 16.-- قال المجلسي بعد نقل الحديث الأوّل: حسن كالصحيح، و المراد من التكفير وضع اليمين على الشمال، و هو الذي يفعله المخالفون، و النهي فيه للتحريم عند الأكثر مرآة العقول، ج 15، ص 74.

(4). وسائل الشيعة، ج 7، ص 266، ب 16.-- قال المجلسي بعد نقل الحديث الأوّل: حسن كالصحيح، و المراد من التكفير وضع اليمين على الشمال، و هو الذي يفعله المخالفون، و النهي فيه للتحريم عند الأكثر مرآة العقول، ج 15، ص 74.

189

5. عن عليّ (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: قال: «لا يجمع المسلم يديه في صلاته و هو قائم بين يدي اللّه عزّ و جل يتشبّه بأهل الكفر، يعني المجوس». (1)

6. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه لمّا صلّى قام مستقبل القبلة منتصبا، فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضمّ أصابعه .... (2)

7. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا قمت إلى الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى ... و أسدل منكبيك، و أرسل يديك، و لا تشتبك أصابعك، و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك ... و لا تكفّر؛ فإنّما يفعل ذلك المجوس». (3)

8. البحار عن جامع البزنطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فإذا قمت في صلاتك فاخشع فيها ... و لا تكفّر ...». (4)

9. دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كنت قائما في الصلاة، فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، و لا اليسرى على اليمنى؛ فإنّ ذلك تكفير أهل الكتاب، و لكن أرسلهما إرسالا؛ فإنّه أحرى أن لا يشغل نفسك عن الصلاة». (5)

10. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ قال: «النحر:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 7، ص 266، ب 16.

(2). نفس المصدر، ص 511، باب 17،.

(3). نفس المصدر، ص 463.

(4). بحار الأنوار، ج 84، ص 186، ذيل ح 1؛ مستدرك الوسائل، ج 5، ص 420، ب 14، ح 1.

(5). دعائم الإسلام، ج 1، ص 159؛ مستدرك الوسائل، ج 5، ص 421، ب 14، ح 2.

190

الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره.- و قال:- لا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس». (1)

كلمات الفقهاء الإماميّة

1. الشيخ المفيد: اتّفقت الإماميّة على إرسال اليدين في الصلاة، و أنّه لا يجوز وضع إحداهما على الأخرى كتكفير أهل الكتاب، و أنّ من فعل ذلك في الصلاة فقد أبدع و خالف سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الهادين من أهل بيته (عليهم السلام). (2)

2. السيّد المرتضى: و ممّا ظنّ انفراد الإماميّة به المنع من وضع اليمين على الشمال في الصلاة؛ لأنّ غير الإماميّة شاركها في كراهية ذلك. و حكى الطحاوي في اختلاف الفقهاء عن مالك، أنّ وضع اليدين إحداهما على الأخرى، إنّما يفعل في صلاة النوافل من طول القيام و تركه أحبّ إليّ.

و حكى الطحاوي أيضا عن الليث بن سعد أنّه قال: سبل اليدين في الصلاة أحبّ إليّ إلّا أن يطيل القيام فيعيأ، فلا بأس بوضع اليمنى على اليسرى .... (3)

3. الشيخ الطوسي: لا يجوز أن يضع اليمين على الشمال و لا الشمال على اليمين في الصلاة ... و عن مالك روايتان: إحداهما: مثل قول الشافعي، وضع اليمين على الشمال، و روى عنه ابن القاسم أنّه ينبغي أن يرسل يديه.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 336، ح 9.

(2). الأعلام، ص 22 (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد ج 9).

(3). الانتصار، ص 41.

191

و روى عنه أنّه قال: يفعل ذلك في صلاة النافلة إذا طالت. و إن لم تطل لم يفعل فيها، و لا في الفرض و قال الليث بن سعد: إن عيي فعل ذلك، و إن لم يعي لم يفعل، و هو مثل قول مالك.

دليلنا: إجماع الفرقة؛ فإنّهم لا يختلفون في أنّ ذلك يقطع الصلاة. و أيضا أفعال الصلاة يحتاج ثبوتها إلى الشرع و ليس في الشرع، ما يدلّ على كون ذلك مشروعا، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك؛ لأنّه لا خلاف أنّ من أرسل يده؛ فإنّ صلاته ماضية، و اختلفوا إذا وضع يده إحداهما على الأخرى، فقالت الإمامية: إنّ صلاته باطلة، فوجب بذلك الأخذ بالجزم .... (1)

4. قال الشيخ البهائي: التكفير هو وضع اليمين على الشمال و هو الذي يفعله المخالفون، و النهي فيه للتحريم عند الأكثر. و هل تبطل الصلاة به؟

أكثر علمائنا على ذلك، بل نقل الشيخ و المرتضى الإجماع عليه. (2)

منشأ التكفير

قيل: إنّه من إبداعات الخليفة عمر بن الخطّاب، أخذه من أسرى العجم.

قال المحقّق النجفي: فإنّه حكي عن عمر لمّا جي‌ء بأسارى العجم كفّروا أمامه، فسأل عن ذلك، فأجابوه بأنّا نستعمله خضوعا و تواضعا لملوكنا، فاستحسن هو فعله مع اللّه تعالى في الصلاة، و غفل عن قبح التشبّه بالمجوس في الشرع. (3)

____________

(1). الخلاف، ج 1، ص 321، المسألة 75.

(2). الحبل المتين، ص 214؛ ملاذ الأخيار، ج 3، ص 553؛ مرآة العقول، ج 15، ص 74.

(3). جواهر الكلام، ج 11، ص 19؛ مصباح الفقاهة، ص 402.

192

كلمات فقهاء السنّة و أئمّتهم

1. المدوّنة الكبرى (رأي مالك بنقل ابن القاسم):

قال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، و كان يكرهه و لكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس .... (1)

2. ابن قدامة: ظاهر مذهبه (أي مالك) الذي عليه أصحابه، إرسال اليدين، و روى ذلك عن ابن الزبير و الحسن. (2)

3. قال القرطبي: اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض و أجازه في النفل، و رأى قوم أنّ هذا الفعل من سنن الصلاة و هم الجمهور، و السبب في اختلافهم أنّه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة و السلام، و لم ينقل فيها أنّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، و ثبت أيضا أنّ الناس كانوا يؤمرون بذلك، و ورد ذلك أيضا من صفة صلاته في حديث أبي حميد، فرآى قوم أنّ الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة، و أنّ الزيادة تجب أن يصار إليها، و رأى قوم أنّ الأوجب المصير إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة؛ لأنّها أكثر؛ و لكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، و إنّما هي من باب الاستعانة، و لذلك أجازها مالك في النفل و لم يجزها في الفرض .... (3)

____________

(1). المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 76.

(2). المغني، ج 1، ص 472.

(3). بداية المجتهد، ج 1، ص 136.

193

4. و قال في البيان و التحصيل: سألته عن وضع إحدى يديه على الأخرى في الصلاة المكتوبة، يضع اليمنى على كوع اليسرى و هو قائم في الصلاة المكتوبة أو النافلة؟

قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى بذلك بأسا يدلّ على جواز فعل ذلك في الفريضة و النافلة من غير تفصيل.

و ذهب في رواية ابن القاسم عنه فى المدوّنة إلى أنّ ترك ذلك أفضل من فعله؛ لأنّه قال فيها: لا أعرف ذلك في الفريضة، و كان يكرهه و لكن في النوافل، قال: إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه و سقط، و كان يكرهه في بعض الروايات، فالظاهر من مذهبه فيها مع سقوطه أنّ تركه أفضل؛ لأنّ معنى قوله: لا أعرف ذلك في الفريضة، أي لا أعرفه فيها من سننها، و لا من مستحبّاتها.

و في قوله: إنّه لا بأس بذلك في النافلة إذا طال القيام ليعين به نفسه، دليل على أنّ فيه عنده بأسا إذا لم يطل القيام، و في الفريضة و إن طال القيام، و أمّا مع ثبوت «و كان يكرهه» فالأمر في ذلك أبين؛ لأنّ حدّ المكروه ما في تركه أجر و ليس في فعله وزر. (1)

5. قال النووي في مذاهب العلماء في وضع اليمنى على اليسرى:

قد ذكرنا أنّ مذهبنا أنّه سنّة.

و حكى ابن المنذر عن عبد اللّه بن الزبير و الحسن البصري و النخعي أنّه يرسل يديه و لا يضع إحداهما على الأخرى، و حكاه القاضي أبو الطيّب‌

____________

(1). البيان و التحصيل، ج 1، ص 394؛ انظر: مرقاة المفاتيح، ج 2، ص 508.

194

أيضا عن ابن سيرين.

و قال الليث بن سعد: يرسلهما، فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة،

و قال الأوزاعي: هو مخيّر بين الوضع و الإرسال،

و روى ابن عبد الحكم عن مالك: الوضع،

و روى عنه ابن القاسم: الإرسال و هو الأشهر و عليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم، و احتجّ لهم بحديث المسي‌ء صلاته بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) علّمه الصلاة و لم يذكر وضع اليمنى على اليسرى .... (1)

فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّ ذلك جائز في المكتوبة و النافلة، لا يكره فعله، و لا يستحبّ تركه، و هو قوله في هذه الرواية.

الثاني: أن ذلك مكروه، يستحبّ تركه في الفريضة و النافلة إلّا إذا طال القيام في النافلة، فيكون فعل ذلك فيها جائزا غير مكروه، و لا مستحبّ و هو قول مالك في المدوّنة.

الثالث: أنّ ذلك مستحبّ فعله في الفريضة و النافلة مكروه تركه فيها، و هو قوله في رواية مطرف بن الماجشون. (2)

6. العيني: و حكى ابن المنذر عن عبد اللّه بن الزبير و الحسن البصري و ابن سيرين أنّه يرسلهما، و كذلك عند مالك في المشهور: يرسلهما، و إن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة، و قال الليث بن سعد:

____________

(1). المجموع، ج 3، ص 313.

(2). البيان و التحصيل، ج 1، ص 394؛ مرقاة المفاتيح، ج 2، ص 508.

195

و قال الأوزاعي: هو مخيّر بين الوضع و الإرسال. (1)

7. الشوكاني: قال الدار قطني: روى ابن المنذر عن ابن الزبير و الحسن البصري و النخعي أنّه يرسلهما و لا يضع اليمنى على اليسرى، و نقله النووي عن الليث بن سعد، و نقله المهدي في البحر عن القاسميّة و الناصريّة و الباقر، و نقله ابن القاسم عن مالك. (2)

8. الزحيلي: قال الجمهور غير المالكيّة: يسنّ بعد التكبير أن يضع المصلّي يده اليمنى على ظهر كفّ و رسغ اليسرى.

و قال المالكيّة: يندب إرسال اليدين في الصلاة بوقار لا بقوّة و لا يدفع بهما من أمامه؛ لمنافاته للخشوع، و يجوز قبض اليدين على الصدر في صلاة النفل؛ لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة و يكره القبض في صلاة الفرض؛ لما فيه من الاعتماد.

و قال في بيان حقيقة مذهب مالك، مع حقيقة مذهب مالك الذي قرّره لمحاربة عمل غير منسوب و هو قصد الاعتماد ... أو لمحاربة اعتقاد فاسد و هو ظنّ العامّي وجوب ذلك. (3)

الروايات من طرق السنّة

1. البخاري: ... عن أبى حازم عن سهل بن سعد: قال: كان الناس يؤمرون‌

____________

(1). عمدة القاري، ج 5، ص 278.

(2). نيل الأوطار، ج 2، ص 186؛ المجموع، ج 3، ص 311؛ المغني، ج 1، ص 549؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 549؛ المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 23؛ الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، ص 151.

(3). الفقه الإسلامي و أدلّته، ج 2، ص 874.

196

أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.

قال أبو حازم: لا أعلمه إلّا أن ينمى ذلك إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). قال إسماعيل:

ينمى ذلك، و لم يقل ينمى. (1)

التأمّل في معنى الرواية

أقول: و لم يعلم من الذي أمرهم بوضع اليمنى على اليسرى كما أنّ الراوي لهذا الحديث- و هو أبو حازم‌لم يجزم بأنّ الآمر بذلك هو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لذا يقول: لا أعلمه إلّا ينمى ذلك إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). فالرواية مرسلة و غير واضحة الدلالة، بل غامضة الدلالة، كما يفهم ذلك من العيني و الشوكاني و سائر شرّاح هذا الحديث كما يلي:

ألف. قال العيني: ينمى- بضم الياء و فتح الميم على صيغة المجهول- و لم يقل: ينمى- بفتح الياء على صيغة المعلوم-.

فعلى صيغة المجهول يكون الحديث مرسلا؛ لأنّ أبا حازم لم يعيّن من أنماه له. و على صيغة المعلوم يكون الحديث متّصلا. (2)

فهذا النصّ الذي هو مثار للاحتمالات لا تثبت به سنّة، و لا يمكن أن يسند إلى النبيّ الكريم بنحو القطع و الجزم.

ب. السيوطي: قال إسماعيل: ينمى- أي بضمّ أوّله و فتح الميم بلفظ المجهول- و لم يقل: ينمى- أي: بلفظ المعلوم- و إسماعيل هو‌

____________

(1). صحيح البخاري، ج 1، ص 135.

(2). عمدة القاري، ج 5، ص 278.

197

ابن أبي أويس. (1)

ج. الشوكاني: قد أعلّ بعضهم الحديث بأنّه ظنّ من أبي حازم ... و أنّه لو كان مرفوعا، أي ثابتا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لما احتاج أبو حازم إلى قوله:

لا أعلمه (2)

2. رواية صحيح مسلم: زهير بن حرب، حدّثنا عفّان، حدّثنا همام، حدّثنا محمد بن جحادة، حدّثني عبد الجبّار بن وائل عن علقمة بن وائل و مولى لهم أنّهما حدّثاه عن أبيه وائل بن حجر، أنّه رأى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبّر، وصفّ همام حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى .... (3)

أقول: و هي مرسلة؛ لأنّ علقمة بن وائل- راوي الحديث- ولد بعد وفاة أبيه، فلم يسمع منه.

قال ابن حجر: حكى العسكري عن ابن معين، أنّه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل. (4) و يرى البعض أنّه كان غلاما لا يعقل صلاة أبيه. (5) و لكن النتيجة واحدة؛ إذ كيف يستطيع أن يتحمّل الحديث من أبيه من كان غلاما لا يعقل صلاة أبيه!

أضف إلى ذلك مجهوليّة «مولى لهم» إذ لم يعرف من هو. و في همام أيضا‌

____________

(1). التوشيح على الجامع الصحيح، ج 1، ص 463.

(2). نيل الأوطار، ج 2، ص 187.

(3). صحيح مسلم، ج 1، ص 150؛ سنن الدار قطني، ج 1، ص 286، ح 8 و 11.

(4). تهذيب التهذيب، ج 7، ص 247؛ تهذيب الكمال، ج 13، ص 193 (الهامش).

(5). تهذيب التهذيب، ج 8، ص 314.

198

كلام فيما لو كان المراد هو همام بن يحيى، حيث إنّ يحيى القطّان كان لا يعبأ به و يعترض عليه. في كثير من حديثه .... (1)

كما قدينا قش في الدلالة أيضا بأنّ الحديث حكاية عن سنّة فعليّة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هي مجملة تحتمل الوجوب و الاستحباب و الإباحة، كما يحتمل صدوره للاضطرار، و ليس الغرض حكاية الأمر الشرعي. و يشهد لذلك قول الراوي ذيل الحديث ... ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب فلعلّ هذا العمل كان لأجل الاحتفاظ بالثوب و الحيلولة دون وقوعه. فلعلّ النبيّ كان في مرض، فوضع يده على الأخرى احتفاظا بالرداء من السقوط، كما أدخل يديه فيه تحفّظا عليهما من البرد. و مع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للجزم بدلالة الحديث على استحباب القبض و أنّها من السنّة.

3. حدّثنا نصر بن عليّ، أخبرنا أبو أحمد عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: صفّ القدمين و وضع اليد على اليد من السنّة. (2)

و فيه أوّلا: معارض بما هو الثابت عنه: أنّه يرسل يديه في الصلاة.

و ثانيا: لم يسنده إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

ثالثا: في السند علاء بن صالح و هو التميمي الأسدي الكوفي.

قال البخاري: لا يتابع. و قال ابن المديني: روى أحاديث مناكير .... (3)

____________

(1). هدى الساري، ج 1، ص 267.

(2). سنن أبي داود، ج 1، ص 20، ح 754.

(3). تهذيب التهذيب، ج 8، ص 164؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 201.

199

4. حدّثنا محمد بن بكّار بن الريّان عن هشيم بن بشير، عن الحجّاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود أنّه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فوضع يده اليمنى على اليسرى. (1)

و في السند هشيم و هو هشيم بن القاسم الواسطي، رموه بالتدليس، و أنّه تغيّر في آخر عمره.

و قال يحيى بن معين: ما أدراه ما يخرج من رأسه (2)؛ إذن فيه كلام.

فلا يؤخذ بروايته.

و في السند: أيضا الحجّاج بن أبي زينب السلمي (أبو يوسف الصيقل الواسطي) و هو ضعيف عندهم.

قال أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون ضعيف الحديث.

و قال عليّ بن المديني: ضعيف.

و قال النسائي: ليس بالقويّ.

و قال الدار قطني: ليس بالقويّ و لا حافظ. (3)

أضف الى ذلك أنّه من البعيد عدم معرفة ابن مسعود، و هو الصحابي الكبير بالسنّة النبوية!!

5. حدّثنا محمد بن محبوب، ثنا حفص بن غياث عن عبد الرحمن بن‌

____________

(1). سنن أبي داود، ج 1، ص 200، 755؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 266؛ السنن الكبرى، ج 2، ص 44، ح 2327.

(2). تهذيب التهذيب، ج 11، ص 56.

(3). نفس المصدر، ج 2، ص 177.

200

إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، أنّ عليّا رضي اللّه عنه قال: «السنّة وضع الكفّ على الكفّ في الصلاة تحت السرّة». (1)

و في السند زياد بن زيد و هو مجهول، كما صرّح بذلك العسقلاني عن أبي حاتم.

قال في تهذيب التهذيب: زياد بن زيد السوائي الأعسم الكوفي.

قال أبو حاتم: مجهول، روى له أبو داود حديثا واحدا عن عليّ «أنّ من السنّة في الصلاة وضع الأكفّ على الأكفّ تحت السرّة». (2) و قال البخاري:

فيه نظر.

و فيه عبد الرحمن بن إسحاق، و هو ضعيف بالاتّفاق.

6. حدّثنا محمد بن قدامة (يعني ابن أعين)، عن أبي بدر، عن أبي طالوت عبد السلام، عن ابن جرير الضبي، عن أبيه قال: رأيت عليّا رضي اللّه عنه يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرّة.

و في السند أبو طالوت و هو عبد السلام النهدي، قال ابن سعد: كان به ضعف في الحديث. (3)

و في السند ابن جرير الضبي و هو غزوان بن جرير الضبي. قال ابن حجر:

قرأت بخطّ الذهبي في الميزان: لا يعرف. (4)

____________

(1). سنن أبي داود، ج 1، ص 201؛ ح 756 سنن الدارقطني، ج 1، ص 286، ح 10؛ السنن الكبرى، ج 2، ص 43.

(2). تهذيب التهذيب، ج 3، ص 318.

(3). سنن ابي داود، ج 1، ص 201؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 188.

(4). تهذيب التهذيب، ج 2، ص 67.

201

7. حدّثنا مسدّد ... عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، عن سيّار أبي الحكم، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: أخذ الأكفّ على الأكفّ في الصلاة تحت السرّة. (1)

و رواه الدار قطني باختلاف: وضع الكفّ على الكفّ في الصلاة من السنّة. (2)

أقول: و في السند عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي و هو ضعيف عند الرجاليّين. فعن ابن معين: ضعيف ليس بشي‌ء. و عن ابن سعد و يعقوب بن سفيان و أبي داود و النسائي و ابن حبّان: ضعيف. و عن البخاري:

فيه نظر. (3)

أضف إلى ذلك أنّ أبا هريرة لم ينسب هذا الفعل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

8. أبو توبة، عن الهيثم (يعني ابن حميد) عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاووس، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثمّ يشدّ بينهما على صدره، و هو في الصلاة. (4)

و فيه أوّلا: أنّ طاووس لم يدرك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هو تابعي، فالرواية مرسلة.

ثانيا: و في السند: الهيثم بن حميد، و قد ضعّفه أبو داود و أبو مسهر. قال أبو مسهر: لم يكن من الأثبات و لا من أهل الحفظ. و قد كنت أمسكت عن الحديث عنه، استضعفته. (5)

____________

(1). سنن أبي داود، ج 1، ص 201، ح 758؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 188.

(2). سنن الدار قطني، ج 1، ص 284.

(3). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 124.

(4). سنن أبي داود، ج 1، ص 201، ح 759.

(5). تهذيب التهذيب، ج 11، ص 82.

202

9. الترمذي: حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو الأحوص عن سمّاك بن حرب، عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يؤمّنا فيأخذ شماله بيمينه. (1)

أقول: و في السند قبيصة بن هلب و هو قبيصة بن يزيد الطائي، و هو مجهول، كما عن ابن المديني و النسائي. (2)

10. ابن ماجة: حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد اللّه بن إدريس. و حدّثنا بشر بن معاذ الضرير، حدّثنا بشر بن المفضّل، قالا: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه، عن وائل بن حجر: قال: رأيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي، فأخذ شماله بيمينه. (3)

أقول: إنّ كتاب سنن ابن ماجة غالب رواياته عليها صبغة الضعف.

قال ابن حجر: كتابه في السنن جامع جيّد الأبواب و الغرائب، و فيه أحاديث ضعيفة جدّا حتى بلغني أنّ السريّ كان يقول: مهما انفرد بخبر فيه، هو ضعيف غالبا ... و عن ابن زرعة ... ليس فيه إلّا نحو سبعة أحاديث .... (4)

11. الدارمي: أخبرنا أبو نعيم، حدّثنا زهير عن أبي إسحاق، عن عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يضع يده اليمنى على اليسرى قريبا من الرّسغ (5) (6).

لكنّه لم يسمع من أبيه؛ لأنّه ولد بعد موت أبيه.

____________

(1). الجامع الصحيح، ج 2، ص 32؛ ح 252، سنن الدار قطني، ج 1، ص 286، ح 8 و 11.

(2). تهذيب التهذيب، ج 7، ص 247؛ تهذيب الكمال، ج 13، ص 193 (الهامش).

(3). سنن ابن ماجة، ج 1، ص 266، ح 810.

(4). تهذيب التهذيب، ج 9، ص 468.

(5). المفصل بين الساعد و الكفّ. فتح الباري، ج 2، ص 224.

(6). سنن الدارمي، ج 1، ص 312، ح 1241.

203

قال ابن حبّان في الثقات: من زعم أنّه سمع أباه فقدوهم؛ لأنّ أباه مات و أمّه حامل به.

و قال البخاري: لا يصحّ سماعه من أبيه. مات أبوه قبل أن يولد.

و قال ابن سعد: ... يتكلّمون في روايته عن أبيه و يقولون لم يلقه.

و بمعنى هذا قال أبو حاتم، و ابن جرير الطبري، و الجريري، و يعقوب بن سفيان، و يعقوب بن شيبة، و الدار قطني، و الحاكم، و قبلهم ابن المديني و آخرون. (1)

12. الدار قطني: حدّثنا أبو محمد صاعد، ثنا عليّ بن مسلم، ثنا إسماعيل بن أبان الورّاق، حدّثني مندل عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مسعود، أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة. (2)

و في السند مندل، و هو ابن عليّ العنزي و هو ضعيف عند أهل السنّة. كان البخاري أدخل مندلا في الضعفاء.

و قال النسائي: ضعيف. و قال ابن سعد: فيه ضعف. و قال الجوزجاني:

واهي الحديث. و قال الساجي: ليس بثقة، روى مناكير. و قال ابن قانع و الدار قطني: ضعيف.

و قال ابن حبّان: كان ممّن يرفع المراسيل و يسند الموقوفات من سوء حفظه فاستحقّ الترك.

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 96.

(2). سنن الدار قطني، ج 1، ص 283، ح 1.

204

و قال الطحاوي: ليس من أهل التثبّت في الرواية بشي‌ء و لا يحتجّ به. (1)

13. الدار قطني: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز، ثنا شجاع بن مخلّد، ثنا هشيم، قال منصور: ثنا عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة، قالت: ثلاثة من النبوّة: ... و وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة. (2)

و فيه محمد بن أبان الأنصاري و لا يمكنه الرواية عن عائشة. فهى مرسلة. (3)

و في السند أيضا هشيم و هو ابن منصور، و قد مرّ الكلام في ضعفه (4)

14. الدار قطني: حدّثنا ابن صاعد، حدّثنا زياد بن أيّوب، حدّثنا النضر بن إسماعيل عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن أبي هريرة، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «أمرنا معاشر الأنبياء ... و نضرب بأيماننا على شمائلنا في الصلاة». (5)

و في السند: النضر بن إسماعيل، هو أبو المغيرة: قال أحمد و النسائي و أبو زرعة: ليس بالقويّ. و عن ابن معين- في قول-: ضعيف.

قال ابن حبّان: فحش خطاه، و كثر و همه، فاستحقّ الترك. و قال الحاكم:

ليس بالقويّ عندهم. و قال الساجي: عنده مناكير. (6)

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 10، ص 266.

(2). سنن الدار قطني، ج 1، ص 284، ح 2.

(3). نفس المصدر، ح 3، قال البخاري: لا يعرف له سماع منها. انظر: ميزان الاعتدال، ج 3، ص 454.

(4). تهذيب التهذيب، ج 11، ص 56.

(5). سنن الدار قطني، ج 1، ص 284، ح 3.

(6). تهذيب التهذيب، ج 10، ص 388.

205

15. الدار قطني: حدّثنا ابن السكين، حدّثنا عبد الحميد بن محمد، حدّثنا مخلّد بن يزيد، حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن ابن عبّاس، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«إنّا معاشر الأنبياء أمرنا ... أن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة (1).

و في السند طلحة و هو ابن عمرو بن عثمان الحضرمي الكوفي و هو ضعيف عند الكلّ.

قال أحمد: لا شي‌ء، متروك الحديث، قال ابن معين: ليس بشي‌ء، ضعيف.

و قال الجوزجاني: غير مرضي في حديثه. و قال أبو حاتم: ليس بالقويّ، ليّن عندهم. و قال أبو داود: ضعيف. و قال النسائي: متروك الحديث. و قال البخاري: ليس بشي‌ء، كان يحيى بن معين سيّ‌ء الرأي فيه.

و قال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفا جدّا. و قال ابن المديني:

ضعيف ليس بشي‌ء. و قال أبو زرعة و العجلي و الدارقطني: ضعيف. و ذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنه.

و قال ابن حبّان: كان ممّن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يحلّ كتب حديثه، و لا الرواية عنه إلّا على جهة التعجّب. (2)

16. الدار قطني: حدّثنا محمد بن مخلّد، حدّثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدّثنا وكيع، حدّثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن عليّ (عليه السلام) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ: قال: «وضع اليمين على الشمال في الصلاة». (3)

____________

(1). سنن الدارقطني، ج 1، ص 284، ح 2 و 3.

(2). نفس المصدر، ج 5، ص 21.

(3). سنن الدارقطني، ج 1، ص 285، ح 6.

206

و فيه: وكيع و قالوا فيه: إنّه أخطأ في خمسمائة حديث. (1) و قال المروزي:

كان يحدّث بآخره من حفظه. فيغيّر ألفاظ الحديث، كأنّه كان يحدّث بالمعنى، و لم يكن من أهل اللسان. (2)

17. الدارقطني: أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي، حدّثنا مضر بن محمد، حدّثنا يحيى بن معين، حدّثنا محمد بن الحسن الواسطي عن الحجّاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر قال: مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برجل وضع شماله على يمينه ... مثله. (3)

و فيه الحجّاج بن أبي زينب، و قد مرّ ضعفه.

18. الدار قطني أيضا عن الحجّاج بن أبي زينب، عن ابن مسعود مثله، و هو ضعيف أيضا بابن أبي زينب. (4)

19. حدّثنا الحسن بن الخضر بمصر، حدّثنا محمد بن أحمد، أبو العلاء، حدّثنا محمد بن سوار، حدّثنا أبو خالد الأحمر عن حميد، عن أنس قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا قام في الصلاة قال: «هكذا و هكذا عن يمينه و عن شماله ....». (5)

و فيه أبو خالد الأحمر: و هو سليمان بن حيّان الأزدي، و قد تكلّموا في حفظه.

قال ابن معين: ليس بحجّة. و قال أبو بكر البزّار في كتاب السنن: ليس‌

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 11، ص 110.

(2). نفس المصدر، ص 114.

(3). سنن الدارقطني، ج 1، ص 287 و 13،.

(4). سنن الدارقطني، ج 1، ص 287 ح 14.

(5). نفس المصدر، ح 15.

207

ممّن يلزم زيادته، حجّة، لاتّفاق أهل العلم بالنقل، أنّه لم يكن حافظا، و أنّه قد روى أحاديث عن الأعمش و غيره لم يتابع عليها. (1) أضف إلى ذلك:

عدم الدلالة في الحديث و ذلك لأنّ مفاده أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) نظر إلى يمينه و شماله، أو خاطب من في اليمين و الشمال من المأمومين.

20- حدّثني يحيى عن مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصريّ، أنّه قال: من كلام النبوة «اذا لم تستحي فافعل ما شئت» و وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصّلاة (يضع اليمنى على اليسرى) و تعجيل الفطر، و الاستيناء بالسحور!. (2)

المعنى: قال ابن عبد البرّ: لفظة «أمر» و معناه الخبر بأنّ من لم يكن له حياء يحجزه عن محارم اللّه، فسواء عليه فعل الصغائر و ارتكاب الكبائر.

و «الاستيناء بالسحور»: أي تأخيره.

أمّا النقاش الدلالي

قوله: «يضع اليمنى على اليسرى» هذا من قول مالك، و ليس من الحديث. (3)

أمّا السند: ففيه عبد الكريم بن أبي المخارق البصري و اسمه قيس و يقال: طارق المعلّم، أبو أميّة البصري، نزل مكّة و مات سنة 127 ه‍. ق.

1. قال أيّوب: (رحمه اللّه) كان غير ثقة. لقد سألني عن حديث لعكرمة. ثم قال: سمعت عكرمة!

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 4، ص 160.

(2). الموطّأ، ج 1، ص 158، ح 46.

(3). الموطّأ، ج 1، ص 158، ح 46.

208

2. و كان عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد لا يحدّثان عنه.

3. و كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: دعه، فأين التقوى.

4. و قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه.؟ فقال: كان ابن عيينة يستضعفه، قلت له: هو ضعيف؟ قال: نعم.

5. و قال أيّوب: لا تأخذوا عن عبد الكريم بن أميّة، فإنّه ليس بثقة.

6. و قال يحيى: قد روى مالك عن عبد الكريم. و هو بصري، ضعيف.

7. و كان أبو العالية يقول:- إذا سافر عبد الكريم- اللّهم لا تردّ علينا صاحب الأكيسة.

8. عن سفيان، قلت لأيّوب، يا أبا بكر؛ ما لك لم تكثر عن طاووس؟

قال: أتيته لأسمع منه فرأيته بين ثقيلين: عبد الكريم بن أبي أميّة، و ليث بن أبي سليم، فذهبت، و تركته.

9. قال أبو داود: مرجئة البصرة! عبد الكريم أبو أميّة، و عثمان بن غياث و القاسم بن الفضل.

10. قال الترمذي في حديث سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبي أميّة. عن حسّان بن بلال، عن عمّار في تخليل اللحية: قال أحمد: قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسّان بن بلال (1) حديث التخليل.

و قال البخاري: لم يسمع عبد الكريم من حسّان. و قال أبو أحمد بن عدي:

و الضعف بيّن على كلّ ما يرويه.

11. قال الأشبيلي: بيّن، مسلّم جرحه في صدر كتابه.

____________

(1). تهذيب الكمال، ج 12، ص 11.