دراسات فقهية في مسائل خلافية

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
353 /
209

12. قال العسقلاني: قال النسائي و الدار قطني: متروك. و قال السعدي:

كان غير ثقة. و كذا النسائي في موضع آخر.

13. قال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاحش الخطأ، فلمّا كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به.

14. و قال أبو داود، و الخليلي، و غير واحد: ما روى مالك عن أضعف منه.

15. و قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم.

16. و قال ابن عبد البرّ: مجمع على ضعفه.

17. و ذكره ابن البرقي في طبقة من نسب إلى الضعف. (1)

فمن كان هذا حاله كيف يروى عنه حديث القبض، و ينسب ذلك إلى الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)؟!

18. أحمد: (عبد الله بن أحمد) حدّثني أبي، ثنا محمد بن الحسن الواسطي يعني المزين، ثنا أبو يوسف الحجّاج يعني ابن أبي زينب الصيقل، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برجل و هو يصلّي و قد وضع يده اليسر على اليمنى فانتزعها و وضع اليمنى على اليسرى (2).

و في السند أبو يوسف الحجّاج، و فيه كلام؛ إذ قال فيه أحمد: أخشى أن يكون ضعيف الحديث. و قال: إنّ المدينى: ضعيف، و قال النسائي: ليس بالقويّ. و قال الدارقطني: ليس بالقويّ و لا حافظ (3).

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 336.

(2). المسند، ج 3، ص 381.

(3). تهذيب التهذيب، ج 2، ص 177؛ سير أعلام النبلاء، ج 7، ص 75.

210

و في السند أيضا: محمد بن الحسن الواسطي: و هو مختلف فيه؛ إذ ذكره ابن حبّان في ذيل الضعفاء ... يقال:

يرفع الموقوف و يسند المراسيل (1).

حصيلة البحث

و الحاصل أنّ مجموع هذه الأحاديث التي مفادها التكفير لا تخلو عن إشكال دلالي أو ضعف سندي.

أمّا الحديث الأوّل و هو عن البخاري: ففيه إشكال دلالي، و لا يخلو من شبهة الإرسال، و أنّه غير ثابت الإسناد إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، كما صرّح بذلك العيني و الشوكاني.

أمّا الحديث الثاني عن مسلم و فيه علقمة بن وائل عن أبيه: فهو مرسل؛ لأنّه ولد بعد موت أبيه.

أمّا الحديث الثالث عن أبي داود: ففي السند علاء بن صالح و أحاديثه لا يتابع عليها، كما صرّح بذلك البخاري.

أضف إلى ذلك معارضته بحديث آخر لابن الزبير.

أمّا الحديث الرابع عن أبي داود: ففي سنده هشيم. و هو مدلّس و قد تغيّر.

و فيه الحجّاج. و هو ضعيف أيضا.

أمّا الحديث الخامس عن أبي داود: ففيه زياد بن زيد و هو مجهول، و فيه أيضا عبد الرحمن بن إسحاق و هو ضعيف بالاتّفاق.

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 9، ص 104.

211

أمّا الحديث السادس عن أبي داود: ففيه أبو طالوت و هو ضعيف الحديث.

و فيه: الضبي. و هو أيضا لا يعرف- أي مجهول.

أمّا الحديث السابع عن أبي داود: ففيه عبد الرحمن بن إسحاق و هو ضعيف.

أمّا الحديث الثامن عن أبي داود: ففيه الهيثم و هو ضعيف، أضف إلى ذلك أنّه مرسل؛ لأنّ طاووسا التابعي لم يسمع من النبيّ و لم يره.

أمّا الحديث التاسع: رواية الترمذي و فيه قبيصة، و هو مجهول.

أمّا الحديث العاشر: حديث ابن ماجة و غالب رواياته ضعيفة إلّا سبعة منها.

أمّا الحديث الحادي عشر: حديث الدارمي و فيه عبد الجبّار عن أبيه، فهو مرسل؛ لأنّه ولد بعد موت أبيه، فلم يسمعه من أبيه.

أمّا الحديث الثاني عشر عن الدارقطني: ففيه مندل و هو ضعيف.

أمّا الحديث الثالث عشر عن الدارقطني: ففيه محمد بن أبان الأنصاري و لا يمكنه الرواية عن عائشة فهو مرسل، و فيه أيضا هشيم و هو ضعيف.

أمّا الحديث الرابع عشر عن الدار قطني: ففيه النضر بن إسماعيل و هو ضعيف.

أمّا الحديث الخامس عشر: ففيه طلحة و هو ضعيف عند الكلّ.

أمّا الحديث السادس عشر عن الدار قطني أيضا: ففيه وكيع و قد أخطأ في خمسمائة حديث.

أمّا الحديث السابع عشر و الثامن عشر عن الدارقطني: ففيهما‌

212

الحجّاج بن أبي زينب، و هو ضعيف و كذلك فيه (أي في السابع عشر) محمد بن الحسن الواسطي و هو مختلف فيه و يتلاعب بالأسناد.

أمّا الحديث التاسع عشر عن الدارقطني: ففيه أبو خالد الأحمر، و فيه كلام و أنّه ليس بحجّة في الحديث.

و أمّا الحديث العشرون: ففيه ابن أبي المخارق، و هو ضعيف؛ إذن لم يبق في المقام مستند يركن إليه و ينسب إلى النبيّ الكريم، و أنّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة.

أضف إلى ذلك أنّ بعض الصحابة و أئمّة المذاهب كانوا يكرهون ذلك و يقولون بالإرسال، كابن الزبير، و الإمام مالك، و ابن سيرين، و الحسن البصري، و النخعي و ...

و قول القرطبي: إنّه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة و السلام و لم ينقل فيها أنّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، و رأى قوم أن الأوجب المصير إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة، لأنّها أكثر. (1)

و مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على عدم الجواز، و أنّه غير مشروع، كما عرفت من الروايات و الفتاوى.

____________

(1). بداية المجتهد، ج 1، ص 137. و لعلّه يشير إلى حديث أبي حميد الساعدي الذي ينقل صفة صلاته (عليه السلام). و ليس فيه القبض. السنن الكبرى، ج 2، ص 105، ح 2517؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 194، ح 730؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 105، ح 304.

213

القسم الرابع الجمع بين الصلاتين و مصادره من الكتاب و السنّة

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

المقدّمة

الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين.

الهدف من تدوين هذا الكتاب هو إثبات أنّ الإصرار على التفريق بين الصلاتين و المداومة عليه ليس من السنّة النبويّة، فقد جمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بين الصلاتين كرارا و مرارا من دون أيّ عذر و سفر و مطر و مرض، كما روي ذلك عن جمع من الصحابة، كابن عبّاس، و ابن عمر، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبي أيّوب.

كما لا يجدي المحاولات في توجيه الأحاديث، و أنّ الجمع كان صوريّا لا حقيقيا، لأنّ الجمع الصوريّ لا يسمّى جمعا حقيقة- عرفا- مع أنّ الثابت من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو الجمع الحقيقي.

كما أنّ الغرض إثبات أنّ فعل الإماميّة من الجمع بين الصلاتين ليس من أداء الصلاة في غير وقتها، و لا أنّهم فعلوا بما هو نادر و غير وارد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، بل من الأكيد أنّه موافق لفعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و إن كان التفريق مستحبّا عند جمع من فقهائنا، و فيما يلي عرض هذه الدراسة:

دليل جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم

الآية الكريمة أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ

216

قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً.

أقول: لقد فرض اللّه تعالى على عباده في اليوم خمس صلوات، أربع منها من دلوك الشمس إلى غسق الليل، و المراد بالدلوك هو الزوال، و بالغسق، هو الانتصاف. فيكون الظهر مشاركا للعصر من زوال الشمس إلى غروبها، كما أنّ المغرب و العشاء أيضا يشاركان في الوقت إلّا أنّ المغرب قبل العشاء، و لكن صلاة الصبح فقد أفرد اللّه له بقوله تعالى: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ... فالآية تدلّ على اتّساع وقت الظهرين و العشائين، و لازمه هو جواز الجمع بينهما.

تفسير الآية عن أهل البيت (عليهم السلام)

1. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عمّا فرض اللّه من الصلاة؟

فقال: «خمس صلوات في الليل و النهار» فقلت: هل سمّاهنّ اللّه و بيّنهنّ في كتابه؟ فقال: «نعم، قال اللّه عزّ و جل لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله). أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1)؛ «و دلوكها: زوالها، و فيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات: سمّاهنّ اللّه و بيّنهنّ و وقّتهنّ. و غسق الليل: هو انتصافه. (2)

2. و عن الصادق (عليه السلام): «... و أوّل وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، و آخر وقتها إلى غسق الليل، يعني نصف الليل». (3)

3. العياشي: عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه:

أَقِمِ الصَّلٰاةَ*. قال: «إنّ اللّه افترض صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى‌

____________

(1). الاسراء: 78.

(2). الكافي، ج 3، ص 271، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 10، ب 2، ح 1.

(3). الفقيه، ج 1، ص 141، ح 657؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 174، ب 16، ح 6.

217

انتصاف الليل منها صلاتان أوّل وقتها من عند زوال الشمس إلى غروبها، إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتها من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه». (1)

4. و فيه عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه أَقِمِ الصَّلٰاةَ* قال:

دلوكها: زوالها، غسق الليل: إلى نصف الليل، ذلك أربع صلوات وضعهنّ رسول اللّه و وقّتهنّ للناس، و قرآن الفجر: صلاة الغداة. (2)

الروايات من طرق العامّة

1. أخرج ابن مردوية عن عمر في قوله أَقِمِ الصَّلٰاةَ ...* قال: لزوال الشمس. (3)

2. أخرج سعيد بن منصور و ابن جرير عن ابن عبّاس، قال: دلوكها:

زوالها. (4)

3. عن ابن مسعود، قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «أتاني جبرئيل (عليه السلام) لدلوك الشمس حين زالت، فصلّى بي الظهر». (5)

4. أخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي، قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلى أَقِمِ الصَّلٰاةَ ...*. (6)

5. أخرج عبد الرزّاق عن أبي هريرة: قال: دلوك الشمس: إذا زالت عن‌

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 25، ح 23؛ تفسير العياشي، ج 2، ص 310، ح 143؛ نور الثقلين، ج 2، ص 202، ح 377 و 378.

(2). تفسير العياشي، ج 2، ص 309، ح 138؛ نور الثقلين، ج 2، ص 202، ح 377 و 378.

(3). الدرّ المنثور، ج 4، ص 195.

(4). الدرّ المنثور، ج 4، ص 195.

(5). الدرّ المنثور، ج 4، ص 195.

(6). الدرّ المنثور، ج 4، ص 195.

218

بطن السماء، و غسق الليل: غروب الشمس. (1)

آراء المفسّرين

قال الفخر الرازي: فإن فسّرنا الغسق بظهور أوّل الظلمة- و حكاه عن ابن عبّاس و عطاء و النضر بن شميل- كان الغسق عبارة عن أوّل المغرب، و على هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، و وقت أوّل المغرب، و وقت الفجر. و هذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر و العصر، فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين، و أن يكون أوّل المغرب وقتا للمغرب و العشاء، فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر و العصر و المغرب و العشاء مطلقا إلّا أنّه دلّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع جائزا لعذر السفر و عند المطر و غيره. (2)

و الملاحظ أنّ الاستدلال و التقريب جيّد، و لكن استدراكه «و أنّ الجمع خلاف الدليل» ففيه سوف يأتي أنّ الجمع موافق للدليل، و كلامه هذا مخالف له.

الروايات من طرق الخاصة

1. الصدوق: بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) «أنّ‌

____________

(1). الدرّ المنثور، ج 4، ص 195.

(2). التفسير الكبير، ج 21، ص 26.

219

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد و إقامتين». (1)

قال المجلسي الأوّل: في الصحيح ... و يدلّ على جواز الجمع بين الصلاتين فى وقت واحد في الحضر من غير علّة، و في معناه أخبار كثيرة، و في بعضها «ليتّسع الوقت على أمّته»، فما وقع من التفريق، محمول على الاستحباب. (2)

2. الكليني: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن بكر، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، و صلّى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علّة في جماعة، و إنّما فصّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليتّسع الوقت على أمّته». (3)

أقول: وثّقه المجلسي. (4)

3. و عنه:- محمد بن يحيى- عن محمد بن أحمد، عن عبّاس الناقد، قال:

تفرّق ما كان في يدي و تفرّق عنّي حرفائي، فشكوت ذلك إلى أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لي: «اجمع بين الصلاتين الظهر و العصر ترى ما تحبّ». (5)

قال المجلسي: مجهول، و كأنّه كان مجيؤه إلى الصلاة مكرّرا سببا لتفرّق‌

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 186، ح 886؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 220، ب 32، ح 1.

(2). روضة المتّقين، ج 2، ص 236.

(3). الكافي، ج 3، ص 286، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 222، ح 8؛ تهذيب الاحكام، ج 2، ص 263، ح 1046؛ الاستبصار، ج 1، ص 271، ح 981؛ علل الشرائع، ص 321، ب 11، ح 3.

(4). مراة العقول، ج 15، ص 51.

(5). الكافي، ج 3، ص 287، ح 6؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 263، ح 1049.

220

الحرفاء. و قال في القاموس: حريفك معاملك فى حرفتك .... (1)

و قال في الملاذ: مجهول، و يدلّ على رجحان الجمع لهذه العلّة. (2)

4. الطوسي: ... بإسناده عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن عمر، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن إسحاق بن عمّار، قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): نجمع بين المغرب و العشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علّة؟ قال: «لا بأس». (3)

قال المجلسي: مجهول أو موثّق على الظاهر، قال الوالد العلّامة- طاب ثراه- موسى بن عمر لعلّه ابن بزيع الموثّق، و يحتمل أن يكون موسى بن عمر بن يزيد غير الموثّق. (4)

5. الطوسي: بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة عن رهط: منه: الفضيل و زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين». (5)

أقول: وثّقه المجلسي، و له بيان مرتبط بالأذان الثالث. (6)

6. الصدوق: ... عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ‌

____________

(1). مرآة العقول، ج 15، ص 53.

(2). ملاذ الأخيار، ج 4، ص 331.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 263، ح 1047؛ الاستبصار، ج 1، ص 272، ح 982؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 223، ب 21، ح 11.

(4). ملاذ الأخيار، ج 4، ص 330.

(5). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 18، ح 66؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 223، ب 31، ح 11.

(6). ملاذ الأخيار، ج 4، ص 674.

221

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى الظهر و العصر في مكان واحد من غير علّة و لا سبب، فقال له عمر- و كان أجرأ القوم عليه- أحدث في الصلاة شي‌ء؟ قال: لا، و لكن أردت أن أوسّع على أمّتي». (1)

7. عنه: ... عن عبد الملك القمّي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أجمع بين الصلاتين من غير علّة؟ قال: «قد فعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد التخفيف عن أمّته». (2)

8. عنه: ... عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين الظهر و العصر من غير خوف و لا سفر، فقال: أراد أن لا يحرج أحد من أمّته. (3)

9. عنه: ... عن أبي يعلى بن الليث والي قمّ، عن عون بن جعفر المخزومي، عن داود بن قيس الفرّاء، عن صالح، عن ابن عبّاس، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر و المغرب و العشاء، من غير مطر و لا سفر، فقيل لابن عبّاس: ما أراد به؟ قال: أراد التوسيع لأمّته. (4)

10. عنه: ... عن طاووس، عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء في السفر و الحضر. (5)

11. عنه: ... عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر أنّ‌

____________

(1). علل الشرائع، ص 321، ب 11، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 221، ب 32، ح 2.

(2). نفس المصدر، ح 2؛ نفس المصدر، ب 31، ح 3.

(3). نفس المصدر، ح 4؛ نفس المصدر، ح 4.

(4). نفس المصدر، ص 322، ح 6؛ نفس المصدر، ح 5.

(5). نفس المصدر، ح 7؛ نفس المصدر، ح 6.

222

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى بالمدينة مقيما غير مسافر جميعا، و تماما جمعا. (1)

قال المجلسي: و لم أقف على ما ينافي استحباب التفريق من رواية الأصحاب سوى ما رواه عبّاس الناقد (و هى الثالثة هنا) و هو إن صحّ أمكن تأويله بجمع لا يقتضي طول التفريق؛ لامتناع أن يكون ترك النافلة بينها مستحبّا، أو يحمل على ظهر الجمعة، أمّا باقي الأخبار فمقصورة على جواز الجمع، و هو لا ينافي استحباب التفريق. (2)

12. الصدوق: ... سعيد بن علّامة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق». (3)

13. العياشي: محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال في صلاة المغرب في السفر: «لا يضرّك أن تؤخّر ساعة ثم تصلّيهما إن أحببت أن تصلّي العشاء الآخرة، و إن شئت مشيت ساعة إلى أن يغيب الشفق، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى صلاة الهاجرة و العصر جميعا، و المغرب و العشاء الآخرة جميعا، و كان يؤخّر و يقدّم، إن اللّه تعالى قال: إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً. (4)

إنّما عنى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره، أنّه لو كان- كما يقولون- لم يصلّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا، و كان أخبر و أعلم، و لو كان خيرا لأمر به محمد (صلّى اللّه عليه و آله)». (5)

____________

(1). نفس المصدر، ح 8؛ المصدر، ح 7.

(2). مرآة العقول، ج 15، ص 52.

(3). الخصال، ص 504، ح 2؛ مستدرك الوسائل، ج 3، ب 26، ح 1.

(4). النساء: 103.

(5). تفسير العياشي، ج 1، ص 273، ح 258؛ البرهان، ج 1، ص 412، ح 5.

223

ما يستدلّ على مرجوحيّة الجمع

1. صحيح زرارة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصوم فلا أقيل حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صلّيت نوافلي، ثمّ صلّيت الظهر، ثمّ صلّيت نوافلي، ثمّ صلّيت العصر، ثمّ نمت و ذلك قبل أن يصلّي الناس؟ فقال:

«يا زرارة؛ إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، و لكنّي أكره لك أن تتّخذه وقتا دائما». (1)

2. خبر ابن ميسرة: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا زالت الشمس في طول النهار للرجل أن يصلّي الظهر و العصر؟ قال: «نعم، و ما أحبّ أن يفعل ذلك كلّ يوم». (2)

3. صحيح الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا كان في سفر أو عجّلت به حاجة، يجمع بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء ....» (3)

ربّما يظهر من الخبر أنّ الجمع كان لعذر من سفر، أو مطر أو ....

4. خبر ابن علوان: عن عليّ (عليه السلام): قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يجمع بين المغرب و العشاء في الليلة المطيرة، فعل ذلك مرارا». (4)

5. عن صفوان الجمّال: قال: صلّى بنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) الظهر و العصر عند‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 4، ص 134، ب 5، ح 10.

(2). نفس المصدر، ص 218، ح 15.

(3). نفس المصدر، ب 31، ح 3 و 102.

(4). نفس المصدر، ح 6.

224

ما زالت الشمس بأذان و إقامتين، و قال: «إنّي على حاجة فتنفّلوا». (1)

و الجواب عن الأوّل و الثاني، فإنّهما صدرا لأجل إخفاء الراويين على العامّة و عدم تظاهرهما بما كان من عادة الشيعة، و يشهد له رواية أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله إنسان و أنا حاضر، فقال:

ربّما دخلت المسجد و بعض أصحابنا يصلّون العصر و بعضهم يصلّي الظهر؟ فقال: «أنا أمرتهم بهذا لو صلّوا على وقت واحد عرفوا فأخذوا برقابهم». (2)

أمّا الرواية الأخيرة، فلا دلالة لها على الكراهة إلّا من التمسّك بمفهوم اللقب الذي هو من أردأ المفاهيم، سيّما مع وجود الإطلاقات التي مفادها جواز الجمع، سواء مع العذر أم بغيره.

ثمّ بناء على أنّ الإمام (عليه السلام) يكره عدم حصول التفريق بقوله: «و لكنّي أكره لك أن تتّخذه وقتا دائما».

لقد أجاب السبزواري بأجوبة: فمنها: يمكن أن تكون كراهته (عليه السلام) لأنّ هذا النحو من التفريق كان من شعار الشيعة، فكره (عليه السلام) أن يعرف زرارة بهذا الشعار حتى يصير مورد شماتة الأعداء، و مقتضى القاعدة أنّ العامّ و المطلق متّبعان ما لم يدلّ دليل خاصّ ظاهر أو مقيّد كذلك على الخلاف، و هما منفيان في المقام. (3)

____________

(1). نفس المصدر، ح 3.

(2). نفس المصدر، ص 136، ب 7، ح 3.

(3). مهذّب الأحكام، ج 5، ص 86.

225

آراء الفقهاء

1. السيد الخوئي: و المتحصّل إلى هنا أنّه لم يدلّنا أيّ دليل على المنع عن الجمع بين الصلاتين جمعا تكوينيّا خارجيّا، أعني مجرّد الاتّصال بينهما و إن كان استحباب التفرقة بين الصلاتين هو المشهور عند الأصحاب إلّا أنّه كما تقدّم ممّا لا أساس له، و إنّما الكراهة في الجمع بينهما فى الوقت، بمعنى إتيان صلاة فى وقت الفضيلة لصلاة أخرى، كما مرّ. (1)

2. السيد اليزدى: يستحبّ التفريق بين الصلاتين في الوقت، كالظهرين، و العشائين، و يكفي مسمّاه. (2)

إذن، لا خلاف عندنا في عدم وجوب التفرقة بين الصلوات، ثم الاختلاف في استحباب التفرقة، كما هو المشهور عندنا، أو كراهة الجمع بمعنى إتيان صلاة الظهر مثلا في وقت فضيلة العصر ....

3. السبزواري: ثمّ إنّ مقتضى الأصل عدم الكراهة في الجمع، و يشهد له قول الصادق (عليه السلام) و: «تفريقها أفضل»؛ إذ لا يستفاد منه مرجوحيّة الجمع، بل له الفضل أيضا، لكن الأفضل التفريق إلّا أن يكون من قبيل قوله تعالى:

أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* بنحو أصل الرجحان و مرجوحيّة خلافه، و لكنّه ممنوع، و يظهر من جملة من الأخبار أيضا عدم مرجوحيّته، ففي صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) «... من غير علّة ...» و خبر ابن عمّار «... أردت أن أوسّع على أمّتي ...» و صحيح زرارة: «إنّما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1). شرح العروة الوثقى، ج 1، ص 321؛ ج 11، ص 225 باختلاف يسير.

(2). العروة الوثقى، ص 174.

226

ليتّسع الوقت على أمّته ...». (1)

الأحاديث من طرق العامّة

1. عن ابن عبّاس: قال: صلّيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمانيا جميعا و سبعا جميعا، قال عمرو بن دينار، قلت: يا أبا الشعثاء، أظنّه أخّر الظهر و عجّل العصر، و أخّر المغرب و عجّل العشاء ... قال: و أنا أظنّ ذلك. (2)

2. عن حبيب بن أبي ثابت: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال:

جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء بالمدينة في غير خوف و لا مطر. (3)

3. عن ابن عبّاس: قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة مقيما غير مسافر سبعا و ثمانيا: الظهر و العصر، و المغرب و العشاء. (4)

4. روى مسلم في حديث وكيع: قال قلت لابن عبّاس: لم فعل ذلك؟ قال:

كي لا يحرج أمّته. و في حديث ابن معاوية: قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته.

5. عن عبد اللّه بن شفيق العقيلي: قال: خطبنا ابن عبّاس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس و بدت النجوم و جعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تميم لا يفتر و لا ينثني يقول: الصلاة الصلاة، فقال‌

____________

(1). مهذب الأحكام، ج 5، ص 87.

(2). صحيح البخاري، ج 2، ص 72؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 152؛ مسند أحمد، ج 1، ص 221.

(3). صحيح مسلم، ج 2، ص 152؛ الموطّأ، ج 1، ص 144، ح 4؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 354، ح 178؛ مسند احمد، ج 1، ص 221.

(4). صحيح مسلم، ج 2، ص 152؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 147؛ مسند أحمد، ج 1، ص 221.

227

ابن عبّاس: أ تعلّمني بالسنّة لا أمّ لك؟ ثم قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، قال عبد اللّه بن شفيق: فحاك في صدري من ذلك شي‌ء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدّق مقالته. (1)

قال الإمام شرف الدين: من هوان الدنيا على اللّه تعالى و هوان آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) على هولاء أن يحوك في صدورهم شي‌ء من ابن عبّاس فيسألوا أبا هريرة، وليتهم بعد تصديق أبي هريرة عملوا بالحديث. (2)

6. عن جابر بن زيد: عن ابن عبّاس، أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى بالمدينة سبعا و ثمانيا: الظهر و العصر، و المغرب و العشاء. فقال أيّوب: لعلّه في ليلة مطيرة؟

قال: عسى. (3) أقول: هذا الاستظهار من أيّوب- الراوي- و لا ربط له بالحديث.

7. أرسل البخاري: عن ابن عمر و أبي أيّوب و ابن عبّاس: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى المغرب و العشاء؛ يعني جمعها في وقت إحداهما دون الأخرى. (4)

8. مسلم: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الظهر و العصر جميعا بالمدينة في غير خوف و لا سفر. قال أبو الزبير:

فسألت سعيدا: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عبّاس كما سألتنى، فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمّته. (5)

9. أبو داود: عن ابن عبّاس: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين الظهر و العصر،

____________

(1). مسند أحمد، ج 1، ص 251؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 154؛ شرح معاني الآثار، ج 1، ص 161؛ مسند الطيالسي، ج 10، ص 341، ح 1326.

(2). مسائل فقهية خلافية، ص 10.

(3). صحيح البخاري، ج 1، ص 143.

(4). نفس المصدر، ص 148.

(5). صحيح مسلم، ج 2، ص 151.

228

و المغرب و العشاء بالمدينة من غير خوف و لا مطر. فقيل لابن عبّاس:

ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته. (1)

10. أخرج عنه أيضا: صلّى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة ثمانيا و سبعا:

الظهر و العصر، و المغرب و العشاء. (2)

11. النسائي: عن ابن عبّاس، قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الظهر و العصر جميعا، و المغرب و العشاء جميعا، من غير خوف و لا سفر. (3)

12. عنه أيضا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصلّي بالمدينة يجمع بين الصلاتين:

الظهر و العصر، و المغرب و العشاء من غير خوف و لا مطر، قيل له: لم؟ قال:

لئلّا يكون على أمّته حرج. (4)

13. عنه أيضا: عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس، أنّه صلّى بالبصرة، الأولى و العصر ليس بينهما شي‌ء، و المغرب و العشاء ليس بينهما شي‌ء، فعل ذلك من شغل، و زعم ابن عبّاس أنّه صلّى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، الأولى و العصر ثماني سجدات ليس بينهما شي‌ء. (5)

14. قال ابن عمر: جمع لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مقيما غير مسافر بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، فقال رجل لابن عمر: لم ترى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فعل ذلك؟ قال: لئلّا يحرج أمّته إن جمع رجل. (6)

____________

(1) سنن أبي داود، ج 2، ص 6، ح 1211.

(2) سنن أبي داود، ج 2، ص 6، 1214.

(3). سنن النسائي، ج 1، ص 290، و فيه أيضا: صلّيت وراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمانيا جميعا و سبعا جميعا.

(4). سنن النسائي، ج 1، ص 290، و فيه أيضا: صلّيت وراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمانيا جميعا و سبعا جميعا.

(5). نفس المصدر، ص 286؛ حلية الأولياء، ج 3، ص 90؛ مسند الطيالسي، ج 10، ص 341، ح 2613.

(6). مصنّف عبد الرزاق، ج 2، ص 556، ح 4437؛ كنز العمّال، ج 2، ص 242، ح 5078.

229

15. أبو نعيم: عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمان ركعات جميعا، و سبع ركعات جميعا من غير مرض و لا علّة. (1)

16. الطبراني: عبد اللّه بن مسعود، قال: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- يعني بالمدينة- بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، فقيل له في ذلك، فقال:

«صنعت ذلك لئلّا تحرج أمّتي». (2)

17. الطحاوي: عن جابر بن عبد اللّه (عليه السلام): جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء بالمدينة للرخص من غير خوف و لا علّة. (3)

هذه نبذة من الأحاديث الصحيحة في الجمع بين الصلاتين أوردها أرباب الصحاح و السنن و المسانيد، و هى حجّة على من لا يرى الجمع بينها، و حجّة لمن يجمع بينها، و لا يضرّ بذلك عدم عمل جمهور أهل السنّة بذلك.

التأويلات

حاول جمع منهم تأويل أحاديث الجمع بين الصلاتين بما فيه تمحّل و تكلّف بيّن.

الأوّل: الغلط و الوهم من الراوي، كما عن الدهلوي: و ليعلم أنّ ما وقع في الحديث من قوله صلّى بالمدينة وهم من الراوي، بل كان ذلك في سفر. (4)

و هو كما ترى؛ إذ روى الطبراني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن‌

____________

(1). حلية الأولياء، ج 3، ص 90.

(2). المعجم الصغير، ج 2، ص 94؛ المعجم الكبير، ج 10، ص 269، ح 10525.

(3). معاني الآثار، ج 1، ص 161.

(4). شرح تراجم أبواب البخاري، ص 12، ط كراتشي.

230

ابن عبّاس قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمانيا جميعا و سبعا جميعا مقيما في غير سفر، فقلت: أين كان؟ قال: بالمدينة. (1)

الثاني: إنّ الجمع كان لعذر المطر، و هذا الوجه منقول عن جمع من كبار المتقدّمين، و ردّه اخرون بما يلي:

ألف) و قد أجاب النووي عنه بقوله: و هو ضعيف بالرواية الأخرى من غير خوف و لا مطر.

ب) قال ابن حجر: احتمال المطر، قال به أيضا مالك عقب إخراجه لهذا الحديث، يعني حديث جابر بن زيد عن ابن عبّاس ... قال بدل قول:

«بالمدينة» من غير خوف و لا سفر. قال مالك: لعلّه كان في مطر. لكن رواه مسلم و أصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير بلفظ: من غير خوف و لا مطر، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر. (2)

أقول: يرى الخطابي ضعف حديث حبيب، فيقول: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، و إسناده جيّد إلّا ما تكلّموا من أمر حبيب. (3)

و لكن يردّه قول الذهبي الذي احتجّ به كلّ من أفراد الصحاح بلا تردّد، و وثّقه يحيى و جماعة. (4)

و قال ابن عدي: هو أشهر و أكثر حديثا من أن أحتاج أن أذكر من حديثه‌

____________

(1). المعجم الأوسط، ج 3، ص 176.

(2). فتح الباري، ج 2، ص 30.

(3). معالم السنن، ج 2، ص 55؛ عون المعبود، ج 1، ص 469.

(4). ميزان الاعتدال، ج 1، ص 451.

231

شيئا، و قد حدّث عنه الأئمّة، و هو ثقة، حجّة، كما قال ابن معين. (1)

ج) قال المحقّق ابن الصدّيق- ردّا على هذا التأويل-: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صرّح بأنّه فعل ذلك ليرفع الحرج عن أمّته، و بيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه ... إنّ ابن عبّاس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة و جمع لأجل إنشغاله بالخطبة، ثم احتجّ بجمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يجوز أن يحتجّ بجمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) للمطر و هو عذر بيّن ظاهر- على الجمع لمجرّد الخطبة أو الدرس الذي في إمكانه أن يقطعه للصلاة، ثمّ يعود إليه أو ينتهي منه عند وقت الصلاة و لا يلحقه فيه ضرر و لا مشقّة، كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر و الوحل. (2)

الثالث: أنّه كان في غيم فصلّى الظهر ثم انكشف الغيم و بان أنّ وقت العصر قد دخل، فصلّاها.

و فيه ما لا يخفى من التكلّف، و قد أجاب المازري: و هذا يضعفه جمعه بالليل؛ لأنّه لا يخفى دخول الليل حتى يلتبس دخول المغرب بوقت العشاء و لو كان الغيم. (3)

الرابع: كان ذلك بعذر المرض و نحوه من الأعذار. و قوّاه بل اختاره النووي في شرحه، و نسبه إلى أحمد بن حنبل، و القاضي حسين، و الخطابي، و المتولّي، و الروياني. (4)

و فيه ما لا يخفى، فإنّه مخالف لظاهر الأحاديث. و قد ناقشه كلّ من العسقلاني و الزرقاني و الشوكاني.

____________

(1). الكامل في الضعفاء، ج 2، ص 406؛ تهذيب التهذيب، ج 1، ص 430.

(2). إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر، ص 116.

(3). شرح صحيح مسلم، ج 3، ص 410.

(4). شرح صحيح مسلم، ج 3، ص 410.

232

قال العسقلاني الشافعي: فيه نظر؛ لأنّه لو كان جمعه بين الصلاتين لعارض المرض لما صلّى معه إلّا من به نحو ذلك العذر، و الظاهر أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى بأصحابه، و قد صرّح بذلك ابن عبّاس في روايته. (1)

أضف إلى ذلك أنّ المشهور عند الشافعيّة، بل عن الترمذي إجماع الأمّة على عدم جواز الجمع للمريض. (2)

الخامس: أنّ الجمع كان لأجل مشقّة عارضة في ذلك اليوم من مرض غالب، أو برد شديد، أو وحل، و نحو ذلك، و هذا تأويل ابن باز معجبا بهذا التأويل، قائلا: و هو جواب عظيم، سديد، شاف. (3)

قال ابن المنذر- ردّا على هذا الاحتمال-: لا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأنّ ابن عبّاس قد أخبر بالعلّة فيه، و هو قوله: أراد أن لا يحرج أمّته. (4)

السادس: أنّ الجمع مختصّ بمسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لفضله.

أجاب عنه الغماري المغربي: يكفي في إبطاله أنّ دعوى الخصوصيّة لا تثبت إلّا بدليل، و أنّ مثل هذه الدعوى لا يعجز عنها أحد في كلّ شي‌ء أراد نفيه من أنواع التشريعات، فأيّ فرق بين ادّعاء الخصوصية في الجمع بين الصلاتين و ادّعائها في الجماعة مثلا. و أنّها خاصّة بمسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفضله؟ و كذلك في الجمعة و أنّها خاصّة بمسجده و بزمانه و استماع خطبه‌

____________

(1). فتح الباري، ج 2، ص 30؛ شرح الموطّأ، ج 1، ص 263؛ نيل الأوطار، ج 3، ص 216.

(2). فتح الباري، ج 2، ص 50؛ كفاية الأخيار، ص 89.

(3). شرح صحيح البخاري، ج 2، ص 30.

(4). معالم السنن، ج 2، ص 55، ح 1167.

233

و كلامه؟ و ما عدا مسجده و زمانه فلا تشرع جمعة و لا جماعة و هكذا سائر أفعاله التي قام الدليل على وجوب التأسّي به فيها، أو استحبابه، و لأنّه لا يجوز ادّعاء الخصوصية به أو بمكانه أو زمانه إلّا بدليل يدلّ على ذلك، فكيف و قد جمع بعرفة، و مزدلفة، و منى، و تبوك و كثير من البقاع في أسفاره و غزواته؟ و جمع بعده أصحابه في أسفارهم و أوقات ضروراتهم، فهو دليل قاطع على بطلان هذا التأويل.

السابع: أنّ الجمع صوري.

توضيحه: أنّ الجمع على قسمين: حقيقي و صوري. أمّا الحقيقي: معناه الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما كما في يوم عرفة و ليلة المزدلفة.

و أمّا الصوري: تأخير الظهر إلى آخر وقتها، و تعجيل العصر في أوّل وقتها، و قد اختاره الأحناف و المازري. و عياض و القرطبي و ابن سيّد الناس، و إمام الحرمين، و العسقلاني. (1) و أمّا النسبة بين حديث أبي الشعثاء و أحاديث الباب نسبة المقيّد إلى المطلق. (2)

و قد ناقشه جمع من العامّة و ردّه ابن الصدّيق بعشرين وجها كما ناقش الخطابي هذا الاحتمال و فيما يلي نصّ كلامه:

ظاهر اسم الجمع عرفا لا يقع على من أخّر الظهر حتى صلّاها في آخر وقتها، و عجّل العصر فصلّاها في أوّل وقتها؛ لأنّ هذا قد صلّى كلّ صلاة منها في وقتها الخاصّ بها ... و إنّما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معا‌

____________

(1). إزالة الحظر ممّن جمع بين الصلاتين في الحضر، ص 91؛ نيل الأوطار، ج 3، ص 219.

(2). سبل السلام، ج 2، ص 43.

234

في وقت إحداهما، ألا ترى أنّ الجمع بعرفة بينهما و مزدلفة كذلك. (1)

ما يستدلّ به على الجمع الصوري

الأوّل: عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس قال: صلّيت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة ثمانيا جميعا و سبعا جميعا أخّر الظهر و عجّل العصر، و أخّر المغرب و عجّل العشاء.

و قد استدلّ الشوكاني بهذا الدليل قائلا: فهذا ابن عبّاس راوي الحديث قد صرّح بأنّ ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري. (2)

و الجواب: أنّ التعجيل و التأخير المذكورين- أى التفسير- في الحديث إنّما هو من الراوي (3) لا من ابن عبّاس، و يشهد لذلك ما أورده الصحيحان عن عمرو بن دينار: يا أبا الشعثاء: أظنّه أخّر الظهر و عجّل العصر، و أخّر المغرب و عجّل العشاء، قال أبو الشعثاء، و أنا أظنّ ذلك.

و قد صرّح ابن شاكر في تعليقه على مسند أحمد قائلا: إنّ هذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء و لا حجّة فيه. (4)

الثاني: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصلّ في غير الوقت إلّا صلاتين: المغرب و العشاء بمزدلفة، و الفجر قبل وقتها. على ما رواه البخاري و النسائي و أبو داود و الموطّأ عن ابن مسعود: ما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى صلاة لغير ميقاتها إلّا‌

____________

(1). معالم السنن، ج 2، ص 52، ح 1163؛ عون المعبود، ج 1، ص 468.

(2). نيل الأوطار، ج 3، ص 216.

(3). أى أبي الشعثاء جابر بن زيد.

(4). تعليق ابن شاكر على مسند أحمد، ج 3، ص 280، ح 1918.

235

صلاتين، جمع المغرب و العشاء بالمزدلفة، و صلّى الفجر يومئذ قبل وقتها. (1)

و يرد عليه أوّلا: هذا الحصر ينافي جمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بين الصلاتين في عرفة، و في السفر، فلا يمكن الأخذ بهذا الحديث.

قال النووي: هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر و العصر بعرفات. (2)

ثانيا: ينافي ما ورد عن ابن عبّاس، بل و عن ابن مسعود نفسه من الجمع في المدينة، و ما ورد من جمع ابن عبّاس بالبصرة.

الثالث: ما عن ابن عمر: خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فكان يؤخّر الظهر و يعجّل العصر، فيجمع بينهما، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء، فيجمع بينهما.

و قد أشار إليه الشوكاني قائلا: و هذا هو الجمع الصوري، و ابن عمر هو ممّن روى جمعه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد الرزّاق. (3)

و الجواب: على فرض الدلالة الجمع الصوري يتعارض مع ما ورد عنه.

فقد ورد عن ابن عمر صريحا بجمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الحضر.

روى ابن عمر: جمع لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مقيما غير مسافر بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، فقال رجل لابن عمر: لم ترى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فعل ذلك؟ قال: لئلّا يحرج أمّته إن جمع رجل. (4)

كما ثبت أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جمع في السفر بين الصلاتين.

____________

(1). نيل الأوطار، ج 3، ص 245؛ فتح البارى، ج 2، ص 31.

(2). شرح النووي، ج 5، ص 413؛ حاشية السندي، ج 1، ص 292.

(3). شرح المنتقى، ج 3، ص 246 و 247.

(4). مصنّف عبد الرزاق، ج 2، ص 556، ح 4437.

236

روى أنس بن مالك، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما. (1)

علّق النووي قائلا: و هو صريح في الجمع في وقت الثانية. (2)

تصريح النووي: و هذا- يعني التأويل بالجمع الصوري- ضعيف أو باطل؛ لأنّه مخالف للظاهر، مخالفة لا تحتمل فعل ابن عبّاس الذي ذكرناه حين خطب، و استدلاله بالحديث لتصويب فعله، و تصديق أبي هريرة له، و عدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل. (3)

هل قول ابن عبّاس خلاف الإجماع؟

ادّعى الترمذي و تقي الدين السبكى إجماع أهل العلم على ترك العمل بحديث ابن عبّاس. (4)

أقول: و هي دعوى باطلة و يشهد بذلك:

1. قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: أمّا حديث ابن عبّاس، فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال. (5)

2. قال الآلوسي ردّا على كلام الترمذي: إنّه ناشئ من عدم التتبّع. (6)

3. قال الشوكاني: و قد استدلّ بحديث الباب، القائلون بجواز الجمع‌

____________

(1). صحيح مسلم، ج 2، ص 102.

(2) شرح النووي، ج 3، ص 406- 410.

(3) شرح النووي، ج 3، ص 406- 410.

(4). رسالة الاجتماع و الافتراق (ضمن الدرّة المضيئة)، ص 22؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 736.

(5). شرح صحيح مسلم، ج 3، ص 410.

(6). روح المعاني، ج 15، ص 134.

237

مطلقا بشرط أن لا يتّخذ ذلك خلقا و عادة. (1)

4. قال الشوكاني: و رواه ابن مظفّر في البيان عن عليّ (عليه السلام)، و زيد بن عليّ، و الهادي، و أحد قولي الناصر، و أحد قولي المنصور. (2)

5. و حكى في البحر عن البعض أنّه (منع الجمع) إجماع، و منع ذلك مسندا بأنّه قد خالف في ذلك من تقدّم. (3)

أقوال فقهاء العامّة في جواز الجمع

1. قال ابن رشد: أمّا الجمع: فإنّه يتعلّق به ثلاث مسائل: إحداها: جوازه و ... أمّا جوازه: فإنّهم أجمعوا على أنّ الجمع بين الظهر و العصر في وقت الظهر بعرفة سنّة، و بين المغرب و العشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء سنّة أيضا، و اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين، فأجازه الجمهور على اختلاف بينهم في المواضع التى يجوز فيها من التي لا يجوز، و منعه أبو حنيفة و أصحابه بإطلاق .... (4)

2. السرخسي: قال مالك: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى بقدر ما يصلّى فيه أربع ركعات دخل وقت العصر، فكان الوقت مشتركا بين الظهر و العصر إلى أن يصير الظلّ قامتين؛ لظاهر حديث إمامة جبرئيل. (5)

3. ابن حجر: و ممّن قال به ابن سيرين، و ربيعة، و أشهب من أصحاب‌

____________

(1). نيل الأوطار، ج 3، ص 216.

(2). نيل الأوطار، ج 3، ص 216.

(3). نيل الأوطار، ج 3، ص 216.

(4). بداية المجتهد، ج 1، ص 170.

(5). المبسوط، للسرخسي، ج 1، ص 143؛ المجموع، ج 4، ص 384؛ حلية العلماء، ج 2، ص 244؛ المغني، ج 1، ص 382.

238

مالك، و ابن المنذر و القفّال الكبير، و حكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث و أضاف: ما ذكره ابن عبّاس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع. (1)

4. ابن رشد: أجازه جماعة من أهل الظاهر (2) و أشهب من أصحاب مالك.

5. قال النووي: و يؤيّده ظاهر قول ابن عبّاس: أراد أن لا يحرج أمّته، فلم يعلّله بمرض و لا غيره.

و قال أيضا: و حكى إمام الحرمين قولا أنّه يجوز الجمع بين المغرب و العشاء في وقت المغرب و هو مذهب مالك. و قال ابن المنذر من أصحابنا:

يجوز الجمع في الحضر من غير خوف و لا مطر و لا مرض. و حكاه الخطابي في معالم السنن عن القفال الكبير الشاشي، عن أبي إسحاق المروزي.

و حكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب. (3)

6. حامد بن حسن: روي جواز الجمع بغير عذر عن عبد اللّه بن الحسن، و زيد بن عليّ، و الناصر، و الحسن بن يحيى بن زيد، و المتوكّل على اللّه أحمد بن سليمان، و المهدي أحمد بن الحسين، و المنصور باللّه عبد اللّه بن حمزة، و المتوكّل: المطهّر بن يحيى، و ولده المهدي محمد، و اختاره الحسن بن عليّ بن داود، و المنصور باللّه القاسم بن محمد، و ولده المؤيّد باللّه، و المفتي، و النخعي و غيرهم. و رواه ابن مظفّر في البيان، عن عليّ (عليه السلام). (4)

____________

(1). فتح الباري، ج 2، ص 31.

(2). بداية المجتهد، ج 1، ص 177.

(3). المجموع، ج 4، ص 258.

(4). قرة العين في الجمع بين الصلاتين، ص 3؛ نيل الأوطار، ج 3، ص 245؛ رحمة الأمّة، ص 52.

239

7. المحدّث إبن الصدّيق الغمارى: فإنّه أفرد كتابا لذلك و سماه إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر ... و لكنّه قيّد الجواز بعدم اتّخاذه عادة.

8. القاضي أحمد بن محمد بن شاكر الشافعي: بعد حكاية مذهب ابن سيرين في جواز الجمع ... قال: هذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، و أمّا التأويل بالمرض أو العذر أو غيره: فإنّه تكلّف لا دليل عليه.

و أضاف: و في الأخذ بها رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرّهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين، و يتأثّمون بذلك، ففى هذا ترفيه لهم، و إعانة على الطاعة ما لم يتّخذه عادة، كما قال ابن سيرين. (1)

استحباب الأخذ بالمرخّصات الشرعيّة

بعد أن ثبت جواز الجمع بين الصلاتين، و أنه مرخّص فيه شرعا، ينبغي بل يستحبّ الاخذ برخص اللّه تعالى، كما ورد في الأحاديث:

1. عن ابن عبّاس، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «إنّ اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه، كما يحبّ أن تؤتى عزائمه». (2)

2. عن ابن عمر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «إنّ اللّه يحبّ أن توتى رخصه كما لا يحبّ أن توتى معاصيه». (3)

3. عن أنس بن مالك: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إنّ اللّه يحبّ أن تقبل رخصه، كما يحبّ العبد مغفرة ربّه». (4)

____________

(1). التعليق على سنن الترمذي، ج 1، ص 358.

(2). الدر المنثور، ج 1، ص 193؛ موسوعة أطراف الحديث، ج 3، ص 217.

(3). الدر المنثور، ج 1، ص 193؛ موسوعة أطراف الحديث، ج 3، ص 217.

(4). الدر المنثور، ج 1، ص 193؛ موسوعة أطراف الحديث، ج 3، ص 217.

240

4. و عن ابن عمر: قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «من لم يقبل رخصة اللّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة». (1)

روايات توهم حرمة الجمع بين الصلاتين

1. عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر». (2)

و لكن في السند «حنش» و هو لقب الحسين بن قيس الرحبي أبي عليّ الواسطي، قال البخاري: أحاديثه منكرة جدّا، و لا يكتب حديثه، و قال أحمد: ضعيف الحديث، و كذلك سائر أئمّة هذا الفنّ. (3)

و قال البيهقي: و هو ضعيف عند أهل النقل لا يحتجّ بخبره. (4)

2. عن أبي العالية: إنّ عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: اعلم أنّ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر.

أقول: و الحديث مرسل، صرّح بذلك البيهقي قائلا: مرسل، أبو العالية لم يسمع من عمر، و تعقّبه ابن التركماني الحنفي بأنّه صلّى خلف عمر. (5)

أقول: و لكن صلاته خلف الخليفة أعمّ من روايته عنه، كما قال العسقلاني: إنّه (أبو العالية) دخل على أبي بكر، لكنّ شيئا من ذلك لا يقتضي‌

____________

(1). الدرّ المنثور، ج 1، ص 193.

(2). سنن الترمذي، ج 1، ص 356، ح 188؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 275.

(3). تهذيب التهذيب، ج 1، ص 538.

(4). السنن الكبرى، ج 3، ص 169، و ج 4، ص 385.

(5). الجوهر النقي، ج 3، ص 169.

241

السماع كما لا يخفى و لقد كان في الصحابة من لقي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يسمع منه.

فليس تعقّب ابن التركماني بشي‌ء. (1)

أضف إلى ذلك أنّ الخليفة لم يرفعه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فيحتمل أن يكون ذلك اجتهادا و رأيا منه، و قد صرّح الغزالي بعدم حجّيّة قول الصحابي، و جعل القول بحجّيّته من الأصول الموهومة. قال: الأصل الثاني من الأصول الموهومة: قول الصحابي، و قد ذهب قوم إلى أنّ مذهب الصحابي حجّة مطلقا. و قوم إلى أنّه حجّة إن خالف القياس. و قوم إلى أنّ الحجّة في قول أبي بكر و عمر خاصّة لقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي». و قوم إلى أنّ الحجّة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتّفقوا. و هو باطل عندنا؛ فإنّ من يجوز عليه الغلط و السهو و لم تثبت عصمته عنه، فلا حجّة في قوله، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ عليهم. (2)

____________

(1). لسان الميزان، ج 7، ص 471.

(2). المستصفى، ج 1، ص 260.

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

القسم الخامس كيفيّة الوضوء على ضوء الكتاب و السنّة

244

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

245

الوضوء

بدء تشريع الوضوء

السيوطي: أخرج البيهقي و أبو نعيم عن عروة بن الزبير أنّ جبرئيل لمّا نزل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في أوّل البعثة، ففتح عينا من ماء فتوضّأ و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ينظر إليه، فغسل وجهه و يديه إلى المرفقين، و مسح برأسه و رجليه إلى الكعبين، ففعل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) كما رأى جبرئيل يفعل. (1)

بدء الخلاف في الوضوء

أوّل من نقل عنه الخلاف في صفة وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو الخليفة الثالث و لكن يبدو من بعض النصوص أنّ الخلاف كان من عهد الخليفة الثاني، كما عن الطبراني في الأوسط و سيأتي الإشارة إليه.

1. المتّقي الهندي: عن أبي مالك الدمشقي، (2) قال: حدّثت أنّ‌

____________

(1). الخصائص الكبرى، ج 1، ص 233؛ السيرة الحلبيّة، ج 1، ص 428؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 399، ح 26890.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 416.

246

عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء، فاذّن للنّاس فدخلوا عليه فدعا بماء فغسل. (1)

2. مسلم: عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفّان بوضوء فتوضّأ ثمّ قال: إنّ ناسا يتحدّثون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأحاديث لا أدري إلّا أنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ مثل وضوئي هذا، ثمّ قال: من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه. (2)

3. المتّقي الهندى: عن أبي علقمة، عن عثمان بن عفّان أنّه دعا يوما بوضوء ثمّ دعا ناسا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأفرغ بيده .... ثم قال:

أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. ثمّ قال: أ كذلك يا فلان؟ قال: نعم، حتى استشهد ناسا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) .... (3)

كيفية غسل اليدين

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ؛ (4)

أوّلا: الآية في مقام بيان حدّ غسل اليد، و أنّ حدّه إلى المرفق، لا أكثر و لا أقلّ، و ليست في مقام بيان الكيفيّة للغسل، بل هي مطلقة من هذا الحيث.

أضف إلى ذلك أنّ «إلى» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا

____________

(1). كنز العمّال، ج 9، ص 443.

(2). صحيح مسلم، ج 3، ص 113؛ كنز العمّال، ج 9، ص 440، ح 26797.

(3). كنز العمّال، ج 9، ص 441، ح 26883.

(4). المائدة: 6.

247

أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ؛ (1) فلا يمكن الاستدلال بالآية على الكيفيّة، و أنّها من الأسفل إلى الأعلى.

ثانيا: مقتضى الفهم العرفي هو الغسل من الأعلى إلى الأسفل.

مع المفسّرين

1. الفخر الرازي: فإن صبّ الماء على المرفق حتى سال إلى الكفّ، فقال بعضهم: هذا لا يجوز؛ لأنّه تعالى قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فجعل المرافق غاية الغسل، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية، فوجب أن لا يجوز، قال الجمهور من الفقهاء: إنّه لا يخلّ بصحّة الوضوء إلّا أنّه يكون تركا للسنّة. (2)

أقول: و سيأتى أنّ هذا ليس من السنّة.

2. العلّامة الطبرسي: أجمعت الأمّة على أنّ من بدأ من المرفقين في غسل اليدين صحّ وضوؤه و اختلفوا في صحّة وضوء من بدأ من الأصابع إلى المرفق. (3)

أحاديث في المسح على القدمين

وردت في كتب أهل السنّة أحاديث صحاح تصرّح بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يمسح على قدميه، و هكذا كان عليّ (عليه السلام) و بعض الصحابة يمسح على قدميه بدلا من غسله، و إليك النصوص:

____________

(1). النساء: 2.

(2). التفسير الكبير، ج 11، ص 162.

(3). مجمع البيان، ج 3، ص 164.

248

1. روى المتّقي الهندي عن ابن أبي شيبة و مسند أحمد، و تأريخ البخاري، و مسند العدني و مصباح السنة للبغوي، و مسند الباوردي، و المعجم الكبير و جامع أبى نعيم: عن عبّاد بن تميم عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضّأ و يمسح على رجليه. (1)

يقول ابن حجر: رجاله ثقات. (2)

2. روى ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد اللّه بن زيد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ فغسل وجهه ثلاثا، و يديه مرّتين، و مسح برأسه و رجليه مرّتين. (3)

و رجاله ثقات. (4)

و الجدير بالذكر أنّ البخاري يروي عن عبد اللّه بن زيد غسل الرجلين مع أنّ ابن أبي شيبة يروي عنه المسح.

3. حدّثنا محمد بن بشر، قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حمران، قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، فقال:

ألا تسألوني ممّا أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ كما توضّأت، فمضمض، و استنشق، و غسل وجهه ثلاثا و يديه ثلاثا، و مسح برأسه و ظهر قدميه. (5)

____________

(1). كنز العمّال، ج 9، ص 429، ح 26822.

(2). الإصابة، ج 1، ص 185 «و تميم هذا هو تميم بن زيد».

(3). المصنّف، ج 1، ص 16.

(4). تهذيب التهذيب، ج 8، ص 105 و ج 11، ص 227.

(5). المصنّف، ج 1، ص 16.

249

إنّ الذهبي يوثّق هؤلاء الخمسة نقلا عن علماء الرجال، و الرواة هم ما يلي: قتادة و مسلم بن يسار، و حمران- (1) و لكن البخاري يروي عن حمران: أنّ عثمان غسل رجليه بدلا من المسح.

4. الطبرى: هشيم، قال: ثنا يعلى بن عطا عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أتى سباطة قوم فتوضّأ و مسح على قدميه. (2)

أقول: إنّ هشيما و يعلى بن عطاء و عطاء العامري مورد لقبول علماء الرجال. (3)

5. في مسند أحمد: حدّثنا عبد اللّه، حدّثني أبو خيثمة، و ثنا إسحاق بن إسماعيل، قالا: ثنا جرير عن منصور، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: صلّينا مع عليّ رضي اللّه عنه، الظهر، فانطلق إلى مجلس له يجلسه في الرّحبة، فقعد و قعدنا حوله، ثمّ حضرت العصر فأتى بإناء فأخذ منه كفّا فتمضمض، و استنشق، و مسح بوجهه و ذراعيه، و مسح برأسه، و مسح برجليه ثمّ قام فشرب فضل إنائه، ثمّ قال: «... إنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فعل كما فعلت». (4)

دراسة في السند

أمّا إسحاق بن إسماعيل: فهو صدوق لا بأس به، كما قاله‌

____________

(1). سير اعلام النبلاء، ج 4، ص 182 و 510؛ ج 5، ص 269، ج 6، ص 413؛ ج 9، ص 265.

(2). جامع البيان، ج 5، ص 86.

(3). تهذيب التهذيب، ج 11، ص 54؛ تقريب التهذيب، ج 2، ص 23، و 378.

(4). مسند أحمد، ج 1، ص 158؛ جامع البيان، ج 4، ص 152.

250

يحيى بن معين. (1) و أمّا جرير: فهو ثقة كثير العلم يرحل إليه، كما عن ابن سعد. (2) و أمّا منصور: فهو لا يروي إلّا عن ثقة كما عن داود. و عن العجلي:

كوفي ثقة، ثبت في الحديث. (3)

و أمّا عبد الملك بن ميسرة: فهو ثقة عند النسائي و ابن خراش و ابن معين. (4)

و أمّا النزال بن سبرة: فهو كوفي، تابعي، ثقة، كما عن العجلي. (5)

6. و فيه أيضا: حدّثنا عبد اللّه، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير، عن عليّ رضي اللّه عنه قال: «كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمسح ظاهرهما». (6)

دراسة في السند

أمّا وكيع: فهو عندهم الإمام الحافظ، محدّث العراق، كما عن الذهبي.

و عن ابن سعد: كان وكيع ثقة، مأمونا عاليا، رفيعا، كثير الحديث. (7)

و أمّا الأعمش: فهو ثقة، حافظ، كما عن ابن حجر. (8)

____________

(1). نفس المصدر، ج 2، ص 904.

(2). تهذيب الكمال، ج 4، ص 540.

(3). نفس المصدر، ج 10، ص 278.

(4). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 377.

(5). نفس المصدر، ج 10، ص 378.

(6). مسند أحمد، ج 1، ص 95؛ جامع البيان، ج 4، ص 152.

(7). سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 140.

(8). تقريب التهذيب، ج 1، ص 331.

251

و أمّا أبو إسحاق السبيعي، فهو ثقة، حجّة بلا نزاع، (1) كما عن الذهبي.

و أمّا عبد خير: فهو كوفي، تابعي، (2) ثقة، كما عن العجلي.

7. أورد الحاكم النيسابوري (3) أحاديث متعدّدة، و بطرق متعدّدة عن رفاعة بن رافع الصحابي في تعليم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعض أصحابه الوضوء، و قد أمره بالمسح على قدميه.

و قد صحّح الذهبى حديثا واحدا- على شرط الشيخين- من تلك الأحاديث و إليك به:

حجّاج بن منهال، ثنا همام، ثنا إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، ثنا عليّ بن يحيى بن خلّاد عن أبيه، عن عمّه رفاعة بن رافع، أنّه كان جالسا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ جاءه رجل، فدخل المسجد، فصلّى، فلمّا قضى صلاته جاء فسلّم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على القوم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «ويلك! ارجع، فصلّ؛ لأنّك لم تصلّ» و ذكر ذلك مرّتين أو ثلاثا. فقال الرجل: ما أدري ما عبت عليّ من صلاتي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه و يديه إلى المرفقين، و يمسح رأسه و رجليه إلى الكعبين ثم يكبّر».

8. في مسند أحمد: حدّثنا عبد اللّه، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبى مالك الأشعري، أنّه قال لقومه: اجتمعوا أصلّي بكم صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،

____________

(1). سيره أعلام النبلاء، ج 5، ص 392.

(2). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 113.

(3). المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 241.

252

فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا ابن أخت لنا، قال:

ابن أخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ، و مضمض، و استنشق، و غسل وجهه ثلاثا، و ذراعيه ثلاثا ثلاثا، و مسح برأسه و ظهر قدميه، ثم صلّى بهم. (1)

دراسة في السند

أمّا محمد بن جعفر (غندر) فعن الذهبي: أنّه الحافظ المجوّد، الثبت، اتّفق أرباب الصحاح على الاحتجاج به. (2)

و أمّا شهر بن حوشب، فعن الذهبي: كان من كبار علماء التابعين. (3)

و أمّا سعيد بن أبي عروبة، و قتادة: فقد مرّ الكلام في توثيقهما.

و أمّا عبد الرحمن بن غنم: فعن الذهبي: أنّه الفقيه الإمام. (4)

9. روى ابن الأثير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أنّ أبا جبير قدم على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مع ابنته التي كان تزوّجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بوضوء فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه، و استنشق بماء، ثمّ غسل وجهه و يديه إلى المرفقين ثلاثا، ثمّ مسح رأسه و رجليه. (5)

10. السيوطي عن الطبراني- في الأوسط- عن ابن عبّاس أنّه قال:

____________

(1). مسند أحمد، ج 5، ص 342.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 98.

(3). نفس المصدر، ج 4، ص 372.

(4). نفس المصدر، ص 45.

(5). أسد الغابة، ج 6، ص 46.

253

ذكر المسح على القدمين عند عمر سعد و عبد اللّه بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك، فقال عمر: يا سعد؛ إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مسح، و لكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة فإنّها أحكمت كلّ شي‌ء و كانت آخر سورة من القرآن إلّا براءة؟. (1)

يستفاد من هذا النصّ أمور:

1. إنّ سعد بن أبي وقّاص كان يرى المسح بدلا عن الغسل.

2. اعتراف عمر بن الخطّاب بأنّ عمل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان هو المسح قبل نزول سورة المائدة.

3. لو كانت الآية ناسخة للمسح لابدّ من بيان أوضح، مع أنّها مجملة. ثمّ مع هذه الروايات الصريحة في أنّ فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان هو المسح، هل يبقى مجال لقبول الروايات التي مفادها الغسل، فلا يمكن الأخذ بها حتى و لو كانت كثيرة؛ لأنّها لا تفيد القطع و اليقين؟ فكيف و أنّها ليست متواترة أو لم يثبت تواترها؛ إذ أنّ الصحابة الذين نقل عنهم الغسل، ورد عنهم المسح أيضا.

أضف إلى ذلك أنّ الغسل مخالف لظاهر القرآن: فَامْسَحُوا ...*.

الروايات من طريق أهل البيت (عليهم السلام)

قال أبو جعفر (عليه السلام): «ألا أحكي وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟» فقلنا: بلى فدعا بقعب فيه شي‌ء من ماء، فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه‌

____________

(1). الدرّ المنثور، ج 2، ص 263.

254

كفّه اليمنى، ثمّ قال: «هكذا إن كانت الكفّ طاهرة» ثمّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته ثمّ قال: «بسم اللّه» و سدله على أطراف لحييه ثمّ أمرّ يده على وجهه و ظاهر جبهته مرّة واحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى، فأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه و مسح مقدّم رأسه و ظهر قدميه ببلّة يساره و بقية بلّة يمناه. (1)

و هناك روايات أخرى عن أهل البيت (عليهم السلام)، و لكنّا نكتفي بهذه الرواية رعاية للاختصار.

ثم إنّ الأحاديث الدالّة على غسل الرجلين على أقسام: القسم الأوّل:

حكاية وضوء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). القسم الثاني: أمر النبيّ بغسل الرجلين.

القسم الثالث: تهديد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الأعقاب التي لا تغسل بالنار.

أمّا القسم الأول:

1. البخاري: عن حمران مولى عثمان بن عفّان أنّه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلها ثلاث مرّات ...، ثمّ غسل وجهه ثلاثا، و يديه إلى المرفقين ثلاثا، ثمّ مسح برأسه، ثمّ غسل كلّ رجل ثلاثا، ثمّ قال: رأيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضّأ نحو وضوئي هذا .... (2)

أقول: حمران هو ابن أبان، و كان حاجب عثمان، و لكن نفاه عثمان بعد ما‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 1، ص 387، ب 15، ح 2.

(2). صحيح البخاري، ج 1، ص 43.

255

غضب عليه. و عن ابن سعد: كان كثير الحديث، و لم أرهم يحتجّون بحديثه. (1)

2. و فيه: عن عبد اللّه بن زيد، قال: أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخرجنا له ماء في تور (2) من صفر، فتوضّأ فغسل وجهه ثلاثا، و يديه مرّتين مرّتين. و مسح برأسه ... و غسل رجليه. (3)

هذا قسم من الأحاديث التي فيها حكاية وضوء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و قسم أخذ فيها أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بغسل الرجلين، و منها ما يلي:

1. الدارقطني: عن جابر بن عبد اللّه قال: أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا توضّأنا للصلاة- أن نغسل أرجلنا. (4)

و قسم ثالث فيها هدّد بالنار، و عذاب الآخرة في الأعقاب التي لا تغسل.

1. البخاري: عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا و قد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضّأ و نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرّتين أو ثلاثا. (5)

و الجواب أوّلا: لا دلالة في هذا النوع من الأحاديث على وجوب الغسل بدلا عن المسح، و أنّ الغسل جزء من الوضوء، بل المقصود شجب الذين يصلّون و أرجلهم غير طاهرة، بل ملوّثة، و يشهد له أنّ الراوي نسب المسح إلى جمع من الصحابة حيث قال: فجعلنا نتوضّأ و نمسح على أرجلنا.

____________

(1). تهذيب التهذيب، ج 3، ص 21؛ تهذيب الكمال، ج 5، ص 208؛ سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 218.

(2). إناء صغير.

(3). صحيح البخاري، ج 1، ص 49.

(4). سنن الدارقطني، ج 1، ص 107.

(5). صحيح البخاري، ج 1، ص 42.

256

و القرينة الثانية: لو كان مقصود النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو أنّ الغسل جزء الوضوء لا المسح، لكان اللازم عليه أن يردع بالصراحة و يقول مثلا: «اغسلوا الأرجل و لا تمسحوا عليها».

ثانيا: أنّ الأحاديث الأخرى التي مفادها أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) غسل بدل المسح، أو أمر بالغسل، فهي مخالفة للآية: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ.

ثالثا: أنّها مخالفة للروايات الصحيحة الصريحة التي مفادها أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مسح على رجليه ... و قد تقدّمت تلك الروايات.

11. الطبري: قال موسى بن أنس لأنس:- و نحن عنده- يا أبا حمزة؛ إنّ الحجّاج خطبنا بالأهواز و نحن معه، فذكر الطهور، فقال: اغسلوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ، وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ، و أنّه ليس شي‌ء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّه و كذب الحجّاج، قال اللّه تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ. (1)

الدليل القرآني على مسح الأرجل

في الآية جملتان 1. «فَاغْسِلُوا»؛ 2. «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ» و الجملة الثانية ارتباطها بالأولى من طريق العطف فقط، فلو قرئ أرجلكم بالكسر لكان عطفا على رؤسكم، و لكان معناه: لزوم المسح. كما لو قرئ بالنصب، لكان عطفا على محلّ «رؤسكم». و هذا النحو من العطف شائع عند‌

____________

(1). جامع البيان، ج 2، ص 472؛ السنن الكبرى، ج 1، ص 71.

257

العلماء، كما يقول في مغني اللبيب: «ليس زيد بقائم و لا قاعدا» إذن سواء على الجرّ بالعطف على اللفظ، أو النصب بالعطف على المكان- المحلّ- يكون المعنى واحدا و هو مسح الرجلين.

رأي العامّة

لقد عطف كثير من السنّة «أَرْجُلَكُمْ» على «وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ» و قرأها بالنصب. فيكون: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ و أَرْجُلَكُمْ.

و الجواب: أنّ الارتكاز العرفي و الذوق السليم يأبى هذا الفصل، كما تقول: أكرمت زيدا و عمرا، و ضربت خالدا، و بكرا ... بأن يكون بكر معطوفا على عمرو، فيكون موردا للإكرام لا الإهانة كما يلي:

1. و ذلك لأنّ الأصل يقتضي عدم الفصل بين الجملتين بالجملة الاعتراضية.

2. فلو كان المعطوف صالحا لأن يرجع إلى الأخير لا معنى لأن يرجع إلى ما قبله، كما صرّح بذلك الفخر الرازي حيث قال:

«ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: «وَ أَرْجُلَكُمْ»* هو قوله:

«وَ امْسَحُوا» و يجوز أن يكون هو قوله: «فَاغْسِلُوا» لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله «و أرجلكم» هو قوله: «و امسحوا» فثبت أنّ قراءة «و أرجلكم» بنصب اللام توجب المسح أيضا.» (1)

____________

(1). التفسير الكبير، ج 11، ص 161.

258

لقد حاول البعض منهم تبرير هذا العطف بذكر مثال و هو: «جحر ضبّ خرب».

فقوله: «خرب» صفة للجحر لا للضبّ، فلا بدّ أن يقرأ بالضم، و لكنّه يقرأ بالكسر مجاورة للضبّ.

و هكذا في الآية الكريمة: «أَرْجُلَكُمْ»* يقرأ بالكسر للمجاورة مع «رؤسكم» و لكنّه مردود عند الشيعة و محققي السنّة بوجوه:

أوّلا: أنّ الجرّ للمجاورة لم يكن من الاستعمالات الفصيحة، بل هو استعمال شاذّ و خلاف القاعدة، فلا بدّ و أن يبرأ كلام اللّه تعالى منه.

ثانيا: إنّما يتمّ المجاورة إذا قامت القرينة القطعيّة حتّى لا يحصل الالتباس، و ذلك مثل المثال المذكور «جحر ضبّ خرب».

ثالثا: أنّ المجاورة إنّما تستعمل فيما لم يكن فيه حرف عطف.

رابعا: الجرّ بالمجاورة غلط، و لا دليل على الجرّ بالمجاورة، و قد صرّح النحاس بذلك. (1)

و قال ابن هشام: و الذي عليه المحقّقون أنّ خفض الجوار يكون في النعت قليلا، كما مثّلنا، و في التوكيد نادرا، لا يكون في النسق (و هو العطف بالواو، و غيره)؛ لأنّ العاطف يمنع من التجاور. (2)

قال السيوطي: لأنّ الجرّ على الجوار ضعيف شاذّ لم يرد منه إلّا أحرف يسيرة، و الصواب أنّه معطوف على «برؤسكم» على أنّ المراد به مسح الخفّ. (3)

____________

(1). إعراب القرآن، ج 2، ص 9.

(2). مغني اللبيب، ص 359.

(3). الإتقان، ج 2، ص 313.