فقه الطب والتضخم النقدي

- الشيخ محمد السند المزيد...
313 /
53

شقّ بطن الأم لإخراج الطفل الحيّ و لا لتقطيع بدن الطفل الميّت من بطن الأم الحيّة- فكل ذلك كاشف عن عدم ثبوت الدية في صورة التزاحم و جواز القطع. و قد تقدم الجواب عن ذلك في الفرع الأول من مبحث التشريح و ملخصه وهن كلا الوجهين.

أما الأول فلأن القصاص ليس نفعه عائدا على المباشر المجري لحدّ القصاص و ارادته ليست إرادة مبتدئة من نفسه بل مقهورة لارادة الشارع الالزامية باقامة القصاص كما أن وجوب القصاص شرّع ضرريا على من يقام عليه و لا يثبت الضمان على الشارع لأنه مالك الملوك و كذلك في صورة مدافعة المعتدي أو إقامة الحدّ أو ردع المقيم على المنكر و هذا بخلاف المقام فإنّ اتلاف بدن الميّت لنفع الحيّ لا لنفع الميّت و هذا هو الفارق بين المقامين و يكون مجري القصاص في فعله محسنا و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ هذا مع أنه قد ورد في الباب المزبور ثبوت الدية من بيت المال لمن قتل في حدود الناس. (1)

أما الثاني فانّ في موارد الحمل خصوصية و هي ارتباط حياة أحدهما ببدن الآخر تكوينا بتقدير اللّه تعالى و انّ حياة أحدهما ناشئة من الآخر و لو غضضنا عن بحث التزاحم فهناك شقّ بطن الأم و إن كان بنفع الحمل إلا أنه لا بدّ منه على نحو التعيين لأنّ الطريق الطبيعي لحياة الحمل هو بطن الأم فقياس المقام به مع الفارق.

____________

(1). ب 24/ ابواب قصاص النفس/ 3.

54

بقي الكلام في أنه هل تثبت دية واحدة أو ديتان، أحدهما للقطع و الأخرى لذات العضو. اذ بارتكاب القطع تثبت الدية. بمقتضى النصوص السابقة.

و الواجب دفن العضو حينئذ و لكن حيث تتوقّف حفظ حياة المسلم عليه يسقط الحكم التكليفي دون القيمة المالية له و لو بحسب النظر العرفي و لكن هذا الترديد ضعيف لأن المقرر في باب الديات عدم تكرر الدية في عضو واحد، لأن الشارع حدّد مالية العضو بقدر الدية فكذلك الحال في المقام.

إن قلت: الكلام في مالية العضو نفسه و دية القتل أمر آخر.

قلت: قد حدّد الشارع مالية الأعضاء بالدية و أي مورد قد عيّنت له الدية فهو ضمانه المالي له. نعم إن لم يثبت له تقرير من الشارع بالدية يقرر بحسب الحكومة، أي ما يحكم به أهل الخبرة و دية القطع هاهنا بلحاظ تلف العضو.

إن قلت: قد ذكروا في مبحث الضمانات أن الضامن المتلف لعين مملوكة يملك بقاياها إذا دفع الضمان لأن الضمان معاوضة قهرية فتكون العين كأنها تالفة من ملك الضامن و مقتضى ذلك في المقام تملك القاطع العضو المقطوع من الميّت.

قلت: يمتاز المقام عن سائر موارد الضمان انّ الأعضاء يجب دفنها بعد القطع و هو ممّا يدلّ على بقاء حرمتها و عدم قابليتها للتملّك لا لكونها ميّتة بل لحرمة الميت و من ثم وجب دفنها.

55

و لو قطع و ارتكب هذا المحرم فهل يجوز الالحاق بعده؟

الظاهر جوازه.

الظاهر بناء الماتن (قدّس سرّه) جواز إلحاق العضو المقطوع ببدن الحيّ و إن لم تتوقّف حياة الحيّ عليه، على انتفاء الحرمة بارتكاب القطع و ثبوت الدية لاختصاص حرمة التصرّف في بدن الميّت بمورد ثبوت الدية.

و استشكل في الجواز كما هو الصحيح بعدم اختصاص حرمة بدن الميّت بموارد حرمة القطع و يدلّ على عموم الحرمة اطلاق دليلها و وجوب دفن الأعضاء إذا قطعت فليست الحرمة مستفادة من خصوص دليل الدية كي يقال انّ موضوعها قد انتفى بالعصيان. نعم لا يجب قطعه بعد الإلحاق و حلول الحياة فيه لأنه قد تبدّل الموضوع و انتفى كونه من أجزاء الميّت بناء على أحد الوجهين المتقدمين لا سيّما غير العضو الظاهر من التي يتوقّف عليه حياة الحيّ.

56

و تترتّب عليه بعد الالحاق احكام بدن الحيّ نظرا إلى أنه أصبح جزءا له و هل يجوز ذلك مع الايصاء من الميّت؟

فيه وجهان الظاهر جوازه و لا دية على القاطع أيضا.

استشكل بعض الأعلام في طهارة العضو و الصلاة به سيّما إذا كان عضوا ظاهرا كالجلد مثلا، لأنه ما زال عضوا من ذلك الميّت و لكنه مدفوع بأنّ موضوع النجاسة عنوان الميتة اذ دليل نجاسة الجزء المبان هو الروايات الواردة في أليات الغنم المبانة و الأجزاء المبانة من الميّت و في كلتيهما أخذ عنوان الميتة و بإلحاق العضو بالحيّ ينتفي عنوانها لحلول الحياة فيها فالموضوع قد تبدّل و يثبت له كل أحكام أعضاء الحيّ لو كان مستند حرمة التصرّف في بدن الميّت و حرمة قطع أعضائه هو ثبوت خصوص الدية فما ذكره الماتن (رحمه اللّه) متين، اذ مع إذن الميّت لا ضمان و لا دية كما لا موضوع لدليل حرمة الهتك و وجوب الاحترام مع ايصائه و اذنه، كما ذكر ذلك السيد الماتن (رحمه اللّه) في بعض اجوبة استفتاءاته (1). لكنك قد عرفت التأمّل في سقوط الحرمة مع ذلك. اذ هذه الحرمة غير قابلة للاسقاط فلاحظ.

و أما لو كان المستند أدلّة أخرى مثل حرمة المثلة و وجوب دفن الأعضاء المقطوعة فمن البيّن انّها ليست حرمة حقيّة محضة بل‌

____________

(1). صراط النجاة/ ج 1/ 352.

57

حرمة تكليفية متضمنة لحقّ اللّه باعتبار انّه مخلوق من خلق اللّه أو لحرمة بني آدم فالحرمة غير قابلة للاسقاط.

و أما ما ذكره في مبحث الديات من أنّه لو أكره أحد شخصا على قتله أو ضربه فلا قصاص و لا دية فهو متين بالنسبة إلى سقوط الدية، لأنّه قد أهدر دمه و بدنه و لكنهم لم يسوّغوا للشخص الآخر أن يقتله ابتداء، فبنوا على بقاء الحرمة التكليفية و إن وجب على الشخص الآخر الدفاع عن نفسه و إن استلزم قتل المكره.

فتلخص انّ هذه الوصية وصية بغير معروف و غير نافذة إلا انّه لو أوصى و ارتكب تسقط الدية و إن لم يجز العمل بالوصية. نعم لو كانت وصيّته في موارد توقّف حياة الحيّ فهي وصيّة بالمعروف و جائزة و لا دية أيضا. بل في سقوط الدية تأمّل و إن ذهب إليه في ذلك الفرع الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط و المحقق (رحمه اللّه) في الشرائع و الفاضل (رحمه اللّه) في التلخيص و الارشاد و الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في المسالك، كما حكي عنهم و ذلك لعدم سقوط حرمة دم المكره بأمره و إذنه لما عرفت من أنّ حرمة دمه و بدنه غير قابلة للاسقاط، اذ ليست حقيّة محضة فلا تسقط الدية و القصاص كما لم تسقط الحرمة التكليفية، إلا أن يكون ارتكاب المكره للقتل مدافعة عن نفسه فلا حرمة كما لا قصاص و لا دية و كذلك الحال في عدم سقوط الدية في ما نحن فيه.

58

(مسألة 40) هل يجوز قطع عضو من أعضاء انسان حيّ للترقيع إذا رضي به؟

فيه تفصيل: فإن كان من الأعضاء الرئيسية للبدن كالعين و اليد و الرجل و ما شاكلها لم يجز. و أما إذا كان من قبيل قطعة جلد أو لحم فلا بأس به و هل يجوز له أخذ مال لقاء ذلك؟ الظاهر الجواز.

لا بدّ قبل البحث عن خصوص هذا الفرع أن يبحث عن مقتضى القاعدة الأولية أنه هل يجوز للإنسان أن يتصرّف في بدنه أو لا؟

و يمكن الاستدلال لعدم جواز التصرّف:

أولا: بقوله سبحانه- حكاية عن إبليس عليه اللعنة- وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلّٰا غُرُوراً أُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ لٰا يَجِدُونَ عَنْهٰا مَحِيصاً (1).

بتقريب انّ هذا الفعل ذكر في سياق ضلالات الشيطان الموجبة لاستحقاق جهنم و التصرّف في البدن تغيير لخلق اللّه.

و ثانيا: بقاعدة الملازمة الثانية و هي (كل ما حكم به العقل النظري حكم به الشرع) أي كلّ ما يدركه العقل النظري انّه من الأغراض التكوينية للخلقة و لارادة اللّه التكوينية فلا محالة هناك تطابق من‌

____________

(1). النساء/ 119- 121.

59

الإرادة التشريعية لذلك الغرض و ذلك بحسب الطبيعة الأولية سواء أدرك العقل ذلك الغرض بالبرهان أو بدلالة الوحي من الكتاب و السنّة فهو يدرك أن التشريع يطابق التكوين فالأغراض التشريعية لا تخالف الأغراض التكوينية بل هي تنسجم معها فحيث كانت الخلقة لاغراض معينة فالتشريع لا محالة يطابقها أي يحافظ عليها فالتغيير خلاف أغراض التكوين و هذا الوجه متعاضد مع الوجه الأول.

و ثالثا: ما يستفاد من مجموع الآيات و الروايات انّ الانسان مسئول عن بدنه و هو أمانة في يده، بل في الآيات انّ البدن شاهد و رقيب على الإنسان و من المواهب التي ليس له أن يتصرّف فيها كيف ما يشاء، نظير ما تقدّم من الآيات الدالّة على تكريم الانسان و حرمة بدنه و ما في الرواية المتقدمة من أنه ليس له أن يذلّ نفسه.

و الحاصل انّ في الآيات التأكيد و التذكير بكونه و أعضاءه و القوى التي فيه من النعم الجسمية الإلهية التي حصل بها المنّ العظيم من اللّه تبارك و تعالى لعباده ممّا يفيد حرمة هذه النعمة و عدم جواز التفريط بها.

نعم التصرّف حيث كان ذا عرض عريض، ذا درجات طولية تشكيكية كثيرة، القدر المتيقن من حرمته هو الدرجات المعتدة بها، المغيرة للخلقة عن طبيعتها الأولية و تركيبة المنافع في أجزائها كما هو الحال في كل عنوان تشكيكي يقع متعلّقا للحكم الإلزامي يقتصر فيه على القدر المتيقن و بعضه تحريمية إلزامية مثل استئصال‌

60

الأعضاء من الأصل و من هذا الوجه ما ورد من أن حلق اللحية من المثلة و أن إعفائها من الفطرة (1) و بعضه مكروه.

و رابعا: ما تمسّك به المشهور من قاعدة لا ضرر و قال بعض الأعلام: الضرر بالنفس حرام للروايات الموجودة في أبواب الأطعمة المحرمة المشتملة على تعليل حرمتها بالضرر و دعوى- أنه حكمة للحرمة لا علّة تدور مدارها لحرمة القليل من تلك الأصناف المحرمة و إن لم تكن مضرّة، مع أنّه ورد في تلك الأبواب خواص الأطعمة المضر منها و النافع و لا يلتزم بحرمتها- ضعيفة اذ لا ملازمة بين كون الضرر موضوعا للتحريم و دوران الحرمة في الأشياء المزبورة مدار الضرر المعلوم للمكلفين، اذ فردية تلك الأصناف و مصداقيتها لما يضرّ بالبدن مما كشف الشارع عنها و تعبّدنا بذلك بلا فرق بين القليل و الكثير.

و أما النقض بما ورد في خواص الأغذية الضارّة و النافعة فمدفوع بأنّ مطلق النقص ليس ضررا و لذا ورد فيها ما يصلحها. و ردّ بعض متأخّري الأعصار منهم على الاستدلال المشهور بأنّ لا ضرر دليل رافع لا مثبت. هذا و الصحيح أن كونها رافعة لا يخدش في استفادة حرمة الاضرار منها، لا كما قرّبه شيخ الشريعة من أنّ (لا) ناهية، بل استفادة الحرمة تامّة مع كون (لا) نافية بتقريب نذكر له مقدمة و هي ما قرّر في علم الأصول من انّ أي اطلاق أو عموم له مدلول التزامي‌

____________

(1). مستدرك الوسائل/ ب 40/ ابواب آداب الحمام/ 1.

61

في فرد بخصوصه فليس ذلك المدلول الالتزامي بحجّة. و أمّا إذا كان مدلوله الالتزامي في كل أفراده فهو حجّة، لأن مع كونه في كل الأفراد يستلزم كونه مدلولا التزاميا لأصل الدليل بخلاف ما إذا كان في فرد واحد فلا يكون مدلولا التزاميا لنفس الدليل و بالتالي لا يكون قد ساقه المتكلّم و لا نصب قرينة على إرادته. اذ المتكلّم ليس في سياق و توضيح أحكام شئون الفرد، بل في سياق بيان أحكام و شئون الطبيعة.

هذا و أمّا في المقام، المشهور عند ما يستدلّون بلا ضرر و لا ضرار لإثبات الحرمة مع كون عموم مفاده الرفع و النفي فقد يتوهّم انّ استفادة الحرمة من المدلول الالتزامي للفرد لا لعموم الطبيعة و قد ذكروا متأخّروا هذه الأعصار نظير هذا الاشكال في خيار الغبن و العيب. حيث انّ المشهور تمسّكوا لاثباتهما بلا ضرر فأشكل عليهم بأنّه مدلول التزامي للفرد فلا يكون ذلك المفاد منه حجّة.

و تنقيح الحال انّ ثبوت مدلول في فرد خاص من عموم الطبيعة تارة من باب المدلول الالتزامي و أخرى من باب الترتّب الشرعي أو العقلي القهري لنفس مفاد الطبيعة في ذلك الفرد. أي يلزم مفادها عقلا في ذلك الفرد ثبوت مدلول آخر.

فليس حجيّة المدلول الثاني من باب حجيّة الدلالة الالتزامية كي يقال انّها ليس بحجّة فيجب أن نفرّق بين الأحكام العقلية أو الشرعية القهرية المترتبة على شي‌ء و فرد من الطبيعة و لها دليلها الخاص‌

62

بنفسها و بين كون هذا المدلول الآخر ثبوته رهين بالمدلول الالتزامي للدليل، مثلا إذا أثبت الاستصحاب انّ هذا الماء طاهر و قد غسل به ثوب النجس فهذا الثوب يطهر و طهارته ليست من لوازم طبيعة كل استصحاب و انّما من لوازم هذا الفرد.

و هو مع كونه مدلولا التزاميا لدليل الاستصحاب في الفرد إلا انّ له دليله الخاص و هو مطهرية الماء الطاهر للمتنجسات فاللازم عدم الخلط بين الموردين.

اذ اتّضح ذلك فنقول: استفادة حرمة الإضرار بالنفس من (لا ضرر و لا ضرار) إن كانت كمدلول التزامي في الفرد فإشكال المتأخرين بذلك و أنه ليس بحجّة في محلّه و أمّا إذا كانت استفادته لا من جهة ذلك، بل لأن له دليلا آخر عقليا أو شرعيا فلا بأس.

و تقريب ذلك انّ المشهور يطبّقون (لا ضرر) على نفس الجواز التكليفي، حيث انّ الأصل الأولي في الأفعال الإباحة و الجواز. فاذا طرأ عليه الضرر و اضراره بالبدن فلا ضرر ترفع الجواز التكليفي و مع رفعه ينتج عقلا الحرمة لا من باب المدلول الالتزامي للفرد كي يتوقّف على دلالة دليل العام، بل لأن معنى رفع الاذن في الترخيص عقلا هو الحرمة، فبمقتضى نفس تطبيق (لا ضرر) يقتضي الرفع الحرمة.

إن قلت: قاعدة (لا ضرر) تجري في الأحكام الإلزامية و لا تشمل الأحكام غير الإلزامية لأن الضرر في موارد الجواز يوجد بسبب إرادة المكلّف و اختياره لا بسبب إلزام من الشارع.

63

قلت: بالترخيص و فتح الباب من الشارع يصحّ إسناد الضرر إليه، اذ لو لم يرخص لما حصل الإقدام على الضرر و التفرقة بين الإلزام و أن فيه قهرا لإرادة المكلّف بخلاف الترخيص فليس فيه تحميل و قسر، ضعيفة. اذ في الإلزام لا تسلب الإرادة الاختيارية تكوينا و لو بلحاظ العقوبة و الخوف منه و إلا لسقط التكليف سيّما عند من لا يرتدع و في الترخيص سيّما الاقتضائي الندبي يصدق الإسناد إلى الشارع كما يشهد به الوجدان. و من ثم يقال للمولى: لم رخّصت له في الفعل الكذائي؟

فتلخّص: انّ الأقوى عدم جواز قطع عضو من أعضاء انسان حيّ من دون تفصيل بين العضو الرئيسي و غير الرئيسي و تفصيل الماتن مستند إلى انّ الضرر الخطير حرام من باب الإجماع القطعي المسلّم أو السيرة دون غيره. و لكن قد تقدم انّ الأدلّة دالّة على حرمة مطلق الضرر. نعم الضرر ليس هو مطلق النقص و الخسارة بل خصوص غير المتدارك. ففي الموارد التي ترتكب لأجل أغراض عقلائية هامّة معتادة عند العقلاء خارجة تخصصا. اذ اتّضح ذلك نقول: انّ الماتن (رحمه اللّه) لم يذكر في ما توقف حياة حيّ آخر على ترقيع العضو و لعلّه لو كانت تتوقّف حياة الآخر عليه لكان أيضا تتوقّف حياة المتبرّع عليه و لكن في مثل الكلية قد لا تتوقف حياة المتبرّع عليه بخلاف الآخر و قد صرّح الماتن (رحمه اللّه) في بعض الفتاوى بالجواز في غير الأعضاء الظاهرة كالكلية و نحوها من الأعضاء الباطنية غير الرئيسية.

64

و قد أشكل بعض الأعلام من تلامذته و لعلّه لبنائه على عدم جواز التصرّف في البدن و أنه أمانة و غير ذلك ممّا تقدّم و لا بدّ لتنقيح الكلام في التبرّع للآخرين من ذكر صور متعددة لكي لا يحصل الخلط بينها.

الأولى- إذا كان المتبرّع لا يتعرّض إلى الخطر و توقّفت حياة المهدى إليه عليه فحينئذ يجوز التصرّف في البدن من باب التزاحم و أقوائية ملاك وجوب حفظ الآخر، لكن تقدم أنه لا اطلاق في وجوبه فالحكم بالجواز مشكل، فلاحظ.

الثانية- إذا كان المتبرّع في معرض الخطر سواء كان حياة المهدى إليه متوقّف عليه أم لا. فلا يجوز التصرّف في البدن لاجتماع الحرمتين حرمة التصرّف في البدن و حرمة التعريض للخطر، كما هو مفاد الآية الشريفة لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1) و هما أرجح لو سلّم إطلاق في دليل وجوب حفظ الغير لا سيّما إذا كان إنقاذ حياة المهدى إليه غير مضمون و لا يطمئن إلى بقاء حياته. نعم لازم ما بنى عليه السيد الخوئي (رحمه اللّه) في موارد أخر، كما إذا دار الأمر بين حياة نفسين انّ الإنسان مخيّر نظير الأم إذا كان في بطنها جنين و دار الأمر بين موت الأم و نجاة الطفل أو إماتة الطفل و نجاة الأم ان الحكم هو التخيير لتساوي الملاكين و نظير ما لو هدّد شخص آخر بالقتل لقتل ثالث التزامه بالجواز في المقام و إن كان ظاهر عبارته هاهنا مطلقا خلافا‌

____________

(1). البقرة/ 195.

65

للمشهور، حيث بنوا على مفاد «إذا بلغت التقية الدم فلا تقيّة» (1) و انّه لا يجوز ارتكاب القتل لحفظ النفس و كذلك العكس لا يجوز قتل النفس لحفظ الغير و لكنه بنى (رحمه اللّه) على كون ملاك حرمة نفس الشخص عين ملاك حرمة نفس الشخص الآخر فليس من الواجب على المكلّف تعيينا حفظ نفسه و لا العكس و سيأتي جهات النظر في هذا المبنى في الفرض الثالث.

الثالثة- لو كان يطمئن عند التبرّع بحياة الآخر أو يحتمل احتمالا معتدا به و لكنه يوجب نقصا في بدنه و أعضائه دون الهلاك و قد التزم بعض الأعلام في هذه الصورة بالحرمة أيضا لأن وجوب حفظ نفس الغير مقيّد بالقدرة عقلا و هاهنا غير مقدور إلا بالتصرّف في البدن و هو حرام ممنوع عن فعله و بعبارة أخرى: خطاب حفظ نفس الغير هو عبر الأسباب العادية المتعارفة لا بكلّ سبب و إن كان محرما كالاجحاف بالنفس إلا أن يكون الغير معصوما أو شخصا فيه جهات أخرى ملزمة لبقائها، تعلم منها انّ وجوب حفظه مطلق، يتناول تلك الموارد التي فيها الاجحاف بالنفس فليس في البين إطلاق.

نعم في موارد استلزام ذلك اصابة الجرح أو الكسر أو ما شابه ذلك لا يكون ذلك الضرر مزاحما راجحا لوجوب حفظ النفس و إن أمكن القول بالرخصة في تركه لعموم (لا ضرر) و هذا بخلاف ما استلزم نقص العضو فلا يجوز لانطباق تهلكة النفس عليه في الفرض مع‌

____________

(1). ب 31/ ابواب الأمر و النهى.

66

قصور دليل وجوب حفظ النفس لمثل ذلك، و إن كان حفظ النفس في نفسه- بغض النظر عمّا يستلزمه- راجحا لكنه لا يزاحم و لا يعادل ما هو واجب من حفظ النفس و على أي حال ليس لدليل وجوب حفظ النفس اطلاق و شمول لموارد بذل الحافظ لحياته أو لنقص في بدنه فكلام السيد الخوئي (رحمه اللّه) المتقدم من فرض الدوران محل تأمّل.

ثم لو تنزلنا و قلنا انّ هناك إطلاقا لدليل وجوب الحفظ فمع ذلك لا نسلّم التخيير، بل يرفع وجوب حفظ الغير بلا ضرر. و قد يقال ان (لا ضرر) امتنانية فلا ترفع وجوب حفظ الغير، اذ رفعها للوجوب المزبور خلاف المنّة بالإضافة إلى الغير فلا منّة نوعيّة في هذا المورد.

و فيه: لو تمّ النظر في (لا ضرر) من هذه الجهة فأدلّة الاضطرار محكّمة، اذ المكلّف مضطر لحفظ حياته أو أعضائه لا ترك حفظ الغير.

إن قلت: حكومة (لا ضرر) أو رفع الاضطرار من الأدلّة الأولية من باب التزاحم الملاكي و ليست مخصصة للأحكام المرفوعة و إذا لم تكن رافعة للملاك بل رافعة للتنجيز أو الفعلية فالتزاحم على حاله و الدوران تام.

قلت: هذا الحكم ذو الملاك الذي رفعت فعليته العناوين الثانوية مبتلى بمانع و هو ملاك الاضطرار و الضرر بينما الحكم الآخر و هو حرمة ايقاع النفس في التهلكة على حاله فعلى فلا مسوغ لرفع اليد عنه بتوسط ملاك حكم آخر. فالصحيح انّ جواز التبرّع بالعضو فضلا عن الوجوب محلّ تأمّل و منع و إلى ذلك يشير نفي التقية في الدماء‌

67

و استثناؤها من عموم التقية، اذ مقتضى الاستثناء من عموم مشروعية التقية هو حرمتها في الدماء، كما في صحيحة محمد بن مسلم و موثقة أبي حمزة الثمالي و غيرهما من الروايات فهي دليل آخر على الحرمة.

و أما جواز أخذ المال في قبال اعطاء العضو فيصح لأن بيع الميتة و الانتفاع بها جائز إذا كان بلحاظ المنافع المحلّلة كما ذكرنا في محلّه (1). و لكن قد يشكل الجواز لا من جهة الميتة بل من جهة وجوب دفن العضو المبان، كما تقدم في بحث التشريح و بالتالي لا يكون انتفاع الغير به مشروعا فتنتفي مالية ذلك الانتفاع، بل قد يصوّر وجوب آخر و هو وجوب اعادة العضو على الشخص المبان منه في ما إذا كان ذلك ممكنا.

هذا و قد يقال انّ أخذ المال ليس عوضا عن تلك المنفعة المنهية عنها كي يكون أكلا للمال بالباطل بعد اعدام ماليتها من قبل الشارع، بل أخذ المال هو مقابل حق الاختصاص أو مقابل رفع اليد عن ذلك الشي‌ء الذي يكون الآخذ للمال أولى به.

و فيه: انّ حقّ الاختصاص ليس إلا شعبة من الملكية على ما هو الصحيح من كون الحق ملكا ضعيفا، بل في مثل هذه الموارد هو تمام الملكية لأن المالية التي يقابل بها هي عين مالية الملك فليس في البين إلا تغيير الألفاظ و كذلك الحال بالنسبة إلى رفع اليد، فإنّه كناية عن‌

____________

(1). سند العروة/ ج 2/ ص 533.

68

السلطنة و الملكية لا سيّما و أنه يقابل بقدر المالية التي للملكية و إلا فلو كان وضع اليد عبارة عن ممانعة تكوينية صرفة من دون أي حق لصاحب اليد في الشي‌ء لكان بذل المال في مقابل الباطل بعد عدم استحقاق ذي اليد و عدم جواز ممانعته من انتفاع الغير به.

(مسألة 41) يجوز التبرّع بالدم للمرضى المحتاجين

إليه كما يجوز أخذ العوض عليه.

(مسألة 42) يجوز قطع عضو من بدن ميّت كافر أو مشكوك الاسلام للترقيع ببدن المسلم

و تترتب عليه بعده أحكام بدنه لأنه صار جزءا له كما أنه لا بأس للترقيع بعضو من أعضاء بدن حيوان نجس العين كالكلب و نحوه و تترتب عليه أحكام بدنه و تجوز الصلاة فيه باعتبار طهارته بصيرورته جزءا من بدن الحيّ.

أمّا جواز التبرّع فلأنه لا يستلزم الضرر بل يلزم منه النفع لأنه بمنزلة الحجامة و أما جواز أخذ العوض عليه مع أنه من الأعيان النجسة فلأنه بإزاء المنفعة المحللة و الروايات الواردة الناهية عن ثمنه انّما هي بلحاظ المنافع المحرمة فلاحظ.

و أما جواز قطع عضو من بدن الكافر فقد تقدمت حرمته لإطلاق أدلّة المثلة و كرامة مطلق الانسان و أما جوازه من بدن مشكوك‌

69

الاسلام فقد تقدم- باجراء استصحاب عدم الكفر- وجوب غسله و دفنه و تجهيزه للعموم الوارد في وجوب هذه الأفعال في مطلق الميت و قد خصص بالكافر.

لا يقال: انّه معارض باستصحاب عدم كونه مسلما. فانّه يقال انّ وجوب تجهيز الميت مرتب على الميت بما هو ميت، خرج منه الكافر و لم يؤخذ في موضوع الوجوب عنوان المسلم و مع وجوب تجهيزه فلا يجوز قطع عضو منه. نعم مع توقّف حياة المؤمن عليه لا سيّما في العضو المأخوذ من الكافر فقد يقال بالجواز بناء على اطلاق وجوب حفظ الحياة لمثل ذلك. و أما ترتب أحكام بدنه على العضو المرقّع به فلأنه قد حلّت فيه حياة الحيّ فلا تترتب عليه أحكام نجاسة الميتة. نعم في صورة عدم جواز الترقيع به لو رقّع بدنه به فيوجب ذلك الدية عليه لورثة الميت لأنه يكون قد أتلف ذلك العضو من الميت و بعد دفع ذلك الضمان- الدية- يملك ذلك العضو بمقتضى معاوضية الضمان القهرية بعد دفعه فلو أتلف شخص ثالث ذلك العضو المرقّع ببدن الحيّ، ضمن تلك الجناية لذلك الحيّ إذا وقع ذلك الاتلاف بعد دفع الضمان لورثة الميت، بخلاف ما إذا وقع قبل الدفع فإن الجاني يضمن العضو لورثة الميت و للورثة الخيار في الرجوع على أحدهما. فتبيّن أن اطلاق عبارة الماتن (رحمه اللّه) بترتب أحكام بدن الحيّ على العضو المرقّع به محلّ تأمّل بالإضافة إلى الضمان.

ثم انّه قد يقال بالفرق بين نجس العين و ميتة الانسان، حيث انّ‌

70

ميتة نجس العين نجاسته من باب الكلبية مثلا لا من باب الموتان، بخلافه فلذا بمجرّد دبيب الحياة في هذا العضو الثاني ينتفي عنه عنوان الميتة و أمّا عنوان الكلبية فقد يكون باقيا.

و فيه: انّه لا وجه للتفرقة و تبدل الموضوع في كلا المقامين محرز التحقق بعد تعلّق مراتب النفس الانساني النازلة بكل منهما.

مسألة: هل موت المخّ مع بقاء حياة القلب يعدّ موتا حقيقيا فيحكم عليه بأحكام الموتى أم لا؟

قد اصطلح أخيرا في علم الطب على تسمية موت المخّ بالموت الحقيقي، اذ يمتنع عود الحياة إلى الانسان أو الحيوان لموت المخّ و تحدث هذه الحالة كما في الجلطة الدماغية أو كما في رمي الحيوان بالرصاص في مخه مثلا.

و قد يقرّب دعوى الأطباء هذه بأنّ هذه الحالة في الانسان أو الحيوان هي نظير ما يحصل في الذبيحة من الحيوان حيث يشاهد في بعض الموارد انّ قلب الحيوان ينبض إلى مدة مديدة بل قد يلاحظ ذلك في بقية أعضائه كاليدين و الرجلين إلا انّه مع ذلك يقال انّ الحيوان ميت، و يقرّبون دعواهم تلك أيضا بأنّ كلّ حياة البدن مرتبط بتدبير الدماغ و المخ فإذا انقطعت الاوامر الصادرة من خلايا المخ إلى تلك الأعضاء انقطعت برامج تلك الأعضاء في مسيرة حياة الخلايا من التغذية و النمو و غيرهما من أفعال الأعضاء. و بعبارة أخرى: انّ لكل‌

71

عضو حركة تشنجية حال نزع الروح قد تبقى مدّة مديدة بسبب الذبذبات المنتشرة في عروق الأعصاب في الأعضاء.

و على أيّة حال غرضهم من هذه الدعوى هو الاستفادة من أعضاء ذلك المحتضر كالانتفاع من كليته أو قلبه أو كبده و نحو ذلك حيث انّ الفائدة من هذه الأعضاء للترقيع و الانتقال إلى شخص حيّ آخر انّما تتم قبل سكون الحركة في تلك الأعضاء و أما بعد السكون فيصعب تركيبها في جسم حيّ آخر و الغرض الآخر من دعواهم تلك هو ايقاف الاسعافات الأولية و عملية حفظ الحياة من الأجهزة المساعدة للتنفّس و غيرها.

هذا تمام تقريب دعواهم.

و فيه: انّ الموت و إن لم تكن للشارع فيه حقيقة شرعية بل هو ظاهرة تكوينية لم يتصرف الشارع فيها إلا انّ حقيقة الموت العقلية كما هي مقررة في الأدلّة الارشادية النقلية و العلوم العقلية و العلوم النفسانية الانسانية التجربية هي خروج الروح من تمام البدن و ان بقي لها بعض العلائق الضعيفة به، لكن بنحو ينعدم قدرة تدبيرها و تصرّفها فيه و من الواضح انّ مع عطل عضو من الأعضاء لا يستلزم خروج الروح من تمام البدن و إن كان من الأهمية بمكان كالمخ و مثال الذبيحة لا يحصل الموت بمجرّد فري الاوداج الأربعة بل و لا بقطع الرأس و انّما الذبح سبب معدّ لخروج الروح من البدن و قد يأخذ الخروج مدة مديدة إلى أن يحصل تماما فهناك خلط بين السبب المعدّ‌

72

للموت و هو خروج الروح و بين المسبب نفسه و هو الموت و كذلك الحال في مثال الصيد. و ما يلاحظ من تشنج حركات الأعضاء في الحيوان و الانسان فليس ذلك بعد خروج الروح بل انّما هو حالة النزع و قد تطول في بعض الحيوانات كبعض الأسماك ساعات طويلة بحيث لو اعيدت إلى وسطها المائي البحري أعادت حياتها، هذا و كون الروح لا محالة تخرج بعد موت الدماغ من بقية الأعضاء أي انّ دعوى ضرورة الموت الكامل في بقية الأعضاء بعد حصول موت المخ أول الكلام و يحتمل عدم انتشار الموت في بقية الأعضاء بعد موت المخ، أي يحتمل عود حياة نفس المخ و كون جملة من خلاياه تفسد بموته لا يبرهن امتناع عود الحياة إليه و فرق بين القضية المبنية على الغلبة و الكثرة و بين كون قضية ممتنعة دائما، فمع الشك في بقاء استمرار الحياة أو زوالها بعد فترة لا يسوغ الحكم على من مات دماغه أنه ميّت لا سيّما و انّه حيّ بالفعل بلحاظ بقية الأعضاء، بل قد وردت النصوص المفتى بها في صورة أسوأ من ذلك مع فرض الشك في عود الحياة تضمّنته الأمر بلزوم الصبر و الانتظار للمحتضر إلى ثلاثة أيّام لاستكشاف الحال مع كون سائر الأعضاء توقّفت عن الحركة، مع انّ الميّت و الجنازة يستحب الاسراع بدفنها.

و تلك النصوص هي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي الحسن (عليه السلام) في المسحوق و الغريق، قال:

«ينتظر به ثلاثة أيام إلا أن يتغير قبل ذلك».

73

و في صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق ابن اخي شهاب بن عبد ربّه، قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام):

«خمس ينتظر بهم إلا أن يتغيّر الغريق و المسحوق و المبطون و المجذوم و المدخّن».

و في موثق اسحاق بن عمّار، قال:

«سألته عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الغريق أ يغسّل؟ قال: نعم.

و يستبرأ، قلت: و كيف يستبرأ، قال: يترك ثلاثة أيّام قبل ان يدفن».

و كذلك أيضا صاحب الصاعقة فإنّه ربّما يظن أنه مات و لم يمت.

و في رواية علي بن أبي حمزة قال:

«أصاب الناس بمكة سنة من سنين صواعق كثيرة، مات من ذلك خلق كثير، فدخلت على أبي ابراهيم (عليه السلام) فقال- مبتدئا من غير أن أسأله- ينبغي للغريق و المسحوق أن يتربص بهما ثلاثا لا يدفن إلا أن يجي‌ء منه ريح تدلّ على موته. قلت: جعلت فداك كأن تخبرني انّه قد دفن ناس كثير أحياء. فقال: نعم يا علي قد دفن ناس كثير احياء ما ماتوا إلا في قبورهم».

و قد قيّد الفقهاء مورد الروايات فيما إذا اشتبه حال الميّت فاذا كان حال من سكنت حركات أعضاء بدنه و احتمل عود حياته هو وجوب الصبر و الانتظار به مدّة يعلم بعدم عود روحه إليه فكيف الحال‌

74

بالمقام ممّا تكون بقية أعضاء البدن في حال الحركة و الحياة.

و في صحيحة زرارة قال:

«ثقل ابن لجعفر و ابو جعفر جالس في ناحية فكان إذا دنا منه انسان، قال: لا تمسّه فانّه انّما يزداد ضعفا و اضعف ما يكون في هذه الحال و من مسّه على هذه الحال أعان عليه فلما قضى الغلام أمر به فغمس عيناه و شد لحياه» (1). الحديث‌

ثمّ انّه لا تتصور حركات متتابعة للأعضاء من دون بقاء للروح و مجرّد وجود الذبذبات في عروق الأعصاب لا يفسّر بقاء حركتها مدّة زمنيّة. هذا و أمّا قطع اعضائه فمضافا إلى كونه اعانة على موتة الميت، ممّا يوجب القصاص أو الدية، هو تمثيل و مثلة و قد تقدم حرمته في الميّت فضلا عن الحيّ و أما وجوب ابقاء الحياة فقد تقدّم أيضا انّ المقدار الواجب منه انّما هو بحسب المتعارف بالوسائل المقدورة في باب التمريض و الطبابة لا الإبقاء على الحياة بلغ ما بلغ من الجهد و نحوه ممّا تقدم مفصلا.

***

____________

(1). ب 48/ ابواب الاحتضار/ 2، و ب 44/ ابواب الاحتضار/ ح 1.

75

التلقيح الصناعي

(مسألة 43) لا يجوز تلقيح المرأة بماء الرجل الأجنبي،

سواء أ كان التلقيح بواسطة رجل أجنبي أو بواسطة زوجها.

عدم جواز التلقيح بماء الأجنبي ليس لأجل الاطلاع على العورة لأنه أطلق في المتن الحرمة و لو كانت الواسطة في عملية التلقيح زوجها.

و قد يستدلّ لذلك:

أولا: بأدلّة حرمة الزنا مع أنّ فرض الزنا هاهنا منتف لأن التلقيح بماء الأجنبي غير التقاء الختانين و لكن الوجه في التمسّك بالأدلّة المزبورة انّ في عدّة من أدلّة حرمة الزنا التعليل باستلزام اختلاط المياه و اختلاط المياه في النساء المزوجات ذات البعل واضح و أما غيرهنّ فلأنهنّ في معرض ذلك بالقدرة على الزواج لا سيّما انّ لزوم العدّة من التلقيح لذلك الماء ثابت في كلا القسمين و هذا دالّ على كون الحكمة في تحريم الزنا متأتية في المقام.

إن قلت: انّ ماء الأجنبي في المقام مثل ماء الزنا لا حرمة له فلا نذعن بعموم أخذ العدّة في المقام فيحكم في حالة الاشتباه في المقام‌

76

بقاعدة الفراش أن الولد للزوج.

قلت: في الاشكال تقرير عموم أخذ العدّة اذ هو يستبطن كون كلّ ماء من فعل محرم أنه لا حرمة و لا عدّة له بخلاف الماء الذي ليس بحرام فله العدّة مثل و طي الشبهة و حينئذ فنقول: أمّا انّ يفرض هذا التلقيح فعلا محلّلا فاللازم وجوب العدّة منه و بالتالي فيحرم اختلاط المياه في ذات البعل و كذا غيرها بعد فرض جواز التزويج في ذلك الحال و أما أن يفرض فعلا محرما فهو مطلوب و إن كان اللازم عدم العدّة له مع انّ جماعة ذهبوا إلى لزوم الاستبراء في ماء الزنا و حكم الاستبراء حكم العدّة و هو منصوص و إن كانت المسألة خلافية.

و قد يؤيّد ذلك بلزوم العدّة من دخول ماء الزوج في الفرج و ما ورد من انّ تكثير النسل طريقه النكاح دون السفاح.

و ثانيا: بعموم قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (1) و تقريب الاستدلال انّ الحفظ في الآية قد أسند إلى ذات الفرج و حيث انّ معنى الحفظ معنى اضافي و عدمي فلا بد من تقدير الفعل أو الأفعال المناسبة نظير قوله تعالى و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ (2) فإنّه يقدر الأكل أو مطلق المنافع كالبيع و نحوه و كذلك الحال في المقام اللازم تقدير فعل الجماع و طلب الولد فلا يقتصر على الأول فقط الذي يعنون بعنوان آخر و هو الزنا، أي حفظ الفرج من الزنا بل‌

____________

(1). المؤمنون/ 56.

(2). المائدة/ 3.

77

يضمّ معه الحفظ عن طلب الولد إلا في مورد الزوج أو المملوكة باليمين و القرينة على ضمّ تقدير الفرد الثاني قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (1).

فقد جعلت النساء مكان زرع الذرّيّة و أن إتيانهنّ في الموضع أحد غاياته و طلب النتاج فتكون الآية دالّة على أن أحد الأفعال المناسبة المرتبطة بالفرج و القبل هو طلب الولد فتكون الآية دالّة على حصر طريق التناسل بالزوج و ملك اليمين. أو لك أن تقول: بحصر طلب الولد من الفرج بالزوج و المالك. فلا ريب انّ استخدام الفرج لإقرار ماء الرجل فيه نحو استخدام و انتفاع برحمها فهو من منافع الفرج و ملابساته. نظير رواية اسحاق بن عمار قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الزنا شر أو شرب الخمر و كيف صار في شرب الخمر ثمانين و في الزنا مائة؟ فقال: يا اسحاق الحدّ واحد و لكن زيد هذا لتضييعه النطفة و لوضعه إيّاها في غير موضعه الذي أمره اللّه عزّ و جل به. (2)

و ثالثا: بالروايات الخاصة و هي ما رواه في الكافي عن علي بن‌

____________

(1). البقرة/ 222- 223.

(2). ب 28/ النكاح المحرم/ 4.

78

ابراهيم عن أبيه عن عثمان بن عيسى عن علي بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة رجلا أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه. (1)

أما سند الرواية فلا توقّف فيه إلا في (علي بن سالم) و هو و إن لم يرد فيه توثيق إلا أنه قد روى عنه يونس بن عبد الرحمن في عدّة أبواب و روى عنه عثمان بن عيسى كما في هذا الطريق و هو من أصحاب الاجماع و وقع في طريقة مشيخة الصدوق و روى عنه علي بن أسباط الثقة و حسين بن يزيد النوفلي الثقة- على الأصح- و لم يرد فيه طعن و هذا المقدار يثبت الحسن و إن لم يكن بدرجة الوثاقة بل الأظهر انّه البطائني الملعون لكن ذلك لا يوجب طرح روايته مطلقا بل التفصيل في ما يروى عنه أيّام استقامته فيؤخذ و ما يروي عنه أيّام انحرافه فيطرح و تمييز ذلك بالراوي عنه إذا كان إماميا بخلاف ما إذا كان واقفيا و هاهنا الراوي عنه و إن كان عثمان بن عيسى الذي كان واقفيا بل قد يعدّ من رؤساء الوقف إلا أنه تاب و بعث بالمال الذي كان لديه من مال موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى الرضا (عليه السلام) و من ثم قد عدّ من أصحاب الاجماع أي من أجمعت الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه.

و رواية الصدوق:

____________

(1). ب 4/ ابواب النكاح المحرم/ 1.

79

قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند اللّه عزّ و جل من رجل قتل نبيا أو إماما أو هدم الكعبة التي جعلها اللّه قبلة لعباده أو أفرغ مائه في امرأة حرامة. (1)

و نظيره رواية الخصال حيث رواها عن محمد بن الحسن عن سعد عن قاسم بن محمد عن سليمان بن داود عن غير واحد من أصحابنا.

و سند الرواية ليس فيه من يتوقّف فيه إلا (القاسم بن محمد) و هو الاصفهاني المعروف ب‍ (كاسولا) أو (كاسام) و هو القمّي كما استظهر ذلك الأردبيلي في جامع الرواة لاشتراكه في الراوي و المروي عنه لا سيّما و انّ النجاشي لم يذكره إلا بعنوان القمّي و قد استظهر الاتّحاد غير واحد من أهل الفن.

و قال النجاشي عنه: انّه لم يكن بالمرضي. و قال ابن الغضائري:

حديثه يعرف تارة و ينكر أخرى و يجوز أن يخرّج شاهدا و الراوي كتابه عنه (البرقي) كما في النجاشي و قد وقع في طريقة المشيخة للصدوق في غير واحد من الطرق. و روى عنه سعد بن عبد اللّه و البرقي و ابراهيم بن هاشم و علي بن محمد القاساني و محمد بن علي بن محبوب القمّي و عبّاد بن سليمان.

و قال الشيخ عنه: له كتاب أخبرنا به جماعة و ذكر السند عنه و ذكره في رجاله في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) و قد حكم العلّامة بصحّة طريق الصدوق إلى سليمان بن داود المنقري مع وقوعه في طريقه‌

____________

(1). نفس المصدر/ ح 2.

80

إليه نعم حكى ابن داود عن الغضائري أنه غال في مذهبه. و الحاصل انّ كونه صاحب كتاب و قمّيا روى عنه اثنان من كبار القمّيين و قد روى كتابه البرقي و لم يطعن القمّيون عليه بشي‌ء لا يخلو من دلالة على الحسن.

و تقريب الدلالة فيهما: انّ عنوان المحرم فيهما هو إقرار النطفة في رحم الأجنبية أو إفراغ مائه فيها و هو مطلق سواء كان بالمقاربة و الزنا أم بالتفخيذ و اراقة ماء الفرج أو بدونهما و ذلك بإدخال النطفة بطريق التزريق.

و قد يستشكل في الدلالة بأن التعبير فيهما كناية عن الزنا، اذ لم يكن في وقت صدور الرواية يتداول تزريق النطفة لأجل الإنجاب و يناسبه التغليظ الشديد في الحرمة فيهما.

و فيه: أولا: انّ حرمة الإفراغ أو اقرار النطفة الظاهر منها حرمة زائدة مغايرة لأصل الزنا اذ قد يقع الزنا من دون افراغ الماء.

و ثانيا: انّ عقوبة المسجّلة هاهنا تغاير العقوبة المأثورة على الزنا.

و ثالثا: لو سلّمنا انّ التعبير كناية فلا يخلّ ذلك بالمطلوب لأن باب التعبير الكنائي مثل زيد كثير الرماد لا بدّ من مناسبة من المكنّى به و المكنّى عنه، أي انّهما يشتركان في الحكم و إلا لما صحّ التوصّل بذكر المكنّى به، بدل المكنّى عنه، بل انّ المكنّى به يجب أن يكون أظهر في الحكم من المكنّى عنه و من ثم توصّل بذكره عن ذكر المكنّى عنه.

أي انّ الكناية- كما ذكر في علم البيان و البلاغة- هي كالاستعارة من‌

81

أقسام التشبيه فالمكنّى به هو مندرج في المشبّه به و المكنّى عنه مندرج في المشبّه و لا بدّ من اشتراك المشبّه به و المشبّه في وجه الشبه بل كون المشبّه به أقوى و أعرف في وجه الشبه من المشبّه كما هو الحال في كل أنواع التشبيه من الاستعارة بأقسامها و غيرهما و على هذا فالإفراغ و الاقرار للنطفة و الماء لا بدّ أن يكون في نفسه محرما كي يصلح للكفاية به عن الزنا و حرمته فلا يضر بالمطلوب في المقام.

فتحصّل: تأصّل ظهور الروايات في مبغوضية و حرمة نفس الإفراغ و إقرار النطفة.

و رابعا: انّه لا ريب في صدق الروايتين و شمولهما لما إذا فخّذ مع الأجنبية و اراق مائه على فم الفرج فحصل منه قرار النطفة في الرحم مع أنه ليس زنا، بل و كذا لما هو دون التفخيذ من المعانقة للأجنبية و غيرها بحيث تسبّب إراقة مائه في فم فرجها، كل ذلك ممّا يكشف من أن التعبير ليس كنائيا و انّما هو في صدد التحفّظ عن إدخال ماء الأجنبي في الأجنبية و قد سمّي السفاح سفاحا لإراقة الماء في غير فرج الزوجة و المملوكة فيكون هدرا.

هذا و قد بنى جماعة على تحقق الفراش بين الزوج و الزوجة بمجرّد إراقة الماء على الفرج و إن لم يكن دخول في البين كما التزم جماعة منهم السيد اليزدي (رحمه اللّه) في الملحقات بلزوم العدّة بمجرّد دخول المني في فم الفرج و هذان الحكمان يشهدان بتحقق التصرف في الفرج‌

82

و الرحم بمجرّد وصول ماء الرجل إليهما.

و خامسا: انّ وصول الماء الأجنبي لرحم الأجنبية من دون توسط ملامسة كان امرا معهود الوقوع و لم يكن بعيدا عن الأذهان و يشهد لذلك ما روي من قضية الرجل الذي جامع زوجته ثم ساحقت زوجته امرأة أخرى فحملت الأخرى من نطفة ذلك الرجل بانتقالها من فرج زوجته لفرجها و ما روي في المرأة التي اتى بها لإقامة الحدّ عليها و كانت بكرا ثم تبيّن أنّ حملها كان من جلوسها في ماء وقع فيه نطفة رجل فدرئ عنها الحدّ و غير ذلك مما هو واقع عادة.

83

و لو فعل ذلك و حملت المرأة ثم ولدت فالولد ملحق بصاحب الماء و يثبت بينهما جميع أحكام النسب و يرث كلّ منهما الآخر، لأن المستثنى من الإرث هو الولد عن زنا و هذا ليس كذلك و إن كان العمل الموجب لانعقاد نطفته محرّما كما انّ المرأة أمّ له و يثبت بينهما جميع أحكام النسب و نحوها و لا فرق بينه و بين سائر أولادهما أصلا و من هذا القبيل ما لو ألقت المرأة نطفة زوجها في فرج امرأة أخرى بالمساحقة أو نحوها فحملت المرأة ثم ولدت فإنّه يلحق بصاحب النطفة.

و الوجه في ذلك تارة بحسب مقتضى القاعدة و أخرى بحسب النص الوارد.

أمّا بحسب مقتضى القاعدة فقد حررنا في رسالة أحكام ابن الزنا أنّ النسب علقة تكوينية و هي بحسب تكوّن الجنين من ماء الرجل و من بويضة الأم و هذا بحسب مادّة- ولد يلد- المستعملة في الموجودات العنصرية و النباتية و الحيوانية فضلا عن الانسانية و هو الذي تشير إلى نفيه سورة التوحيد فإن النسبة بينه تعالى و بين ما سواه نسبة الخالق و المخلوق، لا التوليد و التوالد و من ثم كان ما ورد من النصوص في ابن الزنا بحسب الأحكام في الأبواب المختلفة ليس‌

84

مفاده قطع النسب كما قد يتوهّم من عبارات مشهور الأصحاب، بل المراد تصنيف النسب إلى قسمين: أحدهما- النسب المتولد من الحلال و الآخر- المتولد من الحرام. و قد سلب عن الثاني عدّة من الأحكام في الأبواب منها الإرث من خصوص الأب و منها صلاحية القضاء و إمامة الجماعة و نحوهما من المناصب الشرعية. و بقيت بقية أحكام النسب كأحكام باب النكاح و غيرها التي قد صرّح بترتبها مشهور الأصحاب أيضا.

هذا في ابن الزنا فضلا عمّن تولد من طريق الحرام من غير الزنا كالمتولّد من الجماع في فترة حيض الزوجة أو فترة الصيام أو غيرها من موارد الحرمة و منها فرض المقام و المثال الذي ذكره الماتن (رحمه اللّه) في ذيل المسألة. و بذلك يتّضح عدم افتراق المتولّد من بقية طرق الحرام في الأحكام عن بقية الأولاد المتولّدين من الحلال و ذلك لإطلاق أدلّة الأحكام أي لإطلاق موضوع الولد فيها. غاية ما خرج من ذلك الإطلاق، المتولّد من خصوص الزنا فيبقى الباقي.

و أمّا بحسب النص الوارد فمنه صحيحة محمد بن مسلم قال:

سمعت أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) يقولان:

بينما الحسن بن علي في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) اذ أقبل قوم فقالوا يا أبا محمد، أردنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

و ما حاجتكم. قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة قال: و ما هي، تخبرونا بها، قالوا: امرأة جامعها زوجها فلمّا قام‌

85

عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فوقعت النطفة فيها فحملت فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (عليه السلام) معضلة و ابو الحسن لها و أقول فإن أصبت فمن اللّه و من أمير المؤمنين و إن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا أخطئ إن شاء اللّه. يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة لأن الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها ثم ترجم المرأة لأنها محصنة و ينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها و يردّ الولد إلى أبيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحدّ قال فانصرف القوم من عند الحسن (عليه السلام) فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:

ما قلتم لأبي محمد (عليه السلام) و ما قال لكم؟ فأخبروها. فقال: لو أنني المسئول ما كان عندي فيها أكثر ممّا قال ابني. (1)

و غيرها من الروايات. و يؤيّد ذلك بمرسلة الطبرسي قال: قال الصادق (عليه السلام):

لا يحلّ لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام. (2)

و تقريب الاستدلال ما تقدم.

____________

(1). ب 3/ ابواب حدّ السحق و القيادة/ 1.

(2). ب 1/ ابواب ما يحرم باستيفاء العدد/ 3.

86

(مسألة 44) يجوز أخذ نطفة رجل و وضعها في رحم صناعية و تربيتها

لغرض التوليد حتى تصبح ولدا و بعد ذلك هل يلحق بصاحب النطفة. الظاهر انّه ملحق به و يثبت بينهما جميع أحكام الأبوّة و البنوّة حتى الإرث غاية الأمر انّه ولد بغير أمّ.

و يقع الكلام في صور:

الأولى: تلقيح ماء الرجل مع بويضة زوجته و ايداعهما في رحم امرأة اخرى و هو غير جائز كما تقدم.

الثانية: تلقيح ماء الرجل مع بويضة غير زوجته و إيداعهما في رحم الزوجة.

قد يقال هنا بالجواز لأنّه ليس إدخالا لماء غير الزوج. و لتنقيح الكلام في المقام لا بدّ من الخوض في المسألة التالية و هي تعيين الأمّ في ما إذا اختلفت صاحبة البويضة عن صاحبة الرحم، فقد ذهب البعض إلى انّ صاحبة البويضة هي الأم لأن الولد بعض منها حيث انّ التوليد و التوالد بمعنى النشوء التكويني من مادة جسم آخر و قد ذكر في المباحث العقلية انّ التوليد و التوالد ليس إيجادا بل هو تجزّؤ و تبعّض. فصاحبة البويضة يصدق عليها أنه متولّد منها و المادة الأصلية للطفل ناشئة منها. غاية الأمر رحم المرأة الأخرى ليس إلا‌

87

كالأرض بالنسبة إلى البذرة يستقى منها الغذاء و ينبت فيها.

و ذهب بعض آخر منهم السيد الخوئي (رحمه اللّه) إلى انّ صاحبة الرحم هي الأم تمسّكا بالآية الشريفة إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ (1) بتقريب انّ الولادة بمعنى الخروج من الرحم. و ذهب ثالث إلى انّ كلتيهما أمّ و هو الصحيح.

و لا بدّ قبل الاستدلال من بيان نكات:

الأولى: انّ المشاهد في الحيوانات كالثور الذي يلقّح به بقرات لا يجعل الناتج لصاحب ماء الثور و انّما هو ملك لصاحب الأنثى بينما المشاهد في الإنسان في ما إذا كانت الأمة مأذونة للحر أن يطأها بالتحليل أو بالزواج انّ الولد تابع له في الحرية دون الأمة فالولد تابع لصاحب النطفة بخلاف الحيوان و لكن غاية هذه التفرقة انّما هي في الأحكام و الآثار الاعتبارية لا في حقيقة النسبة التكوينية.

الثانية: انّ حقيقة التوليد و التوالد هو نشوء مادة جسم من مادة أخرى و هو يختلف بحسب الحدوث و البقاء فتارة في أصل البذرة في مادة و أخرى في مرحلة البقاء و التكامل للجسم من مادة أخرى.

الثالثة: حكم الشارع في باب الرضاع بأن المرضعة لها أحكام الأم النسبية إلا الوراثة. اذا اتّضح ذلك فنقول: انّ صاحبة البويضة لها المادة الأصلية التي يتكوّن منها الجنين و صاحبة الرحم لها دخل أيضا في تنشئة الطفل أكثر من الأم الرضاعية التي ألحقها الشارع‌

____________

(1). المجادلة/ 2.

88

بالأم النسبية عند اشتداد عظم و لحم الرضيع عليه أو إنبات دمه فكيف بالمحاضن لنطفته في رحمها حتى بلغ انسانا ذا روح فهي ذات علقة تكوينية به أشدّ من المرضعة و من ثمّ تؤثّر صفات صاحبة الرحم في هذا الوليد كما تؤثّر صاحبة البويضة و ليس هناك دليل مانع عن تعدد الأم و لا قاض بضرورة وحدتها مع انّ ما ورد من اعتبار الأم من الرضاعة مضافا من الأم من الولادة يشعر بامكان التعدد و الولادة توجب الانتساب التكويني و عنوان الأمومة و هي علقة تكوينية موجودة في كلتا المرأتين و الإطلاق العرفي غير آب للصدق عليهما، اذ ليس من قبيل مثال الحرّ و الأمة المتقدم و لا من قبيل مثال الحيوان و لذلك يعتني أطباء التلقيح الصناعي في تعيين كل من صاحبة الرحم و صاحبة البويضة بأن تكونا على حال سليمة و مواصفات معيّنة و من ثم يمكن تصوير ترتب أحكام الأم عليها من قبيل أحكام الإرث فيكون سهم الأم منقسمة نظير سهم الزوجة عند تعدد الزوجات و لو اريد الاحتياط فلا بد من المصالحة و أما أحكام المحرمية فلا مانع منها بالنسبة إليهما.

أمّا دعوى القول الأول بأن صاحبة الرحم كالأرض فضعيفة:

أولا: بأن في الأرض أيضا تأثيرات في ما ينبت منها من الزرع و الشجر.

و ثانيا: لو فرضنا انّ أصحاب الهندسة الوراثية في الجينات المنوية استطاعوا أن يركّبوا من ماء رجلين تلقيح بويضة واحدة في‌

89

الرحم فلا مانع أن يقال: له أبان مثلا.

و ثالثا: لا أقل من كون صاحبة الرحم بمنزلة الأم المرضعة موضوعا و حكما.

و أمّا دعوى القول الثاني بأنّ الآية الشريفة دالّة على انّ الأم هي صاحبة الرحم فمدفوعة: بأنّ قيد الولادة في مقابل الأم المتبناة المدّعاة التي تشير إليه الآية الشريفة وَ مٰا جَعَلَ أَدْعِيٰاءَكُمْ أَبْنٰاءَكُمْ ذٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوٰاهِكُمْ (1) فالحصر إضافي في مقابل ذلك. و أمّا انّ الولادة هل هي بمعنى الخروج من الرحم أو نشوء من البويضة فهذا بحث آخر.

ثم انّ الأطباء يذهبون إلى كون الأم صاحبة البويضة و أنهم يرون كل العوامل الوراثية من البويضة و ماء الرجل اذ بدء تكوّن الجنين بتشطير الخليّة إلى خلايا بسبب تلقّح البويضة بماء الرجل فتتشطّر أي تصير خليّة قابلة للتشطّر إلى أن تتكوّن جنينا فصاحبة البويضة هي الأم.

و ذهب بعض العامّة إلى انّ صاحبة البويضة هي الأم و انّ صاحبة الرحم تكون حاضنة و بحكم الأم الرضاعية و لعلّه استأنس ذلك من أحكام الرضاع و بأخذ الموضوع فيه اشتداد العظم و اللحم من اللبن و هو نوع علقة توليدية تحصل من الأم الرضاعية و بطريق الأولوية تثبت هذه العلقة لصاحبة الرحم لا سيّما قيام الشبهة بكونها هي الأم الأصلية و سبب تلك الشبهة هي تأثير العوامل الوراثية المنتقلة منها‌

____________

(1). الاحزاب/ 4.

90

إلى نفس الطفل المحتضن فلا أقل بحكم الأم الرضاعية.

و ادّعى بعض الأطباء بعدم تأثير صاحبة الرحم في العوامل الوراثية في الطفل مطلقا و لكن لا يخلو من التأمّل اذ من الثابت أن المرضعة- و هي دون حاضنة الرحم- تؤثر في الطفل من ناحية اخلاقه و غيرها مضافا إلى أنّ نفس مفهوم التوليد و الولادة صادق على كل من صاحبتي الرحم و البويضة لأن معنى المادة هو الاشتقاق لبعض الشي‌ء من الشي‌ء فمثلا لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ معناه انّه سبحانه لم يشتق هو من شي‌ء و لا يشتق منه شي‌ء و نظير تولّد المعادن من الأرض تكوينا بسبب العوامل الجغرافيائية الطارئة على التربة، و هذا المعنى صادق على صاحبة البويضة لأنه تولّد من خلاياها و صادق على صاحبة الرحم لأن دم الطفل من دمها فهو يكتسب دمه من دمها.

و قد يستشكل بأن التوليد و التوالد أصل معناه الاشتقاق و لا يقال ولد شي‌ء من شي‌ء إلا إذا كان الثاني من أبعاض الأول و هذا لا يصدق إلا على صاحبة البويضة دون صاحبة الرحم اذ غاية الأمر انّ الطفل تغذّى بدمها و نبت لحمه منها كتغذيته من المرضعة. هذا و لو تمّ الاشكال المزبور فلا يقتضي نفي أحكام الأم عليها كالمحرمية و نحوها المترتبة على الأم الرضاعية لا من باب القياس الظنّي بل لتحقق العلّة المذكورة في الأم الرضاعية من إنبات اللحم و العظم.

و أمّا خصوص إجراء الإرث فللاحتياط و التوقّف مجال و كذا بقية الأحكام المختصة بالأم النسبية. إذا اتّضح الحال في نسبة الأم فنقول:

91

انّ من يبني على أمومة صاحبة الرحم فلا موجب لديه لحرمة التلقيح و امّا من يبني على أمومة صاحبة البويضة أو انّ كلتيهما أمّاه فلو كنّا و ظاهر الأدلّة اللفظية فلا دليل على الحرمة إلا أنا نعلم بمقتضى تعليل حرمة الزنا بعدم اختلاط النسل و ما قد يقال إطلاق الحفظ المأمور به في الآية التي تقدم تقريبها دالّ على تحديد طلب الولد بحصره بالزوجة و ملك اليمين و أمّا غير الزوجة و المملوكة فمحل منع و اشكال و بالتالي فإيجاد علقة النسب من غير المستثنى في الآية التي تقدم تقريبها مشمول لعموم التجنب للحفظ المأمور به فلا تصل النوبة بالبراءة و اصالة الحلّ.

ثمّ انّ ما فرض في المتن من أنه لو لقّحت بويضة مع ماء الرجل ثم وضعت في رحم صناعية من دون أن تكون جنينا في رحم المرأة هو مجرّد فرض و لم يقع إلى هذا الوقت. و على كل تقدير فقد ذهب عدّة من الأعلام إلى أنه لا أمّ له لبنائهم على انّ الأمومة دائرة مدار احتضان الرحم. لكنك عرفت أنها تدور مدار البويضة أيضا كما هو الحال في الأبوّة أنه دائرة مدار الماء. فكذلك الحال في الأمومة و على هذا صاحبة البويضة هي أمّه و حكم هذه الصورة الأخيرة في ما إذا كان الماء لرجل أجنبي قد اتّضح ممّا سبق تكليفا و وضعا.

الثالثة: هل يجوز تلقيح ماء الزوج الذي خرج منه قبل الزواج بزوجته بعد الزواج قد استشكل البعض في الجواز بأن هذا الماء يصدق عليه (ماء الأجنبي) و ليس ماء الزوج حين خروجه فليس هو‌

92

ماء لزوجها.

و فيه: انّه زوج بالفعل و هو و إن كان خروجه سابقا إلا أنه منتسب إليه فعلا بما هو زوج.

الرابعة: هل يجوز تلقيح ماء الزوج بالزوجة بعد وفاته؟ قد يقال بالجواز لاستصحاب الزوجية و لكن الصحيح انّ العلاقة الزوجية تبطل بالموت غاية الأمر انّه في باب أدلّة الإرث و تغسيل الميت وقع اطلاق الزوج على الميت بلحاظ من قضى و ذلك انّ قوام الزوجية بوجود الزوجين الحيّين فالإطلاق بعد الموت مجازي يقتصر فيه على مورد الإطلاق في الأدلّة الآخذة ذلك الاطلاق المجازي في موضوعات أحكامها فلا يستكشف من الاطلاق عليه في دليل الإرث و التغسيل أنه اطلاق حقيقي لأن ذات الماهية العرفية كون الزوجية قرنا و اقترانا بين الطرفين الحيّين و إن كانت الماهية العقلية خفيفة الاعتبار بلحاظ بعض الآثار لكن شمولها لغير الحيّين خلاف ما هو المرتكز في اللغة القانونية عند العقلاء و القضايا و الماهيات العرفية كلّها لغة قانونية مجبولة عليها الفطرة البشرية و قد استخدمها الشارع كما استعمله اللغة اللسانية و ذلك لأن الانسان منهج نظام معيشته قائم على اللغة القانونية.

هذا مضافا إلى ما هو المقرر في باب المعاملات من كون العقود المأخوذة فيها موضوعات للأحكام و الآثار هي بحسب وجودها العرفي فهو ما عرّف من انّ موضوع أدلّة الصحّة في باب المعاملات‌

93

هو المعاملات الصحيحة بحسب العرف فبضميمة ذلك تكون ماهية الزواج هي حدّ ماهية الزواج لدى العرف أي القائمة بوجود الزوجين و على ذلك فيجوز للزوج بمجرّد موت أحد زوجاته الأربع التزوج من الخامسة و لو قدّر موتهنّ معا يجوز التزوج بأربع أخر في ذلك الآن و إن كانت الزوجة الحيّة تبقى في عصمة زوجها الميّت مدّة عدّة الوفاة و ذلك لحرمة زوجها اللازمة على المرأة مراعاتها من قبيل الحداد و غيره لكن ذلك لا يعني بقاء الزوجية و لا جميع آثارها فليست هي ذات بعل بل هي امرأة معتدة.

و أمّا الاستصحاب فلا موضوع متيقن في البين كي يستصحب و بعبارة أخرى هو الاستصحاب في الشبهة المفهومية بناء على انتفاء الزوجية فلا يشرع الوطي أو التقبيل بعد الموت و قد عرفت انّ دليل الإرث و جواز التغسيل أنه تعبد في المحمول و الآثار لا في الموضوع أي انّ الاستعمال الواقع فيهما للزوجية بلحاظ من قضى. هذا فضلا عن لزوم الاحتياط في الفروج في هذين المثالين و كذا في المقام.

ثمّ انّه لو انعقدت النطفة في الفرض فهل يرث الابن من الأب أو لا؟

الصحيح أنه لا يرث لأنه يشترط في الارث أن يكون الولد حيّا أو جنينا في بطن أمّه حين موت المورث أي قد انعقدت نطفته قبل القسمة و أما المتولّد بعد ذلك فلا تشمله أدلّة الإرث نظير الولد الكافر إذا أسلم بعد القسمة فإنه لا يرث. و ما ورد من الدليل الخاص في الجنين شاهد على لزوم واجدية الوارث للشرائط فعلا حين القسمة و قد تضمّن ذلك‌

94

الدليل عزل حصّة من قسمة الإرث للجنين و إن كان لم تلجه الروح المقتضي لكون القسمة منجزة غير قابل للتعليق و الابطال.

95

(مسألة 45) يجوز تلقيح الزوجة بنطفة زوجها.

نعم لا يجوز أن يكون المباشر غير الزوج إذا كان ذلك موجبا للنظر إلى العورة أو مسها. و حكم الولد منه حكم سائر أولادهما بلا فرق أصلا.

قد اتّضح حكم كل ذلك ممّا تقدم.

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

الاستنساخ و عمليات الهندسة الوراثية

من المباحث التي كثر الحديث عنها في الوقت الحاضر بحث الاستنساخ و من المهم تحرير الموضوع و الظاهرة العلمية الجديدة و إن لم يتعرّض لها الماتن في المسائل المستحدثة.

و قد عرّف الاستنساخ بأنّه أخذ نواة خليّة جسدية من كائن حيّ تحتوي على كافّة المعلومات و العوامل الوراثية ثم زرعها في بويضة غير مخصبة فيتم التلقيح لتنشئة الجنين أو المخلوق الآخر مطابقا تماما في كل شي‌ء للكائن الأول الأصل الذي أخذت منه الخلية و هو يقع على صور و فروض عديدة:

[صور الاستنساخ]

فإنّه تارة يتمّ بأخذ نواة الوراثة من خليّة أنثى و تخصيب بويضة أنثى أخرى بها، ثم وضعها في رحم أنثى ثالثة أو رحم نفس صاحبة البويضة. و تارة أخذ نواة خلية من ذكر و تخصيب البويضة بها.

و وجه تسمية هاتين الصورتين بالاستنساخ أنه يتم التكثير للمتشابه بدرجة تشابه تبلغ ثمانين بالمائة و يمكن إجراء عملية التكثير هذه إلى نسخ لا تحصى. فلا يقاس بالتوأم و ذلك كما يقول علماء الجينات و أطباء الولادة بكون مادة الوراثة و الجينات منتقلة من صاحب الخليّة‌

98

تنسيلا من الخلية المأخوذة منه فالشخص المأخوذ منه الخليّة يقال له (منسّل منه) ففي عملية التنسيل و الاستنساخ أثبت أن الدور و وظيفة الحيمن المنوي في ماء الرجل و هو نقل المادة الوراثية للرجل إلى البويضة فقط دون أجزاء أخرى فيكون دور المادة الوراثية المنقولة من الخليّة التي يتم بها التنسيل و الاستنساخ نفس التأثير كمّا و كيفا. ثم انّ الأطباء و العلماء المتخصصين في هذا الحقل يحتملون تشوّه خلق الانسان أو اختلال نظم تركّبه الهرموني أو الأعضائي أو غيرهما لأن انضباط التركيبية و الفسلجية غير مضمونة بتوسط الهندسة الوراثية المتبع حاليا و ليست هي كالطبيعة المخلوقة من التولد و الخصب الطبيعي، بل بعضهم يحتمل وقوع المسح في بعض الحالات بسبب العبث في التركيب الوراثية.

الصورة الثالثة: استنساخ الأعضاء و هو يتمّ إمّا بتخصيب البويضة لخليّة من العضو المراد استنساخه فيتمّ نموّ عضو مشابه أو بتوسط أخذ خليّة من العضو المراد استنساخه و تكثير تلك الخليّة بتوسط الطرق الهندسية الوراثية لينمو عضو مشابه و يتم عبر استنساخ الأعضاء الاستفادة منها بزرعها للمرضى أو المعافين في عمليات القلب أو الكليّة أو الأعضاء الخارجية من الأيدي و الأرجل و العيون.

الصورة الرابعة: الاستنساخ في مجال بحث الجينات لمكافحة الأمراض لا سيّما الوراثية و في مجال تطوير و تحسين الصفات الوراثية في النسل الانساني أو الحيوانى إلى غير ذلك من الفوائد.

99

الصورة الخامسة: الاستنساخ في مجال النباتات و الزراعة بهدف الحصول على نسل نباتي افضل و مكافحة الأمراض التي تنتابها أو الحصول على أنواع نباتية جديدة.

قد يستدل للجواز بوجوه:

الأول: ما ورد من النصوص

التي تحثّ الانسان على التحكم بصفات الطفل الجمالية و الخلقية و الروحية نظير ما ورد من أن أكل الحامل للسفرجل أو الجماع في ساحة معينة أو على وضوء و أمثال ذلك، كله من باب الحثّ على تحسين الخلقة و يستفاد منها انّ تحسين الخلقة امر مرغوب فيه في الشريعة سواء من الزاوية البدنية أم الروحية فهذا ممّا يدلّ على أن الشريعة ترخّص في ذلك و لازم ذلك ترخيص الشريعة في الطرق المتّبعة لتحسين الخلقة.

الثاني: ما ورد في انتخاب و اختيار الزوجة (1) من الأقوام المختلفة

و خاصية و امتياز كل قوم عن البقية و هو ممّا يصب في تحسين التنسيل البشري و تجويد الجينات.

الثالث: ما قامت عليه السيرة العقلائية في تخصيب الحيوانات

من زمن الشارع حتى يومنا هذا حيث يلقّح فصيل نجيب جيد منها بفصيل آخر لكي ينجب الفصيل المتولّد بأخذه الصفات الجيدة من الفصيلين المتلاقحين كما هو الحال في البغل أو بعض أنواع البقر و غيره. فهذا ممّا يدلّ على مشروعية غرض الهندسة الوراثية و هي تحسين الخلقة.

____________

(1). كتاب النكاح/ أبواب مقدماته و آدابه.

100

الرابع: ما قامت عليه السيرة العقلائية في النباتات

من عملية التركيب بين اغصان الشجر المختلفة في النوع أو عود و ساق الزرع المختلف في النوع و نحوها من عمليات التطوير و التغيير في النباتات الدالّة على أن مطلق التغيير في الخلقة التكوينية الإلهية إذا كان يتّجه إلى نحو أحسن فلا مانع منه.

الخامس: انّه على تقدير الشك فإنّه تصل النوبة إلى أصالة الحلّ

و البراءة بناء على جريان الأولى في الشبهات الحكمية.

و قد يستدلّ للتحريم:

أولا: بالآية الكريمة

و هي قوله تعالى وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ (1) فاختلاف الخلق لسانا و لونا هو من حكم الخلقة الالهية و أهدافها لأن التمايز و التغاير في الأذهان و الروحيات و القوى و الشخصيات لحكمة ابتلاء اللّه الناس بعضهم ببعض فيتكوّن المجتمع على الفوارق المميزة المطلوبة في انعقاد المجتمع البشري و الحال انّ الهندسة الوراثية تمانع حصول الفوارق التكوينية المفروض تحققها بغير الاختيار البشري بل بمحض الإرادة التكوينية الإلهية و من ثم يشكل على دليل الجواز المتقدم بأن الشارع حثّ على تحسين الخلقة بأن أمره انّما هو بنحو خاص لا بقول مطلق.

و قد يتنظّر في هذا الدليل بأنّه لم تثبت التجارب أنّ الهندسة الوراثية لو اعملت لاستلزمت ممانعة حصول الفوارق فقد يكون هناك‌

____________

(1). الروم/ 22.

101

فوارق من جهة أن ما يستحسنه كلّ يفارق الآخر فينحفظ الفارق مضافا إلى عدم الفرق بين التحسين و أكل السفرجل أو طريقة الاستنساخ. اذ تحسين الخلقة أمر مرغوب فيه شرعا فلا ينافي اغراضه. نعم لو كانت الهندسة الوراثية تؤدّي إلى التشويه و العبث بالخلقة فلا يسوغ لأنه تغيير في خلق اللّه فمثلا بتوسط الهندسة الوراثية يتمكن الانسان من انتخاب الذكر من الانثى و هذا المقدار لا اشكال فيه اجمالا. نظير ما ورد في آداب طلب الولد من أن من أراد الذكر فيدعو بهذا الدعاء مثلا و من أحبّ أن يرزق بنتا فليعمل كذا. فهذا مما لا ينافي الإرادة الإلهية. هذا و الذي قرر في عدّة مجامع دولية ذات الصلاحية الرسمية الاستناد في تحريم و منع الاستنساخ إلى خطورة التشابه في المواليد و استلزام الاستنساخ لتكثر الشخصية الواحدة بأعداد هائلة ممّا يدلل على تخوّف الهاجس البشري في الأوساط العلمية من حصول صغرى الدليل المزبور.

و ثانيا: بأنّه تحدّى في المعجزة الإلهية في النبي عيسى (عليه السلام)

كما في الآية الكريمة حيث جعلهما آية و المعجزة مقتضاها عجز البشرية عن الاتيان بها طوال التاريخ البشري نظير تحدّي اللّه و القرآن للبشرية بخروج ناقة صالح من الجبل فإن هذا التحدّي مستمر إلى يوم القيامة.

فليس معنى المعجزة اختصاص التحدّي بها بأهل زمان صاحب المعجزة، بل ذاتي معنى المعجزة هو عجز جميع البشرية في أجيال مختلفة عن ذلك. و من ثم يثبت لها انّ مصدر هذا الفعل هو القوى‌

102

الغيبية و على ذلك من الممتنع توصل البشرية إلى الولادة من غير أب إلى يوم القيامة و لازمه امتناع التصديق بالاستنساخ.

و هذا الدليل غير تام لأن الآيات الكريمة غير صريحة في أنّ تولّد عيسى (عليه السلام) من غير أب هو المعجزة فيه و يشهد لعدم ذلك عدّة قرائن عقلية:

منها: انّ المعجزة من خواصها أنها تبهر العقول و تدهشها و تخرس الألسن لكونها في مقام التحدي بين ما نرى ولادة عيسى (عليه السلام) من غير أب لم تكن بهذا الوصف في بدايته بل كانت محل طعن بني اسرائيل لمريم (عليها السلام) حيث قالوا: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (1).

إن قلت: كل معاجز الأنبياء قد طعن الكفار فيها. الم يطعن القرآن بأنه سحر؟

قلت: فرق بين الطعنين فليس الطعن على موسى أو عيسى أو نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) في المعجزة كقوّة و قدرة بل في منشأ تلك القوّة و القدرة فلا تعدّ المعجزة التي هي قدرة و قوّة ضعفا و انّما الطعن في تفسير تلك القوّة بأن منشأها السحر أو ما شابه ذلك بينما في ولادة مريم عيسى (عليه السلام) من دون أب لم يتلقّ بنو اسرائيل هذا الأمر كقدرة و قوة بل تلقّوا كفعل فاحش كما يشير إلى ذلك قوله تعالى وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلىٰ مَرْيَمَ بُهْتٰاناً عَظِيماً (2) و قوله تعالى على لسانهم قٰالُوا يٰا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ

____________

(1). مريم/ 27.

(2). النساء/ 156.