فقه الطب والتضخم النقدي

- الشيخ محمد السند المزيد...
313 /
103

شَيْئاً فَرِيًّا يٰا أُخْتَ هٰارُونَ مٰا كٰانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ مٰا كٰانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (1).

و منها: انّ المفروض و المسلّم في محلّه انّ المعجزة تستقل في التحدي و اثبات المطلوب و لا تحتاج إلى ضمّ ضميمة أخرى بينما هاهنا طعن بنو اسرائيل على مريم (عليها السلام) بهذا الطعن فاحتاجت إلى اعجاز تكلّم عيسى (عليه السلام) في المهد و نطقه كيف يثبت براءتها و طهر ساحتها عن بهتانهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ قٰالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كٰانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ (2) الآية. فكان تكلّم عيسى (عليه السلام) في المهد دافعا لشبهتهم فإثبات أنّ الولادة من غير أب في عيسى (عليه السلام) متوقّف على تكلّمه (عليه السلام) و كيف تتّكئ المعجزة في وضوحها على معجزة أخرى؟

إن قلت: يمكن أن يكون ذلك من باب أن المعجزات تتعاضد بعضها البعض مثل أن موسى (عليه السلام) له تسع معجزات.

قلت: التعاضد بين المعجزات مسلّم و غير منكر لكنه يغاير الاحتياج في تمامية معجزة لمعجزة أخرى و الذي يخلّ بحقيقة المعجزة.

و منها: انّ تحدّي مريم (عليها السلام) لبني اسرائيل لا وجه له لأنها ليست نبيا و لا صاحب الدعوى، بناء على ما هو المعروف و المشهور في كلمات الفريقين و الولادة من غير أب و إن كانت كرامة لعيسى (عليه السلام) لكن‌

____________

(1). مريم/ 27- 28.

(2). مريم/ 29.

104

ابتداؤها مرتبط بمريم (عليها السلام) و لسنا في صدد كون الولادة من غير أب كرامة و حبوة و عطية و لكن ليس كل كرامة معجزة، بل الكرامة الخاصة التي تقهر عامة البشر في مقام التحدي هي المعجزة فلا يلزم حينئذ أن تتوفّر تلك الكرامة على شرائط المعجزة كعجز البشرية عنها إلى يوم القيامة لافتراق الكرامة عن المعجزة.

و يشهد لذلك عدّة قرائن لفظية، منها قوله تعالى قٰالَ كَذٰلِكِ قٰالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّٰاسِ وَ رَحْمَةً مِنّٰا وَ كٰانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (1).

و الضمير في هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يعود إلى ولادتها من غير زوج و الضمير في وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لا يعود إلى الولادة و لا يتحد مع مرجع هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ بقرينة انّ رَحْمَةً مِنّٰا وصف لعيسى (عليه السلام) فهذه جملة معترضة فلا يتحد الضميران في المرجع إلا أن يكون الاستعمال من باب الاستخدام و هو محتاج إلى القرينة و خلاف الظاهر فلا بد أن يرجع الضمير في وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً إلى النبي عيسى (عليه السلام).

و منها: انّ الضمير في قٰالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ و من قوله وَ لِنَجْعَلَهُ مفرد لا مثنى مؤنث. فالأقرب الأنسب فيه عوده إلى النبي عيسى (عليه السلام) لا الولادة و إن كان أتى بالضمير السابق بصورة المفرد المذكر الراجع إلى الشأن المقدر في ما سبق- أي شأن الولادة- و على ذلك فالآية ليست في نفس ولادة عيسى (عليه السلام) من غير أب و لا أقل من عدم كون الآية نصا في ذلك.

____________

(1). مريم/ 21.

105

و بعبارة أخرى انّه قد يكون الضمير في كل الجمل عائدا إلى النبي عيسى (عليه السلام) غاية الأمر كونه هيّنا وصف بحال المتعلّق أي ولادته و خلقه من غير أب و كذلك الضمير المتأخّر كونه أمرا مقضيا و لم يعدل المفسّرون في إعادة الضمير في لِنَجْعَلَهُ عمّا ذكرنا. و يظهر من العلّامة الطباطبائي في (الميزان) تمريض التفسير المعروف بجعل الإعجاز في الولادة و كذا يظهر من الفخر الرازي، بل الظاهر من الروايات الواردة في ذيل الآية الاشارة و التركيز على كون معجزة النبي عيسى (عليه السلام) هي في تكلّمه في المهد صبيّا.

و أما ما ورد في قوله تعالى وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْنٰاهُمٰا إِلىٰ رَبْوَةٍ ذٰاتِ قَرٰارٍ وَ مَعِينٍ (1) فالآية في عيسى (عليه السلام) هو اعجازه من إحياء الموتى و التكلّم في المهد صبيّا متحدّيا لهم بإيتائه الكتاب. و أما الآية في مريم (عليها السلام) فليس وجهه منحصر بما ذكر. فقد كان لمريم (عليها السلام) جهات من الاحتجاج حيث إنّها كان يأتي رزقها من الغيب و كانت قد أحصنت فرجها و صدّقت بكلمات ربّها مع كونها في منتهى الجمال و كانت الداعية الأولى بنبوّة ابنها و شريعته و شريكة له في الدعوة إلى الشريعة الجديدة، اذ لولاها لما قامت به من الدور المرسوم لها من قبله تعالى و الذي أمرت به لما استتمّ اعلان عيسى نبوّته و لا اعجازه من تكلّمه في المهد اذ لو لا تصديق مريم (عليها السلام) بالوحي الذي حصل لها و ايمانها بما أمرت به توطئة لجلب أنظار بني اسرائيل لما قامت بكل‌

____________

(1). المؤمنون/ 50.

106

ذلك و لكان لوثا مخلا في اظهار نبوّة عيسى (عليه السلام) و معجزته مع انّ الآية تأتي بمعنى العلامة و الدلالة و الحجّة لا خصوص المعجزة كما في إطلاق لفظ (الآية) على الليل و النهار و الأمطار و غير ذلك من عظائم المخلوقات مع أنها ليست في مقام التحدي فإن كلّها من مظاهر قدرة اللّه و ما حدث لمريم (عليها السلام) كلّه منبئ على قدرة اللّه لا أنه في مقام التحدي و المعجزة.

و قال بعض: لو سلّم كون الولادة من غير أب معجزة فلعلّها من جهة أن الولادة استغرقت ستّة ساعات أو تسع ساعات أو انّ البويضة لم تلقّح بخلية أخرى و لا بشي‌ء آخر.

و فيه: أولا: انّ بعض الروايات دالّة على أنّها ليست مدتها كذلك بل في ستة أشهر كالحسين (عليه السلام) و يحيى (عليه السلام).

و ثانيا: انّ التلقيح بالخلية من نفس البويضة بتوسط شوكة كهربائية محتمل الآن علميا بل قيل بوقوعه و إن كانت درجة الاحتمال ضعيفة جدا و صعبة بالنسبة إليهم و قيل: لم تتبيّن الأبحاث العلمية امكانه.

و من القرائن اللفظية: الروايات الواردة في ذيل هذه الآية حيث أنها تركّز و تشير إلى معجزة عيسى (عليه السلام) و هو تكلّمه في المهد من دون أن تشير إلى أن الإعجاز في الولادة من غير أب، نعم هي حبوة و عطية مهّدت لتساؤل بني اسرائيل كثيرا و سلّط أضواء العقول على النبي عيسى (عليه السلام) و لكون ولادته غريبة اثارت السؤال حوله ثم بعد ذلك كان‌

107

كلامه دافعا للاستغراب فانشداد العقول إليه انّما هو بسبب الفتنة الاجتماعية التي أحدثتها ولادة مريم (عليها السلام) عيسى (عليه السلام) من دون زوج و جعلته حديث الساعة.

و التحقيق انّ الاستنساخ إثبات لمعجزة القرآن عن أنه يمكن أن تكون الولادة من غير ماء الأب ممّا يبرهن لحقانية القرآن الكريم لأنه لم تتوصّل البشرية تفسيرا لقضية عيسى (عليه السلام) و مريم (عليها السلام) قبل القرآن تفسيرا واقعيا علميا فجاءت تجربة الاستنساخ برهانا حول هذه القضية. فالنظرية القرآنية الاسلامية ثبتت حقّانيتها و هو دحض لزعم المسيحيين حيث يقولون انّه ابن اللّه و دحض لليهود القائلين بامتناع الولادة من غير أب و بأنه- العياذ باللّه- من غير طريق الحلال.

فالنظرية القرآنية التي برهن على صحّتها وقوع الاستنساخ داحضة لكلتا النظريتين. و الغريب أنه سائر الأعلام المختلفة و الأندية العلمية العديدة لم تشر إلى ذلك في ما كتب من المقالات الكثيرة من أن اللازم الافصاح و النشر و الاعلام و التبيين عن هذه المعجزة القرآنية التي برهن عليها وقوع الاستنساخ. فالأحرى في ظاهرة الاستنساخ أن يروّج على بطلان دعوى اليهود و النصارى في حق مريم (عليها السلام) حيث انّه يثبت إمكان الولادة من غير ماء الرجل في الجملة فلا مجال لفرية اليهود و بطلانهم عليها كما لا مجال لدعوى التولّد و التوليد من الذات الإلهية حينئذ. و تكون ظاهرة الاستنساخ احقاقا لحقّانية القرآن و الدين الإسلامي في ما قصّه من حقيقة ولادة النبي عيسى (عليه السلام) و إن لم‌

108

نجد الضخم الإعلامي يشير إلى ذلك و لعلّ ما ذكره غير واحد من علماء النصارى و رؤسائهم من أن الاستنساخ يسي‌ء إلى العقيدة اشارة إلى إبطال دعواهم في ولادة المسيح.

و الحاصل: مثل هذه الاشكالات تسنّم عن ضعف الباع في العلوم العقلية و من ثم إلصاقها بالدين وهن و ازراء به و نعوذ باللّه من تصوير انّ الدين الاسلامي الحقّ يتخالف مع الحقائق العلمية و أن يؤخذ الدين حربة التحريم كوسيلة للحروب مع الحقائق التي تثبتها التجربة العلمية فإنّه مسلك علماء أهل الكتاب الناشي من تحريفهم لأديان السماء.

و ثالثا (1): انّه تشكيك في الدين و تحدّي لقدرة الخالق

و سدّ لباب معرفة التوحيد و تدخّل في فعل اللّه تعالى.

و فيه: انّ هذه الاستدلالات سخيفة جدا لأن دعوى كون الاستنساخ تشكيكا في ديننا أو تحديا لقدرة الخالق مآله إلى انّ هذه الحقيقة العلمية تقف حجر عثرة على الاستدلال لوجود اللّه تعالى أي تثبت انّ الخلق يستطيع أن يخلقوا. و مآل هذه الدعوى أيضا انّ هذه الحقيقة العلمية تصطدم و تكذّب القرآن الكريم القائل بأنّ البشر عاجزون عن خلق شي‌ء و لو ذبابة و من ثم يشكك في الدين و لكن هذا النمط من الاستدلال مناسب لعقلية علماء النصارى و اليهود و أما بالنسبة إلى صدور أمثال هذه الاستدلالات من بعض علماء المسلمين فنابعة عن‌

____________

(1). ممّا يستدلّ به للتحريم.

109

قلّة البضاعة و لا يناسب نهج الاستدلال لأضواء الكتاب و السنّة فإنّ الشريعة الاسلامية الحقّة ساطعة أنوارها أمام ظلمات الشبهات قالعة رياحها سحاب الشكوك فكيف يفترض فيه العجز و التخوّف من مواجهة الحقائق الدينية أو انّ هناك مصادفة بين العلم و الدين الاسلامي القويم، اذ كيف يكون الدين حقا و تستطيع الحقائق العلمية أن تبطل حقّانيته و انّه لكي لا تبطل حقّانيته يجب أن نقف أمام الحقائق العلمية بالمرصاد، سواء كانت محلّلة أم محرّمة و إلا فحقّانية ديننا محلّ تساؤل و تصطدم مع الحقائق العلمية و لو التجريبية.

فهذا النمط من الاستدلال يصوّر دحض الدين الاسلامي في الواقع لا أنه يشيّده و كان اللازم على هذا المستدل أن يتأمّل في البحوث العقلية الفلسفية و الكلامية و تفسيرها لحقيقة الخلقة و الايجاد للشي‌ء و الفرق بينهما و بين الفاعل بالتحريك و الاعداد حيث انّ- بين سنخ الفعل بمعنى الايجاد الذي يصطلح عليه في الفلسفة بالفاعل الإلهي و هو الذي يوجد شيئا آخر من العدم و بين الفاعل الذي لا يوجد شيئا آخر و انّما يعدّ و يحرّك فقط- بون بعيد و هو الذي تشير إليه الآية الشريفة أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخٰالِقُونَ .... أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّٰارِعُونَ .. (1) فإن الامناء من قبل الرجل هو تحريك المني من داخل بدنه إلى رحم الأنثى و أما إفاضة الصورة المنوية على المني فهو من اللّه عزّ و جل، فالرجل ليس بفاعل إلهي و كذلك الحال في‌

____________

(1). الواقعة/ 58.

110

الزرع فإن الانسان انّما هو حارث أي محرك للبذرة يوزعها في التربة و شقّ وجه الأرض و أما الذي يفيض صورة الزرع هو الباري تعالى، فكذلك الحال في الاستنساخ كما هو الحال في الولادات الطبيعية حيث انّ الرجل لا يخلق الولد في بطن الأنثى و لا كليهما، بل فعل الرجل و الانثى مقتصر على الحركة و التحريك فهما فاعلان طبيعيان و في الاستنساخ كذلك. فإنّ المستنسخ يعدّ الأرضية لإفاضة صورة العلقة، اذ أخذ النواة الوراثية من خلية و وضعها في البويضة بضميمة الشوكة الكهربائية ليس مقتضاها في الاخصاب إلّا الإعداد.

و أما إفاضة الصورة العقلية فهي شأن الفيض الايجادي و المستنسخ يهيّئ موضع و مادّة و شرائط إفاضة تلك الصورة فصرف الاعداد ليس إيجادا، بل انّ في قوله تعالى فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ (1) و قوله تعالى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّٰهِ (2) نقلا عن لسان عيسى (عليه السلام) فإن ظاهره إسناد النفخ المكوّن للطير إليه لكن بإذن اللّه كما في قوله تعالى وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (3) و قوله تعالى وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (4) و نظير خلق النفس، الصور الذهنية مما يعني إمكان اسناد الخلق إلى غير اللّه و لكن بإقدار منه تعالى. و لو سلّمنا انّ البشرية استطاعت أن تخلق في الاستنساخ‌

____________

(1). المؤمنون/ 14.

(2). آل عمران/ 49.

(3). الحجر/ 29، ص/ 72.

(4). النمل/ 87.

111

فإنّ ذلك لا يعني استقلال البشرية عن اللّه و لا كونها في عرض اللّه تعالى فإن الفعل الذي يحصره القرآن الكريم باللّه تعالى و يتحدّى فيه البشرية المختلفة منها هو الإبداع و هو خلق الجواهر المستقلّة من كتم العدم لا من مادة موجودة فإنّ تغيير المادة الموجودة من صورة إلى صورة و إن كان خلقا بالمعنى الأعم و لكنه ليس خلقا بالمعنى الأخص بمعنى الإبداع. فالتخليق من مادة الوجودات العرضية لم ينفه القرآن عن البشر فتخليق البشر من المادّة لا يسدّ باب معرفة اللّه و لا يقتضي كون البشر مستقلّين في فعلهم فليس التحدّي في فعل اللّه تعالى بل بإذنه. اذ التخليق من المادة لا يستلزم الاستقلال و على كل تقدير فالاستنساخ و إن بنينا على تحريمه لوجوه أخرى إلّا انّ ذلك لا يعني دلالتها على الاستقلال في فعل الانسان.

و رابعا: استدلّ على التحريم بأنّه مسخ و قطع للرحم

و السلالة باعتبار انّ النسخ المتولّدة سوف لم يكن لها أب و إن كان لهم أمّهات لأن التنسيل بالاستنساخ يمكن أن يقع من خلايا الإناث و النساء و تلقّح به البويضة فيلزم المجتمع البشري كلّهم من أمّهات و لا آباء لهم.

فهو قطع لسلسلة الأبوّة و رابطة الرحم و الرحمة الأبوية التي قدّرها الخالق في سنّة التكوين. و غير ذلك من الفروض المحتملة في تغيير السلالة الانسانية و تغيير هيئة الصورة و تقويم تركيب البشرية ممّا احتمله متخصصو الهندسة الوراثية أنفسهم.

و فيه: هذا لازم لو أخذت الخليّة من أنثى لبويضة أنثى و أما لو‌

112

أخذت من ذكر لأنثى فيمكن أن يقال: انّ صاحب النواة الوراثية هو الأب. فإنّ التلقيح بنواة الخلية و الجينات و إن لم يكن بماء الرجل و مادّته المنوية بامتزاجها دمجا بالبويضة يكون تنسيلا من صاحب الخلية فيتّبعه و يلحق به لكون مادة الوراثة و الجينات منتقلة من صاحب الخلية كما ذكر ذلك الأطباء و علماء الجينات و الهندسة الوراثية و قد عبّر بعضهم بأنه شبيه بالتوأم و لا يخلو من قوّة بناء على كون علقة الأبوّة علقة تكوينيّة ناشئة من التوالد في المادّة كما حرر في محلّه.

هذا إذا ثبت انّ دور و وظيفة الحيمن المنوي المذكر هو نقل المادة الوراثية للرجل إلى البويضة فقط دون أجزاء أخرى فيكون دور المادة الوراثية المنقولة من الخلية نفس التأثير كمّا و كيفا و على ذلك يكون مورد تحقق هذا المحذور هو في ما إذا أخذت الخلية من أنثى لا من ذكر و إن كان الرائج على الألسن في المجامع و الأندي المختلفة نفي العلقة مطلقا و أما الأم فلا ريب أنها صاحبة البويضة كما حرّرنا في التلقيح الصناعي. و أمّا صاحبة الرحم فهل هي أم ثانية أم حاضنة حكمها حكم المرضعة محرميا وجهان: ذكرناهما هناك.

و الحاصل: انّ قيمة هذا الدليل و النمط من الاستدلال إنّما هو بيان تحقق الصغرى و موضوع حكم شرعي آخر. أي لكبرى حرمة تغيير خلقة اللّه تعالى أو لكبرى حرمة مخالفة أغراض التكوين و غايات فعله تعالى التكوينية فهذا الدليل بالنسبة إلى الكبرى الأولى بمنزلة صغرى‌

113

الصغرى لها. أي بعد تقرر موضوع الاستنساخ و لوازمه التكوينية بتوسط هذا الدليل و نحوه من الأدلّة الآتية لا بدّ من ضم بيان أغراض تكوينية و غايات أفعاله تعالى بحسب الأدلّة الشرعية و كيفية منافاتها لموضوعة الاستنساخ. ثم بعد ذلك لا بدّ من ضمّ الدليل المقتضي لحرمة مخالفة تلك الأغراض و الغايات و هكذا الحال في الكبرى الأولى فهذا الدليل و امثاله من الأدلّة الآتية ليس وجها مستقلا و انّما هو بيان تقرير لمقدمة وجوه أخرى. و ليس يتأتى به قطع الرحم و السلالة.

و خامسا: انّه موجب لتشويه الخلقة الانسانية

التي كرّمه اللّه تعالى في التصوير و التركيب و التقويم. فبحسب النتائج المستعرضة في التقرير العلمي للاستنساخ يلزم منه التشويه في خلق الانسان أو اختلال نظم تركّبه الهرموني أو الأعضائي أو غيره. فلأن انضباط التركيب و الفسلجة و غيرها غير مضمون بتوسط الهندسة الوراثية متّبعة حاليا و ليس هي كالطبيعة المخلوقة من التولّد و الخصب الطبيعي في الطريق و السنّة التكوينية الجارية. و أمّا المسخ فهو في بعض حالاته محتمل الوقوع بمعنى العبث و التركّب في الصورة الانسانية بدنيا و روحيا و نحو من المثلة في الابتداء لا في البقاء. و لكن هذا في ما إذا كان المتولّد ذا نقص نفساني أو بدني و إلا فكيف يكون مشوّها لأنه إذا لم تكن نسبة المعادلة الوراثية المأخوذة من نواة الخلية- سواء من ذكر أم أنثى- دقيقة و منضبطة فلا محالة سوف يكون المتكوّن مشوّها.

114

هذا و وزان هذا الدليل كالسابق عليه من كونه محرزا لصغرى كبرى أخرى.

و سادسا: انّه موجب لاختلاط و تشابه الشخصيات الانسانية

مما يوجب فقدان النظم الاجتماعية و الهرج و المرج بناء على انّ النسخة المستنسخة هي عين الأولى. لكن ناقش في هذا المحذور كثير من الأطباء و قالوا: بعدم تشابه الشخصيات و لو كان البدن عين البدن لأن الشخصية الروحية تتشخّص و تتكوّن بالبيضة و المعلومات و زمان النشأة و غير ذلك من العوامل. و نظّروا بمثال التوأمين حيث انّ بعض حالاتهما متشابه إلا انّ شخصيتهما مختلفة. نعم بينهما نوع من التقارب في الشخصية.

هذا و المحذور قائم في التشابه في الجانب البدني و الشكل أيضا و إن كان ذلك قد يقع في التوأم إلا انّ النسبة بين حالات التوأم و الحالات المتوقعة من الاستنساخ لا تقارب بينهما.

و سابعا: انّه يوجب اختلال النظم في التركب الهرموني أو الاعضائي و غيره

و الهرمونات الجنسية هي المادة و الخلايا الذكرية التي توجب ذكورة الانسان أو الخلايا الأنوثية التي توجب انوثته فاذا اختلّت نسبة الهرمونات تسبب ذلك لصيرورته خنثى و الاستنساخ موجب لذلك بنسبة كبيرة و في معرض حدوث ذلك بدرجة احتمالية كبيرة و ان عدلت النسبة بمحاولة السيطرة على توازن التركيب الهرموني.

115

و ثامنا: انّه ليس الانسان مالكا لجسده

بل وكيلا و قيّما من اللّه عزّ و جل عليه فالأصل الأولي عدم جواز تصرّفه إلا بما قد أذن له في ذلك و لا دليل على مثل ذلك التصرّف.

و هذا الاستدلال متين كبرويا و استدلّ به الخاصّة و بعض العامّة و الغريب انّ العامّة الذين يستدلّون به ذهبوا في بحث الإمامة إلى انّ الأصل الأولي في التصرفات أن تكون بيد الأمة استنادا إلى «الناس مسلّطون على أنفسهم و أموالهم» سلطة مطلقة العنان، مع انّهم يستدلّون على حرمة الاستنساخ بأن الانسان في بدنه غير مسلّط سلطة أصلية و انّما هي سلطة وكالية عن اللّه تعالى.

و تاسعا: انّه تغيير الخلقة و هو محرّم

كما هو المستفاد من الآية الكريمة وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ (1) حاكيا ذلك عن قول الشيطان و هذه الآية من القواعد المهمّة في المسائل المستحدثة في البحوث الطبية و وقع في تفسيرها اتجاهان:

الأول: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ أي دين اللّه فلا تكون حينئذ محلا للاستدلال.

الثاني: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ بمعنى نفس خلقة اللّه.

و لا بدّ من الالتفات إلى انّ هذه الكليّة هي بمثابة كبرى، صغراها تغيير الخلقة فليست هي وجها مستقلا بمفردها كما لم تكن كثير من الوجوه المتقدمة مستقلة بمفردها بل النسبة حينئذ بين هذه الكليّة‌

____________

(1). النساء/ 117.

116

و ما تقدم هو أن تلك محققة لصغرى هذه الكليّة كما أن هناك وجوها أخرى لإثبات الكبرى كما يأتي بيانه. فالوجوه السالفة امّا تجعل بيانا و استدلالا لتحقق صغرى تغيير الخلقة أو لصغرى الكبريات الآتية و هي حرمة مناقضة أغراض السنن التكوينية لكونها أغراضا في التشريع. (هذه هي الكبرى الثانية).

و يستدل لهذه الكبرى بما ذكرناه و نقّحناه في الأصول من القاعدة العقلية الثانية و هي كل ما حكم به العقل النظري حكم به الشرع.

و مؤدّى هذه القاعدة انّ كل أمر و غرض تكويني يعلم أنّه للّه عزّ و جل من فعله سواء علم بالكتاب الكريم أم بالسنّة المعتبرة أم بغير ذلك فلا يمكن أن يصادمه التشريع الإلهي بل لا بدّ من أن يكون في وفاق معه و تناسب لأن التشريع كما لا يصادم الفطرة كذلك لا يصادم السنن التكوينية للّه عزّ و جل و لا أغراضها و هذا ما اصطلحنا عليه كل ما علم و قطع أو حكم العقل أنه غرض تكويني للّه فلا بد أن يكون الغرض التشريعي مناسبا له.

مثلا انّ الغرض التكويني للّه من الرياح اللّٰهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً (1) الأمطار فلا يكون التشريع المعين ممانعا الريح من إثارة السحاب للأمطار بحيث يكون التشريع المصادم للتكوين بنحو الدوام.

فاذا تقررت هذه الكبرى- التي استشهد به الفقهاء في موارد عديدة‌

____________

(1). الروم/ 48.

117

من أن ما يخالف أغراض التكوين و غايات فعله تعالى التكويني بحسب النصوص القرآنية و الروائية و بحسب المشاهد الحسيّة و العقلية، كلما يخالف أغراض التكوين فإنّه لا يسوغ. حيث انّ التشريع لتكميل الحقيقة التكوينية لا المصادمة مع كمالاتها لما تقرر في محلّه من مسلك العدلية من تبعية الأحكام للملاكات و أنها ألطاف لتكميل الفطرة الانسانية المتناسبة مع عالم التكوين فلا يعقل تسويغ الشارع فعل ما يتناقض مع تلك الأغراض التكوينية المخبر عنها في الكتاب و السنّة أو التي حكم بها العقل و أدركها و نظير ذلك ما استفاده جملة من الفقهاء من تساوي الاستحقاق الأولي في المباحات لجميع أفراد الناس من قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (1) مع انّ الآية في مقام الاخبار عن الأغراض التكوينية- فنقول: انّ هذه المحذورات المذكورة في الوجوه السابقة مثل تشويه خلق الانسان أو قطع الرحم و غيرها ممّا لا يمكن أن تكون أغراضا للشريعة و ممّا علم انّ الشريعة لا تسوّغها فتكون هذه اللوازم غير سائغة تشريعا لئلا تكون هناك مصادمة بين التشريع و ما هو الاغراض من السنن التكوينية.

أما بيان الجزء الثاني من الصغرى و هو بيان منافاة لوازم الاستنساخ أغراض السنن التكوينية فهو مفاد ما استعرضته الآيات الكريمة من تكريم الانسان و تسخير كل شي‌ء له. فيتحصّل أنه يظهر‌

____________

(1). البقرة/ 29.

118

من بعض الآيات أنّ الغرض التكويني هو حدوث سلالة النسبية و السببية من ماء الرجل و كذا ما تبيّنه عديد من الآيات وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1)، وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْعٰالِمِينَ (2) و كقوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كٰانَ رَبُّكَ قَدِيراً (3) و قوله تعالى أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مٰاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنٰاهُ فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ إِلىٰ قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنٰا فَنِعْمَ الْقٰادِرُونَ (4) و قوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرٰائِبِ (5) و قوله تعالى وَ اللّٰهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مٰاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (6) و قوله تعالى وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثىٰ مِنْ نُطْفَةٍ إِذٰا تُمْنىٰ (7) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنىٰ ثُمَّ كٰانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّٰى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثىٰ (8) و قوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخٰالِقُونَ (9)

____________

(1). الروم/ 21.

(2). الروم/ 22.

(3). الفرقان/ 54.

(4). المرسلات/ 20.

(5). الطارق/ 6.

(6). النور/ 45.

(7). النجم/ 46.

(8). القيامة/ 37.

(9) الواقعة/ 58.

119

و غيرها من الآيات. فهي تشير إلى انّ نموذج الجاري من التناسل هو المقدر في قضاء التكوين بل انّ آية النور دالّة على انّ الحال كذلك في الحيوانات حيث انّ المراد بالماء هو مني الذكر لا مني الأنثى لأنه الذي تبتدأ النشأة منه و البويضة لا يطلق عليها ماء الأنثى. اللّهم إلا أن تتم دعوى بعض المتخصصين في كون الماء هو المادة الوراثية AND في الخلايا و لا يراد من كون تقدير الإلهي ذلك انّ الاستنساخ على فرض وقوعه خارج عن الإرادة و القضاء الإلهي الربّاني، بل المراد انّ المقتضيات المجعولة في التكوين من الباري ذلك و إن لم يمانع ذلك اقدار الباري تعالى للبشر لاتيان أفعال أخرى مخالفة دورها، و تأثيرها بنحو الاعداد ليس إلا كما قدّمنا. فإنّ ذلك اقدام للحرمان من قبل البشر أنفسهم كما هو الحال في هبوب الرياح لواقح لتثير سحابا لحصول المطر فتحيى بها الأرض الميتة بإذن اللّه تعالى فإن ذلك مجعول في الأسباب بنحو الاقتضاء مما لا يمانع اقدار اللّه تعالى للبشر بايجاد المصانع و نحوها الموجبة للتلوّث البيئي المهدد لسلامة البيئة و الأسباب الطبيعية عن ايصال النفع إلى الانسان نفسه فهو نحو اقدام من الانسان على حرمان نفسه.

و بعبارة اخرى: انّ الإرادة التكوينية الأولى معلّقة في التقدير الإلهي على اعداد البشر لذلك بالجماع المتعارف فاذا أعدّ غير ذلك كإعداد الاستنساخ أفيضت إرادة أخرى و يشير إلى ذلك لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي

120

أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ (1) فإنّه يشير انّ الخلق الطبيعي قدّره الباري في احسن ما يكون عليه قواما و تقويما تركيبيا لوجود الانسان و إن كان أنحاء أخرى دانية من التقويم ممكنة الخلق كما هو الحال في ما يقال في الهندسة الوراثية من تمكّنها من التصرّف في التركيب المولود فيصبح مختلف الأعضاء و التنسيق لها عما هو عليه الآن من زيادة بعضها أو نقصها أو تغيير محالّها في البدن فإن كل ذلك من التقويمات المخالفة لحسن تقويم خلقة الانسان. و لتلك الخلقة القويمة الحسنة للانسان سخّر لها كثيرا ممّا خلق الباري كما تفيد آيات التسخير للموجودات الأخرى تحت طوعانية الانسان و نفعه فهذا التكوين في الخلقة للانسان يتصادم معه التركيب الآخر من تقدير و هندسة الخلقة بنحو يعرّض السلالة الانسانية المكرّمة إلى التحول إلى اليأجوجية و المأجوجية و قد تكون بداية نهاية للنسل البشري القويم يبتدرها بنو الانسان أنفسهم بيدهم. فتشريع الاستنساخ كممارسة من كل بني بشر يكون مصادما لمثل هذا الغرض أي انّ اللازم كينونة آباء و أمّهات للنسل البشري و اللازم له أن يخرج من خلال احتضان الأسرة و الآباء و الأمّهات و أما السلسلة الطبيعية من التكوين اغراض لفعل اللّه مع انّ اللّه عزّ و جل في قدرته أن يوجد الانسان من خلال أنحاء اخرى من الخلق كالاستنساخ و غيره الذي هو اعداد للايجاد البشري. و بهذا المقدار يتّضح انّ تكريم‌

____________

(1). التين/ 4.

121

الانسان غرض من الأغراض التكوينية له تعالى و تقويم خلقته كذلك و أن التقويم هو هذا الذي عليه الانسان و أما غيره فليس مثله في التقويم الحسن بل يكون فيه إهانة في التركيب التكويني له مثل تشويه الخلقة و اختلال تركب الهرموني للانسان.

الكبرى الثالثة منافاة و تصادم لوازم الاستنساخ على صعيد الواقع الخارجي

مع الأغراض الشرعية المقررة في أبواب الأحكام، منها: تشييد بناء بيت الزوجية إذا ما بنى بيت في الدين احبّ منها بعد الدخول في الاسلام و الايمان. و منها: الحفاظ على النسب و تواصل الرحم و التربية القويمة و كفالة الولد و النسل و وظيفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وقاية الأهل من نار الآخرة و غيرها من كثير الأحكام المترتبة على بناء بيت الزوجية و التي تنعدم تلك المصالح و الملاكات بذهاب بيت الأسرة و يتحدد كيان بناء الأمة المطلوب شرعا بل هذه الأغراض ممّا تقضي به حكم الفطرة التي شرع باطن بقاعدة الملازمة بين الحكم العقلي العملي و الشرعي و قد قضى بذلك فطر الأكثرية من النخب البشرية في الوقت الراحل و هذا المحذور واضح اللزوم في ما لو تمّ الاستنساخ من خلية أنثى أو ذكر أجنبي‌

122

غير الزوج فقطع الرحم و السلالة هو أيضا يغاير إنشاء الأسرة و أما بالنسبة إلى اختلاط و تشابه الشخصيات الانسانية فهو أيضا خلاف الغرض التكويني و راجع إلى الكبرى الثانية المتقدمة و مثله ما يلزم من أحد أقسام الاستنساخ الموجب للمشابهة الدائمة.

فتلخّص انّ هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة من الدليل الثامن تقرّب بنحو مستقل ككبرى صغرياتها الأدلّة السابقة فمفاد الكبرى الثانية انّ الاغراض التكوينية لا يمكن أن تناقضها الأغراض التشريعية بل لا بدّ أن تكون على وفاق مع التكوين و تكميلا له فمن ثم لا يسوغ الاستنساخ كموجبة جزئية أو كموجبة كلية لما فيه من محذور المناقضة. و لا يخفى انّ احراز كون الاستنساخ مستلزما لتلك المحذورات و المناقضة هو من اختصاص البحث العلمي التخصصي و قد اقرّ بها أصحاب الاختصاص.

و أما كيفية مناقضته للتكوين فقد تقدم محصّل مفاد الآيات و حكم العقل بالمشاهدة من أن طريقة السنّة التكوينية للّه تعالى في تكاثر البشرية هي على هذا النهج المشار إليه و النهج الآخر في الاستنساخ يدافع نهج السنّة التكوينية للّه عزّ و جل كما قد تقدم بيان مدافعته للأغراض الشرعية و هي الكبرى الثالثة. هذه وجوه مستقلّة‌

و قد تورد اشكالات على الكبريات المزبورة:

الأول: انّه انّما يكون التشريع مناقضا للتكوين في ما إذا حرم و منع من الزواج فيقف التشريع بذلك سدا أمام التناسل عبر الأبوّة و يسدّ‌

123

أمام التناسل و الأمومة و أما إذا كان التشريع لا يمنع الزواج، بل يحله غاية الأمر هناك طريق آخر تكويني لتكوين النوع البشري فلا ممانعة بين التشريع و التكوين من ذلك و الحال في جواز الاستنساخ كذلك فلا مانع من تشريع جوازه.

الثاني: انّه لا مناقضة بين الاستنساخ و الأغراض الشرعية و ذلك لأن الاستنساخ يوجب انتفاء الموضوع للأحكام الشرعية في الأبواب المزبورة فتنتفي تلك الأحكام و الملاكات و الأغراض من باب السالبة بانتفاء الموضوع لا السالبة بانتفاء القدرة على المحمول فلا تفويت للملاكات و الأغراض بالمعنى المصطلح.

و الجواب: انّ مناقضة التشريع للأغراض التكوينية لا تنحصر بالنحو المقرر في الاشكال فلو سدّ و حرم الشارع باب الزواج لكان سدا أمام السلالة من ماء مهين و أمام وجود الرحم و رحمة الأبوّة و الأمومة و غيرها و لكن الحال لو لم يحرّم ذلك و أحلّ الطريق الآخر كذلك لأن التحليل و فتح الباب الآخر يوجب تسبيبا قانونيا لأن تنتهج البشرية و لو شطر منها النهج الآخر و أن لا تكون من سلالة من ماء مهين و بالتالي فهذا الغرض التكويني في طائفة من البشر غير متحقق فيتقرر التناقض نظير ما قرّره المشهور في قاعدة لا ضرر من أنها تشمل المباحات أيضا لأن نفس ارخاء العنان من المشرّع و المقنن نوع من التسبيب في التشريع لارتكاب ذلك الضرر بتوسط الفعل المباح بالعنوان الأولي فجعلوا أحد أدلّة حرمة الفعل المضر هي قاعدة‌

124

لا ضرر الرافعة لاباحة الفعل الأولية ففي ما نحن فيه الحال كذلك حيث انّ فتح المجال و الاباحة من قبل التشريع لهذا النوع من التناسل لا ريب في تسبيبه لزوال الغرض التكويني فيكون التشريع يصبو إلى سنن تكوينية دائمة أخرى يغاير التنسيل السلالي النسبي الرحمي.

هذا مضافا إلى مناقضته للملاكات الشرعية المستفادة من الآيات و الروايات الكثيرة الحاثّة على بيت الزوجية. و الاستنساخ هادم لهذا البنية التكوينية و غيرها من الأحكام الشرعية التي أشرنا إليها سابقا.

فالتنسيل بالاستنساخ يوجب حرمان السلالة من الانتفاع بتلك الملاكات.

و أما الاشكال الآخر فجوابه انّ الغرض التشريعي لا يقتصر على عدم مناقضته الغرض التكويني، بل المفروض انّ الشريعة يجب أن تكمّل التكوين و بعبارة اخرى انّ الحيلولة دون وجود مجموع موضوعات تلك الأحكام حرمان للكمال المنطوي فيها و حدّ لكيان بناء الأمّة بالنحو التكويني المطلوب لدى الشارع.

إن قلت: هذا كلّه في الاستنساخ من المرأة بالمرأة و أما من الرجل بالمرأة فلا مانع من أن يلحق المتولّد به اذ هناك أبوّة و أمومة.

قلت: (أولا) انّ الإلحاق تكوينا بصاحب نواة الخلية و الجينات محلّ تأمّل و نظر بعد عدم كون التولّد من ماء الرجل و مادّته المنويّة بامتزاجها دمجا بالبويضة. نعم الظاهر من اطباء الولادة و علماء الوراثة و الجينات هو كون مادة الوراثة و الجينات منتقلة من صاحب‌

125

الخلية و أنّ ذلك تنسيل من صاحب الخلية فيتبعه و يلحق به و قد عبّر بعضهم بأنه تشبيه بالتوأم فعلى ذلك يكون الأب المنسّل منه هو صاحب الخلية و لا يخلو من قوة بناء على كون تلك العلقة تكوينية ناشئة من التوالد في المادة كما حررناه في مبحث ابن الزنا.

هذا إذا ثبت انّ الدور و وظيفة الحيمن المنوي للذكر هي نقل المادة الوراثية من الرجل إلى البويضة فقط دون أجزاء أخرى فيكون دور المادة الوراثية المنقولة من الخلية نفس التأثير كمّا و كيفا و على ذلك يكون مورد تحقق بعض المحاذير السابقة في ما أخذت الخلية من أنثى لا من ذكر و إن كان الرائج في اندية المجامع المختلفة نفي العلقة مطلقا و على أي تقدير فلم يلحق المستنسخ بصاحب الخلية رسميا في علم الطب الحديث و إن كانت النواة الوراثية من الخلية التي تخصب البويضة تفعل ما يفعله ماء الرجل من تشطير البويضة و غيره. فإنّه مع ذلك لم يجزموا بأن صاحب الخلية هو الأب، و الوجه في الاستشهاد بكلامهم أنّا قد بيّنا في البحث المزبور لابن الزنا انّ النسبة التكوينية تعتمد على التوليد و التوالد أي أن تكون مادّة متكوّنة من مادة أخرى.

و وجه التردد انّ وظيفة الحيمن المنوي مع بويضة الأنثى و إن كان تخصيب البويضة لكي تتكثر الخلايا البويضية و ينتج منه الولد و لكن الظاهر انّ الحيمن بكامله يدخل في البويضة و هو نوع من الحيوان بخلاف ما إذا لم يؤخذ الحيمن و أخذ شطر من نواة الخلية فالإلحاق‌

126

محلّ تأمّل لأن هذه النواة الوراثية الموجودة في كل خلية لا يعلم أنها تحقق القدر المطلوب من المادة الاندماجية. نعم على تقدير أنها كذلك فإن هذا المقدار من أخذ مادة لمادة موجب للحوق نسبة الأبوّة.

فالخلية لا تؤخذ بكاملها من ذي الخلية بل شطر منها و هو الجزء الوراثي فاندماجها بمادة البويضة ليس بشطر فيه مقومات الحياة و انّما هو قالب هندسي بيئي لهندسة الطبيعة الوراثية لتلك المادة.

و ثانيا: انّه على كل تقدير خروج عن الطريقة التكوينية في الاستيلاد و التنسيل و الغرض التكويني الّذين ذكرا في الآيات من أنّ طريق التوليد و التوالد عن طريق الماء المهين حتى في الحيوانات و هي ممّا تقدم في الأدلّة أنه نوع من التقويم التكويني للانسان و أما كبرى حرمة تغيير الخلقة بعد كون المحاذير في الوجوه السابقة صغرى لها أو للكبريتين الآخريتين فمستفادة من قوله تعالى إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّٰا إِنٰاثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلّٰا شَيْطٰاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللّٰهُ وَ قٰالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلّٰا غُرُوراً أُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ لٰا يَجِدُونَ عَنْهٰا مَحِيصاً (1).

و لا بدّ لتنقيح البحث فيها من التعرّض لتفسير الآية الشريفة فنقول:

انّ مفاد الآية الكريمة عدم كون تغيير الخلقة من موارد الرخصة‌

____________

(1). النساء/ 117.

127

بل من موارد العزيمة في الحرمة لأنه قد ذكر في سياق الشرك فمن حيث الحكم لا دغدغة في الحرمة. انّما الكلام في المتعلّق حيث انّ في (خلق الله) معنيين محتملين:

الأول: بمعنى دين اللّه و المفاد على ذلك أنه من المحرمات اللعب بدين اللّه و تغييره و يعضده ذكر التعبد و التزلّف لغير اللّه في فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ و يعضد ذلك ما ورد في آية أخرى و هي فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ (1) أي لدين اللّه.

و الثاني: بمعنى نفس خلقة اللّه.

فقيل انّه لا معيّن لأحد المعنيين في البين. فتصير الآية مجملة أو غير ظاهرة في القاعدة الكلية في الفقه و هي حرمة تغيير الخلقة مضافا إلى انّ الممارس لدى البشر تغيير الطبائع النوعية المعدنية و النباتية و المزاوجة و التركيب بين النباتات لاخراج نباتات جديدة و نحو ذلك من التغييرات في خلق اللّه و لم يلتزم أحد بأن كل تغيير مخلوق للّه غير سائغ و هذا يضعّف كون المراد خلق اللّه مخلوقاته.

و الجواب عن ذلك:

أما الأول- فبالنسبة إلى أصل وضع لفظة (خلق اللّه)- فهي بمعنى الخلق لا الدين. أما القرينتان و التبتيك و الآية الأخرى فلا تعيّن إرادة المعنى الآخر و ذلك أن ما في سورة الروم من اطلاق خلق اللّه على‌

____________

(1). الروم/ 30.

128

دينه فهو من باب إطلاق السبب على المسبّب باعتبار انّ خلقة اللّه يدعو إلى دين اللّه عزّ و جل و إلى التمسّك بدينه و كذلك لفظ الفطرة فإن (فطر يفطر) بمعنى (خلق يخلق). فاذا قيل: الدين الاسلامي دين الفطرة يعني الدين الذي تدعو إليه الفطرة و الذي ينسجم مع الفطرة و يتلائم معها. فهذا الدين مقتضى الفطرة و إطلاق المقتضي على المقتضى كثير و كذلك الحال في خلقة اللّه. فالمعنيان ليسا متباينين بل هناك نسبة رابطة بينهما. فيراد من تغيير الخلقة تغيير دين اللّه بتغيير طبيعة الخلقة البدنية و الروحية لأن هذه الطبيعة البدنية تهدي إلى الطبيعة الروحية المعينة و هي تهدي إلى الالتزام بدين اللّه عزّ و جل فيطلق تغيير خلق اللّه عند تغيير الدين لأن تغيير الخلقة يدعو إلى غيره فتغيير نفس الخلقة تغيير للدين. فعلى كلا المعنيين يكون المعنى المتحصل شيئا واحدا لما بينهما من كمال المناسبة. غاية الأمر أحدهما بلحاظ نفسه و الآخر بلحاظ مسببه و هذا بخلاف ما لو كان المعنيان متباينين لا نسبة و لا علقة بينهما.

فالمتحصل من الآية انّ الشيطان يغيّر دين البشر و هو تغيير للخلقة لأنها تدعو إلى دين التوحيد بينما الشيطان يدعو إلى دين آخر.

فدعوته نوع من تغيير الخلقة و تبديل لها في ما تؤثّره. فظهر عدم التدافع بين المعنيين و انّ المراد هو المعنى الوضعي في كلتا الآيتين بمعنى التركيبة الخلقية الإلهية لأنها تدعو إلى دين اللّه و لو لم تكن الفطرة و الخلقة بمعنى التركيب المزبور لانتفت في التعبير بتلك‌

129

المناسبة لأنهما في الطبع الأولي موضوعتان للتركيب و الصنعة.

و بعبارة أخرى: سواء بنينا على الاستعمال الحقيقي أم الاستعمال المجازي و سواء بنينا في المجاز على المجاز في اللفظ- كما عليه مشهور البلاغيين- أم بنينا على المجاز في المعنى- كما ذهب إليه السكاكي- فإنّ للمعنى الوضعي مناسبة مع المعنى المجازي، لولاها لما صحّ الاستعمال في غير ما وضع له بتوسط اللفظة المعينة و هو معنى كون المجاز من التشبيه، حذفت أجزاؤه سوى المشبه به، أي فلا بد من وجه شبه بين المعنى الوضعي و المعنى المجازي المستعمل فيه اللفظ و بالتالي فلا بد من اشتراك بين المعنيين في الحكم الذي يسند إلى المعنى المجازي في مقام الاستعمال فهناك عناية خاصة في التعبير بالفطرة و الخلقة لارادة و إيصال هذا المعنى و هو كون التركيب و صنعة اللّه تدعو إلى دين اللّه و انّ هذا الدين هو الكمال المناسب المنسجم الملائم التام لهذه الفطرة في سيره التكاملي نحو الحقائق و هذا التركيب أعم من البدن و الروح إذا أريد لها أن تمشي في صراط كما لها فأجاد لفظة الخلقة عن معناها الأصلي هو ابتعاد عن المعنى المراد في الآيتين اذ لا ترديد تقابلي بين المعنيين و انّما هما بمآل واحد، غاية الأمر يسند إليه التغيير تارة بلحاظ نفسه و أخرى بلحاظ أثره و على كلا التقديرين فهو تغيير بل إرادة دين اللّه من دون إرادة التركيب غير ملائم و لا مناسب في المقام لأن الغرض في الآيتين هو افادة انّ هذا الدين هو الذي يكون كمالا حقيقيا نهائيا‌

130

لتركيب فطرة الانسانية و انّ هذه الخلقة و الصنعة لا ينسجم معها غير ما يدعوه إليها اللّه عزّ و جل و هو دينه و كل شي‌ء فيه فساد لهذه الصنعة و الفطرة ففيه تغيير لدين اللّه فهناك ضرورة لارادة الخلقة بمعناها الأصلي. غاية الأمر التغيير لهما و الاستقامة لهما امّا بلحاظ نفسها أو بلحاظ أثرها فالاشكال الأول مندفع.

أما الاشكال الثاني على دلالة الآية فيجاب:

أولا: انّ أبرز ما يراد من الخلقة هو الخلقة الانسانية بقرينة قول الشيطان لَآمُرَنَّهُمْ أي البشر.

و ثانيا: لو بنى على عموم الخلقة لا خصوص الانسانية فالمراد من تغييرها المنهي عنه هو ما يكون في غير صراط الكمال. فتغيير المعادن المسخرة أو الحيوانات أو الاشجار و غيرها إلى ما يوافق الهدف و الحكم لخلقتها و هي نفع الانسان و خدمته ليس من التغيير المنهى عنه في الآية. فهذا الاشكال ضعيف غاية الضعف. فمفاد الآية المنع عن تغيير الخلقة و قد استدلّ بها منذ العهود السابقة على تحريم الإخصاء و نحوه مما يوجب العقم. فاذا تقررت هذه الكبرى من مفاد الآية الكريمة و كذا الكبريتين السابقتين- و هي المنع المنافي للأغراض الشرعية أو الأغراض التكوينية في الخلقة- تتضح الضابطة في البحث عن الصغرى و عن مدار الاحراز فيها من كون البحث عن الصغرى و هو التنسيل بتوسط الاستنساخ هل هو تغيير لخلق اللّه أو لا و هو يقرر بحسب النتائج الطبية و الحيوية لعلماء الوراثة و التنسيل و كذا‌

131

تغيير التركيب الهرموني أو تركيب الجينات أو التشويه أو التنسيل الانساني من غير أب، كما يمكن أن يقرر أن هدم طريقة التناسل عبر بيت الزوجية أو الأبوة و الأمومة التي جعل اللّه الخلقة عليها تغيير لخلق اللّه.

فعدّة من التقريبات التي مرّت في الوجوه السابقة، الأحرى تقريرها صغرى لمثل هذه الكبريات فبحسب الوجوه التمسك ببعضها يصير معلّقا أو مقيدا لا محالة و بعضها يصير منجزا. فبناء على الاستدلال بالوجه المتقدم و هو أحدى الكبريات الثلاث المذكورة أخيرا- و هو التمسك بالمضادة مع الاغراض التكوينية للخلقة غير السائغ شرعا- المنع و إن كان مطلقا لكنه معلّق على تواجد هذه المحذورات كصغرى للمضادة و التي ذكرناها مثل تشويه الخلقة أو تغيير التركيب الهرموني أو التغيير الجنسي. و على ذلك فلو ارتقى البحث العلمي في الاستنساخ و تفادى هذه المحذورات فالكبرى المزبورة لا يتأتّى.

و أما الوجه الثاني- و هي الكبرى الثانية- من المنافاة لأغراض الشريعة، فهي مقيدة بما إذا أخذت الخلية الوراثية في الاستنساخ و التنسيل من نواة أنثى. و أما الوجه الأخير- و هي الكبرى الثالثة- و هو تغيير خلق اللّه فهو مطلق محمولا لكنه معلّق من ناحية الموضوع على انوجاد صغريات تغيير خلق اللّه. لذا أفتى بعض الأعلام بالوجه الأخير و جعله معلّقا على حصول تغيير خلق اللّه.

132

كلمة أخيرة:

لا بد أن ننبّه أنا لو بنينا على تحقق صغريات الوجوه الثلاثة الأخيرة و المنع عن الاستنساخ، إلا انّ ذلك ليس دعوى لمنع بحوث الاستنساخ و النهي عنها و لا ايقافا لبحوث الهندسة الوراثية كبحوث علمية بشرية في تكاثر الخلايا أو في زرع الأعضاء كما أنه ليس سدا عن البحوث العلمية لأجل أغراض أخرى بل الحرمة و الممانعة في ايجاد بعض أطروحاتها دون الابعاض و الجهات الأخرى حيث انّه خدمة للبشرية و نفع راجح شرعا كما انّ في تلك البحوث تتبلور و تتجلّى كثير من الآيات الدالّة على عظمة خلق اللّه و فعله تعالى كما تشهد تلك البحوث على حقّانية العديد من المعارف و العقائد في دين الاسلام و القرآن الكريم و هو أمر محمود هامّ لإظهار الدين على الأرجاء المعمورة و لا سيّما الأبحاث في الهندسة الوراثية حيث تركّز على تحسين خلقة الانسان و تفادي الأمراض الوراثية المزمنة و التشويهات المتولّدة في النسل البشري و غيرها من النقائص و هذا ليس ممنوعا شرعا كما يتوهّم و الشارع في آداب النكاح و الجماع يدعو إلى آداب معينة لتحسين الخلقة كما تقدمت الإشارة إليه.

***

133

أحكام تحديد النسل (1)

(مسألة 1): يجوز للمرأة استعمال ما يمنع الحمل

من العقاقير المعدّة لذلك بشرط أن لا يلحق بها ضررا بليغا.

انّ تقييد الضرر بالبليغ بناء على ما ذهب إليه السيّد الخوئي (رحمه اللّه) و جملة من تلاميذه من منع دليل على حرمة مطلق الضرر و أما بناء على ما ذهب إليه المشهور فكلّ ضرر معتدّ به محرّم. و الوجه في ذلك عموم (لا ضرر و لا ضرار) بناء على كون (لا) نافية بمعنى الرفع للأحكام لا بمعنى النهي التكليفي- كما ذهب إليه شيخ الشريعة (رحمه اللّه)- و مع ذلك يستفاد منها الحرمة التكليفية كما يستفاد منها رفع الأحكام الضررية.

بيان ذلك- كما قرّبه صاحب الرياض و المستند- من أن (لا ضرر) ترفع الأحكام الاباحية كما ترفع الأحكام الالزامية فاذا رفعت حكم المباح فتثبت الحرمة للزومها عند رفع المباح كما ذكروا نظير ذلك في خيار الغبن و العيب من أن (لا ضرر) إذا رفعت اللزوم من عقد البيع فيثبت الجواز و هو الخيار لا بمعنى انّ (لا ضرر) مثبتة بل بمعنى انّ‌

____________

(1). و المتن من المسائل المستحدثة للسيد السيستاني (حفظه اللّه تعالى).

134

رفع أحد النقيضين يستلزم ثبوت النقيض الآخر من باب دلالة الاقتضاء و أما التقييد بقيد (المعتدّ به) لأن العقلاء يلحظون جهات النفع و النقص فيوازنون بينهم كي يتبين لهم انّ الضرر معتد به أو لا؟

و هذا ليس من تحكيم العرف في حكم الضرر بل تحكيمه في معنى الضرر حيث انّ معناه يتردد بين الخسران أو عدم النفع و تفصيل البحث موكول إلى محلّه.

و لا فرق في ذلك بين رضا الزوج به و عدمه.

و هو ظاهر في انّ حقّ طلب الولد ليس حقا للزوج و هذه المسألة مستقلة برأسها في الارتكاز العرفي الموجود، سواء المتشرعي أم غيره حتى بعض القوانين الوضعية المتداولة يرون انّ طلب الولد حقّ للزوج و ظاهرهم انّه ليس حقا خلقيا بل يرون حقا وضعيا باتّا للزوج.

و قد يستدلّ له و يقرّب بأنّ ماهية الزواج مقتضاها تملك الزوج منافع البضع و تلك المنافع على نمطين: أحدهما اللّذة و الثاني التنسيل.

و هذه دعوى قريبة جدا و هي تغاير كون ذلك شرطا ضمنيا ارتكازيا في عقد الزواج كما حاول توجيهه بذلك بعض الأعلام و نظير ذلك- أي الشرط الضمني- قيل في خدمة الزوجة للزوج و توفير الزوج المواد الغذائية و اقتناؤها للزوجة و إن كانت الشرطية غير بعيدة دعواها في المثالين الأخيرين سيما في البلاد الشرقية فماهية عقد النكاح لا‌

135

ينحصر مؤدّاه في الاستمتاع الجنسي اذ كثير ممّن يقدم على الزواج لا ينحصر غرضه في افراغ الشهوة بل يطلب النسل و التوالد و كذلك حكمة تشريع الزواج في القرآن و السنة المصرح بها لا تنحصر في الاستمتاع الجنسي بل تعمّ طلب الولد أيضا و كذلك الحكمة العقلائية لتقنين ماهية عقد الزواج الممضاة من قبل الشارع و النكاح لا اضطرابة في عدم حصرها في طلب اللذة و عمومها لطلب النسل.

فتمليك البضع الذي هو مفاد العقد بلحاظ ماله من منافع اللذة و طلب الولد. فقد ذكر في الروايات أنّ حكمة تحليل النكاح و تحريم السفاح انّ فيه طلب النسل و تكثيره، بخلاف السفاح كما ورد فيها انّ اللّه غرز الشهوة و اللذة في الانسان لأجل طلب النسل، نظير غرز شهوة الغذاء و الأكل فيه لأجل قوّة البدن فالشهوة مقدمة لأجل طلب النسل.

فبالتأمّل و التحليل لماهية النكاح سيتحصّل أن مقتضى ماهية النكاح هي تمليك البضع لأجل منفعة اللّذة و طلب الولد.

و لو أغمض عن هذا الوجه فيمكن تقرير ذلك بوجود شرط ضمني (1)- لا أقل في المجتمعات الشرقية- و لو ظهرت الزوجة عقيما فلا يتنافى مع مؤدى الشرط المزبور لعدم كونه بمعنى طلب الولد و التوليد الفعلي، بل طلب الولد بنحو انّ له الحق في أن يسعى في ذلك‌

____________

(1). الشرط الضمني هو شرط يتولّد و ينتج بالتباني و هو تواضع طارئ على العقد مثل ما ذكروا في حق القبض و الاقباض انّه من الشرط الضمني غير المصرّح به لفظا و هذا من تعديل العرف لبعض الماهيات.

136

بالجماع و بأن لا تمانع و لا تزاحمه في ذلك فلو كان النقص في القابل فليس الممانعة اختياريا مشمولا للشرط.

ثم لا يخفى انّ من الآيات الدالّة على الوجه الأول- أي كون طلب الولد حقّا للزوج- قوله تعالى: نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (1) بيان ذلك: انّ الأمر فيها امر اذني تشريعي في مقام الحظر السابق في الآيات السابقة المتعرضة لحال حيض المرأة و الاذن التشريعي مع مفاد (اللام) يقضي بكونه حقّا للزوج، حيث انّ الحرث بمعنى محلّ الحراثة و الزراعة و الانبات أي توليد النسل و ان فسّرها بعضهم بحراثة اللّذة و لكن اللفظ لا تختص باللّذة بل تعم طلب الولد إن لم يكن منصرفا للأولى و هو خصوص حراثة الولد و (اللام) مفيدة للاختصاص بمعنى الحق التشريعي.

ثم انّه يعضد الاستدلال بالآيتين الكريمتين بقرائن أخرى:

منها: قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ فإن الحرث هو المزرع و محل للزراعة و هو كناية عن محل طلب الولد فأطلق على النساء أنها مزرع لكم أي مخصصة لكم في ذلك نظير أن يقال: فأت مزرعتك و ازرع فيها الشجر أو الحنطة. فتضيف المزرعة إلى الشخص المفيد للاختصاص الشرعي.

و إن قلت: انّ الاختصاص يكفي فيه أدنى الملابسة.

قلت: لا امتناع في ذلك انّ الظهور الأولي في تعابير الشارع هو‌

____________

(1). البقرة/ 223.

137

الحمل على الاختصاص التشريعي فلم يعبّر بلفظ نِسٰاؤُكُمْ بل ب‍ حَرْثَكُمْ كما أن الآية ليست في صدد بيان ظواهر تكوينية اذ أنها في مقام تحديد غاية الحرث السابقة و تحديد ظرف حق المجامعة مضافا إلى أن التعبير بالحرث يفيد ذلك أيضا لأنه من العناوين التي تملك.

و منها قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ (1) و هو خطاب للأزواج يفيد اعطاء الرخصة و الحق لهم في ذلك الفعل و أن يستمتعوا بهنّ لطلب الولد بقرينة الرواية الواردة في ذيلها و الارتكاز العقلائي و إلا فالاستمتاع لغير طلب الولد يتم بمواضع متعددة من المرأة ففي معتبرة عبد اللّه بن أبي يعفور قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها.

قال: لا بأس إذا رضيت. قلت: فأين قول اللّه عزّ و جل:

فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ؟ قال: هذا في طلب الولد. فاطلب الولد من حيث أمركم اللّه. انّ اللّه تعالى يقول: نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (2).

و في روايات عديدة في ذلك الباب و الباب الذي قبله شرح الآية بالتقريب المزبور و ان طلب الولد من المنافع المقررة للأزواج.

فمفادها اعطاء حقّ للزوج أن يأتي البضع لأجل طلب الولد و أن حق‌

____________

(1). البقرة/ 222.

(2). ب 73/ ابواب مقدمات النكاح/ ح 2.

138

الاستيلاد هو للزوج و ذكر «الاتيان» في الآية لأن عملية الاستيلاد مرهونة بالمجامعة. فكلمة فَأْتُوا المتكررة في الآيتين كما تثبت حق الاستمتاع للزوج فكذلك تثبت حق الاستيلاد له، لأن الاتيان و المباضعة يطلب لكلتا المنفعتين و لك أن تقول: انّ الاتيان أطلق ثبوته للزوج و ان لم يكن قصده اللّذة بل كان قصده طلب الولد فلو لم يكن حق له لكان للمرأة أن تمانع اتيانه لها حينئذ و من ثم عبّر عن كتاب النكاح و عقده في كتب المتقدمين بكتاب الإملاك و هو يشير إلى ملكية الزوج لمنافع البضع.

إن قلت: غاية الأمر ثبوت الحق التكليفي للزوج أي الرخصة الشرعية لا الوضعي لتكون الزوجة مجبورة مديونة له بذلك الحق.

قلت: انّ مجموع القرائن المتقدمة بما فيها من الاضافة اللامية مفادها ملكية الزوج لذلك فاستيلاد المرأة ملك له و نفس المرأة بلحاظ منفعة من منافعها هي مورد حق للزوج كما هو مفاد الجملة الاسمية نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فالاختصاص و السلطة وضعية و المرأة محقوقة له لا أن ذكرها في الآية لكون فعله متعلقا بها.

التقريب الثالث: و هو في الآية الثالثة حيث أنها قد تضمّنت تفريع جملة فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ على نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ و ذكر المشيئة متفرع على اثبات أن النساء حرث لكم و هو يعبّر به في الموارد التي يكون لصاحب المشيئة السلطة نظير أن «هذه العين لك فاستعملها كيف شئت». فعنوان المشيئة يفيد الاختصاص و السلطة و الحق إذا‌

139

أضيف إلى الأفعال المتعلقة بالأعيان مضافا إلى التعبير في ذيل الآية ب‍ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ حيث فسّر بالولد الصالح لأنه أحد الباقيات الصالحات.

أما الروايات الواردة في المقام:

فمنها مصححة عبد اللّه بن أبي يعفور قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها.

قال: لا بأس إذا رضيت.

قلت: فأين قول اللّه عزّ و جل فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ.

قال: هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه انّ اللّه تعالى يقول نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ. (1)

و هي ظاهرة في عدم اشتراط رضى المرأة في اتيان القبل لأجل طلب الولد و قد فسّر (عليه السلام) الآية الأولى بالثانية نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي محلّ استيلادكم. فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ أي محل الاستيلاد.

فمقتضاها عدم جواز الممانعة عن وطئها من القبل و إن كان الغرض من الاتيان الاستيلاد.

و منها رواية علي بن ابراهيم في تفسيره قال:

قال الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى

____________

(1). ب 73/ مقدمات النكاح/ 2.

140

شِئْتُمْ أي متى شئتم في الفرج و الدليل على قوله «في الفرج» قوله تعالى نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فالحرث و الزرع في الفرج في موضع الولد. (1)

و منها رواية معمر بن خلّاد قال:

قال لي ابو الحسن (عليه السلام) أي شي‌ء يقولون في اتيان النساء في أعجازهن؟

قلت: انّه بلغني انّ أهل المدينة (2) لا يرون به بأسا.

فقال: انّ اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها، خرج ولده أحول فانزل اللّه عزّ و جل نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ من خلف أو قدام خلافا لقول اليهود و لم يعن في أدبارهنّ. (3)

و ما في هذه الرواية يعضده ما ذكر من سبب نزول الآية فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ بأن الانصار قد تعلموا من اليهود أن يجامعوا النساء بالرفق و أما القرشيون فكانوا يشرحون النساء شرحا في الجماع من خلف و من قدام. فلمّا تزوج القرشي الانصارية فأراد أن يصنع بها كما يصنع بالقرشيات، فقالت: بيني و بينك امّا أن تصنع كما يصنع بنا في المدينة أو أن تطلقني. فنزلت الآية نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.

____________

(1). ب 72/ باب مقدمات النكاح/ 6.

(2). في الموضع الثاني من التهذيب: أهل الكتاب.

(3). ب 72/ ابواب مقدمات النكاح/ 1.

141

و على أي حال الرواية مؤيّدة لما نحن فيه حيث كانت الانصارية تمانع الزوج من الوصول إليها بينما في الآية و الرواية أنه لا تسوغ أن تمانع المرأة عن ذلك لأنها محقوقة في هذا الأمر و القبل حق للزوج لطلب الولد و المرأة مزرع له.

و أمّا الروايات الواردة في ذيل آية لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ (1) مثل صحيحة أبي الصبّاح الكناني قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا.

قال: كانت المراضع تدفع احداهنّ الرجل إذا أراد الجماع.

فتقول: لا أدعك انّي أخاف أن أحبل فأقتل ولدي، هذا الذي في بطني (في المصدر: أرضعه) و كان الرجل تدعوه امرأته.

فيقول: انّي أخاف أن أجامعك فاقتل ولدي (في المصدر زيادة: فيدعها و لا يجامعها) فنهى اللّه عن ذلك أن يضار الرجل المرأة و المرأة الرجل. (2)

فلا تنافي ما تقدم حيث انّ المرأة لها حق الجماع أيضا كلّ أربعة أشهر و كلّما احتاجت إلى ذلك و إن لم يكن حق ملزما للزوج بمقتضى العشرة بالمعروف ليحكي عن البعض أنّ مقتضى العشرة‌

____________

(1). البقرة/ 233.

(2). ب 102/ ابواب مقدمات النكاح/ 1.

142

بالمعروف استحقاقها لذلك بنحو اللزوم و قد تشير إليه بعض الروايات الأخرى فلا يمانع أحد الطرفين الآخر لأجل الخوف على المولود الموجود لمعرضية الحبل الجديد و تسبيب الضرر عليه، فالجماع لأجل طلب الولد لا يمانع لذلك.

و قد يتمسّك لكون حقّ طلب الولد للزوج بروايات العزل (1) الدالّة على أنّ العزل حقّ صرف للزوج و أوكلت أمره إليه سواء كان في طلب الولد أم في طلب اللّذة و ظاهرها انّ الجماع بيده و طلب الولد حقّ له كصحيحة محمد بن مسلم قال:

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل تكون تحته الحرّة أ يعزل عنها؟ قال: ذاك إليه إن شاء عزل و إن شاء لم يعزل. (2)

و في رواية أخرى له:

و إن كرهت ليس لها من الأمر شي‌ء. (3)

نعم، قد ورد في روايات أخرى كراهة ذلك إلا ان ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوّجها. (4) و الظاهر أنه باعتبار انّ في العزل نوع ايذاء للمرأة و يظنّ أنّه حقّ لها و من ثم وقع السؤال عنه في عديد من الروايات، و المحصّل من هذه الروايات أنّها نافية لكون حقّ الولد للمرأة لأنّ العزل ملك الزوج، أرادت هي الولد أم لم ترد كما أنّها دالّة‌

____________

(1). ب 75/ ابواب مقدمات النكاح.

(2). نفس المصدر/ ح 5.

(3). نفس المصدر/ ح 4.

(4). ب 76/ ابواب مقدمات النكاح.

143

على أنّ الوطي الذي هو حق الزوج غايته الإنزال في الداخل ليترتّب عليه طلب الولد.

نعم، في موثّقة إسحاق بن عمّار قال:

قلت لأبي الحسن (عليه السلام): المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها. قال: لا. فقلت: انّما هو نطفة فقال: إنّ أوّل ما يخلق نطفة. (1)

النهي عن إلقاء المرأة ماء الرجل، لكن جهة النهي لحرمة النطفة في نفسها من دون التعرّض لكونها حقّا للزوج كما انّ موردها في النطفة بعد الانعقاد و ما يسمّى اليوم بالتخصيب، فتدبّر.

____________

(1). ب 7/ ابواب القصاص/ 1.

144

(مسألة 2) يجوز للمرأة استعمال اللولب المانع من الحمل

و نحوه من الموانع بالشرط المتقدّم.

الكلام هو المتقدم في الفرع السابق.

و لكن لا يجوز أن يكون المباشر لوضعه غير الزوج إذا كان ذلك يتوقّف على النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، أو مسّ ما لا يجوز مسّه من بدنها.

سواء من المماثل أو غيره لوجوب حفظ الفرج و بقيّة الأدلّة المقررة في أحكام النظر و توابعه و التمسك بلا حرج و لا ضرر لرفع الحرمة بعد كون نسبة العناوين الثانوية مع الأحكام الأولية هي الحكومة أو الورود ليس على إطلاقه و ذلك لما ذكره الآخوند و الشيخ (1) تبعا لمشهور الفقهاء من أنّ النسبة المزبورة لبّا هي التزاحم الملاكي فلا تكون ايّ درجة من الحرج رافعة لكلّ درجات الأحكام الأولية، فمثلا حرمة أكل الميتة لا ترتفع بهما إلا بدرجة إذا أشرف على الموت فلا ترتفع دون ذلك و لو مع الحرج الشديد لأن الحرج الرافع للحكم الأولي يجب أن يتناسب ملاكه مع ملاك الحكم الأولي فليس التمسّك بإطلاق العناوين الثانوية بلغ ما بلغ و حيث انّ‌

____________

(1). في مبحث العام و الخاص.

145

تحريم العورة و حفظها ممّا دلّت عليه آيات القرآن الكريم فلا يكفي لرفع الحرمة التمسّك بمجرّد صدق الحرج بأي درجة. نعم إذا كان الحمل يؤدّي إلى نقص في الأعضاء أو بعض الأمراض المزمنة فضلا عن الإجحاف بالنفس فلا ريب في ارتفاع الحرمة حينئذ.

هذا إذا لم يعلم انّ استعمال اللولب يستتبع تلف النطفة بعد انعقادها و إلا فالأحوط لزوما الاجتناب عنه مطلقا.

لأنّ ثبوت الدية للنطفة يلازم الحرمة كما مرّ توضيحه مضافا إلى دلالة خصوص موثقة اسحاق بن عمّار المتقدمة في الفرع السابق.

146

(مسألة 3) هل يجوز للمرأة أن تجري عملية جراحية لقطع النسل

بحيث لا تنجب أبدا فيه اشكال. و إن كان لا يبعد جوازه فيما إذا لم يستلزم ضررا بليغا بها و منه قطع بعض الأعضاء كالمبيض، نعم، لا يجوز أن يكون المباشر للعملية غير الزوج إذا كان ذلك موجبا للنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه أو مسّ ما لا يجوز مسّه من بدنها.

لا يجوز ذلك لعدم جواز التصرف في البدن لما ذكرناه في التشريح و الاستنساخ سيّما إذا انجرّ إلى تعطيل العضو إلا إذا كان في البين خوفا على حياة المرأة أو صحّتها اللازمة. و بقية الكلام في هذا الفرع واضح.

147

(مسألة 4) لا يجوز اسقاط الحمل بعد انعقاد نطفة

الّا في ما إذا خافت الأم الضرر على نفسها من استمرار وجوده فإنّه يجوز لها اسقاطه ما لم تلجه الروح و أما بعد ولوج الروح فيه فلا يجوز الاسقاط مطلقا و إذا اسقطت الأم حملها وجب عليها دية لأبيه أو غيره من ورثته و إن اسقطه الأب فعليه الدية لأمّه و مقدار الدية مذكور في كتاب الديات.

قد يقال: بوجود تهافت بين الحكم في هذه المسألة و المسألة السابقة حيث أفتى بالحرمة بينما احتاط وجوبا ثمة، فتأمّل. و على أي حال فمدركه ثبوت الدية. ثم لا يخفى انّ حرمة اسقاط الحمل تختلف درجتها باختلاف مدة الحمل و لذا اختلفت الدية فاختلافها كاشف عن اختلاف درجة الحرمة و انّها تشكيكية و من ثم يجب أن يكون الضرر الذي يلحظ لرفع تلك الحرمة مختلفا لكل درجة بحسبها.

و أمّا حرمة الاسقاط بعد ولوج الروح فلأنه قتل نفس محترمة و قد استدلّ بعض الأعلام عليه بالخصوص بقوله تعالى وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (1) و استثنى من ذلك السيد الخوئي (رحمه اللّه) صورة ما إذا دار الأمر بين حياة الأم و هلاك الجنين أو حياة الجنين و هلاك الأم. فذهب‌

____________

(1). التكوير/ 9- 8.

148

إلى أن حكم الأم التخيير و أنه سائغ لها اسقاط الجنين و قتله. و أمّا قبل ولوج الروح فيجب النظر إلى درجة الضرر بتمييز الفقيه و انّ تلك الدرجة رافعة للحكم أو لا؟ و أما بعد ولوج الروح فهي مسألة مستقلة قد عقد لها صاحب العروة في كتاب أحكام الأموات فرعا مستقلا.

فالبحث في المقام تارة في وظيفة الآخرين و أخرى في وظيفة الأم و كل منهما تارة بحسب مقتضى القاعدة و أخرى بحسب النص و التعبد الخاص.

أمّا بالنسبة إلى وظيفة الآخرين فقد قرّب صاحب الجواهر بأن كلا من النفسين محترمتان فلا يجوز ترجيح إحداهما على الأخرى. فلا يتصرف بالقضاء على إحداهما. و تمّم السيّد الخوئي (رحمه اللّه) بيان هذا التقريب: بأنّ النفسين حيث كانتا محترمتين فإنّه لا يجوز للآخرين اهلاك إحداهما للوصول إلى انقاذ الأخرى فإنّ ارتكاب المقدمة المحرمة للوصول إلى ذيها الواجب انّما يسوغ في ما إذا كان ذو المقدمة أهم منها و أمّا في حالة التساوي فلا يسوغ ارتكابها فلا يمكن ارتكاب المقدمة المحرمة بعد كونها متساوية في الملاك مع ذيها.

و لكن هذا البيان غير كاف لتوضيح ما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه اللّه) إذا كان من باب التزاحم و الملاكان متساويان فيكون المكلّف مخيرا بين المتزاحمين فله أن يرتكب المحرّم و يمتثل الواجب أو بالعكس.

فالصحيح في تفسير ما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه اللّه) هو أنّ إحدى‌

149

النفسين لا محالة سوف تهلك و الأخرى سوف تبقى. فانحفاظ إحدى النفسين لا محالة واقع. فلا حاجة لأداء الواجب فلا يندرج هذا الفرض في باب مقدمة الحرام لفعل الواجب. مضافا إلى أن مصداق مقدمة الحرام و فعل الواجب غير متعيّن لا على الأم و لا على الطفل فلا مرجح بينهما و الفرض انّهما نفسان محترمتان فما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه اللّه) من الاشكال جار و لو قرر الفرض من باب تطبيق قواعد التزاحم بأنّ الترجيح بلا مرجّح و من دون مسوّغ مضافا إلى ما سيأتي من أن العناوين الثانوية العذرية غير رافعة لحرمة قتل النفس المحترمة في قبال النفس الأخرى الذي هو مفاد ما ورد «لا تقيّة في الدماء». فوجه استدلال صاحب الجواهر (رحمه اللّه) على الحرمة تختلف عن تقريب التزاحم.

و بعبارة أخرى: انّ إحدى النفسين سوف تنحفظ و الواجب يؤدي فلا يتوقّف حفظ النفس على فعل المكلف. فلا مسوّغ لأن يفعل الحرام و إن كان هلاك إحداهما واقع لا محالة أيضا. فمقتضى القاعدة أن يصبر حتى يقضي اللّه بأمره. فهذه وظيفة الآخرين.

و أما وظيفة الأم، فذهب السيد الخوئي (رحمه اللّه) إلى انّ مقتضى القاعدة التخيير للتزاحم بين وجوب حفظ نفسها و حفظ الجنين و ملاك كل منهما مساو مع الآخر. غاية الأمر هذا التخيير جائز و ليس بواجب لأن حفظ الطفل عسري و حرجي عليها. فيتمسّك بلا حرج و ترفع عزيمته فيجوز لها ارتكاب قتل الطفل.

150

إن قلت: انّه في الفرض السابق كان الحكم التخيير و في هذا الفرض أضيف التمسّك بلا حرج لرفع عزيمة حفظ الطفل مع أن العزيمة المزبورة هي مرفوعة أيضا للتخيير بالتزاحم، فأي حاصل لاضافة التزاحم بلا حرج.

قلت: اضافة التمسك بلا حرج في محلّها، اذ بدونها لا يتقرر الجواز، لأن التزاحم لا يسوغ للأم اهلاك الطفل، لأن اهلاكه انّما يرتكب لأجل حفظ نفسها و هلاكه مساو لهلاك الطفل فجعل المحرم مقدمة دون العكس ترجيح بلا مرجح و ارتكابه بلا مرخص بعد كون الواجب واقعا لا محالة كما تقدم في تقرير وظيفة الآخرين.

فتبيّن أن طروّ لا حرج بالنسبة إلى الأم رافع للحرمة مع انّ درجة الملاك باقية على حالها، فلا يبقى حفظ الطفل على الوجوب و يرخّص في تركه و هو معنى الجواز. فارتكاب اهلاك الطفل من قبل الأم لا بدّ فيه من التمسّك بلا حرج و إلا يكون محرما و اهلاكا من دون مسوّغ.

فليس مقتضى التزاحم جواز اهلاك أحدهما مقدمة لحفظ الآخر.

نعم يشكل على التمسّك بلا حرج أو لا ضرر لأنها من أدلّة ثانوية امتنانية فاللازم في كل مورد لهما أن يكون امتنانية و في المقام ليس كذلك لأنه خلاف الامتنان لطرف الآخر. هذا مضافا إلى ما تقدم من تقرير الاشكال على تقرير التزاحم و الدوران المدّعى و سيأتي أيضا من أن العناوين الثانوية العذرية غير رافعة لحرمة قتل النفس المحترمة في قبال النفس الأخرى الذي هو مفاد ما ورد «لا تقية في‌

151

الدماء».

ثم انّ في المقام تقريبات أخرى لتسويغ اهلاك الأم للطفل:

(منها): ما ذكر في تنبيهات لا ضرر من أنه إذا توجّه ضرر من الخارج إلى أحد الشخصين لا محالة فلا يجب على أحدهما تحمّل الضرر وقاية عن الآخر، لأن التحمّل عسر و حرج فلا يكون مأمورا به.

ففي المقام لا يجب على الأم أن تتحمّل الضرر بالصبر حتى تموت تحفظا على حياة ولدها لأنه عسر فلا يجب عليها. فيسوغ لها أن تتحفظ على حياتها و لو بقتل ولدها.

و فيه: إنّ البحث في تلك الكبرى انّما هو في مورد الضرر المتوجّه لأحدهما لا بعينه أو للغير بعينه و هو يغاير فرض المقام بالنسبة إلى قتل الطفل حيث أنه من ايجاد الضرر السابق فيكون للضرر المتوجه لأحدهما ارتكابا للمحرم بلا مسوغ و بعبارة أخرى: تطبيق تلك الكبرى في المقام مقتضاها عدم وجوب اهلاك الأم لنفسها وقاية و حفظا لحياة الطفل لا جواز توجيه الضرر للآخر وقاية للنفس.

(و منها) ما ذكره بعض في مسألة اخرى و هي صورة اكراه الظالم للشخصين بأن يقتل أحدهما الآخر و إلا قتلهما جميعا بأن حفظ كل من النفسين واجب و حيث لا تكون القدرة حاصلة لحفظهما فيسوّغ ترك حفظ أحدهما فيجوز لكل منهما قتل الآخر. ففي المقام الحال كذلك فإن الواجب أو لا حفظ الأم لنفسها و للطفل و لمّا لم يمكن التحفظ بكليهما فيتحفظ على أحدهما تخييرا.

152

و يرد عليه (أولا): ما تقدم من انّ الفرض ليس من باب التخيير و التزاحم حيث انّ موت أحدهما و انحفاظ الآخر كائن لا محالة فلا معنى لوجوب حفظ احدى النفسين المحترمتين و التوصل إلى ذلك بارتكاب قتل أحدهما فلا يقاس المقام بالمسألة الأخرى‌

و (ثانيا) انّ الكلية المزعومة غير صحيحة اذ قد ورد (لا تقيّة في الدماء) كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

انّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فاذا بلغ الدم فليس تقيّة. (1)

و محصّل مفاد هذه الروايات انّ التقيّة كعنوان ثانوي عذري رافع لعزيمة الأحكام الأولية انّما يكون رافعا لها لأهمية دم المؤمن و الحياطة على نفسه في مقابل ملاكات الأحكام الأولية فاذا بلغت الأحكام الأولية أهمية إلى درجة مساوية بأن كان مورد التقية يستلزم اراقة دم مؤمن آخر فلا تكون التقيّة حينئذ عنوانا عذريا رافعا أهم و حينئذ يبقى الحكم الأولي من الحرمة و العزيمة على حالتها الأولية فتدلّ هذه الطائفة من الروايات على عزيمة الحرمة الأولية و النهي عن ارتكاب مخالفتها فضلا على حصول العنوان الثانوي العذري عن رفع حرمة الدم و هذا المفاد لا يختص بعنوان التقية كعنوان عذري رافع اذ رافعية التقية من مصاديق رافعية الاضطرار كما حررناه في بحث التقيّة و لا يختص ذلك بهذا المصداق من‌

____________

(1). ب 31/ ابواب الأمر و النهي/ 1.