فقه الطب والتضخم النقدي

- الشيخ محمد السند المزيد...
313 /
153

الاضطرار بل و لا بعنوان الاضطرار. بل الحال كذلك في بقية العناوين الرافعة العذرية كالاكراه و الحرج و ما لا يطيقون و نحوها و هذا المفاد مطابق لمقتضى القاعدة في قاعدة لا ضرر، حيث حرر في تنبيهات القاعدة انّ الضرر المتوجّه إلى الانسان لا يجوز توجيهه إلى الغير ما لم يكن توجيهه إلى الغير يوجب تخفيفا للضرر دون الدرجة المتوجه للانسان نفسه كأن يكون الضرر المتوجّه إلى المكلّف خطرا متوجها إلى نفسه و دمه فيوجّه إلى ما للغير و من ذلك يتبين عدم صحة فرض التزاحم في المقام و لا في الفروض السابقة.

إن قلت: انّ وجود الصبي هو الذي سبّب توجه الخطر على نفس الأم فلولاه لما كانت هناك مخاطرة بحياتها و على ذلك فيجوز لها المدافعة عن نفسها لا أن الضرر قد توجّه إلى الأم ابتداء و تقوم هي بتوجيهه إلى الصبي.

قلت: ليس وجود الصبي تجاوزا لحقوق الأم و لا هو كالمهاجم على حريم نفس الغير بل انّ مقتضى نهج خلقة اللّه تعالى استحقاق الطفل هذا المكان الطبيعي اذ الحقوق تنتزع بادئ ذي بدء من النحو التكويني للطبيعة المخلوقة من قبله تعالى و قد تقدمت الاشارة إلى تطابق الأغراض التكويني و التشريعي و من ثم كان اسقاط الجنين قبل و بعد أربعة أشهر محرما بل الحرمة شاملة إلى أول مراحل انعقاد النطفة كما هو المحرر في باب الديات.

و (ثالثا) انّه لا يسوّغ قتل أحدهما لأن الضرر المتوجّه إلى أحدهما لا‌

154

على نحو التعيين يغاير توجيه الضرر على الغير بنحو التعيين.

و (منها) انّ الطفل هو الذي سبّب توجّه الضرر إلى أحدهما و حينئذ فيجوز دفعه من قبل الأم كما هو محرر في تنبيهات قاعدة لا ضرر من انّ أحد الشخصين إذا سبّب في تولّد ضرر فيجوز دفعه و لو بأن يوقع الضرر على المسبب حيث انّ الأم مالكة لجسمها و صحّتها و المزاحم لحياتها هو الطفل فيسوغ لها دفعه.

و (فيه) كما تقدم انّ المسبب إلى الضرر ليس هو الطفل اذ الباري تعالى قد جعل محلّه التكويني هاهنا. بل يمكن التقريب انّ الأم تسبّبت لوجوده في رحمها فلا يسوغ للأم الاقدام على قتل الطفل و وظيفتها حال وظيفة الآخرين.

بقي الكلام في ما قاله السيد الخوئي (رحمه اللّه) في وظيفة الآخرين بأنّه لا يسوغ- في الموارد التي يكون امتثال الواجب متوقفا على مقدمة محرمة مساوية في الملاك للواجب- ارتكاب تلك المقدمة المحرمة و انّما موارد ارتكاب المقدمة المحرمة مختصة بما إذا كان ذو المقدمة الواجب أهم.

و فيه: أنه لا فرق في التزاحم بين الواجبين العرضيين و بين الواجبين الطوليين إذا كانا متساويين في حكم التخيير بينهما فلا دليل يقتضي ترك الواجب و تعيّن امتثال الحرمة فهذا المقدار من التقريب الذي ذكره غير مدلل عليه بخلاف الوجوه التي ذكرناها لحرمة اهلاك الطفل.

155

ثم انّه في المقام فرعان آخران ينبغي البحث فيهما:

الفرع الأول: لو فرض دوران الحال بين هلاكهما معا إن لم يرتكب قتل أحدهما أو موت أحدهما بالقتل و نجاة الآخر. فقيل حيث لا يمكن حفظ كليهما كما لا يمكن تسويغ ترك حفظهما بعد امكان انقاذ أحدهما و بعد عدم معين لحفظ أحدهما يحكم بالتخيير و يسوّغ قتل أحدهما لأجل انقاذ الآخر.

و فيه: انّ حفظ أحدهما بتوسط قتل الآخر لا مسوغ فيه. اذ لا دليل على انّ وجوب حفظ أحدهما يساوي حرمة قتل الآخر فضلا عن أن يكون أهم منه كما عرفت فيما تقدم.

إن قلت: بأن لدينا عناصر ثلاثة: وجوب حفظ أحدهما و حرمة قتل الآخر و حرمة ترك كليهما يموتان و لتفادي الحرمة الأخيرة الأكبر ملاكا ترتكب الحرمة أقل ملاكا فيتحفظ على أحدهما.

قلت: لا دليل على كون حرمة قتل أحدهما مساويا ملاكا لمصلحة وجوب حفظ أحدهما و لذلك ذهب المشهور إلى انّ ما ورد من أن «لا تقية في الدماء» دالّ على انّ حرمة القتل في المفسدة أشد ملاكا من وجوب الحفظ.

اذ محصّل معناه انّ التقية حفظ المال أو النفس أو العرض و لو بالاضرار بالغير إلا إذا وصلت النوبة إلى دم الغير فلا تشرع التقية في قتله و لو كان الضرر المتوجّه هلاك النفس فمفاده النهي عن الاتقاء بدم الغير لدم نفسه و مقتضى النهي التكليفي المزبور انّ حرمة قتل‌

156

الآخر أشدّ مفسدة من مصلحة حفظ النفس أو مصلحة حفظ نفس ثالثة.

و يشهد لهذه القاعدة (لا تقية في الدماء) التغليظ في لسان الآية الشريفة في حرمة قتل المؤمن فيظهر انّ الاقدام على القتل أشد مفسدة من ترك الحفظ فيصبر في هذا الفرع حتى يقضى كما هو ظاهر اطلاق المنسوب إلى المشهور. هذا مضافا إلى انّ وجوب حفظ النفس لا اطلاق في دليله شامل لما إذا توقّف حفظ النفس على محرم بلغ ما بلغ كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في مبحث التشريح و ليس المراد من عدم الاطلاق عدم استكشاف الأهمية من باب التزاحم، بل المراد عدم دليل دالّ على أصل الوجوب في مثل هذه الموارد و انّ الحفظ الواجب مداره بحسب الوسائل المتعارفة المعتادة لا باستقصاء الجهد المفرط البالغ ذروته بتوظيف كل القدرات في سبيل ذلك و هذا يرد على كافة التقريبات السابقة.

الفرع الثاني: و هو ما إذا كان أحدهما المعين لا محالة سيتلف امّا الأم معينا أو الابن معينا و الآخر في معرض التلف إلا انّ ينقذ بقتل الذي لا محالة سيتلف معينا بحسب ظهور أمارات الموت، هل يجوز عندئذ ذلك أو لا؟ و هذه المسألة يكثر الابتلاء بها و من أمثلتها ما إذا وجد مريض أو مصابا بحادث أدّى إلى موت الدماغ فيتيقن بأنه سوف يموت في العادة فهل يجوز قلع كليته و قلبه و اعطاؤه لمريض آخر ينازع الموت ممّا يوجب نجاته باهدائه و تركيب ذلك العضو فيه؟

157

و يقرّب ذلك بأن إحدى النفسين تالفة لا محالة و الأخرى يمكن المحافظة عليها و المفروض توقف حفظ النفس المحترمة على الاجهاز على النفس المشرفة على الموت و مع انّ الاهلاك المحرم واقع مفسدته لا محالة و وجوب حفظ النفس الأخرى متعين الأهمية لامكان نجاته و لا أقل من احتمال الأهمية فيتعين ترجيح الوجوب على الحرمة.

و فيه: ما تقدم من انّ حرمة القتل أشد ملاكا في المفسدة من وجوب حفظ النفس لدى الشارع. فمقتضى القاعدة ترجيح الحرمة مضافا إلى ما ذكرناه في الفرع السابق من عدم اطلاق في دليل وجوب الحفظ الشامل لمثل موارد الدوران، كما انّ الوجه المتقدم من انّ المفسدة لا محالة واقعة لا ينافي ما قررناه من مقتضى القاعدة بتوهم انّ عدم الحفظ سبب للهلاك و ذلك لعدم صدق عنوان القتل و إن كان موت متيقن الموت لو استند إلى المكلّف لصدق عنوان القتل إلا انّ موته الواقع لا محالة غير المستند إلى الشخص لا يحقق نسبة القتل.

بيان ذلك: انّ الموت لو استند إلى المكلّف فهو قتل له قطعا غير موته الآتي غير المستند إليه حيث انّه تارة يوجد المكلف مقتضى الموت و هو لا ينطبق على ما نحن فيه لأن مقتضى الموت بنفسه موجود و أخرى لا يوجد المانع الممانع عن المقتضي و بينهما بون بعيد حيث انّ في الصورة الثانية غاية ما يترتب وجوب الدية بخلاف الصورة الأولى فإنه يوجب القصاص فالضمان لترك الحفظ لا للقتل. هذا‌

158

و يضاف إلى مقتضى القاعدة أن حرمة قتل النفس لا يفرق فيها بين حرمة قتل النفس ذات عمر طويل أو ذات عمر قصير كخمس دقائق فكلها نفس محترمة و يحرم قتلها.

فتلخّص انّ في جميع هذه الصور يجب أن يصبر حتى يقضى كما هو ظاهر اطلاق فتوى المشهور الشامل لجميعها.

159

(مسألة 5) يجوز للمرأة استعمال العقاقير التي تؤجل الدورة الشهرية عن وقتها

لغرض اتمام بعض الواجبات- كالصيام و مناسك الحج أو لغير ذلك- بشرط أن لا يلحق بها ضررا بليغا و إذا استعملت العقار فرأت دما متقطّعا لم يكن لها أحكام الحيض و ان رأته في أيام العادة.

كما هو مقتضى القاعدة في قيود الوجوب و موضوعات الأحكام من جواز تبديلها و تغيير الفرض من موضوع لآخر كالسفر و الحضر و أما عدم احتساب المتقطّع حيضا في أيام العادة فلاشتراط استمرار دم الحيض في الثلاثة الأولى و لو بوجوده في فم الفرج.

***

160

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

161

الموقف الشرعي تجاه تحديد النسل و المواليد

و البحث تارة في وظيفة الفرد و أخرى في وظيفة الحاكم و ثالثة في طريقة تحديد النسل و رابعة في السبب الذي من أجله يحدد النسل.

ففي المقام أربع جهات.

الجهة الأولى: في حكم الطريقة لتحديد النسل فقد تبيّن البحث فيه بما تقدم في مسألة اللولب و العزل و غيرها من الطرق و لكل منها حكمها الخاص و قد تتجدد طرق أخرى يلزم معالجتها من حيث الحكم الشرعي و قد تقدم انّ في كلية تلك الطرق لا بدّ من مراعاة القاعدة الكلية من حرمة تغيير الخلقة و ان البدن أمانة عند الانسان لا يجوز له أن يتصرّف فيه كيف ما شاء مطلق العنان فليس له مطلق السلطنة في البدن.

الجهة الثانية: الكلام في السبب الذي من أجله يحدد النسل سواء تحديد النسل على صعيد الفرد و الأسرة أو على صعيد الأمّة و النوع و هو تارة لوجود الأمراض من تشويه الخلقة و النقص أو للمشاكل الاقتصادية أو الأمنية أو الطبيعية أو الادارية أو لأسباب أخرى. و لا ريب انّ قطع النسل على صعيد النوع محرم شرعا لما يظهر من الآيات‌

162

و الروايات بل هو ضروري لأن من هدف الخلقة للّه عز و جل بقاء النسل فقطع النسل على صعيد الأمّة أمر محرم و مبغوض.

و أما قطع النسل على صعيد الأسرة فأمر ليس بمحرم في نفسه و إن كان مكروها مرغوبا عنه شرعا. و أما تفادي التشويه و الأمراض و تحسين و تنظيم النسل فأمر مرغوب إليه في الشرع كما في روايات مستفيضة دالّة على آداب عقد النطفة بهدف سلامة الطفل و اتّصافه بالكمالات و المتضمنة للتوقّي عن الجماع و الوقاع في أوقات معينة لتفادي العاهات في الولد أو التوصية بأصناف معينة من الطعام أو الأغذية لتحسين الصفات البدنية أو الروحية للولد. فعلى صعيد الفرد أو النوع لا اشكال في اتّخاذ طرق لتحسين أو تنظيم النسل لا بمعنى قطعه.

و أما تحديد النسل للمشاكل المعاشية فالكلام هو أنه تارة على صعيد الفرد و أخرى على صعيد النوع و كلاهما تارة بنحو الدوام و أخرى بنحو الموقت و لا بدّ أولا من الالتفات إلى ما ورد في معارف الشريعة في القرآن و السنّة و العقل من انّ كل نسمة يبرئها اللّه عزّ و جل فرزقها مقدر مكتوب لها في علمه تعالى من دون أن ينافي ذلك لزوم السعي و العمل و الجد كما هو محرر في علوم المعارف الشرعية كقوله تعالى وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا (1) و وَ فِي السَّمٰاءِ

____________

(1). هود/ 6، و هي دالّة على حتمية توفير الرزق لكل مخلوق فإن كان ثمة نقص فمن عدم العدالة في توزيع المنابع الطبيعية التي وفّرها اللّه تعالى.

163

رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ (1) و الَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ (2) و كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لٰا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللّٰهُ يَرْزُقُهٰا وَ إِيّٰاكُمْ (3) فكل شي‌ء مخلوق يصل إلى كماله المقدر فضلا عن كماله البدني فتحديد النسل كسنّة دائمة أمر مذموم في الشريعة و بحسب المعارف البشرية فالرزق من جهة الخلقة التكوينية مضمون إلا أن التوزيع العادل و التدبير الماهر الفائق لمثل هذا النسل الضخم هو بحاجة إلى آلية متطوّرة متناسبة مع الحجم و مبني على أسس علمية دقيقة محكمة و متقنة فلأجل حلّ الأزمة السكانية لدى البشر لا بدّ من رفع النقيصة في نفس الادارة و القوانين التي تنظم الاجتماع البشري فليس من مؤاخذة على النظرية الدينية في هذا الموضوع.

نعم يرخص في تحديد النسل بنحو العلاج الاستثنائي المؤقت مثل ما لو واجهنا مشكلة أمنية أو اقتصادية حادّة لم نستطع حلّها من ناحية كفاءة الادارية و لا من ناحية جدارة القوانين المتّبعة لنقص الخبرة في هذين المجالين فيقع الاضطرار لتحديد النسل بمعنى التقليل في الانجاب و التوالد و إلى هذا يشير قوله (عليه السلام): «قلة العيال أحد اليسارين» (4). و قد يكون مفاده كخطاب للفرد عند العجز المالي و أما الخطاب بتكثير النسل فهو خطاب و وظيفة للحاكم في النظام‌

____________

(1). الذاريات/ 22.

(2). الأعلى/ 2.

(3). العنكبوت/ 60.

(4). بحار الأنوار/ ج 74/ ص 121 و مواضيع أخرى من البحار.

164

السياسي الاجتماعي للمسلمين كوظيفة و سياسة يقيمها الحاكم فتحديد النسل لأجل تفادي المشكلة كالعنوان الطارئ الثانوي فيرفع اليد به عن الغرض الأصلي بمقدار الضرورة لا بنحو الأمر الدائم الثابت.

و بعبارة أخرى: قوّة المسلمين و شوكتهم في كل المجالات امر مرغوب فيه لا سيّما إذا كانوا على صراط الدين القويم و العنوان الثانوي لا اقتضاء البقاء له بنحو الدوام بحيث يعود عنوانا أوليا اذ هو خلف ما قرره و قنّنه الشارع من كونه ثانويا مؤقتا فلا يجوز رفع اليد عن طلب كثرة النسل بنحو الدوام.

نعم قد طغى في هذه الازمنة دعوى إلى تحديد النسل كسنّة اجتماعية ثابتة و كتوصية و تعليم لأحكام الأسرة النموذجية و يحاول في هذه الدعوى توجيه قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

تناكحوا، تكثّروا فإنّي أباهي بكم الأمم و لو بالسقط. (1)

انّه ترغيب منه (صلّى اللّه عليه و آله) حينما كانت القوّة العسكرية و غيرها بكثرة العدد و الجمع البشري حيث كانت الحرب بالسلاح الأبيض بخلاف هذا العصر فإنّ القوّة هي بالكثرة بالكيف لا بالكمّ، بل الكمّ قد يكون مضعفا فلا يكون هذا الأمر شاملا للبيئة البشرية الحاضرة و هو نحو تدبير البنوي للبيئة البشرية السابقة.

و بعبارة اخرى: انّ الغرض من قوله (صلّى اللّه عليه و آله)، «تكثروا» هو نفس الغرض‌

____________

(1). بحار الأنوار/ ج 100/ ص 220.

165

الذي تشير إليه الآية الكريمة و هي وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (1) فالمقصود منه القوّة بحسب كل عصر لا خصوص مثال رباط الخيل كما في عصرنا. فالمناسب لهذا العصر بحسب ظاهرة البشرية الحالية أن الكثرة منشأ الضعف و العجز و المطلوب النفسي هو القوّة و هي ذو المقدمة للتكاثر و في هذه الزمن قد تبدل طريق الوصول إليها عبر مقدمة أخرى.

و فيه: أولا: منع كون الكثرة هي العامل المضعف كيف و المسموع و المقروء عن الدول الغربية شدة الترغيب ببذل الضمان الاجتماعي و الهدايا المالية لكل انجاب مضافا إلى ما يشاهد في قنواتهم الاعلامية من قرع جرس الانذار تخوفا من تضائل العدد السكاني لمجتمعاتهم (2) و الأفول إلى الانقراض التدريجي لا سيّما بسبب تصدع رباط الأسرة لديهم و أحد أكبر أسباب ذلك عدم الانجاب اذ الولد كالرابط التكويني بين الزوجين. هذا من جانب و من جانب آخر انّ عامل القوّة في الجيوش العسكرية في العصر الحاضر و إن كان هو قوّة الآلية العسكرية و هو جانب كيفي و لكن العامل الكمي لا سيّما في الجيوش البرية بل في البحرية و الجوية نسبيا لا زال مؤثرا بشكل متميز و من ثم يرى انّ البلاد الأكثر عددا سكّانا هو الأقوى في‌

____________

(1). الأنفال/ 60.

(2). يكفيك المراجعة إلى المراسل الخبرية لتوثق من هذه السياسة الاعلامية و التدبير الاجتماعي لديهم.

166

الجيوش البرية. هذا مضافا إلى تاثير العامل الكمي في رخص اليد الآمنة في الجانب الاقتصادي و رخص اليد الفنية أيضا في المهن و الفنون المختلفة و هذا عامل مؤثر جدا في كبح و تقليل التضخم المالي إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع المتصفح للعلوم التخصصية الحديثة المبيّنة لتأثير عامل الكم في النظم الاجتماعية الحديثة.

و ثانيا: انّ التعبير في الروايات دالّ على انّ أحد أغراض هذا الأمر النبوي و التوصية هي المباهات بالكثرة يوم القيامة و هذا الغرض لا يتخلّف بحسب الأزمنة المختلفة. نعم إذا كان هناك ملاك شرعي مزاحما فيقدم الأهم فلا بحث فيه.

و ثالثا: إن الأوامر و النواهي النبوية و الأحكام الشرعية، الأصل الأولي في ظهورها هو في القضايا الكلية الحقيقية الدائمة مدة ثبات الشرع المبين و هذا الأصل مضافا إلى كونه مقتضى الظهور الدلالي المحاوري يبتني عليه مجمل أحكام الشريعة فلا يحمل الدليل الشرعي على الحكم الولوي و الاجراء السياسي المؤقت كتدبير زمني ما لم يكن هناك قرينة شاهدة على ذلك و مجرّد التخرص الظني و الحدس بملاكات الأحكام لا يشكل قرينة صارفة عن الظهور الأولي و قد قال تعالى وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ (1) و قال لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اللّٰهَ

____________

(1). الحشر/ 7.

167

وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ (1) و قال أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ (2) و قال فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (3).

و أمّا من ناحية الوظيفة الفردية فهناك في الألسن الشرعية الواردة ترغيب في كثرة الأولاد و قد ورد لسان آخر و هو: «قلّة العيال أحد اليسارين» (4) و هو بمنزلة الارشاد العقلي حيث انّ قلّة الصرف عامل للغرّة المالية و هذا بخلاف وظيفة الحاكم إلا إذا رأى وضعا متغرّما طارئا فيدبّر عدم كثرة النسل بنحو مؤقت.

***

____________

(1). الاحزاب/ 21.

(2). النساء/ 59.

(3). النساء/ 59.

(4). بحار الأنوار/ ج 74/ ص 121.

168

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

169

أحكام العمران في المدن

لا يخفى انّ قوانين العمران و البلديات في مصطلح لغة القوانين الوضعية غالبها موجود في باب المشتركات و باب احياء الموات من أبواب الفقه التقليدي فيمكن استلال أكثر تلك القوانين من الأحكام المذكورة في هذين البابين.

أحكام الشوارع المفتوحة من قبل الدولة

(مسألة 46) ما حكم العبور من الشوارع المستحدثة

الواقعة على الدور و الأملاك الشخصية للناس التي تستملكها الدولة جبرا و تجعلها طرقا و شوارع؟ الظاهر جوازه لأنها من الأموال التالفة عند العرف فلا يكون التصرّف فيها تصرفا في مال الغير نظير الكوز المكسور و ما شاكله. نعم لأصحابها حق الأولوية إلا أنه لا يمنع من تصرف غيرهم و أما الفضلات الباقية منها فهي لا تخرج عن ملك أصحابها و عليه فلا يجوز التصرف فيها بدون اذنهم و لا شراءها من الدولة إذا استملكتها غصبا إلا بإرضاء أصحابها.

يقع الكلام أولا في هذا التصرّف من قبل الدولة هل هو في نفسه‌

170

تصرّف مشروع أو لا؟ و على التقدير الثاني يقع الكلام ثانيا في أن هذا التصرّف غير المشروع الذي باشرته الدولة كيف يمكن لسائر المكلفين أن يستطرقوا تلك الأماكن. فعلى التقدير الأول يسهل الأمر في حكم التصرّف من حيث المتصرّف المستطرق كما يسهل الكلام في حكم نفس هذه الأملاك التي قد تصرّف فيها.

فغاية ما يوجه: أولا: انّ غالب الشوارع التي تستحدث و تستطرق هي لأجل الحاجة في نظام عمران المدن و تلك الحاجة تبلغ الضرورة كمرافق خدمة العيش في تلك المدينة و مثل هذه الحاجة رافعة لليد عن احترام الملكية الشخصية و لا بدّ من الالتفات إلى أنه تارة تكون الضرورة هي حاجة المجموع و الحرج الشديد على صعيد الاجتماع فتوجب هذه الضرورة التزاحم بين المصلحة العامّة الملزمة و بين احترام الملكية الفردية و لا ريب انّ تلبية الحاجة في الأمور المعاشية العامّة من عظائم الأمور لدى الشارع.

و ثانيا: ان تلك الضرورة توجب التمسّك بالحرج و المشقّة النوعية لرفع اليد عن احترام الملكية الفردية لأن عنوان الضرر و الحرج كما يتمسّك بهما على الصعيد الفردي كذلك يتمسّك بهما على صعيد الموضوعات الاجتماعية و أفعال النظام و الدولة و سواء كان المتصرّف الحاكم هو الحاكم الشرعي أم غيره لأن الكلام ليس في الفاعل بل في حكم الفعل و نفس هذا الفعل ممّا لا بدّ منه.

و ثالثا: الروايات الخاصّة في المقام يمكن أن يستدلّ بها على نحو‌

171

التأييد مثل رواية العياشي عن الحسن بن علي بن النعمان قال: لمّا بنى المهدي في المسجد الحرام بقيت دار في تربيع المسجد فطلبها من أربابها فامتنعوا فسأل عن ذلك الفقهاء. فكل قال له: انّه لا ينبغي أن تدخل شيئا في المسجد الحرام غصبا. فقال له علي بن يقطين: يا امير المؤمنين لو كتبت إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) لأخبرك بوجه الأمر في ذلك. فكتب إلى والي المدينة أن سل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك؟ فقال ذلك لأبي الحسن (عليه السلام) فقال أبو الحسن (عليه السلام): و لا بدّ من الجواب في هذا؟ فقال له: الأمر لا بدّ منه. فقال له اكتب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى ببنيانها و إن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها. (1) الحديث.

و في الحديث فذلكة لطيفة يشير إليها الإمام (عليه السلام) و هي انّ المسجد الحرام بل تأسيس مكّة له حريم و هو الجانب الذي يتلو البيت أي الجانب الذي يتلو مطلق الشي‌ء المحيى لأجل الانتفاعات الضرورية فتأسيس هذه المدينة المقدسة توطئة للانتفاع بالمسجد الحرام و لذلك كانت أملاك كل مكة مضيّقة بنحو لا تتنافى مع مصلحة و منفعة المسجد الحرام فصاحب الملك للعرصة في أيّة مدينة ملكيته ليست مطلقة في العرصة لأنه ملكها بالأحياء أو ما يتفرع عليه من أسباب‌

____________

(1). بحار الأنوار/ ج 10/ ص 245.

172

الملك بعد إنشاء هذه المدينة و لذلك قالوا في باب احياء الموات بعدم جواز احياء الموات حوالي المدينة مما يزاحم منافع أهل المدينة كالتي تكون معبرا أو مزبلة أو مرتعا لدوابهم أو غيرها لأنه حريم المدينة و من حريمها أيضا ثناياه و الطرق التي فيها و حيث انّ ملك الأملاك الفردية من الأول مضيّق و غير مطلق و انّ الفرد إذا تملّك ملكا خاصا في المدينة فليست ملكية مطلقة من الأول بل ملكيته بنحو لا يضاد منافع المدينة لأن ملكه حادث و طارئ بعد وجود المدينة و ما لها من حريم و أولويات حقوقية.

و على هذه النكتة القواعدية التي أشار إليها الامام (عليه السلام) فلا نحتاج أن نخرج شق الطرق في الأملاك الشخصية من باب التصادم و التزاحم في الأملاك و الحقوق أو من باب طروّ العنوان الثانوي حيث انّ ذلك كله مبني على النظرة الآحادية التجزيئية و ان ملكية الفرد مرسلة بخلاف هذا التقريب بالنظرة المجموعية حيث يظهر انّ ملكية الفرد من الأول مضيقة و أن كل ما يتصل و يقرب من انتفاعات المدينة كمجموع ليس للملكية الفردية ان تزاحمها مضافا إلى تأييد ذلك بروايات دالّة على انّ الحجّة (عليه السلام) عند ما يظهر يوسع الطرق العامّة بنحو كبير و يهدم الروازم المطلّة على الطريق و الشرفات و له عمران مدني بنحو خاص و نظام مثالي فيه و ظاهر تلك الروايات ان اجرائه ذلك ليس من باب أنه (عجل الله تعالى فرجه) أولى بالمؤمنين من أنفسهم بل بحسب ميزان الموضوع في نفسه و هي النكتة القواعدية المتقدمة.

173

ثم انّ الرواية يمكن أن تفسّر باحتمالات أخرى:

منها: انّ أصحاب الدور في مكة لا يملكون أرض مكة كما هو محرر في بابه و لكن يملكون الجدران و حقّ الأولوية فحيث انّ مكة كلها مشعر باعتبار أنها حرام فليس للمالك الفرد أن يضاد منافع و مصلحة المشعر و هذا التفسير ليس بالبعيد عمّا تقدم.

و منها: انّ مكة كلها مشعر و لا يتملّك المشعر و أنه محرر و لكن البنيان و حق الأولوية في الأرض يملك إلا أن حقّ الأولوية الذي لصاحب الدور لا يزاحم منافع و حريم المسجد الحرام فاذا اقتضت منفعة المسجد الحرام التوسعة فهو أولى بالتقديم.

ثم انّه على التفسير الثاني يشير (عليه السلام) إلى انّ صاحب الحريم سواء فرض المدينة أم المالك الفردي السابق إذا ضادّه مالك آخر أو ذو حق آخر فصاحب الحريم الأسبق أولى و إن كان قد أذن صاحب الحريم لصاحب الملك الحادث أن يبني بناء معينا و يحيى ملكا في حريمه فإن اذنه لا ينافي بقاء أولويته في حريمه و ليس الاذن من قبيل الحق الذي يعدم الاسقاط و لا يعود بل من قبيل الحكم النفعي أو الحق الباقي الثابت فاذا وصلت النوبة إلى نوع من المزاحمة بين صاحب الملك السابق و الحادث بحيث لا يستطيع أن ينتفع السابق بملكه فصاحب الحريم مقدم بلا ريب من دون التمسّك بلا حرج و لا ضرر و تزاحم الضررين بل و ان الضرر المجموعي ملاكه أهم من الضرر الفردي.

و على أي حال فمورد الرواية مورد تزاحم فيه الملكان أو ما هو‌

174

شبيه بالملكين و كان أحدهما أسبق و ذا حريم فيقدم و إن لم يكن صاحب الملك الأسبق ضرره أشد بل لأسبقيته زمانيا و لكونه صاحب الحريم يقدم عند المزاحمة لأسبقية حقّه و هذا كما هو واضح غير المعالجات الثلاثة المزبورة و تفسير تقديم الحق الأسبق و صاحب الملك السابق ذو الحريم على الملك المتاخر انّ الملكية التي تعتبر للاحق لا محالة تكون محدودة و مضيقة و مقيدة بنحو لا ينافي الملكية المتقدمة و توابعها فابتداء من الأول تكون الملكية اللاحقة محقوقة أو محدودة و مرهونة و ليست ملكية مطلقة فأحد التحديدات لملكية العين كونها مستحدثة في حريم ملكية أخرى و ان كان قد أذن ذو الحريم في ذلك فاذا زاحمت اللاحقة الملكية السابقة التي هي بالفرض مرسلة فتزيل المطلقة المقيدة غاية الأمر حيث انّ الضرورات تقدر بقدرها فيقتصر على ما بينهما من التزاحم أي انّ التزاحم لا يوجب زوال مالية اللاحقة و اختصاص صاحبها بتلك المالية فيضمن له ماليته و هذا التقييد في اعتبار الملكية الاعتبارية له أمثلة في عالم التكوين حيث انّ عالم الاعتبار تقتنص حدوده من عالم التكوين و في عالم التكوين نجد انّ ذا السلطة القوية كاللّه تعالى أقدر بقية المخلوقات على قدرات معينة و هو على اذهابه قدير.

و مثال آخر: نرى انّ الوكيل له نوع من الصلاحية و مع ذلك يستطيع الموكل أن يزيله ففي ما نحن فيه اذن صاحب الحريم للاحق مؤداه الأذن في الانتفاع بحريمه و احداث للملكية فيه ملكية محقوقة‌

175

بحق صاحب الحريم و أما في المقام فحيث انّ المدينة مستحدثة قبل أصحاب الملكيات الفردية فهي في حريم المدينة و المدينة حريمها مطلق الانتفاعات المدنية كالطرق و الممارات و بقية المرافق و خدمات المدينة فاذا زاحمت الأملاك الفردية موارد الانتفاعات العامّة اللازمة للمدينة فتقدم انتفاعات المزبورة لا من باب تعارض الضررين بل من باب قاعدة أخرى و هي تقديم صاحب الملكية السابقة زمانا على صاحب الملكية المتأخرة فاستحداث الطرق لأجل حاجة المدينة و ان لم تكن الحاجة بالدرجة القصوى بل بدرجة معتدة بها هو على مقتضى القاعدة المزبورة و لا يخفى انّ مالية الملك اللاحق لا تزاحم حريم المدينة بل المزاحمة هي مع الملكية الشخصية المتعلّقة بالعين فاللازم على ذلك أن يضمن لصاحبها تلك المالية من بيت المال أو من ربح الأمور المسبلة العامّة لأصحاب المدينة فالتزاحم في الأحكام الوضعية و إن كان نافيا و معدما لحكم الآخر و يفترق عن باب التزاحم في الأحكام التكليفية و لكن يجب أن يكون في التزاحم المعدم لأحد الحكمين الراجح منهما على الآخر مراعاة الاقتصار على قدر التزاحم فيرفع من الآخر لا ما زاد عليه من الدرجات الأخرى من الآثار.

ثم انّ هذا الفعل و هو ازالة الأملاك الشخصية في سبيل ايجاد خدمات و مرافق عامّة للمدينة حكمه في نفسه مشروع بالبيان المتقدم في أحكام العمران للمدن و مقتضياتها و هذا الفعل تارة الحاجة إليه ضروري و الانتفاع منه للمدينة لابديّ و أخرى يكون الانتفاع به‌

176

بنحو الأولوية و الكمال المطلوب.

أما الصورة الأولى فهي تندرج في الأفعال الحسبية و هي التي يريدها الشارع من أي فاعل كان، أي انّ الفرض غير قائم بصورها من فاعل خاص و إن كان قدر المتيقن في جواز التصرف و التصدي لها في ظل غياب المعصوم هو الفقيه بل الأصح أن يكون ذلك نيابة عنه (عليه السلام) فيها بمقتضى القول بإمامته (عليه السلام) و ولايته و إن كان غائبا و على ذلك فهذا الفعل يريده الشارع سواء كانت الدولة شرعية ممضاة تصرفاتها أم لا. اذ انّ الفعل مرغوب فيه بغض النظر عن الفاعل.

فما افترضه الأعلام من عدم مشروعيته و ما ذكروه من المسائل مرتبا على ذلك من الضمان و البقاء في ملك المالك لا مجال له و القول بمشروعية الفعل لا ينافي عصيان الوالي في تصدّيه الولاية حيث انّ الفعل مشروع و الشارع يريده كيفما كان و إن كان فيه تقييد من حيثية فاعل معين و لكن لا دخل في حيثية الفاعل لإطلاق الغرض مضافا إلى ما سيأتي من اذن الشارع في تصرفات الأنظمة غير المشروعة ما دام التصرف في نفسه مشروعا تسهيلا على المؤمنين لا ترخيصا للمتصدين بل الاذن في الفعل في نفسه لعامّة المؤمنين لا لفاعل الفعل من الحكام الوضعيين.

و أما الصورة الثانية فالفعل ليس من الأمور الحسبية الضرورية بل من الحسبيات الراجحة فعلى ذلك فلا يكون الفعل مبغوضا للشارع و إن كان تصدى الحاكم غير الشرعي مبغوضا لديه و هذا تقريب‌

177

لمشروعية هذا الفعل أيضا. فإن تمّ هذا التقرير و إلا فيمكن تقرير المشروعية ببيان آخر و هو انّ الشارع قد أمضى تصرفات الولاة و الأنظمة الوضعية بالإضافة إلى المؤمنين- تسهيلا لأمورهم- شريطة أن يكون الفعل و التصرف في نفسه مشروعا و إن لم يرفع العصيان عن الحاكم في تصديه من باب «لك المهنّا و عليه الوزر». فحيث يكون الفعل مشروعا كشقّ الطرق في الأملاك الخاصّة لا حريجة في سلوك تلك الطرق و لو توصل الحاكم الوضعي إلى شقّ الطرق بشراء تلك الأملاك في كلتا الصورتين لكانت الحلية أظهر لأن معاملاته التي في نفسها مشروعة- كالصلح- و إن كان هو عاصيا في التصدي للولاية العامّة إلا انّ الأئمة (عليهم السلام) أمضوها للمؤمنين. (1)

هذا كله إذا كان الفعل مشروعا و أما إذا كان الفعل غير مشروع- كما لو كان بمقتضى نزوة الحاكم- فلا تتأتّى الوجوه السابقة و هي الصورة الثالثة و لا وجه لإلغاء الملكية الشخصية فيدخل في البحث الذي أثاره الأعلام و ان عبر بذلك السيّد الخوئي (رحمه اللّه) و غيره عن الفرض بنحو مطلق مع انّ هذه الصورة الثالثة قليلة الوقوع.

و على أي فقد ذكر لوجه الحليّة في المشي و المرور على هذا الشارع في الصورة الأخيرة وجوه متعددة. أمتنها أن هذه الملكية المتعلقة بالأرض بعد جعل الأرض شارعا تكون بحكم التالفة لأن التلف في نظر العرف هو بأن لا يمكن للمالك أن ينتفع من عينه مطلقا‌

____________

(1). لاحظ كتاب (ملكية الدولة) و هو الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

178

فمع قوة سلطة الحاكم يمتنع الانتفاع من الأرض و ينتفي الرجاء و الأمل في امكانه و هو نمط من التلف و نظير ذلك ما لو سبب شخص أن يستولي غاصب قاهر على عين شخص ثان فإن الأول يكون ضامنا لأن وقوع العين في يد الغاصب تعدّ تالفا لانتفاء رجاء عودها فتعدّ العين تالفة و إن كانت موجودة فليس التلف منحصرا بالتلف التكويني بل يلحق به تلف الملكية و لا يكون الاستطراق من الآخرين تصرفا في مال الغير بدون اذنه. نعم تبقى للمالك نوع علاقة بالعين كما ذكر الماتن (رحمه اللّه) و هو حق الأولوية بسبب الملكية التالفة نظير ما لو تلفت العين تكوينا فإن بقاياها هي من حق اختصاص المالك و ثمرة ذلك تفيد في ما لو أعرضت الدولة عن استطراق الأرض بعد جعلها طريقا.

ثم أنه في صورة التلف يكون الضمان من بيت المال في الصورتين الأوليتين لأنه كما أن الاتلاف موجب للضمان فانّ تلف الشي‌ء لنفع آخر موجب لضمان الآخر عند توفر شروط معينة لا سيما إذا كان الانتفاع من الآخر باختياره و هذا نظير ما لو كانت دابّة ضالة لشخص و قام شخص آخر بحفظها من باب الحسبة على مالكها فإن المالك يكون ضامنا لما بذله الآخر من أمواله لأنها تلفت لنفع المالك بإذن من الشارع فالتلف لنفع الأول يوجب الضمان و نظيره ما لو أغمي على الأول فقام الآخر ببذل المال لانقاذه و علاجه و غيرها من الأمور الحسبية بشرط أمر الشارع بذلك و كون قصد‌

179

الآخر هو على وجه الرجوع على الأول في ما يبذله من دون أن يقصد المجانية و التبرّع و هو جمع بين أمر الشارع في تلك الموارد و قاعدة (ما على المحسنين من سبيل) مضافا إلى النص الخاص في بعض الموارد المطابق لذلك و هذه الشروط متوفرة في المقام بعد كون هذا التصرف هو يعود نفعه لعامّة المسلمين و قد تقدم بيان ترخيص الشرع فيه مع عدم نيّة أصحاب الأملاك للمجانية. فمقتضاه ايجاب الضمان على بيت مال المسلمين للمالك الشخصي للأرض.

قيل بوجه آخر في جواز التصرف و هو الاعراض، اذ هو مزيل للملك و لكنه لا ينسجم مع بقاء حق الأولوية لأن فيه زوال الملك من رأس بخلاف الحال على التصوير السابق لأنه التلف التنزيلي حيث لم يوجب انعدام الملكية من رأس بل تبقى آخر درجة من درجات الملكية و هي حق الأولوية و تمثل للاعراض الحاصل للأعيان التي يرميها أصحابها في المزابل في العادة الجارية.

ثم انّ سبب الاعراض تارة يكون تلف الشي‌ء و أخرى عدم الرغبة فيه. و في المقام منشأ الاعراض هو التلف و يمكن أن يقال أنه اعراض عن أغلب درجات الملكية عدا الدرجة الباقية من حق الأولوية فإن صاحب الأرض لم يعرض عنه فحيث انّ الاعراض سببه التلف و قد فرض أن التلف لا ينافي حق الأولوية فكذلك في الاعراض الناشي منه إلا انّ هذا التقريب للاعراض لا يجعله وجها مستقلا مغايرا للوجه السابق.

180

و هناك وجه ثالث حيث انّ الشوارع عند ما يقام بشقّها في العصر الحديث فإنها تعبّد بالأسفلت فيتكوّن على الأرض طبقة من الأسفلت و بالتالي لا يكون مرور المارّ على الأرض مباشرة و انّما المشي على تلك الطبقة.

و لا يخفى ضعفه حيث أنه نوع من التصرف و لو بالواسطة. بل انّ الفضاء من الأرض نفسها.

و هناك وجه رابع و هو دعوى العلم برضى أصحابها بأن تجعل طرقا و هذا يحتاج إلى الفحص. هذا تمام الكلام في شق الطرق بلحاظ الصور الثلاثة. نعم هناك وجه خامس في خصوص الصورة الثالثة و هو أن الاستطراق في مثل هذه الأراضي لا يعد تصرفا لأنها بعد ما ازيلت حيطانها و دورها فالمرور عليها لا يعد تصرفا كما في الأراضي التي لم تبنى. و دعوى أن نفس المرور على الأراضي غير المبنية و غير المحجّرة تصرفا فيها في غاية الاشكال و التكلف و من ثم يتأمّل في ممانعة صاحب الملك عنه بل قد اشتهر في الكلمات جواز عديد من التصرفات في الأراضي الوسيعة كالوضوء و الجلوس و النوم و نحوها من التصرفات و قد جعل أحد وجوه جواز ذلك عدم عدّه تصرفا في الأرض و ذلك إما لأن الملكية المتعلقة بالأرض بنفسها ضيقة و ليست لها اتساع و اطلاق بحيث تمانع عن هذا الانتفاع نظير ما يقال انّ الاتكاء على جدران الدور لا يعد تصرفا في تلك الأبنية فليس للمالك أن يمانع عن هذا الانتفاع و نظير الانتفاع من النور الساطع من‌

181

الدار إلى الخارج في الطريق و أما لأن الملكية و إن كانت مطلقة و لكنها مخصصة بأدلّة نظير قوله (عليه السلام) (انّ المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء) (1) و نحوه و الظاهر انّ الملكية بنفسها كاعتبار عقلائي غير مطلقة بل هي كذلك في مفاد الأدلّة.

***

____________

(1). ب 5/ أبواب احياء الموات/ 1.

182

(مسألة 47) المساجد الواقعة في الشوارع المستحدثة

الظاهر أنها تخرج عن عنوان المسجدية و على هذا فلا بد من التفصيل بين الأحكام المترتبة على عنوان المسجد الدائرة مداره وجودا و عدما و بين الأحكام المترتبة على عنوان وقفية و من الأحكام الأولى حرمة تنجيس المسجد و وجوب إزالة النجاسة عنه و عدم جواز دخول الجنب و الحائض فيه و ما شاكل ذلك فإنها أحكام مترتبة على عنوان المسجدية فاذا زال انتفت هذه الأحكام و إن كان الأحوط ترتيب آثار المسجد عليه و من الأحكام الثانية عدم جواز التصرّف في موادها و فضلاتها كأحجارها و اخشابها و ارضها و نحو ذلك و عدم جواز بيعها و شرائها نعم يجوز بيع ما يصلح بيعه منها بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله و صرف ثمنها في مسجد آخر مع مراعاة الأقرب فالأقرب و كذا يجوز في هذه الحالة صرف نفس تلك المواد في تعمير مسجد آخر و من ذلك يظهر حال المدارس الواقعة في تلك الشارع و كذا الحسينيات فإن انقاضها كالأحجار و الأخشاب و الأراضي و غيرها لا تخرج عن الوقفية بالخراب و الغصب فلا يجوز بيعها و شراؤها نعم يجوز ذلك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله‌

183

و صرف ثمنها في مدرسة أو حسينية أخرى مع مراعاة الأقرب فالأقرب أو صرف نفس تلك الانقاض فيها.

يقع البحث في المساجد بخصوصها حيث انّ وقفها يختلف عن وقف بقية العناوين لكونه تحريرا لرقبة الأرض و الأوقاف الأخرى قد تكون ملكا مسبّلا على النوع أو على الطبيعة أو على الصنف فيكون له مالك أو يبقى على ملك الواقف و على أي حال في بقية الأوقاف لا تخرج رقبة العين عن ملك الواقف أو ملك الموقوف عليهم لأن تسبيل الثمرة أو المنفعة و تحبيس العين الذي هو تعريف الوقف لا يقتضي النقل و هذا بخلاف الحال في المساجد فانّها تحرير لرقبة العين و تشعير لها كما ذهب إليه الشيخ كاشف الغطاء (رحمه اللّه) فهي محل للعبادة و خارجة عن ملك أي أحد و التحرر هو مضمون عنوان المسجدية فكيف يفرض الماتن (رحمه اللّه) التفكيك بينهما بأن ينعدم عنوان المسجدية و لا تنعدم الوقفية حيث انّ التحرير في المساجد يعني أنها حررت عن ملك أي مالك سابق و لا حق فتكون رقبتها لأجل الانتفاع العام من دون قابليتها لأن تملك فتحريرها بمقتضى المسجدية و مع عدم عنوانها كيف يبقى الأثر و لا يبقى المقتضي المؤثر.

و لك أن تقول: كيف يكون التفكيك بين عنوان الموقوف عليه و عنوان الوقف لأن الغرض من الوقف أن يكون في ضمن عنوان خاص لا في مطلق الوقف و الواقف حينما يوقف وقفا معينا يحبس‌

184

العين و يسبّل المنفعة في جهة خاصّة فانشاؤه ليس بعنوان الطبيعي الكلي بل الطبيعي المنشأ في ضمن المورد و فرد خاص كما هو المعتاد في موارد الانشاء أنه مقيد بمورد خاص.

هذا لكن المتسالم عليه في باب الوقف بقاء كلي الوقف إذا انتفى العنوان الخاص الذي أوقف عليه و الفارق بين باب الوقف و بين سائر أبواب العناوين الإنشائية أن المنشأ في سائر الأبواب ليس إلا إنشاء الطبيعي في ضمن مورد خاص و لا يكون فيها انشاءان في استعمال واحد بخلاف باب الوقف حيث قرر و قرّب انّ فيه انشاءين، إنشاء لمطلق الطبيعي و إنشاء لمورد خاص من باب تعدد المطلوب و لذلك أفتوا بجواز صرف ثمن أحجارها و موادها و فضلاتها في مسجد آخر مع مراعاة الأقرب فالأقرب عند زيادتها أو خرابها أو نحو ذلك من الصور التي يمتنع صرف الوقف في جهة الموقوف عليه الخاصّة.

و مستند ذلك انّ الوقف إنشاء للطبيعي كغرض و مطلوب أول للواقف بقرينة إرادة الواقف ان تدر عينه عليه بالأجر و المنفعة طوال مدّة عمر بقاء العين و لذا لو سأل أن هذا المورد الخاص بعد أمد من الدهر سوف ينعدم فهل تريد أن ينعدم عنك الثواب فإنّه يجيب بإرادة صدقة جارية و لو ضمن عنوان آخر فإرادة الصدقة الجارية سواء تلفّظ بها أم أضمرها دالّة على تعدد المطلوب نظير ما لو اشترى في باب البيع عبدا على أنه كاتب فتخلّفت الصفة فانّه لا يبطل البيع لأن الكتابة مطلوب في مطلوب و إنشاء للشرط في ضمن إنشاء البيع غاية‌

185

الأمر أنه في مثال البيع المنشأ ان هما بنحو العرضية و في باب الوقف بنحو الطولية فاذا بطل أحدهما لا يبطل الآخر بل الحال كذلك في باب الوصايا.

ثمّ انّ الاراضي التي توقف مسجدا مختلفة الحال بلا ريب فبعضها مفتوح عنوة التي تكون ملكا للمسلمين و بعضها من الأنفال و بعضها التي أسلم أهلها عليها فأمّا التي تكون مفتوحة عنوة فحيث أنها ملك للمسلمين فالواقف لا يملك فيها إلا حقّ الأولوية و حق الاستيجار و هو نظير حقّ الخلو و السرقفلية و قد ورد بذلك النصوص فيها المتعرضة لبيعها و اما الاراضي التي أسلم عليها أهلها ففيه وجهان: الأول أنها ملك لهم بملكية عامّة لا خاصّة لخصوص هذا القطر. الثاني أنها ملك لهم بنحو الاستغراق ملكية خاصّة.

أمّا أراضي الأنفال فالمشهور ذهب إلى أنها تملك بالإحياء و ذهب جماعة إلى أن الإحياء يوجب حقّ الأولوية لأن الأرض كلّها للإمام بمعنى ولاية مقام الإمامة على الأراضي و حكومته الشرعية لا أنه ملك لعامّة المسلمين لا سيّما و أن ذلك الحقّ يتطاول إلى قرون و هذا انّ الأراضي المفتوحة عنوة بعد كونها ملكا للمسلمين فلا تملك رقبتها و كذلك على القول الآخر في أراضي الأنفال فلا يكون للواقف إلا حق متعلّق بالعين دون الملك التام فقد يشكل في تحقق المسجدية حينئذ.

و يدفع بأن المسجدية عنوان قائم بالبنيان و الجدران فيصحّ وقف ذلك الحق ضمنا. و يترتب على ما تقدم من الأقسام نظير ما قيل‌

186

بصحّة وقف الطابق العلوي في العمارة مسجدا دون الطابق الأرضي.

فعنوان المسجدية لا يتقوّم بملكية العرصة بل يمكن أن يتمّ عنوانها بالفضاء مضافا إلى انّ الحقّ- كما هو الصحيح- ملكية ضعيفة فتحرر السلطنة الضعيفة مع تحرير ملكية البنيان و أجزاءه و على ذلك فبخراب المسجد بخراب الجدران و غيرها من الأجزاء يشكل بقاء المسجدية لأن الفرض انّ العين لم تكن مملوكة و المسجدية متقومة عمدة بالجدران و هي زائلة الآن غاية الأمر حقّ الأولوية إن كان باقيا فهو وقف و لا يشكل تفكيك بقاءه عن بقاء المسجدية و ذلك لما قرر في باب الوقف من تعدد المطلوب في الأوقاف فمن ثمّ يصرف الوقف في جهات قريبة لجهة الوقف بعد امتناع الصرف فيها الأقرب فالأقرب إليها. و إن لم يكن باقيا فتنتفي الوقفية فالمحصّل انّ رقبة العين ان لم تكن مملوكة للمالك فبخراب الجدران و نحوها تبطل المسجدية و أما حقّ الأولوية فهو باق و لكنه لا يصحح بقاء المسجدية فانتفاء المسجدية ظاهر و إن بقي حقّ الأولوية و تبقى الوقفية بهذا المقدار.

و أما الحال في الأراضي المملوكة للواقف كالتي أسلم أهلها عليها طوعا على أحد القولين أو اراضي الأنفال على قول المشهور ففيها وجهان، بل قولان:

الأول: انّ المسجدية غير قابلة للزوال لأنها تحرير للملك و الملك المحرر لا يعود إلى الإباحة الأصلية كي يدخل في ملك شخصي‌

187

جديد.

الثاني: انّها قابلة لزوال عنوان المسجدية عرفا و العنوان ليس تكوينا و لا تعبديا محضا إذ الفرض امكان التفكيك بين المسجدية و الوقفية، بل لو بنى و سلم انّ المسجدية في النظر و الاعتبار الشرعي غير زائلة فإنّ ذلك لا يوجب ترتب الأحكام المسجدية على الأراضي المبدّلة طرقا و شوارع لانصراف أدلّة الأحكام عنها و منشؤه أن العرف لا يتعاطى معها بعنوان المسجدية و هذا كاف في الانصراف.

ثم انّ هناك منشأ آخر للقول الثاني و هو الفرق بين المشاعر في مثل مكة و نحوها و بين مشعرية عموم المساجد لكون مشعرية المساجد مسبوقة بالملك الخاص و متولّدة منه فلا يمكن أن تكون حدودها أوسع من ملك السابق لو قدر بقاء و عدم تحوله إلى المشعرية فهي ملك اعتق رقبته و الملكية السابقة- كما تقدم بيانه- محدودة من الأول بعدم مزاحمتها لمنافع المدينة فالأرض من الابتداء هي متعلّقة لحق حريم المدينة فهي محقوقة لها و لا يمكن أن يسلب ذلك الحق للمدينة عن هذه الأراضي بل غاية الأمر هو استطاعة المالك أن يسلب عنها سلطنته عليها و يجعلها معتقة من تلك الناحية فقط و عتقه هذا لا يسلب حق حريم المدينة عن الأرض لا سيّما بعد تبين انّ حريم المدينة و ملكيتها مقدم على الملكية الخاصّة.

هذا مضافا إلى انّ ولاية الإمام (عليه السلام) على الأرض مسلّمة عند الكلّ للروايات المستفيضة من قبيل انّ الأرض كلّها للإمام و غيرها‌

188

و مقتضى ذلك بحسب القاعدة هو تقدم ولايته و سلطنته على الأملاك الخاصّة و حينئذ فلو بنى على نيابة الفقيه عن المعصوم في هذه الجهة يمكن القول بجواز شقّه الشوارع المستحدثة خلال أرض المسجد عند اضطرار نفع العام لأهالي المدينة إلى ذلك و الحاجة الشديدة إلى هذا المرفق من الخدمات العامّة. و قد تقدم الجواب عن اشكال انفكاك عنوان الوقف عن المسجدية و انّ التحرير وليد عنوان المسجدية اذ التحرير اعتاق لملكية رقبة العين و التشعير اضافة رقبة العين إلى اللّه تعالى و اي عين تضاف بإضافة اعتبارية إليه تعالى فلا يمكن فرض اضافتها بعد ذلك بإضافة خاصّة أخرى للملّاك فبانعدام المسجدية ينعدم موضوع و تبقى جهة التحرير دون التشعير، أي جهة الاضافة.

فتبقى الوقفية من دون المسجدية.

هذا في ما يقدّر بقاء للملكية الخاصّة لو لا الوقف كما تقدم و إلا فلا تبقى الوقفية أيضا لأنها تابعة لحدود الملكية الخاصّة فتلخّص أنه في ما إذا لم يكن في شقّ الشوارع و الطرق منفعة ضرورية للمدينة و لا بنحو الأولوية ينتفي عنوان المسجدية بالاستطراق و تبقى الوقفية و إلا فتنتفي الوقفية أيضا. و الكلام في الحسينيات و المدارس و نحوها هو الكلام في المساجد إلا انّ الفرق بينهما هو امتياز المساجد بالتحرير لأنها ليست ملكا شخصيا و لا مما ينافي جهة الوقف و قيل بورود الاشكال في الاملاك الخاصة.

189

(مسألة 48) يجوز العبور و المرور من أراضي المساجد الواقعة في الشوارع

و كذلك الحكم في أراضي المدارس و الحسينيات.

(مسألة 49) ما بقي من المساجد إن كان قابلا للانتفاع منه للصلاة و نحوه من العبادات ترتب عليه جميع أحكام المسجد

و إذا جعله الظالم دكانا أو محلا أو دارا بحيث لا يمكن الانتفاع به كمسجد فهل يجوز الانتفاع به كما جعل أي دكانا أو نحوه فيه تفصيل فإن كان الانتفاع غير مناف لجهة المسجد كالأكل و الشرب و النوم و نحو ذلك فلا شبهة في جوازه و ذلك لأن المانع من الانتفاع بجهة المسجدية انّما هو عمل الغاصب و بعد تحقق المانع و عدم امكان الانتفاع بتلك الجهة لا مانع من الانتفاع به في جهات اخرى نظير المسجد الواقع في طريق متروك التردد فإنّه لا بأس بجعله مكانا للزراعة أو دكانا نعم لا يجوز جعله مكانا للأعمال المنافية لعنوان المسجد كجعله ملعبا أو ملهى و ما شاكل ذلك فلو جعله الظالم مكانا لما ينافي العنوان لم يجز الانتفاع به بذلك العنوان.

لم يبحث الماتن (رحمه اللّه) في إيقاع الايجار على منافع المسجد لأن جواز الايجار مبني على مقدمات عديدة:

190

أحدها: الجواز و عدم الحرمة التكليفية لذلك الانتفاع لأنه إذا حرم تكليفا الانتفاع تكون الاجارة على منفعة محرمة فتبطل.

ثانيا: انّ منافع المسجد غير الموقوفة في جهة المسجدية تعدّ من المباحات الأصلية و من ثم لا ضمان في اتلافها و الانتفاع منها فلا تقع الاجارة عليها اذ الاجارة انّما تقع على الشي‌ء المملوك.

و يمكن الجواب عن هذه المقدمة المانعة بأنه لا تلازم بين عدم ضمانها بالاتلاف و عدم صحّة الاجارة عليها و ذلك كما في منافع الحر فإنها لا تضمن بالاتلاف و لكنه يصح تمليكها بالاجارة مع انّ دعوى عدم الضمان- و إن أرسلت في الكلمات ارسال المسلمات- ممنوعة. ان المسجد موقوف على المنافع العامّة و هي العبادات عموما و من ثم هو صدقة جارية قد سبّلت منفعته فيكون بمنزلة الاراضي المفتوحة عنوة حيث ان العين محبوسة المنفعة مسبّلة في المصالح العامّة.

ثالثها: انّ المساجد محررة و هي مشاعر فلا تقبل التمليك و لا تدخل في ملك أحد و كذلك الحال في منافعها تبعا لأعيانها و يمكن الجواب عن هذه المقدمة ان كونها من الصدقة يدفع كون تشعيرها على نحو المشاعر كعرفات و منى مضافا إلى إمكان تصوير انّ مقتضى الاجارة هو تمليك الانتفاع لا المنفعة كما هو الحال في عديد من موارد الاجارة أو يقال بأن منافع المسجد من قبيل آلات المسجد و ادواته المملوكة للمسجد القابلة لتمليك الغير لأن التحرير و الوقف انّما هو‌

191

لرقبة عين المسجد و أما توابعه فهي مملوكات له حكمها يتبع مصلحة الوقف. هذا مضافا إلى انّ البناء على زوال المسجدية بعد زوال البنيان و الجدران و رسوم المسجدية و بقاء خصوص الوقفية يقتضي ترتيب أحكام الوقف العامّة عليه.

ثم لا يخفى انّ البناء على عدم جواز التصرفات المنافية لعنوان المسجد يتنافى مع دعوى زوال المسجدية، كما انّ المنافاة إن كان المراد بها المضادة لجهة الوقف فكل انتفاع و لو كان مباحا ينافي عنوان المسجدية، إذا كان شاملا لكل منافع المسجد. فعنوان المزرعة أو المرعى أو المخزن أو نحوها من العناوين الأخرى إن كان المراد بها خصوص ما يوجب الاهانة و الاستهانة و الهتك، فالتفصيل في محلّه.

ثم إذا كان عنوان المسجدية باقيا فلا يجوز هتك المسجد، فيحرم الانتفاع بما ينافي عنوان المسجدية، و إن كان غير باق عدا الوقفية فاللازم مراعاة الأقرب فالأقرب لأنه محرر عن الاملاك الفردية و العامّة فلا يصح الانتفاع به على نمط الانتفاع بالمرافق العامّة.

ثم انّه لو غصب غاصب منافع المسجد فظاهر الكلمات على عدم الضمان، لأن هذه المنافع لا مالك لها و أنها من المنافع المتروكة المباحة. اذ الواقف قد وقف منافع الأرض التي يستفاد منه لجهة العبادة و أعرض عن بقية المنافع هدرا، فلا يكون اتلاف المنافع موجبا للضمان لاشتراط وقوعه في ما هو ملك و لو جهة عنوانية.

192

و لكنك قد عرفت امكان تصوير الضمان، حيث انّ عنوان المسجد و ان كان محررا و غير مملوك، إلا انّ منافعه من موارد انتفاع عموم المسلمين و ماليته محترمة في جعل الاعتبار العقلائي في الملل و النحل المختلفة حيث يبنى لديهم على الضمان في اتلاف بيوت العبادة كل ملّة بحسبها. فلو أنّ قوما جمعوا المال مشاركة و بنوا دارا لعبادتهم و طقوسهم ممّا تفك فيه رقبة العين ثم أتلفها غاصب، فانّهم يلزموه بالضمان و قد تعدّ حرمة تخريب المساجد امضاءا لهذا البناء العقلائي. هذا مضافا إلى ما قدمناه فلاحظ. فالضمان لما له مالية، متّجه و لو لعنوان المشعر و من ثم بنوا عليه في آلات المسجد المملوكة له.

(مسألة 50) مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع، ان كانت ملكا لأحد فحكمها حكم الأملاك المتقدمة،

و ان كانت وقفا فحكمها حكم الأوقاف، كما عرفت. هذا إذا لم يكن العبور و المرور عليها هتكا لموتى المسلمين و إلا فلا يجوز.

لمنافاته لكل من جهة الوقفية- حيث انّ الوقف لأجل دفن موتى المسلمين- وجهة صيانتهم و مراعاة أبدانهم و حرمتهم و لأن العبور و المرور هتك لموتى المسلمين و حرمتهم موتى كحرمتهم أحياء.

193

و أما إذا لم تكن ملكا و لا وقفا، فلا بأس بالتصرفات فيها إذا لم يكن هتكا.

انّ نفس الدفن حيازة لتلك البقاع فهي حق أو ملك لمن دفن فيها.

فحكمها حكم الأملاك الشخصية، فإخراج هذا الفرض عن الفرض الأول محلّ تأمّل. بل لك أن تقول: انّ تعاطي المسلمين الدفن فيها هو حيازة لتلك الأرض وقفا معاطاتيا لها كمقبرة.

و من ذلك يظهر حال الفضلات الباقية منها. فإنّها على الفرض الأول لا يجوز التصرّف فيها و شراؤها إلا بإذن مالكها و على الفرض الثاني لا يجوز ذلك إلا باذن المتولي و صرف ثمنها في مقابر أخرى للمسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب و على الفرض الثالث يجوز ذلك من دون حاجة إلى إذن أحد.

***

194

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

195

مسائل الصلاة و الصيام

(مسألة 51) لو سافر الصائم جوّا بعد الغروب و الافطار في بلده

في شهر رمضان إلى جهة الغرب، فوصل إلى مكان لم تغرب الشمس فيه بعد، فهل يجب عليه الامساك إلى الغروب؟ الظاهر عدم الوجوب حيث أنه قد أتمّ الصوم إلى الغروب في بلده و معه لا مقتضى له كما هو مقتضى الآية الكريمة ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ ...

محور هذه المسائل أغلبها انّ أدلّة الصيام و الصلاة منوطة بالأوقات المضافة إلى المكلّف لا إلى المكان و الزمان بقول مطلق. فاذا أدّى ما هو وظيفته فقد سقط عنه الوجوب و من ثم لو استطاع بتوسط الوسائل النقلية الحديثة أن يلاقي نفس هذا اليوم الذي ذهب عنه مرة أخرى فلا يحقق له ذلك وجوبا آخر.

و الوجه في ذلك أنه لا يجب- بحسب الأدلّة- على المكلّف بالنسبة إلى الصلاة، في اليوم أكثر من سبعة عشر ركعة، كما انّ الواجب عليه في شهر رمضان صيام المدة، فلا يتكرر الوجوب بالنسبة إلى الظرف الزماني الواحد. نعم لو أغمضنا النظر عن تحديد عدد الصلوات‌

196

المفروضة اليومية و عن تحديد الصيام، لكان مقتضى القاعدة القول بأن خطابات الأحكام تدور مدار المكان و الزمان مطلقا، لا بلحاظ المكلف فقط فكلما وجد الموضوع- و هو الزمان الخاص في المكان المتجدد- تجدد الوجوب و وجب الامتثال مرة أخرى، إلا انّه بقرينة تحديد الأدلّة و القضايا الحقيقية للأحكام بالعدد المخصوص يرفع اليد عن ذلك المؤدى.

نعم يحتمل قريبا أن يشرع له إعادة الامتثال، بتقريب انّ التخصيص و التقييد تارة يرفع المحمول من رأس و اخرى يرفع العزيمة و التنجيز لا الرخصة و حيث يدور الأمر بين التصرف في المرحلة الانشائية و الحكم و بين التصرف في المرحلة الفعلية التامة فيبنى على القدر المتقين، أي رفع العزيمة فقط من دون رفع اليد عن الرخصة. فيشرع له اعادة الصلاة فتأمّل جيدا.

بل لك أن تقول، انّ طبيعي الحكم يتحقق بطبيعي الموضوع فهو بالخيار في اختيار امتثال ذلك الحكم بحسب افراد الموضوع و الحكم فضلا عن التخيير بين أفراد طبيعي الواجب.

ثم انّ الماتن (رحمه اللّه) التزم بعدم الوجوب لو سافر بعد الغروب و الإفطار في بلده حيث أنه قد أتى بوظيفته. و تجدد الحدّ و الموضوع لا معنى له، لكون المدار على المكلف.

و فيه: انّ المقام و المثال قد يصوّر أنه من قبيل توسعة الفرد الواحد و توسعة بقاء الموضوع الواحد، لا من تجدد الموضوع و تبدل الفرد‌

197

بفرد آخر. فالمكلف هاهنا بالسفر تجاه الغرب يوسّع يومه و ظرف ادائه لصلاة الفريضة أو الصوم، كما أنه قد يعكس و يضيّقه و هذا بحسب الوسائل السفر الحديثة متحقق و متصور. فمثلا لو سافر قبل الغروب بساعة باتّجاه الغرب و وصل إلى المكان الثاني قبل الغروب فيجب الإمساك عليه أيضا حيث أنه مدّد يومه، فكذلك يقال بوجوب الإمساك عليه لو سافر بعد الغروب لكونه بمنزلة تمديد اليوم.

إن قلت: افطاره المتخلل يكون حينئذ مبطلا لصومه، اذ الفرض أنه أفطر في بلده.

قلت: انّ إفطاره في الليل فلا اشكال فيه و إلا ان مصادفته شخص ذلك النهار مرّة أخرى يوجب الإمساك عليه و الإمساك و ان كان لا بدّ من اتصاله بحسب المنسبق الأولي من الأدلّة، إلا أنه بحسب مقتضى ما تقدم من أنه توسعة اليوم الواحد يلزم بقاء الوجوب. فقول الماتن (رحمه اللّه): «لا مقتضي له» محلّ للتأمّل فالأحوط الإمساك لإحراز صحّة الصوم.

و من ذلك يتبيّن أنه لو صام ثلاثين يوما، ثم ذهب إلى بلاد في أقصى الغرب و كان اليوم فيه يوم الثلاثين فلا تتعلّق به حرمة صوم يوم العيد، لأن موضوع الحرمة هو يوم العيد و الفرض عدمه في ذلك البلد و هذا المثال دالّ على امكان التفكيك في الأحكام الشرعية الواقعية بين الشي‌ء و لوازمه و ذلك لأجل عدم تحقق الموضوعات الخاصّة لتلك اللوازم فالملازمة بينهما ليست مطلقة في الحقيقة. بل الأحكام‌

198

تدور مدار موضوعاتها و ان أوجب ذلك التفكيك بين اللوازم الواقعية فكذلك الحال في اتصال الصوم باتصال النهار في الفرع المتقدم فانّه لازم من لوازم وجوب صوم اليوم قد يتصور الانفكاك بينهما.

(مسألة 52) لو صلّى المكلّف صلاة الصبح في بلده ثم سافر إلى جهة الشرق فوصل إلى بلد لم يطلع فيه الفجر

بعد، ثم طلع أو صلّى صلاة الظهر في بلده ثم سافر جوّا فوصل إلى بلد لم تزل الشمس فيه بعد ثم زالت أو صلّى صلاة المغرب فيه ثم سافر فوصل إلى بلد لم تغرب الشمس فيه، ثم غربت فهل تجب عليه إعادة الصلاة في جميع هذه الفروض وجهان: الأحوط وجوب الاتيان بها مرّة ثانية.

في النسخة المطبوعة فرض السفر إلى جهة الشرق و لعلّه من سهو القلم أو الطباعة. و المراد السفر إلى جهة الغرب و على أي تقدير فلا بد من بيان الحكم في التقديرين كما أن العبارة في الفرضين اللاحقين مطلق.

فنقول: إن كان السفر باتجاه الشرق فما يصادف من دخول الفجر أو الزوال أو الغروب هو من يوم جديد غير الذي كان قد صادفه فمن ثم يجب عليه أداء الصلاة لذلك اليوم الجديد بدخول وقتها و ليست هي‌

199

اعادة للصلاة السابقة كي يقع الترديد في الحكم و ان كان الفاصل الزمني بين اليومين طواه المكلّف ببضع ساعات قليلة.

و ان كان السفر باتّجاه الغرب فليس أوقات التي يصادف دخولها هي من يوم جديد، بل هي نفس اليوم الذي كان فيه. غاية الأمر قد تجدد وجوده للمكلّف بعد ما كان قد انصرم و انعدم فمقتضى القاعدة حينئذ عدم الوجوب كما مرّ في المسألة السابقة و إن شرع التكرار له.

(مسألة 53) لو خرج وقت الصلاة في بلده كأن طلعت الشمس أو غربت و لم يصلّ الصبح أو الظهرين ثم سافر

جوّا فوصل إلى بلد لم تطلع الشمس فيه أو لم تغرب بعد، فهل عليه الصلاة أداء أو قضاء أو بقصد ما في الذمّة؟

فيه وجوه: الأحوط هو الاتيان بها بقصد ما في الذمّة أي الأعم من الأداء و القضاء.

أقول: ان كان السفر إلى جهة الغرب كي يكون ابقاء لنفس اليوم الشخصي فالأقوى هو الاتيان بها أداء بلا ترديد في البين لأنه نفس اليوم الذي فات منه في البلد الأول. و ان كان السفر إلى جهة الشرق فيجب عليه صلاتان: الأولى- أداء لدخول وقت يوم جديد كما مرّ و الثانية- قضاء لما قد فاته فلا يتقيّد بداخل الوقت و إن كان أحوط.

200

(مسألة 54) إذا سافر جوّا و اراد الصلاة فيها، فإن تمكّن من الاتيان بها إلى القبلة واجدة لسائر الشرائط صحّت

و إلا لم تصح إذا كان في سعة الوقت بحيث يتمكن من الاتيان بها إلى القبلة بعد النزول من الطائرة و أما إذا ضاق الوقت وجب عليه الاتيان بها فيها و عندئذ إن علم بكون القبلة في جهة خاصة صلّى نحوها. و إن لم يعلم صلّى إلى الجهة المظنون كونها قبلة و إلا صلّى إلى أي جهة شاء. و إن كان الأحوط الاتيان بها إلى أربع جهات.

هذا في ما إذا تمكّن من الاستقبال و إلا سقط عنه.

لأن الصلاة لا تترك بحال (1) و هذه القاعدة مخصصة بمقتضى قاعدة لا تعاد فيستفاد منها جعل البدائل و ان عجز عن الأركان و بقية ما في المتن واضح.

(مسألة 55) لو ركب طائرة كانت سرعتها سرعة حركة الأرض و كانت متّجهة من الشرق إلى الغرب

و دارت حول الأرض مدة من الزمن، فالأحوط الاتيان بالصلوات الخمس في كل اربع و عشرين ساعة و أما الصيام‌

____________

(1). ب 1/ من ابواب المستحاضة/ 5.

201

فالظاهر عدم وجوبه عليه، و ذلك لأن السفر المذكور ان كان في الليل فواضح و إن كان في النهار فلعدم الدليل على الوجوب في مثل هذا الفرض.

و أما إذا كانت سرعتها ضعف سرعة الأرض فعندئذ بطبيعة الحال- تتم الدورة في كل اثني عشر ساعة. و في هذه الحالة هل يجب عليه الاتيان بصلاة الصبح عند كل فجر و بالظهرين عند كل زوال و بالعشاءين عند كل غروب؟ فيه وجهان الأحوط بل الأظهر الوجوب.

نعم لو دارت حول الأرض بسرعة فائقة بحيث تتم كل دورة في ثلاث ساعات مثلا أو اقل، فعندئذ اثبات وجوب الصلاة عليه عند كل فجر و زوال و غروب بدليل مشكل جدا، فالأحوط الاتيان بها في كل اربع و عشرين ساعة، و من هنا يظهر الحال ما إذا كانت حركتها من الغرب إلى الشرق و كانت سرعتها مساوية لسرعة حركة الأرض.

و في هذه الحالة الأظهر وجوب الاتيان بالصلوات في أوقاتها و كذا الحال فيما إذا كانت سرعتها أقل من سرعة الأرض و أما إذا كانت سرعتها أكثر من سرعة الأرض بكثير بحيث تتم الدورة في ثلاث ساعات مثلا أو أقل، فيظهر حكمه مما تقدم.

انّ مراد الماتن (رحمه اللّه) فرض الحركة تجاه الغرب على ثلاث صور:

202

فتارة تكون الحركة تجاه الغرب بنحو لا تتغير الساعة التي كانت في البلد الأول، أي لو كانت الساعة ساعة الزوال فيسافر حول الأرض من الشرق إلى الغرب بنحو يوجب استمرار تعامد الشمس على رأسه، أو لو كان في الليل في ساعة معينة منه، بقيت تلك الساعة في الجوّ الذي يحيط بحركته. و الحاصل انّه إن كان نهارا فلا يتبدل و إن كان ليلا فلا يتبدل، فيكون الدوران حول الأرض في كل اربع و عشرين ساعة.

و تارة تكون الحركة حول الأرض في كل اثني عشر ساعة، فيطوي في كل اربع و عشرين ساعة دورتين حول الأرض.

و تارة تكون الحركة حول الأرض في اقل من ذلك كثلاث ساعات و نحوها.

و هذه الصور الثلاث كما تفرض في اتجاه الشرق إلى الغرب، تفرض في اتجاه الغرب إلى الشرق. كما انّ الكلام تارة حول حكم الصلاة و أخرى حول حكم الصيام.

أما حكم الصلاة: فالصحيح فيه- بحسب ما تقدم- هو وجوب أداء الصلوات بحسب الفرد اليوم، لا بحسب تجدد دخول الوقت فقط، كما عرفت. و هذا واضح في الصورة الثانية و الثالثة، لمواجهة المسافر في كلتا الصورتين من الشقين تعدد اليوم. فإن كان يوما جديدا فيجب عليه الصلاة و إن كان يوما قديما فلا يجب عليه الاعادة، كما مرّ توضيحه.