فقه الطب والتضخم النقدي

- الشيخ محمد السند المزيد...
313 /
203

و أمّا الصورة الأولى: فهي و ان لم تدخل عليه بقية أوقات الصلوات الأخرى فيتخيل انّ مقتضى القاعدة هو عدم وجوب بقية الصلوات عليه، إلا أنه بحسب ما ورد من الروايات المتواترة من جعل خمس فرائض في اليوم و الليلة، فيلزم بإتيانها من الأربع و عشرين ساعة و ذلك لأن حقيقة الزمان هي المقدار المتولّد من حركة الأرض حول نفسها و يتم اليوم بالحركة الدورية دورة تامّة. و المفروض أنه قد طواها دورة تامّة و إن كان مصاحبا مع النهار. فليس حقيقة اليوم كما هي زمانية متقومة بالضوء و الظلمة و انّما هما صفتان ملازمتان للمقدار الزمني المتولّد من الحركة و هذه نكتة نافعة في ما سيأتي من المسائل في أحكام أوقات البلاد التي تقرب القطب الشمالي و الجنوبي.

ثم انّه يوضح الخمس فرائض بتنصيف الليل و النهار و تربيع النهار و بنحو يدخل في الحدّ كقدر متيقّن.

و أمّا الصيام: ففي الصورتين الأخيرتين- الثانية و الثالثة- يراعى اليوم بلحاظ المبدأ و المنتهى، سواء سبب سفره طول اليوم كما لو كان باتجاه الغرب أو سبب سفره قصر اليوم، بلغ ما بلغ في استطالة اليوم و بلغ ما بلغ في قصر اليوم. و إن كان الأحوط في القصر المفرط القضاء.

و أما في الصورة الأولى: فإن كان مصاحبا للّيل فالأقوى هو تصنيف الدورة إلى جانب ليلي و نهاري و جعل النصف الثاني بمنزلة النهار.

204

و قد يشكل بأن موضوع الصيام ليس هو فقط الدورة الزمنية، بل لموضوعه جزء آخر و هو طلوع الفجر و النهارية. و المفروض انه لم يتحقق لديه الجزء الثاني. فهو و ان دخل عليه الشهر و شهد الشهر إلا أنه لم يتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ليتم الصيام نهارا إلى الليل.

و لك أن تقول: انّ المسافر هذا لو دار ثلاثين دورا حول الأرض مصاحبا لليل دائما لصدق عليه أنه لم يتواجد في نهاريات شهر رمضان، بل تواجد طيلة الشهر في ليالي شهر رمضان فلا وجوب للصيام عليه و من ثم لا قضاء عليه و حال المسافر في هذا الفرض يختلف عن حال البلاد القطبية، حيث انّ في تلك البلاد و ان استمر لديهم الليل أشهر متعددة في الشتاء بحسب القرب و البعد من القطب و يستمر لديهم النهار أشهر متعددة في الصيف بحسب القرب و البعد من القطب، إلا أنه يصدق في حقهم كلا من الليل و النهار باعتبار نصفي الدورة لحركة الأرض استدبارا للشمس و ابتعادا عنها و هو الليل أو استقبالا للشمس و اقترابا منها- و إن لم يظهر نورها- و هو النهار و من ثم في تلك البلاد لديهم مساء و صباح و إن كانت الظلمة مستمرة أو كان الضوء مستمرا و هذا بخلاف ما نحن فيه. فإن هذا المسافر على الدوام يتواجد في قوس الليل، أي قوس الدورة المستدبرة للشمس، فلا يمرّ عليه النهار حقيقة و كذا في العكس لو كان يتواجد في قوس النهار دائما فإنّه لا يمرّ في قوس الليل من دورة‌

205

حركة الأرض.

قلت: أولا: هذا الاشكال في الفرض لا يختص بالصيام، بل يرد على الصلاة أيضا. فإنّ موضوع كل صلاة ليس صرف يومية اليوم الجديد و الدورة الجديدة لحركة الأرض، بل له جزء آخر أيضا و هو طلوع الفجر لصلاة الصبح و دخول الزوال في الظهرين و تحقق الغروب في العشاءين.

و أما قاعدة (الصلاة لا تسقط بحال) فإنّما هي بلحاظ العجز عن شرائط الواجب لا شرائط الوجوب، فمع عدم تحقق شرائط الوجوب لا مجرى لهذه القاعدة. بل لو بنى على هذا الاشكال لتوسّع إلى فروض أخرى، كمن يكون على كرة القمر أو كرات أخرى فاللازم الالتزام بعدم وجوب الصلاة عليه، لأن المسافر في هذا الفرض لم يتحقق لديه كلا الجزءين، لا الدورة اليومية لحركة الأرض و لا الأجزاء الثانية من الطلوع و الزوال و الغروب، لكنه كما ترى.

و ثانيا: انّه يمكن أن يلتزم في الصوم بوجوب القضاء و إن لم يجب الأداء بخلاف الصلاة، فلا اداء و لا قضاء. و ذلك لأن في الصيام عموم قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1) فاطلق على المسافر وجوب القضاء، سواء مرّ عليه النهار أم لم يمرّ. فالتفكيك بين الصوم و الصلاة مع وحدة الموضوع لا وجه له.

بل يمكن أن يلتزم في الصيام أنّ الوجوب متحقق بمجرّد شهود‌

____________

(1). البقرة/ 185.

206

الشهر، و طلوع الفجر ليس إلا قيد المتعلق بنحو الواجب المعلّق.

و بعبارة أخرى: انّ مطلقات إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (1) و كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (2) غير ساقطة في موارد سقوط قيد الوجوب لو بنى على انّ القيد قيد الواجب بنحو المعلق، سواء قرّب الاطلاق في الأدلّة بلحاظ الوجوب أو بلحاظ اطلاق المتعلّق. (3)

ثمّ انّ تقسيم اليوم ثلاثة أقسام ففي أحدها يوقع صلاة الظهرين و في الآخر صلاة الصبح و في الآخر صلاة المغرب، تقريبى لا موجب صناعي يحدده و انّما هو من جهة المستفاد من فحوى لسان أدلّة التوقيت و علل تشريعها. ثم انّه ممّا ذكرنا يظهر الحال في السفر إلى الكواكب الأخرى.

(مسألة 56) من كانت وظيفته الصيام في السفر و طلع عليه الفجر في بلد ثم سافر

جوّا ناويا للصوم و وصل إلى بلد آخر لم يطلع الفجر فيه بعد، فهل يجوز له الأكل و الشرب و نحوهما؟ الظاهر جوازه، بل لا شبهة فيه لعدم مشروعية الصوم في الليل.

____________

(1). النساء/ 103.

(2). البقرة/ 183.

(3). و سيأتي لذلك تتمّة في مسألة 58.

207

قد ذكر في المتن وجهه و لا بأس به و لا بدّ أن يكون السفر مفروضا باتّجاه الغرب و إلا لو كان باتّجاه الشرق فيكون قد قصر يومه باستعجال الغروب و قد مرّ بيان حال المسألة في مسألة (51).

(مسألة 57) من سافر في شهر رمضان من بلده بعد الزوال و وصل إلى بلد لم تزل فيه الشمس بعد

، فهل يجب عليه الامساك و اتمام الصوم؟ الظاهر وجوبه حيث أنه مقتضى اطلاق ما دلّ على انّ وظيفة من سافر من بلده بعد الزوال هو اتمام الصوم إلى الليل.

و لا يعارض هذا الإطلاق ما دلّ على جواز الافطار لمن يعلم بوصوله قبل الزوال إلى بلد الإقامة أو بلده لتحقق الموضوع للوجوب و ان انتفى الوجوب بلحاظ الفرد الآخر، اذ لا تعارض بين ما لا اقتضاء له مع ماله الاقتضاء. فإن الدليل الذي يدلّ على افطار ما قبل الزوال ظاهر في من خرج من وطنه أو من بلد الإقامة قبل الزوال. و لو وصلت النوبة إلى الشك في الوجوب فيستصحب الوجوب أو نعود إلى عموم آية وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1) فكل سفر يوجب الإفطار، خرج منه الخروج بعد الزوال و القدر المتيقن منه في ما إذا بقي الزوال ماضيا.

____________

(1). البقرة/ 185.

208

(مسألة 58) إذا فرض كون المكلّف في مكان نهاره ستة أشهر و ليله ستة أشهر مثلا

و تمكّن من الهجرة إلى بلد يتمكّن فيه من الصلاة و الصوم وجبت عليه. و إلا فالأحوط هو الاتيان بالصلوات الخمس في كل اربع و عشرين ساعة.

أما وجوب الهجرة فلمقدمتين:

الأولى: انّ الفرائض اليومية لا يرفع اليد عنها لتشديد و تأكيد الشارع على أدائها.

الثانية: انّ الصلاة حيث أن قيود وجوبها- و هي الزوال و الغروب و الطلوع- قيود للواجب أيضا، اذ كل قيد الوجوب هو قيد الواجب و هي لا تتحقق في المكان المفروض فاللازم عليه تحصيلها بعد سقوط قيديّتها للوجوب و بقاء قيديّتها للواجب و بالتالي يجب أن يذهب إلى موضع يتحقق فيه قيود الواجب.

إن قلت: الزمان قيد الوجوب فكيف يلزم بتحصيل قيد الوجوب؟

قلت: انّ قيود الوجوب و إن لم يلزم تحصيلها، إلا انّ في المقام قد سقطت قيديّتها للوجوب بعد دلالة الأدلّة المؤكّدة المشددة على أهمية الصلاة مطلقا و ينبّه على ذلك أنه لو فرض عدم تحقق قيود الوجوب و انتفائها بنحو الدوام، فإنه لا يمكن المصير إلى سقوط الصلاة من‌

209

رأس بمقتضى الأدلّة الدالّة على أهمية الصلاة و أنها من أركان الدين و أنها أول عقبة يسأل عنها المكلّف في الأعمال.

فهذا ما ينبّه على انّ أدلّة التقيد خاصّة بموارد امكان تحققها فلا محالة يرفع اليد عن بعض قيود الوجوب، للعلم من الأدلّة الشرعية و مذاق الشارع وجوب الصلاة و أنها لا تسقط بحال. أي انّ أصل الوجوب بكل مراتبه ليس مقيدا بهذه القيود و انّما هي قيود وجوب في ظرف امكان تحققها للوجوب التام و المراتب في الأحكام الشرعية و متعلقاتها معهودة نظير ما التزم به في قاعدة لا تعاد من أنها تتصرف في أدلّة الأجزاء و الشرائط في مرحلة الانشاء و بالتالي كل جزء يتقيد وجوبه الضمني بغير الجهل و النسيان، فيصير وجوب الصلاة على مراتب بتبع مراتب الصلاة. فكون قيود الوجوب على مراتب ليست بالأمر الغريب فلأهمية و شدّة الملاك في الصلاة نلتزم بأن الزمان ليس قيدا لها بكل مراتبها. نعم يجب الهجرة لتحصيل المراتب العالية. نعم لا يختص وجوب الهجرة بالفرض في هذه المسألة بل يعمّ العديد من الفروض السابقة لأن مناط وجوب تحصيل المتعلق التام سواء فيها.

و أما وجه الاحتياط في الاتيان بالصلوات الخمس فهو لما مرّ من أنه مقتضى الأدلّة الكثيرة الدالّة على أهمية الصلاة و ركنيّتها في الدين و أن مقتضاها قوّة وجوب ذلك فضلا عن الاحتياط. هذا و لا يخلو تحقق الصغرى- لوجوب الهجرة المتقدم- عن تأمّل و كلام و إن كانت‌

210

كبرى وجوب الهجرة لأداء الصلاة متينة إلا انّ الصغرى في المقام ممنوعة. فلا تجب الهجرة و ذلك لأن اليوم و الزوال و الغروب متحقق لهم و ان كانت الشمس في فصل الصيف و نحوه دائما مشرقة و كذا الليل في فصل الشتاء و نحوه يدوم غشيانه. فإن الشمس في الصيف لا تغيب عن القطب الشمالي و ما يقرب منه لميلان الشمس نحو الجزء الشمالي و أوج ذلك مدار السرطان، بخلاف ذلك في الشتاء فإنها تميل نحو النصف الجنوبي و أوج ذلك مدار الجدي فتغيب عن القطب الشمالي و ما يقرب منه فيدوم الليل شهورا و هذا ما يقال عنه من استقبال القطب الشمالي للشمس في الصيف و استدباره لها في الشتاء و عكس ذلك بالنسبة إلى القطب الجنوبي و هذا الذي يسبب دوام النهار شهورا في الصيف و دوام الليل كذلك في الشتاء.

و لكن هذا لا يعني عدم تحقق الدقّة اليومية لهم، لأن الدور اليومية تكوينا مرتبطة و متوقفة على حركة الأرض حول نفسها فاليوم حقيقة موجود. فحينئذ إذا كانت حركة الشمس من الشرق إلى الغرب في صيفهم فهذا هو النهار، اذ هم في عين استقبالهم للشمس، لديهم استقبال و استدبار لها أيضا مع عدم غيبتها. فقوس الليل و النهار موجود و متحقق لديهم و قوام قوس الليل و النهار تكوينا ليس بانعدام نور الشمس و تولّده مرّة أخرى، بل انّ نور النهار و ظلمة الليل علامتان على مقدار الحركة. و الزمان وليد الحركة لا وليد النور و الظلمة. فالمولّد للحركة اليومية بمقدار قوس الليل و النهار هو حركة‌

211

نفس الدورة و الموضوع هو الزمان المعرّف بالعلامة و إن انتفت العلامة و إن لم يكن لهم نور في الشتاء و كذا الحال بالنسبة إلى طلوع الفجر فإنه عبارة عن كون الشمس بنحو تحت الأفق ستة عشر درجة بحيث يظهر البياض قبل طلوع الشمس و هذا الطلوع للفجر يشير إلى نقطة معينة من حركة الشمس في الدور اليومي و هذه النقطة يمكن فلكيا أن تعيّن و تحسب في الدول القطبية و ما يقرب منها و يشهد لذلك تعارض تقويم الساعات اليومي النهاري و الليلي في تلك الدول بحسب المداقة و الحساب الفلكي و يبرمجون نظام حياتهم اليومية عليه.

فتلخّص أنه يمكن أن يحرز الصلاة و الصيام في القطبين و أمثالهما من دون اشكال في البين.

***

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

اوراق اليانصيب

اوراق اليانصيب و هي اوراق تبيعها شركة بمبلغ معيّن، و تتعهد بان تقرع بين المشترين فمن اصابته القرعة تدفع له مبلغا بعنوان الجائزة، فما هو موقف الشريعة من هذه العملية و تخريجها الفقهي و هو يختلف باختلاف وجوه هذه العملية.

الأول: ان يكون شراء البطاقة بغرض احتمال اصابة القرعة باسمه و الحصول على الجائزة، فهذه المعاملة محرمة و باطلة بلا اشكال، فلو ارتكب المحرم و اصابت القرعة باسمه، فان كانت الشركة حكومية، فالمبلغ المأخوذ منها مجهول المالك و جواز التصرف فيه متوقف على اذن الحاكم الشرعي او وكيله، و ان كانت اهلية جاز التصرف فيه اذ الشركة راضية بذلك، سواء أ كانت المعاملة باطلة أم صحيحة.

الثاني: ان يكون اعطاء المال مجانا و بقصد الاشتراك في مشروع خيري لا بقصد الحصول على الربح و الجائزة،

214

فعندئذ لا بأس به، ثم انه اذا اصابت القرعة باسمه، و دفعت الشركة له مبلغا فلا مانع من اخذه باذن الحاكم الشرعي او وكيله ان كانت الشركة حكومية و الا فلا حاجة الى الاذن.

الثالث: أن يكون دفع المال بعنوان اقراض الشركة بحيث تكون ماليتها له محفوظة لديها، و له الرجوع إليها في قبضه بعد عملية الاقتراع، و لكن الدفع المذكور مشروط بأخذ بطاقة اليانصيب على ان ترفع الشركة له جائزة عند اصابة القرعة باسمه، فهذه المعاملة محرمة لانها من القرض الربوي‌

في الصورة الأولى جعل الاقتراع في متن المعاملة و في الصورة الثالثة جعل شرطا فإن كان في ضمن المعاملة- أي على النحو الأول- فالعوض محرّم و باطل، لا من جهة الغرر و عدم العلم بتحصيل المعوض، اذ لا يلزم من ذلك الحرمة التكليفية، بل من جهة أنه رهان قماري، حيث انّ المعاوضة في الصورة الأولى هي بذل عوض في مقابل احتمال عوض آخر خطير أو غيره. و حقيقة القمار و الميسر هي الرهان على عوض معلّق على اللعب بآلة أو بالقرعة و نحوها. بل لو سلّم عدم صدق القمار عليه فلا ريب في صدق الرهان عليه فيكون حراما وضعا و تكليفا أو وضعا فقط على الخلاف في الحرمة التكليفية في الرهان إذا كان بغرض صحيح غير اللهوي، بل في تصور صغرى‌

215

الغرض الصحيح في المقام تأمّل و نظر.

ثم انّ بإدراج الصورة الأولى في القمار يشكل الفرق بين الصورة الأولى و هي كون ماهية الرهان في متن المعاملة الأصلية كعوض و بين كون الرهان شرطا في ضمن معاملة أخرى، كما هو الحال في الصورة الثانية على أحد الشقين لها. اذ بطلان الرهان و القمار لا يفرق فيه بين التقديرين و كذا الحال في الصورة الثالثة، إلا انّ الماتن (رحمه اللّه) حرّمها من جهة القرض الربوي و قد ذهب بعض الأعلام إلى الحرمة في الشق الثاني من الصورة الثانية أيضا و إن لم يكن اشتراط في البين، بل بمجرّد الداعي و الظاهر أنه بناء على حرمة مطلق اللهو و إلا ففي صدق الرهان فضلا عن المقامرة في هذا الشق تامّل بعد عدم وجود الالتزام المعاملي ببذل العوض المحتمل في البين.

نعم لو بنى على تعريف القمار بأنه الاقدام على اتلاف المال في مقابل العوض المحتمل و لو بنحو الداعي لشملت الحرمة جميع الصور و الشقوق و قد يوجه ما ذهب إليه الماتن (رحمه اللّه) من حصر القمار في الصورة الأولى بأن في ما عداها لا تتحقق الخسارة و الربح الاحتماليتان و لا المعرضية لهما، كما لو اشترى الزبون مبيعا من تلك الجهة أو الشركة و اشتراط في ضمن ذلك الشراء ورقة اليانصيب. فإنّ اقدامه على الشراء لا يوجب تضرره، اذ قد تملك عين المبيع في مقابل المال الذي بذله كثمن سواء كانت العين موردا لحاجته أم لا. فمن ثم تنتفي ماهية الرهان في أمثال هذه الصورة و لا تكون الحرمة من‌

216

ناحية القمار، بل من ناحية الربا أو غيره.

و فيه: انّ الصحيح لدينا انّ كل شرط ضمني و كل مشارطة في عقد تؤول إلى معاملة فوقانية، احد طرفيها المعوّض و هو المعاملة المشروط فيها و الطرف الآخر هو ذات الشرط. فالمشارطة عبارة عن التزام بإيقاع البيع مثلا في مقابل ذات الشرط و بالتالي فليس لدينا في البين معاملة واحدة و هي البيع و ان من توابعه الشرط و ذات الشرط، بل هناك معاملة فوقانية، البيع أحد طرفيها، غاية الأمر هو الطرف الأصلي و هو المعوض و العوض هو ذات الشرط نظير الجعالة على الاقراض أو الجعالة على البيع ترغيبا للبائع للاقدام على البيع أو كالصلح على الاجارة في مقابل اسقاط المستأجر لبعض حقوقه على المؤجر مالك العين فحقيقة المشارطة ترجع إلى ربط الالتزام البيعي مثلا بالالتزام بذات الشرط. فمن ثم كان هذا الربط فوقانيا بالإضافة إلى ذات البيع و ذات الشرط هذا و ان كان نفس البيع أيضا مشتملا على التعاوض بين المبيع و الثمن.

و لتوضيح ذلك لا بدّ من ذكر مقدمات:

الأولى: انّ المعروف انّ للشرط قسطا من الثمن

فهو بمنزلة الوصف و هو في الصياغة الانشائية في غالب المعاملات و إن لم يكن عوضا في مقابل العوض- و هو المشروط فيه- لكنه من الواضح انّ المتعاقدين لا يقدمان على المشروط فيه إلا بقيد كون الشرط هو بمنزلة البقية المتممة لمجموع المعاملي بحيث انّ المتعاقدين إذا تبيّن‌

217

لهم عدم سلامة الشرط يحق للمشروط له فسخ المعاملة من رأس.

فالغرض الأصلي متقيّد و منصبّ على الشرط. فالدواعي التقييدية في المعاملات تنصب على الشرط، كما تنصب على المشروط فيه.

الثانية: انّ المعاملات على قسمين: مركبة و بسيطة

فالمعاملات المركبة تتركب من عدة معاملات فيفرض في البين معاملة فوقانية، عوضاها معاملتان مثل أن يصالح الآخر على بيع سيارته بكذا، صالحه على أن يبيعه منزله بكذا، فهذا العقد هو الصلح و لكن طرفيه البيعان، بل انّ البيع و غيره من المعاوضات التي تشتمل على التعاوض من الطرفين ليست معاملات بسيطة في الحقيقة، بل هي من المقابلة بين التمليكين. اذ كل تمليك مفرد هو معاملة و عقد برأسه.

فالبائع يملك المبيع و يقبله المشتري في مقابل تمليك المشتري الثمن و قبول البائع لذلك، فكل منهما موجب و قابل، إلا انّ معاقدة البائع على المبيع أصلية فتسمّى المعوض و معاقدة المشتري تبعية فتسمّى الثمن.

و كذلك الحال في الإجارة و المضاربة و غيرهما من المعاوضات المشتملة على العوضين، بخلاف مثل الهبة و العارية و الوكالة و نحوها ممّا لم يشتمل على عوضين. و قد ذكرنا غير مرّة انّ تجدد المعاملات بحسب الأعصار المختلفة غالبا يكون- إن لم يكن دائما- بتركّب المعاملات بعضهم مع بعض، فيستحدث للمعاملة المركّبة الجديدة اسما جديدا.

218

الثالثة: ذهب السيد اليزدي في بحث البيع و الشروط إلى التمسك بعموم «المؤمنون عند شروطهم»

في صحّة العقود و البيع و قال أنه ليس منحصرا بالشروط الضمنية، بل يشمل كل التزام و لو كان مبتدئا مرتبطا بالالتزام الآخر كما في العقود أو غير مرتبط كالوعد الابتدائي و ما ذكره متين بالنسبة إلى أصل معنى الشرط و هو يقتضي ربط الالتزام التعاوضي بين المشروط فيه و ذات الشرط. بل قد عرفت انّ المعاوضة في العقود ليست إلا التزام بالمعوض مشروط فيه التزام بالعوض.

و إذا اتّضح ذلك يظهر انّ البيع بشرط الاقتراع أو القرض بذلك الشرط هو من المشارطة المقابل فيها بين البيع أو القرض و ذات الشرط حيث انّ النظر الأصلي مركّز عليها، أي انّ التقييد معاملي حاصل بالمقابلة بينهما، فتلك المشارطة هي المعاملة الأم الفوقانية و أحد طرفيها البيع أو القرض أو الاهداء أو الصدقة و نحوها من التبرعات الخيرية و الطرف الآخر العوض و هو الاقتراع على الجائزة أو الهدية المالية، فالاقدام على البيع أو القرض أو نحوهما في مقابل احتمال الربح الذي هو عوض، سواء في الصورة الأولى أو الثالثة. اذ المشارطة في العقود ليست تبعية بمعنى كونه التزاما مجردا في ضمن معاملة اخرى من دون أن يكون هناك مقابلة بين المشروط فيه و الشرط. نعم هو تبعي بمعنى أنه عوض و ليس بمعوض و أن القصد أولا في المعاوضات موجّه إلى المعوض و إلى العوض بتبعه.

219

إن قلت: المبيع له مالية بخلاف الاقدام على البيع أو الاجارة أو الاقراض و ايجادهم الانشائية له مالية بذاته.

قلت: نمنع عدم المالية لها، فإن المالية- كما حرر في مباحث البنوك- كصفة للأشياء على أقسام ثلاثة:

الأول: ما كانت له مالية بسبب المنافع الطبيعية الواجد لها، كما في الأعيان الموجودة الطبيعية التي يقضي العقلاء وطرهم للانتفاع منها تكوينا.

الثاني: ما كانت ماليته بسبب الاعتبار نظير الورق النقدي و أوراق المستندات و نحوها ممّا لم تكن لها منافع طبيعية تكوينية، بل منافعها اعتبارية بسبب القانون و الاعتبار.

الثالث: ما كانت ماليته حكمية ناشئة من التعاقد عليه نظير منافع الحرّ فإن منافعه لا تضمن بالاتلاف، لعدم ماليتها المبتدئة، بل ماليتها تنشأ من الاستيجار له. فلو أتلفت بعد ذلك لكانت مضمونة و هذا بخلاف القسمين الأولين و ما نحن فيه من قبيل القسم الثالث و من ثم تنشأ الجعالة عليه كأن يقول: من يقرضني بكذا فله كذا أو من يبتاع مني كذا فله كذا، فبذل المال لحصول الرغبة فيه التي هي السبب الأصلي لحدوث الصفة المالية. نعم هو من دون بذل سابق ليس بذي مالية كعمل الحرّ.

و أما في المقام فنفس البيع أو القرض موصوفان بالمالية للالتزام بذات الشرط في مقابلهما و هو احتمال الربح و هو معنى المعرضية‌

220

للخسران أيضا. فعلى ذلك تكون المعاملة الفوقانية الرهان القماري، أحد طرفيها البيع أو القرض أو غيرهما و الطرف الآخر معرضية الربح أو الخسران، فيتم تصوير الحرمة القمارية في الصورة الأولى و الثالثة.

أما في الصورة الثانية فقد سوّغها الماتن (رحمه اللّه) لعدم الاشتراط في البين فينتفي الرهان و القمار، إلا أنه قد يدّعى انّ الميسر في اللغة هو صرف التقابل الوجودي الخارجي و لو بنحو الوعد الابتدائي غير المشارطي، بل يكفي المعرضية و حصول الداعي إلى ذلك و إن لم يكن داعيا مبرزا كقيد معاملي، نظير ما يقال في الهبة المعوضة أنها تتحقق و لو من غير اشتراط في الابتداء بأن يهب الموهوب بقاء بقصد العوض عن الهبة الأولى فالشخص الأول هبته عقد بسيط ابتداء و أما الآخر فهبته حيث كانت بقصد المقابلة للهبة الأولى فتكون هبة تعاوضية و كذلك الأولى بقاء فيترتب أحكام الهبة المعوضة عليها و هذه الدعوى تحتاج إلى مزيد من التأمّل في الاستعمالات اللغوية للقمار فإن بينه و بين الرهان عموما و خصوصا من وجه لغة و إن لم يكن كذلك تعبدا.

ثم انّ في كلام الماتن (رحمه اللّه) ملاحظتين:

الأولى: انّ تقييده لجواز التصرف في تلك الجوائز المأخوذة من الجهة الحكومية أو المشتركة باذن الحاكم الشرعي أو وكيله مبني على مجهول المالك و اما المبنى الآخر من ملكية بيت المال للأموال‌

221

العامّة و اذنهم (عليهم السلام) للمؤمنين في التعامل فلا مجال لهذا القيد.

الثانية، قوله: «و إن كانت أهلية جاز التصرف فيه، اذ الشركة راضية بذلك سواء أ كانت المعاملة باطلة أو صحيحة» لا يخلو من اشكال، بل منع حيث انّ رضاها مقيد بالمعاملة العرفية و انما رضاها غير مقيد بالصحّة الشرعية للمعاملة. أي سواء كانت المعاملة باطلة شرعا أو صحيحة و هذا الرضا المقيد بهذه المعاملة لا اعتداد به، حيث أنه من العمل بالمعاملة المحرمة، كما هو الحال في المعاملات الربوية فإنّ رضى باذل الربا غير مقيد بالصحّة الشرعية. أي و إن كانت باطلة شرعا إلا أنه مقيد بالمعاملة بوجودها العرفي و الشاهد على تقيّد الرضا بالمعاملة العرفية كون البذل ليس مجانيا و الرضا ليس ابتدائيا و لو بنى على الجواز بمجرّد الرضا بالمعاملة بوجودها العرفي دون وجودها الشرعي لكانت الأدلّة الناهية عن المعاملات المحرّمة لغو محض.

و بعبارة أخرى: انّ موضوع الأدلّة الناهية هي المعاملات بوجودها العرفي لا بوجودها الشرعي و إلا لزم التناقض حيث ينهى الشارع عمّا اعتبره موجودا و صحيحا، بل انّ هذا البيان يتأتّى في ما لو كان رضى المتعاقدين بالعقد بحسب اعتبارهما الثنائي، أي لم يكن رضاهما مقيدا بالعقد بحسب الوجود العرفي و لا الشرعي كما يتصور ذلك في المعاملات التي يحكم العرف العقلائي العام ببطلانها فإن المتعاقدين يبنيان على الجري على العقد بحسب وجوده في افق اعتبار‌

222

المتعاقدين الذي هو أخص من وجود الاعتبار العقلائي العام، كما في ثمن الفجور، فإنّه تعاقد ثنائي و رضى مقيد به سواء أ كان باطلا عرفا و شرعا أم لا و مع ذلك لا يمكن البناء على الجواز. فافساد الشارع أو العرف لمعاملة مقتضاه النهي عن البناء عليها و لو بحسب البناء في افق المتعاقدين فكون الرضا غير مقيد بالوجود الشرعي أو العرفي لا يسوّغ الاباحة بعد كونه مقيدا بالعقد و لو بحسب المتعاقدين.

و منه يظهر النظر في عبارة صاحب الجواهر بعد ما حكم ببطلان الصدق في غير الموارد المنصوصة و أنه جائز بدون العقد كفعل مجرد تكويني. قال: بل لا يبعد جواز إباحتهما العوض على ذلك و الوعد به مع استمرار رضاهما به لا على أنه عوض شرعي ملتزم.

نعم لو كان تمليك الشركة غير مقيد بالقرعة و نحوه من العقود الفاسدة أصلا، بل هبة أو إباحة مبتدئة لتمّ الجواز لكن هذا غير ما هو الدارج الغالب من كون الرضا مبنيا و مقيدا بالمعاوضة. فاللازم تقييد الجواز بما إذا لم يكن مبنيا على المعاوضة العقلائية و لا بحسب المعاوضة في أفق المتعاقدين.

223

تضخّم النقود

ابتدأت إثارة هذا البحث في الديون و المهور مما يتعارف فيها التأخير في الدفع و الأداء فقد يقدّر للمهر بنقد معين يعادل شراء بيت أو ارض و بعد مدّة مديدة حينما يدفع و يستوفى بعد ثلاثين سنة مثلا فلا يشتري به إلا سلعة رخيصة جدا لا تساوي عشر قيمة البيت فهل يكون الزوج ضامنا لهذا الفارق القيمي.

و كذا الحال في الديون الميتة، أي التي طالت مدتها جدا و في تلك المدة الطويلة اختلفت القوة الشرائية بفارق شاسع، فهل يكون المدين ضامنا لهذا الفارق؟ لأنه اجحاف في حق الدائن بل إنّا نرى في يومنا انّ الفارق في قيمة النقد لا يحتاج إلى مرور أعوام، بل من خلال شهور- و ربّما أيّام- نرى فرقا فاحشا فيها. فإن الدولة التي تعطي اعتبار المالية لنقد معين قد تتلاعب كثيرا بقيمة النقد، إمّا باصدار الورق النقدي زيادة على الغطاء المنتوج و الثروة الوطنية أو باغراقها في بحر الديون للدول الأخرى أو غير ذلك من الأسباب و هذه الظاهرة ليست مقتصرة على هذه الزمن، بل كانت منذ قدم القرون الماضية أيضا، حيث كان الملك أو السلطان يعتبر الدراهم أو الدنانير و يجعلها سكّة، فامر اعتبارها أو اسقاطها بيده، لأن ماليتها غير ناشئة من‌

224

المادة فقط، بل لها من جهة ضرب السكّة أيضا. و قد أشير إلى هذه الظاهرة في الروايات حيث كانت عشرة دراهم تقابل دينارا واحدا و بتغيّر الظروف تتغيّر هذه المعادلة فتقابل ثمانية دراهم بدينار واحد انخفاضا في الدينار أو تقابل اثني عشر درهما صعودا في الدينار. بل قد فرض في بعض الروايات مقابلة ثمانية عشر درهم بدينار. و هذا التغيير ليس بيسير خصوصا في المبالغ الضخمة.

هذا و قد ورد في تلك الروايات نفي الضمان في ذلك و حصر ثبوته في ما إذا أسقطت الجهة المصدرة المعتبرة في النقد- الملك أو السلطان- اعتبار النقد بالكلية و هذا بخلاف الاضطراب في قيمة النقد فلا ضمان فيه و إن كان كبيرا حادّا.

و علينا أن ندرس الحالة المالية و الاقتصادية في عهد النصوص كي نتعرض على المطابقة أو المغايرة للوضع المالي و النقدي لهذا اليوم. فعلى الأول تكون دالّة على عدم الضمان في التضخم المالي الذي هو التغير و التزلزل و عدم الثبات في قيمة النقد.

و بعبارة أخرى: لا بدّ من البحث في الصور و التقديرات الموجودة في النصوص الشرعية المنفي فيها الضمان في التضخم المالي. هل هو مطلق التضخم أو ذو الأسباب و العلل الخاصّة؟ و من ثم هل تلك الأسباب و العلل الخاصّة هي نفس الأسباب و علل التضخم الموجود في هذا اليوم؟

و لا بدّ من الالتفات إلى انّ البحث الفقهي في فهم الروايات الواردة‌

225

في أي باب يتوقّف على الماع و امعان النظر في ماهية الموضوع في ذلك الباب أو المسألة و لو بالاطلاع الاجمالي على البحوث التخصصية المرتبطة بذلك الموضوع و ستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللّه تعالى.

أما الأقوال في المسألة، فأهمّها أربعة:

الأول: نفي الضمان مطلقا،

إلا إذا أسقط اعتبارها عن رأس، كما هو مفاد الأخبار الواردة.

الثاني: ثبوت الضمان في الفارق الفاحش

مثل ما حدث لبعض العملات في عصرنا الحاضر، بخلاف الفارق غير الفاحش. و هو نظير ما التزم به في كلماتهم من انّ انسانا لو استقرض مقدارا من الماء في صحراء قفر من شخص فإنه لا تبرأ ذمّته بتسليم الماء في البلاد المعمورة المتبذل فيها الماء بوفرة، لأن مالية الماء في الصحراء أضعاف مالية الماء في البلد و هذا شبه المتّفق عليه في كلمات الفقهاء و هو دالّ اجمالا على لحاظ الصفة المالية في الأسواق.

و أيضا لو استعار شخص سيارة من صاحبها و تلفت بالاصطدام فهو ضامن لقيمة السيارة بتمامها، مع انّ الباقي من هيئة السيارة و أجزائها المكسّرة ذو قيمة مالية قد تعادل سدس القيمة الأصلية، لكن حيث أنها لا تقاس بالقيمة الكاملة الصحيحة فيغرم الضامن مجموع القيمة.

الثالث: ضمان فارق في القيمة إذا كان بسبب ضعف القوة الشرائية

للنقد، دون ما إذا كان الفارق من جهة العرض و الطلب. و هذا قول عدّة‌

226

من الأجلّة ممّن لهم اطلاع بآراء الماليين و النقديين في مجال الاقتصاد. فانّ الرأي المعروف لدى المتخصصين في القضايا البنكية و الاقتصادية هو ذلك و إن لم يدوّن كقانون بين الدول و من المعروف انّ الدولة البريطانية في الحرب العالمية الثانية قد خرجت بديون طائلة تفرّدت بها، إلا انّ تلك الديون كانت بعملتها فقامت باسقاط قيمة عملتها إلى النصف و بذلك اسقطت نصف الديون التي عليها و لم تتملك الدول الدائنة لها بإلزامها بشي‌ء من الناحية القانونية ممّا أوجب مداولة هذه الظاهرة في الوسط التعاملي الدولي فلم يستمر الاستدانة بين الدول بعملة الدولة المستدينة، بل إما بعملة الدولة الدائنة أو بعملة دولة ثالثة أو بمقادير بوحدة للمنابع الطبيعية للدولة المستدينة كالنفط و غيرها.

ثم لا يخفى انّ القوة الشرائية للعملة النقدية انّما هي باعتبار الغطاء للعملة النقدية و هو المنشأ الحقيقي لقيمة العملة و هو شي‌ء يجعل داعما لها و يسمونه رصيدا في البنك المركزي أو في مؤسسة النقد و الخزينة الوطنية. و العرف السائد النقدي بعد الستينات الميلادية صار يتوسّع في الغطاء الداعم من الذهب إلى مختلف المنتجات من المنابع الطبيعية أو الصناعية، بل و غيرها من خدمات الدولة، فكل ثروات الدولة و منابعها و قوتها المالية يكون رصيدا للعملة النقدية و هو الذي يؤثر في القوّة الشرائية كلّما كان الداعم أكثر و اقوى كانت العملة النقدية قوتها في الشراء اكثر، فالمقدار الغطاء الداعم أو اعتبار‌

227

الدولة هو المؤثّر في القوة الشرائية و من ثم كانت طباعة الدولة للعملة النقدية الورقية الزائد على انتاجها موجب لتنزّل القيمة المالية للمال و سقوطه عن درجته للتعادل و قد يصبح للعملة صعود و نزول لا لأجل زيادة كمية في الرصيد، بل لأجل ارتفاع القيمة المالية للصناعات و المنتوجات الوطنية و غيرها، و هذا النزول و الصعود ليس بسبب القوة الشرائية و انّما هو لغلاء نفس السلّاع و رخصه في بعضها و التفكيك بين هاتين الحالتين أمر دقيق و عويص في مقام المحاسبة للتضخّم النقدي و إن كان المتخصصين في أسواق البورسة النقدية و بنوك الاعتماد و غيرها ترصد تغيير القيمة الناجم من كل من الحالتين. فمحصّل القول الثالث التفصيل بين التغير في القيمة الناشئة من القوة الشرائية و بين المسبب من العرض و التلف.

و الرابع: التفصيل بين ما إذا جرى التعاقد على النقد بنحو الموضوعية فلا ضمان و بين ما إذا جرى التعامل عليه كطريق

و مرآة للقيمة و المالية فيكون التضخم المالي مضمونا و هذا هو الغالب في المهور، و قد اختاره الشيخ الأراكي (قدّس سرّه).

و المراد بالطريقية و المرآتية هو جعل النقد مؤشر و علامة لدرجة الوحدة المالية و الصفة القيمية في الأشياء. فاذا كان كذلك فالنقد يكون طريقا للدرجة المالية و في المهور غالبا بنحو الطريقية، كذا الحال في مقدار من النقد مما يمكن به شراء بيت او سيارة مطلوبة و حينئذ فالنقد فيه يكون طريقا الى شراء البيت و نحوه و قيمتهما فلو‌

228

تنزلت قيمة النقد بحيث لا يمكن معه شراء بيت او غيره، فلا بد من الجبران و التدارك. و أما في تقدير الموضوعية فيعتبر النقد بما هو نقد و له موضوعية خاصة حيث ان النقود تختلف قوة حافظيتها بعضها عن بعض، فالقيمة المالية و درجتها في ضمن الدولار- مثلا- أحفظ من القيمة المالية في ضمن الدينار- مثلا- فميزان الحفاظ و الثبات في الصفة المالية مما يرغب إليه و يوجب الموضوعية لنقد خاص، فههنا التفاوت لا يضمن. و لأجل معرفة حقيقة الحال من الضمان و عدمه لا بدّ من معرفة حقيقة موضوع التضخم و هو النقد.

حقيقة النقد:

و انه ما الفرق بين نقدية الذهب و الفضة و بين نقدية الورق؟ و ما هي الصفة النقدية ... و كيفية نشوء هذا النقد الورقي ...؟

عرّفت الصفة المالية تارة بالرغبة و اخرى بمعرف الرغبة اي ما يبذل بإزاء المرغوب عنه و النسبة بين المال و الملك عموم من وجه.

و النقد جعل شيئا وسطيا في الدرجة المالية بين الاشياء كعيار و ميزان، فكأنما تجعل الصفة المالية التي تعرض النقد هي نوع من التوزين و القدر و التقدير للصفة المالية في اشياء اخرى. و ذهب بعض في تعريف النقد الى انه لا يبذل بإزائه المال، بل هو بنفسه المبذول فلا يصدق الصفة المالية على النقد، فالنقد هو عين المالية لا انه شي‌ء تعرض له صفة المالية، هو عين البذل، لانه يبذل بإزائه.

229

و فيه: النقد يبذل بإزائه المال، مع كونه حدا للمالية و وحدة لها و ميزان عند كل البلدان. فانّ الزارع ربما يوجد لديه منتوجات يريد أن يستحصل بها قدرا من النقد ليختزن المالية في الورق النقدي مع وجود الرغبة فيه لاحتمال زيادة القوّة الشرائية فيه دون الأعيان المالية التي بحوزته كما هو الحال قبل ظهور النقد في التعامل البشري فانّهم كانوا يجعلون بعض المنتجات وسيطا تعامليا، فالانتاج الزراعي هاهنا هو الثمن فيبذل في مقابل النقد.

و بعض آخر ذهب إلى أن النقد الحقيقي شي‌ء له المال كالذهب و الفضة و النقد الاعتباري كالورق النقدي هو عين المال و هو أيضا ليس في محله.

ثم انّ هذه الصفة المالية هي مبدأ نشوء النقد الورقي بعد أن كانت في حالتها البدائية تلحظ في النقد السلعي فانتقلت إلى الورق، لانه ربّما لا يرغب الطرفان في سلعة الآخر مضافا الى ان التعاوض بالسلع لا يكون دقيقا ميزانيا فوجدت فكرة النقد المالي المعدني من الذهب و الفضة أو النحاس و منه إلى الورق لدى البشر و بدأت بضرب النحاس الحديدي ثم تطورت الى الذهب و الفضة و يعرف بالسكّة، اي يسكّ و يضرب و يقلب على الذهب و الفضة بمهور معينة. فالصفة المالية العارضة على الأشياء بدأت صفة مستجدة مستقلة في نفس النقد.

و قبل تولّد العملة النقدية و استعمالها كوسيط في المعاملات كان‌

230

الانسان القديم يقضي حوائجه من خلال معاملات كان التداول بها بين جنسين، فتلك المعاملات كانت تجري غالبا في الاقتصاد البسيط كمعاملات افراد قرية واحدة او قريتين قريبتين فكانوا يتعاوضون و يتبادلون ما يحتاجون مقابل حاجات الطرف الاخر، و ذاك النظام التعاملي يجري الآن في جملة من المعاملات الدولية لا سيّما بين البلدان التي تكون العملة النقدية الاجنبية فيها محظورة ورودا و خروجا أو التي لا تريد تقوية وساطة النقد الأجنبي و نحو ذلك.

و حيث ان تلك المبادلات في العهد القديم كانت تصاحب مشاكل و معايب عديدة كعدم وجود معيار للموازنة بين الجنسين و عدم امكان المبادلات الوسيعة و غيرهما فلم يبق هذا النظام في الانظمة التجارية و لم يروه نظاما حسنا و مناسبا للتعامل، فحلّوا مكانه نظاما آخر و هو استخدام بعض الاجناس المطلوبة كوسيط و معيار في المعاملات و تختلف باختلاف الأمصار، ففي ايران كانت الغلات مطلوبة و في روسيا الجلود و هكذا فمن تلك الاشياء الوسيطة في مرّ الأعصار في الامصار المختلفة الشاة و الفرس و العبد و الرز و الشاي و التنباك و النفط و الصدف و الحجر و الحديد و غير ذلك.

و الخاصية المشتركة لهذه الأشياء كسلع نقدية هي المقبولية العامة. و ذاك النظام أيضا انقرض سريعا لأن بعض تلك الأشياء كانت تفسد في قليل من الايام و تهدر، فكان يسقط عن الواسطية فابدلوه بنظام اخر و ذلك باستخدام الفلزات خصوصا الذهب و الفضة فانهما‌

231

واجدان للرغبة و للمقبولية العامة في البلدان، لأن لهما قيمة ذاتية و قابلية كثيرة للانعطاف و قبولا للقوالب المختلفة و امكان الحكّ و السكّ عليهما و عدم فسادهما بتطاول المدة، و التحقيقات التأريخية تفيد أن قبل ميلاد المسيح بقرون كانوا يتعاملون بالنقود الذهبية.

و من اثرات هذا النظام في الاقتصاد هو انفكاك التوليد عن المصرف و امكان ادّخار النقود و غيرهما، و مع ذلك خلقت و أوجدت مشاكل جديدة، كامكان الغش فيه و كثرة اختلاف النقود اعتبارا، لاختلاف المدائن و اختلاف الضروب و صعوبة حملها و انحفاظها اذا كانت كثيرة، فخلقت النقود الورقية و تلك الاوراق بادئ بدء صدرت من التجار و الصرافين بعنوان الحوالة ثم شاعت اوراق التجار المعروفين في المناطق و المدائن المختلفة، فصار مبدأ لايجاد البنوك الأولية، ففي الحقيقة البنوك الابتدائية كانت مصارف معروفة بالحسن و الاعتبار، و في تلك المصارف الابتدائية شوهد انّ مراجعات افراد المجتمع ليست في زمان واحد لتبديل الحوالة بالسكوك الذهبية فيبقى دائما مقدار من النقود الذهبية في الخزانة راكدا و مجمدا، فاصدروا بمقدار تلك النقود اوراق جديدة معتبرة و اقرضوه للمقترضين و يكون غطاؤها تلك النقود الراكدة و كان ذلك سبب خلق النقود الورقية البنكية الرائجة و أول من اقدم على نشر تلك الاوراق في الغرب هو پالمسترخ، مؤسس بنك استكهلم في سنة 1650 م.

صفات النقد:

232

الصفة الأولى: انه تمثيل و تجسيد للمالية الموجودة في الاشياء

مع أنه نفسه أيضا في النقود الذهبية و الفضية مال، و لكنه تجسم للصفة المالية في الاشياء أيضا، كالأوزان الصرفية في علم الصرف و الاشتقاق في اللغة (- فعل، يفعل و هكذا) فانها مادة أيضا و لكنها ممثلة لكل المواد كذلك في الهيئة و الصيغة.

الصفة الثانية: انّه يعيّن و يحدّد و يصيّر الدرجة المالية

و هذه الموازنة الموجودة في النقد ملازمة للصفة الثالثة و هي الواسطية.

الصفة الثالثة: انّه وسيط في المبادلات المعاملية،

و النقود الذهبية و الفضية لهما ماليتان مالية بلحاظ نفس المادة و مالية بلحاظ نفس الهيئة و بلحاظ انهما مسكوك، فالمالية فيهما متولّدة من مجموع الماليتين بخلاف النحاس فانّ ماليته بلحاظ الهيئة فقط و لا يعتد بمالية مادته لضالتها، و من ثم السكة الذهبية لا تقابل بمثلها ذهبا من حيث المقدار، فان للهيئة المضروبة قسطا من المالية، فانّ مالية السكة و المسكوك ليست وليدة المادة فقط بل لأن في المسكوك وثوقا بالمعيار الذهبي الموجود فيه و خدمة الوساطة التعاملية المتوفرة فيه بذلك. و الورق النقدي في بدايته كان بمنزلة الحوالة، و كان التجّار المعروفون يصدرون ورقة مع امضائهم بدل ان يعطوا المال او الذهب، و من يحوز هذه الورقة يحق له أن يذهب الى التاجر و يأخذ منه المال او الدراهم و الدنانير فهذه الورقة كانت حوالة و وثيقة، غاية الامر التبادل يجري بما في ذمّة ذي الحوالة اي التاجر المصدر للورقة،

233

فالمالية ليست للورقة بل لما في ذمّته و لمّا نشأت الدول في الصورة الحديثة، بدأ ضرب الورق النقدي بحيث تكون الجهة المصدرة للنقد الورقي هي الدولة و كان رصيده و غطاؤه الذهب و الفضة و بعد ذلك اصطلحوا على جعل الغطاء مطلق الثروات و الانتاجات الوطنية، سواء كانت من المعادن أم النفط أم الخدمات كالخدمات السياحية أو الجمركية أو الملاحية و غيرها، فهي مجموعة تكون داعما لنقد الدولة.

و يذهب علماء النقد إلى انّ هذا النقد الورقي مال و ليس وثيقة، و لكنه مال بين الناس بعضهم مع بعض و امّا بين الدول فهو وثيقة الدين.

و ما قيل: من انّ النقد لا يعتبر وثيقة للدين في أية تقدير و انّما يمكّن الواجد له على امتلاك ثروات تلك الدولة المصدرة له و يستشهد لذلك بانّ التضخم الحاصل في النقد الورقي، لا يكون مضمونا و لا تطالب الدولة الواجدة لعملة دولة اخرى بضمانه بشي‌ء معيّن في ذمّتها مع انّه لو كان وثيقة الدين فلا بد ان لا يكون فيه اضطراب و تغيّر نظير الصكوك (الشيكات) فإن اعتباره يغاير اعتبار الدين الذي يوثق به.

فنفس التغير و التبدل في العملة دال على انّ العملة و النقد الورقي ليس وثيقة على الدين، لأن المفروض انّ الدين لا يتغير بتغير الوثيقة.

مدفوع أولا: بانّ من لوازم كون النقد الورقي وثيقة على الدين ثبوت حق المطالبة لحامل الوثيقة من المصدر و يأخذ منه دينه، بخلاف ما اذا كان بنفسه مالا فإن إعطائه الى الطرف المقابل المصدر لا يلزمه‌

234

بأخذه و أداء ما بإزائه. و الحال انّ الواقع الخارجي هو التقدير الأول في النقد الورقي فإنه اذا اعطت دولة مقاديرا من العملة الى الدولة المصدرة للنقد الورقي الخاص فتكون (- الدولة المصدرة) ملزمة بالاعطاء من الانتاج الوطني كالنفط او بما ترضى به الدولة الأولى من عملة صعبة كالدولار و هذا شاهد على انّ النقود الورقية دوليا تحسب كوثيقة على المال.

ثانيا: انّ الدولة المصدرة للورق النقدي اذا اسقطت اعتباره تكون ضامنة لماليته و ليس ذلك من باب الاتلاف، لأنه لم تتلف النقود بعد و ليس ذلك الا من باب انه يعتبر كوثيقة في الذمّة، فتأمّل.

و ثالثا: قد ذكرنا انّ النقد قوّته الشرائية و قيمته المالية خاضعة و مرتبطة بما يجعل رصيدا و داعما و غطاء له، فقيمة الرصيد هي التي تؤثر في قيمة النقد الورقي، فاذا هبطت هبطت قيمة النقد و بالعكس، فحينئذ فالوثيقة ثابتة و هي الورق النقدي و المتغير هو قيمة الرصيد و الغطاء و هذا لا ينافي كون الورق النقدي وثيقة.

فالتغيّر تارة هو في مالية الورقة النقدية مما يدلل على انّ الصفة المالية هي للورقة النقدية بقول مطلق و اخرى التغيّر في الواقع ليس لها و انّما لتزلزل القيمة المالية للغطاء و الرصيد، فهذا لا ينافي كون الورقة النقدية وثيقة و انّما المالية المتغيرة هي لجهة الداعم، نعم هناك حالات فرضية و مفتعلة في الاوضاع المالية فالتغيير في الورق النقدي مسبب عن ممارسة نفس الدول المصدرة عمليات خاصة‌

235

لذلك، فهي حالات على خلاف الطبيعة الأولوية للنقد لأن النقد جعل وسيطا في المبادلات و اذا ابتلى بهذه الحالات تصير وساطته فاشلة، فالمالية المتغيرة للغطاء هي في الحالات السليمة لا مالية الورقة، و امّا الحالات السقيمة فهي حالات غير قانونية، و الدولة نفسها تنزّل او تصعّد في القوّة الشرائية للنقد. فالوحدة القانونية من الورق النقدي التي تقابل بكذا مقدار من المنتوج الوطني، هو المقرر المعيّن في الحالات السليمة و وساطة النقد تكون في هذا المجال، و من ثم بحث في العدالة المالية ان الميزان العادل في الورق النقدي ما هو؟ و كيف ينشأ التضخم في السيولة و هلم جرا؟ و انّه اذا سحبت السيولة من السوق فتزداد القيمة المالية للنقد و اذا طبعت مقادير أكثر فأكثر من الورق النقدي فتتنزل و هذه الحالات لا ربط لها بتغير الغطاء بل مرهونة لسياسات الدول المالية و مرهونة بالحوادث العالمية كالحرب و السلم و نحوه.

و هناك نمط ثالث في تغيير العملة تقوم به الدولة المصدرة بجعل الفئة الواحدة مقابل وحدتين أو نصف الوحدة من الفئة الانتاجية الوطنية، فتزداد او تنقص القيمة النقدية و هو تغيير في اعتبار مالية النقد، و في تلك الحال فهل يكون النقصان في مالية النقد بين الدول مضمونا و ان هذا لا يخل بوثيقة الدين لانّ الدولة الواجدة لعملة دولة اخرى من حقها ان تطالب بالانتاج الوطني على قدر الوحدات السابقة، فلو تنزلت القيمة النقدية فقيمة الدين لا تتنزل لأن الدولة الثانية تطالب‌

236

من الدولة المصدرة بمقدار من الانتاج الوطني الداعم للورق النقدي بحسب القرار الأول القانوني فلن يكن هناك تنزل بالنسبة إليها كما هو الحال في ثبات القرار الأول و ان ازدادت السيولة فإنّ ازدياد السيولة و إن أوجب نقص القوّة الشرائية للنقد و بالتالي نقصان مالية النقد في مقابل السلع و الأعيان المالية إلا انّ ذلك يوجب حدوث قيمتين ماليتين للنقد أحدها بحسب الاعتبار و القرار المقابلي عند الدولة بين فئة النقد و وحدته مع فئة و وحدة الثروة الوطنية العامة المنتجة و ثانيها بحسب السوق الحرّة بسبب ضعف القوّة الشرائية إلا انّ التعامل النقدي بين الدول يظل ثابتا بثبات الاعتبار و القرار الأول، أم انّ الصحيح هو التفصيل بين التغير الثاني و الثالث، فمع تبديل قرار الاعتبار لا تستطيع الدولة القابضة ان تلزمها قانونيا كما مرّ في قضية بريطانيا في الحرب العالمية.

ثم انه قد ذكر شاهدا اخر على ان الورق النقدي مال مطلقا و هو انّ تلف الوثيقة لا يتلف الدين لا في القانون الشرعي و لا الوضعي، بينما تلف العملة النقدية يعتبر كتلف المال سواء بين الدول أو بين الناس، فيدل على انه ليس من قبيل الحوالة و قرّبوا هذا الوجه في الصك أيضا و قالوا ليس هو وثيقة على الدين بل مال بنفسه و اذا تلف يتلف المال.

و لكن هذه التعدية إلى الصك غفلة حيث نرى بوضوح ان الصك اذا تلف لا يتلف الدين و أما في الصك المفتوح فحيث ان الشخص الواجد له سوف يأخذ من المخزون في الحساب المالي من موقع الصك‌

237

فيكون إتلافا لمقدار ذلك المال، و خسارة في مال الموقّع للصك المديون، فيضمنه الدائن و يحصل التهاتر. و امّا لو كان الصك باسم خاص فضياعه لا يكون تلفا للدين.

فتحصّل انّ الورقة النقدية مال اضافي لا مال بقول مطلق يعني انه في نهاية المطاف هو وثيقة دين على ذمّة الدولة من جهة و هو مال في التداول بين الناس من جهة أخرى. مضافا الى انّ هناك شواهد أخرى لوثيقة النقد كمن تلف بحوزته الورق النقدي او استطاع ان يثبت لدى الجهة المصدرة انه تلف و أعلمهم بالرقم المسلسل المكتوب على العملة، فحينئذ تلزم الدولة بالمعاوضة، و لو كان مالا بقول مطلق فكيف تلزم الدولة بالتعويض في الصورة المزبورة، مع انه لا مانع في الحوالة أن يشترط فيها انه اذا ضاعت وثيقتها تبرأ ذمّة المدين او اذا حصل كذا تبرأ جزء من ذمّة المدين، لما لهذه الحوالة و السند من فوائد اعتبارية اخرى مالية، فلا مانع من ذلك و هذا هو المتبع في بدء نشوء الحوالة لدى التجار لدفع خسارات السرقة و الوضع.

حقيقة واسطية النقد بين الأشياء

انّ الصفة النقدية الاعتبارية تكون في ذمة الجهة المعتبرة لها كما هو الحال في السيولة الورقية و من هذه الجهة تعتبر دين على ذمّة المصدّر، و اما صفة واسطيتها في المعاملات فتبيانه ان في البدء احتيج في المعاملات الى التبادل بين الاعواض و قد لا يحتاج احدهما‌

238

الى عوض الآخر، بل الى جعل اعواض معينة ثابتة لأجل المعاوضة، فأحد الطرفين رغبته الى الصفة المالية، لا الشي‌ء الموصوف بالمال، فتولدت الحاجة الى معيار و حدّ وسطي في المبادلات يكون معيارا بين السلع المختلفة أيضا، و النقد وظيفته الميزان بين ماليات الاعواض، و تعيير الصفة المالية في الجميع لما فيه من الانضباط في الدرجة المالية و لما فيه من سهولة النقل في السفر و وجدانه في جميع البلدان، و أخيرا انتقل الى الذمم الممثلة في الكارت الاعتباري و هو وجود تنزيلي آخر للنقد، فمقدار النقد الذي في ذمّة البنك لصاحب الحساب يتم ترامي التعامل به كثيرا، فتجعل ذمّة البنوك هي النقد المتحرك في المعاملات، فصارت السيولة غير منحصرة في الصكوك و لا الورق النقدي بل توسّع الى الذمم أيضا، فسهولة التناول من خواص النقد و لذا توسعت الى الذمم لأجل هذه النقطة مضافا الى ان للورق النقدي خصيصة ثالثة و هي ان الانسان يختزن فيه اشياء كثيرة بدل ان يختزن نفس تلك الأشياء المعرضة للتلف و الضياع و نحوه.

ثم ان القانون الوضعي للنقد يجعل ضابطة للرصيد هي ان كل فئة من الورق النقدي تقابل فئة من وحدة الانتاج الوطني.

فالوحدة من الفئة النقدية تحاذي مقدارا من النفط مثلا، فإذا قوبل بوحدة من وحدات الرصيد المالية تحاذي مالية تلك الفئة وحدة من الانتاج الوطني الذي هو الرصيد فتضبط الفئة النقدية فلا تستطيع ان‌

239

تلزم الدولة الاخرى باغلى من ما قدرت و لا دون ما قدرت، و هذا هو القرار الأولي في مالية النقود. فبدل ما كان في البدايات بعض الاعواض تتخذ حالة النقود مثل الشاي الذي له حالة النقدية في بعض البلاد، استبدل بالورق النقدي بداعمية الرصيد و الانتاج الوطني و جعل وسيطا في المعاملات، و مالية الرصيد جعلت عيارا في مالية الاعواض المعادلية. و مع صعود و نزول الانتاج الوطني يتغير و يتبدل أيضا الورق النقدي من حيث القيمة و المالية، هذا هو الطبع الأولي في النقود، أمّا اذا زادت الدولة طبع الورق النقدي فهو نوع من المخالفة للقرار الأولي لأن الفرض كذا مقدار من السيولة يحاذي كذا مقدار من الانتاج و مع زيادة السيولة يكون هناك اختلال في المحاذاة، فتحاذي نفس وحدة المقدار من الانتاج الوطني فئتين من وحدة النقد الورقي- مثلا- و اذا انقصت السيولة فيحاذي نفس المقدار من الانتاج الوطني نصف الفئة من النقد الورقي- مثلا- و الصورة الأولى هي في الحقيقة سرقة من أصحاب الأموال، فالتضخّم اذا كان بفعل الدولة فهي ضامنة على حسب القواعد. فبيت القصيد في واسطية النقد ان النقد الورقي يكون وسيطا حقيقيا اذا عادل بين مالية الانتاج الوطني و مالية السلع الاخرى و أمّا اذا لم يعادل فوسطيته خاطئة و لا يعتدّ بها، لأنها حينئذ على خلاف ما قرر وضعه أولا و خلاف مهمة النقد و وظيفته.

فالوسطية تكون بمعنيين، المعنى الأول كونه مرآة لمالية الرصيد الوطني مع أموال و اعواض اخرى و المعنى الثاني كون مالية الغطاء‌

240

الوطني عيار لمالية الاعواض الأخرى في المقابلة بينها.

و بكلا المعنيين يتضمّن نوع توزين و عدالة مالية في الماليات، و وضع النقد لأجل ذلك، فلا محلّ للترديد في ان النقد هل هو مثلي او قيمي؟ لانه بلحاظ الصفة المالية يكون متمحضا في الوسطية. و لبيان الوحدة المقدارية في صفة المالية فهو مال محض في لون المالية من دون أن يمثل ذات جوهرية معينة و قد أخذ ذلك في وجوده الاعتباري في التعهد و الوضع الأول فالوسطية لا يرفع اليد عنها و الّا فليس هو ميزانا عادلا. و أما الغطاء الذي يحاذي الورق النقدي هل هو مثلي او قيمي؟ فهذا بحث اخر و له تأثير في النقد، و الّا فالنقد في نفسه يعتبر ميزانا لماليات الأشياء كلها، و اما بلحاظ دعمه و رصيده فقد يتصف بالمثلي او القيمي، و عدم الثبات في مالية الرصيد لا يخلّ بوسطية النقد. و بما أنّ كل فئة واحدة من الورق النقدي تقابل فئة واحدة من النفط و يقع التضخم بلحاظ مالية الانتاج الوطني يمكن القول بمثلية النقد كما انّ تصاعد مالية الانتاج الوطني و تنزلها لا يوجب الإخلال بوسطية النقد.

ثم إن فرض و صورة ما قاله الشيخ الاراكي (قدّس سرّه) خارجة عن موارد التعامل الدارج الرائج.

ثم انّه اذا اوقع التضخم فتارة بسبب الدولة و أخرى بسبب اخر كالتأخير يعني بسبب المدين و ثالثة بسبب امر فجائي غير المدين.

فإن كان بسبب تأخير الاداء من المديون، فاللازم فيه الضمان‌

241

لا سيّما اذا كان الفارق المالي بقدر كبير فاحش، و المعروف في الكلمات ان الضامن في غير الغاصب لا يضمن النقص في الاوصاف الاعتبارية و لا في الدرجة المالية و لو كان بسببه، و هذا على خلاف العرف المالي العقلائي السائد و هو محل تأمل لأن الموضوعات في الأحكام الشرعية هي بحسب وجوداتها العرفية ما لم يرد تعبد بخلافه، و حيث ان موضوع الضمان هو اداء العين و المفروض هاهنا ان اعطاء الفئة النقدية مع التضخم الفاحش لا يكون أداء، فدعوى انه غير ضامن محل منع.

و ما قيل انّ المال في الاقتصاد غير المال في النقد في البحث الفقهي فهو غريب فان المحمولات الفقهية اذا كانت موضوعاتها خاصة فيجب تحليل ذلك الموضوع من العلم التخصصي الباحث حوله و ملاحظة ان الشارع هل اخذ الموضوع بحدوده الواقعية او غير ذلك و هذا بحث اخر لكن بادئ ذي بدء لا بدّ من التفحص التخصصي في الموضوع.

و بعبارة أخرى انّ مراحل استنباط الحكم الشرعي الأولي- كما هو مقرر في علم الأصول- هو البحث أولا عن الحقيقة اللغوية و هي الرابطة بين اللفظ و مجمل المعنى و هو ما الشارحة.

ثم عن الحقيقة العقلية ثانيا نظير بحث الصحيح و الأعم و هاهنا يأتي دور العلوم التخصصية الباحثة في موضوعات الأبواب الفقهية.

و ثالثا البحث عن الحقيقة الشرعية فيما لو كان للشارع معنى‌

242

مستحدث للفظة.

و رابعا البحث عن المعنى المستعمل في الألفاظ الواردة في الأدلّة بحسب القرائن الخاصة فقد يرفع اليد عن كل ما سبق بتوسط القرائن الخاصة هذا فضلا عن ما لو كان في الأدلّة عنوانا لفظيا آخر عن موضوع الحكم مما يوجب عدم حصر البحث حول اللفظ الأول، و لا بدّ من التنبّه إلى انّ في البحث الثاني من الرجوع إلى المتخصّصين في الموضوع، المراد الرجوع إلى أهل الخبرة الكاملين في ذلك التخصص من ذوي الدرجة العالية لا المراهقين في المستوى العلمي. نعم قد يحدث بين المتخصصين اختلاف في تشخيص الموضوع و هذا بخلاف ما إذا اتّفقوا على تحليل ظاهرة معينة فيؤخذ بكلامهم الا اذا تيقن خطأهم و هو من باب الرجوع الى اهل الخبرة و كثير من الباحثين في هذا الموضوع استشهدوا بموارد جزئية و الحال ان الموضوع اخذ بعدا معقدا و انتشر في حياة المجتمع بشكل عريق و لا يمكن البحث عنه بمجمل العرفيات.

ثم ان في التضخم اربع ظواهر و حالات:

الظاهرة الأولى: ان تقوم نفس الدولة بطبع اوراق اكثر من المقرر- خلاف القرار الأولي- و هذا يسبب هبوط قيمة العملة لأن الانتاج الوطني- الذي هو غطاء النقد- محدود بينما العملة ازدادت كمية عددها فيختل التعادل بينهما.

الثانية: ان يتصاعد نفس المال أو يتنازل نتيجة كثرة الطلب على‌

243

النقد أو لصفة الثبات في قيمته أو غير ذلك من الأسباب، و هذا ليس خلاف القرار فلا تكون الدولة ضامنة.

الثالثة: أن يقل الانتاج فهذا خلاف القرار الأولي فهي ضامنة.

الرابعة: زيادة قيمة المنتوج الوطني فهي ضرر عليها لا على الواجد للنقد و ليس خلاف قرارها الأول على نفسها، فهي منفعة للغير.

ثم يقع الحديث في الصفة الأخرى في النقد و هي اختلاف حافظية أنواع النقد للقيمة المالية و عليه فإن تنزل الورق النقدي و تصاعده ما دام المتعامل غافلا عن هذه الصفة في النقد و هي قوة حافظيته للقيمة المالية و ثباتها فيكون تحمل التضخم بسبب نفسه لا من المديون، اذ يجب على الدائن أن يدين المدين بشي‌ء و نقد يحفظ المالية، ففى مورد الزواج مثلا يلاحظ ان اولياء البنت إذا كانوا حذاقا في الأمور المالية يشترطون في المهر الارض او الذهب لا الورق النقدي، حيث ان الفطن في المعاملة يقرر عوضه في شي‌ء احفظ للمالية و ابقى للصفة المالية على درجتها او يوجب نموّ الصفة المالية لا العكس.

فهذه الصورة من التضخم لا يتحمل مسئوليتها المدين، حيث يمكن للدائن ان يتبادل بالدولار بدل ان يتبادل بالدينار مثلا- الذي ليس له ثبات- اذ العلاقة بين ذوات الأشياء و الصفة المالية هو انّ الذوات حافظة للصفة المالية بلحاظ منافعها، ان زادت المنفعة تزداد الصفة المالية فيها و كذا بالعكس، فيجب ان يتحرى المتعاقد في اي‌

244

عقد فرض، شيئا يحفظ الصفة المالية بنحو الثبات او على التزايد و لكن هذه الصفة يمكن مراعاتها فيما اذا كان الثبات و عدم الثبات مشخص لدى نوع التعامل في ذلك الظرف لا ما كان خارجا من الحسبان عند الكل، فيعزى الى القضاء و القدر فلا يمكن الاخذ به مطلقا، و الحافظ للصفة المالية ليس هو النقد، بل هو مالية الشي‌ء الداعم، فاذا جعل العوض نقدا معينا فقد جعل العوض المالية في الغطاء و الداعم.

و لا ينقض- على حيثية الوثيقة في الورق النقدي بأن لازم ذلك جواز دفع عملة مكان اخرى في مقام الوفاء و استبدال ورق بورق آخر كالدينار بالدولار و الحال انه ليس كذلك، فيتضح ان النقد مال بنفسه- لأن هذا لا ينافي وسطيته و عدم كونه مالا فانه مال بالذات بين الناس و وثيقة بين الدول. ان الذي يأخذ الفئة الخاصة من الدولار، يلزم حفظ مالية ماله في ضمن غطاء خاص اقوى و أشد ثباتا من غطاء الورق النقدي الاخر فلا يمكن الالزام في مقام الوفاء بالاستبدال لأنه فرق كبير بين الغطاءين.

ثم يقع الكلام في كون مالية الاشياء بلحاظ المنافع، و ان المال و هو صفة للعين لها حيثية تعليلية و هي المنافع، لكنها ليست حيثية تقييدية، و من ثم المالية تقابل العين، لا في قبال المنافع، و إن كانت المنافع حيثية تعليلية لا تصاف العين بالمالية مع انهم يقررون في الحيثية التعليلية للوصف أن له قسطا من الثمن و لا يراد منه ان‌

245

الاوصاف تقابل المالية بل العين انما تقابل المالية و كذلك يقررون أن المنافع لها قسط من الثمن، و هناك حالة ملحوظة في الاعيان، فان بازدياد المنافع تزداد المالية و بنقصها تنقص المالية فهناك ترابط بين درجات الصفة المالية و درجات المنفعة الملحوظة.

و هذا هو تفسير الفتوى بأنه إذا استقرض الثلج في الصيف أو الماء في البرية و اتاه به في الشتاء أو في العمران فهو ضامن لقيمته لا عينه، و كذلك الماء في الصحراء و البلد، لان منافعه اما تنعدم او تقل بدرجة كبيرة و كذا ما يقال اذا تلفت سيارة مستأجرة فاصبحت سيارة مستهلكة للغاية أو من الحديد المهمل فهو ضامن للقيمة مع ان للمكسورات الباقية مالية.

هذه الظاهرة العرفية من تناسب القيمة المالية للعين مع المنافع الموجودة لها فكلما قلّت المنافع قلّت قيمة العين بنحو العلاقة الطردية و إن كانت المنافع حيثية تعليلية لاتّصاف العين بالقيمة المالية فالتلف من المنافع يقلل القيمة المالية، فالمالية علاقتها مع العين ليست بالتقابل الا اذا افرضت المنفعة في عقد اجاري و الّا المالية دائما هي في مقابل العين لا المنافع و الاوصاف و لكن في الأوصاف و المنافع علاقة طرية كحيثية تعليلية متناسبة تماما بالدقة مع درجة المالية.

نعم بالنسبة إلى بعض الأوصاف كالهيئة فقد أصرّ العلّامة السمناني على انّ مالك الهيئة يكون شريكا لمالك المادة و العرف القضائي الوضعي في هذا اليوم يقرر ذلك و هو متين في الجملة‌

246

و المعروف في الكلمات ان الهيئة لا تقابل بالمالية قد يكون ذلك تاما بحسب البيئة و الحياة الاقتصادية القديمة و لكن الآن تقابل بالمالية بلا ريب، فاذا كانت بعض الأوصاف تقابل بالمالية فكيف لا تكون جملة الأوصاف تؤثر في المالية و لو بنحو الحيثية التعليلية كما هو الحال في المنافع. ثم انّ هناك مقولة أخرى في عالم المال و هي انّ المال و المالية اللذين في الأعيان عمل مكتنز، أي انّ العمل المبذول في عين ما لا يذهب سدى و انّما يظهر أثره في درجه المالية لتلك العين كذلك الحال في المنافع فإن المالية المكتنزة في العين هي بلحاظ المنافع و درجتها متناسبة مع درجة المالية.

فالمحصل انّ هناك علاقة طردية بين الأوصاف و المنافع مع درجة المالية للعين فمن ثم اتلاف الوصف أو المنفعة يوجب تلف في قيمة العين، هذا إلا انّ ظاهر المشهور انّ الغاصب يؤخذ بأشد الأحوال كضمان تنزل القيمة المالية دون غيره من افراد الضمان، مع أنهم يذهبون إلى الضمان عند كون الفارق في تنزل القيمة فاحشا كما في مثال الماء و الثلج و السيارة.

و على ضوء ما تقدم يتضح أن مقولة المثلي و القيمي ليس المدار فيها على مثلية المثلي او قيمية القيمي. فلا يظن ان الظواهر المالية تبقى على حالها في كل الازمنة إذ تتغير أحكامها. فالمعروف ان المثلي يضمن بالمثل لانه اكثر تحفظا على ضمان الشي‌ء من القيمة لان أداء العين له مراتب:

247

الأولى- أداءها بشخصها.

الثانية- أداءها بصفاتها النوعية و ان لم يحفظ شخصها.

الثالثة- أداءها بقيمتها المالية و هو حفظ للعين في صفة واحدة و هي المالية.

ففي العين جهات: الصفة المالية و الصفات النوعية و الشخصية و هي اكثر تحفظا على المالية إلا أننا الآن نرى في بعض الموارد انعكس الامر فليست المثلية اكثر تحفظا على العين من القيمة كما في النقد الحالي الموجود حيث تحفظ الصفة المالية بنحو أكثر ثباتا من حفظها في ضمن الصفات النوعية في المثل.

و المحصل انه فيما اذا كان الورق النقدي لاقى تضخما فتارة هو بسبب الدولة و تارة ليس بسببها، فالورق على حاله الأولي و انما نفس مالية الشي‌ء الداعم تغيرت لاختلاف الرغبة بحسب تطاول المدة و تغيرات البيئات المختلفة المالية و الاقتصادية، فيقل الطلب له، فالفارق في القيمة بسبب تقصير المدين و تأخيره. و تارة لا بالتأخير و لا بسبب الدولة و انما بسبب العرض و الطلب في السوق في الظرف الزمني الواحد، ففيه ثلاثة حالات:

اما في الحالة الأولى: التي هي بسبب الدولة فهل يكون المديون ضامنا للدائن او لا؟ و مورد البحث هو فيما اذا لم يكن هناك شرط ضمني على التقدير بقدر مالي معيّن و لم يكن التعاوض بقدر مالي كواسطة للشي‌ء الاخر الذي هو قول و فرض الشيخ الاراكي.

248

ثم ان النقد سواء عدّ مثليا او قيميا فهو يعبر عن مالية الغطاء و هو في نفسه مثلي الا انه نرى في الحياة المعاشة ان القيمة قد تكون احفظ للشي‌ء من جهة المثلية، فمن ثم لا يجب ضمان المثلي بالمثل دائما.

و أما الحالة الثانية فالصحيح هو الضمان في القسم الثاني لأن الصفة المالية وليدة صفات العين فكما يقرر الضمان بلحاظ صفات الشي‌ء المغصوب للغاصب و كما في العين التالفة بلحاظ غالب منافعها، تالفة درجة من المالية، و قد افتوا بالضمان كما في الماء لدى البحر و في الصحراء، فكذلك يقرر الضمان في المقام كما تقدم تفصيله.

و اما وجه قولهم بالضمان في المثلي بالمثل فباعتبار انه احفظ للشي‌ء من القيمة و من شي‌ء آخر مغاير و من ثم قد يصوّر في ضمان المثلي بالقيمة، ففي النقد المثل فيه هو النقد من نفس العملة اتّحدت الفئة أم اختلفت بعد كون المجموع متحد- إلا في بعض الموارد- و الفئة الجديدة منها ليست احفظ لها من باقي الأشياء. بل لا بدّ في حفظها و ثباتها ان تضمن ماليتها في ضمن شي‌ء آخر ثابت المالية حتى لا يتلف شي‌ء منها.

و المالية هي صفة ممثلة للصفات و المفروض انه هناك ضمان للصفات فهناك ضمان للمالية. و ما ذكرنا من الامثلة في فتاوى المشهور هي الشاهد على الضمان في هذا القسم و تبيانها بنفس النكتة التي ذكرناها.

249

اشكالات و تقريبات

ثم لا بدّ من بيان الاشكالات الواردة في المقام و الجواب عنها:

الأول: المفروض ان المثلي يحفظ بالقيمة

و لكن القيمة النقدية أيضا معرضة للتغير و الفارق المالي فهي بنفسها بعد ما كانت ملجأ صارت موجبة للاضطراب بعدم الثبات.

و فيه: ان الصفة المالية ليست هي عين ذوات الأشياء و انما هي صفة تعرض على السلع و لها تقدير و تواجد حقيقي سواء كان نقد في البين في الاجتماع البشري أم لم يكن. فالصفة المالية لها وجود و تقديرها أيضا له وجود، فلذا ذكرنا ان النقد ليس الا عيارا و ميزانا لتلك الصفة، لا انه عين تلك الصفة و لذا لو فرضنا ان كل النقود كانت معرضة للتغير و عدم الثبات، فلا يعني ذلك ان القيمة و التقدير المالي و وحداته ليست لها ثبات و لا أن ذلك يستلزم عدم تعين وحدة القدر في المالية في نفس الأمر. كما هو الحال لو لم يكن هناك وحدة قياسية للمساحة لا يعني ذلك ان المساحة ليست بموجودة او ليس لها تقدير في متن الواقع، بل هي في متن الواقع ليست شيئا مبهما، بل لها تعيّن و تقدير في متن الواقع، و المالية أيضا هكذا.

فالقيمة المالية التي تعرض على الاشياء، لها وجود واقعي و ليست رهينة بالنقود و لذلك عند اضطراب قيمية النقود تبقى الصفة المالية ذات ثبات و تقدير واقعي و هذا كاشف عن ان النقد ليس بميزان للصفة المالية بنحو مطلق حتى لو قلنا بان النقود عين المالية لكنه لا يستلزم‌

250

وحدته مع المالية التي في الاشياء الاخرى، و انما النقد ميزان و عيار لمالية تلك الأشياء، فالمالية وليدة الصفات طردا و عكسا لا وليدة النقد.

فالضمان للمالية في الحقيقة ضمان لتلك الصفات التي تمثلها الصفة المالية و الصفة المالية نفسها مضمونة، فان المال صفة وليدة للصفات الاخر و درجتها معلولة طردا و عكسا لدرجة الصفات الموجودة في العين و الصفة المالية لها وجود كبقية صفات العين- و إن كانت اعتبارية- مثل ان العين لها لون معين، فهي ليست مرتبطة بالنقد لما تقدم من حقيقة الصفة المالية انها وليدة الرغبة و الميل للشي‌ء و هذه الرغبة من جهة الصدور صفة قائمة بنفوس العرف العام و من جهة التعلّق و الاضافة صفة قائمة بالعين و الشي‌ء المرغوب فيه، و الرغبة عبارة عن الميل الحادث عند العقلاء و يسمى الصفة المالية، فهذا الميلان له تواجد حقيقي عند العقلاء و هو الصفة المالية نفسها.

الثاني: يفرق الفقهاء بين باب الضمان في الغصب و باب الضمان في غير الغصب

كالاتلاف لا عن عمد و أن باب الضمانات غير الغرامات الجنائية، حيث يؤخذ الغاصب بأشد الأحوال و اما في باب الضمان الغرامي غير الغصب لا يؤخذ المتلف باشق الأحوال و انما يؤخذ بقيمة يوم الاداء او يوم التلف حسب اختلاف القولان ثمة.

و الضمان في المعاوضات ليس مداره على الاداء أو التلف بل‌

251

المدار فيه على ما تعاقدا عليه. و الغالب فيها بلحاظ القيمة حين التعاقد كما انّ المفروض في الاعواض في المعاوضات أنها بنفسها تجعل حافظة للدرجة المالية، لا انّ التعاوض يجري على الصفة المالية كما هو فرض الشيخ الاراكي (قدّس سرّه) المتقدم، بل يجري على الشي‌ء ذي الصفة المالية.

فحينئذ بناء المعاوضات على تحري كل من المتعاقدين عوضا حافظا بقوّة للدرجة المالية أو موجب لزيادتها، كما أن تنافس و مهارة الاتجار قائم على الوصول إلى ذلك العوض الحافظ عبر المبادلات المختلفة و بالتالي فإن عروض هبوط الدرجة المالية في العوض و ما يسمى بالتضخم أمر أقدم عليه المتعاقد الدائن بنفسه فلا يكون على عهدة المدين.

و الحاصل انّ الدائر بين المتعاقدين انه كلّما كان ذا فطنة اكثر بظروف السوق و الانتاج يجعل عوضه عوضا اكثر تحفظا على الدرجة المالية، فلا مجال للقول بضمان التضخم في العقود المعاوضية فيما اذا جرى التعاوض و الضمان بين الدائن و المديون بسبب العقود المعاوضية لا بسبب الغرامات كالغصب و لا بسبب غير الغصب من بقية الجنايات، بل بسبب الدين الذي منشؤه بيع او اجارة او صلح او قرض، و لا يتم التعاقد على التقيد بالطبيعة المالية من حيث هي و انّما الطبيعة المالية الخاصة الموجودة في النقد و بالتالي بالدقة بالصفة المالية الموجودة في غطاء النقد، فتبدل تلك الصفة المالية لا‌

252

يوجب الضمان.

و فيه: ان الاشكال وجيه من جهة و لكنه غير تام من جهة أخرى حيث ان في ظاهرة الارش في خيار العيب يلاحظ ضمان صفات العين أو منافعها بل و كذا الصفات الاعتبارية التي تتأثر القيمة المالية بها.

و بعبارة أخرى انّ مقتضى ما ورد من أدلّة خاصّة و عامّة على ثبوت الارش في العيب مقتضاه ضمان الفارق في القيمة المالية للأعيان و إن لم يتلف منها جزء خارجي أي و إن كان السبب في الاختلاف في القيمة هو الصفات التي لا تقابل بها لكنها حيثية تعليلية لها و لبعض درجاتها، و هذا اجمالا ممّا يدفع اطلاق القول النافي لضمان الفارق في القيمة ما دامت العين لم يتلف من أجزائها شي‌ء.

لكن تلك النكتة لا تنافي دعوى المستشكل في الاشكال الثاني، لأن الضمان المعاوضي يجري فيه التعاوض على الاعيان و الصفات الاصلية. و أما في خيار العيب فقد تخلفت الصفة المالية و الصفة الاصلية أيضا و هي الانتفاع منه و من تلك الصفة. فخيار العيب لا يكون نقضا على هذا المطلب و لا ينافي هذا الاشكال حقيقة تلك النقطة و ان كانت المالية وليدة الصفات الاصلية و لكن اذا بنى المتعاقدان و رضيا على عدم المدارية للصفة المالية بل على الصفة الاصلية فلا ينافي تلك النقطة.

هذا و الاشكال لا يرد على ما نحن فيه أيضا و إن كان ما فصّله‌