محاضرات في فقه الإمامية - كتاب الخمس

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
278 /
55

منه دينه و حسنت بعد ذلك حاله» (1) 4- و نحوه ما ورد في تفسير العسكري (عليه السلام). (2)

و ما حكم به المحقق (قده) من لزوم الخمس فذلك من أجل مطلق الغنيمة و الفائدة.

و أما قوله: (و كان له الباقي) فالظاهر أنه بالنظر إلى أن ما يوجد في جوف السمكة يحتمل، بل يظن أو يقطع أنه من المباحات الأولية كاللؤلؤ و المرجان و نحو ذلك.

نعم، ربما يلقى في البحر شي‌ء من الدرهم و الدينار، و نحو ذلك فيبتلعه السمك، لكن الأصل حينئذ عدم سبق يد محترمة عليه، إلا ما كان عليه أثر الإسلام فيشكل، نظرا إلى العلم بسبق يد المسلم، إلا إذا احتمل أن صانعه كان حربيا.

و أما قوله: (و لم يعرّف) فكأنه بما استظهره من الحديث، أو بالنظر إلى أن التعريف يحكم به من باب الطريقية، و مع عدم النتيجة لا وجه له، إلا إذا فرض أخذ السمكة من حوض كبير يتكون أو يتربى فيه السمك، و هو غير المفروض من سمكة البحر.

لا يقال: إن السمكة المبتاعة قد حازها الصائد، فما في جوفها قد شملته الحيازة و يد الاصطياد، فهو لمن صادها و لا بدّ من إعطائه إياه، و إن لم يكن قد عرفه.

فإنه يقال: إن الحيازة لا بدّ فيها من الالتفات، بل القصد و لو إجمالا، فإن مدركها قوله (عليه السلام): «لليد ما أخذت» و الأخذ-

____________

(1) الوسائل- باب 10 من كتاب اللقطة، الحديث 4.

(2) الوسائل- باب 10 من كتاب اللقطة، الحديث 5.

56

بمفهومه- لا يصدق مع عدم الالتفات، أو أن مفاد الهيئة هي النسبة بين المبدأ و بين الفاعل الملتفت، و على كل حال لا يصدق على الصائد أنه حاز الجوهرة في بطن السمكة، و أنها حلّت في يده. ألا ترى أن من يمشي في البرية على العشب لا يقال أنه ملكه، و كذا إذا اتفق أنه مشى على الدرّ و نحوه من الأحجار الثمينة من دون التفات.

ثم لو فرضنا عدم لزوم الالتفات و القصد في الحيازة، و قلنا بكفاية حيازة شي‌ء و ملكيته بتبع حيازة شي‌ء آخر يكون هذا فيه فنقول: إن الصائد حيث باع السمكة قد أخرجها، و أخرج ما حازها بالتبع عن يده، فالمشتري ملك ذلك بتبع ملكيته للسمكة.

الكنز في الأرض الموات:

(قال المحقق‌

تفريع- إذا وجد كنزا في أرض موات من دار الإسلام فإن لم يكن عليه سكة، أو كان عليه سكّة عادية أخرج خمسه، و كان الباقي له .. و إن كان عليه سكّة الإسلام، قيل: يعرّف كاللقطة، و قيل: يملكه الواجد و عليه الخمس، و الأول أشبه).

تقدم في طي ما سبق، هذا الفرع بكلا قسميه، و نعيد ذلك إجمالا:

فالأول: هو المتيقّن من أدلة الكنز، الظاهرة في التخميس، و ملكية الباقي. مضافا إلى دليل الحيازة. و لو شك في سبق يد محترمة عليه فالأصل عدمه.

و الثاني: يبتني على أن سكّة الإسلام مع كونه في موات دار الإسلام أمارة على كونه للمسلمين، [1] و مع قطع النظر عنه ففيما يعلم‌

____________

[1] و إنّما لم يحكم بأنه للإمام (عليه السلام) تبعا للأرض، لعدم الدليل على ذلك في غير المعادن، و مجرد كون الموات له لا يوجب أن يكون له ما هو مدّخر فيها بالملكية الاعتبارية، و إن كان لهم جميع ما في الأرض و جميع ما في أيدي الناس لمكان الولاية.

57

عادة أن ضارب السكّة كان هو المسلم لا مجرى لأصالة عدم سبق يده.

و اختار المحقق (قده) لزوم التعريف كاللقطة، و إنّما لم يحكم بأنه منها، ضرورة أن اللقطة ما فقده المالك بلا التفات، و هذا شي‌ء قد ادّخره المالك باختياره، و كأنه (ره) أراد بالتشبيه كونه مجهول المالك، فإنه كاللقطة في لزوم التعريف، و إن افترق عنها بالتصدّق عن المالك، بخلافها، فإن الواجد يتخير بين التملك و التصدق به.

و يتوجه على ما اختاره: أن الأمارية- على تقدير تسليمها- إنما يثبت بها موضوع كونه للمسلمين، و ذلك لا يعارض عموم دليل الكنز و الحيازة، و إنما يعارضهما التوقيع الشريف المتضمن لعدم جواز التصرف في مال الغير.

أما معارضته مع دليل الكنز، فبالعموم و الخصوص المطلق، فيخصّص به. إلا أن يصار إلى انقلاب النسبة بلحاظ أن التوقيع الشريف مخصّص بمال الحربي، فمال المسلم هو الذي لا يتصرّف فيه. و النسبة بينه و بين دليل الكنز هو العموم من وجه، فيتعارضان في الكنز الذي قامت الأمارة على أنه للمسلم، لكن اللازم تقديم دليل الكنز لكونه أظهر شمولا للمورد، ضرورة أن شمول عنوان مال الغير لمورد الشبهة غير المحصورة حيث لا يرجى الظفر بمالكه بالتعريف في طول السنة بل السنين، في غاية الخفاء.

هذا إذا كانت السكّة الإسلامية في ما يقارب العصر كسكّة سلاطين العصر المتقدم، و أما ما كان عليه سكّة سلاطين الأعصار الماضية، لا سيما مثل زمن الخلفاء و نحوهم، فإضافة المال إلى الغير منقطعة، و عنوان الملكية العقلائية غير باق.

58

هذا كله مضافا إلى دلالة صحيحتي محمد بن مسلم و موثقة محمد ابن مسلم (1) بعد كون التعريف فيها مختصا بما إذا احتمل له النتيجة.

و أما معارضته مع دليل الحيازة، فبالعموم من وجه- في بادئ النظر- لكن يقدّم دليل الحيازة بما ذكرناه أخيرا من انقطاع الإضافة في كنوز الأعصار السالفة، و بما يستفاد تقديمه من الصحيحتين و الموثقة في الورق الذي لا يرجى لتعريفه في العادة أثر.

____________

(1) الوسائل- الباب 5 من أبواب اللقطة.

59

4- الغوص

(قال المحقّق‌

الرابع- كل ما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر و الدرر، بشرط أن يبلغ قيمته دينارا فصاعدا).

ثبوت الخمس في ذلك ممّا دلّت عليه الروايات التي منها صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال: عليه الخمس» (1). و هذه الرواية و إن اختصّت باللؤلؤ، لكن هناك روايات أخر تدلّ على ثبوت الخمس في غيره (2) و في مطلق الغوص.

فلا يتوجه ما ذكره في (المدارك) من أن «الصحيحة قاصرة عن العموم الذي ذكره المصنّف، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل».

و تفصيل الكلام في المقام أن يبحث عن أمور:- 1- هل الموضوع هو مطلق الإخراج و لو بالآلة، أم يختص بالغوص؟

2- إن الموضوع- أيّا ما كان من الأمرين- يختص بالبحر، أم يعمّ‌

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 2 و 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

60

الشطوط الكبار لا سيما العميقة منها؟

3- إن الموضوع- أيّا ما كان- هل يختص بالجمادات الثمينة، أم يعمّ الحيوان باصطياده من الماء بالآلة أو بالغوص؟

4- بناء على أن الموضوع هو الإخراج، هل يختصّ بما كان من قعر الماء، أم يعمّ ما كان طافيا عليه؟

5- بناء على أن الموضوع هو الغوص، هل يعتبر أن يكون بقصد إخراج شي‌ء، أم يعمّ ما إذا كان مقصودا بنفسه فصادف شيئا و أخرجه؟

6- بناء على أنه لا يعمّ الحيوان، لو صاده بالشبكة أو بالغوص، و وجد في جوفه جوهرة هل يشملها دليل الإخراج من البحر أو الغوص.

7- هل يعتبر النصاب في الغوص أم لا، و على تقدير اعتباره هل يكون اعتباره في خصوص ما ورد في دليله من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، أو يعمّ غيرها أيضا؟

8- إذا أخرج بالغوص دفعات، هل يعتبر النصاب في كل دفعة نظير اللقطة دون الدرهم فإنها كذلك، أم يكفي النصاب في مجموعها؟

9- إذا اشترك جماعة في الإخراج من البحر، أو في الغوص، هل يعتبر النصاب في نصيب كل منهم، أو يكفي بلوغ ما أخذ و أخرج، النصاب و إن اشترك فيه الشركاء.

10- هل يختص البحث بما يكون متكونا في الماء من أصله، أو يعم الغارق فيه؟

11- إذا استؤجر للغوص، فهل الخمس على المستأجر و إن قصد‌

61

الأجير الحيازة لنفسه، أو يشترط عدم قصده لذلك؟ و كذلك إذا غاص اثنان فوجد أحدهما الشي‌ء ثم تناوله منه صاحبه فأخرجه، فهل الخمس على الأول أو الثاني، أو يفرّق بين قصد الأول الحيازة و عدم قصدها؟

ثم إنه لا بد في تنقيح هذه المباحث من تقديم البحث عن فقه الأحاديث الشريفة الواردة:- 1- ما رواه الشيخ بسند صحيح عن الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر و غوص اللؤلؤ فقال: عليه الخمس» (1).

2- ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن علي بن أبي عبد اللّه، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معادن الذهب و الفضة، هل فيها زكاة؟ فقال:

إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس» (2).

3- ما رواه الكليني بسند فيه إرسال عن العبد الصالح قال:

«الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم و الغوص و من الكنوز و من المعادن و الملاحة» (3).

4- ما رواه الشيخ بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«الخمس على خمسة أشياء، على الكنوز و المعادن و الغوص ..» (4).

5- ما أرسله الصدوق بقوله: «سئل أبو الحسن موسى بن جعفر‌

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(3) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(4) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

62

(عليه السلام) عما يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد ..» (1).

6- مصحّحة عمار بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: في ما يخرج من المعادن و البحر .. الخمس» (2) ...

إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة.

قال صاحب (الجواهر): «إلى غير ذلك مما هو مستغن بصحة سنده و وضوح دلالته عن الانجبار، و ما هو منجبر بالإجماع المحكي إن لم يكن محصّلا، خصوصا بالنسبة إلى عدم الفرق في أنوع ما يخرج» (3).

و لا يخفى أن هذه الروايات ورد بعضها بلسان الغوص، و البعض الآخر بلسان الإخراج من البحر، و بين العنوانين عموم من وجه. لأن الأول يشمل ما يخرج من الأنهار و الشطوط، و الثاني يشمل ما أخرج من البحر بالآلة و لما أخذ من وجه الماء. فيدور الأمر بين الأخذ بكل من العنوانين، و تقييد كل منهما بالآخر، و إرجاع أحدهما إلى الآخر.

إذا تمهّد ذلك فنقول:- 1- قيل بأن المخرج بالآلات من دون غوص في حكم الغوص.

و قد جزم الشهيدان بذلك. و قال في (المدارك) أنه ربما كان مستنده إطلاق رواية محمد بن علي، لكنها ضعيفة السند.

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(2) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(3) الجواهر ج 16 ص 40.

63

قال السيد الطباطبائي في (العروة): «و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط». لكن نصوص الغوص لا تنطبق على الإخراج بالآلات، كما هو واضح. نعم، إذا كان المستند مصحّحة عمار بن مروان حيث لم يقيّد الموضوع بالغوص، فللحكم المذكور وجه.

أما لو غاص، و شدّه بآلة، مثلا ثم أخرجه، فلا يخفى كونه من مصاديق المخرج بالغوص.

2- ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأنهار العظيمة كفرات و دجلة و النيل حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها إذا فرض تكوّن مثل ذلك فيها كالبحر، و استند إلى الإطلاق في الأدلة التي لم يذكر فيها البحر، و إنما كان فيها التعبير بالغوص. و أما ذكر البحر في بعض الروايات فهو خارج مخرج الغالب.

لكن للتأمل في شمول إطلاقات الغوص الذي هو المتّخذ مهنة للأنهار مجال واسع، و ينصرف الإطلاق إلى ما يخرج من البحر لأنه المتعارف.

قال صاحب الجواهر: «لكن لعل ذلك من ندرة الوجود، لا الإطلاق».

أما الشيخ الأنصاري (قده) فقد مال إلى عدم شمول الحكم للأنهار، تبعا لسيد مشايخه في (المناهل).

فإمّا أن تلغى خصوصية المورد في روايات البحر، أو يوسّع في مفهوم الغوص حتى يشمل الغوص في الأنهار حيث يتّخذ مهنة.

64

3- الظاهر اختصاص الحكم بالجماد و النبات، و هو الذي مثّل له باللؤلؤ و المرجان، أما الحيوان حيث لا يعتاد إخراجه بالغوص فلا يشمله الحكم، للأصل.

لكن حكى عن الشيخ في (التذكرة) و (المنتهى) أنه قال: «ما يخرج من الغوص أو يؤخذ قفيا ففيه الخمس». و حكى الشهيد الأول في (البيان) عن بعض معاصريه ذلك .. و هو ضعيف جدا.

4- بناء على أن الموضوع هو الإخراج لا الغوص، فلا يختص الحكم بما كان في قعر الماء، بل ربما يدعى شمول ذلك للطافي على وجه الماء، لكن لو خرج بنفسه على الساحل فالأصحّ دخوله في أرباح المكاسب و يعتبر فيه كونه زائدا عن مؤنة السنة، كما لا يعتبر فيه النصاب.

5- بناء على أن الموضوع هو الغوص، فلا بدّ أن يكون الغوص بقصد الحيازة و إخراج شي‌ء. أما اللاهي بغوصه أو المتدرّب على السباحة و نحو ذلك، إذا صادف شيئا و أخرجه ففي وجوب الخمس عليه وجهان. و إن كان إخراج الخمس منه أحوط.

و توقف بعضهم في الحكم، للشك في اندراجه في الإطلاق المستفاد من الدليل.

6- تقدّم أن إخراج الحيوان من البحر لا يشمله حكم الغوص، و عليه لو صاد حيوانا بالشبكة أو بالغوص، و أخرجه، ثم ظهر في بطنه شي‌ء من الجواهر فإن كان ذلك معتادا وجب فيه الخمس، لشمول الإطلاق له. أما إذا كان ذلك من باب الاتفاق بأن يكون الحيوان قد بلع شيئا اتفاقا فالظاهر عدم وجوبه.

65

و قد تقدّم في مبحث الكنز حكم ما لو اشترى سمكة فوجد في جوفها شيئا .. فراجع.

7- المشهور بين الأصحاب هو اعتبار النصاب في وجوب الخمس في الغوص. و قال صاحب (الجواهر): انها كادت أن تكون إجماعا.

و نقل ذلك عن (التذكرة) و (المنتهى) للعلّامة، و (التنقيح).

و قال صاحب (الحدائق): «اتفق الأصحاب قديما و حديثا على نصاب الدينار في الغوص».

لكن نقل عن الشيخ المفيد في (غرّيته) أن النصاب عشرون دينارا.

لكن مستنده غير ظاهر.

و إذ عرفنا عدم اختصاص الحكم باللؤلؤ و المرجان، و ورود الروايات في مطلق الغوص أيضا، فلا وجه لتقييده بما ذكر.

8- ذهب بعض الفقهاء إلى عدم الفرق بين الدفعة و الدفعات، فيضمّ بعضها إلى البعض بالنسبة إلى النصاب المعتبر في الغوص. و نظّر آخرون الحكم هنا بالحكم في المعدن و الكنز من حيث اعتبار اتّحاد الإخراج و المخرج و النوع و تعدّد الشركاء، و نحو ذلك، لتساوي الجميع في جهة البحث.

و قد تقدّم منا بسط ذلك عند البحث عن المعدن، فراجع.

9- و ينطبق على الاشتراك ما تقدّم في بحث المعدن أيضا.

10- و أما البحث عن الجواهر الغارقة في البحر فسنفرد له فرعا مستقلا إن شاء اللّه.

66

11- الغوّاص إن كان أصيلا فالخمس عليه، و إن كان أجيرا فعلى المستأجر بشرط عدم قصده الحيازة لنفسه. و المتناول من الغواص لا يجري عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصا. و أما إذا تناول منه و هو غائص فيجب عليه إذا لم ينو الغوّاص الحيازة، و إلا فهو للغواص دون المتناول و عليه خمسه.

(قال المحقق‌

و لو أخذ منه شي‌ء من غير غوص لم يجب الخمس فيه).

كان الأولى أن يقول (من غير غوص و لا إخراج) فإنك قد عرفت وجوبه في ذلك. و يحكى عن الشهيدين القول به. و المراد من الأخذ هو تناول شي‌ء قد طفي على وجه الماء، و السرّ في عدم وجوب الخمس أن عنوان الإخراج لا يصدق عليه، فإنه فرع كونه داخلا و يستند خروجه إلى الفاعل، لا ما خرج بنفسه ثم أخذ. و حيث أن العناوين التي فيها الخمس قد عدّت خمسة فاللازم أن لا يجب الخمس، و مع الشك فيه فالأصل عدمه.

لكن يتوجه عليه: أن عموم الخمس في الغنيمة يشمله، و عدد الخمس لا يفيد الحصر، و لا مجرى للأصل مع العموم، مضافا إلى ما يحتمل من أن يكون ما يخرج من البحر بصيغة المعلوم فيشمل ما خرج بنفسه.

و الحاصل: إنه لا بد من التخميس، نعم بمقتضى عموم (الخمس بعد المئونة) يراعى ذلك.

67

العنبر: [1]

(قال المحقق‌

تفريع- العنبر إن أخرج بالغوص روعي فيه مقدار دينار، و إن جني من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعادن).

ثبوت الخمس في العنبر مما اتفقت عليه كلمة الأصحاب، أو كاد أن يكون كذلك، و الظاهر أن الأقوال فيه أربعة:

أحدها- ثبوته فيه مطلقا، أخرج بالغوص، أو أخذ من وجه الماء، و من الساحل. كان بمقدار نصاب المعدن، أو الغوص أم لا. و يحكى ذلك عن الشيخ و ابن حمزة و ابن إدريس و إليه الميل من صاحب المدارك و الحدائق و غيرهم.

ثانيها- ثبوته فيه على الإطلاق إلا من حيث النصاب، فيعتبر فيه نصاب المعدن. و يحكى ذلك عن المفيد. لأن العنبر من المعادن أو ملحق بها.

ثالثها- ما ذكره كاشف الغطاء بقوله (و العنبر من الغوص أو بحكمه) و طاهرة ثبوته فيه على الإطلاق، مع التقييد بنصاب الغوص.

رابعها- ما عن الأكثر، و هو التفصيل الذي ذكره المحقق (قده).

____________

[1] قال الفيروزآبادي في (القاموس): إنه روث دابّة بحرية، أو نبع عين فيه».

و ذكر الشيخ الطوسي في (المبسوط): «إنه نبات في البحر».

و نقل ابن إدريس الحلّي في (السرائر) عن كتاب (الحيوان) للجاحظ: «إنه يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكل منه شي‌ء إلّا مات، و لا ينقره طير بمنقاره إلا نصل فيه منقاره، و إذا وضع رجليه عليه نصلت أظفاره» و عن (منهاج البيان) لابن جزلة المتطبب: «إنه من عين في البحر».

و نقل بعضهم عن أهل الطب: إنه جماجم تخرج من عين في البحر، أكبرها وزنه ألف مثقال».

و ذكر الدميري في (حياة الحيوان): «العنبر المسموم قبل أن يخرج من قعر البحر يأكله بعض دوابه لدسومته، فيقذفه رجيعا، فيطفو على الماء فيلقيه الريح إلى الساحل».

68

و الرواية الواردة في المقام هي صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال: عليه الخمس» (1)، و ما رواه المفيد في (المقنعة) عن الصادق قال (عليه السلام): «في العنبر خمس» (2).

و مقتضى الروايتين ثبوت الخمس في العنبر على الإطلاق، و لا ينافيه تقييد غوص اللؤلؤ بنصاب الدينار.

و ما يمكن أن يستدل به على القول الثاني أن الإطلاق في رواية العنبر مسوق لبيان ثبوت الخمس، و حيث إنه من المعادن لما يقال من أنه عين في البحر يلحقه حكمها من حيث النصاب.

و فيه: إنه لم يثبت كونه كذلك، بل عن الشيخ الطوسي و غيره أنه نبات في البحر، و ربما يقال: إنه روث فرس البحر أو غيره.

لو غرق في البحر جوهر:

إذا غرق في البحر جوهر و نحوه فأخرجه المكلف بالغوص، هل هو لقطة أم هو من مصاديق الغوص، و ما أخرج من البحر؟

أقول: تارة يعلم إنه لشخص خاص، و أخرى لا يعلم ذلك. أما على الأول فهو لصاحبه و قد قال (عليه السلام) في الجواب عن المسائل التي خرجت بيد المعمّر «فلا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه» (3) مضافا إلى أن دليل الغوص هو التمليك و لا يعرض لما هو ملك.

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) الوسائل- باب 3 من الأنفال، الحديث 3.

69

نعم لو علم إعراضه، و قلنا بأن الإعراض مسقط للملكية (فإنها إضافة خاصة فكما يمكن إحداثها كذلك يمكن قطعها) فهو للواجد.

و أما على الثاني فإمّا لا يعلم أنه للمسلمين، أو يعلم ذلك و لو ببعض الإمارات، و على الأول يستصحب عدم سبق يد محترمة عليه، و له أن يتملكه.

لا يقال: إنه يعلم إجمالا سبق يد عليه، و يشك في احترامها و عدمه، و الأصل المذكور لا يثبت عدم احترامها.

فإنه يقال: هذا العلم الإجمالي غير منجّز، لعدم الأثر في كلا الطرفين.

إن قلت: عموم قوله (عجل اللّه فرجه) في التوقيع الشريف يشمله.

قلت: قد خصّص ذلك باليد غير المحترمة، و التمسك به تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

إن قلت: ففيما كان يعلم إنه لشخص خاص، فالأصل عدم سبق يد محترمة.

قلت: نعم لكن الشك حينئذ في احترام تلك اليد، و لا مجرى لأصل العدم في ذلك أو يقال: إن الأصل في الأملاك الاحتياط، أو يقال بأن تخصيص العموم إنما هو في غير الملك المعلوم لشخص المالك كما هو الظاهر. لكن يقع الكلام في مراعاة النصاب و لزوم الخمس بالفعل أو بعد المئونة، و الظاهر عدمهما إذ الإخراج من البحر ظاهره إخراج شي‌ء كان من شأنه أن يكون في البحر لا ما ألقى فيه.

و إن علم ذلك فهو لقطة تعرّف سنة، ثم هو أحقّ به.

70

ثم إنه في المقام روايتان:

1- ما رواه الكليني بسند قوى عن السكوني عن أبي عبد اللّه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال: «و إذا غرقت السفينة و ما فيها، فأصابه الناس، فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله، و هو أحقّ به، و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم» (1).

2- ما رواه الشعيري قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص، و أخرج البحر بعض ما غرق فيها (منها خ ل) فقال: أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه. و أمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحق به» (2).

أقول: يبعد شمول الحديث لما إذا كانت السفينة لأشخاص معلومين بأنفسهم و بورثتهم. لكن إن كان قوله (عليه السلام) (تركه صاحبه) إعراضا مسقطا للملكية، فمع الإلقاء في الساحل أيضا يتملكه الواجد، و إلا فلما ذا لم يجر عليه حكم اللقطة؟ نعم يمكن جعل ذلك مخصصا لعموم الحكم في اللقطة، لكن الظاهر من الرواية حيث قال (عليه السلام) (هم أحقّ به) أنه ليس فيه خمس الغوص.

____________

(1) الوسائل- باب 11 من كتاب اللقطة، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 11 من كتاب اللقطة، الحديث 2.

71

5- ما يفضل عن المئونة

قال المحقق‌

«الخامس- ما يفضل عن مؤنة السنة له و لعياله من أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات».

أقول: البحث هاهنا من جهات:- الأولى- ما الدليل على وجوب الخمس في ذلك، مع عدم ذكره في الروايات الحاصرة لوجوبه في عدة أشياء، أو في خصوص الغنائم، كما في صحيح عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة» (1).

الثانية- هل الخمس في هذا القسم يختص للإمام (عليه السلام) أو هو كسائر الأقسام يقسم ستة أقسام؟

الثالثة- هل يختص فاضل المئونة بما ذكره من أرباح الأمور الثلاثة دون مطلق ما يفضل من أنواع الفوائد؟

الرابعة- في استثناء المئونة، و المراد منها [2]، و تقييدها بكونها‌

____________

[2] فهل هي مطلق ما يتكلّفه من حيث صرف المال، و إن كان ذلك بمشتهى النفس، أو كان من المستحبات الشرعية، و نحو ذلك، أم هي خصوص ما يصرفه في جهة المعاش أو أداء الدين، و هل الدين الذي يؤدّي لا بدّ و أن يكون مما أخذ لأجل المعاش، أو يعم ذلك و سائر الديون من الضمانات و نحوها، بل و الديون الّتي أخذها للتجارة، ثم لم يقدر على أدائها .. إلى غير ذلك؟

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

72

مؤنة السنة دون كل يوم مثلا، و اختصاصها بمئونة نفسه و عياله، أو تعميمها لكل من يعوله و لو لم يكن واجب النفقة. ثم هل المئونة تعم الآلات و الأدوات، بل و رأس المال سواء كان من النقود أو البساتين و المزارع و سائر الأملاك التي يتعيش بالعوائد منها؟

الخامسة- هل ورد العفو أو الإباحة منهم (عليه السلام) أم لا؟

و على تقدير الإباحة هل هي بالإضافة إلى ما يختص به الإمام (عليه السلام) أو يعمّ بحسب الولاية لجميع السهام؟

و تفصيل الكلام فيما يأتي:-

أما الجهة الأولى [و هي الدليل على وجوب الخمس]

فيدل عليها:

1- الآية المباركة في الغنيمة، خصوصا مع تفسيرها في الحديث كما رواه الكليني و الشيخ عن حكيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت له: و اعلموا انّما غنمتم من شي‌ء فأنّ للّه خمسه و للرسول؟ قال:

هي و اللّه الإفادة يوما بيوم ...» (1).

2- ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن الحسن الأشعري قال:

«كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير، من جميع الضروب و على الصنّاع؟ و كيف ذلك؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المئونة» (2).

3- ما رواه الكليني بسنده عن سماعة قال: «سألت أبا الحسن‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

73

(عليه السلام) عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (1).

4- و ما رواه الكليني بسنده عن ابن يزيد قال: «كتبت جعلت لك الفداء تعلّمني ما الفائدة و ما حدّها؟ رأيك أبقاك اللّه أن تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي و لا صوم. فكتب:

الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام، أو جائزة» (2).

5- و ما رواه الشيخ بإسناده عن الريّان بن الصلت قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): ما الذي يجب عليّ يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي، و في ثمن سمك، و بردي و قصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب: يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه تعالى» (3).

6- ما نقل من الإجماع و عدم الخلاف في ذلك (4).

و أما الجهة الثانية [و هي اختصاص الخمس بالإمام (عليه السلام)]

فصرّح صاحب (الوسائل) بالاختصاص، حيث قال في العنوان (باب وجوب الخمس فيما يفضل عن مؤنة السنة .. و أن خمس ذلك للإمام خاصة).

و قال في (الجواهر): «يظهر من الخراساني في (كفايته) الميل أو الجزم باختصاصه به» (5) ثم قال: «و إن حكى عن (المنتقى) تشييده أو اختياره كالذخيرة».

و استشكل صاحب المدارك حيث قال: «و إنما الإشكال في‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

(3) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9.

(4) الجواهر ج 16 ص 45.

(5) الجواهر ج 16 ص 48.

74

مستحقه و في العفو عنه في زمن الغيبة و عدمه، فإن في بعض الروايات دلالة على أن مستحقه مستحق خمس الغنائم، و في بعض آخر إشعارا باختصاص الامام (عليه السلام) بذلك».

و الحق: أن في عدّة من الروايات ما هو ظاهر أو صريح في اختصاص هذا السهم بالإمام (عليه السلام)، إليك بعضا منها:

1- ما رواه الشيخ عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «على كل امرء أو اكتسب، الخمس ممّا أصاب لفاطمة (عليها السلام)، و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا» (1).

2- ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار عن النيسابوري أنه «سأل أبا الحسن الثالث عن رجل أصاب من الحنطة مائة .. و بقي في يده ستون كرا، ما الذي يجب لك من ذلك؟ فوقّع (عليه السلام): لي منه الخمس مما يفضل عن مؤنته» (2).

3- ما رواه علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد: «قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: و أي شي‌ء حقه؟ فلم أدر ما أجيبه، فقال: يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أي شي‌ء؟ فقال: في أمتعتهم و ضياعهم (و صنائعهم خ ل) ..» (3).

4- ما في حديث طويل لعلي بن مهزيار، قال: «كتب إليه أبو‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.

(2) الباب المتقدم، الحديث 2.

(3) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

75

جعفر (عليه السلام) و أنا قرأت كتابه- الى أن قال- قال (عليه السلام): فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من مواليّ فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة، فليعتمد الى إيصاله و لو بعد حين ..» (1).

و قد تضمن هذا الحديث أنه في تلك السنة أوجب الخمس في الذهب و الفضة دون غيرهما، و أنه أوجب من الضياع و الغلات في كل عام نصف السدس فيكشف ذلك كله عن اختصاص الخمس به، فيرى فيه ما يشاء.

5- ما رواه المشايخ الثلاثة و الشيخ المفيد عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال: «ان أشدّ ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي، و قد طيّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم و لتزكو أولادهم» (2).

و التقريب: أن طيب النفس منهم يكشف عن أن الخمس مالهم، و أنه يحلّ المال بطيب نفس صاحبه.

6- ما رواه الكليني عن محمد بن زيد قال: «قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس فقال (عليه السلام): ما أمحل هذا، تمحضونا المودّة بألسنتكم و تزوون حقا جعله اللّه تعالى لنا، و جعلنا له، و هو الخمس؟ لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل لأحد منكم في حلّ» (3).

____________

(1) الباب المتقدم، الحديث 5.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 5.

(3) الوسائل- باب 3 من الأنفال، الحديث 3.

76

إذا عرفت ذلك فنقول:

أولا: لا وجه للمصير الى اختصاص الحكم بخمس فاضل المئونة لمكان الإطلاق في بعض هذه الروايات، مضافا إلى أن مثل ذلك قد ورد في الغوص و غيره، فقد روى الشيخ و الكليني بسند مصحح عن مسمع بن عبد الملك في حديث قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك و أعرض لها، و هي حقّك الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا- الى أن قال- فقال (عليه السلام) لي: يا أبا سيّار قد طيّبناه لك و حللناك منه، فضمّ إليك مالك» (1).

و روى الشيخ عن الحكم في الحديث قال: «دخلت على أبي جعفر. فقلت له: اني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا، و اشتريت متاعا، و اشتريت رقيقا، و اشتريت أمهات أولاد، و ولد لي و أنفقت، و هذا خمس ذلك المال ..» و قد تضمن قوله (عليه السلام): «و قد قبلت ما جئت به و قد حللتك ..».

بل ورد في تفسير آية الغنيمة التخصيص، ففي رواية العياشي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه: (و اعلموا أنّما غنمتم من شي‌ء فأنّ للّه خمسه و للرسول) قال: الخمس للّه و للرسول و هو لنا». (2)

و روى محمد بن الحسن الصفار عن عمران عن موسى بن جعفر‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 18.

77

(عليه السلام) قال: «قرأت عليه آية الخمس، فقال: ما كان للّه فهو لرسوله، و ما كان لرسوله فهو لنا، ثم قال: و اللّه لقد يسّر اللّه على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربّهم واحدا و أكلوا أربعا أحلّاء. ثم قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به، و لا يصبر عليه الا ممتحن قلبه للإيمان». (1)

و ثانيا: ليست هذه الروايات إلا بظواهر مفاد اللام التي هي للربط، و إفادتها للاختصاص الملكي إنما هي بالإطلاق المقامي الذي يرفع اليد عنه بأدنى معارض. و بعبارة أخرى: معنى أداة اللام هو الربط و الاختصاص، و ذلك يلائم الولاية، كما يقال: العبد و ما يملكه لمولاه، و يقال: للمتولي أن يتصدّى أمر الموقوفة، و للوصي أمر الوصاية، و للأب أمر أولاده الى غير ذلك، فليست اللام متعيّنة في إفادة الملكية. و قد وردت روايات متعددة أن المعصوم هو الذي يقسم الخمس بين مستحقيه، و أنه يقسم ستة أسهم فلا بد من إيصال الخمس اليه. (2)

و قد ورد في ما رواه السيد ابن طاوس عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و آله قال لأبي ذر و سلمان و المقداد:

أشهدوني على أنفسكم- إلى أن قال- و إخراج الزكاة من حلّها، و وضعها في أهلها، و إخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين و أميرهم، و من بعده الأئمة من ولده» (3).

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6.

(2) الوسائل- أبواب قسمة الخمس.

(3) الوسائل- باب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.

78

و أنت ترى أنه أمر في الزكاة بوضعها في أهلها، لكن الخمس أمر برفعه الى أمير المؤمنين، و الأئمة من بعده. فاتّضح أن المعنى في قوله (عليه السلام): «و ذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا» أن ولاية الخمس لهم، و يضعونه حيث شاؤوا من الموارد التي لهم السهام فيه، و المشية في التقسيم- كمّا و كيفا- مفوّض إليهم.

هذا كله مضافا إلى أن مستحق السهام الثلاثة هو الكلي الطبيعي، و لا يملك اليتيم و المسكين و ابن السبيل إلا بعد القبض، و اللفظ في اليتامى و المساكين و ان كان جمعا محلّى باللام، إلا أنه لا يمكن المصير الى العموم الأفرادي الاستغراقي، و إلا لم يجز الإعطاء لبعض دون بعض. و حيث ان الكلى الطبيعي يراجع في إيصال المال إليه إلى وليه، فلا بدّ من المراجعة إلى الوالي أي المعصوم أو وكيله و نائبه.

و الحاصل: أن المستفاد من الروايات أن الخمس مطلقا أمره إلى الإمام عليه الصلاة و السلام، و أن اليتامى و المساكين و ابن السبيل مصرف لنصفه، و لعلّ في عدم ذكر أداة اللام فيهم في الآية المباركة إشعارا بذلك. و لو شككنا في ملكيتهم قبل أن يصرف إليهم و يقبضوا ما يعطى لهم، فالأصل عدمها.

و أما الجهة الثالثة: و هي اختصاص فاضل المئونة

في ما ذكره (قده) من أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات، و عدم اختصاصه، فقد اختلفت فيها الأقوال. فما ذكره (قده) قال به كثيرون، بل ادّعى الإجماع عليه.

79

و عن (الخلاف): جميع المستفاد من أرباح التجارات و الغلّات و الثمار.

و عن (الغنية): كل مستفاد من تجارة و زراعة و صناعة، و غير ذلك من وجوه الاستفادة أي وجه كان.

و عن (النهاية): جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات و الزراعات و غير ذلك.

و عن (المدارك): المشهور بين الأصحاب وجوب الخمس في جميع أنواع التكسب من تجارة و صناعة و زراعة، و غير ذلك عدا الميراث و الصداق و الهبة.

و عن أبي الصلاح الحلبي مضافا الى ما ذكر: القول بثبوت الخمس في الميراث و الهبة و الهدية.

و عن الشهيدين: الميل الى ذلك أو ترجيحه.

و اعترض ابن إدريس على الحلبي بأنه لم يذكره أحد من أصحابنا غيره، و لو كان صحيحا لنقل متواترا. و ما اختاره ابن إدريس هو الخمس في أرباح التجارات و المكاسب، و ما يفضل من الغلّات و الزراعات على اختلاف أجناسها.

و في عبارة أخرى له: الخمس في سائر الاستفادات و الأرباح و المكاسب و الزراعات.

الى غير ذلك من كلماتهم.

و الذي ينبغي أن نهتّم به هو ذكر الروايات الشريفة، و البحث عن فقه الحديث فنقول بالاستعانة من الواهب المتعال جلّ و علا- انه قد‌

80

وردت في المقام أحاديث مذكورة في (الوسائل) في أبواب الخمس، و في أبواب الأنفال. و كذا في (المستدرك) و إنما نقتصر على الجمل المستشهد بها من تلك الأحاديث.

الأولى: قوله (فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها، و الجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن، و مثل عدوّ يصطلم [1] فيؤخذ ماله، و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب [2]، و ما صار الى موالي من أموال الخرّمية الفسقة). [3]

الثانية: ما رواه السيد ابن طاوس عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه (ع): «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و آله قال لأبي ذر و سلمان و المقداد و سلمان: أشهدوني على أنفسكم .. مع إقام الصلاة لوقتها، و إخراج الزكاة من حلّها، و وضعها في أهلها، و إخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس» (4).

الثالثة: قوله «جميع ما يستفيده الرجل من قليل و كثير، من جميع الضروب و على الصناع».

الرابعة: «في أمتعتهم و ضياعهم، و التاجر عليه، و الصانع بيده».

الخامسة: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير».

____________

[1] الاصطلام: الاستيصال.

[2] لعل المراد منه اللقطة و نحوها.

[3] الخرّمية: هم القائلون بالتناسخ و الإباحة.

____________

(4) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

81

السادسة: «الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام، أو جائزة».

السابعة: «على كل امرء غنم أو اكتسب، الخمس- إلى أن قال- حتى الخيّاط ليخيط ثوبا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».

الثامنة: «غلة رحى أرض قطيعة، و ثمن سمك و بردي و قصب».

التاسعة: «يهدي اليه مولاه، المنقطع اليه هدية تبلغ ألفي درهم».

العاشرة: «الغنيمة هي و اللّه الإفادة يوما بيوم».

الحادية عشر: «أموالا من غلّات و تجارات».

الثانية عشر: ما في الفقه الرضوي «كل ما أفاد الناس غنيمة- الى أن قال- و ربح التجارة و غلّة الضيعة، و سائر الفوائد و المكاسب و الصناعات و المواريث و غيرها، فإن الجميع غنيمة و فائدة».

الجهة الرابعة: ما هي المئونة؟

المئونة- على ما يفهم من اللغة- ما ينفقه المرء في ما يرومه.

و النفقة هي التي تصرف و تبيد.

ثم إنها على قسمين: أحدهما: ما هو مقدمة للاسترباح من الغرامات التي تصرف لأجله، كأجرة المحلّ، و أجرة الصانع و الدلّال، و غير ذلك.

ثانيهما- ما كان الاسترباح مقدمة له من النفقات التي تصرف لأجل المعاش و غير ذلك.

82

و الأول: لا شبهة في استثنائه، و لا خلاف فيه. ضرورة أن ما يقابلها من العوائد لا يسمى ربحا. و يمكن الاستدلال على ذلك بما ورد من أن الخمس بعد المئونة، مضافا الى ما رواه الشيخ عن ابن شجاع النيسابوري «أنه سأل أبا الحسن الثالث عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يزكى، فأخذ من العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا، و بقي في يده ستّون كرا، ما الذي يجب لك من ذلك؟ و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شي‌ء فوقع (عليه السلام): لي منه الخمس مما يفضل من مؤنته» (1) فتقرير الإمام لما صرفه في عمارة الضيعة، بناء على أن المراد من ذلك هي المصارف التي يتوقف عليها الاسترباح و إصابة تلك الأكرار، يشهد لما ذكرناه.

و أيضا يستشهد على ذلك بما رواه الكليني عن يزيد قال: «كتبت جعلت لك الفداء تعلّمني ما الفائدة؟ و ما حدّها؟ الى أن قال:

فكتب: الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام، أو جائزة» (2).

و الثاني: قد انعقد الإجماع على استثنائه، بل عن بعض الأساطين دعوى الضرورة عليه، و الذي ذكره المحقق (قده) هو هذا القسم. و البحث فيه يكون ضمن أمور:

الأمر الأول، في الروايات الدالة على استثنائها:

1- الرواية المتقدمة آنفا عن ابن شجاع النيسابوري.

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 2.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

83

2- ما رواه الشيخ عن محمد بن الحسن الأشعري قال: «كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني: أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير، من جميع الضروب، و على الصنّاع، و كيف ذلك؟ فكتب بخطّه: الخمس بعد المئونة». (1)

3- ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد: «قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك، و أخذ حقك، فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: و أي شي‌ء حقه؟ فلم أدر ما أجيبه. فقال: يجب عليه الخمس. فقلت: ففي أي شي‌ء؟ فقال:

في أمتعتهم و صنائعهم (ضياعهم خ ل). قلت: و التاجر عليه و الصانع بيده، فقال: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم» (2).

4- ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار قال: «كتب إليه إبراهيم بن محمد الهمداني: أقرأني عليّ كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع، أنه أوجب عليهم نصف السدس بعد المئونة، و أنه ليس على من لم يقم ضيعته بمئونته نصف السدس و لا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المئونة مؤنة الضيعة و خراجها، لا مؤنة الرجل و عياله، فكتب و قرأه على بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤنته و مؤنة عياله، و بعد خراج السلطان» (3).

أقول: في (الكافي) روى هذه الرواية عن سهل بن زياد عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: «كتبت الى أبي الحسن: أقرأني‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

84

على بن مهزيار كتاب أبيك ..».

5- ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار قال: «كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام)- الى أن قال بعد فصل طويل- قال: فأما الذي أوجب من الضياع و الغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمئونته، و من كانت ضيعته لا تقوم بمئونته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك». (1)

6- ما رواه الكليني عن ابن أبي نصر قال: «كتبت الى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المئونة أو بعد المئونة؟ فكتب (عليه السلام): بعد المئونة». (2)

7- ما رواه الصدوق عن إبراهيم بن محمد الهمداني: «أنّ في توقيعات الرضا (عليه السلام) إليه: أن الخمس بعد المئونة». (3)

8- ما رواه في (المستدرك) عن محمد بن مسعود العياشي في (تفسيره) عن إبراهيم بن محمد، قال: «كتبت الى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عما يجب في الضياع، فكتب: الخمس بعد المئونة قال: فناظرت أصحابنا، فقال: المئونة بعد ما يأخذ السلطان و بعد مؤنة الرجل، فكتبت إليه: انك قلت: الخمس بعد المئونة، و ان أصحابنا اختلفوا في المئونة، فكتب: الخمس بعد ما يأخذ السلطان، و بعد مؤنة الرجل و عياله». (4)

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(2) الوسائل- باب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(3) الوسائل- باب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(4) تفسير العياشي ج 2 ص 63. طبعة المكتبة العلمية الإسلامية- طهران.

85

9- ما رواه ابن إدريس عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه- الى أن قال- و عن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال، إنما يبيع منه الشي‌ء بمائة درهم، أو خمسين درهما، هل عليه الخمس؟ فكتب (عليه السلام): أمّا ما أكل فلا، و أما البيع فنعم هو كسائر الضياع» (1) و هذه الرواية ليس فيها لفظ المئونة لكنها دالّة على شي‌ء منها.

هذا ما عثرنا عليه من الروايات، و لا بدّ من الأخذ بها، لاستفاضتها فيخصّص أو يقيّد ما دلّ على أن الخمس في كل ما يستفيده الرجل و نحو ذلك. و لا سيّما ما تضمن قوله (عليه السلام): «حتى الخيّاط ليخيط قميصا بخمس دوانيق فلنا منه دانق» الذي هو الصريح في أن كلّ الدانق لهم ما يفضل منه بعد المئونة، فيؤول بأن المعنى هو التقييد بما إذا لم يحتج إليه في مؤنته، أو بما إذا لم يصرفه فيها و نحو ذلك.

الأمر الثاني: ليس في الروايات صريحا مؤنة السنة،

لكن عن الشيخ و ابن إدريس و العلّامة و صاحب المدارك و غيرهم دعوى الإجماع على ذلك.

و يستدل عليه بالتبادر، لا سيّما بالنظر الى أن مؤنة اليوم و الشهر و الأسبوع ليست مما تنضبط، فكأن المتبادر مهما يطلق لفظ المئونة أن يراد منها مؤنة السنة.

و بما ورد في صحيحة علي بن مهزيار من الجمل التي تفيد ذلك.

منها قوله (عليه السلام): «إن الذي أوجب في سنتي هذه» و منها قوله‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.

86

(عليه السلام): «لم أوجب عليهم ذلك في كل عام، و لا أوجب عليهم إلا الزكاة» حيث يستفاد منها أن شأن الخمس بحسب الزمان شأن الزكاة التي هي محدودة بالسنة، إمّا صريحا كما في ماله الحول، و إمّا التزاما كما في الغلّات الأربعة.

و منها قوله (عليه السلام): «و أما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» و منها قوله (عليه السلام): «فأمّا الذي أوجب من الضياع و الغلات في كل عام، فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمئونته، و من كانت ضيعته لا تقوم بمئونته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك».

و تقريب الاستدلال: أن ذكر السنة و العام تارة بالإضافة إلى نفسه، و أخرى بنحو الإطلاق في الخارج. ثم قيّد العائد من الضيعة و الغلة بالقيام بالمئونة فيستفاد أن المئونة هي مؤنة السنة.

و يستدلّ أيضا على ذلك بأن المئونة في الروايات مطلقة، تعمّ مؤنة السنة و ما دونها، و ما زاد على السنة خارج بالإجماع و الضرورة، فتقيّد بالسنة.

الأمر الثالث: المئونة هي النفقة التي تتحقق في الخارج و تصرف في الحوائج و المآرب،

أي ما هي تكون مؤنة بالفعل لا بالقوّة و الشأنية. و الدليل على ذلك هو أن المئونة و إن كانت لفظا جامدا، لكن تتضمن معنى الوصفية، و كل وصف ظاهر في الفعلية. لكن عن الشهيدين الحكم بأن ما أسرف فعليه، و ما قتّر فله. حيث يستفاد من ذلك أن المستثنى‌

87

هو مقدار المئونة الاقتصادية و إن لم يصرفها.

لكن يشكل ذلك بأن ذلك يتوقف على تقدير، و على الأخذ بالإطلاق. أي تقدير لفظ المقدار و إطلاق المئونة من حيث كونها بالفعل و بالقوّة، و كلاهما خلاف الظاهر. بل لو سلّم الأول بتقريب أن ما يعدّ و يدّخر لأجل المعاش يسمى مؤنة، يكون المعنى مقدار المئونة التي تصرف و تنفق في الخارج و تبيد، لا ما يبقى و لا يصرف في مدار السنة.

الأمر الرابع: لو كان له مال آخر قد أخرج خمسه، أو كان مما لا خمس فيه،

و كانت له أرباح في سنته، فهل تخرج المئونة منهما بالنسبة، أو من أحدهما خاصة؟

فعن الشهيد في (البيان) أنه قال: «و المئونة مأخوذة من تلاد المال [1] في وجه، و من طارفه في وجه، و منهما بالنسبة في وجه».

و قال صاحب الجواهر: إن في إخراج المئونة من المال الآخر خاصة، أو من الربح خاصة، أو بالنسبة، وجوها أحوطها الأول و أعدلها الأخير و أقواها الثاني. و استدلّ عليه بالأصل و ظاهر النصوص (2).

و قال في (المدارك): «و لو كان له مال آخر لا خمس فيه، ففي احتساب المئونة منه، أو من الكسب، أو منهما بالنسبة وجوه أحوطها الأول و أجودها الثاني».

____________

[1] التلاد: المال القديم. و الطارف: المال الجديد.

____________

(2) الجواهر ج 16 ص 62.

88

أقول: ان كان المنصرف [1] من لفظ المئونة ما يتوقف عليه المعاش، فلا بدّ من الأول حيث أن عموم (الخمس في كل فائدة) محكّم، و إلا فبمقتضى إطلاق المئونة يحكم بالثاني، و لا مجال للثالث إلا بأن يقال: إن العادة قاضية بأن من له مال آخر يصرف المئونة من المال الموجود في يده و هو من كليهما، و حينئذ لعل المصادفة الخارجية تطابق النسبة، و إلا فملاحظتها و كون العدالة ذلك ليس مما يستدلّ به فإنه لا دليل عليه و لا وجه له.

اللهم إلا أن يقال: إن هذه العادة المتعارفة توهن جهة الإطلاق، فيشكّ في خروج ما زاد على النسبة عن عموم وجوب الخمس في كل فائدة فيقتصر عليها، و حينئذ يجمع بين المال الآخر و الربح، و يلاحظ نسبة المئونة الى هذا المجموع، فتخرج عن الربح بحساب ذلك.

مثلا لو كان ماله الآخر مائتين و ربحه أيضا مائتين و مؤنة سنته مأة، فهي ربع الأربعمائة فيخرج عن مائتي الربح خمسين و يخمّس الباقي.

نعم لا يبعد أن يقال: إن المنّة و الإشفاق و التخفيف من أولى الأمر في العفو عن المئونة قاضية باستثناء المئونة من الربح، كما قضت بالاكتفاء بنصف السدس في صحيحة على بن مهزيار، فللمكلّف الأخذ بإطلاق المئونة، و عدم المصير إلى ما جرت به العادة المتعارفة. فإنها لا توجب وهن الإطلاق بعد أن كان ذلك للحكمة المذكورة.

لكن يمكن الاستشكال عليه بأن المنّة و الإشفاق و نحو ذلك إنما هي‌

____________

[1] بل يمكن أن يقال: الروايات واردة في مورد الغالب، و هو الاحتياج إلى أخذ المئونة من الربح من أجل انحصار مأخذها فيه، و على هذا يختص استثناء المئونة بما إذا لم يكن له مال آخر.

89

في استثناء أصل المئونة دون تعميمها لما إذا كان له مال آخر يقوم بمعاشه و حاجاته. و لا يستفاد من صحيحة ابن مهزيار أزيد من مورد الحاجة، و لذا قال المحقق الأردبيلي: «ثم الظاهر أن اعتبار المئونة من الأرباح مثلا على تقدير عدمها من غيرها، فلو كان عنده ما يمون به من الأموال التي تصرف في المئونة عادة، فالظاهر عدم اعتبارها مما فيه الخمس، بل يجب الخمس من الكلّ لأنه أحوط، و لعموم أدلّة الخمس [1] و عدم وضوح صحة دليل المئونة، و ثبوت اعتبار المئونة على تقدير الاحتياج و نفي الضرر و حمل الأخبار عليه، و لتبادر الاحتياج من بعد المئونة الواقع في الخبر .. و يحتمل التقسيط، و لكنه غير مفهوم من الأخبار، إلا أنه أحوط بالنسبة إلى إخراجها من الأرباح بالكليّة. و بالجملة، التقسيط ليس بمفهوم من الأخبار، و ليس بأحوط، بل الأحوط و الأظهر اعتبارها كما قلناه، و ان تبادر الى الذهن اعتبارها من مال الخمس. فتأمل».

أقول: ما تمسك به من تبادر الاحتياج من لفظ بعد المئونة مسلّم، فإنه لا ينسبق إلى الذهن منه إلا ما يحتاج اليه المرء عادة فيما يليق بحاله في قبال الأمور الزائدة، بل يصح سلب اللفظ عن تلك الأمور، لكن لا يخرج ذلك عن الاحتياج بسبب وجود مال آخر، بل يكون كلاهما مما يحتاج إليه بنحو التبادل فترتفع حاجته بكل منهما.

و على ذلك فمقتضى إطلاق اللفظ جواز إخراج المئونة من خصوص‌

____________

[1] كأنه (ره) لا يرى التواتر في روايات استثناء المئونة، و يرى العمدة في ذلك الإجماع، و حيث أنه دليل لبّى، يقتصر فيه على متيقنة، و هو مورد الحاجة الى المئونة من الأرباح بلحاظ عدم وجود غيرها.

90

الأرباح، لكن لو أخرجها من المال الآخر ليس له أن يستثني مقدارها منها.

و الحاصل: أن ما ذكره (ره) أحوط، لكنه ليس بأظهر. ثم إن العادة المتعارفة على ما قدمناه، و ان أوجبت الشك في استثناء ما زاد على النسبة في بدو النظر لكن إطلاق لفظ المئونة حجّة محكمة، فليتدبر.

الأمر الخامس: لما كان المستثنى مؤنة السنة، و كان المراد اثنى عشر شهرا

هل المبدأ للسنة أول الشروع في الكسب، أو أول ظهور الربح؟

تضمنت صحيحة على بن مهزيار سنة المعصوم (عليه السلام) حيث قال: «في سنتي هذه» و جملة (كل عام) الظاهرة في الأعوام الخارجية التي تتحقق فيها الغلّات و الأرباح، و أما مؤنة السنة فلم تذكر صريحا، حتى يستظهر المبدأ لها.

و الذي يترجح في النظر أن مبدأ النسبة لا بدّ و أن يكون هو تحقق الربح في الخارج، فإن المئونة تستثنى ممّا فيه الخمس، و ان الخمس يضاف الى الربح، و السنة سنة المئونة فمبدؤها هو تحقق الربح، فمهما حصل يصرف في المئونة إلى حدّ السنة، حيث إن الخارج عن هذا الحد لا يحسب من المئونة بالإجماع و الضرورة، و ما دون هذا الحدّ مندرج تحت إطلاق لفظ المئونة التي بعدها الخمس.

و أما الجهة الخامسة: و هي ورود العفو أو الإباحة،

فنبحث عنها بالتفصيل في فصل خاص ان شاء اللّه.

91

مسألة: هل يجب الخمس في الصداق، و المال الموصى به،

و عوض الخلع، و عوائد الوقف الخاص، بل العام بعد قبضه، و الصدقة أم لا؟

أما الصداق فقيل به، و عليه فلو طلّق قبل الدخول أو فسخ بالعيب، تجري عليه أحكامه. لكن عموم البلوى و عدم ورود دليل، يقوّي العدم. بل نقول: انه ليس باستفادة، بل تمليك النفس، و لا أقل من الشكّ في صدق الغنيمة، و الأصل عدم الخمس، و البراءة من وجوب أدائه و لو شككنا في صدق ذلك على عوض الخلع، فإنه من قبيل خلع اللباس، فالأمر كما تقدم من الأصل، و إلا فاستفادة عملية و اكتساب.

و يجب الخمس في المال الموصى به إن كانت وصية تمليكية ابتدائية، لا في قبال العمل بالوصية الذي هو اكتساب. فالكلام فيه كالكلام في الهبة يتبع صدق الغنيمة، و كونها بمعنى الفائدة المكتسبة.

و عدم ذهاب المشهور إلى القول بالخمس في عوض الخلع و مثله يكشف عن عدم مصيرهم الى المعنى الأعم من الغنيمة و الفائدة، و ذلك يكشف عن أن ذلك ليس معناها، فإنهم من أهل اللسان.

أما الوقف الخاص أو العام، فهو إيقاف الملك عن الجريان، و حبسه عن الحركة. فتارة تصرف العين الى الوجودات الخاصة كالأولاد مثلا فهو وقف خاص، فالعين لهم، و يكون نماؤها حادثا في ملكهم فهو ابتداء لهم من دون حاجة إلى القبض، و أخرى يوقف الملك و يجعل مصرفا لنمائه من أنحاء المصارف، و منها إعطائه لنوع خاص أو صنف خاص، و هذا يحتاج إلى القبول و القبض، و ربما يمكن في‌

92

الوقف الخاص أن يجعل الأولاد مصرفا كما يمكن في الوقف العام ان يجعل صرف الوجود من الطبيعي مالكا، و حينئذ يملكون النماء من أول الأمر. و على كل حال إن كان الموضوع للخمس هو الاكتساب أو التصدي لإحداثه ففيما لا يحتاج إلى القبول لا اكتساب فلا خمس، و فيما يحتاج إليه يبتنى على القول بأن القبول اكتساب. و إن لم نقل به- كما هو الحق- فإن الكسب هو التصدّي لإحداث المال لا أخذ المال الموجود فلا خمس، و ان كان الموضوع مطلق الفائدة ففي ما زاد على المئونة يكون فيه الخمس.

هل يتعلق الخمس بالإرث أم لا؟

الظاهر هو الثاني، فإن الموضوع هو الغنيمة و الفائدة، و هي ما يحدث فيها إضافة الملكية أو الجدة الخاصة، و الإرث عبارة عن قيام الوارث مقام المورّث فهو تبادل المضاف لا تبادل الإضافة (كما في الهبة)، أو تبادل المضاف إليه (كما في الابتياع).

مضافا إلى أن الموضوع للخمس هو الغنيمة، و قد فسّرت بالفائدة المكتسبة كما في (مجمع البحرين) و غيره، و صرح به الفاضل المقداد في (كنز العرفان) و العلّامة في (المنتهى) فلا يشمل الإرث. لكن قد ورد في روايتين ذكر الميراث.

الأولى: ما في الفقه المنسوب إلى الرضا عليه آلاف التحية و الثناء من قوله (عليه السلام): «و ربح التجارة، و غلّة الضيعة، و سائر الفوائد و المكاسب و الصناعات و المواريث و غيرها فإن الجميع غنيمة و فائدة».

الثانية: ما في صحيحة على بن مهزيار من قوله (عليه السلام)

93

«و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن» و مفاد الصحيحة بمقتضى تقديم ما حقه التأخير، و تعريفه باللام، و الإتيان بالضمير المنفصل، حيث قال «فالغنائم و الفوائد- يرحمك اللّه- فهي الغنيمة .. و الميراث ..» هو الحصر في ذلك، و مفاد الحصر هو تقييد هذا القسم من الغنيمة و الفائدة بعدم كونه ممّا يحتسب، و ذلك مما لم يقل به أحد. فإن المشهور ينفون الخمس في الإرث، و الحلبي يثبته في مطلقه.

و الحاصل: أن الصحيحة بعد أن لم يعتمد عليها أصحابنا من السلف و الخلف، فظاهرها غير مراد، مضافا الى ما في متنها من أنحاء الاضطراب المانع من الوثوق بصدوره.

ثم إنه بناء على العمل بها وجوبا أو احتياطا، ينبغي أن نتكلم في جهات:

الأولى: إن جملة (من غير أب و لا ابن) هل هي بيان لما لا يحتسب، فيلزم الخمس في جميع ما عدا الميراث من الأب و الابن، فيعمّ في إرث الأم و الأخ و العمّ و الزوج الى غير ذلك، أو هي متعلق بالميراث، أو الاحتساب بأن يكون الإرث من الأب و الابن أمرا مستقلا خارجا، و الميراث من غيرهما منقسما الى ما يحتسب و ما لا يحتسب، و يكون الحاصل نفي الخمس في ميراث الأب و الابن و الميراث المحتسب من غيرهما، و إثباته فيما لا يحتسب من ميراث غيرهما؟

الظاهر هو المعنى الثاني، ضرورة أن الاحتساب بما له من المعنى صادق في كثير من موارد الإرث، و التعبير عنها بعدم الاحتساب مجاز لا يصار إليه.

94

الثانية: عدم الاحتساب تارة لعدم العلم بكونه رحما له، و أخرى لعدم حسبان أن يرثه لتأخّره في طبقات الإرث من الموجودين الذين يرثونه على تقدير الموت، و ثالثة لعدم حسبان أن يكون له مال فاتّفق قبل موته أنه أصاب مالا، أو لعدم حسبان هذا المقدار من المال الكثير حيث كان يعتقد أن له مقدارا قليلا من المال. و في جميع هذه الموارد يوصف الميراث بأنه غير محتسب، كما هو مفاد الحديث. و قد مثّل في (العروة الوثقى) بقوله: (إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالما به) الثالثة: إذا شكّ في الاحتساب بالشبهة المفهومية، فالظاهر أن يحكم بعدم الخمس، فإن الموضوع هو الميراث بقيد عدم احتسابه، و متى احتمل أنه مما يحتسب فالموضوع غير محرز، و الأصل عدم الخمس و البراءة من وجوبه.

الرابعة: إذا علم بأن المورث كان عليه الخمس و لم يؤدّه، فإن كان الإرث مما لا يحتسب كان عليه خمسان: أحدهما عمّا في نفس المال من الأول، و ثانيهما لأجل أنه ميراث لا يحتسب. و إن كان مما يحتسب فعليه خمس واحد و هو واضح. و يلحق بما ذكر ما إذا علم إجمالا بأن الميت إمّا أن ذمته مشغولة بالخمس أو الخمس في تركته، فإنه يعلم تفصيلا بالخمس في تركته.

الخامسة: إذا شكّ في أن المورّث هل في ماله خمس أم لا؟ ففيه صور:

أحدها- أن يشكّ في أصل حصول الربح لديه، فيستصحب عدم‌

95

وجوب الخمس عليه [1] و يده أمارة لملكية تمام تركته، فتعمّه قاعدة (ما تركه الميت لوارثه) و ذلك حاكم على استصحاب عدم تملّك الوارث تمام التركة.

ثانيها- أن يشكّ في صرف الميت ما ربحه في مؤنته بعد العلم بحصول الربح و تلفه، فاستصحاب عدم صرفه فيها لا يثبت اشتغال ذمته، و لا مجرى لاستصحاب وجوب الخمس عليه، فإنه كان مقيدا بكونه بعد المئونة، فحينئذ بمقتضى يد الميت يحكم بملكيته لتمام التركة و يرثها الوارث.

ثالثها- أن يشكّ في زيادة الربح على المئونة بعد العلم بحصوله و صرفه فيها. و مرجع ذلك إلى الشك في حصول الربح الزائد على المئونة فيستصحب عدمه، و لا يعارض باستصحاب عدم الأقل لعدم الأثر.

رابعها- أن يشكّ في أدائه البدل عما عليه من الخمس مع العلم بزيادة الربح على المئونة و بقائه، فهاهنا لم تشتغل ذمة الميت بدين، لفرض بقاء الربح و عدم إتلافه، و إنما كان الواجب عليه أداء الخمس.

و يشك في سقوطه بأداء البدل فيستصحب بقاء هذا الواجب المالي إلى حين الموت، لكن لا يكتفى به إلا إذا كان موضوع الإخراج من التركة مركبا من موت المورث و بقاء الواجب المالي إلى حين موته، و أما لو كان الموضوع هو الموت عن واجب مالي بنحو التقيد، فاستصحاب عدم الأداء أو استصحاب بقاء الواجب لا يثبت ذلك. نعم يمكن استصحاب‌

____________

[1] و أما توهّم أصالة براءة الميت عن وجوبه فلا مجال له، فإنه أصل حكمي مرتبط بشك الميت لا بشك الوارث.

96

بقاء الحق الوضعي (أعني الخمس) في ماله حيث أنه يشك في سقوطه بإعطاء بدله.

خامسها- أن يشكّ في أن ما تركه تمام الربح الذي فيه الخمس، أو هو أربعة أخماسه، و قد أدّى الخامس منها. و ذلك عبارة أخرى عن الشك في قسمة المشاع و إفراز السهم، بناء على أن يكون الخمس كسرا مشاعا، أو الشك في سقوط الحق المالي المشاع بناء على أن يكون واجبا ماليا. و مقتضى الاستصحاب بقاؤه على ما هو عليه فيؤدي خمس هذا الموجود الذي تركه الميت.

سادسها- أن يشك في تخميس الربح الزائد قبل أن يتلفه بأن يحتمل أنه خمسه أولا ثم أتلفه، و الظاهر أن الوارث ليس عليه شي‌ء، فإن استصحاب عدم التخميس لا يثبت اشتغال ذمة الميت بسبب إتلافه، و لا يمكن استصحاب وجوب تخميس المال الذي كان متحققا، فإن الوجوب يسقط بانعدام موضوعه أي بإتلاف المال، و إنما الذي يمكن أن يتوجّه بعده هو إيجاب تفريغ الذمة عما اشتغلت به، و هو مشكوك فيه و مقتضى الأصل عدمه. و استصحاب عدم التخميس لا يثبته إلا على القول بالأصل المثبت، أو بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من استصحاب الكلي، بتقريب أنه يحتمل بقاء الوجوب بقيام الفرد مقارنا لزوال الفرد السابق، و كلا الأصلين لا يصار إليهما لبطلانهما.

سابعها- أن يشكّ في تدارك ما أتلفه قبل تخميسه، بأن يحتمل أنه أتلف الربح الزائد ثم تدارك ما اشتغلت به ذمته، فيستصحب اشتغال ذمة الميّت و يؤدى الخمس من تركته، إلا أن يقال بأن الموضوع لأداء الدين‌

97

من التركة هو مورث المورّث في حال كونه مديونا [1]، و ذلك لا يثبت بالاستصحاب.

أو يقال: إن استصحاب وجوب أداء الدين بعنوان أنه أداؤه فرع استصحاب الدين، و كما أنه لا يجري، لفرض تقيد الموضوع بكون الممات عن دين، كذلك لا يجري استصحاب وجوب أدائه لأجل ذلك.

و بعبارة أخرى: الواجب المالي الذي مات عنه المورّث يقدم على الإرث، و الاستصحاب لا يثبته.

و على ذلك فهل يجوز للوارث أن يتصرف في تمام التركة أم لا؟

الظاهر هو الثاني، فإن تصرفه في ذلك إنما هو بعموم (ما تركه الميت فلوارثه) و قد خصّص ذلك بما قابل الدين، فالأخذ به تمسك بالعام في الشبهة المصداقية في مفروض المقام، و هو اشتغال ذمة الميت، بالدين و احتمال بقائه إلى حين موته.

فتلخّص أن الوارث ليس له أن يتصرف في تمام تركة الميت مما استفادها في حياته مع الشك في تخميسه، إمّا لاستصحاب بقاء حق الخمس فيها، أو لأجل عدم إمكان أخذه بعموم (ما تركه الميت فلوارثه) فيقتصر على أربعة أخماسها.

نعم لا يكلّف بتدارك ما أتلفه الميت في حياته بما ظهر مما تقدم.

أجرة العمل:

يجب الخمس في أجرة العمل لأنه من الاكتساب و الاستفادة،

____________

[1] بل إلا أن يحتمل كون الموضوع كذلك، فإنه يكفي الاحتمال في هذا المقام.

98

مضافا إلى ما ورد في رواية الأشعري من الاستفادة في جميع الضروب، و على الصنّاع، (1) و في رواية على بن مهزيار عن ابن راشد من قوله (و الصانع بيده) و في رواية عبد اللّه بن سنان من قوله (حتّى الخياط ليخيط قميصا بأربعة دوانيق فلنا منه دانق) إلى غير ذلك.

لكن يقع الكلام في خصوص الأجرة على الأعمال العبادية حيث ورد فيما رواه الكافي من مكاتبة على بن مهزيار أنه قال: «كتبت إليه يا سيدي، رجل دفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس؟ أو على ما فضل في يده بعد الحج، فكتب (عليه السلام):

ليس عليه الخمس» (2) و هذه الرواية بإطلاقها تعمّ إذا كان المال ملكا للدافع أو زكاة، و كذا تعمّ ما إذا كان الحج بنحو النيابة أولا، و كذا تعمّ ما إذا كان الفاضل في يده زائدا على مؤنة سنته أولا، فإمّا أن يخصّص بذلك عموم دليل الخمس في الاستفادة و لو بالصنيعة، أو يقال بعدم حجية الرواية لضعف السند.

و أقول: إن كانت النيابة عبارة عن تنزيل النفس منزلة المنوب عنه، كما هو مسلك عدّة من الأساطين، فمقتضى القاعدة أن لا يجب الخمس في الأعمال النيابية مطلقا، سواء كان حجّا أو صلاة و صياما، أو غير ذلك، ضرورة أن الأجرة حينئذ لأجل أمر نفساني، و كان ذلك بمثابة بيع نفسه، لا لأجل عمل خارجي حتى يصدق الاكتساب، و أما إن كانت النيابة عبارة عن إتيان العمل عن المنوب عنه، من دون تنزيل في البين، و أن الأجرة تؤخذ في قبال العمل كذلك- كما هو مقتضى التحقيق- فلا‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

99

فرق بين الأعمال، و كلها على نسق واحد في صدق الاكتساب. و لعل المكاتبة بقرينة سؤاله عن الخمس حين يصير إليه محمولة على أن الخمس في الاكتساب ليس كغيره من الموارد كالمعدن و الغوص و نحوهما يجب فورا، بل إنما هو بعد المئونة. و لعل ما يفضل بعد الحج لا يزيد عادة على مؤنة سنة الرجل.

لو خرجت المئونة عن كونها مؤنة:

إذا اشترى من الربح ما هو مؤنة كدار السكنى مثلا، فخرجت عن كونها مؤنة و مع ذلك أبقاها، أو باعها بمثل ثمنها، أو ارتفعت قيمتها السوقية [1] فباعها بالأكثر، فهل يجب تخميس ثمنها لأنها في حدّ ذاتها كانت فائدة، و كانت حيثية كونها مؤنة تمنع عن تعلق الخمس بها، فلما ارتفع المانع تمّت العلة التامة. نعم لو اشترى بهذا الثمن دارا للسكنى أو مؤنة أخرى فالمقدار الزائد على الثمن الأول لا خمس فيه، فإنه ربح هذه السنة و قد صرف في مؤنتها، و أما مقدار الثمن الأول فليس من ربح هذه السنة حتى يجوز صرفه في مؤنتها، أو لا يجب تخميس ثمنها أصلا، فإن الدار مثلا لم يكن فيها الخمس في أول الأمر، و لم تكن معدّة للاكتساب، و ليس بيعها إلا تبديل ما لا خمس فيه بمال آخر، فلا يصدق عليه الفائدة المكتسبة و لا عنوان الاستفادة؟

ربما يقال بالأول بتقريبين:

أحدهما: إن الدليل المتكفل لحكم العام يكشف بالإنّ عن الملاك‌

____________

[1] تقدّم أن ارتفاع القيمة في حدّ نفسه، لا أثر له حيث إن المالية من الاعتبارات العقلائية، و ازديادها لا يسمى فائدة، فإن الفائدة هي زيادة المال في الخارج.

100

فيه، و حكم الخاص المنافي له يكشف عن كونه مزاحما و مانعا عن تعلّق الحكم ما دام العنوان ثابتا، فيرتفع المانع بارتفاعه، و يتم الملاك، و يثبت حكم العام. و ما نحن فيه كذلك حيث إن الخمس قد ثبت لكل فائدة، و قد ورد التخصيص بالمئونة، و قد زال عنوانها بسبب البيع.

و ربما أمكن أن يستشكل على ذلك أولا: بأن عدم ثبوت حكم العام ربما كان لعدم المقتضي في الخاص، دون وجود المانع فيه.

و ثانيا: إن العنوان في الخاص كلي ينطبق على ذوات الأفراد، فهي بذواتها محكومة بالحكم، فزوال العنوان أحيانا لا يوجب أن يتبدّل حكمها، و تكون محكومة بحكم العام.

و ثالثا: من الممكن أن يكون العنوان بمجرد حدوثه مانعا، من دون أن يلزم بقاؤه.

لكن يندفع ما ذكر.

أمّا الأول: فإنّ المخصّص، و إن احتمل أن يكون فاقدا للمقتضي، و يكون- لبّا- بمنزلة التخصص، لكن في مقام الإثبات حيث كان عنوان العام منطبقا عليه، و قد انكشف بالإنّ ثبوت المقتضى فيه، فلا محالة لا يكون التخصيص إلّا لأجل المزاحمة و المانعية.

و أما الثاني: فلازمه أن يكون عنوان المخصص معرفا محضا غير دخيل في ملاك حكم الخاص، و هو خلاف الظاهر.

و أما الثالث: فهو خلاف الظاهر أيضا، ضرورة إن كل عنوان أخذ في الموضوع ظاهره دوران الحكم مداره حدوثا و بقاء.

ثانيهما: إن العام حيث كان له إطلاق يعم جميع ما ينطبق عليه‌

101

سواء كان معنونا بعنوان الخاص فعلا، أو لم يكن معنونا به أصلا، أو كان قد زال عنه ما كان معنونا به و دليل الخاص إنما يوجب خروج المعنون بالفعل، فمتى زال عنوانه كان مشمولا لحكم العام بحسب إطلاقه، غاية الأمر أن يكون من الأفراد الحادثة.

ثم لو حصل الشكّ في أن عدم محكومية الخاص بحكم العام هل هو لعدم المقتضي، أو لأجل المانع [1] أو شك في أن مجرد حدوث العنوان مانع، أو المانعية تدور مداره حدوثا و بقاء، فيندرج ذلك في دوران أمر المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر. و المتيقن هو خروج الخاص عن الحكم العام ما دام العنوان موجودا فيه بالفعل.

و الحاصل: إنه بناء على ما ذكر لا بدّ من تخميس تمن ما باعه من المئونة التي اشتراها من الربح في سنته إذا لم يشتر بدلها شيئا من المؤن في السنة المتأخرة، و إلا فيخمّس ما كان لها من الثمن حين الشراء لأنه من ربح السنة الماضية، و ما زاد عليه- حيث إنه من فوائد هذه السنة المتأخرة- يجوز صرفه في مؤنتها.

و التحقيق خلاف ذلك، فإن دليل العام هو الآية المباركة، و الحديث الذي بمفادها، و قد دلّ ذلك على ملكية الخمس لأربابه.

ثم الوارد في الرواية أن الراوي سأل بقوله: «أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير، من جميع الضروب و على الصنّاع، و كيف ذلك؟ فكتب (عليه السلام) بخطه: الخمس بعد المئونة (2)».

____________

[1] كما إذا شكّ في أن عنوان الخاص هل هو معرّف محض للأفراد حتى يتطرق احتمال أن عدم محكوميتها لأجل عدم المقتضي، أو هو ذو دخل في ملاك حكمه.

____________

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

102

و ورد أيضا، «الخمس مما يفضل عن مؤنته (1)» و كذلك الروايات الأخر. و هذه إمّا شارحة لذلك الحكم الوضعي- أعني الخمس- فيكون الحاصل أن المجعول في الشريعة هو ملكية خمس ما عدا الفائدة المصروفة في المئونة، و ذلك حكم لموضوع مخصوص لا يعمّ المئونة أصلا، فلا وجه للقول بأن المصرف في المئونة فيه اقتضاء لثبوت الخمس، و ذلك نظير قوله تعالى وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (2) و قوله تعالى فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (3) حيث إن الظاهر أن الموصى به و ما يقابل الدين ليس فيه اقتضاء الوراثة.

و إمّا أنها توجب تقييد الخمس الوارد في الآية و الحديث، و يكون المعنى أن المجعول في الشريعة هو ملكية الخمس في الزائد على المئونة، و أما خمس نفس المئونة فلم تنله يد الجعل حتى في مقام الاستعمال، فلا عموم و لا مخصّص في البين، و إنما يتمّ المصير إلى التخصص لو كان قوله (عليه السلام): «الخمس بعد المئونة» كناية عن تخصيصها لعموم كل فائدة فيها الخمس، و ذلك خلاف الظاهر.

و الحاصل: إنه كما أن الغرام خارج عن موضوع الفائدة، حيث قال (عليه السلام): «الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام» كذلك المئونة خارجة عن موضوع الخمس، فلا دليل على ثبوت الخمس في هذه الكمية المصروفة في المئونة، و لا مجال لثبوت المقتضي، فإن ذلك فرع العموم و التخصيص، و ذلك غير ثابت، فلا‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(2) سورة النساء- 12.

(3) سورة النساء- 12.

103

كاشف عن ملاك الخمس في جميع ما يستفيده الرجل كي يمكن القول بفعلية تأثيره بعد ارتفاع مانعه، أو يتمسك بالإطلاق بالتقريب المتقدم.

إن قلت: نعم، معنى جملة «الخمس بعد المئونة» أن المئونة تخرج من الغنيمة أولا ثم يخرج الخمس كما هو مفاد «أن الخمس مما يفضل عن المئونة» أو أن رتبة الخمس بعد المئونة، فلا يعقل ثبوتها فيها، لكن المئونة حيث إنها من جملة العناوين، و العنوان يدور الحكم مداره حدوثا و بقاء، فمتى خرجت الدار مثلا عن كونها مؤنة بسبب البيع و نحوه تبدّل حكمها، و تعلق بها الخمس، نظير ما يقال في الإرث بعد الدّين أن الدائن إذا أبرأ ذمة الميت أو أداة الأجنبي مثلا ورث الوارث ما يقابله.

قلت: أما مورد الدّين فالمشهور أن التركة كلها للوارث، و إنما الثابت هو حق الدائن، و بالإبراء و نحوه يسقط الحق و يكون إرثا طلقا.

و أما دوران الحكم مدار العنوان فإنما هو في الأحكام الثبوتية المرتّبة على عناوين موضوعاتها بخلاف انتفاء الحكم بعدم موضوعه، و فيما نحن فيه كان عدم الخمس في المئونة لخروجها عن موضوعه، فمتى باع الدار مثلا، فهي و إن خرجت عن كونها مؤنة لكنها ليست- لا بنفسها و لا ببدلها- من الاستفادة التي كان فيها الخمس سابقا لخروجها عن موضوعه كما إنها ليست باستفادة جديدة، فإن بيعها عبارة عن تبديل مال لم يكن فيه الخمس، و لم يكن معدّا للاكتساب بمال آخر.

هذا مضافا إلى قوة احتمال أن عدم الخمس في مقدار المئونة لحكمة الإرفاق و جعلها بمثابة الغرامات، و على ذلك فيكفي في ذلك مجرد ثبوت العنوان و لا يلزم بقاؤه، سواء باعه بثمن أو أبقاه غير محتاج‌

104

إليه في أمر معاشه.

ثم إن ما ذكر إنما كان بالإضافة إلى نفس المئونة إذا خرجت عن الحاجة و اقتناها بلا مصرف، أو باعها بمالها من ثمنها، و أما لو باعها بالأكثر من ثمنها فهل يتعلق الخمس بالزائد، أم لا؟.

لا إشكال في أن الزائد ليس من فوائد السنة لسابقة و إن كان ارتفاع القيمة قد حصل فيها، ضرورة أن ارتفاعها ليس من الفوائد على ما تقدم بيانه، نعم هو كذلك بالقوة، لكن لا وجه لجعل ما بالفعل محسوبا من السنة الماضية بلحاظ كونها ظرفا لما بالقوة، و إنما الإشكال في أن الزائد هل يحسب من الاغتنام في سنة البيع و يكون فيه الخمس، أم حيث أن الغنيمة- على ما في كلماتهم- هي الفائدة المكتسبة، و لم يكن بيع المئونة اكتسابا فلا خمس فيه؟

قلت: الظاهر كفاية صدق الاستفادة، و هي تحصيل المال الزائد [1] و على ذلك فلو صرفها في مؤنة هذه السنة لم يكن فيها الخمس و إلا فيلزم تخميسه، فليتدبر جيدا.

هل يجبر التلف أو الخسارة بالربح أم لا؟

أما التلف، سواء كان من رأس المال أو مما كان مؤنة لمعاشه كالفرش و البساط و الأواني مثلا، فلا وجه للجبر فيها، ضرورة أن التلف ليس من المئونة، و لا أنه يمنع عن صدق الاستفادة لما ربحه.

و أما شراء بدل التالف فيما كان مؤنة فهو أمر آخر، و إن جبره بالربح من باب أن شراء ذلك مع عدم وجوده يعدّ مؤنة، لا أنه جبر‌

____________

[1] و لذلك لا يصدق على قبول الهبة، فإن الهبة تحصيل المال لا تحصيل زيادته.