محاضرات في فقه الإمامية - كتاب الخمس

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
278 /
205

المبحث الخامس كيفية التصرّف في مستحق الخمس

(قال المحقق‌

الثاني في كيفية التصرف في مستحقه، و فيه مسائل:

[الأولى] إذن الإمام:

الأولى: لا يجوز التصرف في ذلك بغير إذنه، و لو تصرف متصرف كان غاصبا، و لو حصل له فائدة كانت للإمام)

ما ذكره (قده) على طبق القاعدة الكلية، و يعم زمان الحضور و زمان الغيبة، فإنه متى ثبت كون شي‌ء نفلا، و أن النفل للإمام ثبت عدم جواز التصرف بدون إذنه، و كون ذلك غصبا. و أيضا الفائدة التي تحصل منه تتبع أصله، و مع عدم الإذن تكون له (عليه السلام).

ثم إنه لا يعتبر الإذن الخاص، و لا لفظ الاذن، بل يكفي الإذن العام، و كل ما دلّ على الرضا كالإباحة و التحليل منهم للشيعة.

نعم، ربما يقال: ان المطلوب من التصرف في الأنفال هو التملك، و ذلك يتوقف على الأذن، فإنه حينئذ يكون بمنزلة الهبة، بخلاف التحليل و الإباحة التي لا تزيد على الرخصة، و عليه ليس لأحد في عصر الغيبة إلا مجرد حلية التصرف دون التملك.

لكن يجاب عنه بأن الحلية- حتى بالإضافة إلى التصرفات المتوقفة على‌

206

الملك- يدل بالالتزام على التمليك، و كونه بمنزلة الهبة.

ثم إنه لما كان التحليل مختصا بالشيعة فغيرهم من فرق المسلمين أو الكفار لا يملكون شيئا من الأنفال و مما يخرج منها، و على ذلك فالمعاملات التي تكون ببيع غير الشيعي لشي‌ء من الأنفال أو بمصالحة أو هبة و غير ذلك تقع باطلة، فإن يده عليها لم تكن مملكة.

إن قلت: قد قامت السيرة على المعاملات مع غير الشيعي، فتكشف عن صحتها، الملازمة لكونه مالكا.

قلت: انما تنفع السيرة مع عدم الردع، و قد وردت الروايات الدالة على تحريم أموالهم من الأنفال و الفي‌ء و غير ذلك على غير أوليائهم.

و بالجملة، فالذي يصل من الأنفال إلى الشيعي بالمعاملة مع غيره، إما يستكشف من إطلاق التحليل الإجازة للمعاملة الواقعة فضولية، و جواز إعطاء الثمن للفضول، أو يقال بأن الشيعي يتملكه ابتداء، و يكون ما يؤديه من الثمن لأجل عناوين أخر من حفظ النظام و التقية، و عدم طروّ بعض عناوين السوء، بل قال بعض الأكابر: انه يظهر من الأخبار وجوب المعاملة مع المخالفين و سائر الملل على ما يعتقدونه في مثل الملكية و الزوجية، و لذا لا يجوز أخذ ما في يدهم بالسرقة و الخدعة و القهر و نحو ذلك.

[الثانية] لو قاطع الإمام:

(قال المحقق‌

الثانية إذا قاطع الإمام على شي‌ء من حقوقه، حلّ له ما فضل من القطيعة و وجب عليه الوفاء).

الإقطاع عبارة عن إعطاء قطعة من الأرض للتصرف فيها، و إعطاء‌

207

القطيعة التي هي بمثابة الأجرة، فما يفضل منها حلال للمقاطع، و يجب عليه أن يفي بالقطيعة، و ذلك كله واضح، و لا فرق في ذلك بين ما يقاطعه الإمام من ما يملكه كالأنفال، و بين ما يقاطعه غيره فيما يملكه.

ثم إنه هل للحاكم- بناء على إطلاق نيابته عن المعصوم- أن يقاطع شيئا من الأنفال للشيعي، أم لا معنى له بعد أن كان يباح له التصرف من قبله (عليه السلام)؟ و أيضا هل له أن يقاطع ذلك لغير الشيعي أم حيث أنه يحرم لغير الشيعي التصرف في الأنفال، فلا تجوز مقاطعته، إلا أن يتملك الحاكم ذلك لنفسه بناء على أن الإباحة تعم التملك، لكن على هذا لا يكون فرق بين مقاطعة الحاكم أو سائر الشيعة و مقاطعتهم.

[الثالثة] الإباحة للشيعة في عصر الغيبة:

(قال المحقق‌

الثالثة- ثبت إباحة المناكح و المساكن و المتاجر في حال الغيبة، و ان كان ذلك بأجمعه للإمام (ع) أو بعضه، و لا يجب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس منه)

حكى العلّامة الحلي في (المختلف) عن الشيخ الطوسي في (النهاية) و (المبسوط) الترخيص في هذه الأمور الثلاثة في زمان الغيبة.

و عن المفيد: الترخيص في خصوص المناكح، و عن سلّار ما يفيد عموم الإباحة لغير هذه الأمور الثلاثة. و عن ابن إدريس الترخيص في التصرف في حقوق الأئمة (عليهم السلام) للشيعة مما يتعلق بالأخماس و غيرها مما لا بد لهم من المناكح و المتاجر و المساكن، و فسّر المتاجر بأن يشتري الإنسان بما فيه حقوقهم و يتّجر في ذلك، و إنما يخرج الخمس مما يربح.

و عن أبي الصلاح: المنع مطلقا، حيث قال: «و يلزم من تعين عليه شي‌ء من أموال الأنفال ما بيّناه في شطر الخمس لكونه جميعا حقا‌

208

للإمام، فإن أخلّ المكلّف بما يجب عليه من الخمس و حق الأنفال كان عاصيا للّه سبحانه، و مستحقا لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمد (ص)، و آجل العقاب لكونه مخلا بالواجب عليه، و لا رخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها، لأن فرض الخمس و الأنفال ثابت بنص القرآن و الإجماع من الأمة، و ان اختلف في من يستحقه، فالإجماع من آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) على ثبوته و كيفية استحقاقه و حمله إليهم، و قبضهم إياه، و مدح مؤدّيه، و ذمّ المخلّ به، و لا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذّ الأخبار» و الإنصاف: أن الأمر ليس كما ذكره من الشذوذ فإن روايات الرخصة و التحليل مستفيضة، و ثبوت فرض الخمس و الأنفال بنص القرآن و الرواية و الإجماع، لا ينافي ذلك، فإن التحليل فرع الملكية الثابتة بذلك.

نعم، لا بد من الجمع بين ما دلّ على حرمة التصرف فيما يستحقونه، و بين ما دلّ على الرخصة و التحليل، و سنذكر ذلك في طي ما يأتي من الكلام ان شاء اللّه.

و بالجملة، فإباحة المناكح و المساكن و المتاجر هو المشهور المعروف، سواء كانت بأجمعها للإمام كما إذا سبيت الجارية في الغزوة بغير الإذن، أو كان المسكن أو المتجر كله من الأنفال، أو كانت بعضها له، كما إذا كان السبي في الغزوة المأذون فيها، أو كان المسكن أو المتجر مما فيه الخمس.

و يدل على ما ذهب إليه المشهور ما رواه في (المستدرك) عن (عوالي اللئالي) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) فقيل له: يا بن رسول اللّه ما حال شيعتكم فيما خصّكم به، إذا غاب غائبكم، و استتر قائمكم؟

209

فقال: ما أنصفناهم إن و أخذناهم، و لا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم، و نبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، و نبيح لهم المتاجر ليزكوا» (1) هذه الرواية و إن لم تكن في مجامع الحديث التي عليها العمل، لكنها توافق مضمونا لما ذهب إليه المشهور من الصدر الأول، و بذلك يحصل ما هو الملاك لحجية الخبر، و هو الوثوق بصدوره، مضافا الى دلالة الروايات الأخر بعمومها، التي منها:

1- رواية سالم بن مكرم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث، يسأل الرجل أن يحلل خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه، أو تجارة أو شيئا أعطيه، قال: «هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم و الغائب، و الميت منهم و الحي، و ما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما و اللّه لا يحل الا لمن أحللنا له» (2) 2- صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر قال: «قال أمير المؤمنين على ابن أبي طالب (عليه السلام): هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا ألا و ان شيعتنا من ذلك و آباؤهم في حل» (3) 3- ما في رواية يونس بن يعقوب أن رجلا يقول لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «جعلت فداك، تقع في أيدينا الأموال و الأرباح و تجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، و إنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد اللّه عليه‌

____________

(1) مستدرك الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 3.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 4.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 1.

210

السلام: ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (1).

4- ما رواه حكيم مؤذن بني عيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: و اعلموا أنما غنمتم من شي‌ء فإن للّه خمسه و للرسول، قال: هي و اللّه الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا» (2).

5- ما رواه الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت له: ان لنا أموالا من غلات و تجارات، و نحو ذلك، و قد علمت أن لك فيها حقا، قال (عليه السلام): فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، و كل من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب» (3).

6- ما رواه الفضيل في حديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قال أمير المؤمنين لفاطمة (عليها السلام): أحلّى نصيبك من الفي‌ء لآباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا» (4).

7- ما في حديث مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال:

«كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، و محلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا ..» (5).

8- ما في حديث حارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 6.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 8.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 9.

(4) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 10.

(5) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

211

أنه قال لنجية: «إنا لنا الخمس في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لنا صفو المال، و هما و اللّه أول من ظلمنا حقنا في كتاب اللّه، إلى أن قال: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا ..» (1).

9- ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «ان أمير المؤمنين (ع) حلّلهم من الخمس، يعني الشيعة ليطيب مولدهم» (2).

10- ما رواه إسحاق بن يعقوب من التوقيع بخط صاحب الزمان (عج) في حديث قال: «و أما الخمس فقد أبيح لشيعتنا، و جعلوا منه في حلّ إلى أن يظهر أمرنا، لتطيب ولادتهم، و لا تخبث» (3).

11- ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال:

«إن اللّه جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفي‌ء، فقال تبارك و تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فنحن أصحاب الخمس و الفي‌ء، و قد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا ..» (4).

12- ما في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين: «أنه قال لرسول اللّه (ص): قد علمت يا رسول اللّه سيكون بعدك ملك عضوض و جبر، فيستولى على خمسي من السبي و الغنائم، و يبيعونه فلا يحلّ لمشتريه لأن نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل و مشرب،

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 14.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 15.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 16.

(4) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 19.

212

و لتطيب مواليدهم، و لا يكون أولادهم أولاد حرام. قال رسول اللّه (ص): ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك، و قد تبعك رسول اللّه في فعلك، أحل الشيعة كل ما كان فيه من غنيمة، و بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لا أحلّها أنا و لا أنت لغيرهم» (1).

هذا و ينبغي البحث عن كل واحد من الأمور الثلاثة التي ذكرها المحقق بالتعميم الذي ذكره من كون ذلك بأجمعه أو بعضه للإمام فنقول:

1- المناكح:

و يراد بها (تارة): النساء المأخوذة في الحرب بين المسلمين و الكفار، أو بين الكفار أنفسهم، أو المأخوذة بالسرقة و الخدعة، و (أخرى) يراد بها شراء الأمة بعين ما كان نفلا، أو بعين ما فيه الخمس من الغوص مثلا، أو الربح غير المخمّس من السنة الماضية، أو من هذه السنة مع كون الشراء زائدا على المئونة. و (ثالثة) يراد بها الزواج الذي يكون المهر فيه من الأنفال أو الربح غير المخمس من السنة الماضية أو من هذه السنة مع كون التزويج زائدا على المئونة.

أما الأول: فذلك هو المتيقن من الروايات كما هو واضح.

و أما الثاني: فالظاهر دخوله في عموم روايات التحليل لطيب الولادة، مضافا الى ما قدمناه من رواية سالم بن مكرم، مضافا الى ما رواه في (المستدرك) «عن تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 20.

213

حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا وَ قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ (1)، أي طاب مواليدكم، لأنه لا يدخل الجنة إلا طيّب الولادة (فَادْخُلُوهٰا خٰالِدِينَ)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن فلانا و فلانا غصبوا حقنا، و اشتروا به الإماء، و تزوجوا به النساء، ألا و إنا قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم» (2).

و أما الثالث: فالظاهر خروج مورده عن الموضوع، فإن التحليل إنما هو فيما يكون معرضا للحرمة، لا في مثل النكاح، فإنه لا يكون محرما بسبب حرمة المهر لأنه فضلة، و مع الغض عن ذلك يكفينا عموم الروايات، و خصوص ما ذكرناه أخيرا عن (المستدرك) عن (تفسير علي ابن إبراهيم).

2- المساكن:

و هذه على أقسام:- أ- فتارة: تكون من الأنفال، كما إذا كانت في الأرض المفتوحة عنوة بغير إذن الامام أو في الأودية و رؤوس الجبال مثلا.

ب- و قد تكون مما فيه الخمس في حد نفسه، كما إذا كانت في المفتوحة عنوة بإذن الإمام بناء على ثبوت الخمس فيها.

ج- و قد تكون منتقلة إليه ممن لا يعتقد الأنفال أو الخمس، سواء كان الانتقال بالشراء أو الهبة أو الإرث أو غير ذلك. و من هذا القبيل ما إذا ورث الشيعي أو اشترى أو انتقل إليه. بسبب آخر، الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم و لم يؤخذ منه الخمس.

د- و قد تكون منتقلة بالوراثة أو بالشراء و غير ذلك، ممن يعتقد‌

____________

(1) سورة الزمر- 73.

(2) مستدرك الوسائل- باب 4 من الأنفال.

214

الخمس و لا يخمّس، و من هذا القبيل ما إذا اشتغلت ذمة المالك بالخمس فمات و انتقل ما في الذمة إلى ما يملكه من الأرض.

ه‍- و قد يكون ثمنها من الأنفال أو مما فيه الخمس، كما إذا اشتراها بشي‌ء من الكنز غير المخمّس أو الغوص غير المخمس أو بشي‌ء من ربح السنة الماضية و لم يكن قد خمّسه.

أما لو اشتراها بربح هذه السنة و كان المسكن من مؤنته، فذلك خارج عما نحن فيه، كما هو واضح. نعم لو كان زائدا على المئونة فهو مما ذكر.

إذا عرفت ذلك فنقول:- لم يرد في المساكن نص بإباحتها سوى ما تقدم من رواية (عوالي اللئالي) و لا يبعد الوثوق بصدورها على ما تقدم بيانه، مضافا إلى ما ذكرناه من رواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ..» (1) و رواية يونس أو المعلّى قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسم، ثم قال: إن اللّه بعث جبرائيل و أمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنها رفى الأرض- إلى أن قال- فما سقت أو استقت، فهو لنا، و ما كان لنا فلشيعتنا ..» (2).

لكن القسم الخامس لا يدخل في عنوان المساكن، ضرورة أن المعاملة تكون فيه فضولية، و حيث لا دليل على إجازة من كان له الثمن أعني الإمام (عليه السلام) فالمسكن باق على ملك البائع. نعم لو اشترى المسكن بالثمن في الذمة و أدّاه للبائع من الأنفال أو مما فيه الخمس، فقد ملك المسكن، لكن تصرفه في ذلك بالأداء يحتاج إلى شمول دليل‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 17.

215

الإباحة لمثله، من باب إباحة مطلق التصرف فيه، و لا يرتبط بإباحة المسكن.

و أما الأقسام الأخر، فالأول منها هو المتيقن إباحته، و لا ريب في شمول الأدلة له، و أما القسم الثاني فالظاهر شمول الأدلة له أيضا.

و أما القسم الثالث و الرابع ففي شمول أدلة الإباحة لها تأمل، لأنه من المحتمل أن يكون المقصود من الأراضي أو المساكن المحللة تلك التي يكون فيها حق الإمام في أصله، و في حدّ نفسه كالأنفال و نحوها، لا ما طرأ عليه الحق. نعم، في بعض الروايات عنوان كونه ميراثا يصيبه و نحو ذلك، و كذا ما يدخل في عنوان التجارة و غير ذلك، فليتدبر جيدا.

3- المتاجر:

و هي على أنحاء:

أ- فتارة يشتري شيئا من الأنفال من غير الشيعي الذي لا يعتقد ذلك.

ب- و قد يتعامل مع من في أمواله أو أرباحه الخمس، و هو لا يعتقده.

ج- و ثالثة يتعامل مع من يعتقد الخمس، و هو لا يخمّس أمواله و أرباحه.

د- و رابعة تكون التجارة بما يؤخذ من الأنفال، كشي‌ء من الآجام و المعادن و الأحجار الموجودة في الأراضي الموات مثلا، و يكتسب بذلك.

ه‍- و خامسة يتّجر بأمواله و يربح فيها، و لا يبالي بما يربح، بل يكتسب و لا يخمّس أصلا.

216

و- و سادسة يتّجر و يربح و يؤجر خمس الربح إلى آخر السنة فهو يكتسب في طول السنة بما لديه من رأس المال و الأرباح.

و قبل بيان الحكم، لا بدّ من ذكر الروايات:- 1- رواية سالم بن مكرم عن أبي عبد اللّه في حديث قال: فقال له: «رجل ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه، أو تجارة أو شيئا أعطيه، فقال (عليه السلام): هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم و الغائب، و الميت منهم و الحي، و ما يولد منهم الى يوم القيامة، فهو لهم حلال ..» (1).

2- رواية يونس بن يعقوب قال: «كنت عند أبي عبد اللّه، فدخل عليه رجل من القمّاطين، فقال: جعلت فداك، تقع في أيدينا الأموال و الأرباح و تجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، و أنّا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (2).

3- صحيحة الحرث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه قال: «قلت: إن لنا أموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أن لك فيها حقا، قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، و كل من والى آبائي فهو في حلّ مما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب» (3).

4- ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

على كل امرء غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 4.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 6.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 9.

217

حيث شاؤوا، و حرم عليهم الصدقة، حتى الخياط ليخيط ثوبا بخمسة دوانيق، فلنا منه دانق، إلا من أحللنا من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة ..» (1).

5- ما في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عن آبائه، عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال لرسول اللّه (ص): «قد علمت يا رسول اللّه أنه سيكون بعدك ملك عضوض و جبر، فيستولى على خمسي من السبي و الغنائم، و يبيعونه فلا يحلّ لمشتريه، لأن نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل و مشرب و لتطيب مواليدهم، و لا يكون أولادهم أولاد حرام، قال رسول اللّه (ص): ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك، و قد تبعك رسول اللّه في فعلك أحل الشيعة كل ما كان من غنيمة و بيع من نصيبه على واحد من شيعتي و لا أحلّها أنا و لا أنت لغيرهم» (2).

إذا عرفت ذلك فنقول:- أما النحو السادس من أقسام المتاجر، فلا إشكال فيه، فإنه مضافا الى عموم الروايات، يجري فيه ما تقدم في محله من تقريب لحاظ الربح بنحو الوحدة في سنة التجارة. و أما الأنحاء الأخر فما كان مع من لا يعتقد الخمس أعنى النحو الأول و الثاني، فلا ريب في كونه موردا للإباحة بمقتضى كونه المتيقن من عموم الدليل، و ما كان مع من يعتقد الخمس أعني النحو الثالث، فالمحكي عن ابن إدريس [3] و الشهيد الثاني في (الروضة) هو التحليل و الإباحة، بل هو‌

____________

[3] قال في (السرائر): «فأما في حال الغيبة و زمانها، و استتاره من أعدائه خوفا على نفسه، فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس و غيرها مما لا بدّ لهم منه من المناكح،

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.

(2) الوسائل- باب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 20.

218

الظاهر من إطلاق كلمات جمع كثير من الأصحاب.

فعن (القواعد) قوله: «و أبيح لنا خاصة حال الغيبة: المناكح و المساكن و المتاجر، و هي أن يشتري الإنسان ما فيه حقهم (عليهم السلام)، و يتّجر فيه، لا إسقاط الخمس من ربح ذلك المتجر».

و كذا قوله في (التذكرة) حيث فسر المتاجر بما فسّر به ابن إدريس.

و في (البيان) قوله: «و رخّص في حال الغيبة .. و فيما يشترى ممن لا يخمّس، إلا إذا إنما، فيجب في النماء».

إلى غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في تعميم التجارة و الشراء من مطلق من لا يخمّس و إن كان معتقدا به، لكن صريح جماعة أخرى الاستشكال، بل الحكم بعدم الجواز نظرا إلى عموم حرمة التصرف في الخمس قبل وصول حقهم إليهم، و قد جمعوا بين الأخبار باختصاص التحليل بمن يبتلى بالتجارة مع من لا يعتقد الخمس.

قلت: إن أغلب أخبار التحريم (1) ناظر إلى الخمس الذي يتعلق بالمكلف نفسه في زمان يمكن إيصال ذلك إليهم دون ما كان في مال الغير الذي يتّجر معه، و أيضا ان بعضها مؤكد للتحليل للشيعة حيث ان في حديث أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قوله: «من أحللنا له شيئا أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، و ما حرّمناه من ذلك فهو حرام» و بعضها لا ينافي التحليل و لا يعارضه كما في حديث محمد بن عثمان العمري (قدس اللّه روحه) عن صاحب الدار (صلوات اللّه‌ و سلامه عليه)

____________

- و المتاجر، و المراد بالمتاجر أن يشتري الإنسان مما فيه حقوقهم (عليهم السلام)، و يتّجر في ذلك، فلا يتوهم متوهم أنه إذا ربح في ذلك المتجر شيئا لا يخرج منه الخمس فليحصل ما قلناه، فربما اشتبه ..».

____________

(1) لاحظ: الوسائل- الباب الثالث من أبواب الأنفال.

219

حيث قال: «و أما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا و يتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا.» ضرورة أن التصرف بسبب التحليل تصرف في المال بأمرهم (عليه السلام)، مضافا إلى أن هذا الحديث لا يبعد كونه ناظرا إلى ما عدا التجارة من الأموال التي تكون في يد نفسه.

و مثل هذا الحديث التوقيع الشريف الوارد بواسطة العمري، و فيه اللعن على من أكل من مالهم (عليهم السلام) درهما حراما، فلا يشمل مورد التحليل.

و كذلك ما رواه العياشي عن إسحاق بن عمار قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا يعذر أحد اشترى من الخمس شيئا أن يقول:

يا رب اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس» فإن التحليل الوارد في التجارة عبارة عن الإذن و أما ما رواه المفيد عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث، قال: «لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» فهو الذي جعله بعض الأكابر منشأ للإشكال كما أشرنا إليه، و هذا الحديث إن لاحظناه بالإضافة إلى عموم أخبار التحليل فيجمع بينهما بالتخصيص بزمان الحضور، فإنه لا ريب في اختصاصه بزمان إمكان الإيصال إليهم، و لا أقل من عدم إطلاقه بالإضافة إلى زمان الغيبة الكبرى صلواته تعالى على مغيّبها. فالمتيقن من تخصيص أخبار التحليل إنما يكون بالقدر المتيقن، و هو تخصيصها بما عداه زمان إمكان الإيصال، فعمومها بالإضافة إلى زمان الغيبة محكّم.

و إن لاحظنا بالإضافة إلى روايات التحليل في خصوص التجارة‌

220

التي كان موردها زمان إمكان إيصال الخمس إليهم، فيتعارضان، و تقدّم تلك الروايات لتعدّدها و كون بعضها أصح سندا كصحيحة الحرث بن المغيرة، و على فرض التساقط فعموم أخبار التحليل محكّم.

فتلخص أن الأظهر ما يحكى عن ابن إدريس و الشهيد الثاني.

و أما النحو الرابع فإن كان الآخذ من الأنفال شيعيا فلا إشكال في إباحة اكتسابه بما يأخذه بمقتضى التحليل، و إن كان الآخذ غيره و هو يشتريه منه و يكتسب به، فمعاملته معه إنما هي صورية لا أنه شراء حقيقة، فيكون الذي يأخذه منه يحل له التصرف فيه بمقتضى أدلة التحليل و الإباحة.

و أما النحو الخامس فقد صرح ابن إدريس و غيره بأن التحليل في التجارة إنما هو بالنسبة إلى ما تعلق بالمال قبل الشراء، و أما ما يربح في التجارة فلا يسقط، لعدم الدليل عليه، بل تشمله أخبار التحريم، لا سيما ما كان مورده الخمس الذي يتعلق بمال المكلف نفسه، فليتدبر جيدا.

هل يفيد هذا التحليل الملك:

ربما يستشكل في ذلك من حيث ان التحليل الوارد في الأخبار عبارة عن إباحة التصرف، و ذلك غير التمليك، فلا يرث الوارث بحسب طبقات الإرث، فهم بما أنهم موالون، على حد سواء في حلية تصرفاتهم، ذكورا و إناثا الأقرب و الأبعد. و كذا لا مجال للوقف و الهبة و الوصية و البيع من الغير، و غير ذلك، فإن هذه الأمور كلها إنما هي مترتبة على الملك دون حلية التصرف.

قال الشيخ الأنصاري (قده) في طي كلامه على التحليل و كونه‌

221

موجبا للتمليك: «و في تطبيق هذه الإباحة على القواعد إشكال من وجوه، مثل: أن الإباحة ليست بتمليك يوجب ترتب آثار الملك، سيما في مثل الجواري، و أن متعلقها لا بد أن يكون موجودا حال الإباحة، مع عدم المباح و المباح له حين الإباحة غالبا، و أن اللازم من التمليك صيرورته للشيعة كالأرض المفتوحة عنوة، لا يختص بواحد دون آخر- الى أن قال:- و الذي يهوّن الخطب الإجماع على أنا نملك بعد التحليل الصادر منهم (عليهم السلام) كل ما يحصل بأيدينا تحصيلا أو انتقالا، فهذا حكم شرعي لا يجب تطبيقه على القواعد ..».

أقول: «ورد في الحديث عن الإمام العسكري عن أمير المؤمنين صلواته تعالى عليهما قوله: «فقد وهبت نصيبي لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي» (1)، مضافا إلى أن ظاهر أخبار التحليل بحسب القرائن أنه ليس كإباحة الطعام للضيف، ضرورة أن المال في أيدي الشيعة معرّض للبيع و جعله ثمنا في الشراء و سائر التصرفات المالكية، فلا بد أن يراد بتحليله إباحة التملك نظير التملك بالحيازة في المباحات الأصلية، و مضافا إلى أن مالكية الإمام للأنفال و الخمس ظاهرها الملكية بحسب الإمامة و الولاية، و هي ملكية حقيقية تكوينية، لا الملكية الاعتبارية التشريعية، و يشهد على ذلك ما رواه على بن راشد الذي كان من وكلاء أبي جعفر الجواد (عليه السلام)، قال: «قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنا نؤتى بالشي‌ء فيقال: هذا كان لأبي جعفر عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، و ما‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 20.

222

كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه و سنة نبيه» (1).

فعلى هذا لا يمنع عن حصول الملكية الاعتبارية و سائر الاعتبارات الشرعية بأسبابها الخاصة إلا عدم إذنهم (عليهم السلام)، فمتى حصل التحليل أثّرت تلك الأسباب من البيع و الشراء و الإيقاف و الحيازة و غيرها آثارها.

و بتقريب آخر: لما كان الخمس حقا ماليا متعلّقا بالمال الذي يملكه المكلف بالأسباب الشرعية، فالتحليل عبارة عن الإذن في استيفاء هذا الحق.

و بهذا يندفع ما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) من وجوه الإشكال، ضرورة أن الإباحة و إن لم تكن تمليكا، لكنها اذن في التملك إما بالاستيلاء و الحيازة أو بالأسباب الشرعية، و أيضا لا يلزم في مثل ذلك وجود متعلق الإباحة و لا المباح له، و أيضا لا ملازمة بين التمليك للشيعة و بين صيرورته كالأرض المفتوحة عنوة، بل ذلك خلاف ظاهر التمليك للطبيعي، فإن التمليك كذلك معناه التمليك للموضوع في القضية الحقيقية التي تعم الأفراد المحققة الوجود و المقدّرة، فكل من سبق الى التمليك اختص به. و أما الأرض المفتوحة عنوة فالدليل منع كونها كذلك، و أما ما أفاده من الذي يهوّن الخطب أي الإجماع على أنا نملك بعد التحليل، فالظاهر أن الملكية تحتاج الى قصد التملك فإن التحليل هو الإذن في أن يتملك، لا أن مجرد الحصول في اليد علة لأن يكون مالكا، فليتدبر جيدا.

____________

(1) الوسائل- باب 2 من الأنفال، الحديث 6.

223

[الرابعة] حكم الخمس في عصر الغيبة:

(قال المحقق‌

الرابعة- ما يجب من الخمس يجب صرفه إليه مع وجوده، و مع عدمه، قيل: يكون مباحا، و قيل: يجب حفظه ثم يوصى به عند ظهور امارة الموت، و قيل: يدفن، و قيل: يصرف النصف الى مستحقيه و يحفظ ما يختص به بالوصاية أو الدفن، و قيل: بل تصرف حصته إلى الأصناف الموجودين أيضا، لأن عليه الإتمام عند عدم الكفاية، و كما يجب ذلك مع وجوده فهو واجب عليه عند غيبته، و هو الأشبه).

مراده من الوجود و العدم في صدر العبارة الحضور و عدمه، و إن كان التعبير بذلك ليس على ما ينبغي.

ثم إن هاهنا بحثان:

أحدهما: وجوب صرف الخمس بتمامه إلى الإمام (عليه السلام):

في زمن الحضور، و هو المحكي عن المشهور تارة، و عن ظاهر الأكثر أخرى. و يدل عليه نصبهم الوكلاء لقبضه، كما هو المأثور عن الأئمة (عليهم السلام)، حتى صاحب العصر (صلوات اللّه تعالى عليه) في الغيبة الصغرى، و قد أمر بذلك في صحيحة علي بن مهزيار حيث قال: «فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لإيصاله و لو بعد حين» (1).

و يشهد لذلك أيضا تصدي الإمام لتقسيم الخمس بين الأصناف الثلاثة كما في الحديث حيث قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يقسمه الإمام بينهم» (2). و في حديث آخر عن العبد الصالح (عليه السلام) قوله:

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 19.

224

«يقسم بينهم على الكتاب و السنة» (1) إلى غير ذلك.

و أنت خبير بأن التقسيم فرع وصول الخمس كله إلى الإمام، هذا مضافا إلى ما يظهر من الروايات المتعددة التي قدمناها في بعض المباحث المتقدمة أن الخمس كله للإمام، و أنه يعول الأصناف الثلاثة من يتامى بني هاشم و مساكينهم و أبناء سبيلهم.

قال في (الجواهر): «و لولا وحشة الانفراد عن ظاهر اتفاق الأصحاب لأمكن دعوى ظهور الأخبار في أن الخمس جميعه للإمام (عليه السلام)، و ان كان يجب عليه الإنفاق منه على الأصناف الثلاثة الذين هم عياله، و لذا لو زاد كان له، و لو نقص كان الإتمام عليه من نصيبه، و حلّلوا منه من أرادوا».

و ليته (قدس سره) كان تعبيره بأنه لولا وحشة الانفراد لأخذنا بما يدل عليه ظهور الأخبار، و ما ذكره من التحليل لمن أرادوا يعم التحليل لمطلق الشيعة، و لبعضهم خاصة كما في حديث أبي سيار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك و أعرض لها، و هي حقك الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا- الى أن قال- فقال لي: يا أبا سيار قد طيبناه لك، و حللناك منه، فضم إليك مالك ..» (2)

البحث الثاني: في حكم الخمس في زمان الغيبة، منّ اللّه تعالى على الأمة الإسلامية بانقضائه، و منّ علينا بإدراك زمن حضور الحجة المهدي (صلوات اللّه تعالى عليه)، فأقول: لما لم يكن الخمس وجوبه‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من قسمة الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

225

تكليفا محضا يسقط بعدم القدرة على إيصاله جميعا أو إيصال نصفه، بل كان أمرا وضعيا لا مجال لسقوطه بمجرد عدم القدرة، نتكلم حينئذ في مقامين:

المقام الأول: فيما تقتضيه القاعدة، و هو ثبوته في عصر الغيبة.

حيث ان دليل تشريعه يعم جميع الأعصار، فإن الأحكام قضايا حقيقية تعم الأفراد المحققة الوجود و المقدّرة، و لا مجال للبحث عن اختصاص الخطابات بالمشافهين، أو عمومها للغائبين و المعدومين، فإن ذلك إنما هو في القضايا الخارجية، و هي تختص بالمشافهين، و تتعدى الى غيرهم بتنقيح المناط، بلحاظ اشتراك الكل في الأوصاف، و بالنظر الى ما ذكرناه لم يكن التعدي من زرارة مثلا الى غيره في الحكم الذي خوطب به من حيث تنقيح المناط، بل من حيث ان توجيه الحكم اليه كان بلحاظ أنه فرد للموضوع في القضية الحقيقية.

و يشهد على ما ذكرناه مضافا الى أن تشريع الشريعة لا يكون إلا كذلك، ما ورد في الحديث في (أصول الكافي) في باب (أن الأئمة هم الهداة) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ (1). فقال: رسول اللّه المنذر، و علي (عليه السلام) الهادي- إلى أن قال- لو كانت إذا نزلت آية على رجل، ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، و لكنه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى» (2).

ثم إن القاعدة على مبنى كون الخمس ملكا لأربابه و مشاعا في‌

____________

(1) سورة الرعد- 7

(2) أصول الكافي- كتاب الحجة- باب أن الأئمة هم الهداة، الحديث 3.

226

المال يراجع المكلف الحاكم في إفراز هذا المشاع، فيتصدق بالسهم المبارك عن المعصوم بملاك ما ثبت من الصدقة في اللقطة و نحوها، ضرورة ان عدم المعرفة لصاحبها لم يكن له الدخالة في الحكم، و إنما الموجب للتصدق هو عدم إمكان الإيصال إلى صاحبها. و لعله كان بملاحظة أن مال الغير إذا لم يمكن إيصاله بعينه إليه فيوصل إليه بدله و هو الصدقة.

و يمكن أن يقال: إنه يصرفه فيما يعلم أن المعصوم (عليه السلام) يرضى به من باب العلم بالرضا بشاهد الحال، و نظرا إلى أن مفاد قولهم (عليهم السلام): (لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه) هو كون ذلك علة تامة لحلية التصرف في المال.

قال صاحب (الجواهر): «و أما حقه، فالذي يجول في الذهن أن حسن الظن برأفة مولانا صاحب الزمان روحي لروحه الفداء يقضي بعدم مؤاخذتنا في صرفه على المهم من مصارف الأصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة، بل و لا في صرفه في غير ذلك من مصارف غيرهم مما يرجح على بعضها و ان كانوا هم أولى و أولى عند التساوي، أو عدم وضوح الرجحان. بل لا يبعد في النظر تعين صرفه فيما سمعت بعد البناء على عدم سقوطه، إذ غيره من الوصية به أو دفنه أو نحوهما تعريض لتلفه و إذهابه من غير فائدة قطعا، بل هو إتلاف له، و أقوى من ذلك معاملته معاملة المال المجهول مالكه، باعتبار تعذر الوصول إليه روحي له الفداء، إذ معرفة المالك باسمه و نسبه دون شخصه لا تجدي، بل لعل حكمه حكم المجهول المالك باعتبار تعذر الوصول إليه، للجهل به، فيتصدق به حينئذ نائب الغيبة عنه، و يكون ذلك وصولا إليه على حسب‌

227

غيره من الأموال التي يمتنع إيصالها إلى أصحابها و اللّه أعلم بحقائق أحكامه» (1).

هذا كله على مبنى ملكية الخمس عينا خارجا.

و أما على مبنى كون الخمس حقا ماليا يشبه حق الرهانة أو حق الغرماء في تركة الميت، و نحو ذلك، فلا يجري فيها، و كذا فيما أتلفه صاحب المال و استقرّ في الذمة عنوان التصدق، و لا التصرف بالرضا بل لا بدّ من قبض الحاكم له بناء على عموم النيابة و كونه من الوقائع الحادثة.

و السر في ذلك أن تعيين ما في الذمة من الحق في المال الخارجي يحتاج إلى قبض ذي الحق أو نائبه، و حينئذ فالحاكم بعد قبضه يتصدق به، أو يصرفه في مرضاة المعصوم (عليه السلام). نعم للحاكم أن يوكل صاحب المال الذي فيه الخمس أو يوكل غيره في القبض، ثم العمل بالتكليف من التصدق و الصرف في مرضاة المعصوم عليه الصلاة و السلام.

مناقشة الأقوال في المسألة:

و لنشرع في بيان الأقوال في المسألة و أدلتها، و ما يستفاد من الأخبار. فقد ذكر المحقق (قده) أقوالا خمسة:

أحدها: إباحة الخمس كله.

ثانيها: وجوب حفظه كله و الإيصاء به.

ثالثها: دفنه كله و جعله كنزا يخرجه صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه) عند ظهوره.

____________

(1) الجواهر ج 16، ص 177.

228

رابعها: صرف نصفه في الأصناف الثلاثة من السادة و حفظ النصف الآخر المختص به و الإيصاء به أو دفنه.

خامسها: صرف هذا النصف المختص به في الأصناف الثلاثة.

و هناك أقوال أخر:- منها: ما ذكره صاحب (الوسائل) حيث قال في الباب الرابع من الأنفال: (باب إباحة حصة الإمام من الخمس للشيعة مع تعذر إيصالها إليه، و عدم احتياج السادات) و مفاده صرف حصة الأصناف الثلاثة إليهم. و أما حصة الإمام (عليه السلام) فيجب إيصالها إليه إن أمكن، كما هو كذلك في زمن الحضور، و إلا كما في عصر الغيبة و نحوه، فتصرف في الأصناف الثلاثة مع احتياجهم، و إلا فتباح للشيعة.

و منها: ما اختاره صاحب (المدارك) حيث قال: «و الأصح إباحة ما يتعلق بالإمام من ذلك» و مراده إباحة سهمه (ع) و وجوب سهم السادة و إيصاله إليهم. و قد اختار هذا القول صاحب (الحدائق)، و هو الذي أراده المحدث الكاشاني في (الوافي) حيث قال: «و أما في مثل هذا الزمان، حيث لا يمكن الوصول إليهم فيسقط حقهم رأسا دون السهام الباقية، لوجود مستحقيها ..».

و قال في (المفاتيح): «و الأصح عندي سقوط ما يختص به، لتحليلهم ذلك لشيعتهم ..».

و منها: ما عن ابن حمزة من قوله: «و الصحيح عندي أنه يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقر و الصلاح و السداد».

و منها: ما يظهر من الشيخ صاحب المعالم في كتابه (منتقى الجمان) (1) من اختصاص التحليل بخصوص خمس الأرباح، فإن كله‌

____________

(1) منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح و الحسان ج 2، ص 145.

229

للإمام (ع) لا يشترك فيه سائر الأصناف، و أما سائر ما فيه الخمس فهو مشترك بينهم و بين الأصناف الثلاثة.

و منها: ما عن المجلسي (قده) من أن أخبار التحليل ناظرة إلى جواز التصرف في المال الذي فيه الخمس قبل إخراج الخمس، بأن يضمن الخمس في ذمته.

و لمناقشة الأقوال التي ذكرها المحقّق (قده) ينبغي أن نقسمها الى مجموعتين:-

المجموعة الاولى: الأقوال المتضمنة لإباحة الخمس للشيعة:

و ينسب ذلك الى سلّار على ما في (المختلف). و قد حكاه صاحب الحدائق عن الشيخ عبد اللّه صالح و عن معاصريه، و ربما يعبر عن هذا القول بالسقوط كما عن المفيد، حيث يحكى عنه أنه قال:

«قد اختلف أصحابنا في حديث الخمس عند الغيبة، و ذهب كل فريق منهم إلى مقال، فمنهم من يسقط فرض إخراجه لغيبة الإمام بما تقدم من الرخص فيه من الأخبار ..».

و عن (الذخيرة) أنه قال: «لا دليل على ثبوت الخمس في زمن الغيبة، لأنه منحصر بالآية و الأخبار، و لا دلالة لشي‌ء منهما عليه. أما الآية فلاختصاصها بغنائم دار الحرب المختصة بحال الحضور دون الغيبة، مع أنها خطاب شفاهي متوجه الى الحاضرين خاصة، و التعدية إلى غيرهم بالإجماع انما يتم مع التوافق في الشرائط جميعا، و هو ممنوع في محل البحث، فلا تنهض حجة في زمان الغيبة، و لو سلّم فلا بد من صرفها إلى خلاف ظاهرها، إما بالحمل على بيان المصرف‌

230

أو بالتخصيص جمعا بينها و بين الأخبار الدالة على الإباحة.».

أقول: يتوجه عليه أن الآية بما أنها مشتملة على الموصول و الصلة، فهي عامة في نفسها، مضافا إلى ما ورد في تفسيرها، و العام لا يخصّص بالمورد الذي هو الجهاد، فهذا العام له هذا الحكم، و ما يغتنم في الجهاد أحد مصاديقه.

و أما ما ذكره من الخطاب الشفاهي فهو مما لا أصل له، لما قدمناه من أن تشريع الشريعة و أحكامها انما يكون بنحو القضية الحقيقية التي تعم بنفسها المعدومين، و ما ذكر من الاختصاص بالحاضرين إنما هو في الخطابات الشخصية الخارجية، و التعدي فيها انما يكون بتنقيح المناط من أجل التوافق في الشرائط، فما دلّ على الخمس من الآية و الرواية حيث انه حكم قانوني و تشريع، له العموم بنفسه لجميع الأزمنة. فالقول بالسقوط في عصر الغيبة بمعنى عدم ثبوت الخمس بما أنه أمر وضعي، ساقط لا محالة.

نعم، لو أريد من السقوط سقوط وجوب الأداء نظرا الى مفاد روايات التحليل المؤكدة لذلك الوضع فله وجه.

مستند القول بالإباحة:

ثم إن ما يستند إليه في القول بالإباحة طائفتان من الروايات:- 1- الأخبار التي مفادها تحليل الخمس.

2- الأخبار التي مفادها تحليل حقهم.

أما الطائفة الأولى فهي:- 1- ما رواه الشيخ في (التهذيب) عن حكيم مؤذن بني عيس‌

231

قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تعالى (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ) قال: هي و اللّه الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا» (1).

و رواه الكليني عن محمد بن سنان.

2- ما رواه الصدوق من صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) حلّلهم من الخمس، يعني الشيعة، لتطيب مواليدهم» (2).

3- ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ان أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس، فيقول: يا رب خمسي، و قد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم و ليزكو أولادهم» (3).

4- ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن أذينة قال: «رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة و قد كان حمل الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) مالا في تلك السنة فردّه عليه، فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبد اللّه المال الذي حملته اليه؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال أني كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك أو أعرض لها، و هي حقك [4] الذي جعله اللّه لك في أموالنا، فقال: و ما لنا من‌

____________

[4] و يلاحظ أن الراوي عبّر عن جميع الخمس بحقّه (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 8.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 15.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 5.

232

الأرض و ما أخرج اللّه منها إلا الخمس، يا أبا سيار، الأرض كلها لنا، فما أخرج اللّه منها من شي‌ء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله، فقال يا أبا سيار قد طيبناه لك و أحللناك منه فضمّ إليك مالك، و كل ما في أيدي شيعتنا من الأرض [1] فهم فيه محللون، و محلّل لهم ذلك الى أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم، و يترك الأرض في أيديهم، و أما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم عنها صغرة.» (2).

5- ما رواه الشيخ في الموثق عن الحارث بن المغيرة قال:

«دخلت على أبي جعفر فجلست عنده فإذا نجيّة قد استأذن عليه- الى أن قال- قال: جعلت فداك، ما تقول في فلان و فلان؟ قال (عليه السلام) يا نجيّة إن لنا الخمس [3] في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لنا صفو المال، و هما و اللّه أول من ظلمنا حقنا في كتاب اللّه، و أول من حمل الناس على رقابنا، و دماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة. و إن الناس يتقلبون في حرام الى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجيّة إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ثلاث مرات، هلكنا و رب الكعبة، قال: فرفع فخذه عن الوسادة، فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا أنّا سمعناه في آخر دعائه و هو يقول: اللّهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا» (4).

____________

[1] الظاهر أن المراد الأرض بجميع منافعها. و في شمول ذلك لأرباح التجارة تأمل. ثم أن التحليل لا يختص بزمان المعصوم (عليه السلام) لتصريحه بالامتداد الى قيام القائم (ع).

[3] عبّر عن الخمس بأنه لهم، و قال بعد ذلك أيضا: ظلمنا حقنا.

____________

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 12.

(4) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 14.

233

6- ما رواه الصدوق في كتاب (كمال الدين) بسنده عن إسحاق بن يعقوب قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل إلي كتابا قد سألت فيه مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط صاحب الزمان (ع): أما ما سألت عنه- إلى أن قال- و أما المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران، و أما الخمس [1] فقد أبيح لشيعتنا، و قد جعلوا منه في حل إلى وقت ظهورنا لتطيب و لا تخبث» (2).

7- ما رواه الكليني عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قلت له: ان بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم فقال (عليه السلام): الكفّ عنهم أجمل ثم قال: يا أبا حمزة، ان الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، قلت: كيف لي بالمخرج من هذا؟ فقال لي: كتاب اللّه المنزل يدل عليه، فإن اللّه تبارك و تعالى جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفي‌ء فقال تبارك و تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فنحن أصحاب الخمس و الفي‌ء، و قد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا، و اللّه يا أبا حمزة ما من أرض تفتح و لا خمس يخمّس فيضرب على شي‌ء منه إلا كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا.» (3).

8- ما رواه الشيخ عن ضريس الكناسي قال: «قال أبو عبد اللّه‌

____________

[1] و هل المراد مطلق الخمس، أو خصوص ما كان في السراري و الإماء بقرينة التعليل بطيب الولادة؟ سيأتي الكلام عليه في ما نورده على الأمر الخامس من الأجوبة.

____________

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 16.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 19.

234

(عليه السلام): أ تدري من أين دخل على الناس الزنا؟ فقلت: من قبل خمسنا أهل البيت، إلا لشيعتنا الأطيبين فإنه محلّل لهم و لميلادهم» (1).

9- ما في تفسير الإمام العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «أنه قال لرسول اللّه (ص): قد علمت يا رسول اللّه أنه سيكون بعدك ملك عضوض و جبر، فيستولى على خمسي من السبي و الغنائم، و يبيعونه و لا يحل لمشتريه لأن نصيبي فيه، و قد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي، لتحلّ لهم منافعهم من مأكل و مشرب، و لتطيب مواليدهم، و لا يكون أولادهم أولاد حرام. فقال رسول اللّه (ص): ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك، و قد تبعك رسول اللّه (ص) في فعلك أحلّ للشيعة كل ما فيه من غنيمة، أو بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لا أحلّها و لا أنت لغيرهم» (2).

و أما الطائفة الثانية، و هي التي بعنوان تحليل حقهم، فهي:- 1- صحيحة الحارث النصري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت له: إن لنا أموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أن لك فيها حقا، قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، و كل من والى آبائي فهو في حلّ مما في أيديهم من حقنا، فيبلغ الشاهد الغائب» (3) أقول: الظاهر أنه أراد من الحق في قوله (قد علمت أن لك فيها‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 3.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 20.

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 9.

235

حقا) جميع الخمس فإنه: أولا- كان التعبير عنه بذلك متداولا، و في عدة من الروايات عبّر المعصوم عنه بذلك، كما ذكر ذلك فيما سبق، و أشرنا إليه فيما يقرب من المقام أيضا، و نقلنا كلام صاحب الجواهر.

و ثانيا: العلة التي ذكرها المعصوم في هذا الحديث لا تتم إلا بإرادة ذلك. اللهم الا ان يقال: ان الراوي قد كان يوصل للسادة سهامهم، و انما يسأل عن سهم الامام، لكن الإنصاف ان ذلك بعيد عن سياق الحديث.

2- ما رواه الصدوق عن يونس بن يعقوب، قال: «كنت عند ابي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه رجل من القماطين، فقال: جعلت فداك، تقع في أيدينا الأرباح و الأموال و تجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، و انّا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (1).

أقول: يتوجه في هذا الحديث ما تقدم من تداول التعبير عن جميع الخمس بحقهم. ثم إنه ربما يتوهم أن التقييد بكلمة اليوم يمنع عن الاستدلال، لاختصاص مفاد الرواية بيوم التقية لاندفاعه أولا بأنه لو كان ذلك لما قال الراوي (انّا عن ذلك مقصرون) بل كان يتعذر بالقصور، بملاك عدم التمكن من الإيصال.

لا يقال: ان الإباحة المالكية لا مجال فيها لتنقيح المناط.

لاندفاعه: بأن المراد هو القطع بالرضا، بلحاظ أنه لما صدرت منهم الإباحة من حيث عدم التمكن لأجل التقية فيقطع بذلك أنه ما كان‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 6.

236

لأجل الغيبة الكبرى.

3- ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن أبي بصير و زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنهم لم يؤدّوا إلينا حقنا، ألا و ان شيعتنا من ذلك و أبناءهم (و آباؤهم خ ل) في حل» (1).

أقول: يتوجه في هذا الحديث أيضا ما تقدم بكلتا الجهتين.

4- ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: «قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه الصلاة و السلام من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله و مشربه من الخمس، فكتب بخطه: من أعوزه شي‌ء من حقي فهو في حلّ» (2) أقول: يمكن القول بأن تعبيره عليه الصلاة و السلام بقوله: (من حقي) دون أن يقول: (من ذلك) مثلا يشهد على أن التحليل يختص بسهمهم عليهم الصلاة و السلام، دون جميع الخمس. لكن لا ظهور له في ذلك، لما تقدم من تداول التعبير عن جميعه بذلك.

ثم انه هل السائل كان يطلب حليّة الخمس الذي يتناوله من الغير، فيأكل و يشرب منه و لا يوصل كله الى المعصوم، أو كان يطلب حليّة الخمس الذي في مال نفسه، حيث لا يؤديه و يأكل منه و يشرب كسائر أمواله، فإن كان المقصود هو الأول فالتقييد بالإعواز لا معارض له، و إن كان هو الثاني فربما يمكن القول بأن مفهومه يوجب تقييد إطلاق‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 2.

237

الحل في سائر الروايات.

لكن يدفعه: أن الصحيحة الأولى للحارث النصري صريحة في عدم الإعواز كما هو ظاهر، فتحمل هذه الجملة على بيان الموضوع المهتم بشأن التحليل في مورده.

5- ما رواه الشيخ عن سالم بن مكرم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رجل و أنا حاضر: حلّل لي الفروج، ففزع أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه، أو شيئا أعطيه، فقال:

هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم و الغائب، و الميت منهم و الحي، و ما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال. أما و اللّه لا يحل إلا لمن أحللنا له.» (1).

أقول: الظاهر من الحديث أنه كان يرى ثبوت حقهم في المال الذي يشتري به الخادم أو يجعله مهرا في التزويج، و في ما يرثه و ما يعطاه، و حيث ان المعصوم عليه الصلاة و السلام لم يستفصل في الجواب عن ذلك، فيعم جميع أنحاء حقهم. نعم شموله لما عدا سهمهم (عليهم السلام) من الخمس يتوقف على كونه بكله لهم، و أن سهام السادة من أجل الإنفاق عليهم من باب العيلولة من ناحية المعصوم.

6- ما رواه الصدوق عن داود الرقى عن أبي عبد اللّه عليه الصلاة و السلام قال: «سمعته يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا،

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 4.

238

إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك» (1).

أقول: لا تختص المظلمة بما يتصرف فيه الناس من الأنفال، بل يعم إطلاقه لكل حق لهم في ما بأيدي الناس.

7- ما رواه الشيخ و الكليني عن معاذ بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «موسّع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه، حتى يأتوه به يستعين به على عدوه» (2).

أقول: التوسعة إنما هي بعد ثبوت حقهم (عليه السلام) فيما بأيدي الشيعة. ثم المراد من الكنز إما هو ما فيه الخمس من المدفون في الأرض أو الأعم منه و مما يكنزه الرجل و يدّخره من أمواله.

8- ما رواه الكليني عن يونس أو المعلى قال: «قلت لأبي عبد اللّه: ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسم، ثم قال: إن اللّه تعالى بعث جبرئيل و أمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار- الى أن قال-: فما سقت أو استقيت فهو لنا، و ما كان لنا فهو لشيعتنا، و ليس لعدونا منه شي‌ء إلا ما غصب عليه، و ان ولينا لفي أو سمع فيما بين ذه الى ذه، يعني ما بين السماء و الأرض.» (3).

و التقريب: أن ما ذكر في الرواية بمثابة القياس المؤلف من الصغرى، و هي قوله (عليه السلام) (فهو لنا) و من الكبرى، و هي قوله‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 7.

(2) الوسائل- باب من الأنفال، الحديث 11، و عبارة (على عدوه) موجودة في (الكافي) دون (التهذيب).

(3) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 17.

239

(عليه السلام): (ما كان لنا فهو لشيعتنا) و الاستدلال بالتحليل انما هو بعموم الكبرى التي كانت صغراها قوله (عليه السلام): (فما سقت أو استقت فهو لنا).

مناقشة روايات الإباحة للشيعة:

و قد أجيب عن هذه الروايات المستدل بها على الإباحة بأمور:

الأول: أن بعضها ضعيف السند، و بعضها الآخر، و ان صحّ سنده، لكن المشهور قد أعرض عنه.

الأمر الثاني: إن التحليل منهم (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، إنما هو تحليل مالكي، فهو من الموضوعات الخارجية، و ليس من الأحكام الكلية يتعبد بثبوتها في الشريعة بالأخبار، فلا مجال في إثبات ذلك بالتمسك بخبر الثقة.

أقول: يتوجه على هذين الأمرين أن الروايات متواترة تورث القطع بصدورها، فلا مسرح لإعراض المشهور، و لا للقول بعدم ثبوته بالخبر، فان ذلك بمثابة السماع من لسان المعصوم (عليه السلام)، و هل يتأتى بعد اليقين ريب؟

الأمر الثالث: انه لا بد من حمل التحليل على تضمينه في الذمة، ثم إيصاله إلى المعصوم، أو إليه و إلى السادة بحسب السهام، و إلا للزم سقوط الخمس بالمرة في عهد الأئمة (عليهم السلام)، بل و في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أيضا، و هو خلاف الضرورة لا سيما مع ملاحظة أنهم كانوا ينصبون الوكلاء لقبض الخمس، كما هو المعلوم من سيرتهم، و من الواضح أن نصب الوكيل في ذلك لا سيما مع الأمر بإيصال الخمس إليه، كما في صحيحة على بن مهزيار حيث قال‌

240

«فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد الى إيصاله» أقوى شاهد على عدم التحليل.

قلت: أما حمل التحليل على التضمين في الذمة فهو خلاف الظاهر، بل الصريح، لا سيما في بعض الروايات. و ما ذكر من لزوم سقوط الخمس في عهدهم (عليه السلام) لا وجه له، فان التحليل غير الاسقاط، بل إباحة مالكية للتصرف أو التملك، فالتحليل يؤكد الثبوت، و لا ينافيه نصب الوكلاء و لا الأمر بالإيصال إليهم، فإن مواليهم ربما يهوون بخالص نياتهم أن يوصلوا حقهم إليهم، و لا يختارون التصرف و إن كان مباحا لهم، مضافا إلى أن جميعهم لم يكن يسهل لهم الوصول إليهم و لا إلى الوكلاء لشدة التقية، كما في عصر الصادقين (عليهما السلام)، و ان الأمر كذلك في عصر الغيبة.

و لو تنزلنا عن ذلك فنقول بتخصيص أدلة التحليل بما إذا طلب الوكيل.

و أما الأمر في الصحيحة بالإيصال إلى وكيله فالظاهر أنه بالنسبة إلى ما بيّنه (عليه السلام) بعد أن ذكر ما صار إلى مواليه من أموال الخرمية الفسقة بقوله: «فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من مواليّ» ثم فرّع عليه قوله: «فمن كان عنده.».

و مع التنزل عن ذلك كله، نقول بالتخصيص بما إذا لم يصدر الأمر بالإيصال. و الحاصل أن التحليل لما لم يكن إسقاطا بل كان قضية شخصيته و إباحة مالكية، و في مثلها تكون التوسعة و التضييق بحسب الأزمنة و الحالات بيد المالك.

241

الأمر الرابع: قد ورد في صحيحة على بن مهزيار التقييد بالإعواز، فلا بدّ من تقييد مطلقات التحليل بذلك.

و فيه ما تقدم عند نقل الصحيحة، من معارضة مفهومها بمنطوق صحيحة الحارث النصري، فليست مسوقة لبيان التقييد، بل لبيان الموضوع المهتم بشأنه.

الأمر الخامس: أن أخبار التحليل، ما عدا التوقيع المبارك، حيث كان كل منهما في زمان المعصوم الذي يكون هو المرجع في الأمور، فالتحليل يختص بذلك العصر و الزمان فلا تعم عصر الغيبة. و أما التوقيع المبارك فاللام فيه للعهد، أي: و أما سؤالك عن الخمس، و لعله كان قد سأل عن الخمس الذي يقع في يده من مال غيره، أو الإماء المسبية، مضافا إلى أن التعليل بطيب الولادة يعين أن المراد هو الثاني، أي الخمس الذي في الإماء المتخذة بالقهر و الغلبة أو السبايا في الحروب غير المأذون فيها، بناء على أن الغنيمة كذلك لا تكون من الأنفال، و إنما يكون فيها الخمس.

أقول: ما ورد من لفظ (الشيعة) أو (شيعتنا) قد أريد به الكلى، كما يقتضيه ظهور اللفظ، و إضافة الشيعة إلى ضمير المتكلم تعم جميع الشيعة، حتى في الأعصار المتأخرة، مضافا الى أنه كيف يمكن تخصيص الأخبار بعصر الحضور [1] مع أن في بعضها التصريح‌

____________

[1] لا يقال: أن أخبار التحليل، و ان كانت متواترة، لكنها بالنسبة الى جميع الأعصار غير متواترة. فهذه الخصوصية لا يمكن إثباتها بخبر الواحد، لما تقدم من عدم حجيته في الموضوعات.

لأنا نقول: هذه مستفيضة، مضافا الى أن القول بحجية خبر العدل في الموضوعات ليس ببعيد، و ان كان واحدا، ضرورة انه موضوع للأثر فيتعبد به، بمقتضى عموم آية النبإ نعم فيما كانت حجة شرعية قائمة على أمر خاص لا يرفع اليد عنها بخبر الواحد. بل تلزم البينة كما هو مقتضى حديث مسعدة بن صدقة.

242

بالتحليل الى أن يظهر أمرهم عليهم الصلاة و السلام، و في بعضها (إلى ان يقوم قائمنا) و في بعضها (ان شيعتنا و أبناءهم في حل) الى غير ذلك، و حيث ان المعصوم عليه الصلاة و السلام و ان كان في العصر المتقدم، له الولاية التامة على الأمة في سائر الأعصار، فلا غرو في تحليله إلى يوم يقوم قائمهم (عجل اللّه فرجه) أو الى ظهور أمرهم عليهم الصلاة و السلام.

و مما ذكرناه يندفع تقريب القول بالاختصاص بعصر الحضور، بأن ضمير المتكلم مع الغير في قوله (عليه السلام) (ما كان لنا) أو (انا أحللنا) و نحو ذلك لا يشمل إلا نفس المعصوم (عليه السلام)، أو هو مع من تقدمه، و شموله للأئمة اللاحقين مجاز لا يصار إليه.

وجه الاندفاع: مضافا إلى ما ذكرناه من التصريح بالاستمرار إلى يوم القيامة، أو قيام المهدي عليه الصلاة و السلام، أن ضمير المتكلم في كلمة (شيعتنا) تعم شيعة جميعهم، حتى شيعة الأئمة اللاحقين، فهي كذلك في قوله (عليه السلام) (ما كان لنا) أو (أحللنا)، و أيضا الأئمة كلهم (صلوات اللّه عليهم) نور واحد، فيراد من الضمير جميعهم السابق منهم و اللاحق، كما هو المراد في قولهم (عليهم السلام) (الخمس لنا، و الأنفال لنا) و نحو ذلك، و المراد في الجميع ذوو القربى، و ذلك يعم جميعهم.

أما التوقيع فلو كان المراد الخمس الخاص لقال (و أما خمس الجواري) مثلا أو (و أما الخمس الذي يقع في يدك) فالظاهر أن السائل كان قد سأل عن الخمس بنحو الكلية، فأجابه (عليه السلام) بذلك.

243

بل يمكن المصير إلى أن قوله (عليه السلام): (و أما الخمس) ليس للعهد، بل هو مرتبط بما تقدمه من قوله (أما المتلبسون بأموالنا.)

أي ان هذه الجملة استدراك لما تقدمها، فليتدبر.

هذا كله مع أنه لو تطرق الى شبهة العهد في هذه الجملة، لتطرق في سائر الجملة مثل قوله (و أما الحوادث الواقعة) و غيرها.

و أما التعليل بطيب الولادة فلا يمنع عن إرادة الكلية، ضرورة أن هذا التعليل بعينه قد ورد في صحيحة الحارث النصري، فإنه لما قال: (ان لنا أموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أن لك فيها حقا) أجابه (عليه السلام) بقوله (فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم).

و يؤيد ذلك، بل يشهد عليه موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كسب الحرام يبين في الذرية» (1). و كذلك ما رواه الشيخ عن أبي خديجة قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

لا يطيب ولد الزنا أبدا، و لا يطيب ثمنه، و الممزير لا يطيب الى سبعا إباء، فقيل: أي شي‌ء الممزير؟ قال: الذي يكتسب مالا من غير حلّه، فيتزوج أو يتسرى، فيولد له فذلك الولد هو الممزير» (2) و عن الكليني روايته، إلا أنه قال: الممزار.

الأمر السادس: توجيه بنحو آخر لاختصاص التحليل- في ما عدا التوقيع- بعصر صدور الأخبار دون عصر الغيبة، و أما التوقيع المبارك فلا يستدل به لأن السند فيه لا يخلو عن شي‌ء، مضافا الى كونه خبرا واحدا‌

____________

(1) الوسائل- كتاب التجارة- باب 1 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(2) الوسائل- كتاب التجارة- باب 96 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9.

244

قد أعرض المشهور عن التمسك به.

بيان ذلك: أن المراد بالتحليل إمّا هو إباحة التصرف، كما ورد بلفظها في بعض الأخبار، أو هو تحليل ما في الذمة و إبراؤها من الحق، و على أي منهما لا يمكن الأخذ بمعناه الحقيقي بالنسبة إلى الأعصار المتأخرة. أما لو كان بمعنى الإباحة فلما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) في ذيل كلامه في إباحة المناكح و المساكن و المتاجر من الأنفال، حيث أشكل على تطبيق الإباحة على القواعد بأن «الإباحة لا بدّ و أن يكون متعلقها موجودا حال الإباحة، مع عدم المباح و المباح له حين الإباحة» و تقريب كلامه: أن فعلية إباحة التصرف تتوقف على وجود ما يتصرف فيه بالفعل، و على وجود من أبيح له كذلك، و مع عدم المباح له و عدم المال الذي يكون بيده، كيف يعقل إنشاء الإباحة بالفعل؟

و أما لو كان بمعنى تحليل الحق، نظرا الى كون الخمس حقا ماليا كما هو معنى قولهم (حقنا) فلا بد من وجود الحق و وجود من عليه الحق، فكيف يعقل شموله لمن يأتي في العصر المتأخر، و هو معدوم بالفعل؟

و الجواب عن ذلك: أن ما ورد من التحليل لشيعتهم، إنما هو إنشاؤه بنحو القضية الحقيقية التي تعم الأفراد المحققة الوجود و المقدّرة، فمتى وجد الشيعي، و وجد له مال، و صار عليه الحق أو اشتغلت به ذمته تحقق التحليل بنحو الفعلية لمكان أن فعلية المحمول بفعلية موضوعه، كما أن فعلية البعث في الواجبات المشروطة بفعلية الشرط.

الأمر السابع: انه كيف يمكن تحليل الخمس، مع أن نصفه‌

245

للغير؟ بل كيف يعقل ذلك مع أنه يلزم حرمان السادة عن المعيشة التي كان سهمهم يتكفلها عوضا عن الزكاة؟ حيث إنه سبحانه و تعالى لما نزههم عن صدقات الناس، جعل لهم نصيبا من الخمس كما ورد في الحديث: «و إنما جعل اللّه هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس و أبناء سبيلهم، عوضا لهم من صدقات الناس» (1) و حينئذ فحرمانهم عن العوض و المعوّض يورث شدة استيصالهم و جعلهم في معرض الذل و المسكنة، بل و التلف، و العياذ به تعالى من ذلك، فلا بد من طرح أخبار التحليل، أو تأويلها، أو اختصاصها بالخمس الذي في الإماء و الجواري، أو فيما يقع في اليد في الاتّجار مع من لا يعتقد الخمس و نحو ذلك.

لا يقال: بأن المراد من الروايات تحليل خصوص سهمهم من الخمس، كما هو كذلك فيما وقع التعبير بكلمة (حقنا) و نحو ذلك.

فإنه يقال: يلزم من ذلك عدم ترتب ما جعلوه علة غائية للتحليل أعنى طيب الولادة، كما هو واضح. نعم لو كان سياق الروايات أن الخمس حيث لا يمكن إيصاله إلينا فقد أبحناه، لأمكن المصير بأن ذلك في خصوص سهمهم (عليهم السلام)، دون سهم السادة، فإنه يوصل إليهم، كما قال بذلك صاحب (الحدائق) في التوقيع الشريف، حيث أوّله بأن المراد من قوله (و أما الخمس فقد أبيح لشيعتنا) أي: و أما سهمي منه، لكنك خبير بأن السياق في الروايات ليس كذلك، بل و في نفس التوقيع الشريف أيضا لا يصار إلى ذلك نظرا إلى التعليل الوارد فيه، فاللازم تفسيره بإباحة الخمس في المناكح خاصة.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.

246

و الجواب عن ذلك أولا: بأن ظاهر عدة من الروايات أن الخمس كله لهم (عليهم السلام)، كما يظهر بالمراجعة، و قد ذكرناها فيما تقدم. و يكفي في ذلك قوله (عليه السلام) بأن الخمس لفاطمة (عليها السلام) و لذريتها الحجج، و ان ذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، أو أن لهم الدانق من خمسة دوانيق الخياط. و كذلك قوله (عليه السلام): «ان الذي أوجبت في سنتي هذه نصف السدس» فإنه لو لم يكن كله له، لما فعل كذلك، و قوله: «لي منه الخمس» الى غير ذلك من التعبير عن الخمس بأنه حقهم. و قد قال أبو الحسن الهادي (عليه السلام): «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي» (1) و الظاهر أن الخمس هو بسبب الولاية و الإمامة حيث ان أداه اللام في آية الغنيمة ظاهرها فيما تكررت ثلاث مرات أنها في الجميع بمعنى واحد، و هي في الأول من جهة ولاية اللّه سبحانه و تعالى، لعدم معقولية الملكية الاعتبارية في حقه تعالى، فتكون في ذي القربى أيضا من أجل ولايتهم التي أكرمهم اللّه تعالى بها، ثم كان عطف اليتامى و المساكين و ابن السبيل من دون تكرار اللام فيهم، لعدم استقلالهم، فإنهم تابعون لدى القربى بلحاظ العيلولة، كما ذكرناه فيما تقدم.

هذا كله مضافا إلى الاستدلال على ذلك بدلالة الاقتضاء، فإنه حيث صدر منهم التحليل للخمس الذي هو اسم للكل، فاللازم أن يكون كله حقا لهم. و لا ينافيه أن يكون للسادة نصيب فيه، بلحاظ أن الإمام (عليه السلام) يعيلهم. و على ذلك يكون الزائد عن مؤنتهم لهم (عليهم السلام)، فإنه باق في ملكه، لا أنه يتملك ما كان لغيره.

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

247

و ثانيا: لو سلمنا أن نصف الخمس ملك السادة، كما ربما ينسب ذلك الى المشهور بين الأصحاب، فلا غرو في أن يبيحوا ذلك بالولاية عليهم، و لا بدّ من المصير الى ذلك، فإن تحليلهم لجميع الخمس، و لو لبعض مواليهم، متواتر إجمالا.

و يؤيده ما رواه أبو خالد الكابلي قال: «قال (عليه السلام) ان رأيت صاحب هذا الأمر يعطى كل ما في بيت المال رجلا واحدا، فلا يدخلنّ في قلبك شي‌ء، فإنه إنما يعمل بأمر اللّه» (1). و كذا ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: «قلت له: أما على الإمام زكاة؟

فقال: أحلت يا أبا محمد، أما علمت أن الدنيا و الآخرة للإمام يضعها حيث يشاء و يدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من اللّه.» و أيضا الصحيح عن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ان جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار- الى أن قال- فما سقت أو سقى منها للإمام، و البحر المطيف بالدنيا» (2) و أيضا ما رواه عمر بن يزيد عن مسمع في حديث، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الأرض كلها لنا، فما أخرج اللّه تعالى منها من شي‌ء فهو لنا» و الحاصل أن الإشكال على تحليل سهم السادة لو كان، فهو على كل تقدير، حتى فيما أباحوه لشخص خاص.

و يندفع بأن ذلك من باب الولاية. و عن المحقق (قده) في كلام له في الجواب عمن أشكل على أخبار التحليل بكونها تحليلا لمال الغير أنه قال: «ان هذا ليس بشي‌ء،

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

248

لأن الإمام لا يحلّ الا ما يعلم أن له الولاية في تحليله» [1] لا يقال: ان التحليل من الموضوعات الخارجية، و هي لا تثبت بخبر الواحد و إن كان عدلا، فإن حجيته مقصورة على ما يرجع الى الحكم الشرعي الكلي.

لأنه يقال: إن الإخبار عن التحليل يكشف عن الحلية في الشريعة، و عن تقييد وجوب إيصال الخمس بما إذا أمكن للشيعة إيصاله إليهم (عليه السلام)، و نحو ذلك، فيرجع ذلك الى الحكم الكلي، مضافا إلى أن التحليل قد ثبت بالتواتر دون الخبر الواحد.

و أيضا: لنا التمسك بعموم ما دل على حجية خبر العدل حتى في الموضوعات، إلا ما خرج بالدليل، كما في مورد الترافع، أو فيما قامت أمارة أخرى على خلافه.

و ثالثا: يمكن تخصيص أخبار التحليل الشامل لسهم السادة بما إذا لم يلزم من تحليله استيصال السادة و الذرية الطاهرة، و ذلك مخصص لبّى يؤخذ به، فلا يصار إلى إباحة سهام السادة فيما كان الأمر كذلك، و تكون النتيجة إباحة خصوص السهم المبارك، و إباحة سهم السادة في بعض الموارد (كإباحة المناكح و المساكن و المتاجر التي تقدم بيانها) مما لا يلزم من إباحته محذور ضيعان السادة و صيرورتهم في معرض الذل، و العياذ باللّه تعالى. و حينئذ لو فرضنا ان زكاة السادة في بلد تصل إلى السادة و يستغنون بها، فلا موجب لرفع اليد عن عموم التحليل.

____________

[1] و كأنه قال: ان الإشكال لو توجه على تحليلهم، لزم توجيهه على تحليله سبحانه، فكما لا مجال للتوقف فيما لو حكم اللّه تعالى بخروج شي‌ء عن ملك أحد، كذلك فيما لو أباح الإمام ما يملكه الغير. و بعبارة أخرى: للمولى أن يبيح مال عبده لمن شاء.

249

و رابعا: ان التحليل قد ثبت في حق الكلي الطبيعي من الشيعة، كما هو مفاد الروايات الواردة فيها بهذا اللفظ، أو لفظ (شيعتنا) فلا يختص التحليل بخصوص صاحب المال نفسه. و حينئذ فلو رأى الحاكم استيصال السادة و اضطرارهم، أخذ الخمس بعضه أو كله من صاحب المال بالجبر عليه مثلا و أوصله إليهم.

الأمر الثامن: معارضة هذه الأخبار المتضمنة للتحليل و الإباحة مع الأخبار المشددة في أمر الخمس، و المحرمة للتصرف فيه، و هي روايات بعضها بعنوان الخمس، و بعضها بعنوان أعم. و إليك بعضا منها:

1- ما رواه الكليني عن محمد بن زيد الطبري قال: «كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الاذن في الخمس، فكتب إليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم إن اللّه واسع كريم- الى أن قال- لا يحلّ مال إلا من حيث أحلّه اللّه تعالى، ان الخمس عوننا على ديننا، و على عيالنا، و على موالينا (أموالنا خ ل)، و ما نبذ له و نشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزووه عنا، و لا تحرموا أنفسكم دعانا ما قدرتم عليه.» (1).

2- ما رواه أيضا بإسناده عن محمد بن زيد قال: «قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: ما أمحل هذا، تمحضونا المودّة بألسنتكم و تزوون عنا حقا جعله اللّه تعالى لنا، و جعلنا له، و هو الخمس. لا‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 2.

250

نجعل لأحد منكم في حل» (1) 3- ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال سمعته يقول: من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره اللّه تعالى، اشترى ما لا يحل له» (2) 4- و روى الكليني عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كل شي‌ء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه فإن لنا خمسه، و لا يحل لأحد أن يشترى من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» (3) و روى المفيد مثله إلا أنه قال: نصيبنا مكان (حقنا) 5- ما رواه الراوندي في (الخرائج و الجرائح) عن الحسين في حديث عن صاحب الزمان (عجل اللّه فرجه) أنه رآه- الى أن قال- فقال (عليه السلام): يا حسين كم ترزأ على الناحية، و لم تمنع أصحابي من خمس مالك؟ ثم قال: إذا مضيت الى الموضع الذي تريده تدخله عفوا، و كسبت ما كسبت تحمل خمسه الى مستحقّه. قال: فقلت:

السمع و الطاعة ثم ذكر في آخره أن العمرى أتاه فأخذ خمس ماله بعد أن أخبره بما كان» (4) 6- ما رواه العياشي عن إسحاق بن عمار قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئا أن يقول:

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 9.

(4) الوسائل- باب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

251

يا رب اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس» (1) 7- ما رواه الصدوق عن محمد بن جعفر الأسدي قال: «كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس اللّه روحه) في جواب مسائلي إلى صاحب الدار: و أما ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا، و يتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، و نحن خصماؤه- إلى أن قال (عليه السلام): فلا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟ انه من فعل شيئا من ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منا ما حرم عليه، و من أكل من مالنا من ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منا ما حرم عليه، و من أكل من مالنا شيئا فإنما يأكل في بطنه نارا و سيصلى سعيرا» (2) 8- ما رواه الصدوق عن الأسدي عن أبيه من التوقيع الابتدائي المتضمن للّعن على من استحلّ من مالهم (عليهم السلام) درهما، ثم نظر في التوقيع و وجده قد انقلب إلى اللعن على من أكل من مالهم درهما حراما» 9- ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار من مكاتبة أبي جعفر (عليه السلام) و فيها: «إن مواليّ أسأل اللّه صلاحهم، أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهّرهم و أزكّيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس- الى أن قال- فأما الغنائم و الفوائد، فهي واجبة عليهم في كل عام- الى أن قال- فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصل‌

____________

(1) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 10.

(2) بحار الأنوار- التوقيع الحادي عشر من توقيعات الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه)، نقلا عن (الاحتجاج).

252

الى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لإيصاله، و لو بعد حين، فإن نية المؤمن خير من عمله» (1) 10- ما رواه الصدوق عن ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: «انى لآخذ من أحدكم الدرهم و إني لمن أكثر أهل المدينة مالا ما أريد بذلك الا أن تطهروا» (2) 11- ما رواه الصدوق عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما و نحن اليتيم» (3) 12- ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن علي بن إبراهيم عن أبيه قال: «كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل، و كان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حلّ، فإني قد أنفقتها. فقال له: أنت في حلّ، فلما خرج صالح، فقال أبو جعفر: أحدهم يثب على أموال آل محمد و أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم، فيأخذه ثم يجيئني فيقول:

اجعلني في حلّ أ تراه ظن أني أقول: لا أفعل؟ و اللّه ليسألنّهم اللّه يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا» (4).

13- ما رواه محمد بن الحسن الصفار عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «قرأت عليه آية الخمس، فقال: ما‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3. و ذكر هذا الحديث هنا بملاحظة دلالته على أن عدم التخميس يلازم عدم الطهارة.

(3) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(4) الوسائل- باب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 1.

253

كان للّه فهو لرسوله، و ما كان لرسوله فهو لنا، ثم قال: و اللّه لقد يسّر اللّه على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحدا، و أكلوا أربعة أحلّاء. ثم قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به و لا يصبر عليه إلا ممتحن قلبه للإيمان» (1).

و رواه بسند آخر عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام). و التقريب في هذه الرواية: أن ما عدا الأربعة ليس بحلال.

14- ما رواه الشيخ عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم، و يكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدي خمسا و يطيب له» (2) و التقريب أن حصول الطيب يتوقف على أداء الخمس.

15- ما في الفقه الرضوي في حديث مفصل قال (عليه السلام):

«فعلى كل من غنم من هذه الوجوه، فعليه الخمس، فإن أخرجه فقد أدّى حق اللّه، و تعرض للمزيد، و حلّ له الباقي من ماله، و طاب- إلى أن قال- فلا تدعوا التقرّب إلى اللّه عز و جل بالقليل و الكثير على حسب الإمكان، و بادروا بذلك الحوادث، و احذروا عواقب التسويف فيها، فإنما هلك من هلك من الأمم السالفة بذلك و باللّه الاعتصام».

و التقريب كما في سابقه من إناطة حلّية الباقي من ماله على أداء الحق، أي الخمس.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(2) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.

254

نفي المعارضة بين هذه الروايات و روايات الإباحة:

لما لم يكن التحليل إسقاطا للخمس، بل مؤكدا لثبوته، فحيث أن الأمر بيده، فله أن يصرح بعدم التحليل لشخص أو لقوم، و يكون ذلك بمنزلة الاستثناء و التخصيص لعموم التحليل للشيعة. فيجمع بين الرواية الأولى و الثانية، و بين ما دلّ على التحليل بذلك. و لا يتوهم أن مفادهما قضية حقيقية، لاندفاعه بأن الإباحة المالكية قضية خارجية يختلف أمرها بحسب الموانع في ناحية المخاطب أو طرو زمان الحاجة، و نحو ذلك، و لا قرينة على عدم إرادة المخاطب بشخصه، حتى تحمل على أنها خارجية، فلا يقاس ذلك بالروايات المتضمنة للحكم الشرعي فيما كان الموضوع شخصا خاصا، فإنها تحمل على كونها حقيقية للعلم بعدم خصوصية ذلك الشخص، و أنه مأخوذ فيها بما أنه فرد للكلي.

هذا مضافا إلى إمكان الجمع في الرواية الأولى بحملها على الاستحباب، و ربما كان التعبير بقوله (عليه السلام): «و لا تحرموا أنفسكم دعانا ما قدرتم عليه» مشعرا بذلك.

و أما الرواية الثالثة، و هي عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام):

فأولا: هي معارضة مع ما دل على إباحة المتاجر المعمول به عند المشهور، فهي معرض عنها لديهم.

و ثانيا: ان اشتراء ما لا يحلّ، مفاده بمدلوله المطابقي بطلان الشراء بالنسبة إلى الخمس، لعدم كونه ملكا للبائع، و لا ينافي ذلك إباحة التصرف فيه للمشتري بعد أن حلّ بيده بمقتضى ما ورد في أخبار التحليل مثل ما عن تفسير الإمام العسكري عن أمير المؤمنين عليه‌