محاضرات في فقه الإمامية - كتاب الخمس

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
278 /
255

السلام أنه قال: «لا يحل لمشتريه، لأن نصيبي فيه، و قد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي» إلى غير ذلك.

و ثالثا: إن عموم قوله (عليه السلام): «من اشترى شيئا من الخمس» يقبل التخصيص بغير الشيعة، فتكون أخبار التحليل مخصصة له.

و رابعا: يقوى اتحاد هذه الرواية مع ما رواه الكليني عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) المغيّا بقوله: (حتى يصل إلينا حقنا) فيختص بزمان إمكان الإيصال، فلا يسقط عموم التحليل الشامل لجميع الأزمنة.

و خامسا: لو كان البائع من الشيعة و قد تصرف فيما بيده، و تملكه بمقتضى التحليل، لا يبقى موضوع لاشتراء الخمس منه، فأخبار التحليل لها الورود على هذه الرواية، لكونها رافعة للموضوع حقيقة.

و أما الرواية الرابعة فهي متّحدة في الحكم مع الرواية الثالثة.

و أما الرواية الخامسة فالتوبيخ على عدم إعطاء الخمس و الأمر بحمله الى مستحقيه، لا ينافي أخبار التحليل، لما قدمنا من أن الأمر بيد المبيح، و له أن لا يبيح في بعض الموارد لمصلحة أو لمانع، و لعل الراوي كان يتجرى و يتسامح في أمر الخمس من دون أن تقوم لديه الحجة على التحليل، و لذا وبّخه على ذلك. و على كل حال فعدم الإباحة في مورد خاص لا ينثلم به عمومها لسائر الموارد، مضافا إلى ما قدمناه أيضا من أن المنع في زمان التمكن من الإيصال لا ترتفع به الإباحة في سائر الأزمنة.

و أما الرواية السادسة و السابعة و الثامنة فأخبار التحليل واردة عليها، رافعة لموضوعها، ضرورة أنه بعد التحليل لا يكون الاشتراء بدون الأذن، و لا التصرف بغير أمرهم، و لا الأكل حراما كما هو واضح.

256

و أما الرواية التاسعة فالأمر بإيصال خمس الغنائم و الفوائد إلى وكيله يختص بزمان التمكن من ذلك، بل و بذلك العصر، لعدم الدلالة على أزيد من ذلك، و لا ينافي عموم الإباحة لغير ذلك الزمان، و غير ذلك العصر، ضرورة أن الإباحة المالكية قضية شخصية لا كلية، و أمر الإباحة بيد المبيح يؤخذ بها حسب ما دلّ الدليل عليه. و يؤكد ما ذكرناه اكتفاؤه عليه الصلاة و السلام بنصف السدس في ذلك العام، و كذا في الضياع و الغلات.

تنبيه: الأمر بالإيصال إلى الوكيل إن كان لأجل الوصول إليه (عليه السلام)، فالأمر كما ذكرناه. و أما إن كان لأجل مصلحة و حكمة، نظرا إلى أن الإتيان إلى الوكيل نحو من التقرب إليهم (عليهم السلام)، فإن الوكلاء أبواب الأئمة (عليهم السلام)، ففي عصر الغيبة لا بد من إيصال الخمس إلى النائب العام من قبل الحجة المهدي (عجل اللّه تعالى له الفرج)، ثم هو يعمل بما استنبطه من الأدلة، من التحليل أو التصدق أو الرضا بالتصرف أو غير ذلك.

و أما الرواية العاشرة فلا تنافي أخبار التحليل فإنه:

أولا: لا قرينة على أن الدرهم المعطى كان خمسا، و لعل أخذه (عليه السلام) الدرهم مع كونه أكثر أهل المدينة مالا، كان لأجل ما يستفيده المعطي من التزكية الباطنية و الطهارة المعنوية.

و ثانيا: إن إعطاء الخمس ليس في غير محله و ان كان مباحا له لو تصرف فيه، ضرورة أن الإباحة تجويز التصرف لا إسقاط الحق، و لا يتعين للمباح له أن يختار ذلك، بل يترجح أن يعطيه عند التمكن، و يحصل له بذلك من الطهارة و التزكية ما لم يكن يحصل لو كان يتصرف فيه.

257

و أما الرواية الحادية عشرة فنسبتها مع أخبار التحليل بالعموم و الخصوص، و تختص التبعات المذكورة في الرواية بغير الشيعة، مضافا إلى أن سوق الرواية يشهد بأن المراد هو أكل ما لهم (عليه السلام) بدون مجوّز شرعي يصدر من قبلهم، فأخبار التحليل لها جهة الورود على هذه الرواية.

و أما الرواية الثانية عشرة فلا يبعد أن العشرة آلاف درهم التي أنفقها صالح بن محمد كانت من الوقف الذي يتولاه، و المفروض أن الوقف كان له، و لا ينافيه ما ذكره (عليه السلام) من اليتامى و المساكين و أبناء السبيل، فإنهم عياله. و لو تنزلنا فلا أقل من احتمال أن العشرة آلاف كانت من الوقف مضافا إلى أنه لو كانت الرواية في خصوص مال الخمس، فالتحريم في مورد أو في عصر خاص يتمكن فيه من الإيصال يوجب تخصيص عموم التحليل إلى ظهور القائم (عجل اللّه فرجه).

هذا كله مع قطع النظر عن أن التعبير بالوثوب على أموالهم و إنفاقها يعطي أنه كان بعنوان الخيانة من دون اعتماد على توسعتهم للشيعة في أن ينفقوا مما بأيديهم بالمعروف.

و أما الرواية الثالثة عشرة فلا منافاة بينها و بين أخبار التحليل، فإنها في مقام الجعل الأول في مقام التشريع بعد أن قرأ الراوي آية الخمس، و لا ينافيه تحليل ولي اللّه تعالى الدرهم الذي كان للّه ثم لرسوله، ثم له (عليه السلام)، لا سيما في العصر الذي لا يتمكن من إيصاله إليه. و ربما يكون استصعاب غير الممتحن قلبه للإيمان من أجل عدم توطين نفسه على هذا الجعل التشريعي، و العياذ باللّه تعالى من ذلك.

و أما الرواية الرابعة عشرة فإن كان المعنى أداء الخمس إليهم عليهم‌

258

السلام فذلك يختص بزمان التمكن منه، و غاية الأمر أن تخصص بها أخبار التحليل، إن لم نقل بمعارضتها لما دل على الحلية في عصرهم.

و إن كان المعنى مطلق الأداء فبمقتضى أخبار التحليل للشيعة يؤديه إليهم، فيطيب له ماله و غنيمته، لكن على هذا ليس له أن يتصرف فيه، فتكون هذه الرواية معارضة لما دل على جوازه في حقه إن قلنا بذلك.

و أما الرواية الخامسة عشرة فلا تعارض أخبار التحليل، فإن قوله (فعلى كل من غنم من هذه الوجوه فعليه الخمس) هو الجعل الأول كما هو مورد الرواية. و كذا ما يتفرع عليه من أن إخراجه أداء لحق اللّه و سبب لحلية الباقي، و لا منافاة بين ذلك و بين تحليل ولي اللّه لذلك الحق، بمعنى إباحة التصرف فيه [1].

لا يقال: إن مفهوم الشرطية في الرواية عدم حلّية الباقي على تقدير عدم إخراج الخمس.

لاندفاعه: بأن المفهوم يتبع المنطوق في كونه بالعنوان الأولى، فلا يعارض ما يحكم عليه بالعنوان الثانوي، مضافا إلى أن أخبار التحليل تقدّم على المفهوم لو فرض بينهما التعارض، فيكون المتحصل أنه إن أخرج الخمس فقد أدى حق اللّه، و ان تصرف فيه اعتمادا على ما صدر من التحليل فقد بري‌ء من الحق.

تنبيهات:

الأول: ليس هذه الروايات على نسق واحد،

بل بعضها- كالرواية الخامسة- لم يرد فيه التحليل على إطلاقه، فإن مفادها حلية الأرض‌

____________

[1] إشارة إلى أن التحليل ليس إسقاطا للحق، حتى يعارض ذلك الجعل، بل هو تجويز للتصرف فيه مع بقاء الحق.

259

للشيعة، و اكتسابهم منها، و لعل المراد خصوص الزراعة و الغرس.

و بعضها يحتمل تحليل ما يقع في اليد من مال الغير الذي فيه الخمس كالرواية الحادية عشرة و الثانية عشرة. و بعضها قد ذكر فيه خصوص الأكل و الشرب من الخمس، مضافا إلى إسنادهما إلى نفس الخمس، حيث يحتمل أنه كان قد تناوله من الغير لأجل الإيصال إلى المعصوم كالرواية الرابعة و بعضها يختص بالمناكح المجمع على إباحتها، و بما يكون في مال الغير و قد ورثه، أو أعطيه كالرواية الخامسة عشرة و بعضها ربما يقال بإجماله كالتوقيع المبارك. و أما الروايات الباقيات الصالحات و هي اثنتا عشر، فمفادها التحليل على إطلاقه إن لم يستشكل من جهة أخرى توجب التخصيص بالإضافة إلى المحلّل له، بمقتضى بعض روايات التحريم على ما سيأتي إنشاء اللّه.

الثاني: إن مفاد سبعة من الروايات جواز التصرف

إما بعنوان الإباحة، أو التطييب، أو الهبة، أو التوسعة في الإنفاق، أو ما كان لهم فلشيعتهم، أو بعنوان عدم التحريم و عدم التكليف. أما باقي الروايات و هي عشرة كاملة فالتعبير فيها بلفظ الحلّ أو التحليل، و حينئذ فإن قلنا بأن الخمس هو الكسر المشاع في المال خارجا فتحليله عبارة عن إباحة التصرف، فلا يختص بمن في ماله الخمس بل يعمّه و غيره. فإن الوارد في الروايات هو التحليل لشيعتهم [1]، و هو كل طبيعي مضاف، فالمكلف و غيره على حد سواء، و عليه لو أخرجه من ماله لأي داع كان، و لو لأجل الاحتياط و نحوه، و فوّضه لغيره من الشيعة فله أن يتصرف فيه بما أنه مصداق لذلك الكلي الطبيعي.

____________

[1] و ذلك في جميع الروايات إلا أربعة: اثنتان منها بلفظ الشيعة، و ثالثة بضمير الخطاب حيث قال: (ما أنصفناكم إن كلفناكم) و رابعة بجملة الموصول و صلته، حيث قال: (من أعوزه شي‌ء من حقي).

260

و أما إن قلنا بأن الخمس حق مالي، فربما يستشكل بأن تحليل الحق عبارة عن إبراء الذمة فيختص بمن عليه الحق، و لا يعم غيره.

لكن التدبر في الروايات يعطي بأن المراد هو تحليل مورد الحق، أي المال الخارجي، حيث قال (عليه السلام): «كل ما في أيدي شيعتنا فهم فيه محللون» أو «في حل مما في أيديهم»، و قال (عليه السلام): «إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا» بعد قوله: (ان الناس يتقلبون في حرام) إلى غير ذلك.

مضافا إلى أن ظاهر تلك الروايات السبعة أن إباحة التصرف أمر ابتدائي، لا أنها من أجل سقوط الحق عن الذمة، فهي قرينة على المراد من التحليل الوارد في سائر الروايات.

الثالث: لا يبعد أن يقال إن وجوب أداء الخمس مرتكز

و مفروغ عنه في مورد أخبار التحليل، فليست هي معارضة لما دل على وجوب الخمس القاضي بوجوب أدائه و عدم التصرف فيه، و إنما هي في قبال ما دلّ على وجوب إيصاله إليهم (عليهم السلام)، فكأنهم نزّلوا شيعتهم في هذه المرحلة منزلة أنفسهم، و عليه فمن عليه الحق ليس له أن يتصرف فيه، و يجب عليه الأداء لا سيما مع التشديد في أمر الخمس و الاهتمام بشأنه، و قد تقدم سابقا الإشارة إلى ذلك.

و بناء على ما ذكر يجمع بين أخبار التحليل و أخبار التشديد في أمر الخمس، و إيجاب إيصاله إليهم (عليهم السلام) بالحكومة، فإن تنزيل الشيعة منزلة أنفسهم يكون حاكما على ذلك.

الرابع: تقدم فيما سبق أنه مع التمكن من إيصال الخمس إلى وكيلهم

يشكل رفع اليد عن الأخبار الدالّة على وجوب ذلك، ففي عصر‌

261

الغيبة حيث إن الفقهاء نوّاب الحجة (عليه السلام)، فمن تمكن من الوصول إليهم لزم أن يوصل إليهم الخمس، و ليس له في نفسه أن يوصله إلى الشيعة، كما ليس له التصرف فيه، و الفقيه يوصله إلى الشيعة مع مراعاة جهة الحسبة إن كانت في البين.

الخامس: لما كان السادة لا تفي زكاة بعضهم لبعض بمؤونتهم،

و من المعلوم بالضرورة أن المعصوم لا يرضى بضيعان الذرية الطاهرة من اليتامى و المساكين و أبناء السبيل، و مصيرهم الى موضع الذل و المسكنة بحرمانهم من الخمس، فتلك قرينة قطعية على لزوم أن يصل إليهم مقدار سهامهم. فعمومات تحليل الخمس للشيعة مخصّصة بذلك تخصيصا لبيّا. بل نقول: إن حديث تحليل الخمس لا يبعد انصرافه إلى خصوص سهم المعصوم (عليه السلام)، نظرا إلى ارتكاز وجوب إيصال سهم السادة إليهم لدى السائل، و كان تحليل سهمه هو الجزء الأخير لسبب طيب الولادة، و لذلك علّل به.

المختار:

تلخص مما تقدم أن التحليل على إجماله متواتر، و لا بدّ من الاقتصار على المتيقن منه.

فالأحوط لزوما أن يؤدي المكلف الخمس كاملا، و لا يتصرف فيه أصلا، و أن يصل إلى السادة سهامهم، و أن يراجع الحاكم في الخمس كله، و لا أقل بالاستيذان منه، بل الأحوط أيضا نية الصدقة عن الإمام المهدي صلواته تعالى عليه فيما يصل الى الشيعة حتى السادة.

نعم على القول بأنه لا يعطى للسادة أزيد من مؤنتهم [1] يمكن‌

____________

[1] لا دليل عليه سوى المرسلتين اللتين تقدمنا فيما سبق، و كان مفادهما فعل المعصوم، و المتيقن منه ما إذا كانت تجبى جميع الأخماس إليه.

262

المصير إلى إعطاء سهم المعصوم إليهم كذلك، حيث لم تقيّد الإباحة و التحليل بكمية خاصة و لا بالفقر و إعواز مؤنة السنة.

بل مقتضى إطلاق التحليل، و لا سيما بالنظر إلى الموارد، هو ذلك بالإضافة إلى الشيعة كلهم، و لا يلزم الاستيعاب. و قد ورد في تفسير الإمام العسكري على ما ذكره في (الوسائل) في الباب الرابع من الأنفال قوله: «أحلّ الشيعة كل ما كان فيه من غنيمة، و بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لا أحلّها أنا و لا أنت لغيرهم» فليتدبر جيدا.

المجموعة الثانية:

في بقية الأقوال التي ذكرها المحقق (قده) في أمر الخمس في عصر الغيبة.

1- انه يجب حفظه، ثم يوصي به عند ظهور أمارة الموت.

و استدل عليه كما عن المفيد (قده) بأن الخمس حق مالي للإمام صاحب العصر (عجل اللّه فرجه)، و لم يرسم ما يصنع فيه، فيكون من الأمانات الشرعية، و يجب حفظه إلى وقت إيابه، و التمكن من إيصاله إليه. و يلزم الإيصاء به، و يوصي كل واحد الى غيره إلى ذلك الوقت الذي رزقنا اللّه تعالى إدراكه.

و فيه: أولا- أن ذلك لا يتم مع وجود وكلائه في عصر الغيبة أعني نوّابه بنحو العموم، فإن الحكومة الشرعية لا تختص بالقضاء، بل هي مشفوعة بالوكالة و النيابة. و من الواضح أن الإيصال إلى الوكيل إيصال إلى صاحب المال.

و ثانيا: إن ما ذكر في الخمس كله مبني على أن لا يكون فيه سهم بالاستقلال للسادة، و ذلك خلاف المشهور، بل ينبغي القطع حتى على‌

263

هذا المبنى بأن المعصوم لا يرضى بتعطيل أمر السادة في جهة مؤنتهم و ادّخار الخمس و حفظه.

و ثالثا: إن ادّخاره و حفظه في عصر الغيبة الكبرى معرّض للتلف و الضياع، لا سيما في هذه الأعصار المتأخرة.

فهذا القول لا مجال للمصير إليه قطعا.

2- أنه يدفن و ربما يستدل عليه بأن ذلك عبارة عن جعله كنزا يخرجه المعصوم عند ظهوره كما في الحديث: «ان الأرض تظهر كنزها عند ظهوره، و أنه إذا قام دلّه اللّه تعالى على الكنوز فيأخذها من كل مكان» (1).

و فيه: أولا- انه مرسل.

و ثانيا: ليس فيه الأمر بالدفن و الإذن فيه، و إعداده لكونه كنزا يخرجه (عليه السلام) لا دليل على وجوبه أو رجحانه.

و ثالثا: ان الدفن معرّض لأن يظفر به الناس و يخرجونه و يتصرفون فيه، و ربما يتلف.

و بالجملة لا مجال للقول بذلك.

3- إنه يصرف النصف إلى مستحقيه، و يحفظ ما يختص به بالوصاية أو الدفن.

و يحكى هذا القول عن الشيخ في (النهاية) و (المبسوط)، و يحكى عن المفيد أيضا، لكن الظاهر أنه يرى خصوص الحفظ و الوصاية دون الدفن، كما أن ابن إدريس يذهب إلى ذلك، و يصرح بعدم جواز الدفن.

____________

(1) في التهذيب ج 1، ص 147، و في البحار ج 13 ص 177. من الطبعة القديمة.

264

و الدليل على هذا القول: أما على صرف النصف أعني سهم السادة إلى مستحقيه فهو أنه حق لهم فيجب إيصاله إليهم عنه، و أما على حفظ ما يخص بالمعصوم أو دفنه فهو ما تقدم. و قد تقدّم الجواب عنه مضافا إلى أن سهم السادة لما لم يكن يفي بمؤونتهم غالبا لا سيما في هذه الأزمنة التي بارك اللّه تعالى في نسلهم و ما شاء اللّه تعالى، و قلّت السهام الواصلة إليهم فيقطع بعدم رضا المعصوم بالحفظ و الإدخار، و عدم صرفه فيهم، كما كان الأمر كذلك على ما تقدم بيانه بناء على أن الخمس كله للإمام.

4- أنه تصرف حصته (عليه السلام) إلى الأصناف الموجودين.

و هذا القول للمحقق (قده)، و يحكى عن العلامة في (التحرير)، و هو المستظهر من عبارة المفيد في (غرّيته)، و ينقل عن الديلمي و عن آخرين.

و يستدل على هذا القول بوجوه:

أحدها: ما ذكره المحقق (قده) بقوله: (لأن عليه الإتمام عند عدم الكفاية، و كما يجب ذلك مع وجوده- أي حضوره- فهو واجب عليه عند غيبته.

و تقريبه: أنه قد ورد أن المعصوم يقسم سهام السادة بينهم على قدر كفايتهم ما يستغنون في سنتهم، فان نقص عن استغنائهم أتمّه لهم من عنده، (1) فذلك حق واجب للسادة في ماله (عليه السلام). و من الواضح أن الواجب من الحقوق لا يسقط بغيبة من عليه الحق.

و زاد العلّامة في (المنتهى) مباشرة الحاكم لذلك، بلحاظ أنه نوع‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 1.

265

من الحكم في مال الغائب. و ربما يوجّه ذلك بأن الحاكم وكيل عن المعصوم في أخذ سهمه، و يلزم على الوكيل أن يعمل بما كان موكله يعمل به.

لا يقال: إنه ليس في ما ورد في الحديث أنه (عليه السلام) يتممه من سهمه، فلعله كان يتممه من مال آخر له.

لأنا نقول: لا يفرق بين الأمرين، فإن التتميم في عصر الغيبة ينحصر في أن يكون من سهمه، سواء كان حق السادة في خصوص ذلك، أو في مطلق مال المعصوم.

ثانيها: أنه لم يثبت لسهم المعصوم مصرف آخر، فلو لم يصرف في السادة كان معرضا للتلف.

ثالثها: ان المقطوع به أن المعصوم يرضى بصرف حقه في السادة فإنهم عياله، و قد ورد عن ثامن الأئمة صلواته تعالى عليه أنه قال: «ان الخمس عوننا على ديننا، و على عيالنا» (1) بل يقال: ان مقتضى رواية السيد ابن طاوس هو الأمر بإيصاله إلى السادة، فإنه روى بإسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه أن رسول اللّه (ص) قال لأبي ذر و سلمان و مقداد: «أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلا اللّه- الى ان قال- مع إقام الصلاة لوقتها، و إخراج الزكاة من حلّها، و وضعها في أهلها، و إخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين و أميرهم، و من بعده من الأئمة من ولده، فمن عجز و لم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك الى الضعفاء‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من الأنفال، الحديث 2.

266

من أهل بيتي من ولد الأئمة ..» (1).

فالعجز عن الوصول الى المعصوم هو المناط في إيصال الخمس إلى السادة، و ذلك حاصل في عصر الغيبة. و الظاهر أن جملة عدم القدرة إلا على اليسير عطف تفسير للعجز، و تقريبه: أن اليسير من المال لا يفي بمئونة السفر في طريق الوصول إليهم (عليهم السلام)، أولا يبقى بعد صرفه في مؤنة السفر إليهم شي‌ء يوصله إليهم.

و الجواب: أن إتمام المعصوم من عنده لم يثبت كونه لأجل أن للسادة حقا في سهمه، أو في مطلق ماله بحيث يكون هناك أمر وضعي، و لعل الظاهر أن ذلك منه كان أمرا تكليفيا يعمل به في حال حضوره، و يسقط عنه بغيبته، و ذلك بمثابة وجوب الإنفاق على الأولاد يتمحض في جهة التكليف، و على هذا لا يجب على غير المعصوم أن يقوم بذلك، و إن كان وكيلا، و له الحكومة الشرعية و النيابة العامة.

و ما ذكره العلّامة من الحكم في مال الغائب انما يستقيم، لو ثبت كون الإتمام حقا ماليا في سهمه، دون ما إذا كان تكليفا محضا، مضافا الى أن ما دل على الإتمام انما هو مع جلب تمام الأخماس إلى المعصوم في زمان بسط يده، و ظهور سلطانه، فإنه حينئذ يعدل في القسمة، و لا يعطى أزيد من كفاية السنة، و مع الإعواز يتداركه من مال نفسه، و ذلك لا يختص بالأخماس بل في الزكوات أيضا كذلك (2)، يأخذها الوالي و يقسمها بقدر ما يستغني المستحقون، فان فضل شي‌ء ردّ إلى الوالي‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من الأنفال، الحديث 21.

(2) كما في أصول الكافي ج 1 ص 541.

267

و ان نقص كان على الوالي أن يموّنهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا. و قد ورد أيضا: أن المعصوم يعول من لا حيلة له.

و يشهد لما ذكرناه من اختصاص الإتمام بزمان جلب الأخماس كلها و بسط يدهم، أنه لم يعهد منهم (عليهم السلام) أن يأمروا الوكلاء بذلك.

و أما ما ذكر في الوجه الثاني من أنه لو لم يصرف في السادة كان معرضا للتلف، ففيه: أنه يتصدق عنه، أو يصرف في مرضاته (عليه السلام) فلا يتلف.

و أما ما ذكر من القطع بالرضا فإنما يكون دليلا على تعيّن صرف السهم المبارك في السادة إذا علم عدم الرضا بغير ذلك، و لا أقل من عدم حصول العلم بالرضا في غيره، و أنى لنا بذلك؟

و قد منع صاحب (الجواهر) من حصول العلم بالرضا، و علّله بما أفاده من «أن المصالح و المفاسد التي في نظر الامام (عليه السلام) مما لا يمكن إحاطة مثلنا به، خصوصا من لم تزهد نفسه في الدنيا منا، فقد يكون صلة واحد من شيعته أو إطفاء فتنة بينهم أو فعل أمور لها مدخلية في الدين أولى من كل شي‌ء في نظره (عليه السلام)، كما يومي اليه تحليلهم لبعض الأشخاص، و الحال ان أقاربهم في شدة الحاجة، فكيف يمكن القطع برضاه فيما يفعله غيرهم، خصوصا مع عدم خلوّ النفس من الملكات الردية كالصداقة و القرابة، و نحوهما من المصالح الدنيوية، فقد يفضل على البعض لذلك، و يترك الباقي في شدة الجوع و الحيرة» (1).

____________

(1) الجواهر ج 16 ص 173.

268

و قال في بعض كلامه: كيف يمكن الاعتماد على الفحوى مع ما ورد في التوقيع الشريف: «و أما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها و أداء الخراج منها، و صرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للأجر و تقربا إليكم، فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟ و من أكل من مالنا شيئا من ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه» (1).

و أما ما ورد من الرواية عن ثامن الحجج صلواته تعالى عليه، ففيها قوله بعد ذلك: (و على موالينا) فأردف الموالي مع العيال. و أما ما ورد في رواية السيد ابن طاوس، فذلك بعد قطع النظر عن السند، مسوق لبيان التشريع و القانون الأولى، على حسب ما هو صريح مورده، فلا ينافي ما ورد من تحليلهم للشيعة، و أيضا ان الرواية في بيان العجز من ناحية المكلف من حيث قدرته، و ذلك غير العجز من أجل حصول الغيبة الذي تقدم أن فيه ملاك التصدق.

و أما سائر الأقوال:

تظهر أدلة سائر الأقوال التي ذكرناها مما تقدم. و أما ما ذكره في (منتقى الجمان) (2) فهو مبني على ما أشرنا إليه من استظهاره أن الوارد في الروايات هو كون خمس الأرباح لهم، فحيث انه ورد التحليل في الخمس على إطلاقه يتعين أن يكون المراد ذلك.

و فيه: أنه لا وجه لهذا التعين.

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

(2) لاحظ منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح و الحسان ج 2 ص 145.

269

و أما ما ذكره المجلسي، فذلك مما لا ينبغي أن يصار إليه، لأنه خلاف الظاهر لولا كونه خلاف النص.

[الخامسة] النيابة عن الامام:

(قال المحقق‌

الخامسة يجب أن يتولى صرف حصة الإمام (عليه السلام) في الأصناف الموجودين: من إليه الحكم بحق النيابة، كما يتولى أداء ما يجب على الغائب)

لما اختار وجوب صرف حصته (عليه السلام) إلى الأصناف الموجودين معلّلا بأن عليه الإتمام عند عدم الكفاية، و كما يجب ذلك مع وجوده فهو واجب عليه عند غيبته، حكم بوجوب تولى الحاكم ذلك.

و فيه: أن ذلك كان حكما تكليفيا بلحاظ أن الأصناف الموجودين عائلته عليه الصلاة و السلام، فكان ذلك بمنزلة وجوب الإنفاق على الأولاد، و على هذا لم يكن يجب على الحاكم- بلحاظ نيابته- أن يتصدى لذلك، فإنه لا يجب على النائب العمل بما كان يجب تكليفا على المنوب عنه و الظاهر أن المصنف يرى ذلك حقا ماليا قد ثبت في ماله (صلوات اللّه‌ و سلامه عليه)، و لذا نظّر بالحق الثابت في مال الغائب.

قلت: ينبغي البحث عن أنه هل يجب في عصر الغيبة إيصال سهم الامام (عليه السلام)، بل و سهم السادة إلى الحاكم حتى يصرف كلا منهما في مصرفه، أو لا يجب ذلك؟ و للمكلف أن يتصدى لذلك في كليهما؟

أو يجب إيصال خصوص سهم الامام (عليه السلام) إلى الحاكم، و أما سهم السادة فيوصله إليهم بنفسه؟ ثم إنه على الأخيرين هل يجوز له إفراز الخمس من ماله؟ أو يحتاج في ذلك إلى إذن الحاكم، حتى على القول بأن المالك يجوز له إعطاء سهم السادة إليهم؟.

270

مناقشة أدلة ولاية الفقيه:

و لنقدم مقدمة نذكر فيها ما استدل به على ولاية الفقيه و هي روايات:

1- ما رواه الكليني بسنده عن أبي البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «العلماء ورثة الأنبياء» (1) بتقريب: أن إطلاق الوراثة يقتضي أن يكون للوارث كل حق كان للمورّث، و الولاية من ذلك.

و الجواب: أن الرواية في مقام وراثة العلم، و لذا عقّب هذه الجملة بقوله (عليه السلام): «ان الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشي‌ء منها فقد أخذ حظا وافرا».

2- ما رواه الصدوق قال: «و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول اللّه (ص): اللهم ارحم خلفائي. قيل: يا رسول اللّه و من خلفاؤك؟

قال: الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي و سنتي، ثم يعلمونها» (2).

بتقريب: أن الخليفة بقول مطلق، هو القائم مقام من استخلفه في جميع شئونه، و الولاية من ذلك، فهي لرواة الحديث و السنة، و هم العلماء دون غيرهم، ضرورة أن مناسبة الحكم و الموضوع قرينة قطعية على أن الجاهل بمعنى الحديث، و الجاهل بالسنة لا يليق بالخلافة، و إن روى الألفاظ التي سمعها، فان مثله مثل حامل الأسفار.

____________

(1) الوسائل- كتاب القضاء باب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

(2) الوسائل- كتاب القضاء- باب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 50.

271

و الجواب: أن العلماء إن كان لهم الولاية و النيابة فذلك من قبل الامام (عليه السلام) فهم خلفاء الأئمة لا خلفاء رسول اللّه (ص) لبداهة أن خلفاءه انما هم الأئمة، و العلماء و إن كانت لهم الخلافة، فهي من ناحية الإمام، لا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مباشرة، و إلا لزم أن يكونوا و العياذ باللّه في عرض الامام.

فالمراد من الحديث هم الأئمة الذين استخلفهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لحفظ الشريعة و السنة و ناموس الرسالة نعم يتم ذلك على مسلك العامة، حيث يرون من تصدى للأمور ببيعة الناس له، أو يتعيين مثله له، أو بقدرته و سطوته، خليفة رسول اللّه، و بطلانه ضروري المذهب و العقل السليم. [1]

لا يقال: إن خليفة الإمام يصدق عليه أنه خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فإن خليفة الخليفة خليفة.

لاندفاعه: بأنه لا يمكن المصير إليه من دون أن يكون هناك دليل آخر على استخلاف الإمام، فإنه لا يعقل أن يكون نفس هذا الدليل متكفلا لجعل الخلافة مع الواسطة للفقيه، لمكان الدور. و لو فرض دليل آخر على الاستخلاف من ناحية الامام كان هو المتّبع، من دون حاجة إلى ارتكاب التأويل في هذه الرواية.

ثم انه يمكن أن يقال: ان هذه الرواية واردة في مقام الاستعارة في توصيف رواة الحديث و السنة بالخلافة، فإنهم يبلّغون إلى الناس ما وصل إليهم من أحكام الإسلام، كما هو الشأن للرسول صلى اللّه عليه‌

____________

[1] كتب جامع هذه المحاضرات تعليقة وافية حول هذا الموضوع في بداية الأمر، و لكنه انصرف بعدئذ عن نشرها رعاية لبعض الجهات التي قد لا تخفى.

272

و آله بما هو رسول، و يكون الغرض من الرواية إيجاب تصديقهم فيما يروونه.

3- ما ورد من قوله (عليه السلام): «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» بتقريب أن تنزيل شخص منزلة غيره بقول مطلق يقتضي أن يترتب على المنزّل كل ما هو للمنزّل عليه، و حيث أن الولاية من ذلك فهي تثبت للعلماء.

و فيه: أولا- يتوجه عليه حكومة ما ورد منهم (عليهم السلام) من أنه (نحن العلماء) كما في حديث جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم و متعلم و غثاء، فنحن العلماء، و شيعتنا المتعلمون، و سائر الناس غثاء» (1) و على هذا المضمون وردت أحاديث متعددة.

اللهم إلا أن يقال: إن الحكومة إنما هي مع النظر إلى مفاد المحكوم، بحيث يكون الحاكم مفسرا له، أو مضيقا لدائرة موضوعه، أي ينفي الموضوع تعبدا، أو موسّعا لذلك بإثبات الموضوع تعبدا، و فيما نحن فيه ليس شي‌ء من التفسير أو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

و ثانيا: إن أداه التشبيه لا تنحصر في التنزيل، و كثيرا ما يشبّه شي‌ء بشي‌ء في جهة خاصة من الشبه، و من الممكن أن المراد بيان فضيلة العلماء على الأمة، أو بيان أن العلماء أعلام الهداية و ما يرادف ذلك.

4- ما في (تحف العقول) عن أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام):

«إن مجاري الأمور و الأحكام بيد العلماء باللّه تعالى، الأمناء على حلاله‌

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18.

273

و حرامه» (1)، بتقريب أن المجاري إما مصدر ميمي أو اسم مكان، أي محل جريان الأمور، و أيضا إضافة الجمع إلى الجمع المحلى باللام يفيد العموم، فجريان كل أمر أو محلها بيد العلماء.

نعم، بمناسبة الحكم و الموضوع يكون المراد الأمور التي لها مساس بالجهة الشرعية، و من شأنها أن تجري عن تدبير و نظر من قبل الشارع، دون الأمور العادية المتعارفة بين الناس. و لا شبهة أن الولاية في كثير من الموارد، كالأوقاف و الوصايا التي لا يتعين فيها المتولي و الوصي، و الحقوق الراجعة إلى الغائبين أو اليتامى، أو الموضوعات الكلية، إلى غير ذلك، من جملة تلك الأمور.

و الجواب: أن سياق الرواية يدل على أن المراد هم الأئمة (عليهم السلام). و يشهد له التعبير بالعلماء باللّه دون العلماء بالشريعة و أحكامها، مضافا إلى حكومة ما ورد في سائر الروايات من قولهم (عليهم السلام):

«نحن العلماء، و شيعتنا المتعلمون، و باقي الناس غثاء»، فإنه حاكم و شارح لهذه الرواية، مضافا إلى دلالة توصيفهم بالأمناء على حلال اللّه تعالى و حرامه، على ذلك، فإن الأئمة هم الذين قد أودعت لديهم الأحكام الإلهية.

و أما أن مجاري الأمور بيدهم، فهو من حيث أن لهم الولاية الكلية على الأمور كلها، فإنهم وسائط فيضه المقدس. و حاصل الرواية أن لهم الولاية التكوينية و التشريعية.

لكن الإنصاف لولا جهة السياق، إمكان الاستدلال بهذه الرواية‌

____________

(1) تحف العقول عن آل الرسول، للشيخ على بن شعبة الحرّاني، من أعلام القرن الرابع ص 168، المطبعة الحيدرية- النجف- 1385 هجرية.

274

على ولاية الفقيه، و لا شهادة في التعبير بلفظ العلماء باللّه، ضرورة أن العلم لا يتعلق بالشخص، فإن المتعلق به هو المعرفة، فالمراد منه العلماء بدين اللّه سبحانه، أو العلماء بسبب منه تعالى، و من الواضح أن الفقيه الإمامي هو كذلك. و أيضا لا حكومة لقولهم (عليه السلام) (نحن العلماء) فإنه ليس في مقام النظر إلى هذه الرواية، بحيث يكون شارحا لها.

5- ما ورد من أن (أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤا به) بتقريب استفادة الولاية من هذه العبارة بزعم أنها بمثابة قوله تعالى:

وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ (1) يستفاد منها أولوية العالم في أن ينال من الأنبياء ما كان لهم من الشأن في أمتهم.

و الجواب: أنه لا يستفاد منها أكثر من أقربية العالم إليهم من سائر الناس بحسب المنزلة و المكانة.

6- ما ورد من أن (العلماء أمناء الرسل) بتقريب أن يفسّر الأمين بمعنى الوكيل و النائب.

و الجواب: إن أمانتهم بلحاظ أنه قد أودعوا أحكام شريعة الرسل، و هم لا يخونون فيها، فاللازم تصديقهم فيما يبلغونه عن الرسل.

7- ما رواه الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «.. ينظران، من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما» (2) بتقريب: أن الحاكم في الترافع يستلزم أن يكون‌

____________

(1) سورة الأحزاب- 6.

(2) الوسائل- باب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

275

المتولي لكثير من الأمور، كحفظ مال الغائب و اليتيم، و نصب القيّم، و نحو ذلك، فكانت ولايته مدلولا عليها بالدلالة الالتزامية.

و الجواب: نعم هو كذلك، لكن الدلالة الالتزامية تتبع دائرة الاستلزام البيّن، سعة و ضيقا، فلا تشمل مطلق الولاية، بل لا تشمل التولي لما ذكر إلا إذا توقف فصل الخصومة على ذلك، فلا تشمل الرواية حفظ سهم الإمام (عليه السلام) في حال الغيبة، و لا صرفه و إيصاله إلى غيره.

8- ما رواه الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان- (عجل اللّه فرجه)- ثم ذكر الأجوبة المصدّرة بكلمة أما- إلى أن قال-: و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، و أنا حجة اللّه. و أما محمد بن عثمان رضي اللّه عنه. و عن أبيه من قبل، فإنه ثقتي و كتابه كتابي» (1).

و تقريب الاستدلال: أن الظاهر من الوقائع ما كان من شأنها الرجوع إلى أولياء الأمور، و ليس المراد منها في المقام الأحكام الشرعية، فإنها ليست بحوادث، بل لا توصف بالوقائع، فيتعين أن يكون المراد الموضوعات التي يكون أمرها بيد الزعيم و ولي الأمر.

إن قلت: لا يتعين في ذلك، إذ من المحتمل إرادة الموضوعات التي يختار المكلّف فيها من حيث حكمه، كالفروع المتجددة، و هي من الوقائع الحادثة، و لا بد من المراجعة فيها إلى الإمام أو إلى من يعينه.

____________

(1) الوسائل- باب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

276

قلت: يندفع هذا الاحتمال بأنه (عليه السلام) أرجع إلى رواة الحديث في نفس الوقائع حكمها.

إن قلت: نعم، لكن التعبير بالمراجعة في الفروع و إرادة حكمها مجاز شائع يعادل الحقيقة.

قلت: نعم، لكن لا يناسبه التعليل بقوله: «فإنهم حجتي عليكم» ثم إردافه بقوله: (و أنا حجة اللّه) لعدم الحاجة إلى ذلك.

مضافا إلى أنه جعل الرواة أنفسهم حجة دون روايتهم، و لو كان المراد ذلك لقال مثلا: ما يروونه فعنّي يروون، كما ورد مثله في العمري و ابنه من أنهما ثقتان، و ما يؤديانه فعني يؤديان.

إن قلت: كما ان المعصوم حجة له تعالى يحتج به على العباد، كذلك رواة الحديث يحتج بهم المعصوم على الناس، في أخذ التكاليف عنهم، و العمل بها، فيصح التعبير عنهم بأنهم حجتي، و إن كان المقصود حجية روايتهم.

قلت: حجية رواية الثقة في ذلك العصر بما تواتر عن الأئمة الماضين (عليهم السلام) كان أمرا بديهيا لم يكن يخفى على إسحاق بن يعقوب، و يكون مما أشكل عليه، و هو و إن لم يكن معروفا في كتب الرجال، إلا أنه يظهر من التوقيع الشريف، و من أجوبة مسائله أنه كان من الشيعة الإمامية، و له العلم و المعرفة و الجلالة حيث انه (عجل اللّه فرجه) قال في الجواب الأول: «أما ما سألت عنه، أرشدك اللّه و ثبّتك من أمر المنكرين لي ..»، و قال: «و أما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهر» و قال: «و أما ظهور الفرج فإنه إلى اللّه، كذب الوقّاتون»، و قال: «و أما ما وصلتنا فلا قبول عندنا إلا لما طاب و طهر»، و قال: «و أما علة ما وقع من‌

277

الغيبة ..»، و قال: «و أما وجه الانتفاع في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، و إني لأمان لأهل الأرض، كما ان النجوم أمان لأهل السماء- إلى أن قال- و أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم، و السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب و على من اتبع الهدى».

ثم إن جهالة الراوي لا تضر في المقام، لرواية الكليني عنه، و تعدّد روايات المشايخ عن الكليني عنه، و اشتهار هذا التوقيع، و العمل بمضمونه، هذا كله مضافا إلى أن الإطلاق في قوله عليه الصلاة و السلام: «هم حجتي عليكم». يقتضي عدم الاختصاص بقبول الرواية، و شموله للأمور التي كان الإمام مرجعا فيها، بحيث لا يبقى الناس حيارى في الأمور العامة، و فيما يرجع إلى الأمور، و الحقوق للغائبين أو القاصرين، و غير ذلك. و كذا لا يبقى العذر لهم في ترك عدة من الأمور الدينية و الحقوقية استنادا إلى غيبة الإمام صلواته تعالى عليه.

النتيجة:

إذا عرفت ذلك فنقول: لما كان المرجع في أمر الخمس هو الإمام (عليه السلام)، ففي عصر الغيبة يرجع فيه الى الحاكم، حيث إنه الحجة من قبله، و يوصل إليه كله، و هو يصرفه في مصارفه من التصدق أو الصرف في مرضاته، و من إيصاله إلى السادة، أو يستأذن منه في ذلك كله.

و بتقريب آخر: لا بدّ من إيصال مال الغير إليه نفسه، أو إلى وكيله، و حيث أنه لا يمكن إيصاله إلى الإمام (عليه السلام) في عصر الغيبة، فلا بدّ من الإيصال إلى الحاكم، فإن ولايته على المال عبارة عن وكالته من قبله.

278

و مضافا إلى ذلك ربما أمكن استفادة ذلك من صحيحة على بن مهزيار حيث قال: «و من كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصل إلى وكيلي» و التقريب أن الحاكم و إن لم يكن وكيلا خاصا، كما هو مورد الرواية، لكن يمكن التعميم إليه بنحو من المناط، أو ما يماثله. و مضافا إلى ذلك كله، لا بد في إفراز الخمس من المال المشاع بين المالك و بين من له ذلك، أو في تعيين حق الخمس في الخارج الذي يتوقف على قبض من له الحق، من مراجعة الحاكم، حيث ان له النيابة و الولاية على الكلي الطبيعي الذي هو عنوان السادة.

ثم إنه لو حصل الشك في ولاية الحاكم فالأصل عدمها، و لو حصل الشك في تقيّد وجوب أداء الخمس بكونه مع الإيصال إلى الحاكم و بواسطته، أو مع الاستيذان منه، فالأصل البراءة. و لكن لا أثر لذلك في صحة إفراز الخمس، و حصول براءة الذمة عن الحق، حيث إنه ليس في البين التعبير بإيجاب أداء الخمس، حتى يتمسك بإطلاقه [1] و يصار إلى جواز أن يكون الأمر بيد المالك في الإفراز، و سقوط الحق عن ذمته بتصدّيه للمصارف بنفسه، و مقتضى الأصل هو العدم.

لا يقال: إن عدم ولاية الحاكم إذا جرى فيه الأصل يترتب عليه ما هو المسبب منه.

لاندفاعه بأن التسبب ليس شرعيا، بل ترتّب صحة الافراز، و حصول براءة الذمة على ذلك لازم عقلي، فلا يثبت.

____________

[1] بل قد ورد ما ينافي الإطلاق حيث قال (عليه السلام) في صحيح ابن مهزيار: «فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد إلى إيصاله، و لو بعد حين».