ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء

- ملا حبيب الله الكاشاني المزيد...
173 /
57

و ملاسته، و قصر المنفذ و ضيقه حدة و ثقلا، و قد يختلف بملائمة الطبع و منافرته فيتصف بالحسن و الكراهة.

و قد تختلف آثاره فمنه ما يورث السرور و الانبساط، و منه ما يوجب الضحك، و منه ما يورث البكاء، و منه ما يوجب الانزجار عن هذه الحياة و الميل إلى الحياة الباقية، و تذكّر الجنة و الشوق إلى العالم الأعلى، و منه ما يهيّج الشهوات و يزيّن السيّئات، نظير أنواع مدركات البصر في اختلاف آثارها.

و كيف كان، فالصوت مهيّج للقلب و محرّك له و موجب لظهور ما هو الغالب عليه من الأخلاق و الحالات.

قال أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي في كتاب «إحياء علوم الدين»: للّه تعالى سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثّر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح، و منها ما يحزن، و منها ما ينوّم، و منها ما يضحك و يطرب، و منها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد و الرجل و الرأس.

و لا ينبغي أن يظنّ أنّ ذلك لفهم معاني الشعر، بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحرّكه الربيع و أزهاره و العود و أوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج.

و كيف يكون ذلك لفهم المعنى، و تأثيره مشاهد في الصبيّ في مهده، فإنّه يسكته الصوت الطيّب عن بكائه، و تنصرف نفسه عمّا يبكيه إلى الإصغاء إليه، و الجمل مع بلادة طبعه يتأثّر بالحداء تأثّرا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة و يستصغر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولّهه، فتراها إذا طالت عليها البوادي و اعتراها الإعياء و الكلال تحت المحامل و الأحمال، إذا سمعت منادي الحداء تمدّ أعناقها، و تصغي إلى الحادي ناصبة آذانها، و تسرع في سيرها حتى تزعزع عليها أحمالها و محاملها، و ربما تتلف أنفسها من شدّة السير و ثقل الحمل، و هي لا تشعر به لنشاطها.

فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقّي قال: كنت بالبادية فوافيت قبيلة‌

58

من قبائل العرب فأضافني رجل منهم، و أدخلني خبائه فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد، و رأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت، و قد بقي منها جمل و هو ناحل ذابل كأنّه ينزع روحه! فقال لي الغلام: أنت ضيف و لك حقّ فتشفّع في إلي مولاي فإنّه مكرم لضيفه، فلا يرد شفاعتك في هذا القدر، فعساه يحلّ القيد عنّي.

قال: فلمّا أحضر و الطعام امتنعت و قلت: لا آكل ما لم اشفّع في هذا العبد.

فقال: إنّ هذا العبد أفقرنى و أهلك جميع مالي! فقلت: ما ذا فعل؟

فقال: إنّ له صوتا طيّبا، و إنّي كنت أعيش من ظهور هذه الجمال، فحمّلها أحمالا ثقالا و كان يحدو بها حتّى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته، فلما حطّت أحمالها ماتت كلّها، إلّا هذا الجمل الواحد.

و لكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك.

قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلمّا أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك، فلمّا رفع صوته هام ذلك الجمل و قطع حباله، و وقعت أنا على وجهي، فما أظنّ أني سمعت- قطّ- صوتا أطيب منه.

فإذا، تأثير السماع في القلب محسوس، و من لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانيّة، زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور، بل على جميع البهائم، فإنّ جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة، و لذلك كانت الطيور تقف على رأس داود (عليه السّلام) لاستماع صوته.

إلى أن قال: قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، و لكن يحرّك ما هو فيه. انتهى. (1)

و كما أنّ الحروف و الكلمات ليست من ذاتيّات الصوت، فكذلك الحسن و القبح لتخلّف كلّ منهما عنه، و الذاتيّ لا يتخلّف، فقد يتّصف بالحسن، و قد يتّصف بالقبح، و قد لا يتّصف بشي‌ء منهما.

____________

(1). إحياء علوم الدين ج 2 صص 300- 299.

59

و الغرض من وضع علم الموسيقى بيان طرق تحسين الصوت و تزيينه بمعرفة وجوه المناسبات العدديّة المقترنة بالألحان المستحسنة و النغمات المعجبة الجارية على الكلمات الموزونة الموافقة للأصول العروضية.

و قد صرّح بعض الأفاضل بأنّ موضوع علم الموسيقى هو: الصوت المعروض للمناسبات العددية من حيث أنّه معروض لها، أو للأعداد الموجودة في المادة أي الصوت.

قال: فيبحث فيه عن كيفية مناسبات اللحون و اتّفاقها و كيفية تأليفها و اختلافها، و بالجملة يبحث فيه عن كيفية الاتفاق و الاختلاف.

و بيّنوا: أنّ تحقّق الأعداد المذكورة إنّما يتحقّق بالتراجيح، فإن كان الصوت على استقامته من غير ترجيع يكون واحدا، فإذا رجّع بترجيع واحد صار اثنين، و إذا رجّع بترجيعين صار ثلاثة. و هكذا.

و هذا كالحركة، فإنّها ما دامت على استقامتها تكون واحدة، فإذا انعطفت أو رجعت تصير متعدّدة.

و بيّنوا فيه: أنّ النغمات إذا كانت متناسبة تكون حسنة، و إن كانت مختلفة كانت قبيحة، و أما إذا لم تكن مشتملة على المناسبة أو المخالفة لم تتّصف بالحسن و القبح، بل يتصف بأمر آخر كالحدّة و مقابلها. انتهى. (1)

فحسن الصوت كيفية عارضة له تحصل برعاية التناسب في الترجيع، و كلّما زاد تناسبا زاد حسنا.

و في الأحياء: أنّ الوزن وراء الحسن، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن، و كم من صوت موزون غير مستطاب.

و الأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة:

فإنّها إمّا أن تخرج من جماد كصوت المزامير و الأوتار و ضرب القضيب و الطبل و غيره.

____________

(1). رسالة إيقاظ النائمين.

60

و إمّا أن تخرج من حنجرة حيوان، فذلك الحيوان:

إمّا إنسان.

أو غيره كصوت العنادل و القماري و ذوات السجيع من الطيور، فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع و المقاطع، فلذلك يستلذّ سماعها و الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات.

و إنّما وضعت المزامير على أصوات الحناجر و هو تشبيه للصنعة بالخلقة، و ما من شي‌ء توصّل أهل الصناعات بضاعتهم إلى تصويره إلّا و له مثال في الخلقة التي استأثر اللّه باختراعها، فمنه تعلم الصنّاع، و به قصدوا الاقتداء انتهى (1).

و كما لا يكون الحسن من ذاتيّات الصوت فكذلك التطريب أي تغيير الحال بالسرور أو الحزن، فانّ الصوت قد يكون غير مطرب بالضرورة.

فالغناء ليس هو مجرّد الصوت لكونه عبارة عن الصوت المطرب، فالإطراب كيفية زائدة على الصوت عارضة له، و لا يخفى أنّ الإطراب لا يحصل إلّا مع حسن الصوت و هو غير حاصل إلّا بالترجيع المتناسب، فلا يمكن تحسين الصوت إلّا بالتغنّي.

و لكن قد صرّح بعضهم بالفرق، و أن النسبة بينهما بالعموم و الخصوص من وجه، و هو مجرّد عبارة لم نتعقّل معناها و حقيقتها.

فظهر من ذلك كلّه ضعف ما قيل من: أنّ الحداء، و الرجز، و النياحة، و الرثاء، و الغناء: ألفاظ في كلام العرب مستعملة في معان مقصودة لهم، مشتركة الكيفية في القواعد الموسيقيّة، خارجة على قوانين النسب الصوتية.

و في بعض تحقيقات المحقّق القمّي (رحمه اللّه): أن هذا الكلام متساقط، لا يرجع إلى محصّل، فإنّ قوله:

«مشتركة الكيفية» صفة المعاني المقصودة، فلا بدّ أن يكون المراد من المعاني المقصودة:

____________

(1). إحياء علوم الدين ج 2 صص 96- 95.

61

هو كيفيّات الأصوات الخاصّة، و موضوع علم الموسيقى إنّما هو: الصوت من حيث هو صوت، و إن كان تحقّق الصوت غالبا في قالب الكلام، لا الكلام من حيث إنّه كلام، و لا من حيث إنّه مهمل أو موضوع، أو نظم أو نثر، أو مدح أو ذمّ، أو مفاخرة و ذكر نسب، أو حكاية رزيّة و التلهّف على نازلة.

فلا يعتبر في اتّصاف الصوت بمصطلحات أصحاب الموسيقى ملاحظة المفردات و معانيها، كما لا يخفى، بل الملحوظ إنما هو نفس الصوت و النغمة.

إلى أن قال: و كيف كان، فلا وجه لجعل الحداء قسيما للغناء، إذ ليس هو من أقسام كيفيّات الصوت، إلى آخر ما ذكره (1) فليتدبّر.

و ظهر أيضا ممّا بيّناه ضعف ما ذكره بعضهم من أنّ حمل الغناء على معناه اللغوي لا يوجب التعارض بين ما دلّ على مدح تحسين الصوت، و ما دلّ على ذمّ التغنيّ، لاختلافهما موضوعا، فيختلف مورد المدح و الذمّ، فليتأمّل.

المقدّمة العاشرة:

اللهو: يستعمل في معان:

منها: مطلق ما لا فائدة فيه، و إن كان مباحا كاللعب بالتراب.

و منها: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه و يهمّه، و إن اشتمل على منفعة يسيرة.

و منها: مطلق الغفلة عن شي‌ء، و الاشتغال عنه بأمر آخر.

و منها: الاشتغال عن خصوص ذكر اللّه.

و منها: مطلق الباطل و المحرّم من القول و الفعل.

و الظاهر أنه موضوع للجامع بين هذه المعاني، أو لخصوص بعضها، لئلّا يلزم الاشتراك اللفظي.

____________

(1). جامع الشتات ص 177.

62

و لا خلاف في حرمته إذا أريد به آلة من آلات اللهو المنصوص على حرمتها، كالدفّ و نحوه، و كذا لو أريد به المحرّم من القول و الفعل.

و مرجع الأوّل إلى الثاني، فإنّ المراد بالتحريم المتعلّق بالأعيان تحريم ما يناسبها من الأفعال، كالاستعمال في المقام.

كما لا خلاف في إباحته إذا أريد به بعض المعاني الذي لم يثبت حرمته، بل ثبت إباحته.

نعم، ظاهر جماعة إطلاق القول بحرمة كلّ ما يسمّى لهوا، و لكن يمكن حمله على ما ذكرناه.

و من هنا ظهر ضعف الاستدلال لحرمة مطلق الغناء بما دلّ على حرمة اللهو.

نعم، يصحّ الاستدلال به على حرمة الصوت اللهويّ، مع تفسيره بما يهيّج الشهوات و يزيّن السيّئات.

و دعوى: أنّ الغناء مطلقا- بنفسه- من الملاهي المحرّمة، كالدفّ، و المزمار.

أوّل الكلام، و لا دليل عليها.

و لكن قد يقال: أنّ حرمة اللعب بآلات اللهو، الظاهر أنّها من حيث اللهو لا من حيث خصوص الآلة.

و هو كما ترى.

و في بعض الرسائل: أن اللهو كما يكون بآلة من غير صوت، كضرب الأوتار و نحوه، و بالصوت في الآلة كالمزمار و القصب و نحوهما، فقد يكون بالصوت المجرّد، فكلّ صوت يكون لهوا بكيفيته و معدودا من ألحان الفسوق و المعاصي فهو حرام، و إن فرض أنّه ليس بغناء.

و كلّ ما لا يعدّ لهوا فليس بحرام، و إن فرض صدق الغناء عليه فرضا غير محقّق، لعدم الدليل على حرمة الغناء إلّا من حيث كونه باطلا و لغوا و زورا.

إلى أن قال: ثمّ إنّ المرجع في اللهو إلى العرف، و الحاكم بتحقّقه هو الوجدان، حيث يجد الصوت المذكور مناسبا لبعض آلات اللهو، و للرقص، و لحضور ما تستلذّه القوى‌

63

الشهويّة من كون المغنّي جارية أو أمرد، أو نحو ذلك. انتهى (1) فليتأمل.

و كيف كان، فالصوت اللهويّ على قسمين:

أحدهما: أن يكون الصوت بنفسه من ألحان أرباب الفسوق كالتصنيف المعروف في هذه الأزمنة.

و ثانيهما: أن يكون مقترنا بالمحرّمات من آلات اللهو و شرب الخمور و نحوها ممّا هو المتعارف المعمول في مجالس الفسّاق في هذه الأزمنة، و قد كان شائعا متعارفا في زمن الجاهلية و بعد ظهور الإسلام، و لا سيّما في زمن دولة بني أميّة و العبّاس، و كانت الجواري يتعلّمن الألحان العجيبة و النغمات الغريبة المهيّجة للشهوات المزيّنة للسيّئات، و تزيينها بالتصدية و التصفيق و ضرب الدفوف و العيدان و غيرها من آلات اللهو، و كان شغلهن من الغداة إلى الرواح، و من العشية إلى الصباح التغنّي بهذه الألحان و النغمات، و استعمال الملاهي لجذب الفسّاق إلى أنفسهن في الخلوات و الجلوات، لتحصيل ما قرّر عليهن سادتهنّ في هذا الكسب الشنيع الذي صار من أعظم مكاسبهم، بل ربّما كانوا يكرهون فتياتهم عليه حتّى ورد قوله تعالى وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (2).

و قد غلت بذلك قيم جواريهم المغنّيات حتى بلغت قيمة إحداهنّ إلى ثلاثة آلاف دينار و أكثر. (3)

و في رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأول (عليه السّلام) جعلت فداك، إنّ رجلا من مواليك عنده جوار مغنّيات، قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار و قد جعل لك ثلثها.

فقال: لا حاجة لي فيها، إن ثمن الكلب و المغنية سحت (4).

و في روايته الأخرى قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن نبيعهنّ و نحمل ثمنهنّ‌

____________

(1). المكاسب للشيخ الأنصاري ره ص 37 ط تبريز.

(2). سورة النور، آية 34.

(3). العبارات من رسالة إيقاظ النائمين فراجع.

(4). الوسائل ج 12 ص 87 حديث 4 أبواب ما يكتسب به.

64

إلى أبي الحسن (عليه السّلام)، فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم و حملت الثمن إليه. إلى أن قال:

فقال (عليه السّلام): لا حاجة لي فيه إنّ هذا سحت و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت (1).

و حكي عن إسماعيل بن الجامع: أنّه لمّا قدر عليه رزقه ارتحل من مكّة قاصدا حضرة الرشيد في بغداد، فلمّا ورد المدينة استمع من جارية مارّة قدّامه صوتا لم يسمع مثله قطّ، فالتمس منها التعلّم فأبت فأعطاها ثلاثة دراهم و تعلّم منها، فلمّا ورد بغداد و أدرك حضرة الرشيد و تغنّى بما تعلّم منها، أعطاه ألف دينار، و التمس منه الإعادة، فلمّا تغنّى به ثانيا أعطاه أيضا ألف دينار، ثم قال له: تغنّ بما أحسنت، فتغنّى طول الليل بالتركيبات و الأصوات المخترعة له و لغيره، فلم يعطه شيئا.

فقال له الرشيد- آخر الليل- قد اتبعت كثيرا، فإن لم يك شاقّا عليك تغنّ بالصوت الأوّل، فتغنّى به فأعطاه أيضا ألف دينار (2).

و حكي أيضا عن أبي مسكين: أنه تعلّم من جارية سوداء بالمدينة صوتا بأربعة دوانق من فضة، فلمّا تغنّى به عند الرشيد أعطاه خمسة آلاف دينار (3).

و بالجملة قد كان التغنّي بالأصوات اللهوية و الألحان المقترنة بالملاهي المحرّمة شائعا متعارفا في الأزمنة السابقة إلى زماننا هذا، و من هنا حملنا ما دلّ على حرمة الغناء على هذا القسم خاصّة، فليفهم.

____________

(1). الكافي ج 5 ص 120 حديث 7 كتاب المعيشة.

(2). هذه القصة طويلة فراجع الأغاني ج 6 صص 333- 326.

(3). انظر خبر أبى مسكين بطوله في مروج الذهب للمسعودي، ج 3، صص 273- 270.

65

و أمّا المقاصد: فثلاثة

المقصد الأوّل في بيان ماهيّة الغناء لغة و عرفا:

فقد اختلف العبارات في المقام على وجوه كثيرة:

منها: أنّه مطلق الصوت.

و هذا ظاهر الفيّومي في المصباح (1) و لم أر من وافقه و من المحتمل إرادته العهد، فيرجع إلى أحد المعاني الآتية.

و منها: أنّه ما يقال له بالفارسية: «آواز خواندن و خوانندگى و سراييدن».

قال الحسين بن أحمد الزوزنيّ في ترجمته للمصادر، التغني سراييدن (2) انتهى.

و الأولى (حينئذ) تفسير الغناء بسرود و آوازه، و التغني بخوانندگى و سراييدن، فرقا بين تفسير المصدر و اسمه.

قال في الصراح: أغنيّة بالضمّ و التشديد: سرود، و الجمع أغاني، و التغنية سرود گفتن (3).

و منها: أنّه مدّ الصوت، حكي عن بعض.

قال المدقق الأردبيلي (رحمه اللّه) و الظاهر أنه يطلق على مدّ الصوت من غير طرب، فيكون حراما،

____________

(1). المصباح المنير، ص 126، ذيل مادّة غنّ.

(2). المصادر للزوزنى، ج 2، ص 572.

(3). الصراح من الصحاح «صراح» لمحمد بن عمر بن خالد القرشي ص 412.

66

إذ يصحّ تقسيمه إلى المطرب و عدمه. انتهى (1) فتدبّر.

و منها: أنّه رفع الصوت و موالاته.

قال ابن الأثير في النهاية: و كلّ من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء انتهى (2).

فالأولى على هذين الوجهين: تفسير الغناء بالصوت الممدود و المرفوع، الذي فيه موالاة.

لا نفس المدّ و الرفع، كما في جملة من العبارات، لما عرفته، نعم، هذا تفسير للتغنّي.

و منها: أنّه تحسين الصوت و تزيينه.

حكاه جماعة عن الشافعي (3) و لكن في النهاية الأثيرية: أنّ الشافعيّ قال- في حديث «من لم يتغنّ بالقرآن» معناه: تحسين القراءة و ترقيقها (4).

و أنت خبير بأنّ غرضه صرف الحديث عن ظاهره الموجب لتجويز ما لم يشرّع من الغناء المحرم في القرآن إلى المندوب إليه من تحسين الصوت، فليس بصدد بيان المعنى الحقيقي للتغنّي.

مع احتمال إرادته من تحسين القراءة رعاية قواعد الترتيل و التجويد المقرّرة في علم القراءة، فلا دخل له بما نحن بصدده.

هذا، مع أنّ في تفسير الغناء بالتحسين ما عرفته، بل المناسب «حينئذ» تفسيره بالصوت الحسن أو المحسّن المزيّن، فليتأمل.

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في بعض الكتب من نسبة هذا القول الى ابن الأثير في النهاية.

و منها: أنّه ترجيع الصوت و مدّه.

حكى عن العلّامة في شهادات القواعد (5)، و المراد بالترجيع ترديد الصوت في الحلق،

____________

(1). مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 57.

(2). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 391.

(3). انظر تاج العروس، ج 10، ص 272- أيضا مفتاح الكرامة- ج 4، ص 50.

(4). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 391.

(5). قواعد الأحكام، ج 2، ص 236.

67

كقراءة أصحاب الألحان اآ اآ اآ قاله الطريحي في المجمع (1).

و الأولى تفسيره بالصوت المرجّع الممدود.

و منها: أنّه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب.

ذكره الأكثرون، و لعلّه مراد من فسّره بالسماع كما في (الصحاح) (2) و من فسّره بمدّ هذا الصوت كما في الروضة (3) و غيرها لما عرفته من انّه تفسير للتغنّي فتسامحوا في تفسير الغناء به.

و ربّما ينسب هذا إلى ثاني المحقّقين حيث قال في (جامع المقاصد): ليس مجرّد مدّ الصوت محرّما و إن مالت إليه النفوس ما لم ينته إلى حدّ يكون مطربا بالترجيع المقتضي للإطراب (4) انتهى.

و لكنّك خبير بأنّه في صدد تفسير المحرّم من الغناء لا مطلق ما يسمّيه العرف غناء، و هذا محتمل في عبارات كثير من الفقهاء، بل لعلّه ظاهر منها.

قال ثاني الشهيدين في (المسالك): إنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، فلا يحرم بدون الوصفين، أعنى الترجيع مع الإطراب، و إن وجد أحدهما (5) انتهى.

و نحوه عبارات جماعة من فقهائنا، فإنّ ظاهرهم أنّهم في مقام تشخيص الحكم، لا في مقام تشخيص الموضوع اللغويّ.

و من هنا ترى جمعا منهم يردّون ذلك إلى العرف فيقولون: ما سمّى فيه غناء يحرم و إن لم يطرب.

قال الفاضل المقداد في شرح (النافع): المراد بالغناء ما يسمّى في العرف غناء (6) انتهى.

يعني أنّ المراد بالغناء المحكوم عليه بالحرمة ما يسمّى فيه غناء، إذ من البعيد إرادة‌

____________

(1). مجمع البحرين، ج 4، ص 236.

(2). راجع مختار الصحاح، ص 483- دار الكتاب العربي، بيروت.

(3). الروضة البهية، ج 3، ص 212- تحقيق السّيّد محمد كلانتر.

(4). جامع المقاصد، ج 4، ص 23.

(5). مسالك الافهام، ج 1، ص 165.

(6). التنقيح الرائع.

68

تشخيص الموضوع اللغويّ بالعرف إلّا بضميمة أصالة عدم النقل. فتأمل.

و منها: أنّه الصوت المشتمل على غنّة.

حكى عن ابن يعيش، قال: و إنّما سمّي المغنّي مغنّيا لأنه يغنن صوته أي يجعل فيه غنّه (1).

قال ابن هشام: و الأصل عنده مغنّن بثلاث نونات فأبدلت الأخيرة ياء تخفيفا (2) انتهى.

و هو كما ترى فتدبّر.

و منها: أنّه الصوت المشتمل على الترجيع، و إن لم يكن مطربا.

ذكره جماعة، و الظاهر عدم اعتبارهم المدّ، و هو أقرب من القول باعتبار المدّ، دون الترجيع، كما في (مجمع الفائدة) للأردبيليّ قال: و لا يبعد إطلاقه على غير المرجّع و المكرر في الحلق (3) انتهى.

و الإنصاف أنّه في غاية البعد، نعم، عدم اعتبار الإطراب ليس بذلك البعيد، كما هو ظاهر ابن إدريس في المكاسب من (السرائر)، حيث عدّ من المحظور: الرقص، و جميع ما يطرب من الأصوات و الأغاني (4) انتهى.

فإنّ الأغاني جمع الاغنيّة، و هو نوع من الغناء كما في القاموس (5) و قد عطفه على الأصوات، فيكون في الغناء ما لا يطرب.

نعم، ربّما يحكى عنه أنّه فسّر الغناء بالصوت المطرب، و لم أجده فيما ظفرنا عليه من عبارته، فليتأمّل.

و لكن ربّما يقال: إن الترجيع لا ينفكّ عن التطريب.

و هو عجيب مع أنّ وصف الأكثر الترجيع بالمطرب في تفسير الغناء كالصريح في‌

____________

(1). شرح المفصّل لابن يعيش، ج 9، ص 33.

(2). مغني اللبيب، بخطّ عبد الرحيم، ص 176.

(3). مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 57.

(4). كتاب السرائر، ص 206.

(5). القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج 4، ص 372.

69

التفكيك، نعم، لو أريد بالترجيع مصطلح أرباب الموسيقى فله وجه، فإنّه مبنيّ على المناسبات العددية المقترنة بالألحان المستحسنة و النغمات المعجبة، الجارية على الكلمات الموزونة، الموافقة للأصول العروضية، و قد تقدم في المقدّمة التاسعة ما يبيّن هذا، و لكنّه بعيد.

و منها: أنّه الصوت الممدود المحسّن المشتمل على الترجيع.

حكي عن (مفتاح الكرامة) زاعما أنّ مرادهم بالإطراب في تفسير الغناء هو مدّ الصوت و ترجيعه و تحسينه، لا الخفّة الموجبة لشدّة سرور أو حزن، لما في جملة من كتب اللغة من تفسير التطريب بذلك قال: فكأنّه قال في القاموس (1) الغناء من الصوت ما مدّ و حسّن و رجّع (2) انتهى.

و فيه: أنّ هذا خلاف الظاهر من كلماتهم، و لا سيّما كلمات من عبّر بالترجيع المطرب، بل الظاهر: أنّ المدّ و الترجيع معنى مجازيّ للتطريب، و إلّا لزم الاشتراك المرجوح.

قال بعض مشايخنا المدقّقين: مع أنّهم لم يذكروا للطرب معنى آخر، أي غير الخفة التي تعتري لحزن أو سرور، ليشتق منه لفظ التطريب و الإطراب.

مضافا إلى أنّ ما ذكر في معنى التطريب من الصحاح و المصباح إنّما هو للفعل القائم بذي الصوت، لا الإطراب القائم بالصوت، و هو الأجود في تعريف الغناء عند المشهور دون فعل الشخص (3) انتهى فتأمل.

و منها: أنّه الصوت المشتمل على لهو الكلام أو المقترن بالملاهي.

حكى عن جماعة منهم السبزواري (4) و المحدّث (5) الكاشانيّ.

____________

(1). القاموس المحيط، ج 4، ص 372.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 50.

(3). كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ص 37- ط تبريز.

(4). كفاية الأحكام، ص 86.

(5). الوافي، ج 17، ص 218 و مفاتيح الشرائع، ج 2، ص 21.

70

و لكنّ التأمّل في عباراتهم يعطي أنّ مرادهم تخصيص الحرمة بهذا النوع، لا نفي الاسم من غيره، و قد فصّلناه في منتقد المنافع شرح النافع (1).

و منها: أنّه الصوت اللهويّ.

و هذا أعمّ ممّا تقدّم، فإنّ الصوت قد يكون بنفسه لهوا و إن لم يشتمل على لهو الكلام و لم يقترن بالملاهي، كالصوت المعروف بالتصنيف المستعمل في المراثي و نحوها، ممّا لا يكون بنفسه من لهو الكلام.

و لكن الظاهر أن القائل بالسابق يجعل مثل هذا الصوت نفسه من الملاهي، كما أنّ القائل بهذا القول يعمّم اللهويّ لما يندرج فيه الأوّل.

و كيف كان فهذا القول مختار جماعة، و لكنّ ظاهر هم كما سبق.

و منها: أنّه الصوت الطيّب الموزون المفهوم المعنى، المحرك للقلب.

نسبه جماعة إلى الغزالي، و لكن عبارته صريحة في أنّ مثل هذا الصوت بنفسه مباح قد تعرضه الحرمة بسبب عوارض محرّمة (2).

فلا دلالة فيها على انحصار معناه اللغويّ فيه، مع أنّه قد جزم جماعة بأنّ الغناء من كيفيات الصوت و لا يعتبر فيه المقروء و المدلول، فتأمّل.

و منها: أنّه ما يسمّى في العرف غناء.

صرّح به جماعة، و وجهه: أنّ ما لم يقدّر شرعا فالمحكّم فيه هو العرف.

و فيه: أنّ ذلك حيث كان العرف مضبوطا، و ليس كذلك في المقام، كما صرّح به بعض الأعلام، قال: لا عرف لأهل العجم في لفظ الغناء، و مرادفه من لغة الفرس غير معلوم، و عرف العرب فيه غير منضبط (3) انتهى.

و لكن قد عرفت أنّ مرادفه في لغة الفرس: «خوانندگى و سرود» و نحوهما فتدبّر.

____________

(1). منتقد المنافع، ص 168، مجلد المتاجر- مخطوط.

(2). راجع احياء علوم الدين، ج 2، صص 296- 294.

(3). مستند الشيعة- للنراقى، ج 2، ص 340.

71

ثمّ إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ الغناء ليس موضوعا لمجرّد الصوت لغة و لا عرفا، إذ من البديهيّ أنّ أصوات الطيور مثلا لا تسمّى غناء حقيقة و إن أطلق عليها مجازا كما قال النابغة:

بكاء حمامة تدعو هديلا * * *مفجعة على فنن تغنّي (1)

قال السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في «غرره و درره» فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء، بالغناء انتهى (2).

فسقط ما في المصباح من تفسيره بالصوت (3) إن أراد به ظاهره، و لا يثبت الوضع بقول لغويّ واحد، و لا سيّما إذا كان معارضا بمخالفة الأكثر، و قد بيّنا في المقدمة الخامسة أن الظنّ الحاصل بقول اللغويّ ليس من الظنون المخصوصة الخارجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و ليس من الظنون اللفظية، هذا، مع أنّه لا ظنّ مع مخالفة أكثر اللغويين.

بل، هو موضوع قطعا للصوت المكيّف بكيفية خاصّة، مردّدة بين الكيفيّات المذكورة، و الرجوع إلى العرف لعدم انضباطه غير مجد في الكشف عن الوضع اللغويّ، و أكثر الكيفيات المذكورة غير مذكور في كتب اللغة، و إنّما المذكور فيها أمور أشهرها اعتبار الترجيع و التطريب خاصّة.

فالأظهر ثبوت وضع هذا اللفظ لكلّ صوت مشتمل على الوصفين.

مع احتمال وضعه للمشتمل على الأوّل خاصّة، نظرا إلى الأصل، فتدبّر.

و يمكن القول بأنّ هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ و المقترن بالملاهي، لشيوع استعماله فيهما، و كثرة وجودهما في جميع الأعصار بحيث يكونان متبادرين من إطلاق هذا اللفظ، بل يمكن دعوى تبادرهما- و لو مع قطع النظر عن كثرة الاستعمال و غلبة الوجود- فتأمل.

و الحاصل: أن الغناء حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ بالمعنى الأعم، أي ما يتلهّى به من‌

____________

(1). ديوان النابغة الذبياني، ص 136.

(2). غرر الفوائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج 1، ص 25.

(3). المصباح المنير للفيومى، ص 126- ذيل مادّة غنّ.

72

الأصوات مطلقا، سواء كان بنفسه، مجرّدا من الاقتران بالآلات الخارجيّة المحرّمة، أو بسبب اقترانه بشي‌ء منها.

فالوضع العرفيّ التخصّصيّ الحاصل بشيوع الاستعمال في هذا النوع متّحد، بمعنى أنّه لم يثبت وضع آخر حتّى يحكم بالاشتراك.

و لا ينافي ذلك وضعه لمطلق الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب أو الترجيع خاصة في اللغة، فإنّ المناط في الاشتراك و عدمه هو تعدّد الوضع و عدمه في اصطلاح واحد، لا في اصطلاحين.

و الدليل على النقل في العرف من المعنى اللغوي إلى هذا المعنى خاصّة، مع كونه على خلاف الأصل وجوه.

منها: شيوع استعماله فيه، و غلبة وجود هذا المعنى في الأعصار، فتأمّل.

و منها: تبادره منه تبادرا كاشفا عن الوضع، فإنّه المتبادر منه، و لو قطع النظر عن شيوع الاستعمال و غلبة الوجود.

و منها: عدم شكّ العرف و ترديدهم في إطلاق هذا اللفظ على هذا النوع من الصوت، مع شكّهم في إطلاقه على غيره.

و منها: عدم صحّة سلب هذا اللفظ عن هذا النوع مع صحّة سلبه عن غيره عند العرف.

فلا يقال: إن ذلك لعدم صحة سلب الكلّي عن شي‌ء من أفراده، مع أنّ استعماله فيه تجوّز، فلعله لوضعه لمطلق الصوت المطرب، أو المشتمل على الترجيع، فلا يصحّ سلبه عن هذا الفرد.

فإنّ صحّة سلبه عن غيره دليل على اختصاص وضعه به، فليتأمل.

و منها: اتّفاق الفقهاء على شمول ما دلّ على حرمة الغناء لهذا النوع و اختلافهم في شموله لغيره، فإنّ الظاهر المصرّح به في بعض كلماتهم أنّ ذلك لمسلّميّة وضعه عرفا لهذا المعنى، فتأمّل.

و الظاهر: أنّ تحسين الصوت و تطريبه متلازمان في الوجود الخارجيّ، و إن تغايرا مفهوما كتزيينه، و كذا موالاة الصوت مع ترجيعه، بل يمكن إرجاع المدّ و الرفع اليه، و قد‌

73

تقدّم عن (مفتاح الكرامة) القول باتّحاد التطريب مع المدّ و الترجيع و التحسين، و لكن الظاهر: أنّ التطريب مستلزم للترجيع بل العكس على مصطلح أهل الموسيقى، غاية ما في الباب أنّ محصّل الاختلاف في وضع الغناء لغة- بعد بداهة فساد القول بكونه مجرّد الصوت، لما بيّنّاه- يرجع إلى اثنين:

أحدهما أنّه موضوع لغة للصوت المشتمل على الترجيع أي ترديده في الحلق بالتلفظ با آ اآ اآ كما تقدّم.

و ثانيهما: أنّه يعتبر فيه مع ذلك الإطراب.

و الأوّل، و إن كان مقتضى الأصل، بل الأخذ بالأعمّ، بناء على القول الذي في المقدمة الخامسة تقدّم، إلّا أنّ القائل المصرّح به قليل، بل لم نعرفه باسمه و أنّما حكاه جماعة قولا، أو عن بعض من [غير] تصريح (1) باسمه، بل في بعض الرسائل لبعض الأفاضل: أنّ الحكم بكونه غناء ممّا لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله (عليه السّلام) في رواية ابن سنان: «اقرأوا القران بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجي‌ء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» (2).

دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء بل هو كيفية خاصّة من التراجيع (3) انتهى.

و في رسالة السيد ماجد أنّه (عليه السّلام) نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من الترجيع المطلق لكان يقتصر على قوله «يرجّعون القرآن» و لم يذكر «ترجيع الغناء» لعدم الفائدة فيه.

و بعبارة أخرى «ترجيع الغناء» وقع مفعولا مطلقا مضافا، و المفعول المطلق المضاف أو‌

____________

(1). في المخطوط (من تصريح) و الصحيح: من غير تصريح. كما في المنتقد مجلد المتاجر، ص 157- مخطوط.

(2). الكافي، ج 2، ص 614، حديث 3.

(3). نقل هذا في المنتقد أيضا، ص 157، «مخطوط» و لم أقف بعد على صاحب العبارة و الرسالة.

74

الموصوف أخصّ من مصدر فعله، كقولك سرت سير البريد، و ضربت ضربا شديدا (1) انتهى فتدبّر.

فحيث ظهر و بان ضعف هذا القول تعيّن الثاني، لتصريح أكثر أهل اللغة، بل و غيرهم، به، كما لا يخفى على المتتبع المتنبّه.

هذا، مع أنّي لا أظنّ العرب يصحّحون سلب الغناء عن الأصوات المشتملة على الترجيع مع الإطراب، بل الظاهر تبادر ذلك منه عندهم، كما صرّح به بعض الأطياب.

و كلام السيّد المرتضى (رحمه اللّه) على بيت النابغة شاهد على ما ذكرنا بلا ارتياب، فإنّه جعل العلاقة هو المشابهة في الإطراب.

فتحصّل ممّا بيّناه و شرحناه: أنّ الحقيقة العرفيّة لهذا اللفظ هو: الصوت اللهويّ الشامل للمقترن بالملاهي، و الحقيقة اللغوية له هو الصوت المطرب، و لا حاجة إلى اعتبار الترجيع، لاستلزام الإطراب للترجيع، كما أشرنا إليه.

فكلّ صوت مطرب يستعمله إنسان غناء لغة، و إن لم يكن على سبيل اللهو و لم يقترن بشي‌ء من الملاهي و المحرّمات، و الّا فهو غناء عرفا.

و لا فرق- على الوجهين- بين ما كان مشتملا على كلام مفهوم المعنى و غيره، و لا بين ما كان في كلام باطل و حقّ، و لا بين الشعر و غيره، و لا بين المرثيّة و غيرها، فإنّ ذلك كلّه مع الإطراب غناء لغة و مع التلهّي غناء عرفا و لغة، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الغناء في العرف يطلق عليه الغناء لغة، دون العكس، كما لا يخفى.

ثمّ ليعلم أنّ المراد بالصوت اللهويّ:

يحتمل أن يكون مطلق ما يتلهى به، و أن لم يحكم بحرمته، بناء على عدم ثبوت حرمة مطلق اللهو، كما أشرنا إليه في المقدمة العاشرة، لعدم اعتبار الحرمة في صدق الغناء العرفيّ، و حمل ما يأتي من الاخبار على اللهويّ المحرّم لا يوجبه.

____________

(1). إيقاظ النائمين و قد سبق ذكره، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج 5، ص 210.

75

نعم، ربما يقال بثبوت العرف الشرعي فيه، نظرا إلى غلبة استعمال هذا اللفظ فيه، في زمن صدور هذه الأخبار و وجوده، و هو مشكل.

نعم، يحتمل من ذلك اختصاصه بالمحرّم، نظرا إلى احتمال كون الغلبتين معا منشأ لتحقّق الوضع العرفيّ، فتأمّل.

و المراد بالمطرب المغيّر للحال المحرّك للقلب مطلقا سواء كان من فرح أو من حزن، فإنّه مأخوذ من الطرب المفسّر في بعض كتب اللغة بالخفّة الّتي تلحقك: تسرّك أو تحزنك، أو المفسّر فيه- أيضا- بالحركة.

قال الطريحيّ في (المجمع): الطرب بالتحريك خفّة تعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور، و العامة تخصّه بالسرور (1) انتهى.

و عدّ في القاموس من معانيه: الخفّة المذكورة، و الحركة، و الشوق، قال: و رجل مطراب و مطرابة: طروب، و استطرب: طلب الطرب، و الإبل: حرّكها بالحداء، و التطريب:

الإطراب، كالتطرّب و التغنّي انتهى (2).

و على هذا، فليس استعمال المطرب في هذا المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و لا من قبيل استعمال المشترك في عموم الاشتراك، ليلزم التجوّز، فإنّ المراد به هو مطلق الموجد للخفّة الموجبة لأحد الأمرين، و هو معنى حقيقيّ له، و كذا لو أريد به مطلق المحرّك.

نعم، لو جعلنا المبدء مشتركا بين الضدّين، كما في (سرّ الأدب) للثعالبي (3) و به صرّح في (القاموس) أيضا، فلا يجوز إرادتهما منه إلّا على الوجه الثاني، و لكنّه مفتقر إلى القرينة و الظاهر «حينئذ» أنّ امتناع إرادة الجميع قرينة على هذا التجوّز.

____________

(1). مجمع البحرين، ج 2، ص 109.

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 97.

(3). لم أجده في سرّ الأدب و لكن المصنف (ره) قال في المنتقد مجلد المتاجر، ص 153 ايضا- مخطوط. و في سرّ الأدب للثعالبي: الطرب: الحزن و الفرح.

76

نعم، على القول بالجواز، لا بدّ من القرينة.

و كذا في استعماله في خصوص الحزن و الهمّ.

و أمّا استعماله في خصوص السرور، فالظاهر أنّ تبادره منه الناشئ من شهرة الاستعمال مغن عن القرينة.

و قد يقال: إنّ تفسير الطرب بالخفّة المشار إليها هو المدخل للصوت في أفراد اللهو، قال العجّاج:

أطربا و أنت قنّسري * * *و الدهر بالإنسان دوّاري (1)

أراد هذه الخفّة على سبيل اللهو و التلهّي، و إلّا فمجرّد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ الكبير حتّى يتعلّق به الاستفهام التوبيخي.

و لكن فيه: أنّ الخفّة لا تستلزم التلهّي، و إلّا لكان كلّ صوت مطرب ملهيّا، و هو بعيد، و لذا تراهم يقسّمون الصوت المطرب إلى ما كان على سبيل اللهو و غيره، و ربما يشهد له بيت الكميت:

طربت و ما شوقا الى البيض أطرب * * *و لا لعبا منّي و ذو الشيب يلعب؟

(2)

فإنّه، مع إثباته الطرب لنفسه، نفي اللعب و أنكره على ذي الشيب، على وجه الاستفهام الإبطالي المحذوف أداته، فليتأمّل.

و كيف كان، فهل يعتبر الأطراف في تحقّق الغناء اللغويّ، أو يكتفى بما من شأنه الإطراب بالفعل فلا يقدح فيه قبح الصوت و غلظته و نحو ذلك وجهان؟

و لعلّ الأول أظهر، فتدبّر.

و كذا الكلام في الصوت اللهويّ المعتبر في الغناء العرفيّ، فتأمّل.

____________

(1). شرح شواهد المغني لجلال الدين السيوطي، ج 1، ص 48.

(2). هذا مطلع قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، أنظر تمامها في القصائد الهاشميات، ص 25.

77

المقصد الثاني في حكم الغناء شرعا

فإذا عرفت أنّ الغناء هو الصوت المطرب، فاعلم أنّ هذا الصوت على ثلاثة وجوه.

أحدها: أن يكون بنفسه لهوا مهيّجا للشهوات، مزيّنا للسيّئات، داعيا إلى المحرّمات، كالصوت المعروف بالتصنيف، فإنّه بنفسه محرّك للقلب إلى الشهوات الباطلة، و إن لم يقترن بالملاهي، و لا بالكلمات المفهمة للمعاني.

و ثانيها: أن يكون داعيا الى ما ذكر بواسطة اشتماله على الكلمات المهيّجة للشهوة، و التشبيبات بالأمارد و النسوة، أو استعماله في مجالس شرب الخمور و الاستعداد للفسق و الفجور، أو صدوره من أمرد حسن الوجه أو امرأة مليحة حسناء، و إن لم يكن بنفسه- لو لم تكن هذه العوارض- مهيّجا للشهوات، و مزيّنا للسيئات، و مقوّيا لأباطيل الخيالات.

و من هنا يختلف باختلاف الأشخاص، و الأحوال، و الأوقات، و باختلاف المستمعين و المغنّين.

فالفرق بين الوجهين: أنّ الوصف باللهو في الأوّل ذاتيّ، و في الثاني عرضيّ، و إلّا فلا فرق بينهما في كون الصوت فيهما لهويّا.

و مرادنا بالذاتيّ: الوصف الذي لا يفتقر في ثبوته إلى واسطة، لا ما لا يتخلّف أصلا.

فلا يتوهّم: أن اللهو لا ينفكّ عن الصوت المطرب، فليتأمّل.

و ثالثها: أن يكون مجرّدا عن الوصفين، فقد يكون مذكّرا لأمور الآخرة منسيا لشهوات‌

78

الدنيا الفانية، و قد لا يكون كما في الأصوات الحسنة المطربة الموجبة للفرح و الانبساط، المذهبة للهموم و الغموم، المسلية عن المصائب و الرزايا.

و دعوى أنّ الصوت المطرب لا ينفكّ عن اللهو.

مجازفة كما أشرنا اليه.

و ما في بعض كتب (1) العامة من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دخل بيت الربيع بنت معوذ، و عندها جوار يغنّين، فسمع إحداهنّ تقول:

«و فينا نبيّ يعلم ما في غد» على وجه الغناء، فقال (عليه السّلام) دعي هذا، و قولي ما كنت تقولين (2).

و هذه شهادة بالنّبوّة و أنّ وجه الزجر هو كون الغناء لهوا، و الشهادة بالنبوّة جدّا محضا، فلا تقترن بصورة اللهو (3).

لا يلتفت إليه لعدم ثبوت هذه الرواية عندنا، و على تقدير ثبوتها لا دلالة فيها على المدّعى.

هذا، مع أنّ في الأصوات المطربة ما يلهي المبتلى بشهوات الدنيا عنها، و يكفّه عن ملاهيها و ملاذّها، و يشوّقه إلى الملإ الأعلى و الدرجات العلى، فكيف يسمّى مثل هذا الصوت لهوا أو لهويّا أو مزمارا للشيطان صادّا عن عبادة الرحمن؟

و قد حكي أنّ بعض (4) العارفين قد هيّئ له ليلة طعام، فلمّا وضع بين يديه إذ سمع مغنّيا يغنّي بهذا البيت:

و تلهيك عن دار الخلود مطاعم * * *و لذة نفس غيّها غير نافع

____________

(1). إحياء علوم الدين، ج 2، ص 327.

(2). هذا الخبر و رد في سنن ابن ماجة، ج 1، ص 611، حديث 1897 و أيضا في أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 5، ص 452 بتفاوت مع ما في المتن، فراجع.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 327.

(4). هو عتبة بن ابان بن سمعه من نسّاك البصرة، انظر أخباره في حلية الأولياء، ج 6، صص 238- 226. ايضا انظر: اتحاف السادة المتّقين، ج 6، ص 544. ايضا ربيع الأبرار، ج 1، ص 760.

79

فصاح صيحة و خرّ مغشيّا عليه (1).

و حكي أيضا: أنّ بعضهم سمع في مجلس مغنّيا يغنّي بهذا البيت:

ما زلت أنزل من ودادك منزلا * * *تتحيّر الألباب عند نزوله

فقام و تواجد و هام على وجهه، فوقع في أجمة قصب قد قطع و بقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها و يعيد البيت إلى الغداة، و الدم يخرج من رجليه حتى و رمت قدماه و ساقاه، و عاش بعد ذلك أيّاما و مات (2).

و حكاياتهم في هذا الباب كثيرة.

و قد قال بعضهم (3): إنّ السماع وارد حقّ، جاء يزعج القلوب إلى الحقّ، فمن أصغى إليه بحقّ تحقّق، و من أصغى إليه بنفس تزندق (4).

و قال بعضهم: السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة (5).

و قال بعضهم: كما أنّ الفكر يطرق العلم إلى المعلوم فالسماع يطرق القلب إلى العالم الروحانيّ (6).

و قال بعض الحكماء: من حزن فليسمع الألحان، فإنّ النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها، و إذا فرحت اشتعل نورها و ظهر فرحها (7).

و قال بعضهم: نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي و استجلاب العازب من الأفكار و حدّة الكالّ من الأفهام و الآراء حتّى يثوب ما عزب، و ينهض ما عجز، و يصفو ما كدر، و يمرح في كلّ رأي و نيّة فيصيب و لا يخطئ، و يأتي و لا يبطئ (8).

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 319.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 317.

(3). هو ذو النون المصري على ما في الأحياء.

(4). احياء علوم الدين، ج 2، ص 317.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 318.

(6). احياء علوم الدين، ج 2، ص 318.

(7). المصدر.

(8). المصدر.

80

و قد ذكروا للسماع- الذي هو عبارة أخرى عن الغناء- فوائد ربّانية و نتائج ملكوتية لا ترتب على الصوت اللهوي الذي هو مزمار الشيطان.

و كيف كان، فلا ريب و لا خلاف في حرمة الغناء على الوجهين الأوّلين، و كونه من الكبائر الموبقات بل عليه الإجماع بالقسمين، بل الظاهر كون هذا الحكم من ضروريات المذهب بل الدين.

فإنّ الصوفية من العامّة- و إن أولعوا بالسماع، و فصّلوا فيه القول- و لكنّ التدبر في كلماتهم يعطي أنّ مرادهم به غير الوجهين المشار إليهما.

نعم، من دأب الزنادقة منهم الرقص و التصدية و التغنّي بالأصوات اللهوية، و قد اشتهر ذلك منهم حتّى ورد من أئمّتنا المعصومين (عليهم السّلام) فيهم ما ورد.

بل الظاهر أنّهم محكوم عليهم بالكفر، لما عرف من عقائدهم الباطلة من الحلول و الاتحاد و الزندقة و الإلحاد.

فلا تقدح مخالفتهم في الضرورة بالضرورة.

و يشهد لما ذكرناه من أنّ العامّة أيضا لا يجوّزون الصوت اللهويّ المزيّن للسيئات أنّ الغزالي- الذي كان من فضلائهم و فحول علمائهم و إن كان يظهر من بعض كلماته الرجوع إلى الحقّ (1)- بعد أن أشبع الكلام في المقام قال: فقد خرج من جملة التفصيل السابق أنّ السماع قد يكون حراما محضا، و قد يكون مباحا، و قد يكون مكروها، و قد يكون مستحبّا.

أمّا الحرام: فهو لأكثر الناس من الشبّان، و من غلبت عليهم شهوة الدنيا، فلا يحرّك السماع منهم إلّا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.

و أمّا المكروه: فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين، و لكن يتّخذه عادة في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.

____________

(1). مستند رجوع الغزالي إلى الحقّ و استبصاره ما ربما يظهر من كتاب سرّ العالمين على ما في مقدمة المحجّة البيضاء- فراجع و في كونه من تأليفات الغزالي بحث في كتاب «غزالى نامه» لجلال الدين همايي، ص 274- 273، و انظر (مؤلّفات الغزالي) للبدويّ.

81

و أمّا المباح: فهو لمن لا حظّ له منه إلّا التلذّذ بالصوت الحسن.

و أمّا المستحب: فهو لمن غلب عليه حبّ اللّه، و لم يحرّك السماع منه إلّا الصفات المحمودة (1) انتهى فتأمل.

و بالجملة يدلّ على هذا الحكم.

- مضافا إلى الإجماع، بل الضرورة، و شهادة العقل بقبح ما يسخط الولي- الكتاب، و السنّة المتواترة.

فمن الكتاب قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (2).

و قد فسّر في جملة من الأخبار «لهو الحديث» بالغناء.

و قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (3).

أي الغناء، كما في جملة من الأخبار أيضا (4) فليتأمل.

و من السّنة ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت عن كسب المغنيّات؟ فقال: التي يدخل عليها‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 332.

(2). لقمان، 31- 21.

(3). سورة الحج، آية 11.

(4). راجع معاني الأخبار للصدوق، صص 332- 331 الكافي، ج 6، ص 431.

82

الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس (1) انتهى.

و ما رواه عن علي بن محمّد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اقرأوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر فإنّه سيجي‌ء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم و قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبهم شأنهم (2) انتهى.

و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي إنّني أدخل كنيفا ولي جيران عندهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود، فربّما أطلت الجلوس استماعا لهنّ؟ فقال: لا تفعل.

فقال الرجل: و اللّه ما آتيهنّ، و إنّما هو سماع أسمعه بأذني؟ فقال: لله أنت، أما سمعت اللّه يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

فقال: بلى، و اللّه، لكأنّني لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من أعجميّ و لا عربيّ، لا جرم أنّني لا أعود ان شاء اللّه و لأنّي (3) أستغفر اللّه.

فقال: له: قم فاغتسل، و صلّ ما بدا لك، فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو متّ على ذلك! أحمد اللّه، و سله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، و القبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلا (4) انتهى.

الى غير ذلك من الروايات.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 84، أبواب ما يكتسب به 15- حديث 1. ايضا الكافي، ج 5، ص 119- حديث 1.

(2). الكافي، ج 2، ص 614- حديث 3.

(3). كذا و في الأصل: و إنّي أستغفر اللّه.

(4). الكافي، ج 6، ص 432، حديث 10. و نظيره في تفسير العياشي عن ابى جعفر عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام) فراجع: ج 2، ص 292.

83

و أمّا الغناء على الوجه الثالث: أي الصوت المطرب المجرّد عن الوصفين المذكورين فقد اختلفوا في إباحته، و حرمته، على قولين.

أقواهما- عندي- هو الأوّل، وفاقا لكثير من المتأخّرين و متأخّريهم كالمحدّث الكاشاني (1) و المحقّق السبزواري (2) و المدقّق التستري (3) و غيرهم من مشايخنا المعتبرين.

و ربّما ينسب إلى الصدوق (رحمه اللّه) في الفقيه، و الشيخ في الاستبصار.

و هو خطأ كما بينّاه في شرح النافع (4).

و الثاني: ظاهر أكثر الأصحاب، و هو مذهب كثير من مخالفينا، كأبي حنيفة، و سفيان الثوري، و حمّاد، و إبراهيم، و الشعبي.

و مالك قال: إذ اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها.

و للشافعي قولان: أحدهما ذلك، و ثانيهما أنّ الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، و من استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته (5).

و كيف كان، فمستند المبيح وجوه:

منها: أصل الإباحة، فإنّ كلّ شي‌ء ينتفع به مطلق مباح بحكم العقل و النقل حتّى يرد فيه نهي، و لم يثبت نهي عن خصوص الصوت المطرب المبحوث عنه سوى ما يأتي الجواب عنه، فحيث لا دليل على حرمته حكمنا بإباحته.

قال أبو الحسن (عليه السّلام) في حديث: إنّ أمور الأديان أمران: أمر لا اختلاف فيه بين الأمّة و هو ضرورة في الدين لا يقبل الشكّ، و أمر يحتمل الشكّ و الإنكار، فمن‌

____________

(1). الوافي، ج 17، ص 218. ايضا راجع مفاتيح الشرائع، ج 2، ص 21.

(2). كفاية الأحكام، الطبع الحجري، ص 86.

(3). كتاب المكاسب، ط تبريز، ص 38- 37.

(4). منتقد المنافع، صص 168- 167، مجلد المتاجر «مخطوط».

(5). انظر إتحاف السادة المتقين، ج 6، صص 457- 456.

84

ادّعى شيئا من هذا القسم فعليه أن يحتجّ عليه بكتاب مجمع على تأويله، أو سنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا اختلاف فيها، أو قياس يعرف العقول عدله إلى أن قال: فمن ادّعى شيئا من هذا الأمر و لم يكن له شي‌ء، من هذه الحجج الثلاث وسع خاصّة الأمّة و عامّتها الشك فيه و الإنكار له (1) انتهى.

قال السيّد ماجد (رحمه اللّه) في رسالته المفردة لهذه المسألة بعد ذكر هذه الرواية: هذا قانون كلّيّ أعطاناه، فلنعرض الغناء اللغويّ عليه، ليعرف حاله، فنقول: لا شكّ أنّ حرمته ليست من ضروريات الدين، و إلّا لم يختلف فيه أحد، سيّما فحول العلماء الذين حازوا قصب السبق في مضامير الأفكار، و فازوا بوصال بنات المعاني الأبكار، و بلغوا في المعقول و المنقول درجة الاجتهاد، و انتشر صيت فضلهم في الأصقاع و الأقطار، و هل يمكن لمن له أدنى تميز و عقل أن يجوّز أن يكون أمر من ضروريّات الدين مخفيّا على أمثال هؤلاء الأعلام المتبحّرين في جميع العلوم؟ و مبيّنا لمن قرء ألفية الشهيد و برحا من المختصر النافع أو شرائع الإسلام؟ و إلّا فليجوّز غلبة الذباب على العقاب، و ليقبل دعوى الرجحان على المحيط من السراب!.

فبقي أن يكون ممّا احتمل الشكّ و الإنكار، فنطلب منكم الدليل على حرمته؟

أمّا الدليل النقليّ فحاله ما ذكرناه و بيّناه لكم.

فتعيّن عليكم أن تستدلّوا عليها بدليل عقليّ، و أكثركم يا معشر المنكرين مستنكفون عن الدليل العقلي مستهزءون لمن طالب شيئا به، و هذا أيضا تهافت آخر و معارضة اخرى مع اللّه و رسوله و خلفائه، و ليس هذا الموضع مقام بيان فساده و قد رفع مؤنته عنّا صاحب الاحتجاج بتصنيفه هذا الكتاب لبيان بطلان هذا المسلك.

و أنشدكم بالله: هل تجد عقولكم محذورا في استماع صوت محزن مبك حامل لكلمات‌

____________

(1). تقدم ان الحديث بهذا اللفظ منقول من رسالة إيقاظ النائمين. و ايضا تقدم ذكر مصادره على اختلاف ألفاظه فيها فراجع.

85

مذكّرة للآخرة و نعيمها، مبعدّة عن ارتكاب اللذات الحسّية الدنيّة، بحيث إذا سمعه المغمور في الشّهوات الدنيّة الخسيسة، المسجون في سجن إدراك اللذات الطبيعيّة البهيميّة فانزعج من مقامه، و انقلع من مكانه، و تندم ممّا كان عليه، خائفا من شدّة و باله، و ألم عذابه، فتململ تململ السليم، و بكى بكاء الحزين، قائلا: يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه، ظاهرا من صفحات وجهه و فلتأت لسانه و فرط اضطرابه و كثرة التوائه أنّه يقول بلسان الحال رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنٰا وَ تَرْحَمْنٰا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ فإن ادّعيتم فيه محذورا عقليّا فأتوا به إن كنتم صادقين (1) انتهى.

و حاصله أن تحريم هذا الغناء لا دليل عليه من نقل و لا عقل، فيكون مباحا.

و مثله ما ذكره الغزاليّ في (إحياء العلوم) قال: اعلم أنّ قول القائل «السماع حرام» معناه أنّ اللّه يعاقب عليه، و هذا أمر لا يعرف بمجرد العقل، بل بالسّمع، و معرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص، و أعني بالنصّ ما أظهره بقوله أو فعله و بالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه و أفعاله.

فإن لم يكن فيه نصّ، و لم يستقم فيه قياس على منصوص، بطل القول بتحريمه، و بقي فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات.

و لا يدلّ على تحريم السماع نصّ و لا قياس، و يتّضح ذلك في جوابنا عن أدلّة المائلين إلى التحريم، و مهما تمّ الجواب عن أدلّتهم كان ذلك مسلكا كافيا في إثبات هذا الغرض.

لكن نستفتح و نقول: قد دلّ النصّ و القياس جميعا على إباحته. إلى آخر ما ذكره (2) و هو طويل لا مزيد عليه، و لكن بعض ما ذكره لا يناسب مذهبنا.

و منها: أنّ الشبهة في هذه المسألة- على تقديرها- إمّا موضوعيّة تحريميّة أو حكميّة كذلك.

____________

(1). رسالة إيقاظ النائمين.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 294.

86

فإن كانت الاولى كان الحكم الإباحة بالاتّفاق.

و إن كانت الثانية: فكذلك عند المجتهدين، و إن خالفت الأخبارية.

و اعترض عليه: بأنّ الشبهة الموضوعيّة إذا كانت مفهومية مراديّة وجب الاجتناب عن جميع المحتملات من باب المقدّمة.

و فيه نظر، يظهر وجهه ممّا يأتي في الجواب عن أدلّة الحاظرين.

و منها: ما دلّ على جواز الغناء في العيدين، مثل ما رواه الحميريّ في (قرب الإسناد) عن عبد اللّه بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السّلام) قال: سألته عن الغناء في العيد (1) الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به انتهى (2).

و نحوه ما رواه علي بن جعفر في كتابه، إلّا أنّ فيه بدل «ما لم يعص به»: «ما لم يزمّر (3) به» انتهى بالزاء المعجمة في أوّله و المهملة في آخره أي: لم يلعب معه بالمزمار، أو لم يرجّع فيه ترجيع المزمار، أو لم يقصد منه قصده من تهييج الشهوات، أو لم يتغنّ به على سبيل اللهو المحرّم، و يحتمل أيضا أن يكون المراد: ما لم يكن الغناء بسبب النفخ في المزمار و نحوه من آلات الأغاني، و يحتمل العكس أي ما لم يشر به إلى شي‌ء من الفسوق و الفجور، كما هو دأب أرباب العشق الحيواني.

فالروايتان بمنطوقهما دالّتان على عدم البأس بالغناء الّذي لا يكون لهويّا، كما أنّهما بمفهومهما دالّتان على ثبوته في اللهويّ.

و لا يقدح اختصاصهما بالعيدين و الفرح، لعدم القول به على القول بالجواز.

____________

(1). كذا و في الأصل: في الفطر و الأضحى، و فيه اختلاف آخر، هنا فراجع.

(2). قرب الاسناد، ص 121، باب ما يجوز من الأشياء.

و في قرب الاسناد المطبوع في النجف 1369 هجري قمري، ص 163 و سالته، بدل سألته.

(3). الوسائل، ج 12، ص 85، و فيه «ما لم يؤمر به». ايضا راجع البحار، ج 10، ص 271.

87

و لا احتمال ورودهما للتقيّة، بعد كون المسألة اختلافية بينهم، مع أنّ الأصل عدمه، مع ندرته بالنسبة إلى ما لم يرد لها من الأخبار، كما لا يخفى.

و ممّا يقتضي به العجب أنّ بعض الفحول (1) زعم: أنّ الروايتين من أدلّة من جوّز الصوت اللهويّ، فإنّ المراد بالغناء مطلق الصوت المشتمل على الترجيع، فهو قد يكون مطربا ملهيا فيحرم، و قد لا ينتهي إلى ذلك الحدّ فلا يعصى به.

و أنت خبير بأنّه لم يذهب إلى تجويز الصوت اللهويّ أحد من أصحابنا حتى تكون الروايتان مستنده، نعم، ربّما يتوهّم من بعض (2) المحدّثين في بادي الرأي، و لكن التأمّل في عبارته (3) يعطي ما أشرنا إليه، فتأمّل.

و الظاهر أنّ من صرّح من العامّة بتجويز الصوت اللهويّ مطلقا، أو في الجملة، أراد به غير ما فسّرناه من المهيّج للشهوات المزيّن للسيّئات، و إن جوّزوا استعمال بعض آلات اللهو، فتدبر.

و منها: ما ورد بمدح الصوت الحسن مطلقا مثل قوله تعالى يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ (4) انتهى.

بناء على تفسيره بالصوت الحسن كما نقله الغزالي (5) و رواه الصدوق أيضا عن محمد ابن أحمد بن الحسين البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حسّنوا القرآن بأصواتكم فإنّ‌

____________

(1). راجع المكاسب للشيخ الأنصاري ره، ص 38. قوله ره لو لا استشهاده بقوله ليست بالتي تدخل عليها الرجال. كما في المنتقد، ص 165، جلد المتاجر- مخطوط.

(2). الظاهر ان المراد به الفيض الكاشاني (رحمه اللّه) كما في المنتقد مجلد المتاجر، ص 165- مخطوط.

(3). راجع المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الصّافي، ج 1، ص 46.

(4). سورة فاطر، آية 1.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 295، ايضا راجع مجمع البيان، ج 8، ص 400.

88

الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» و قرأ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ (1) انتهى.

و مثل قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (2) بناء على ما ذكره الغزالي أيضا من أنّه يدلّ بمفهومه على مدح الصوت الحسن (3)، فتأمّل.

و مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما روي في بعض الكتب: «لم يعط أمّتي أقلّ من ثلاث: الجمال و الصوت الحسن و الحفظ» (4) انتهى.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إن من أجمل الجمال الشعر الحسن و نغمة الصوت الحسن» (5) انتهى.

و ما روي في بعض الأخبار من أنّه «ما بعث اللّه نبيّا إلّا حسن الصوت» (6) انتهى.

و ما في بعضها أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه، و في تلاوة الزبور حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (7) انتهى.

و وجه الاستدلال: ما عرفته في المقدّمة التاسعة من عدم الفرق بين الغناء و الصوت الحسن، نعم الانقسام إلى اللهويّ و غيره يجري في الأوّل دون الثاني، نظرا إلى إطلاق ما دلّ على مدحه من الأخبار.

فهذه الاخبار تدلّ على جواز استعمال الصوت المطرب الذي لا يكون لهويّا، و إن كان غناء لغويا، فليتأمل.

____________

(1). عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 68، حديث 322، أخرجه في تفسير نور الثقلين، ج 4، ص 350.

(2). سورة لقمان، آية 19.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 295.

(4). الخصال مسندا عن أبى عبد اللّه (ع) عن رسول اللّه (ص)، فراجع الخصال المترجم، ص 155 ايضا و في الكافي، ج 2، ص 615، حديث 7.

(5). الكافي، ج 2، ص 615، حديث 8.

(6). الكافي، ج 2، ص 615، حديث 10.

(7). احياء علوم الدين، ج 2، ص 295، قال محقق الكتاب في ذيل الصفحة: لم أجد له أصلا.

89

و منها ما ورد بمدح الصوت الحسن في خصوص قراءة القرآن مثل ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمّون، عن علي بن محمّد النوفلي، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: ذكرت الصوت عنده فقال:

«إنّ علي بن الحسين (عليه السّلام) كان يقرأ فربّما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته، و إنّ الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه».

قلت: و لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصلّي بالناس و يرفع صوته بالقرآن؟ فقال (عليه السّلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحمّل الناس ما يطيقونه (1) انتهى.

و ما رواه عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد اللّه بن القسم، عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السّلام) قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لكل شي‌ء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن» (2) انتهى.

و ما رواه عنه أيضا عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جائني الشيطان فقال: إنما ترائي بهذا أهلك و الناس، فقال: «يا أبا محمّد اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، و رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللّه يحبّ الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا» (3) انتهى.

و ما رواه الصدوق في (العيون) عن محمّد بن عمر الجعابي، عن الحسن بن عبد اللّه التميمي، عن أبيه، عن الرضا (عليه السّلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حسّنوا القرآن بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» انتهى.

و قد تقدّم رواية أخرى مثله (4) مع زيادة.

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 615، حديث 4، مع اختلاف يسير.

(2). الكافي، ج 2، ص 615، حديث 9.

(3). الكافي، ج 2، ص 616، حديث 13.

(4). عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 68، حديث 322.

90

و ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عن أبي بصير عن الصادق (عليه السّلام) في قوله تعالى:

وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال: «هو ان تتمكث فيه و تحسّن به صوتك» (1) انتهى.

و ما رواه الحلّي في آخر (السرائر) نقلا من (كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب)، عن العبّاس، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرّجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدعاء و في القراءة حتى رفع صوته فقال: «لا بأس، إنّ عليّ بن الحسين (عليه السّلام) كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان إذا قام من الليل و قرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من السقائين و غيرهم فيقومون فيستمعون إلى قرائته انتهى (2).

و ما رواه الغزالي في إحيائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (3) انتهى.

و ما رواه ايضا عنه أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، استمع إلى قراءة أبي موسى فقال: «لقد اوتي هذا من مزامير آل داود» فبلغ ذلك أبا موسى فقال: لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا. انتهى (4).

و ما رواه ايضا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «للّه أشدّ إذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته» (5) انتهى.

____________

(1). مجمع البيان، ج 10، ص 378.

(2). كتاب السرائر ص 484 «المستطرفات».

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 322- ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 426، حديث 1342 و ايضا سنن النسائي، ج 2، ص 179 و ايضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 4، ص 285 و في المبسوط للشيخ (رحمه اللّه)، ج 8، ص 227 عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حسّنوا القرآن بأصواتكم.

(4). احياء علوم الدين، ج 2، ص 322 و ص 295- ايضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 6، ص 167 و ج 5، ص 349 و ص 349 و ص 351 و ج 2، ص 369 و ص 450- ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 425، حديث 1341- ايضا سنن النسائي، ج 2، ص 181 ايضا المبسوط للشيخ ره، ج 8، ص 227.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 295- أيضا مسند الامام احمد بن حنبل، ج 6، ص 19 و ص 20 ايضا سنن ابن ماجة، ج 1، ص 425، حديث 1340.

91

و ما رواه السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في غرره و درره عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «لا يأذن اللّه لشي‌ء من أهل الأرض إلّا لأصوات المؤذّنين و للصوت الحسن بالقرآن» (1) انتهى.

أي لا يستمع اللّه لشي‌ء و لا يتقبّله و لا يثيب عليه كتقبّله و استماعه و ثوابه على ذلك، ذكره السيد في كتابه المذكور، و قد نقلنا عبارته في الشرح. (2).

وجه الاستدلال بهذه الروايات ما عرفته من أنّ تحسين الصوت لا يتصور إلّا مع الترجيع و التطريب، و هذه الاخبار دلّت على جوازه، بل استحبابه في القرآن، كما صرّح به كثير، بل أرسله جماعة إرسال المسلّمات، كما يظهر من الطبرسي (3) و غيره، بل يظهر منه أن خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء، كما صرّح به السبزواري في الكفاية (4).

و يشهد له تأويلهم حديث التغنّي بالقرآن بتحسين الصوت به.

و القول بأنّ الترجيع و صف عارض للصوت الحسن، يوجد بإيجاد آخر مغاير للصوت.

شطط من الكلام، ضرورة عدم تحقّقه بدون الترجيع.

و قد عرفت من بعض الأخبار أنّ علي بن الحسين (عليه السّلام) كان يقرء القرآن فربّما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته، فلو لم يكن للترجيع مدخل في حسن الصوت لكان ينبغي أن يصعق السامع عند تكلّمه على الاستقامة، و لم يرد به خبر أصلا.

ثم [لو] سلّمنا إمكان انفكاك الصوت الحسن عن الترجيع، و لكن لا مجال لإنكار كون الصوت المشتمل على الترجيع المطرب من أفراد الصوت الحسن، فيشمله ما دلّ على جوازه.

____________

(1). غرر الفرائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج 1، ص 25 أيضا المبسوط للشيخ (رحمه اللّه)، ج 8، ص 227.

(2). منتقد المنافع المجلد المتاجر، ص 172- مخطوط.

(3). مجمع البيان، ج 1، ص 16 الفن السابع.

(4). كفاية الأحكام، ص 86.

92

و خروج الصوت اللهوي منه بالإجماع، لا يوجب خروج مطلق المشتمل على الترجيع، لعدم الدليل عليه.

هذا، مع ما عرفته من عدم شمول الصوت الحسن للصوت اللهوي، فلا تعارض بين ما يأتي من أخبار النهي عن الغناء، و هذه الأخبار لو حملنا الغناء على الصوت اللهويّ و الصوت الحسن بغيره، لاختلاف مورد الحكمين.

و على القول بعدم اختصاص الغناء بالصوت اللهوي: يكون التعارض- بين أخباره، و أخبار الصوت الحسن في القرآن- بالعموم و الخصوص من وجه، لو لم نعتبر الترجيع في الصوت الحسن، فالمرجع في مادة الاجتماع- أي الترجيع في القرآن- هو الأصل، و مقتضاه الجواز، مع ورود الأمر به في بعض الأخبار، فتدبّر.

و كيف كان، فلا دلالة في هذه الروايات على المدّعى بتمامه، لثبوت القول بالفصل، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بالأولوية، و للتأمل فيها مجال.

و منها: ما ورد من الأخبار بذمّ ترك التغنّي بالقرآن مثل ما رواه السيد (رحمه اللّه) في الغرر، كالغزالي في الإحياء مرسلا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال:

«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (1) انتهى.

و ما رواه أيضا كالطبرسي في مجمع البيان عن عبد الرحمن بن السائب، قال: أتيت سعدا، و قد كفّ بصره، فسلّمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال مرحبا يا بن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «إنّ هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا» انتهى. (2)

قال السيد (رحمه اللّه): قوله: «ليس منّا» فقد قيل فيه أنّه لا يكون على أخلاقنا، و استشهد‌

____________

(1). غرر الفرائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج 1، ص 24- ايضا المبسوط للشيخ (ره)، ج 8، ص 227. أيضا احياء علوم الدين، ج 1، ص 327. ايضا البحار، ج 77، ص 255.

(2). أمالي السيد المرتضى، ج 1، ص 25- ايضا مجمع البيان، ج 1، ص 16.

93

ببيت النابغة:

إذا حاولت في أسد فجورا * * *فانّي لست منك و لست منّي (1)

و قيل إنّه أراد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليس على ديننا. انتهى. (2)

وجه الاستدلال: أن المراد بالتغنّي بالقرآن استعمال الغناء في قراءة القرآن، و ليس المراد به الصوت اللهويّ المحرّم لحرمة استعماله في غير القرآن فكيف يجوز استعمال فيه؟ فيتعيّن كون المراد به الصوت المطرب المجرّد عن اللهو، فإذا ثبت جوازه فيه ثبت في غيره بطريق أولى فتأمّل.

و اعترض عليه:

تارة: بضعف السند.

و اخرى: بأنّ مثل هذين الخبرين محتمل للوضع للتقرّب إلى خلفاء الجور المولعين بسماع الغناء و حكاية غياث (3) بن إبراهيم مع المهدي بن المنصور معروفة.

و ثالثة: بأن ظاهر قوله: «ليس منّا» وجوب التغنّي، و لا قائل به، و لذا قال القاسم بن سلّام: لو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك، إذ لو كان من لم يرجّع بالقرآن فليس منه (4) انتهى.

و قال السيد (رحمه اللّه) إنّه محال أن يخرج من دين النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ملّته من لم يحسن صوته بالقرآن و يرجّع فيه. انتهى (5).

و رابعة: بأنّ المراد هو تحسين الصوت بالقرآن المأمور به في أخبار كثيرة، لا الصوت‌

____________

(1). ديوان النابغة الذبياني، ص 138.

(2). أمالي السيد المرتضى، ج 1، ص 27.

(3). ربيع الأبرار، للزمخشري، ج 3، ص 205 و القصة واردة أيضا في أبي البختري القاضي مع الرشيد فراجع، كتاب مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام، لعبد الواحد الأنصاري، ص 9.

(4). أمالي السيد المرتضى، ج 2، 24.

(5). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 28.

94

المشتمل على الترجيع المطرب.

و خامسة: بأنّ المراد الاستغناء بالقرآن عن غيره. يقال: تغنيت إذا استغنيت، قال الأعشى:

و كنت امرء أزمنا بالعراق * * *عفيف المناخ طويل التغنّي (1)

اي كثير التغنّي.

و قال ابن مسعود: من قرأ سورة آل عمران غني اي مستغن (2).

و عن عبد اللّه بن نهيك أنّه دخل على سعد في بيته فإذا مثال رث و متاع رثّ، فقال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (3).

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: «لا ينبغي لحامل القرآن أن يظنّ أنّ أحدا أعطي أفضل ممّا اعطي لأنّه لو ملك الدنيا بأسرها إن القرآن أفضل ممّا ملكه» (4) انتهى.

و سادسة: بأن المراد بالتغنّي: الجهر بالقرآن، لما روي من أنّه «ما أذن اللّه لشي‌ء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن و يجهر به» (5) انتهى.

بناء على أنّ «يجهر» تفسير ليتغنّى.

و سابعة: بأنّ المراد بالتغني: التلذّذ و الاستحلاء و الاستعذاب، كاستحلاء أصحاب الطرب للغناء و التذاذهم به.

و ثامنة: بأنّ التغنّي من غنى الرجل بالمكان و المغني إذا طال مقامه، قال السيّد‌

____________

(1). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 27.

(2). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24 و عن ابى عبد اللّه (ع) نظيره فراجع الكافي، ج 2، ص 305، حديث 8.

(3). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24.

(4). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 24.

(5). ورد هذا الحديث باختلاف يسير مع ما في المتن فراجع، سنن النسائي، ج 2، ص 180 و مسند الامام احمد، ج 2، ص 271 و 285 و 450 ايضا المبسوط للشيخ (رحمه اللّه)، ج 8، ص 227.

95

المرتضى (رحمه اللّه): فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن فيتجاوزه إلى غيره و يتعدّاه إلى سواه و يتّخذه مغني و منزل مقام، فليس منّا. انتهى. (1)

و يمكن دفع الأوّل، بانجباره برواية من لا يعمل بخبر الآحاد و لو كان صحيحا.

و الثاني: بكونه خلاف الأصل و الظاهر، نعم لو كان احتمال الوضع مساويا لعدمه وجب التوقّف على ما صرّح به المحقق الداماد في (الرواشح السماوية)، قال: الاخبار على ثلاثة ضروب: ضرب يجب تصديقه و هو ما نصّ الأئمّة على صحّة وروده، و ضرب يجب تكذيبه و هو ما نصّوا على وضعه، و ضرب يجب التوقّف فيه لاحتماله الأمرين كسائر الاخبار، و لا يجوز الإفراط في نقل أخبار الآحاد و الانقياد لكلّ خبر كما هو مذهب الحشوية، إذ في الاخبار موضوعات بيّنة (2) انتهى (3) فتدبر.

و الثالث: بأنّ ذلك قرينة على إرادة الاستحباب المؤكّد.

و الرابع: بما تقدّم من عدم الانفكاك.

و البواقي: بكونها خلاف الظاهر، فلا يعارض احتمالها ما هو الظاهر من التغنّي و المتبادر منه.

و منها: ما دلّ على رجحان قراءة القرآن بالحزن مثل ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره عن الصادق (عليه السّلام) قال: «إن القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن» (4) انتهى.

و ما رواه عنه أيضا، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليم بن داود المنقري، عن حفص قال: ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر (عليه السّلام) و لا أرجى الناس‌

____________

(1). أمالي السيّد المرتضى، ج 2، ص 27.

(2). كذا و في الأصل: بتة بدل بيّنة.

(3). الرواشح السماوية، ص 193.

(4). الكافي، ج 2، ص 614، حديث 2.

96

منه، و كانت قرائته حزنا فكأنّه يخاطب إنسانا. انتهى. (1)

وجه الاستدلال: أنّ القراءة بالحزن لا تنفك عن الترجيع المطرب، و فيه نظر، فتدبّر.

و منها: ما ورد بقراءة القرآن بألحان العرب:

مثل ما رواه في (الكافي) عن علي بن محمد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السّلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق» (2) انتهى.

و ما رواه ابن الأثير في (نهايته) قال: و فيه: «اقرءوا القرآن بلحون العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل العشق و لحون أهل الكتابين» (3) انتهى.

وجه الاستدلال: أنّ الألحان و اللحون جمع اللحن و هو التطريب و التغريد.

كما صرّح به جماعة من أهل اللغة، قال الجوهري- على ما حكي عنه-: يقال هو ألحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء (4) و تفسير اللحن باللغة أو باللهجة خلاف الظاهر و إن صرّح بالأول الطريحي (5) و المحدث البحراني (6) و بالثاني بعض المحققين (7).

قال بعض الأفاضل: إنّ الأصوات المستقيمة مشتركة بين العرب و العجم غير مختصة بطائفة دون أخرى. ألا ترى أنّه لا يجوز أن يقال: نادى زيد ابنه بنداء العرب و عمرو بنداء العجم، لكون النداء على استقامة مشتركا بين جميع الطوائف، و يجوز أن يقال: زيد قرأ القرآن بلحن العرب، و عمرو بلحن العجم (8) انتهى.

____________

(1). الوسائل، ج 4، ص 857 باب استحباب القراءة بالحزن. حديث 3.

(2). الوسائل، ج 4، ص 858 باب تحريم الغناء في القرآن و. حديث 1.

(3). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 4، ص 242.

(4). مختار الصحاح، ص 594 مادة لحن.

(5). مجمع البحرين، ج 6، ص 307 مادة لحن.

(6). الحدائق النّاضرة، ج 18، ص 144.

(7). المكاسب للشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)، ص 39.

(8). رسالة إيقاظ النائمين.

97

و الحاصل أنّ مجرد الصوت من دون ترجيع و تطريب لا يسمّى لحنا كما لا يسمّى غناء، و المراد بالغناء في ذيل الحديث الأوّل هو الصوت اللهويّ المحرّم، فلا منافاة.

لا يقال: إنّه كما يحتمل صرف الغناء عن معناه اللغوي، كذلك يحتمل صرف اللحن عن معناه الحقيقي، و لا مرجّح، فيتطرق الإجمال المخلّ بالاستدلال.

فإنّ تعارف استعمال الغناء و غلبة إرادة المعنى العرفيّ منه ممّا يرجّح الأوّل.

و منها ما ورد أنّه كانت النساء يغنين عند قدوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة بقولهنّ:

طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع * * *وجب الشكر علينا ما دعا للّه داع

(1)

و لم ينكره عليهنّ، فتدبّر.

و منها ما رواه الغزاليّ في كتاب إحياء العلوم من أنّ عائشة قالت: دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث (2) فاضطجع على الفراش، و حوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني و قال: مزمار الشيطان عند رسول اللّه؟ فاقبل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا (3) انتهى.

قال ابن الأثير في (النهاية): أي ينشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، و هو حرب كانت بين الأنصار، و لم ترد الغناء المعروف بين أهل اللهو و اللعب (4) انتهى.

و في الاستدلال بمثل هذه الرواية ما لا يخفى.

____________

(1). إحياء علوم الدين، ج 2، ص 302 انظر ايضا تلبيس إبليس لأبي الفرج ابن الجوزي، ص 224 و أيضا المبسوط للشيخ (رحمه اللّه)، ج 8، ص 226.

(2). بعاث، بضمّ الباء، يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس و الخزرج، و بعاث اسم حصن للأوس و بعضهم يقوله بالغين المعجمة و هو تصحيف، راجع النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 1، ص 139 مادة بعث. أيضا: إتحاف السادة المتّقين، ج 6، ص 492.

(3). إحياء علوم الدين، ج 2، ص 303.

(4). النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 392 مادة غنا.

98

و منها: ما دلّ من الروايات على جواز شراء المغنيات و بيعها و سماع صوتها مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن (عليه السّلام) ما تقول في النصرانية إلى أن قال: قلت: جعلت فداك فأشتري المغنيّة أو الجارية تحسن أن تغنّي أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: «اشتر و بع» (1) انتهى.

و ما رواه الصدوق قال: سأل رجل عليّ بن الحسين (عليه السّلام) عن شراء جارية لها صوت؟

فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة» يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل الّتي ليست بغناء فامّا الغناء فمحظور انتهى. (2)

و اعترض على هذا الاستدلال: بأنّ هذه الأخبار معارضة بما يأتي من الروايات المصرّحة بحرمة ثمن المغنّية و كسبها و حرمة بيعها و شرائها، و في بعضها: «أنّ ثمنها سحت و السحت في النار».

على أنّ حديث الصدوق- بضميمة التفسير المذكور فيه- ينافي المدّعى.

و في الوسائل- بعد أن أورد هذا الحديث- ظاهر أنّ المراد لا بأس بحسن الصوت الذي لا يصل إلى حدّ الغناء فإنّه أعمّ منه. انتهى (3).

و الظاهر: أن التفسير المذكور من كلام الصدوق (رحمه اللّه) و ليس بحجة حتّى ينافي المدّعى، و قد تقدّم أنّ حسن الصوت لا ينفكّ عن الغناء اللغوي، فلا وجه لما ذكره في الوسائل.

و الإنصاف: أنّه لا تعارض بين هذه الأخبار، و ما يأتي، لاختصاصه بالغناء العرفي أي الصوت اللهويّ المقترن بالملاهي، و اختصاصها بالصوت المطرب الذي لا يكون بهذه المثابة، فليتأمّل.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 1.

(2). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.

(3). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.

99

و منها: ما يأتي من جواز الحداء و النياحة على الموتى و التغنّي لزف العرائس و سيأتي الكلام في ذلك كلّه في المقصد الثالث إن شاء اللّه.

و ما قيل: من أن الحداء ليس من الغناء.

ففي غاية السقوط، ضرورة كونه صوتا مطربا.

و كذا القول: بأنّ الغناء إنّما يحرم للطرب، و ليس في النياحة طرب.

لما تقدّم من أنّ المراد بالمطرب هو المغيّر للحال بحزن أو سرور، فليتأمّل.

هذا تمام الكلام في الأدلة على ما اخترناه في المقام.

و أمّا مستند الحاظرين فوجوه ايضا منها: أنّ جماعة منهم شيخنا المفيد (رحمه اللّه) ادّعوا الإجماع على حرمة الغناء.

و فيه:- بعد تسليم النقل- أوّلا: ما عرفته في المقدّمة الثانية من عدم حجية الإجماع المنقول، و عدم كونه بمنزلة خبر الواحد الصحيح.

و ثانيا: أنّ ظاهر من ادّعى الإجماع في المقام هو دعواه على حرمة الصوت اللهويّ المهيّج للشهوات بنفسه، أو باقترانه بالمحرّمات، كما هو الغالب المتعارف في الأعصار في مجالس الفسّاق و الفجّار، و قد عرفت أنّ حرمة هذا النوع من الغناء تعدّ من الضروريّات.

سلّمنا عدم الظهور، و لكنّه محتمل احتمالا مساويا لما زعم من الإطلاق، فيأتي الإجمال في المراد الموجب لسقوط الاستدلال به في هذا المجال.

و منها: أنّ لفظ الغناء الوارد في أخبار المسألة مجمل، لتردّده بين معان كثيرة، فيكون الشبهة «حينئذ» موضوعية مرادية، بمعنى أنّ الشبهة في مفهوم الموضوع و المراد منه، فيجب الاجتناب عن جميع المعاني المحتملة من باب توقف الامتثال بالنهي عن الغناء عليه، و ليست الشبهة موضوعيّة مصداقية حتى يجري فيها أصل الإباحة.

100

و الحاصل: أنّ التكليف بالاجتناب عن الغناء ثابت، و لكنّه لإجماله و عدم وضوح المراد منه موجب للشك في المكلّف به، فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الاجتناب عن كلّ ما يحتمل كونه منه، كما أنّ مقتضاها في التكليف الوجوبيّ كذلك، إذا كان بهذه المثابة.

و فيه:

أوّلا: منع الإجمال، كما عرفته في المقصد الأوّل.

و ثانيا: منع كون الشبهة موضوعية، بل هي على تقدير الإجمال من الشبهة الحكميّة التحريميّة التي هي مجرى أصالة الإباحة، كما بيّنّاه في المقدمة الاولى.

و ثالثا: أنّه لم يثبت من أدلّة النهي عن الغناء حرمة غير الصوت اللهويّ، فلا يقين بوجود فرد محرّم في الأفراد المشتبهة ليجب الاجتناب عن الجميع من باب المقدمة، لاحتمال كون الجميع مباحا و انحصار الحرمة في الصوت اللهويّ.

فاتّضح الفرق بين ما نحن فيه و مسألة الإنائين المشتبهين، للقطع باشتمالهما على النجس المأمور بالاجتناب عنه، بخلاف ما نحن فيه، و المقايسة إنّما تتم مع القطع بأحد الإنائين نجاسة و الشك في نجاسة الآخر، فإنّها مدفوعة بالأصل.

و هذا واضح لمن تدبّر.

و منها: أنّ الصوت المطرب مفسدة لأغلب الناس في أغلب الأوقات و أكثر الأحوال، لكون أكثر الناس فسّاقا مبتلين بالخيالات الفاسدة و الهواجس الشيطانية و الوساوس البهيمية، و الأوحديّون المخلصون الذين يستأنسون بهذا الصوت إلى العالم الأعلى، و ينقطعون به عن شهوات الحياة الدنيا قليلون، فمقتضى الحكمة الشرعيّة تحريم هذا الصوت على الكلّ، كما في سائر المحرّمات التي لوحظ فيها دفع المفسدة عن الأغلب، فحظرت على الجميع، لتكون القاعدة كلية مطّردة، حفظا للنظام و دفعا للزوم الهرج و المرج في الأنام، و من الواضح أنّ ملاحظة حال القليل في تشريع الأحكام توجب‌

101

الهرج و المرج و اختلال النظام، و إلّا فلا ننكر أنّ الغناء يختلف باختلاف أحوال المستمعين و أخلاقهم.

كما صرّح به الغزاليّ أيضا حيث قال: و للمستمع أربع أحوال:

إحداها: أن يكون سماعه بمجرّد الطبع، أي لا حظّ له في السماع إلّا استلذاذ الألحان و النغمات، و هذا مباح، و هو أخسّ رتب السماع، إذ الإبل شريكة له فيه و كذا سائر البهائم، بل لا تستدعي هذا الذوق إلّا الحياة فلكل حيوان نوع تلذّذ بالأصوات الطيّبة.

الحالة الثانية: أن يسمع بفهم، و لكن ينزله على صورة مخلوق، إمّا معيّنا، و إمّا غير معيّن، و هو سماع الشباب و أرباب الشهوات، و يكون تنزيلهم للمسموع على حسب شهواتهم و مقتضى أحوالهم، و هذه الحالة أخسّ من أن نتكلّم فيها إلّا ببيان خسّتها و النهي عنها.

الحالة الثالثة: أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته للّه تعالى، و تقلب أحواله في التمكن مرّة، و التعذر اخرى، و هذا سماع المريدين.

إلى أن قال: الحالة الرابعة: سماع من جاوز الأحوال و المقامات، فعزب عن فهم ما سوى اللّه حتّى عزب عن نفسه و أحوالها و معاملاتها، و كان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود، الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ في مشاهدة جمال يوسف (عليه السّلام) حتّى دهش و سقط عن إحساسهنّ، الى آخره (1).

و الحاصل: أنّ الغناء- و إن كان له تأثير حسن في بعض القلوب- و لكنّه في أكثر الناس موجب للفساد، و لذا قال بعض العارفين: و حيث كثرت الفتنة بطريقه، و زالت العصمة فيه، و تصدى للحرص عليه أقوام قلّت أعمالهم و فسدت أحوالهم. و أكثروا الاجتماع للسماع. و ربّما يتّخذ للاجتماع طعام لطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة للقلوب في السماع، كما كان من سير الصادقين، صار السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات و استحلاء‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، صص 313- 316.

102

لمواطن اللهو و الغفلات، و يقطع ذلك على المريد طلب المزيد، و يكون بطريقة تضييع الأوقات و قلة الحظّ من العبادات، و يكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة و استرواحا لأولى الطرب و اللهو و العشرة، و لا يخفى أنّ هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق. انتهى.

فما هذا حاله اقتضت الحكمة حرمته، كشرب الخمر الذي ضرّه أكثر من نفعه.

و فيه نظر وجهه غير خفيّ، فإنّه استحسان محض، و اجتهاد صرف، لا نلتفت إلى مثله في إثبات مثل هذا الحكم، كيف؟ و كثير ممّا أحلّ اللّه يكون بهذه المثابة، كالنظر إلى الوجوه الحسنة، فإنّ فيه مفسدة لأكثر الشبّان، مع أنّه لم يحكم بتحريمه على الكلّ، و قد حكي عن بعض التابعين أنّه قال: ما أنا أخوف على الشاب من السبع الضاري خوفي عليه من الغلام الأمرد يقعد اليه (1).

و منها: أنّ الصوت المطرب باعث على الفسوق و الفجور و محرّك للقلب إلى الزنا و شرب الخمور فيحكم العقل بقبحه كحكمه بقبح كثير من المحرمات.

و فيه ما لا يخفى، إذ لا كلام في حرمة المطرب المحرّك للقلب إلى ما هو مراد الشيطان من المعاصي، و ليس كلّ صوت مطرب كذلك، ضرورة أنّ منه ما يحرّك الشوق إلى طاعة اللّه، و يوجب الانس به، و الركون إلى دار القرار، كالتغنّي بالأشعار المتضمّنة لذكر الجنّة و النار، و وصف نعم اللّه الملك الجبّار، و ذكر العبادات و الخيرات كما يرشد اليه قوله (عليه السّلام): «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة» (2) انتهى.

فهل يحكم العقل بحرمة مثل هذا التغني و قبحه؟

نعم، ربّما يحرّك الصوت الطيّب في قلوب بعض الناس الميل إلى المعاصي و الملاهي، فهو‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 3، ص 111 مع اختلاف يسير.

(2). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.

103

مختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال، و قد صرّح جماعة بأنّ الصوت الطيّب محرّك للقلب إلى ما هو الغالب عليه.

قال الغزالي: و مهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة و لا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال و الأشخاص، و اختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.

قال (1) ابن سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، و لكن ما هو فيه.

ثمّ جعل للترنّم بالكلمات المسجعة الموزونة سبعة مواضع:

أوّلها: غناء الحجيج.

و ثانيها: غناء الغزاة لتحريض الناس على الغزو.

و ثالثها: التغني بالرجزات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء.

و رابعها: النياحة لترقيق القلب و إسبال البكاء.

و خامسها: التغنّي أوقات السرور كأيّام العيد، و أوان العرس.

و فصّل الكلام في هذه المواضع بما لا يناسب هذه الوجيزة.

فقال: السادس: سماع العشاق تحريكا للشوق و تهييجا للعشق و تسلية للنفس، فإن كان في مشاهدة المعشوق: فالغرض تأكيد اللّذة، و إن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق، و الشوق و إن كان ألما ففيه نوع لذّة، لذا انضاف إليه رجاء الوصال، فإنّ الرجاء لذيذ و اليأس مؤلم، و قوّة لذة الرجاء بحسب قوّة الشوق و الحب للشي‌ء المرجوّ، ففي هذا السماع تهييج العشق، و تحريك الشوق، و تحصيل لذة الرجاء المقدّر في الوصال، مع الإطناب في وصف حسن المحبوب، و هذا حلال إن كان المشتاق إليه مما يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريّته فيصغي إلى غنائها لتتضاعف لذّته في لقائها.

____________

(1). كذا و الظاهر انه أبو سليمان. فراجع ما سبق في هذا الكتاب.

104

إلى أن قال: السابع: سماع من أحبّ اللّه و عشقه و اشتاق إلى لقائه، فلا ينظر إلى شي‌ء إلّا رآه فيه، و لا يقرع سمعه قارع إلّا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقّه مهيّج لشوقه و مؤكّد لعشقه و حبّه، و مور زناد قلبه، و مستخرج منه أحوالا من المكاشفات و الملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها و ينكرها من كلّ حسّه عن ذوقها، إلى آخر ما ذكره. (1)

فظهر: أنّ الصوت المطرب لا ينحصر أثره في حصول الميل إلى الفسوق و الفجور حتّى يحكم العقل بحرمته مطلقا، بل هو حاكم بحرمة نوع خاصّ منه، و هو ما استدعى المحرّم أو اقترن به.

و هذا هو ما قيل فيه من: أنّ الغناء مفسدة للقلب مسخطة للربّ.

و ما قيل: إيّاكم (2) و الغناء فإنّه يزيد الشهوة، و يهدم المروّة، و إنه لينوب عن الخمر، و يفعل ما يفعل المسكر. (3)

قال بعض العارفين: و إن أنصف المنصف و تفكّر في اجتماع أهل الزمان و قعود المغنّي بدفّه، و المشبّب بشبابته، و تصوّر في نفسه: هل وقع مثل هذا الجلوس و الهيئة بحضرة رسول للّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هل استحضروا قوّالا و قعدوا مجتمعين لاستماعه؟ و لا شكّ بأنّه ينكر ذلك من حال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه. انتهى.

و أمّا ما لم يكن بهذه المثابة، فلا حكم للعقل بقبحه، و لا سيّما إذا كان موجبا للانقطاع عن شهوات الدنيا، بل العقل حاكم بحسنه، و لذا قيل: إنّهم ما اختاروا السماع حيث اختاروه إلّا بشروط و قيود و آداب يذكرون به الآخرة، و يرغبون في الجنّة، و يحذرون من النار، و‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، صص 300- 304.

(2). قيل هذا من قول يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ثاني عشر خلفاء بنى أمية. راجع اتحاف السادة المتقين، ج 6، ص 526.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311- ايضا الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ج 5، ص 159.

105

يزداد به طلبهم، و يحسن به أحوالهم، فليتأمّل.

و منها قوله تعالى في سورة لقمان وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ انتهى. (1)

فإنّ جمعا من المفسّرين قد فسّروا «لهو الحديث» بالغناء و الاستماع إليه، و حكي عن عبد اللّه بن مسعود أيضا (2) و يدلّ عليه روايات كثيرة.

مثل ما رواه في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن إسماعيل، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال سمعته يقول: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار» و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي الى آخر الآية (3) انتهى.

و ما رواه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن الوشّاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) يقول: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن الغناء؟ فقال: هو قول عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي» الى آخر الآية (4) انتهى.

و رواية مهران بن محمد، عن الصادق (عليه السّلام) (5).

و رواية الحسن بن هارون (6) عنه (عليه السّلام).

و رواية عبد الأعلى (7) عن الباقر (عليه السّلام).

و في هذا الاستدلال وجوه من النظر.

____________

(1). لقمان- 31- 61.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 310- ايضا الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج 5، ص 159.

(3). الوسائل ج 12، ص 226، حديث 6.

(4). الوسائل ج 12، ص 227، حديث 11.

(5). الوسائل ج 12، ص 226، حديث 7.

(6). الوسائل ج 12، ص 228، حديث 16.

(7). معاني الأخبار، ج 2، ص 332.

106

أحدها: أنّ التفسير معارض بتفسير بعضهم «لهو الحديث» بالطعن في الحقّ و الاستهزاء به: و قد رواه الطبرسي في المجمع (1) عن الصادق (عليه السّلام) أيضا، فتأمّل.

و ثانيها: أنّ الغناء- و إن كان في اللغة هو مطلق الصوت المطرب- و لكنّه في عرفهم الصوت اللهويّ، و لا كلام في حرمته، كما عرفت.

و ثالثها: أنّ الآية- بعد ملاحظة الأخبار المفسّرة- تدلّ على تحريم الغناء الذي يشترى ليضل عن سبيل اللّه، و لا نزاع فيه، و ليس فيها دلالة على حرمة مطلق الغناء، إذ ليس كلّ غناء بدلا من الدين مضلّا به عن سبيل اللّه، كالغناء المرقّق للقلب المذكّر للجنّة، المشوّق، إلى العالم الأعلى.

نعم، التفسير بمطلق الغناء ربّما يوهم عدم الفرق، و هو كما ترى.

و رابعها: أنّ اللهو هو الباطل، و الحديث بمعنى الكلام، و الإضافة بتقدير إحدى الثلاث، فتدلّ الآية على حرمة الغناء المقترن بأباطيل الكلام كالأشعار المتضمّنة للتشبيب المحرّم و نحوها من الأحاديث الباطلة.

و كذا لو جعلنا الإضافة بيانية، أو جعلنا «لهو الحديث» مرادا به على سبيل التجوّز:

مطلق ما يلهي عن اللّه قولا كان أم فعلا، كما عن تفسير القمّي (رحمه اللّه) (2).

و يرشد إليه جملة من هذه الروايات حيث جعل فيها الغناء من أفراده، لاعتبار اللهو فيه، أو في تحريمه فيخرج عن محلّ النزاع.

و كذا لو أريد به: ما يلهي عمّا يغني (3) كالأحاديث التي لا أصل لها و الأساطير التي لا اعتبار بها، و المضاحيك، و فضول الكلام، كما في تفسير البيضاويّ.

قال: و الإضافة بمعنى (من) و هي تبيينيّة إن أراد بالحديث المنكر، و تبعيضية إن أراد به‌

____________

(1). مجمع البيان، ج 8، ص 313.

(2). تفسير القمي، ج 2، ص 161.

(3). كذا في المخطوط و الصحيح (عما يعني) بالعين المهملة.