ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء

- ملا حبيب الله الكاشاني المزيد...
173 /
107

الأعم. انتهى (1) فتأمل.

و خامسها: أنّ الحديث هو الكلام الخبريّ، فيدلّ على حرمة التغني بالكلمات الملهية فإنّ الصوت من حيث إنّه صوت لا يسمّى حديثا، كما أنّ الصوت المشتمل على كلمات حقّة لا يسمّى لهو الحديث، قال بعض الأفاضل: أ و لا ترى أنّ نغمات الأوتار لا تسمّى لهو الحديث و قول الزور، و أنّ الأحاديث الواردة في ذمّ استماعها لا تعلّل بهما.

و هل يمكن أن تتّصف الكلمات الحقّة من القرآن و الأحاديث بسبب الترجيع بلهو الحديث و قول الزور؟

و أيّ عقل يجوّز أن يصير القرآن الذي هو أصدق حديثا- بسببه- قولا زورا و كذبا صراحا؟ و ان تنقلب الآيات القرآنية الإنشائية بتطريب الصوت المرجّع إلى الحقيقة الخبرية و صارت أحاديث ملهية و أقوالا كاذبة؟ (2) انتهى فتأمل.

و سادسها: أن الآية على ما صرّح به جماعة نزلت في النضر بن الحارث لمّا اشترى كتب الأعاجم، و كان يحدّث بها قريشا، و يقول: إن كان محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحدّثكم بحديث عاد و ثمود، فانا أحدّثكم بحديث رستم و إسفنديار و الأكاسرة (3).

و عن بعضهم: أنّ الآية نزلت في أبي جهل لمّا قال: يا معاشر قريش، ألا أطعمكم من الزقّوم الذي يخوّفكم به صاحبكم، فأرسل الى زبد و تمر، فقال: هذا هو الزقوم الذي يخوّفكم به (4).

و قيل: إنّ النضر كان يشتري القيان و يحملهنّ على معاشرة من أراد الإسلام و منعه منه (5) فنزلت الآية.

____________

(1). أنوار التنزيل و أسرار التأويل «تفسير البيضاوي»، ص 543.

(2). رسالة إيقاظ النائمين، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج 5، ص 215.

(3). تفسير البيضاوي، ص 543.

(4). تفسير نور الثقلين، ج 4، ص 194، حديث 11. ايضا راجع تفسير مقتنيات الدرر، ج 8، ص 233.

(5). تفسير البيضاوي، ص 543.

108

فلا دلالة فيها على حكم الغناء أو تكون مخصوصة بغناء القيان للصدّ عن طريق الإيمان.

و فيه نظر، فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص شأن التنزيل، سيّما مع ما عرفته من الأخبار المفسّرة.

و سابعها: أنّ حمل «لهو الحديث» على الغناء لا يناسبه الاشتراء.

و فيه نظر، فإنّ المراد به الاستبدال عن قراءة القرآن و نحوها كما في قوله اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ اي استأثروها و اختاروها بدلها.

على أنّه لا وقع لهذا الإيراد بعد ورود التفسير المذكور عن أهل البيت (عليهم السّلام) الذين عندهم علم القرآن، فربّما تراهم يفسّرون آية بما لا تدرك حقيقته، و ربما يستدلّون بآية لا نعرف وجه دلالتها، و ليس لنا الاعتراض عليهم (عليهم السّلام) في ذلك، فإنّهم حجج اللّه على الخلق أجمعين، و قد أحال الإذعان بعصمتهم احتمال الخطأ عليهم.

و منها قوله تعالى في سورة الحجّ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (1) انتهى.

فإنّه قد فسّر «قول الزور» في جملة من الروايات بالغناء.

مثل ما رواه في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد و محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن درست، عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قوله عز و جلّ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال (عليه السّلام): «قول الزور:

الغناء» (2).

و نحوه مرسلة ابن أبي عمير عنه (عليه السّلام) (3).

____________

(1). سورة الحج، 22- 30.

(2). الكافي، ج 6، ص 435، حديث 2.

(3). الوسائل، ج 12، ص 237، حديث 3.

109

و رواية عبد الأعلى (1) عنه (عليه السّلام).

و تحتمله رواية عمرو بن حزم (2) عنه (عليه السّلام) أيضا.

و فيه:- مضافا إلى ما عرفته من عدم الدلالة على حرمة غير المقترن بالباطل- أن هذا التفسير معارض بما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أنه قال: «عدلت شهادة الزور بالشرك باللّه» ثمّ قرأ هذه الآية (3) انتهى.

و بما رواه الصدوق في (معاني الأخبار) بسنده إلى حماد بن عثمان، عن الصادق (عليه السّلام) قال:

سألته عن قول الزور؟ قال: «منه قول الرجل للّذي يغنّي: أحسنت» (4) انتهى فتأمّل.

نعم، قد يقال: إنّ المراد بهذا التفسير أنّ الغناء مثل قول الزور في كونه منهيّا عنه، لأنّ الغناء المحرّم هو الذي يكون في كلام هو من قول الزور، فتدبر.

و منها: قوله تعالى في سورة الفرقان وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (5) انتهى.

مضافا إلى ما رواه في (الكافي) عن أبي علي الأشعريّ، عن محمد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي الصباح، عن الصادق (عليه السّلام) في قوله لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: الغناء. انتهى (6).

و فيه ما مضى.

و منها قوله تعالى في سورة النجم أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لٰا تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ (7).

____________

(1). معاني الأخبار، ج 2، ص 332، و هذه الرواية عن أبي جعفر (عليه السّلام).

(2). كذا و الصحيح رواية محمد بن عمرو بن حزم راجع الوسائل، ج 12، ص 230، حديث 24.

(3). تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 496، حديث 121.

(4). معاني الأخبار، ج 2، ص 332.

(5). سورة الفرقان- 25- 72.

(6). الكافي، ج 6، ص 431، حديث 6.

(7). سورة النجم- 53- 61.

110

بناء على ما حكي عن ابن عباس من تفسير «سامدون» بمغنّون (1) قيل: السمد بلغة حمير: الغناء (2) و يقول أهل اليمن: سمد فلان، إذا غنّى.

و فيه: أنّه لا حجيّة في كلام ابن عباس، مع أن حاله معروف.

على أنّ جماعة فسّروا «سامدون» بلاهون (3) و آخرون بمستكبرون، يقال: سمد فلان، إذا رفع رأسه تكبّرا، و جاء السامد بمعنى الساكت، و الهائم، و الحزين، و الخاشع أيضا.

سلّمنا، و لكن في دلالته على حرمة مطلق الغناء ما لا يخفى.

و منها: قوله تعالى في سورة الإسراء وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (4) انتهى.

حكي عن مجاهد أنّه فسّر الصوت بالغناء و المزامير (5).

و فيه ما عرفته.

و منها قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (6).

و قوله وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (7).

بناء على تفسير «اللغو» بالغناء، كما يشهد له ما رواه الصدوق، عن الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن عون بن محمد الكاتب (8) عن محمّد بن أبي عباد، و‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 310- ايضا راجع تفسير الدر المنثور، ج 6، ص 132- ايضا تلبيس إبليس، ص 231- ايضا تفسير مقتنيات الدرر، ج 10، ص 282.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 310- ايضا راجع تفسير الدر المنثور، ج 6، ص 132- ايضا تلبيس إبليس، ص 231- ايضا تفسير مقتنيات الدرر، ج 10، ص 282.

(3). الدرر المنثور، ج 6، ص 131 و ايضا بهامشه، ج 5، ص 303 «تنوير المقباس في تفسير ابن عباس».

(4). سورة الإسراء- 17- 64.

(5). مجمع البيان، ج 6، ص 426.

(6). سورة المؤمنون- 32- 3.

(7). سورة الفرقان- 25- 72.

(8). في نسخة الكندي.

111

كان مستهترا (1) بالسماع و بشرب النبيذ قال: سألت الرضا (عليه السّلام) عن السماع؟ فقال (عليه السّلام):

«لأهل الحجاز فيه رأي، و هو في حيّز الباطل و اللهو» أما سمعت اللّه يقول وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً (2) انتهى.

و ما رواه الطبرسي في (المجمع) عند تفسير الآية الاولى من: أنّ «اللغو» الغناء و الملاهي (3).

و فيه:

أوّلا: منع الدلالة على الحرمة.

و ثانيا: أنّ اللغو- كما في رواية عن عليّ (عليه السّلام) هو «كل قول ليس فيه ذكر» (4) و في أخرى عن الصادق (عليه السّلام) «أنّ يتقوّل الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك» (5) و في (مجمع البيان): كلّ لعب و معصية (6) و في (القاموس): السقط و ما لا يعتدّ به من كلام و غيره (7) و في (النهاية): التكلّم بالمطرح من القول و ما لا يعني.

فغاية ما تدلّ الايتان عليه تحريم الغناء المقترن بما لا يرضى، لا مطلق الغناء، فتأمّل.

و ثالثا: أنّ اللغو، لو سلّم إطلاقه على غير القول كالصوت أيضا، كما يظهر من القاموس (8) فلا نسلّم إطلاقه على الكلمات الحقّة بسبب اشتمال الأصوات المطربة عليها.

أو ترى أنّ عاقلا يرضى بأن يطلق على مثل القرآن- الّذي هو القول الفصل و ما هو بالهزل- لفظ «اللغو» بسبب الترجيع المطرب؟ فتأمّل.

____________

(1). في نسخة كان مشتهرا.

(2). عيون اخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 126، حديث 5.

(3). مجمع البيان، ج 7، ص 181.

(4). تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 529، حديث 15، 16.

(5). تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 529، حديث 15، 16.

(6). مجمع البيان، ج 7، ص 181.

(7). القاموس المحيط، ج 4، ص 386.

(8). القاموس المحيط، ج 4، ص 386.

112

و لو خصّصنا اللغو بالقول، كما يظهر من الروايتين و من (النهاية) الأثيرية (1) فالأمر أوضح، فإنّ الصوت من حيث هو ليس «حينئذ» لغوا، و الحقّ من القول بسببه لا يصير لغوا باطلا، فليتأمّل.

و منها: أنّه يستفاد من سير الصحابة و آثارهم أنّهم كانوا يحترزون عن سماع الغناء، و ما كان ذلك إلّا لما عهدوه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقد روي عن عثمان أنّه قال: ما تغنيت و ما تمنيّت و لا مسست ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2).

و حكي أنّه مرّ على ابن عمر قوم محرمون، و فيهم رجل يتغنّى، فقال: ألا لا سمع اللّه لكم، ألا، لا سمع اللّه لكم (3).

و نقل عن نافع قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع زمّارة (4) راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثمّ عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع، أ تسمع ذلك؟ حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه، و قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صنع (5).

و عن ابن مسعود أنه قال: إنّ الغناء ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل.

و عن بعض التابعين: الغناء رقية الزنا (6).

قال بعض العارفين من أهل السنّة: و لو كان في ذلك- أي في السماع- فضيلة تطلب لما أهمله الرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه، فمن يشير بأنّه فضيلة تطلب و يجتمع لها، لم يحظ بذوق‌

____________

(1). عيون اخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 126، حديث 5- و مجمع البيان، ج 7، ص 181- و النهاية.

، ج 4، ص 257.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311- ايضا ابن ماجة، ج 1، ص 113، حديث 311.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.

(4). زمّارة، بالفتح و التشديد: ناي- منتهى الارب، ج 1، ص 514.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311- ايضا، مسند الامام احمد، ج 2، ص 8 و 38.

(6). المصدر، و المراد ببعض التابعين فضيل بن عياض.

113

معرفة أحوال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه، و التابعين، و استروح إلى استحسان بعض المتأخّرين، و كثيرا ما يغلط الناس في هذا، و كلّما احتجّ عليهم بالسلف الماضين يحتجّون بالمتأخّرين، و كان السلف أقرب إلى عهد رسول اللّه و هديهم أشبه بهدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انتهى.

و في هذا الاستدلال نظر:

أمّا أوّلا: فلأنّ أفعال أمثال عثمان و ابن عمر و أقوالهم ليست بالمعوّل عليها عندنا.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لم يعلم أنّ احترازهم كان عن أيّ نوع من الغناء، بل الظاهر اختصاصه بما كان مقترنا بالملاهي كما يكشف عنه زمّارة الراعي.

و أمّا ثالثا: فلأنهم كانوا مواظبين على فعل المستحبّات و ترك المكروهات اهتماما بكونهم على سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لذا سمّى من تبعهم أنفسهم بأهل السّنة، و إن اعترف بعضهم بأن هذه التسمية من قبيل التسمية بالضدّ، فاحترازهم لا يتعيّن كونه للحرمة أو لخصوصية الصوت المطرب.

قال الغزالي: و أمّا قول ابن عمر «ألا لا سمع اللّه لكم» فلا يدلّ على التحريم من حيث إنه غناء، بل كانوا محرمين و لا يليق بهم الرفث، و ظهر له من مخايلهم أنّ سماعهم لم يكن لوجد و شوق إلى زيارة بيت اللّه، بل لمجرّد اللهو، فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم و حال الإحرام، و حكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال.

و أمّا وضع إصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك و لا أنكر عليه سماعه، و إنّما فعل ذلك هو لأن ينزّه سمعه في الحال، و قلبه، عن صوت ربما يحرّك اللهو، و يمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه.

و كذلك، فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع أنه لم يمنع ابن عمر لا يدلّ أيضا على التحريم، بل يدل على أن الأولى تركه.

و نحن نرى أنّ الأولى تركه في أكثر الأحوال، بل أكثر مباحات الدنيا الأولى تركها إذا‌

114

علم أنّ ذلك (1) يؤثّر في القلب، انتهى (2).

و أمّا رابعا: فلأنّ ذلك كلّه معارض بما دلّ على الجواز، فيجب حمله على ما لا ينافيه، فليتأمّل.

و منها: ما رواه الغزالي عن عقبة بن عامر بن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: «كلّ شي‌ء يلهو به الرجل فهو باطل إلّا تأديبه فرسه و رميه بقوسه و ملاعبته لامرأته» انتهى (3).

و اعترض عليه:

تارة: بأنه من طرق العامة.

و يمكن دفعه بأن مضمونه مرويّ من طرقنا أيضا، ففي بعض الروايات «كلّ لهو المؤمن باطل ما خلا ثلاثة المسابقة و ملاعبة الرجل أهله» (4) الى آخره.

و اخرى: بأنّ قوله «باطل» لا يدلّ على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة، قاله الغزالي (5).

و يمكن دفعه: بأنّ الظاهر من الباطل هو ضدّ الحق كما في القاموس (6) و غيره، فالمباح لا يخبر عنه بالباطل، و من هنا ورد في جملة من الأخبار أنّ الشطرنج و نحوه من الباطل، ففي رواية يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن اللعب بالشطرنج؟

____________

(1). كذا في المصدر، يؤثر بدون لا، و قد أضاف المؤلف هنا: «لا».

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 312.

(3). المصدر، ص 311.

(4). في الوسائل، ج 13، ص 347، حديث 5 كل لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث في تأديبه الفرس و رميه عن قوسه و ملاعبته امرأته فإنّهنّ حقّ. انتهى. و كانّ الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه) نقله بالمعنى في المكاسب ص 54 و المصنف (رحمه اللّه) نقله بعينه عن الشيخ (رحمه اللّه) اعتمادا عليه.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.

(6). القاموس المحيط، ج 3، ص 335 مادة بطل.

115

قال: «الشطرنج من الباطل» (1) انتهى.

و في رواية الفضيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن هذه الأشياء التي يلعب بها الناس و النرد و الشطرنج؟ فقال: «إذا ميزّ اللّه الحقّ من (2) الباطل مع أيّهما يكون؟» قال: مع الباطل. قال: «فما بالك و للباطل؟» (3) انتهى.

و لكن يؤيّد الأول: أنّ حمل الباطل على الحرام موجب لتخصيص الأكثر، فإنّ التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور و كثيرا من أنواع المداعبات و المزاحات و نحوها مما يلهو به الرجل لا يحكم عليها بالحرمة، و إن وصفت بكونها باطلة بمعنى خلوّها عن الفائدة.

و ثالثة: بأنّ غايته الدلالة على حرمة الغناء إذا كان على وجه التلهي و المدّعى حرمته مطلقا، فتأمل.

و رابعة: بأنّ الظاهر من اللهو في هذا الخبر هو اللعب، و هو مطلق الحركات التي لا يتعلّق بها غرض عقلائي، مع انبعاثها عن القوى الشهويّة و تلذّذ النفس بها، و إن فرّق بعضهم بينهما بالتعميم في اللعب، كما في أفعال الأطفال و المجانين غير المنبعثة عن القوى الشهوية.

و كيف كان، فلا يناسب الغناء- لأنه ليس ممّا يلعب به- و إن كان من جملة هذه الحركات، ألا تراهم لا يقولون «فلان يلعب بالغناء» كما يقولون «يلعب بالحمام أو بالشطرنج أو بالنرد».

و الحاصل: أنه، و إن كان يطلق عليه اللهو، و لكن لا يطلق عليه أنه من آلاته حتى يندرج في قوله «كل شي‌ء يلهو به الرجل».

نعم في بعض الروايات: «أنّ من الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه‌

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 240، حديث 13.

(2). كذا في الأصل، و في النسخة «مع الباطل».

(3). الوسائل، ج 12، ص 242، حديث 3.

116

كالغناء و ضرب الأوتار» (1) فيستفاد منه كونه من آلات اللهو.

و لكن هذا يتمّ لو جعلنا الملاهي جمعا للملهاة بكسر الميم أي آلة اللهو، و أمّا لو جعلناه جمعا للملهى بفتحها مصدرا ميميا بمعنى اللهو أو الملهي بضمها اسم فاعل من ألهى، فلا دلالة على ما ذكر.

و يؤيّده: أنّ ضرب الأوتار ليس من آلات اللهو، لأنه فعل الملهي لا آلته، و إنّما الآلة هي نفس الأوتار فالتمثيل به و بالغناء مناسب للفعل أو الفاعل لا الآلة فتدبّر.

و خامسة: بأنّ المراد باللهو، إن كان مطلق اللعب فلا قائل بحرمته سوى محمد بن إدريس الحلّي في (السرائر) حيث قال- في كتاب الشهادات-: و قول شيخنا في (نهايته):

و تقبل شهادة من يلعب بالحمام (2) غير واضح، لأنه سمّاه لاعبا، و اللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه، فكيف تقبل شهادته؟ و إنّما أورد لفظ الحديث إيرادا لا اعتقادا (3) انتهى.

و نفى عنه البعد سيّد فقهائنا المتأخرين في (الرياض).

لو لا شذوذه بحيث كاد أن يكون مخالفا للإجماع (4) بل الظاهر: أنّ هذا القول مخالف للسيرة الفعلية المستمرّة بين المسلمين من الأوائل و الأواخر، و لم نقف فيهم من خواصّهم و عوامهم على من أنكر على اللاعب بغير الآلات المعهودة المحرّمة.

و «حينئذ» فتكون الرواية من أخبار الآحاد الشاذّة، فلا تكون حجّة، لما تقرّر في محلّه من أنّ العمل بها من شرائطها (5) أن لا تكون كذلك.

____________

(1). البحار ج 10، ص 229.

(2). النهاية في مجرّد الفقه و الفتاوى، ص 327.

(3). كتاب السرائر، ص 184.

(4). رياض المسائل، ج 2، ص 430.

(5). كذا. و الظاهر: من شرائطه.

117

و كذا لو أريد به مطلق الغفلة عن ذكر اللّه، لأنّ التكليف بوجوب ذكره على كلّ حال كما يراه أهل الحال عسر شديد يضيق به الحال، و ما دلّ بظاهره عليه من الكتاب و السنة مأوّل.

و كذا لو أريد به مطلق ما لا فائدة فيه ممّا يسمّى لغوا، إذ لا دليل على حرمته، و إن قلنا بكراهته، نعم في بعض الروايات تفسير (الذنوب الّتي تهتك العصم) بشرب الخمر و اللعب بالقمار و تعاطي ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس، انتهى (1).

و في بعضها أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لأبي ذر: «أن الرجل ليتكلّم بالكلمة فيضحك بالناس، فيهوى ما بين السماء و الأرض» (2) انتهى.

و لكن الظاهر: أن المراد ما يقترن بالمحرّم من السخرية و نحوها.

و كذا لو أريد به مطلق التلذذ للإجماع على إباحة كثير من التلذّذات خارج عن الثلاثة، و لو أريد به اللهو المقترن بالمعصية فلا وجه لاستثناء الثلاثة، لكونه فرع الدخول و هي خارجة قطعا، فتأمل.

على أنه لا كلام في حرمة الغناء إذا كان بهذه المثابة، نعم يمكن حمله على اللهو المقترن بشدّة الفرح الموجب للرقص و التصفيق و حركة الأعضاء على النحو المتعارف بين الأراذل من الفسّاق، و المتصنع المعروف عند الصوفية المصرّح بذمّة في جملة من الأخبار، فقد صرح بحرمته جماعة.

و من هنا قال بعض مشايخنا من متأخّري المتأخرين: لو خصّ اللهو بما يكون عن بطر، و فسّر بشدة الفرح، كان الأقوى تحريمه، و يدخل في ذلك الرقص و التصفيق و الضرب بالطست بدل الدفّ و كلّ ما يفيد فائدة آلات اللهو.

ثم أيّده (3) بأنّ حرمة اللعب بآلات اللهو، الظاهر أنّها من حيث اللهو، لا من حيث خصوص الآلة.

____________

(1). البحار، ج 73، ص 375.

(2). البحار، ج 74، ص 88. ايضا مكارم الأخلاق ص 470.

(3). المكاسب للشيخ الأنصاري (ره)، ص 54 ط تبريز.

118

فقد روى في (الكافي) عن عدة من أصحابنا، عن سهل، عن سلمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن سماعة، قال قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لمّا مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الّذي يتلذّذ به الناس فإنّما هو من ذلك» (1) انتهى و زاد الشيخ المشار اليه بعد قوله «الناس، من الزفن و المزمار و الكومات و المكبرات» انتهى (2).

و لعله اشتباه، فإنّه في حديث السكونيّ عنه (عليه السّلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنهاكم عن الزفن و المزمار» (3) إلخ.

و الزفن بالزاء المعجمة بعدها الفاء و النون: الرقص.

هذا، و لكن في حرمة شدّة الفرح، المجرّدة عن هذه الحركات، إشكال.

فإن قلت: فما معنى قولهم بتحريم اللهو بالصيد؟

قلت: إن المراد به ما لم يكن لحاجة أو تجارة، و التحريم لأخبار خاصّة لا لعموم أخبار اللهو، فتأمل.

نعم، قد يقال: إنّ المشهور حرمة المسابقة على ما عدا المنصوص بغير عوض، و الظاهر أنّه لا وجه له عدا كونه لهوا.

و فيه نظر، على أن في كون الغناء مطلقا لهوا ما لا يخفى، فليتأمّل.

و منها ما ورد من الأخبار الخاصّة من طرق العامة و الخاصة بذمّ الغناء فهي على ثلاثة أقسام:

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 233، حديث 5.

(2). هذه الزيادة في بعض نسخ المكاسب القديمة كالمطبوعة في 1309 ه‍ ق. بخطّ محمد تقي الگلپايگاني، ص 54.

(3). الوسائل، ج 12، ص 233، حديث 6.

119

الأوّل: ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من طرق العامّة مثل ما رواه الغزّالي و غيره عن جابر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «كان إبليس أوّل من ناح و أوّل من تغنّى» انتهى. قال في (الإحياء): فقد جمع بين النياحة و الغناء، فكما يحرم الأول يحرم الثاني (1) انتهى.

و ما ورد عن أبي أمامة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث اللّه له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك» (2) و رواه في جامع الاخبار أيضا (3).

و ما رووه عن عبد الرحمن بن عوف عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: «إنما نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند نغمة و صوت عند مصيبة» انتهى (4).

و ما رفعه بعضهم اليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «الغناء ينبت في القلب النفاق».

و لكن في الإحياء أنه قول ابن مسعود، و أن إسناده إليه غير صحيح (5) انتهى.

و ما رواه الطبرسي في (مجمع البيان) بطرقهم عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة» قيل و ما الروحانيون يا رسول اللّه؟ قال: «قرّاء أهل الجنة» (6) انتهى.

و الجواب- مضافا إلى ما يأتي- أنّ ضعف الإسناد مانع من الاستناد.

و الثاني ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من طرق الخاصة مثل ما رواه العياشي في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «كان‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 310 و الجملة الأخيرة ليست في الأحياء.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 310.

(3). جامع الاخبار ص 180.

(4). سنن الترمذي باب الجنائز، ص.

(5). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.

(6). مجمع البيان، ج 8، ص 314.

120

إبليس أوّل من تغنّى و أوّل من ناح لمّا أكل آدم من الشجرة تغنّى، فلمّا هبطت حوّاء إلى الأرض ناح لذكره ما في الجنّة» انتهى (1).

و ما رواه في (جامع الأخبار) عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس» (2) انتهى.

و ما رواه في العيون بسنده إلى الرضا (عليه السّلام) عن آبائه عن علي (عليه السّلام) قال: «سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «أخاف عليكم استخفافا بالدين، و بيع الحكم، و قطيعة الرحم، و أن تتّخذوا القرآن مزامير، تقدّمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدّين» انتهى (3) فإنّ اتخاذ القرآن مزامير كناية عن التغنّي به.

و هذه الأخبار- أيضا- ضعيفة سندا، قاصرة دلالة.

و الثالث ما روي عن أئمتنا المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و هو على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما ورد في ذمّ الغناء بعينه:

مثل ما رواه الكليني في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن زيد الشحّام، عن الصادق (عليه السّلام) قال: «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك» (4) انتهى.

و ما رواه عنه أيضا عن أحمد بن محمد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الغناء، و قلت: إنّهم يزعمون أنّ‌

____________

(1). تفسير العيّاشي، ج 1، ص 40 مع اختلاف يسير- أيضا الوسائل، ج 12، ص 231، حديث 28.

(2). جامع الاخبار، ص 180.

(3). الوسائل، ج 12، ص 228، حديث 18.

(4). الوسائل، ج 12، ص 225، باب 99، حديث 1.

121

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم، حيّونا حيّونا نحييكم (1). فقال:

«كذبوا، إنّ اللّه يقول وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ (2) ثم قال: «ويل لفلان مما يصف» رجل منكم لم يحضر المجلس» (3) انتهى.

قيل «من لدنّا» أي من جهة قدرتنا، فإنّا قادرون على ذلك، ثمّ استعار لذلك القذف و الدمغ تصويرا لإبطاله و إهداره و محقة، فجعله كأنّه جرم صلب كالصخرة، مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه (4) انتهى.

و ما رواه عنه أيضا عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن سنان، عن عاصم بن حميد، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أنّى كنت؟» فظننت أنه قد عرف الموضع، فقلت: جعلت فداك، إنّي كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره و نظرت إلى جواريه، فقال: «ذاك مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله، آمنت اللّه على أهلك و مالك» (5) انتهى.

قال في (الوسائل): هذا لا تصريح فيه بالغناء، لكن فهم الكليني منه ذلك فأورده في باب الغناء، و قرينته أنّه لا وجه للتهديد لولاه، لأنّ النظر إلى الجواري بإذن سيّدهنّ جائز، و قد أذن للراوي (6) انتهى فتدبر.

و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عنبسة، عن الصادق (عليه السّلام) قال: «استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع» (7) انتهى.

____________

(1). انظر تلبيس إبليس لأبي الفرج الجوزي، ص 225.

(2). الأنبياء: 16- 18.

(3). الوسائل، ج 12، ص 228، حديث 15.

(4). الوافي، ج 17، ص 213.

(5). الوسائل، ج 12، ص 236، حديث 4 و ذيل الصفحة.

(6). الوسائل، ج 12، ص 236، حديث 4 و ذيل الصفحة.

(7). الوسائل، ج 12، ص 235، باب 101، حديث 1.

122

و ما رواه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن إبراهيم بن محمّد المدني، عمّن ذكره، عن الصادق (عليه السّلام) قال: سئل عن الغناء و أنا حاضر؟ فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها» (1) انتهى.

و ما رواه عنهم أيضا عن سهل، عن علي بن الريّان، عن يونس، قال: سألت الخراساني- أي الرضا (عليه السّلام)- عن الغناء، و قلت: إنّ العبّاسيّ ذكر عنك أنّك ترخّص في الغناء؟ فقال:

«كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء؟ فقلت: إنّ رجلا أتى أبا جعفر (عليه السّلام) فسأله عن الغناء؟ فقال: «يا فلان، إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل، فأين يكون الغناء؟» قال: مع الباطل. فقال: «قد حكمت» (2) انتهى (3).

و ما رواه عنهم أيضا عن سهل، عن ميسر، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: «من نزّه نفسه عن الغناء فانّ في الجنة شجرة يأمر اللّه الرياح أن يحرّكها فيسمع منها صوتا لم يسمع مثله و من لم يتنزّه عنه لم يسمعه» انتهى (4).

و ما رواه الصدوق في (المقنع) عن الصادق (عليه السّلام) قال: «شرّ الأصوات الغناء» انتهى (5).

و ما رواه في (الخصال) عن أبيه، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن مهران بن محمد، عن الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «الغناء يورث النفاق و يعقّب الفقر» (6) انتهى.

قيل: إذ غرضه كلّه أنّ يعرض نفسه على غيره، و يروّج صوته عليه، و لا يزال ينافق و يتودّد إلى الناس ليرغبوا في غنائه.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 227، حديث 12.

(2). الوسائل، ج 12، ص 227، حديث 13.

(3). و في نسخة «قد قضيت» راجع عيون اخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 14.

(4). الوسائل، ج 12، ص 236، حديث 3.

(5). المقنع، ص 456 طبعه الجديد أيضا الوسائل، ج 12، ص 229، حديث 22.

(6). الوسائل، ج 12، ص 229، حديث 23.

123

و ما رواه العياشيّ عن الحسن، قال: كنت أطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران، قال: فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال لي: يا حسن إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا السمع ما وعى، و البصر ما رأى، و الفؤاد ما عقد عليه» انتهى (1).

و ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: «لا» انتهى (2).

و الجواب عن هذه الروايات- بعد الإغضاء عن ضعف أكثرها سندا، و قصور جملة منها دلالة على التحريم، و عدم دلالة بعضها إلّا على حرمة ما لا كلام في حرمته، و عدم ارتباط بعضها بما نحن فيه- أنّه ليس فيها لفظ عامّ يشمل جميع أفراد الغناء و أنواعه، لعدم وضع المفرد المعرّف للعموم.

و إن أفاده من حيث الحكمة كما في أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و لكنّه مشروط بالتواطي، و هو مفقود فيما نحن فيه، لما عرفت أنّ المتعارف الشائع في زمن صدور هذه الأخبار و قبله، كما في هذه الأعصر، استعمال نوع خاصّ من الغناء، و هو الصوت المقترن بالملاهي الذي يستعمله الفسّاق في مجالسهم، فيجب حمل المطلق على خصوص هذا النوع المتبادر منه، لما بيّناه في المقدّمة الثالثة من: أنّ شيوع فرد المطلق من الأمارات الموجبة للظنّ بإرادة المتكلّم ذلك الفرد خاصّة منه، سواء قلنا بصيرورته معنى حقيقيّا عرفيّا، أو بكونه فردا شائعا.

و إلى هذا ينظر ما ذكره الغزّالي من أن قول الفضيل: الغناء رقية الزنا، و كذلك ما عداه من‌

____________

(1). تفسير العياشي، ج 2، ص 292، حديث 4.

أيضا الوسائل، ج 12، ص 231، حديث 29.

(2). الوسائل، ج 12، ص 232، حديث 32.

124

الأقاويل القريبة منه، فهو منزّل على سماع الفسّاق و المغتلمين (1) من الشبّان (2).

و ما ذكره في الكلام على قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «ما رفع أحد صوته» الى آخره، من أنّه منزّل على بعض أنواع الغناء الذي قدّمناه و هو الذي يحرّك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة و عشق المخلوقين، فأمّا ما يحرّك الشوق الى اللّه، أو السرور بالعيد، أو حدوث الولد، أو قدوم الغائب، فهذا كلّه يضادّ مراد الشيطان (3) انتهى.

و غاية ما في الباب الشكّ في شمول هذه الروايات لغير الصوت اللهويّ بنفسه أو باقترانه بالملاهي، فيبقى على حكم أصل الإباحة.

بخلاف ما لو كان الصوت كذلك، فإنّه محرّم قطعا، يشمله هذه الأخبار جدّا.

بل في العامة أيضا من صرح بذلك، مع تجويزه السماع مطلقا، قال: بلى، إذا كان ذلك الصوت من أمرد يخشى بالنظر إليه الفتنة، أو من امرأة غير محرم، و إن وجد من الأذكار و الأفكار ما ذكرنا، يحرم سماعه، لخوف الفتنة، لا لمجرد الصوت، و لكن يجعل السماع حريم الفتنة، و لكل حرام حريم ينسحب عليه حكم المنع، لوجه المصلحة كالقبلة للشابّ الصائم حيث جعلت حريم حرام الوقاع، و كالخلوة بالأجنبية و غير ذلك.

فعلى هذا قد تقتضي المصلحة المنع من السماع إذا علم حال السامع و ما يؤدّيه إليه سماعه، فيجعل المنع حريم الحرام. انتهى فتأمل.

و الظاهر أنّ من حمل الغناء في هذه الأخبار على ما يسمّى في العرف غناء، مراده ما ذكرناه من الصوت اللهويّ، و إلّا فلا إجمال فيه بعد ظهوره فيما ذكرناه، حتى يحكم فيه العرف، سيّما مع عدم انضباطه، فتدبّر.

____________

(1). الغلمة: هيجان شهوة النّكاح من المرأة و الرجل. و اغتلم: اشتدّ فيه الغلمة راجع، لسان العرب مادة غلم.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 312.

(3). المصدر، ج 2، ص 310.

125

و الثاني: ما ورد بذم المغنيّات و النهي عن بيعهنّ و شرائهنّ و التصرّف في أثمانهنّ مثل ما رواه الصدوق عن محمد بن الحسن، عن الصفّار، عن الحسن بن علي الكوفيّ، عن إسحاق بن إبراهيم، عن نضر بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «المنجم ملعون، و الكاهن ملعون، و الساحر ملعون، و المغنية ملعونة و من آواها ملعون، و آكل كسبها ملعون» انتهى (1).

و ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: سئل أبو الحسن الرضا: عن شراء المغنية؟ قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن كلب، و ثمن الكلب سحت و السحت في النار» (2) انتهى.

و ما رواه عنهم، عن سهل، و عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن فضّال، عن سعيد بن محمد الطاطريّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سأله رجل: عن بيع الجواري المغنيات؟ فقال: «شراؤهنّ و بيعهن حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهن نفاق» انتهى (3).

و ما رواه عن محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن نبيعهنّ و نحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (عليه السّلام).

قال إبراهيم: فبعث الجواري بثلاثمائة ألف درهم، و حملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات، و حمل الثمن إليك، و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثماءة ألف درهم.

فقال: «لا حاجة لي فيه، إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهن نفاق‌

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 103، حديث 7- ايضا ص 85، حديث 4.

(2). الوسائل، ج 12، ص 88، حديث 6.

(3). الوسائل، ج 12، ص 88، حديث 7.

126

و ثمنهنّ سحت» انتهى (1).

و ما رواه عبد اللّه بن جعفر في (قرب الإسناد) عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السّلام): جعلت فداك، إن رجلا من مواليك عنده جوار مغنّيات قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار، و قد جعل لك ثمنها. فقال: «لا حاجة لي فيها إن ثمن الكلب و المغنية سحت» (2) انتهى.

و ما في التوقيع عن الصاحب (عليه السّلام): «و ثمن المغنيّة حرام» (3) انتهى.

وجه الاستدلال: أنّه لو كان الغناء مباحا لما حرم البيع و الشراء و التصرّف في الثمن، و لما جاز إطلاق الملعونة على المغنيّة.

و الجواب- بعد الغضّ عن معارضة هذه الأخبار مع ما دلّ على جواز شراء المغنيّة و بيعها، المتقدم- أنّها ظاهرة في المغنيّات اللائي كنّ يحضرن في مجالس الأجانب، و يتغنيّن بألحان الفسوق و الفجور لجذب الرجال إلى أنفسهنّ، بل ربما يدّعى صراحة بعضها في أن المراد بالمغنية من تتغنّى بالألحان و النغمات الملهية التي تزيّنها التصدية و ضرب الدفوف و العيدان و البرابط، كما كان الشائع في زمن الجاهلية و بعد ظهور الإسلام، و قد كانوا يضعون على المغنيّات جزية معيّنة، و كان شغلهنّ من الصباح إلى الرواح التغنّي بهذه الأصوات، و استعمال آلات اللهو لجذب الفسّاق إلى أنفسهنّ، و تحصيل ما قرّر عليهن سادتهنّ (4) فتأمّل.

و على هذا، فلا تعارض بين هذه الأخبار و ما تقدّم من الروايات، لاختلاف موردي المنع و الإباحة، كما يشهد له رواية الدينوري (5) و مرسلة الصدوق (6) المتقدّمتان.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 87، حديث 5.

(2). قرب الاسناد، ص 170 ط النجف الأشرف- و من طبعه في إيران ص 125 أيضا الوسائل، ج 12، ص 87، حديث 4.

(3). الاحتجاج للطبرسي، ج 2، ص 283 أيضا الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 3.

(4). العبارات مقتبسة من رسالة إيقاظ النائمين.

(5). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 1.

(6). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.

127

قال الغزالي: التجويز في موضع واحد نصّ في الإباحة، و المنع في ألف موضع محتمل للتأويل، انتهى (1).

و لا ريب أنّ الجمع بما ذكرناه أولى.

و الحاصل أنّ هذه الأخبار محمولة على المغنّية بالصوت المقترن بالمحرّمات و لا كلام في تحريمه، و ما تقدّم محمول على الصوت المطرب المجرّد عن المحظور.

و الثالث: ما ورد بذمّ النياحة و النائحات مثل ما رواه في (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو الزعفراني، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار، فقد كفرها، و من أصيب بمصيبة فجاء عند المصيبة بنائحة، فقد كفرها» (2) انتهى.

و ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال:

«سألته عن كسب المغنّية و النائحة؟» فكرهه (3) انتهى.

و ما في حديث المناهي أنه (عليه السّلام) «نهى عن الرّنّة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها» (4) انتهى.

و ما في رواية عبد اللّه بن الحسين بن زيد بن علي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن علي (عليه السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقوم يوم‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 311.

(2). الوسائل، ج 12، ص 90، حديث 5.

(3). الوسائل، ج 12، ص 90، حديث 8.

(4). الوسائل، ج 12، ص 91، حديث 11 و للمصنّف (ره) شرح لطيف على تمام الحديث باسم (جمل النواهي في شرح حديث المناهي) مطبوع في المطبعة العلمية بقم 1364 ه‍ ق.

128

القيامة و عليها سربال من قطران و درع من جرب» (1) انتهى.

و ما في (كتاب علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السّلام) قال: سألته عن النوح على الميّت، أ يصلح؟ قال: «يكره» انتهى (2).

وجه الاستدلال: أنّ المراد بالمطرب- كما تقدّم- هو الصوت المغيّر للحال، سواء كان موجبا للسرور، أو للحزن فيشمل النياحة.

و الجواب- بعد تسليم الدلالة، و الغضّ عن قصور السند-: أنّ هذه الأخبار معارضة بما يأتي في الخاتمة من الروايات الدالّة على الجواز، و مقتضى الجمع حملها على النوح بالباطل، أو إسماع الأجانب.

هذا تمام الكلام في أدلّة القولين.

و قد تبيّن أنّ الترجيح لأدلّة الإباحة و أكثرية الفتوى بالمنع غير ثابتة، لعدم صراحتها في حرمة مطلق المطرب.

و كذا أكثرية الرواية.

و الإجماع المنقول قد عرفت حاله.

و حمل الأخبار المجوّزة على التقيّة لا وجه له- بعد كون المنع مذهب كثير من العامّة- بل صرّح بعض علمائهم بأنّ الغناء من الذنوب، و ما أباحه إلّا نفر قليل من الفقهاء، و من أباحه من الفقهاء أيضا لم ير إعلانه في المساجد و البقاع الشريفة.

هذا، و لكنّ الأحوط الاجتناب عن كلّ صوت مشتمل على الترجيع و التطريب، بل على الأوّل.

و قد أحسن المحدّث الكاشانيّ حيث قال في (الوافي): إنّ بعض الأفعال لا يليق بذوي المروّات و إن كان مباحا. انتهى (3) فليتأمل.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 91، حديث 12.

(2). الوسائل، ج 12، ص 91، حديث 13.

(3). الوافي، ج 17، ص 220 طبعه الجديد.

129

تذنيبات

الأوّل:

استماع الغناء المحرّم محرّم، كنفس التغنّي به بلا خلاف فيه، و يدلّ عليه جملة من الأخبار المتقدّمة، و لا فرق في ذلك بين كون المغنّي مكلّفا و غيره.

الثاني:

تعليم الغناء و تعلّمه حرام، لما في بعض الروايات: «و ما يكون منه و فيه الفساد، و لا يكون منه و لا فيه شي‌ء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه» انتهى.

و في روايتي عنبسة (1) و إبراهيم (2) المتقدّمتين دلالة واضحة على ذلك.

الثالث:

يحرم الاكتساب بالغناء المحرّم، إجماعا، و الأخبار به مستفيضة.

الرابع:

التغنّي و استماع الغناء المحرّم من الكبائر القادحة في العدالة، لقول الباقر (عليه السّلام) في رواية محمد بن مسلم: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار» (3) انتهى.

و لقول الصادق (عليه السّلام) لمسعدة: «فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو متّ على ذلك» (4) انتهى.

و به صرح جماعة في البحث عن صلاة الجماعة، و في كتاب الشهادات.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 235، باب 101، حديث 1.

(2). الوسائل، ج 12، ص 87، حديث 5.

(3). الوسائل، ج 12، ص 226، حديث 6.

(4). تفسير العيّاشي، ج 2، ص 292، حديث 76.

130

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

131

المقصد الثالث: في ما يستثني من حكم الغناء على القول بالحرمة

إذ على المختار لا استثناء.

و كذا لو خصّ الغناء بالصوت اللهوي المحرّم فإنّه محرّم مطلقا من دون استثناء.

و كيف كان، فالقائلون بحرمة الصوت المطرب الخالي عن اللهو مختلفون في الاستثناء و عدمه.

كما أنّ المستثنين اختلفوا في مقداره.

فنقول: إنّ جملة ما استثنوه أمور:

منها قراءة القرآن:

صرّح باستثناءها كثير من أصحابنا و مخالفينا، و عن الشافعي: لا بأس بالقراءة بالألحان و تحسين الصوت بها بأيّ وجه كان (1).

و نسبه في (الكفاية) (2) إلى ظاهر كلام الطبرسي (رحمه اللّه) (3) قال المحقّق القمي: و فيه أنّه لم يذكر إلّا تحسين اللفظ و تزيين الصوت و تحزينه، و لا يخفى الفرق بين تحسين الصوت‌

____________

(1). لم نجده فيما بأيدينا من المنابع و لكن في شرح النووي على صحيح مسلم باب تحسين الصوت بالقرآن ذيل قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما أذن اللّه لشي‌ء ما أذن لنبيّ يتغنّى بالقرآن» اشعار بذلك فراجع.

(2). كفاية الأحكام، ص 86.

(3). مجمع البيان، ج 1، ص 16 الفنّ السابع.

132

و الغناء. انتهى (1) فتأمل.

و كيف كان، فدليلهم ما أوردناه في أدلّة المختار من الأخبار، الآمر بعضها بقراءة القرآن بالصوت الحسن، و بعضها بقراءته بألحان العرب، و بعضها بالحزن، و بعضها بالترجيع، و الذامّ بعضها لترك التغنّي به.

و أنكره جماعة، لعموم أدلّة التحريم، و ضعف ما يخصّصه دلالة أو سندا.

و هو كما ترى.

و منها الحداء بضمّ الحاء المهملة و هو: سوق الإبل بالغناء لها:

و في (الكفاية) أنّ استثناء مشهور، و لكن في (الجواهر) أنّه: ربّما يدّعى: أنّ الحداء قسيم للغناء، بشهادة العرف، و (حينئذ) يكون خارجا عن الموضوع لا عن الحكم، و لا بأس به (2) انتهى.

و هو كما ترى، و قد أوضحناه في المقدمة التاسعة.

و كيف كان، فلم نجد على جوازه دليلا بخصوصه، نعم، روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعبد اللّه بن رواحة: «حرّك بالنوق» فاندفع يرتجز، و كان عبد اللّه جيّد الحداء و كان مع الرجال، و كان أنجشة مع النساء فلمّا سمعه تبعه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأنجشه: «رويدك، رفقا بالقوارير» انتهى، رواه في المسالك (3).

و روى الغزالي في (إحياء العلوم) عن أنس أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحدى له في السفر، و أنّ أنجشة كان يحدو بالنساء، و البراء بن مالك يحدو بالرجال، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«رويدك سوقك بالقوارير» (4) انتهى.

____________

(1). جامع الشتات، ج 1، ص 177، ط 1.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 51.

(3). لم أجد في مظانه من المسالك نعم ورد في الجواهر فراجع، ج 22، ص 50.

(4). احياء علوم الدين، ج 2، ص 229.

133

أي بالآبال جمع القار و هو الإبل (1).

و أنت خبير بأنّ ضعف الروايتين مانع من الاحتجاج بهما، كالمرويّ في (مجمع البحرين) من: «أنّ زاد المسافر الحداء و الشعر» (2) إلّا أن يدّعى انجباره بالشهرة، و في تحققها نظر.

نعم، قال الغزالي: و لم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و زمان الصحابة، و ما هو إلّا أشعار تؤدّى بأصوات طيبة و ألحان موزونة، و لم ينقل من أحد من الصحابة إنكاره، بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال، و تارة للاستلذاذ، فلا يجوز أن يحرّم من حيث إنّه كلام مفهوم مستلذّ مؤدّى بأصوات طيبة و ألحان موزونة (3) انتهى فتدبر.

و منها: غناء المرأة في زفّ العرائس:

استثناه الأكثرون، لما رواه في (الكافي) عن عدّه من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن على بن أبي حمزة عن أبي بصير: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام): عن كسب المغنيّات فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس» (4) انتهى.

و ما رواه عن أحمد بن حكم الخياط، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها» انتهى (5).

و ما رواه عنهم عن أحمد عن الحسين، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيّوب‌

____________

(1). في النهاية لابن الأثير، ج 4، ص 39 أراد «بالقوارير» النساء شبههن بالقوارير لأنّه يسرع إليها الكسر- كذا في مفتاح الكرامة، ج 4، ص 53 و المبسوط للشيخ (رحمه اللّه)، ج 8، ص 225 و في سرّ الأدب للثعالبي، ص 150: أنّه كناية عن الحرم و عن قتادة، المراد به ضعفة النساء انتهى- اتحاف السادة المتقين، ج 6، ص 482.

(2). مجمع البحرين، ج 1، ص 96 مادة حدا، و ما بعده: ما كان ليس فيه الخنا.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 229.

(4). الوسائل، ج 12، ص 84، حديث 1.

(5). الوسائل، ج 12، ص 84، حديث 2.

134

بن الحرّ، عن أبي بصير: قال قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس و ليست بالتي تدخل عليها الرجال» (1) انتهى.

و من العجب منع التلازم بين إباحة الأجرة و إباحة الغناء، ضرورة حرمة أعواض المحرّمات، مع أنّه لا قائل بالتفرقة.

و الظاهر من الكسب هو العمل أي الغناء، دون المكتسب.

و حمله عليه خلاف الظاهر.

كالقول بأنّ الأجرة لمجرد الزفّ دون الغناء.

و عن «ش» أن الإباحة أصحّ طريقا و أخصّ دلالة. انتهى (2).

فما عن الحلّي من المخالفة (3) لعموم النهي عن الغناء، لا يلتفت إليه.

و منها غناء الحجيج:

ذكره الغزالي و لم أقف في أصحابنا على من ذكره، قال: و ذلك مباح لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة و المقام و الحطيم و زمزم و سائر المشاعر و وصف البادية و غيرها، و أثر ذلك تهييج الشوق إلى حج بيت اللّه.

إلى أن قال: و كلّ ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير و الأوتار التي هي من شعار الأشرار. انتهى (4) فتدبر.

و منها غناء الغزاة لتحريض الناس على الغزو:

ذكره الغزالي (5) أيضا فتأمل.

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 85، حديث 3.

(2). لم أقف على مصدره.

(3). كتاب السرائر، ص 184.

(4). احياء علوم الدين، ج 2، ص 300.

(5). المصدر.

135

و منها التغنّي في أيام العيد و إبّان الفرح من قدوم الغائب و ولادة الولد:

لما تقدّم من روايتي علي بن جعفر، و ربما يستدلّ له بما رواه البخاريّ و مسلم في (صحيحهما) عن عائشة أنّ أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان في أيام منى تدفّفان و تضربان، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن وجهه، و قال: «دعهما يا أبا بكر فإنّها أيام عيد» انتهى (1).

و فيه ما ترى، فإنّه مرويّ من طرق العامّة، مع أنّه لا دلالة فيه على جواز التغنّي بل على جواز التلهّي بالدفّ، و حرمته مجمع عليه بيننا، على الظاهر.

سلّمنا عدم انفكاكه عن التغنّي عادة، و لكن قد عرفت أنّ الصوت المقترن بالملاهي لا كلام في حرمته مطلقا.

و نفي البأس عن الغناء في إحدى الروايتين مقيّد بعدم العصيان به.

و في ثانيتهما بعدم الزمر به (2).

نعم جوّز مخالفونا الدفّ و نحوه من الملاهي مطلقا أو في بعض الأحيان، و رووا في ذلك روايات من طرقهم، موضوعة، قد افتروا بها على رسول اللّه كذبا.

و في إحياء الغزالي: أن السماع في أيام السرور تأكيدا أو تهييجا له مباح، إن كان ذلك السرور مباحا، كالغناء في أيّام العيد، و في العرس، و في وقت قدوم الغائب، و في وقت الوليمة و العقيقة، و عند ولادة المولود، و عند ختانه، و عند حفظه القرآن العزيز، و كلّ ذلك مباح لأجل إظهار السرور به.

وجه جوازه أنّ من الألحان ما يثير الفرح و السرور و الطرب، فكلّما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه.

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 302- ايضا صحيح مسلم بشرح النووي، ج 6، ص 183 باب صلاة العيدين- ايضا صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 176، باب في العيدين.

(2). الوسائل، ج 12، ص 85، حديث 5.

136

و يدلّ على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدفّ و الالحان عند قدوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انتهى (1) فتأمّل.

و منها الغناء في الخطب و المناجاة و الدعاء و غيرها مما يقصد به الترغيب إلى اللّه و الشوق إلى الجنة:

ذكره بعض أصحابنا مستدلّا عليه بالأصل، و مرسلة الصدوق المتقدّمة: «ما عليك لو اشتريتها فذكّر تك الجنّة» الى آخره (2) فتدبر.

و منها الغناء في المراثي:

على قول نقله المحقّق الكركي في (جامع المقاصد) (3) و نسبه السبزواري في (الكفاية) (4) إلى بعضهم، ثم نفى عنه البعد.

قال المحقّق القمي (رحمه اللّه): و لا نعرف قائله (5).

و لكن يميل اليه المقدّس الأردبيلي في (شرح الإرشاد) (6) و قواه الفاضل النراقي (رحمه اللّه) في (مستنده) (7) و اختاره كثير من معاصرينا.

و دليلهم عليه- بعد الأصل- وجوه:

الأوّل: أنّ هذا ممّا تعارف في بلاد المسلمين من زمن الشارع إلى زماننا هذا، من غير نكير.

و فيه: أنّا نشاهد من كثير من المحتاطين من العلماء و غيرهم أنّهم يقومون من مجالس المراثي المشتملة على الترجيع، بل لا يحضرونها من أوّل الأمر، خوفا من استماع الغناء، بل‌

____________

(1). احياء علوم الدين، ج 2، ص 301.

(2). الوسائل، ج 12، ص 86، حديث 2.

(3). جامع المقاصد، ج 1، ص 199.

(4). كفاية الأحكام، ص 86.

(5). جامع الشتات، ج 1، ص 177.

(6). مجمع الفائدة، ج 8، ص 61.

(7). مستند الشيعة، ج 2، ص 343.

137

كثيرا من الأحيان ينهون عن ذلك كما ينهون عن سائر المنكرات.

و قد قال بعض المدقّقين: و من أوضح تسويلات الشيطان أنّ الرجل المتستر قد تدعوه نفسه لأجل التفرّج و التنزّه و التلذّذ إلى ما يوجب نشاطه و دفع الكسالة عنه من الزمزمة الملهية، فيجعل ذلك في بيت من الشعر المنظوم في الحكم و المراثي و نحوها، فيتغنّى به، أو يحضر عند من يفعل ذلك، و ربّما يعدّ مجلسا لأجل إحضار أصحاب الألحان، و يسميه مجلس المرثية، فيحصل له بذلك ما لا يحصل من ضرب الأوتار من النشاط و الانبساط، و ربما يبكي في خلال ذلك لأجل الغموم المركوزة في قلبه الغائبة عن خاطره من فقد ما يستحضره القوى الشهوية، و يتخيّل أنّه يبكي في المرثية و فاز بالمرتبة العالية، و قد أشرف على النزول إلى دركات الهاوية، فلا ملجأ إلّا إلى اللّه من شرّ الشيطان و النفس الغاوية (1) انتهى.

فدعوى جريان السيرة من المسلمين على التغنّي في المراثي، بحيث تكشف عن إباحته، محلّ مناقشة واضحة.

الثاني: ما دلّ على جواز النياحة و إباحة كسب النائحة.

مثل ما يأتي من الأخبار في الخاتمة.

وجه الدلالة: أنّ التغنّي من لوازم النياحة، و أثره لا ينحصر في السرور و الفرح، كما عرفته.

الثالث: أنّ الغناء إنّما يحرم للطرب، و ليس في المراثي طرب، فإنّها موضوعة للحزن، و بعبارة أخرى: الطرب معتبر في مفهوم الغناء، فلا يكون ما يقصد به الحزن غناء.

و فيه: ما لا يخفى، إذ قد عرفت أنّ الطرب المأخوذ في مفهوم الغناء أعمّ من الفرح و الحزن.

و القول بأنّ الغناء أثره منحصر في الأوّل يكذّبه الوجدان، ضرورة أنّه ربّما يهيج الحزن و البكاء.

____________

(1). كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ص 37، ط تبريز.

138

نعم، قد يكون ذلك مذموما كالحزن على ما فات المنهيّ عن (1) الأسى عليه في الكتاب العزيز (2)، و كالحزن على فراق محبوب غير محبوب شرعا، فإنّه طلب لمعصية اللّه، كما أنّ الأول تسخّط لقضاء اللّه، و ربما يكون تأسّفا على ما لا تدارك له.

قال الغزالي: فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة. انتهى (3).

هذا، مع أنّ التغنّي بالمراثي قد يوجب الفرح، لما نشاهد من أنّ المكروب المهموم قد يحضره فيصير منبسطا مبتهجا مرفوع الهمّ باستماع الألحان الطيّبة و النغمات الموزونة، فيحصل له بذلك من الفرح و الانبساط ما لا يحصل له من ضرب الأوتار و المزامير، كما عرفته من كلام بعض المدققين.

و قد أحسن في ردّ الأردبيلي (رحمه اللّه) لمّا استدلّ بهذا حيث قال: إن نظره إلى المراثي المتعارفة لأهل الدّيانة التي لا يقصدونها إلّا للتفجّع، و كأنّه لم يحدث في عصره المراثي الّتي يكتفي بها أهل اللهو و المترفون من الرجال و النساء عن حضور مجالس اللهو و ضرب العود و الأوتار و التغنّي بالقصب و المزمار، كما هو الشائع في زماننا الذي قد أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنظيره في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يتّخذون القرآن مزامير».

كما أنّ زيارة سيّدنا و مولانا أبي عبد اللّه (عليه السّلام) صار سفرها من أسفار اللهو و النزهة لكثير من المترفين، و قد أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنظيره في سفر الحج، و أنه: «يحجّ أغنياء أمتي للنزهة و الأوساط للتجارة و الفقراء للسمعة» و كأنّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كالكتاب العزيز، وارد في مورده و جار في نظيره. انتهى (4).

____________

(1). كذا الصواب، و في الأصل: المنهي على.

(2). قال تعالى. لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ الآية، الحديد، 57- 23.

(3). احياء علوم الدين، ج 2، ص 301.

(4). كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري (ره)، صص 40- 39.

139

الرابع: أنّ البكاء على الحسين (عليه السّلام) و سائر المظلومين من أهل البيت (عليهم السّلام) و أصحابهم، و التفجّع في مصائبهم و رزاياهم أمر مطلوب شرعا، لتواتر الأخبار بالحثّ عليه، و الغناء معين عليه، و رجحان الإعانة على البرّ ثابت بالكتاب و السنّة، فيكون الغناء المعين على البكاء مطلوبا، و قد قيل: إنّ المفضي إلى المحمود محمود.

و اعترض عليه بوجوه:

أحدها: أنّ هذا يقتضي استحباب التغنّي بالمراثي، و لا قائل به- و إن قيل باستحبابه في القرآن- و يشهد له أنّ المستثني ربما يقول: إنّ الأحوط تركه، فتدبّر.

و ثانيها: أن كون الغناء معينا على البكاء ممنوع، و إن سلّم كون الصوت معينا عليه.

قال المحقق القميّ (رحمه اللّه) بعد منع كون الغناء مبكيا على الحسين (عليه السّلام) بل إنّما هو مقتضى طبيعته في بعض الأحيان- و إن كان في الأشعار الباطلة- غاية الأمر حصول بكاء مركّب من الحلال و الحرام (1) انتهى.

و قال المدقّق التستري (قدّس سرّه): أمّا كون الغناء معينا على البكاء و التفجّع فهو ممنوع، بناء على ما عرفت من كونه هو الصوت اللهوي، بل، و على ظاهر تعريف المشهور من الترجيع المطرب، لأنّ الطرب الحاصل منه إن كان سرورا فهو مناف للتفجّع لا معين، و إن كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد المشتهيات النفسانية لا على ما أصاب سادة الزمان. انتهى (2).

و فيه نظر، فإن الصوت على استقامته من حيث هو لا يوجب البكاء و الحزن، كما لا يوجب ضحكا و لا سرورا، و لكن إذا اشتمل على ترجيع و تطريب فقد يثير حزنا، فإذا أصاب إلى الدماغ دمعت العين، و إذا أصاب إلى الروح تموّج و ظهر منه الصياح، كما صرّح‌

____________

(1). جامع الشتات، ج 1، ص 177.

(2). المكاسب للشيخ الأنصاري (ره)، ص 39 ط تبريز.

140

به جمع، فإن كان ذلك لأمر مذموم كان مذموما، و إن كان لأمر محمود مطلوب شرعا كان محمودا، و لا ريب في كونه معينا عليه، و من هنا جازت النياحة بالحقّ كما يأتي، و هي لا تنفكّ عن الغناء، كما صرّح به جماعة.

و الحاصل أنه لا مجال لإنكار كون الغناء معينا على البكاء- و إن لم يكن سببا تامّا له- إذ لا يلزم في صدق الإعانة كون المعين علة تامّة للمعان عليه، بل يكفي مجرد كونه ممّا يتوقّف عليه.

قوله: «و إن كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس» الى آخره.

قلت: هذا مسلّم في الجملة، لا مطلقا، لتفاوت المستمعين في ذلك قطعا، لما عرفته من أنّ الغناء، مهيّج لما هو الغالب على القلب من الحالات و الصفات، فمن غلب عليه هواه هيّجه للشهوات، و أوجب البكاء على ما فقده من المشتهيات وفات، و من غلب عليه حبّ مولاه حرّك قلبه للحزن على ما يتذكّره من مصائب من كان يتولّاه، و من هنا قيل: إنّ من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه و يهيّج قلبه إليه، فكم من محبّ لأهل بيت العصمة (عليهم السّلام) تدمع عينه بترنّم الأشعار المنشدة في مصائبهم، و التغنّي بالقصائد المنظومة فيما هجم عليهم من مبغضيهم، من غير التفات في هذه الحال إلى ما فاته من المشتهيات الحيوانية، و لا تذكّر لما أصابه من الآفات الزمانية، نعم، كثير من المراثي المحدثة في هذه الأزمنة سيّما في بلاد العجم الّتي يقيمها أهل الدنيا رياء و سمعة مشتمل على ألحان الفسوق و الفجور مقترن بملهيات أكثر من التصانيف المستعملة في مجالس شرب الخمور، و مع ذلك يسمّون هذه المجالس بمجالس التعزية، و لكنّها في نظر المتأمّل مجالس العيش و النشاط، و هي أشبه شي‌ء بالمجالس التي يقيمها أهل التصوّف لأغراض نفسانية و خيالات شيطانية، فيسمّونها مجالس الذكر، و يزعمون أنّها رياض الجنة الّتي ورد الحثّ في بعض الأخبار على حضورها.

141

و لنعم ما قال المحدّث الكاشاني (رحمه اللّه) في (حقائقه): و من المغترين قوم تسمّوا بأهل الذكر و التصوّف، يدّعون البراءة من التصنع و التكلّف، يلبسون خرقا و يجلسون حلقا، يخترعون الأذكار، و يتغنّون بالأشعار، يعلنون بالتهليل و ليس لهم إلى العلم و المعرفة سبيل، ابتدعوا شهيقا و نهيقا، و اخترعوا رقصا و تصفيقا، قد خاضوا الفتن، و أخذوا بالبدع دون السّنن، رفعوا أصواتهم بالنداء، و صاحوا الصيحة الشنعاء (1)، إلى آخر ما ذكره.

و لا شكّ أنّ مثل هذا التغنّي غير معين على البكاء على مصيبات سادات الزمان، و لا شك في حرمته، و لكن ذلك لا يوجب السلب الكلّي، كما هو ظاهر كلامه، و لا غرو في كون الغناء بالنسبة إلى بعض المستمعين مباحا، و إلى بعضهم محرّما.

قال الغزّالي: السماع قد يكون حراما محضا، و قد يكون مباحا، و قد يكون مكروها، و قد يكون مستحبّا.

أما الحرام: فهو لأكثر الناس من الشبّان و من غلبت عليهم شهوة الدنيا، فلا يحرّك السماع منهم إلّا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.

و أمّا المكروه: فهو أن لا ينزله على صورة المخلوقين، و لكنه يتّخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.

و أمّا المباح: فهو لمن لا حظّ له إلّا التلذّذ بالصوت الحسن.

و أمّا المستحبّ: فهو لمن غلب عليه حبّ اللّه، و لم يحرك السماع منه إلّا الصفات المحمودة (2) انتهى فتأمّل.

و الحاصل أن الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب قد يعين على البكاء على الحسين (عليه السّلام) و أشباهه من أهل البيت و أتباعه من أنصارهم.

____________

(1). الحقائق في محاسن الأخلاق ص 138.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 332.

142

فما قيل من أنه لو سلّم كون الغناء معينا على البكاء، فكونه معينا على البكاء على شخص معيّن غير مسلّم (1).

غير مسلّم.

و أمّا الصوت اللهويّ فلا شك في عدم كونه معينا على البكاء على المظلومين (عليهم السّلام) و إن أوجب مطلق البكاء في بعض الأحوال، و قد عرفت أنّه لا كلام في حرمته مطلقا، و أنّه لا يقبل الاستثناء، بل استعماله في مثل المراثي أشدّ جرما و أكثر إثما.

و إلى هذا نظر من قال: إنّ الغناء في القرآن كالزنا في المسجد.

و ثالثها: أنّ دليل رجحان التعاون على البرّ لا يشمل ما لو كان الإعانة بالحرام، كما في المقام، بل تخصيص عموم هذا الدليل بغير الحرام قطعيّ.

و دفع بأن حرمة الغناء المعين على البكاء أوّل الكلام، إذ هي فرع دلالة أخبار الغناء على حرمة مطلقه، و قد عرفت انتفائها.

و رابعها: أنّ مجرد كون الغناء مقدّمة لمباح لا يوجب جوازه، بل لا بدّ من ملاحظة دليله، فإن دلّ على الحرمة حكم بها و (حينئذ) فلا يصلح لوقوعه مقدّمة شرعا لكونه منهيا عنه، فلا يكون مقدورا عليه شرعا، و إلّا فيحكم بإباحته للأصل، لا لكونه مقدمة للمباح.

و أنت خبير بأنّ الغرض بيان أنّ مقتضى عموم دليل التعاون إباحة كلّ ما يصلح للاستعانة به، و من جملته الغناء، فخروجه موقوف على ثبوت حرمته مطلقا، فما لم يثبت اكتفينا في الحكم بإباحته بمجرّد كونه مقدّمة لمباح، و لا ينافي ذلك دلالة الأصل أيضا عليه، فليتأمّل.

و خامسها: أنّ التعارض بين أدلّة التعاون على البرّ، و أدلّة الغناء، بالعموم و الخصوص من وجه، لاقتضاء الاولى جواز التعاون و لو بالغناء، و الثانية حرمة الغناء و إن حصل به‌

____________

(1). القائل: الحاج ملا محمد النراقي (ره) في مشارق الأحكام، ص 159.

143

التعاون على البر، فيتعارضان في مادة الاجتماع أي الغناء المعين على البرّ، فكما يمكن تخصيص عموم الثانية بخصوص الاولى فيحكم بجوازه، يمكن العكس فيحكم بحرمته، و المرجع في مثل هذا التعارض المرجّح، و هو في جانب عموم الثانية ظهورا في الدلالة، و أكثرية في عدد الرواية، و اعتضادا بدعوى الإجماع كما مرّت إليها الإشارة.

و فيه: منع المرجّح لما عرفته من عدم دلالة هذه الأخبار على حرمة مطلق الغناء، فالكثرة بالعدد لا تصلح مرجحة لما ذكر، و كذلك الإجماع المنقول مع أنّه معارض بدعوى السيرة على الجواز على أنه مرجّح بالموافقة للكتاب، غاية الأمر التكافؤ فيرجع إلى الأصل، و قضيّته الإباحة و الجواز.

و سادسها: أنّ أدلّة حرمة الغناء حاكمة على أدلّة رجحان التعاون، نظير أدلّة نفي العسر و الحرج و الضرر و الضرار، بالنسبة إلى سائر الأدلة، بمعنى أنّ أدلة الحرمة بمدلولها اللفظي متعرّضة لحال أدلّة رجحان التعاون، و رافعة للحكم الثابت بها عن بعض أفراد موضوعها، و مبيّنة لمقدار مدلولها.

و بعبارة اخرى: إنّ موضوع الحكم في أدلة التعاون بعد ملاحظة أدلة الحرمة هو رجحان التعاون بوصف حصوله بالمباح، فيكون التعاون بالحرام خارجا عن موضوع الحكم فلا تعارض بينهما، و إن كان فهو في بادي الرأي، لا في نفس الأمر، و عند التأمل كما في العام و الخاص المطلق، و المطلق و المقيد.

و إلى هذا أشار شيخ فقهائنا المتأخّرين في (الجواهر) حيث قال: و ليس من تعارض العموم من وجه، المحتاج إلى ترجيح، بل فهم أهل العرف كاف فيه نحو العام و الخاص و المطلق و المقيّد، و إلّا لتحقّق التعارض من وجه، بين ما دلّ على قضاء حاجة المؤمن مثلا، و النهي عن اللواط و الزنا و الكذب و غيرها من المحرمات، المعلوم بطلانه بضرورة الشرع «أنه لا يطاع من حيث يعصى» (1) انتهى.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 46.

144

و إليه يرجع ما ذكره المدقّق التستري في متاجره حيث قال: إنّ أدلّة المستحبّات لا تقاوم أدلّة المحرمات خصوصا التي تكون من مقدّماتها، فإنّ مرجع أدلّة الاستحباب إلى استحباب إيجاد الشي‌ء بسببه المباح لا سببه المحرّم، ألا ترى أنّه لا يجوز إدخال السرور في قلب مؤمن و إجابته بالمحرّمات كالزنا و اللواط و الغناء، و السرّ في ذلك أنّ دليل الاستحباب إنّما يدلّ على كون الفعل «مستحبّا» (1) لو خلّي و طبعه، خاليا عمّا يوجب لزوم أحد طرفيه، و لا ينافي ذلك طروّ عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه، كما إذا صار مقدّمة لواجب، أو صادفه عنوان محرّم.

فأجابه المؤمن و إدخال السرور في قلبه ليس في (2) نفسه شي‌ء ملزم لفعله أو تركه، فإذا تحقّق في ضمن الزنا طرأ عليه عنوان ملزم لتركه، كما إذا أمر به الوالد أو السيّد طرأ عليه عنوان ملزم لفعله.

و الحاصل أن جهات الأحكام الثلاثة- أعني الإباحة و الاستحباب و الكراهة- لا تزاحم جهة الوجوب و الحرمة، فالحكم لهما مع اجتماع جهتهما مع إحدى الجهات الثلاث (3) انتهى.

و هو حسن، لو سلّمنا دلالة أدلّة حرمة الغناء على حرمته مطلقا، و لكن قد عرفت أنّ مدلولها الحرمة في الجملة، فتدبّر.

و أمّا ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين من أنّ ما قاله الفاضل المعاصر من الغرائب، و التمثيل بما ذكره غير صحيح، فانّ اختلاف العنوان في الأمر و النهي لا يرفع التعارض، إلّا إذا كان الرجحان توصّليا تبعيّا من باب المقدّمة لواجب أو مندوب فهو لا يعارض الحرمة‌

____________

(1). كذا و هذه الكلمة لا توجد في النسخ المطبوعة من المكاسب في زماننا و الظاهر أنها زائدة، مع إمكان توجيهها.

(2). كذا في الأصل، و في المصدر، و الظاهر أن الصواب: «ليس فيه نفسه شي‌ء ملزم.».

(3). كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري (ره)، ص 39- ط تبريز.

145

الأصلية، كما في العبور عن ملك الغير إلى المسجد، قال: و وجهه أنّ رجحان المقدّمة من باب التوقّف العقلي للمأمور به بحكم العقل، و هو يكون حيث لم تمكن المقدّمة مع إمكان حصول الغرض بغيرها، لعدم الدليل «حينئذ» على رجحانها.

و أمّا إذا كان الحكمان أصليّين فالتعارض حاصل في مورد التخالف، و إن اختلف العنوان، لعدم (1) إمكان الجمع بين الامتثالين، و التعارض بالعموم من وجه كلّه من هذا الباب.

إلى أن قال: و أما التنظير بالزنا في حصول قضاء حاجة المؤمن، فلا مناسبة له بالمقام، فإنّ أصل الحاجة و هي الزنا محرّمة على المحتاج، فكيف يحسن قضائها؟ بل يحسن من الغير الإعانة على منعها، بخلاف البكاء (2).

ففيه:

أوّلا: أنّ الفاضل المشار اليه قد بنى ما ذكره على الحكومة، فيهدم ما أسّسه المحقّق المعاصر، ضرورة عدم التعارض الحقيقي بين الحاكم و المحكوم كما عرفته.

و ثانيا: أنّ رجحان التعاون إنّما هو للتوصّل إلى البرّ، فقد سلّم أنّه لا يعارض الحرمة الأصلية، و أيّ فرق بين التوصّل إلى المسجد بالعبور عن ملك الغير، و التوصّل إلى البكاء بالغناء المفروض تحريمه؟

و دعوى أنّ التعاون مطلوب في نفسه، مجازفة.

فما ذكره من أن محلّ البحث من باب تعارض الحكمين الأصليّين بالعموم من وجه، إذ الأمر بالإعانة على البرّ هو الأمر بإيجاد ما توقّف عليه، و هو في الفرض من أفراد الغناء المعين على البكاء أو الإبكاء، فيحصل التعارض.

____________

(1). في المخطوط: (لعموم إمكان الجمع).

(2). مشارق الأحكام للحاج ملّا محمّد النراقي ابن احمد بن مهدي النراقي (رحمه اللّه) ص 161- 160.

146

ليس في محلّه، فتأمّل.

و ثالثا: أن إطلاق الأمر بالتعاون منساق لبيان حكم آخر، فلا ينصرف إلى محلّ النهي، و قد اعترف هو أيضا بأنّه: إذا كان إطلاق الأمر كذلك يقدّم جانب الحرمة، كالأمر بالمسافرة و النهي عن ركوب الدابّة المغصوبة، و الأمر بالإفطار و النهي عن أكل المتنجّس و مال الغير.

قوله: و أما التنظير بالزنا، الى آخره.

قلت: أيّ فرق بين الأمر بقضاء الحاجة و الأمر بالتعاون و النهي عن الزنا و النهي عن الغناء؟ فكما أنّ النهي عن الزنا حاكم على الأمر بقضاء الحاجة فكذلك النهي عن الغناء حاكم على الأمر بالبكاء.

اللهمّ، إلّا أن يراد بحاجة المؤمن حاجته الشرعية، كما يشعر به الإضافة إلى المؤمن، و «حينئذ» فلا مناسبة.

و ممّا ذكرنا ظهر أيضا ضعف ما ذكره والده النحرير في (مستنده) من أنّ ترجيح جانب الحرمة على الجواز بعد التعارض غير ثابت، إلّا على وجه الأولوية، و هو أمر آخر (1).

فإنّ مقتضى التحكيم لزوم ترجيح جانب الحرمة لا أولويته.

و سابعها: أن دلالة العامّ المشتمل على النهي المستلزم لطلب انتفاء الطبيعة رأسا أقوى من دلالة الأمر الذي لا يقتضي إلّا الامتثال الحاصل بوجود بعض الأفراد، قاله المحقّق القمي (رحمه اللّه) في بعض تحقيقاته.

و يمكن إرجاعه إلى بعض ما تقدّم.

الخامس: أنّ من يقرأ المرثية، لا يقال: إنّه يغنّي، بل يقال: إنّه يقرأ المرثيّة، و كذا الكلام في قراءة القرآن.

قال المحقّق القميّ (رحمه اللّه): فجعل الغناء صفة للفظ و المقروء، لا للصوت و القراءة.

____________

(1). مستند الشيعة، ج 2، ص 344.

147

ثمّ قال: و هو فاسد، كما دلّ عليه كلام العلماء، و أهل اللّغة في عدم إدراجهم المقروء في تعريف الغناء، بل إنّما جعلوه تعريفا للصوت و إن فرض اصطلاح جديد و عرف خاصّ فهو ممّا لا يعتنى به، فلا بدّ من حمل كلام الشارع على العرف السابق لأصالة عدم تغيّر العرف (1) فتأمّل.

هذا تمام الكلام في المستثنيات عن الغناء الحرام، على القول بحرمة مطلق الصوت المطرب.

و لكن قد تبيّن ممّا فصّلناه: أنّ الأقوى جوازه إذا لم يكن لهويّا و لا مقترنا بالملاهي و المحرّمات من غير فرق فيه بين ما كان من هذه المستثنيات و غيره.

كما لا فرق في الغناء الذي حكم بحرمته بين المستثنيات و غيرها، فافهم و اغتنم، و كن من الشاكرين.

____________

(1). جامع الشتات، ج 1، ص 177.

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

و أمّا الخاتمة ففي بيان حكم النياحة

قال الفيروزآبادي في (القاموس): و ناحت المرأة زوجها و عليه، نوحا، و نواحا بالضّم، و نياحا و نياحة بكسرهما، و مناحا، و الاسم النياحة (1) انتهى.

و قال الحسين بن أحمد الزوزني في كتاب (ترجمة المصادر): النوح و النياحة: نوحه كردن (2).

و قال بعض المحقّقين: النياحة كيفية خاصّة من الصوت في نوع من المقروء، و هو ما يشمل على إظهار الويل و العويل على الميّت، و لو بان يقول: «وا ويلاه، يا ويلاه، واي واي» و ما في معناها، أو بعدّ بعض محاسنه و ذكر سوانحه و مصائبه، و مع ذلك يظهر الألم و الوجع عليه، إلى أن قال: و الفرق بين الرثاء و النوحة من وجهين: اعتبار كيفية الصوت في النوحة دون المرثيّة، و اعتبار كونه شعرا في المرثيّة دون النوحة (3) انتهى.

و كيف كان، فاعلم أنّه قد اختلفت كلمة أصحابنا الأخيار، كالأخبار المأثورة عن أئمّتنا الأبرار، في النياحة على الأموات- بعد الاتّفاق على حرمتها إذا كانت بالباطل و الكذب، كوصف الميّت بما ليس فيه- على وجهين:

أحدهما أنّها تحرم، و هذا ظاهر الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الجنائز من (المبسوط) مدّعيا عليه‌

____________

(1). القاموس المحيط، ج 1، ص 254.

(2). المصادر للزوزنى، ج 1.

(3). لم أقف على مصدره.

150

الإجماع (1) و ابن حمزة في كتاب الطهارة من (الوسيلة) (2).

و يدلّ عليه ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن إبراهيم بن محمّد، عن عمرو الزعفراني، عن الصادق (عليه السّلام) في حديث قال: «و من أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها» (3) انتهى.

و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في حديث المناهي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن الرنّة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها و نهى عن تصفيق (4) الوجه (5) انتهى.

و قد تقدّمت جملة من الأخبار تدلّ على هذا، فتأمّل.

و ثانيهما: الجواز، و هو مذهب الأكثرين، حيث قيّدوا الحرمة بما إذا كان بالباطل، و هو الأقوى، بل الظاهر أنّ من أطلق الحرمة مراده ذلك، فلا مخالف صريحا في الجواز إذا كان بالحقّ.

و يدلّ عليه- بعد الأصل، و السيرة المستمرّة من زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى زماننا هذا- ما رواه في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن يونس بن يعقوب، عن الصادق (عليه السّلام) قال قال لي أبي (عليه السّلام): «يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا و كذا لنوادب تندبنني عشر سنين بمنى أيّام منى» (6) انتهى.

و ما رواه عنهم عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «مات الوليد بن مغيرة، فقالت أمّ سلمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إنّ‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 189.

(2). الجوامع الفقهية ص 703.

(3). الوسائل، ج 12، ص 90، حديث 5.

(4). الصفق بالصاد المهملة ثمّ الفاء و القاف: الضرب الذي يسمع منه الصوت. و المراد بتصفيق الوجه لطمه عند المصيبة. كتاب (جمل النواهي في شرح حديث المناهي)، للمؤلف (قدّس سرّه) ص 97.

(5). الوسائل، ج 12، ص 91، حديث 11.

(6). الوسائل، ج 12، ص 88، حديث 1.

151

آل المغيرة قد أقاموا مناحة، فأذهب إليهم؟ فأذن لها، فلبست ثيابها و تهيّأت و كانت من حسنها كأنّها جانّ، و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها، و عقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمّها بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت:

أنعى الوليد بن الوليد * * *أبا الوليد فتى العشيرة

حامي الحقيقة ماجد * * *يسمو إلى طلب الوتيرة

قد كان غيثا في السنين * * *و جعفرا غدقا و ميرة

فما عاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك، و لا قال شيئا (1) انتهى.

و ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، قال: كانت امرأة معنا في الحيّ، و لها جارية نائحة، فجائت إلى أبي فقالت: يا عمّ، أنت تعلم أنّ معيشتي من اللّه ثمّ من هذه الجارية، فأحببت أنّ تسأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ذلك، فإن كان حلالا، و إلّا بعتها، و أكلت من ثمنها حتّى يأتي اللّه بالفرج، فقال لها أبي: و اللّه إنّي لأعظم أبا عبد اللّه (عليه السّلام) أن أسأله عن هذه المسألة، قال فلمّا قدمنا إليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أ تشارط؟» قلت: و اللّه ما أدري، تشارط أم لا؟ فقال: «قل لها: لا تشارط و تقبل ما أعطيت» (2) انتهى.

ثمّ ليعلم أنّ النياحة على وجوه: فمنها ما يمدح، و منها ما يذمّ:

و من الأوّل: نياحة الشخص على نفسه بتذكّر ذنوبه، و تقصيراته في أمر دينه و آخرته، أو بحرمانه عن كمالات نفسانية توجب الزلفى إلى اللّه، أو بعروض حجب خلقية من الاشتغال بصحبة غير اللّه، و الابتلاء بمعاشرة من لا فائدة في معاشرته سوى البعد عن اللّه.

و كانت نياحة آدم من هذا القبيل، ففي بعض الروايات أنّه بكى و ناح ثلاثماءة سنة لم‌

____________

(1). الوسائل، ج 12، ص 89، حديث 2. راجع ايضا التهذيب، ج 6، ص 359 و الكافي، ج 5، ص 117.

(2). الكافي، ج 5، ص 117 أخرجه في الوسائل، ج 12، ص 89.

152

يرفع فيها رأسه إلى السماء حياء من ربّه (1).

و كذا نياحة داود (عليه السّلام) فقد كان يبكي و يبكي، و يحزن و يحزن، حتّى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته.

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه في تلاوة الزبور، حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (2).

و منه النياحة على المظلومين من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا سيّما الحسين (عليه السّلام) و أصحابه الذين بذلوا مهجهم دونه (عليه السّلام) فقد تواترت الأخبار بالحثّ على هذه النياحة.

و من الثاني: النياحة على فراق المحبوب المحرّم، و على ما فات من زخارف الدنيا.

قال الغزالي: و الحزن على الأموات من هذا القبيل، فإنّه تسخّط لقضاء اللّه و تأسّف على ما لا تدارك له، فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة (3) انتهى.

و فيه نظر، فإنّ مطلق الحزن لا يستلزم التسخّط لقضاء اللّه، فإنّه قد ينشأ من حرقة القلب قهرا فيتبعه النياحة، و من هنا ورد أخبار كثيرة بجواز النوح و البكاء على الموتى، فقد روى الصدوق (رحمه اللّه) في كتاب (كمال الدين) عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال:

ماتت ابنة لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا، فقطع النوح (4).

____________

(1). لم أجد الحديث بلفظه و كأنه منقول بالمعنى. فراجع البحار، ج 11.

(2). احياء علوم الدين، ج 2، ص 295.

(3). المصدر، ص 301.

(4). كمال الدين (ص 73).

153

فقيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أ يناح في دارك (1)؟ فقال (عليه السّلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال- لمّا مات حمزة- «لكنّ حمزة لا بواكي له» (2) انتهى.

و روى الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الحسين الواسطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إنّ إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته» (3) انتهى.

و في رواية: «أنّ فاطمة ناحت على أبيها و أنّه أمر بالنوحة على حمزة» انتهى.

و في رواية اخرى أنّ الصادق (عليه السّلام) سئل عن أجر النائح؟ فقال: «لا بأس به قد نيح على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (4) انتهى.

و في بعض الروايات: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح ليسيل دمعها و لا ينبغي لها (5) أن تقول هجرا، فإذا جائها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح» انتهى.

و الهجر بضمّ الهاء الإفحاش، و الخنا، قيل: المراد به تعداد أفعاله القبيحة و صفاته المذمومة، و الأولى إرادة وصفه بما ليس فيه.

و على التقديرين: يجب حمل «لا ينبغي» الظاهر في الكراهة على الحرمة، لحرمة ما ذكر قطعا.

و يمكن أن يراد بالهجر ما يشعر بعدم الرضا بالقضاء كما هو المتعارف بين الجهّال عند المصائب، فيكون مكروها، بل يمكن القول بحرمته إذا كان فيه تسخّط للقضاء، كما يظهر من بعض الأخبار.

____________

(1). كذا و في المصدر، في دارك.

(2). الوسائل، ج 2، ص 892، حديث 2، الباب 70.

(3). المصدر، ج 2، ص 892، حديث 3، الباب 70.

(4). المصدر، ص 893، حديث 2، الباب 71.

(5). المصدر، ص 893، حديث 1، الباب 71.

154

و بكراهة النوح في الليل المستفادة من هذه الرواية صرّح جماعة من فقهائنا الأبرار.

و في جواز نياحة المرأة مع إسماعها الأجانب إشكال:

من إطلاق بعض الأخبار، و اشتهار نياحة جملة من النسوة من أهل بيت أئمتنا الأخيار.

و من أنّ صوتها عورة، كما في بعض الأخبار، فتدبّر.

و لا فرق في ذلك بين النياحة على الحسين (عليه السّلام) و غيره، فليتأمّل.

تذنيبات:

الأوّل:

قال الشهيد (رحمه اللّه) في (الذكرى): يجوز الوقف على النوائح، لأنّه فعل مباح، فجاز صرف المال اليه، و لخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السّلام) فساق روايته التي قدّمناها.

ثم قال: و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله (عليه السّلام) و إظهارها ليقتدى بها، و يعلم ما كان عليه أهل البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقيّة بعد الموت انتهى (1).

الثاني:

صرّح أيضا بأنّ المراثي المنظومة جائزة عندنا، لأنّها نوع من النوح، قال: و قد دلّلنا على جوازه، و قد سمع الأئمّة (عليهم السّلام) المراثي و لم ينكروها.

الثالث:

روى جماعة من علماء العامّة، كالبخاري و مسلم، عن عبد اللّه بن عمر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه» انتهى (2).

و الحق الذي عليه أصحابنا أن الميّت لا يعذّب ببكاء الحيّ عليه، و إن كان بنوح محرّم، إذ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.

____________

(1). ذكري الشيعة، ص 72.

(2). صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 222 و ايضا صحيح مسلم بشرح النووي، ج 6، ص 228 و هذا الحديث مما استدركته عائشة على الصحابة.

155

و الرواية غير معوّل عليها عندنا، و على فرض صحّتها مصروفة الظاهر، لمخالفتها لقواعد العدل، فيمكن إرادة التألّم من العذاب، أي: يحزن و يتألّم باطلاعه على هذا الفعل.

و أوّلها الشهيد في (الذكرى) بأنّ الجاهلية كانوا ينوحون، و يعدّدون جرائمه كالقتل و شنّ الغارات، و هم يظنّونها خصالا محمودة، فهو يعذّب بما يبكون عليه، قال: و يشكل أنّ ظاهر الحديث المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميّت بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء، قضيّة للعليّة، و التعذيب بجرائمه غير منتف بكا عليه أولا؟

و قيل: كأنّهم كانوا يوصون بالندب و النياحة، و ذلك حمل منهم على المعصية و هو ذنب، فإذا عمل بوصيّتهم زيدوا عذابا.

و ردّ: بأنّ ذنب الميت الحمل على الحرام و الأمر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال و عدمه، و لو كان للامتثال أثر لبقي الإشكال.

إلى أن قال: و لك أن تقول: إنّ «الباء» بمعنى «مع» أي مع بكاء أهله عليه، يعني: أنّ الميّت يعذّب بأعماله، و هم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، و يكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه (1) انتهى.

و في بعض ما ذكره نظر، و لعلّ ما أشرنا إليه في تأويل الرواية أظهر، وفاقا لبعض المحقّقين من أهل النظر، فتدبّر.

و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر، و قد سميناه (بذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء). فللّه الحمد، و على رسوله أفضل التحيّات و الثناء.

____________

(1). ذكري الشيعة، ص 72.

156

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}