صوم عاشورا

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
176 /
55

و فيما يلي كلماتهم: [حوله]

1- قال الطهراني: «و هو كتاب دستور المذكّرين و منشور المتعبّدين للحافظ محمد بن أبي بكر المديني، كذا نقل عنه السيّد ابن طاوس في الإقبال في اعمال عاشوراء استنادا إلى حديث: (1) «من بلغ». (2)

و لكنّ ابن طاوس أسماه محمد بن أبي بكر المديني في البحث عن الاختلاف في ليلة القدر. (3)

2- و قال النمازي: «محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الحافظ، لم يذكروه». (4)

3- و قال خليفة: «دستور المذكّرين لأبي موسى المديني محمد بن الحافظ، ت 581 ه‍». (5)

4- و قال الذهبي: «الامام العلّامة الحافظ الكبير الثقة، شيخ المحدّثين أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى، المديني الأصبهاني الشافعي، صاحب التصانيف». (6)

و المتحصّل انّ المؤلّف ليس من علماء الاماميّة، و لكنّه شافعي، وثّقه الذهبي، فهو مقبول عندهم.

____________

(1) انّ الاستدلال بالأخبار الضعيفة و المجهولة على السنن و الآداب و هو المسمى بقاعدة التسامح في أدلة السنن، للمجلسي كلام مبسوط و مهمّ في هذا المجال فراجع. مرآة العقول 8: 112. رسائل فقهيّة للشيخ الأنصاري: 137. مصباح الاصول للسيّد الخوئي 2: 319.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 8: 166.

(3) الإقبال 1: 155.

(4) مستدركات علم الرجال 6: 373.

(5) كشف الظنون 1: 754.

(6) سير أعلام النبلاء 21: 152. انظر: الوافي بالوفيات 4: 246. تذكرة الحفّاظ 4: 128. و وفيات الأعيان. 4:

286. و معجم المؤلّفين 11: 76.

56

الروايات من طرق السنّة

وردت في كتبهم أحاديث كثيرة نسبوها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكريم يظهر عليها التهافت و التعارض البيّن، الأمر الّذي ألجأ الشرّاح و المحشّين إلى استخدام التأويلات و التمحّلات الّتي سيرد عليك بعضها. أمّا الروايات فهي على طوائف منها ما تفيد التخيير، و منها ما أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصيام عاشوراء، و لكن لم يعرف متى كان هذا الأمر؟ و منها أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالصيام في المدينة، و منها: صوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل الإسلام لصوم الجاهليّة في عاشوراء، ثمّ نسخه برمضان، فالأصل و السبب في الصوم هو موافقة الجاهليّة!

و منها: انّ بدء الصوم كان حينما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة و كانت اليهود تصوم فكأنّه أحبّ موافقتهم!!

و منها: انّ صوم هذا اليوم لأجل مخالفة اليهود، و ظاهره أنّهم ما كانوا يصومون في هذا اليوم فأمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المسلمين بالصيام مخالفة لهم.

و منها: عدم الأمر بهذا الصوم بعد نزول رمضان و عدم صوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في يوم عاشوراء اصلا، بل ترك بعده.

و منها استمراريّة هذا الصوم و التأكيد عليه إلى قبل عام وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و فيما يلي بعض تلك الروايات:

1- [رواية] البخاري:

«أبو عاصم، عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه رضى اللّه عنه قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يوم عاشوراء إن شاء صام». (1)

أقول: أبو عاصم هو النبيل، الضحّاك بن مخلّد، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، عن سالم، عن أبيه: ابن عمر. و في السند: عمر بن محمد‌

____________

(1) البخاري 1: 341. عمدة القاري 18: 103. فتح الباري 8: 28.

57

بن زيد: قيل: ليّنه يحيى بن معين، (1) و أبو عاصم- الضحّاك بن مخلد- تناكره العقيلي و ذكره في كتابه و ساق له حديثا خولف في سنده. (2)

2- [رواية البخاري أيضا]

و فيه: «أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرنى عروة بن الزبير أنّ عائشه قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بصيام يوم عاشوراء، فلمّا فرض رمضان كان من شاء صام و من شاء أفطر». (3)

أقول: أبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي: و شعيب: هو ابن أبي حمزة الحمصي.

فعن أحمد بن حنبل، قال بشر بن شعيب: جاء أبو اليمان بعد موت أبي فأخذ كتابه و الساعة يقول: أخبرنا شعيب، فكيف يستحلّ هذا؟! (4) فهذه و جادة اصطلاحا و ليست سماعا.

أمّا الدلالة: فمفاده نسخ وجوب الصوم، كما قاله العيني. (5)

3- [رواية البخاري أيضا]

و فيه: «حدّثنا عبد اللّه بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهليّة، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه و أمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، و من شاء تركه. (6)

مناقشة السند: و فيه هشام بن عروة: فعن ابن قطّان: أنّه اختلط و تغيّر، و عن الذهبي: أنّه نسي بعض محفوظه أو وهم، و عن ابن خرّاش: كان مالك لا يرضاه نقم‌

____________

(1) ميزان الاعتدال 3: 220.

(2) الضعفاء الكبير 2: 223. ميزان الاعتدال 2: 325.

(3) البخاري 1: 341. ابن ماجة 1: 552/ ح 1733. مصنّف عبد الرّزاق 4: 288/ ح 7842.

(4) ميزان الاعتدال 1: 582.

(5) عمدة القاري 11: 120.

(6) البخاري 1: 341 و ج 3: 103. مصنّف عبد الرّزاق 4: 289/ ح 7844 و فيه: قالت عائشة: من شاء صامه، و من شاء تركه. مسند الحميدي 1: 102/ ح 200 مع اختلاف يسير.

58

عليه حديثه لأهل العراق. (1)

أقوال و تعليقات:

[أ- قول للعيني]

1- قال العيني: قوله: «تصومه قريش في الجاهليّة»: (2) يعني قبل الإسلام، و قوله: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصومه» أي قبل الهجرة، و قال بعضهم: إنّ أهل الجاهليّة كانوا يصومونه، و إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يصومه في الجاهليّة أي قبل أن يهاجر إلى المدينة.

قال: هذا الكلام غير موجّه، لأنّ الجاهليّة إنّما هي قبل البعثة، فكيف يقول: و إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يصومه في الجاهليّة، ثمّ يفسّره بقوله: أي قبل الهجرة، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أقام نبيّا في مكّة ثلاث عشر سنة، فكيف يقال: صومه كان في الجاهليّة؟». (3)

____________

(1) ميزان الاعتدال 4: 301.

(2) قال زين الدين الحنفي: «روى من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال:

ليس يوم عاشوراء باليوم الّذي يقوله الناس: إنّما كان يوما يستر فيه الكعبة و تقلس (الضرب بالدّف و الغناء) فيه الحبشة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!! و كان يدور في السنة فكان الناس يأتون فلانا اليهودي فيسألونه، فلمّا مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه، المعجم الكبير 5: 138/ ح 4876. و هذا فيه إشارة إلى أنّ عاشوراء، ليس هو في المحرّم، بل يحسب بحساب السنة الشمسيّة كحساب أهل الكتاب، و هذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديما و حديثا. لطائف المعارف: 190.

قال الحافظ: و سنده حسن، قلت: ظفرت بمعناه في كتاب الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني فذكر ما حاصله: انّ جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم و أعيادهم حساب النجوم فالسنة عندهم شمسيّة لا هلاليّة، قلت: فمن ثمّ احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك. فتح الباري 4: 248.

و في هامش مجمع الزوائد: معناه أنّ زيد بن ثابت كان يذهب إلى أنّ عاشوراء يوم في السنة لا أنّه اليوم العاشر من المحرّم، و كان من كان على رأيه في ذلك يسألون رجلا من اليهود ممّن عنده علم من الكتاب الأوّل عن ذلك اليوم بعينه من طريق الحساب فكان يخبرهم، فلمّا مات كان علم حساب ذلك عند زيد بن ثابت فكانوا يسألونه عنه، و هي مسألة غريبة جدّا. مجمع الزوائد 3: 187.

(3) عمدة القاري 11: 121.

59

[ب- قول المؤلف]

2- أقول: أمّا صوم قريش في الجاهليّة فيحتمل فيه العسقلاني احتمالين:

الأوّل: لعلّهم تلقّوه من الشرع السالف.

الثاني: انّ قريشا أذنبت ذنبا في الجاهليّة، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفّر ذلك.

و لكن لا يعلم من القائل لهم! و لما ذا تابعهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على ذلك؟ فهل كان قد أذنب معهم- و العياذ باللّه؟!

ثمّ إنّ هذا النّص يناقض ما روي من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا دخل المدينة رأى اليهود تصوم في هذا اليوم، فقال: أنا أحقّ، فصامه و أمر بصيامه. و معنى ذلك: أنّه ما كان يصومه قبل ذلك، أضف إلى ذلك أنّ معناه: تأثّر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالأجواء و التيّارات- حاشاه-، فتارة يصوم بمكّة متأثّرا بالجاهليّة، و اخرى يصوم بالمدينة متأثّرا باليهود- نعوذ باللّه- أو حبّا لموافقته معهم!

[ج- قول الدكتور جواد علي]

3- و قال الدكتور جواد علي: «... و يظهر أنّه خبر صيام قريش يوم عاشوراء هو خبر متأخّر، و لا يوجد له سند يؤيّده، و لا يعقل صيام قريش فيه و هم قوم مشركون، و صوم عاشوراء هو من صيام يهود، و هو صيام كفّارة و استغفار عندهم.

فلم تستغفر قريش و يصومون هذا اليوم؟ و ما ذا فعلوا من ذنب ليطلبوا من آلهتهم العفو و الغفران؟

و إذا كان هناك صوم عند الجاهليّين فقد كان بالأحرى أن يصومه الأحناف، (1) و لم يرد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد صيامهم في عاشوراء و لا في غير عاشوراء.

ثمّ إنّ علماء التفسير و الحديث و الأخبار يذكرون أنّ الرسول صام عاشوراء مقدمه المدينة ... و أنّه بقي عليه حتى نزل الأمر بفرض رمضان، و يظهر أنّ الرواة أقحموا اسم قريش في صيام عاشوراء لإثبات أنّه كان من السنن العربيّة القديمة الّتي‌

____________

(1) الأحناف: أي المائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مسلّمين بالرسل كلّهم، مجمع البحرين 5: 41.

60

ترجع إلى ما قبل الإسلام، و أنّ قريشا كانت تصوم قبل الإسلام». (1)

أقول: إنّ المراد بالجاهليّة هو عهد ما قبل الإسلام، فلو كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصوم في الجاهليّة فلما ذا انقطع عنه بعد البعثة و عاد إليه بعد الهجرة؟ فلو كان لأجل مخالفة المشركين فلما ذا عاد إليه بعد الهجرة؟ فهل هو لأجل حبّه موافقة أهل الكتاب و اليهود؟!!

[د- قول العسقلاني]

4- و قال العسقلاني بعد هذه الأحاديث الثلاث:

أفادت تعيين الوقت الّذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، و قد كان أوّل قدومه المدينة، و لا شكّ أنّ قدومه كان في ربيع الأوّل، فحينئذ كان الأمر بذلك في أوّل السنة الثانية، و في السنة الثانية فرض شهر رمضان. فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء، إلّا في سنة واحدة ثمّ فوّض الأمر في صومه إلى رأي المتطوّع، فعلى تقدير صحّة قول من يدّعى أنّه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، و نقل عياض انّ بعض السلف كان يرى بقاء فرضيّة عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك.

و نقل ابن عبد البرّ: الاجماع على انّه الآن ليس بفرض و الاجماع على انّه مستحبّ.

و كان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثمّ انقرض القول بذلك. (2)

أقول: أوّلا: لو ثبت انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوّض الأمر في صومه إلى رأي المتطوّع فمن أين جاء القول بالاستحباب الشرعي؟

ثانيا: كيف يدّعي ابن عبد البرّ- بل العامّة- الاجماع على استحبابه مع انّ ابن عمر (3) كان يكره قصده بالصوم و كان ممّن يحرمه على عهد معاوية أو يكرهه. (4)

____________

(1) المفصّل في تاريخ العرب 6: 342.

(2) فتح الباري 4: 289. نيل الأوطار 4: 243.

(3) يرى العامّة فيه رأيا خاصّا، و انّه روى علما كثيرا، و أنّه شيخ الإسلام!! و أنّه من الصحابة المكثرين للفتوى، كما عن ابن حزم في كتاب الاحكام، و انظر: سير أعلام النبلاء 3: 204/ 4: 237. كتاب الأحكام 5:

92.

(4) عمدة القاري 11: 121.

61

[ه‍- قول القسطلاني]

5- و قال القسطلاني أيضا: «فعلى هذا- ترك يوم عاشوراء- لم يقع الأمر بصومه إلّا في سنة واحدة، و على تقدير القول بفرضيّته فقد نسخ و لم يرو عنه أنّه عليه الصلاة و السلام جدّد للنّاس أمرا بصيامه بعد فرض رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره عليه الصلاة و السلام بصيامه قبل فرض صيام رمضان للوجوب فإنّه يبتنى على أنّ الوجوب إذا نسخ هل ينسخ الاستحباب أم لا؟ فيه اختلاف مشهور.

و إن كان أمره للاستحباب فيكون باقيا على الاستحباب». (5)

أقول: إذا كان واجبا ثمّ نسخ فهل الباقي بعد نسخ الوجوب هو الاستحباب أو الحظر أو على ما كان عليه سابقا ... فيه الاختلاف العريق و معه فما الدليل على تبنّي القول بالاستحباب وحده، مع هذا الاختلاف في المباني الاصوليّة؟!

ثمّ إنّه لو كان مستحبّا ثمّ نسخ فما الدليل على بقاء الاستحباب حينئذ؟؟

[4- رواية البخاري أيضا]

5- البخاري: «عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنّه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجّ و هو على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء و لم يكتب عليكم صيامه و أنا صائم، فمن شاء فليصم، و من شاء فليفطر». (6)

أ- قال النووي:

«الظاهر أنّما قال هذا لمّا سمع من يوجبه أو يحرّمه أو يكرهه فأراد إعلامهم بأنّه ليس بواجب و لا محرّم و لا مكروه». (7)

____________

(5) إرشاد الساري 4: 648.

(6) البخاري 1: 341. كتاب الصوم- مسلم ج 1، القسم الثاني ص 472. سنن النسائي 4: 204. الموطأ 1:

299- قوله: و لم يكتب إلى آخر، كلام النبي-. التوشيح 2: 403.

(7) انظر عمدة القاري 11: 121.

62

أقول: و مفاده انّ أهل المدينة إلى عام 44 أو 57 بالهجرة و هي أيّام الحجّة الأولى أو الثانية لمعاوية (1) كانوا متّفقين على عدم الاستحباب لأنّهم كانوا يقولون بالوجوب أو الكراهة أو الحرمة، كما هو نصّ الخبر، فحينئذ قوله: «أنا صائم» إن كان من كلام معاوية فيكون استحباب الصوم و فضله يوم عاشوراء سنّة امويّة لا محمديّة.

و إن كان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكيف يرى أهل المدينة خلاف ذلك إلى عام 57 أو 44 عام حجّ معاوية مع انّهم كانوا أقرب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من معاوية الّذي أسلم عام الفتح و لم يصاحب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكريم إلّا أيّاما قلائل فكيف يكون هو أعرف بالسنّة من أهل المدينة؟! فتأمّل.

ب- و قال العسقلاني:

قوله: «أين علماؤكم؟» في سياق هذه القصّة إشعار بأنّ معاوية لم ير اهتماما بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم أو بلغه عمّن يكره صيامه او يوجبه». (2)

أقول: على الاحتمالين- الكراهة أو الوجوب- تكون الرواية ظاهرة في خلاف ما يدّعى من الاجماع على الاستحباب المؤكّد، و ذلك لوجود من يقول بالكراهة أو الوجوب، كما أشار إليه العسقلاني.

[5- رواية البخاري أيضا]

6- البخاري: «حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيّوب، حدّثنا عبد اللّه بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما، قال: قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى اللّه بني اسرائيل من عدوّهم فصامه موسى، قال: فأنا أحقّ بموسى منكم، فصامه و أمر بصيامه». (3)

____________

(1) عمدة القاري 11: 121.

(2) فتح الباري 4: 290.

(3) البخاري 1: 341. مسند الحميدي 1: 239/ ح 515. الدارمي 2: 36/ ب 46/ ح 1759. أبو داود 2:

326/ ح 2444. ابن ماجة 1: 552. مصنّف عبد الرّزاق 4: 288 و 290/ ح 7848.

63

يرد عليه: نقاش دلالي، و نقاش سندي:

[أ- نقاش دلالي]

أمّا الدلالي:

أوّلا: مفاد هذا الحديث انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كان يصوم قبل قدومه المدينة، بل أخذه من اليهود بعد قدومه، و صدّقهم في ذلك، و ما كان يعلم بهذا النوع من الصيام، و هذا ينافى ما روي أنّه كان يصوم في الجاهليّة ...

ثانيا: ظاهر الخبر بقرينة الفاء «قدم المدينة فرأى» انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فهذا النصّ صريح أو ظاهر في المفاجاة مع أنّ قدومه المدينة كان في شهر ربيع الأوّل.

ثالثا: انّ إخبار اليهود غير مقبول، فكيف يعمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بخبرهم؟ و قد اجيب عن الثاني بما فيه تكلّف و تمحّل ظاهر. و فيما يلي بعض ذلك:

أ- انّ المراد؛ انّ أوّل علمه بذلك و سؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة لا انّه قبل أن يقدمها علم بذلك، و غايته انّ في الكلام حذفا تقديره: قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياما.

ب- يحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسيّة فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الّذي قدم فيه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قد استبعد العسقلاني (1) هذا الاحتمال كما تأمّل فيه العيني. (2)

إذن «الفاء» صريحة أو ظاهرة في المفاجاة، و النصّ يأبى هذه التقديرات و التكلّفات.

و قد اجيب عن الاشكال الثالث بتأويلات لا ترجع إلى محصّل، و فيما يلي بعضها:

____________

(1) فتح الباري 4: 294. قال السيوطي: ... فإنّه قدم في ربيع الأوّل، و يحتمل أن يكون رآهم حال قدومه و كانوا يحسبون عاشوراء بالسنين الشمسيّة لا الهلاليّة كسائر صيامهم و أعيادهم فتأخّر عاشوراء عندهم إلى ربيع، التوشيح على الجامع الصحيح 2: 404.

(2) عمدة القاري 11: 122.

64

أ- انّ الوحي نزل حينئذ على وفق ما حكموا.

ب- إنّما صام باجتهاده.

ج- أخبر من أسلم منهم كعبد اللّه بن سلام.

د- تواتر الخبر عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و ارتكاب هذه التمحّلات دليل على عدم إمكان الأخذ بظاهر الحديث، مع انّ هذه الوجوه محض احتمال لا دليل عليها.

[ب- نقاش سندي]

أمّا النقاش السندي:

1- في السند أبو معمر، و هو عبد اللّه بن عمرو المنقري، و كان الأرزي لا يحدّث عنه للقدر يخافه عليه.

و عن أبي حاتم: صدوق، غير انّه لم يكن يحفظ.

و عن الذهبي: «لا يقع لنا حديثه فيما علمت عاليا ... و حديثه في الكتب مع بدعته ...». (1)

2- و في السند أيضا: عبد الوارث بن سعيد، قال الذهبي:

«قدري، (2) متعصّب لعمرو بن عبيد، (3) و كان حمّاد بن زيد ينهى المحدّثين عن الحمل عنه للقدر». (4)

و قال أيضا: «قدري مبتدع». (5)

____________

(1) سير أعلام النبلاء 10: 623.

(2) القدريّة هم المنسوبون إلى القدر، و يزعمون أنّ كلّ عبد خالق فعله، و لا يرون المعاصي و الكفر بتقدير اللّه و مشيئته فنسبوا إلى القدر، لأنّه بدعتهم و ضلالتهم و في شرح المواقف قيل: «القدريّة هم المعتزلة لإسناد أفعالهم إلى قدرتهم». انظر مجمع البحرين 3: 451. مقباس الهداية 2: 364.

(3) أبو عثمان عمرو بن عبيد البصري، كبير المعتزلة، مات بطريق مكّة سنة أربع و أربعين و مائة. تاريخ بغداد 12: 162. سير أعلام النبلاء 6: 105.

(4) ميزان الاعتدال 2: 677.

(5) سير أعلام النبلاء 8: 301.

65

و قال يزيد بن زريع: «من أتى مجلس عبد الوارث فلا يقربني». (1)

[6- رواية البخاري أيضا]

7- البخاري: حدّثنا علي بن عبد اللّه، حدّثنا أبو اسامة، عن أبي عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: كان يوم عاشوراء تعدّه اليهود عيدا قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فصوموه أنتم». (2)

نقاش دلالي

أقول: هذا خلاف ما روي سابقا من أنّ اليهود كانت تصوم يوم عاشوراء، و بالتالي لم يتّضح و لم يعرف أنّ اليهود هل كانت تصوم في هذا اليوم أم لا؟ و يفهم من العسقلاني: انّ اليهود ما كانت تصوم يوم عاشوراء حيث قال: «فظاهره أنّ الباعث على الأمر بصومه محبّة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام. و قد وردت رواية تصرّح بأنّ اليهود كانت تعظّم هذا اليوم و تصومه كما في حديث أبي موسى: و إذا اناس من اليهود يعظّمون عاشوراء و يصومونه.

و في حديث مسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتّخذونه عيدا و يلبسون نساءهم فيه حليتهم و شارتهم- أى هيئتهم الحسنة-». (3)

إذن: يرد عليه انّ مفاد هذا الحديث أنّ اليهود تعدّه عيدا، و هذا مناقض للحديث السابق: فرأى اليهود تصوم، و قد فهم القسطلاني أيضا ما أوردناه، فقال:

قوله: «فصوموه أنتم» مخالفة لهم، فالباعث على الصيام في هذا غير الباعث في حديث ابن عبّاس السابق، إذ هو باعث على موافقته يهود المدينة على السبب و هو شكر اللّه تعالى على نجاة موسى (عليه السلام)». (4)

و قد أجيب كسابقه بما لا يرجع إلى محصّل، و فيما يلى بعضه:

____________

(1) ميزان الاعتدال 2: 677.

(2) البخاري 1: 341. انظر الكامل في الضعفاء 4: 172.

(3) فتح الباري 4: 292.

(4) إرشاد الساري 4: 65.

66

أ- لا يلزم من كونه عندهم عيدا الافطار، لاحتمال أنّ صوم يوم العيد جائز عندهم.

ب- انّ هؤلاء اليهود غير يهود المدينة، فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وافق يهود المدينة و خالف غيرهم من اليهود، و هي محاولات يائسة و لا تدفع التهافت، إذ مفاد الاولى صيام اليهود يوم عاشوراء، و مفاد الثانية إفطارهم ...

أمّا النقاش السندي:

1- و في السند: قيس بن مسلم الجدلي العدواني، و كان مرجئا. (1)

2- و في السند أيضا: أبو موسى الأشعرى: و قد رماه حذيفة بن اليمان بالنفاق (2) و كان منحرفا عن على بن أبي طالب (عليه السلام). (3)

[7- رواية البخاري]

8- البخاري: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد، عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه قال: ما رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلّا هذا اليوم- يوم عاشوراء-، و هذا الشهر- يعنى شهر رمضان-». (4)

أمّا النقاش الدلالي:

أوّلا: انّ مفاد هذا النصّ هو انّ يوم عاشوراء أفضل الأيّام للصائم بعد رمضان مع انّ مفاد نصوص اخرى هو: انّ صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، و انّه يكفّر سنتين، فلا بدّ و أن يقال: إنّ ابن عبّاس أسند ذلك إلى علمه و فهمه. (5)

ثانيا: مفاده استمراريّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مداومته على هذا الصيام، و انّه كان يتحرّى‌

____________

(1) تهذيب الكمال 15: 337.

(2) سير أعلام النبلاء 2: 394.

(3) الاستيعاب 4: 326.

(4) البخاري 1: 342. مسلم ج 1، القسم الثاني ص 472. النسائي 4: 204. مسند أحمد 1: 222. مصنّف عبد الرّزاق 4: 287/ ح 873. السنن الكبرى 4: 284.

(5) انظر فتح الباري 4: 292. قال السيوطي: هذا أسنده ابن عبّاس إلى علمه فلا يردّ علم غيره، و قد ثبت في صيام يوم عرفة انّه يكفّر سنتين، و ذلك يدلّ على أنّه أفضل من يوم عاشوراء ذكر في حكمته انّ يوم عاشوراء منسوب إلى موسى (عليه السلام) و يوم عرفة منسوب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلذلك كان أفضل ... التوشيح على الجامع الصحيح 2: 404.

67

- أى يقصد- هذا اليوم و يترصّده للصيام فيه مع انّ هذا مناف لما نقلوا عن عائشة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا قدم المدينة صامه و أمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك يوم عاشوراء. (1)

و أمّا النقاش السندي:

و في السند: سفيان بن عيينة، فهو و إن كان عندهم ثقة لكنّه مدلّس. (2) و عن يحيى بن سعيد القطّان: أشهد أنّ سفيان اختلط سنة سبع و تسعين و مائة فمن سمع منه فيها فسماعه لا شي‌ء». (3)

فيحتمل صدور هذا الحديث بعد عام الاختلاط فلا ضمان لسلامة السند.

و أمّا ابن أبي يزيد فهو و إن كان ثقة عندهم و مات 126 ه‍ (4) و لكن لا يرفع الاشكال.

[8- رواية البخاري أيضا]

9- البخاري: حدّثني محمود، أخبرنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه (ابن مسعود) قال: دخل عليه الأشعث و هو (5) يطعم، فقال: اليوم عاشوراء، فقال: كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان ترك. فادن فكل. (6)

و مفاد هذا النصّ هو عدم المطلوبيّة و لو بعنوان الاستحباب، إذ لم يقصد الأشعث الوجوب إذ من الأكيد نسخه على عهد الرسول الأعظم.

____________

(1) البخاري 1: 341 و 3: 102. عمدة القاري 18: 103.

(2) إنّ التدليس عندهم على أقسام: منه ما يقدح، و منه ما لا يقدح، انظر كلام ابن عماد ذيل قول الذهبي في الأعمش: ثقة، جليل، و لكنّه يدلّس، شذرات الذهب 1: 222. مقباس الهداية 5: 413.

(3) ميزان الاعتدال 2: 170.

(4) انظر عمدة القاري 2: 273.

(5) أي عبد اللّه بن مسعود يأكل. عمدة القاري 18: 103.

(6) البخاري 3: 103.

68

من هو ابن مسعود؟

قال الذهبي: «هو الامام الحبر، فقيه الامّة، كان من السابقين الأوّلين، و من النجباء العالمين، شهد بدرا و هاجر الهجرتين ... و مناقبه غزيره، روى علما كثيرا. اتّفقا له في الصحيحين على أربعة و ستّين، و انفرد له البخاري بإخراج أحد و عشرين حديثا، و مسلم بإخراج خمسة و ثلاثين حديثا، و له عند بقيّ بالمكرّر ثمانمائة و أربعون حديثا، و كان معدودا في أذكياء العلماء ... و انّه أوّل من جهر بالقرآن بمكّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و انّه كما عن الأنصاري ما أعلم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ترك أحدا أعلم بكتاب اللّه من هذا القائم، و نسب إلى علي (عليه السلام) أنّه قال فيه: فقيه في الدين، عالم بالسنّة، و نسب إليه أيضا أنّه قال: إنّه علم الكتاب و السنّة، ثمّ انتهى.

و عن أبي موسى: لا تسألوني عن شي‌ء ما دام هذا الحبر بين أظهركم، و عنه أيضا: مجلس كنت أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل السنة.

و عن أبي وائل: ما أعدل بابن مسعود أحدا.

و عن الشعبي: ما دخل الكوفة أحد من الصحابة أنفع علما و لا أفقه صاحبا من عبد اللّه ...». (1)

أقول: كيف يترك العامّة قول من هو عندهم فقيه الامّة، و روى علما كثيرا، و انّه عالم بالسنّة، و فقيه في الدين، و يقال بأنّ الامّة أجمعت على الاستحباب و ترك قول ابن مسعود و ابن عمر؟!! و كيف يتلاءم هذا مع مبناهم و اصولهم!!

و أمّا عندنا؛ مختلف فيه، فعن المرتضى: لا خلاف بين الامّة في طهارة ابن مسعود و فضله و إيمانه و مدح النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له و ثنائه عليه، و انّه مات على الحالة المحمودة. (2)

____________

(1) سير أعلام النبلاء 1: 461- 500.

(2) الشافي 4: 283.

69

و عن السيّد الخوئي: لم يثبت انّه والى عليّا (عليه السلام) و قال بالحقّ، و لكنّه مع ذلك لا يبعد الحكم بوثاقته لوقوعه في إسناد كامل الزيارات. (1)

و عن التستري: أنّه والى القوم و مال معهم و لم يتّبع عليّا». (2)

[9- رواية البخاري أيضا]

10- البخاري: حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

و حدّثني محمد بن مقاتل، قال: أخبرنى عبد اللّه هو ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان و كان يوما تستر فيه الكعبة، فلمّا فرض اللّه رمضان قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من شاء أن يصومه فليصمه، و من شاء أن يتركه فليتركه». (3)

[مناقشة المؤلف]

أقول: إن كان المراد من «كانوا يصومون عاشوراء» صوم الجاهليّة و قريش فيرد عليه إشكال النسي‌ء (4) في شهر المحرّم عند الجاهليّة، و لازمه عدم تحقّق صومهم في يوم عاشوراء بالمعنى المعروف، و إن كان المراد صوم اليهود فقد أثبتنا انّهم ما كانوا يصومون في المحرّم و عاشوراء بالمعنى المصطلح. نعم، لعلّه كان يتّفق شهرهم مع شهر محرّم و عاشوراء.

و حينئذ فما هو مرجع الضمير في قوله: فليصمه؟ هل هو بمعناه المعروف- العاشر من المحرّم- أو غيره؟؟

[10- رواية البخاري أيضا]

11- البخاري: «حدّثنا المكّي بن إبراهيم، حدّثنا يزيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رجلا من أسلم أن: أذّن في النّاس انّ من كان أكل فليصم بقيّة‌

____________

(1) معجم رجال الحديث 10: 323. لكن السيّد الخوئي عدل عن هذا المبنى قبل وفاته.

(2) قاموس الرجال 6: 608. انظر كتاب دراسات فقهيّة في مسائل خلافيّة: 19.

(3) البخاري 1: 278. و انظر: فتح الباري 3: 531.

(4) سيأتي البحث عن النسي‌ء.

70

يومه، و من لم يكن أكل فليصم اليوم يوم عاشوراء». (1)

و في سنن أبي داود: «فأتمّوا بقيّة يومكم و اقضوه».

قال أبو داود: يعني يوم عاشوراء. (2)

أقول: هل هذا الأمر صدر منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عام الهجرة إلى المدينة أم في السنوات الاخرى الّتي بعدها؟

فعلى الأوّل: فقد مرّ انّه نسخ بعد ذلك العام.

و على الثاني: فهو مخالف لتصريح الشّراح، كالعسقلاني و غيره، من انّه لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلّا في سنة واحدة. هذا و قد استدلّ بعضهم بهذا الحديث على إجزاء الصوم بغير نيّة لمن طرأ عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم، و لكنّه مورد للنقاش عندهم و مردود. (3)

[11- رواية مسلم]

12- مسلم: حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي و قتيبة بن سعيد، جميعا، عن حمّاد، قال يحيى: أخبرنا حمّاد بن زيد، عن غيلان، عن عبد اللّه بن معبد الزماني، عن أبي قتادة رجل أتى النبي ...

ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ثلاث من كلّ شهر و رمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كلّه ... و صيام يوم عاشوراء احتسب على اللّه أن يكفّر السنة الّتي قبله». (4)

____________

(1) البخاري 1: 342. الدارمي 2: 36/ ب 46/ ح 1761.

(2) سنن أبي داود 2: 327/ ح 2447. و انظر ابن ماجة 1: 552/ ح 1735. تهذيب الكمال 16: 377.

مصنّف عبد الرّزاق 4: 286/ ح 7834 عن معبد القرشي. مجمع الزوائد 3: 185. لا يرد على السند انّه مرسل، إذ كيف يروي يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة المتوفّى عام 147 ه‍ عن سلمة بن الأكوع الصحابي؟

و ذلك لأنّ الحديث اعتبروه من ثلاثيّات البخاري و لا نقاش فيه عندهم، لأنّ مكّي بن إبراهيم الّذي مات سنة خمس عشرة و مائتين قد قارب المائة. انظر سير أعلام النبلاء 9: 552. و يزيد بن أبي عبيد مات قبل خروج محمد بن عبد اللّه بسنة او سنتين. انظر تهذيب الكمال 20: 354. و سلمة بن الأكوع الّذي مات عام 4/ 1 ه‍ كان من أبناء التسعين. انظر سير أعلام النبلاء 3: 326.

(3) انظر: فتح الباري 4: 168 و 292.

(4) مسلم 2: 489. ابن ماجة 1: 553. و انظر: أحمد 5: 307 و 308 و 311 و 296 و 304 و 295.-

71

قال الترمذي: «لا نعلم في شي‌ء من الروايات أنّه قال: صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة إلّا في حديث أبي قتادة». (1)

و قال ابن حجر: قال البخاري: لا يعرف له- أي ابن معبد- سماع من أبي قتادة». (2)

و أورده ابن عديّ في الضعفاء. (3)

[12- رواية أبي داود]

13- أبو داود: قال حدّثنا شعبة، قال: أخبرنى أبو إسحاق، قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: ما رأيت أحدا كان آمر بصيام عاشوراء من علي بن أبي طالب و أبي موسى. (4)

أقول: إنّ هذا النصّ ينافي ثبوت النسخ، و إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يأمر و لم ينه بعد ذلك أحدا.

إضافة إلى أنّ أبا إسحاق السبيعي رمي تارة بالتدليس و اخرى بإفساده حديث أهل الكوفة. (5)

[13- رواية أبي داود أيضا]

14- أبو داود: حدّثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يأمرنا بصيام عاشوراء و يحثّنا و يتعاهدنا عنده، فلمّا فرض رمضان لم يأمرنا به، و لم ينهنا عنه، و لم يتعاهدنا عنده. (6)

أقول: و هذا الحديث لا يفهم منه لا الرجحان و لا الاستحباب، بل دلالته على‌

____________

- مصنّف عبد الرّزاق 4: 286/ ح 7832. السنن الكبرى 4: 286. الحميدي 1: 205/ ح 429.

(1) الجامع الصحيح 3: 126/ ب 48/ ح 752.

(2) تهذيب التهذيب 6: 36.

(3) الكامل في الضعفاء 4: 224.

(4) الطيالسي: 167/ ح 1212. مصنّف عبد الرّزاق 4: 287/ ح 7836.

(5) انظر: سير أعلام النبلاء 5: 398- 399. و ضعّفه الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه معجم القواعد العربيّة بقوله: فيه عثمان بن مطر، و هو منكر الحديث.

(6) الطيالسي: 106/ ح 784. كنز العمّال 8: 656/ ح 24592.

72

عدم الاستحباب أكثر و أتمّ.

[14- رواية أبي داود أيضا]

15- أبو داود: قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: كنّا نصوم يوم عاشوراء، و نعطى زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا صوم رمضان و الزكاة، فلمّا نزلا لم نؤمر بهما و لم ننه عنهما و كنا نفعله. (1)

و هذا الحديث أيضا لا يفهم منه لا الرجحان و لا الاستحباب، بل ترك لهم كأيّ فعل مباح.

[15- رواية الموطإ]

16- عن مالك أنّه بلغه أنّ عمر بن الخطّاب أرسل إلى الحارث بن هشام أن غدا يوم عاشوراء فصم و أمر أهلك أن يصوموا. (2)

أقول: و فضلا عن إرسال هذا النصّ فإنّ عمر بن الخطّاب ليس بمشرّع، بل المفروض أن يكون متّبعا، ثمّ ليس في قوله أنّه يرويه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

[16- رواية أبي داود]

17- أبو داود: حدّثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيّوب أنّ إسماعيل بن أميّة القرشي حدّثه أنّه سمع أبا غطفان يقول: سمعت عبد اللّه بن عبّاس يقول: حين صام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم عاشوراء أمرنا بصيامه، قالوا: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّه يوم تعظّمه اليهود و النصارى! فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (3)

النقاش الدلالي:

أقول: مفاده انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يأمر بصيام عاشوراء إلى آخر أيّامه و أراد صيام‌

____________

(1) الطيالسي: 168/ ح 1211. كنز العمّال 8: 656/ ح 24594.

(2) الموطأ 1: 299/ ح 35. مصنّف عبد الرّزاق 4: 287/ ح 7838.

(3) أبو داود 2: 327/ ح 2445. مسلم ج 1 القسم الثاني ص 473. الطيالسي: 342/ ح 2625 المعجم الكبير 10: 322/ ح 10785.

73

التاسع فلم يمهله الأجل، و هذا ينافي ما ورد في السنن: انّه لم يأمر و لم ينه عن صوم عاشوراء بعد نزول صوم رمضان. (1)

و ينافي ما ورد في البخاري عن عائشة: انّه ترك صوم عاشوراء بعد ما فرض رمضان، و ما ورد من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما صام يوم عاشوراء.

أضف إلى ذلك انّه لم يعهد من النصارى تعظيمهم لهذا اليوم.

أمّا النقاش السندي:

و في السند: يحيى بن أيّوب و هو أبو العبّاس الغافقي المصري، فعن ابن حنبل:

هو سيّئ الحفظ، و عن أبي حاتم: لا يحتجّ به، و عن النسائي: ليس بالقويّ، و عن الذهبي: له غرائب و مناكير يتجنّبها أرباب الصحاح». (2)

[17- الرواية الاولى لابن ماجة]

18- ابن ماجة: حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عبّاس، عن عبد اللّه بن عمير مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس. قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لئن بقيت إلى القابل لأصومنّ اليوم التاسع». (3)

أقول: يحتمل اتّحاده مع الحديث السابق و انّه روي بطريق آخر، و لكنّ لا دلالة فيه على رجحان أو استحباب صوم عاشوراء إلّا على رواية أحمد بن يونس: مخافة أن يفوته عاشوراء، و لكنّه استظهار و فهم الراوي و ليس هو من كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

النقاش السندي:

و في السند: وكيع بن الجرّاح، و قد قال فيه أحمد: أخطأ في خمسمائة حديث. (4)

____________

(1) يمكن لقائل أن يقول لعلّ أمره بصوم عاشوراء قبل صوم رمضان، فنجيبه: إنّ الأمر بصوم رمضان في سورة البقرة و هى من أوائل السور في المدينة، و ابن عبّاس كان صبيّا آنذاك.

(2) سير أعلام النبلاء 8: 6.

(3) ابن ماجة 1: 552/ ح 1736.

(4) سير أعلام النبلاء 9: 155.

74

[18- رواية ابن ماجة]

19- ابن ماجة: حدّثنا محمد بن رمح أنبأنا الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر أنّه ذكر عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم عاشوراء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يوما يصومه أهل الجاهليّة، فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، و من كرهه فليدعه. (1)

[19- رواية الدارمي]

20- الدارمي: أخبرنا يعلى، عن محمد بن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هذا يوم عاشوراء، و كانت قريش تصومه في الجاهليّة، فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، و من أحبّ منكم أن يتركه فليتركه، و كان ابن عمر لا يصومه إلّا أن يوافق صيامه. (2)

[20- رواية الترمذي]

21- الترمذي: حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عبّاس قال: أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصوم عاشوراء يوم العاشر. (3)

أقول: و هو لا ينافى ما ورد عنه أنّه لم يأمر بهذا الصوم بعد رمضان، إذ لعلّ المراد هنا بالأمر هو الأمر قبل نسخه.

أقول: و لا دلالة فيها على الندب و المطلوبيّة، بل فيها تعريض و كناية بمن كان يصومها، حيث قال: يصومه أهل الجاهليّة.

[21- رواية النسائي]

22- النسائي: أخبرني زكريّا بن يحيى، قال: حدّثنا شيبان، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الحرّ بن صياح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته قالت: حدّثتني بعض نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يصوم يوم عاشوراء و تسعا من ذي الحجّة. (4)

أقول: الحديث مرسل، إذ لم يعرف من هي امرأته و لم يرد لها توثيق، أضف إلى ذلك انّ مفادها الاستمرار، و هو ينافي ما ورد من أنّه لم يصم عاشوراء.

[22- الرواية الاولى لعبد الرزّاق]

23- عبد الرّزاق: عن إسماعيل بن عبد اللّه، قال: أخبرنى يونس بن عبيد، عن‌

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 553/ ح 1737.

(2) سنن الدارمي 2: 36/ ح 1762.

(3) سنن الترمذي 3: 129. انظر شرح الزرقاني 2: 178.

(4) سنن النسائي 4: 204.

75

الحكم الأعرج، عن ابن عبّاس قال: إذا أصبحت بعد تسع و عشرين ثمّ، أصبح صائما فهو يوم عاشوراء. (1)

أقول أوّلا: لم يسند إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ثانيا: لا دلالة فيه على المطلوب، و ذلك لأنّ يوم العاشر غير يوم الثلاثين الّذي عبّر عنه بقوله: «بعد تسع و عشرين، ثمّ أصبح ....

[23- الرواية الثانية لعبد الرزّاق]

24- عبد الرّزاق: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنى عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود و صوموا التاسع و العاشر. (2)

أقول: و مفاده انّ اليهود ما كانت تصوم يوم عاشوراء، بل كانت تتّخذه عيدا، و هذا مناف لما ورد من أنّه كانت اليهود تصوم عاشوراء، و أنّ النبي قال: نحن أحقّ بموسى ...

[24- الرواية الثالثة لعبد الرزّاق]

25- عبد الرّزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يزعم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بصيام يوم عاشوراء ... قالوا: كيف بمن أكل؟ قال: من أكل و من لم يأكل. (3)

أقول: أوّلا: الحديث مرسل، ثانيا: مرّ البحث و النقاش في نظيره فلا نعيد.

[25- رواية ابن عبد البر]

26- ابن عبد البرّ: قال ابن أبي خيثمة، حدّثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدّثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن قليب، عن جابر، قال: قالت عائشة: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟ قالوا: عليّ. قالت: أمّا إنّه أعلم النّاس بالسنّة، و كانت كثيرا ما ترجع إليه في المسائل. (4)

أقول: في السند مجاهيل، إضافة إلى إجمال الحديث، إذ لم يعرف من الحديث أنّه (عليه السلام) هل أفتى بالوجوب أو الحرمة أو الاستحباب؟ مع انّه من البعيد جدّا الفتوى بالاستحباب مع ورود النصوص الّتي نقلوها في انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يأمر و لم ينه عنه بعد‌

____________

(1) المصنّف 4: 288/ ح 7840.

(2) المصنّف 4: 287/ ح 7839. السنن الكبرى 4: 287.

(3) المصنّف 4: 291/ 7851.

(4) الاستيعاب 2: 462. انظر شرائع الإسلام (الهامش) 1: 240. تحقيق محمد علي البقّال.

76

صوم رمضان، و لا كلام في انّ عليّا أعلم الصحابة بسنّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل و بالكتاب. (1)

[26- الرواية الأولى للهيثمي]

27- الهيثمي: عن عمّار قال: امرنا بصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان لم نؤمر. (2)

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير و رجاله رجال الصحيح.

[27- الرواية الثانية للهيثمي]

28- الهيثمي: عن الخدري أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بصوم عاشوراء و كان لا يصومه. (3)

أقول: أ فيأمر و لا يأتمر؟؟

ثمّ إنّ روايتي الهيثمي تدلّان تدل على عكس المطلوب، و انّ النبي لم يأمر بصيام عاشوراء، بل ما كان يصومه بعد نزول صوم رمضان.

علما بأنّ الهيثمي أورد في كتابه قرابة من ثلاثين حديثا في صوم عاشوراء و ضعّف اكثرها. (4)

[28- رواية البيهقي]

29- البيهقي: باب ما جاء في تفله في أفواه المرتضعين يوم عاشوراء، فتكفوا به إلى الليل:

روي بسندين عن عليّة بنت الكميت العتكيّة، عن أمّها اميمة قالت: قلت لأمة اللّه بنت رزينة مولاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أمة اللّه أسمعت أمّك رزينة تذكر أنّها سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يذكر صوم يوم عاشوراء؟ قالت: نعم كان يعظّمه و يدعو برضعائه و رضعاء ابنته فاطمة و يتفل في أفواههم و يقول للأمّهات: لا ترضعن إلى الليل. (5)

____________

(1) انظر: كتاب شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1: 57.

(2) مجمع الزوائد 3: 188 و 186. كنز العمّال 8: 656/ ح 24593.

(3) المصدر السابق.

(4) انظر مجمع الزوائد 3: 188.

(5) دلائل النبوّة 6: 226.

77

و قال ابن حجر: أخرجه ابن أبي عاصم و ابن مندة من طريق عليلة- بمهملة مصغّرة- بنت الكميت، حدّثتني أمّي أمينة، عن أمة اللّه بنت رزينة. (1)

و أخرجه أبو مسلم الكنجي و أبو نعيم من طريقه، عن مسلم بن إبراهيم، عن عليلة مطوّلا و لفظه: حدّثتنا عليلة بنت الكميت سمعت أمّي أمينة. 2

لم يعرف لنا حال عليّة أو عليلة كما لم يعرف حال أميمة أو امنيه كما أشار الهيثمي قائلا: و عليلة و من فوقها لم أجد من ترجمهنّ. (3)

ثمّ متى كان لفاطمة أطفال رضعاء؟ أبعد نزول آية شهر رمضان أم قبل ذلك؟ و قد ولد الامام الحسن (عليه السلام) و هو أوّل مولود لفاطمة الزهراء (عليها السلام) في النصف من شهر رمضان في السنة الثالثة من الهجرة، (4) مع أنّ فرض رمضان كان في العام الثاني من الهجرة. (5) و ما علاقة الأطفال الرضّع غير المكلّفين بالصوم عن الرضاع و اللبن؟

[29- رواية السيوطي]

30- السيوطي: أخرج ابن المنذر، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة، و من تصدّق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة- يعنى يوم عاشوراء-. (6)

ما المراد بيوم الزينة؟

ذكر المفسّرون ليوم الزينة و جوها أربعة:

1- يوم عيد لهم يتزيّنون فيه.

2- يوم النيروز، كما عن مقاتل.

____________

(1) (1 و 2) الإصابة 4: 302.

(3) مجمع الزوائد 3: 186.

(4) تاريخ الطبري 2: 76. العبر 1: 6.

(5) العبر 1: 5.

(6) الدّر المنثور 4: 303.

78

3- يوم سوق لهم، كما عن ابن جبير.

4- يوم عاشوراء، كما نسب إلى ابن عبّاس. (1)

هذا و لم يرد في تفاسيرنا و لا في رواياتنا تفسيره بيوم عاشوراء، بل بمعنى: أنّه يوم لهم يجري بينهم مجرى العيد يتزيّنون فيه و يزيّنون الأسواق، كما عن قتادة و ابن جريج و السّدّي و ابن زيد و ابن إسحاق. (2)

و لعلّ التفسير بيوم عاشوراء من البدع الأمويّة و إعلامهم المضلّل للتغطية على الجريمة الكبرى الّتي صدرت منهم في كربلاء بحقّ سيّد شباب أهل الجنّة و أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لأجل التصغير من حجمها و التقليل من شأنها، و صرف الرأي العامّ الّذي كان ضدّ الشجرة الخبيثة الأمويّة بسبب هذه الجريمة النكراء بحيث كانوا يحسّون بالذلّ و الهوان في كلّ يوم سيّما يوم عاشوراء حتى صار مثلا على الألسن، و يشبّه الفرد الذليل بالأمويّ يوم عاشوراء، كما أورده الميداني في كتابه من دون أيّ تعليق:

«أذلّ من أمويّ بالكوفة يوم عاشوراء». (3)

سيّما انّ ما نسب إلى ابن عبّاس من تفسير يوم الزينة بيوم عاشوراء (4) محلّ تأمّل، و فيه كلام في سنده. أضف إلى ذلك حتى و لو كان بمعنى يوم عاشوراء لكنّه لا ينطبق مع السنين القمريّة لأنّ حسابهم كان وفقا للسنة الشمسيّة لا القمريّة، كما انّه لا بدّ من مخالفتهم في ذلك اليوم لا الموافقة معهم، و جعله يوم فرح و سرور و تزيّن و اكتحال!!

[30- الرواية الأولى للشوكاني]

30- الشوكاني: انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ الصرد أوّل طير صام عاشوراء.

____________

(1) التفسير الكبير 73: 22. البيضاوي 2: 53.

(2) مجمع البيان 7: 16. تفسير الصافي 3: 310. تفسير كنز الدقائق 6: 288. تفسير الميزان 14: 186. تفسير التبيان 7: 181.

(3) مجمع الأمثال 2: 21. الرقم 1513.

(4) الدّر المنثور 4: 303.

79

رواه الخطيب عن أبي غليظ مرفوعا، و لا يعرف في الصحابة من له هذا الاسم. (1)

و في اسناده: عبد اللّه بن معاوية منكر الحديث.

و رواه الحكيم الترمذي عن أبي غليظ، عن أبي هريرة: قال: الصرد أوّل طير صام. (2)

عن التوضيح: هذا من قلّة الفهم فإنّ الطائر لا يوصف بالصوم. (3)

عن الحاكم: انّه من الأحاديث الّتي وضعها قتلة الحسين رضى اللّه عنه. و هو حديث باطل رواته مجهولون. (4)

ثمّ لا دلالة له على المطلوب من استحباب الصوم يوم عاشوراء.

[31- الرواية الثانية للشوكاني]

31- الشوكاني: من صام عاشوراء اعطى ثواب عشرة آلاف ملك.

قال: ذكره في اللئالي مطوّلا عن ابن عبّاس مرفوعا، و هو موضوع. (5)

____________

(1) الفوائد المجموعة: 100.

(2) الفوائد المجموعة: 100. و روى ثوير بن أبي فاختة، عن أبي الزبير، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه أمر بصيامه.

انظر: الكامل في الضعفاء 2: 106.

(3) عمدة القاري 11: 118.

(4) الفوائد المجموعة: 98. انظر: الكامل في الضعفاء 2: 106.

(5) الفوائد المجموعة: 100. انظر: الكامل في الضعفاء 2: 106.

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

الباب الثالث آراء الفقهاء

1- آراء الفقهاء‌

أ- كلمات القائلين بالحرمة‌

ب- كلمات القائلين بالاستحباب‌

ج- كلمات القائلين بالاستحباب حزنا‌

د- كلمات القائلين بالإمساك إلى العصر‌

ه‍- كلمات القائلين بالكراهة‌

2- آراء الفقهاء السنّة‌

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

آراء الفقهاء [الشيعة]

إلى هنا ننتهي من عرض الروايات المانعة و المجوّزة و المناقشات السنديّة و الدلاليّة و الجواب عنها، و فيما يلي نذكر آراء الفقهاء فنقول: اختلف الفقهاء في حكم صوم عاشوراء على أقوال: فبعضهم قال بالحرمة، كما عن صاحب الحدائق المحدّث البحراني، و صاحب مرآة العقول المجلسي، و الشيخ الاستاذ الخراسانى، و يميل إليه الخوانساري في جامع المدارك، و النراقي في المستند.

و عن جمع آخر القول بالكراهة، و هو رأي أكثر المعاصرين من فقهائنا، كالسيّد اليزدي، و البروجردي، و الحكيم، و غالب المعلّقين على العروة الوثقى، و السبزواري.

مع اتّفاق القولين ظاهرا على استحباب الامساك إلى العصر، و انّ هذا ليس هو الصوم الاصطلاحي، بل هو مجرّد إمساك، و هو الظاهر من العلّامة الحلّي في بعض كتبه، و الشهيد الأوّل في الدروس و غاية المراد، و الشهيد الثاني في المسالك فإنّه فسّر الصوم يوم عاشوراء بهذا المعنى ليس إلّا، و السبزواري في الذخيرة، و كاشف الغطاء في كشف الغطاء، و البهائي في الجامع، و الفيض في الوافي و المفاتيح و النخبة، و الطباطبائي في الرياض و الشرح الصغير، و الأردبيلي في مجمع الفائدة، و النراقي في المستند، و السيّد الخوانساري في المدارك، و الشيخ الوالد في الذخيرة.

و قال جماعة آخرون بالاستحباب، و هم بين من أطلق القول بالاستحباب، كالصدوق في الهداية، و المحقّق في نكت النهاية، و آقا جمال الخوانساري في المشارق،

84

و السيّد الخوئي في المستند- مع إصرار منه (رحمه اللّه عليه) -.

و قيّده آخرون بعنوان الحزن، كما هو المشهور، و هو قول الشيخ الطوسي في التهذيب و الاستبصار و الاقتصاد و الرسائل العشر، و المفيد في المقنعة، و ابن البرّاج في المهذّب، و ابن زهرة في الغنية، و الصهرشتي في اشارة السبق، و ابن إدريس الحلّي في السرائر، و يحيى بن سعيد في الجامع، و المحقّق الحلّي في الشرائع و الرسائل التسع، و العلّامة الحلّي في المنتهي و الإرشاد، و السبزواري في الكفاية، و المحقّق النجفي في الجواهر.

أدلّة الأقوال:

الأوّل: دليل القول بالتحريم:

1- ظهور بل صراحة النصوص في الحرمة، و هي:

- خبر زرارة و محمد بن مسلم، عن الصادق (عليه السلام).

- خبر جعفر بن عيسى.

- خبر يزيد- زيد- النرسى.

- خبر نجبة بن الحارث.

- خبر زرارة.

- خبر الحسين بن أبي غندر.

- خبر عبد الملك.

- خبر جبلة المكّيّة (1)

2- إنّ ضعفها منجبر بوجودها في الكتب المعتبرة مع صحّة بعضها، و عن البعض: انّ استفاضتها، بل تواترها يكفي في حصول العلم بصدورها و صحّتها.

____________

(1) يأتي هذا الخبر أواخر الكتاب في فصل «أهل البيت (عليهم السلام)».

85

3- حمل الروايات المجوّزة أو الآمرة على التقيّة لموافقتها للعامّة فقها و حديثا فلم يحرز أصالة الجدّ و الجهة (1) فيها فلا يصل الدور إلى التعارض بين الطائفتين من الروايات، و لو فرضنا أنّه وصل إلى التعارض يؤخذ بما خالف العامّة.

4- إنّ صوم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان قبل نزول صوم شهر رمضان، و أمّا بعد ذلك نسخ ذلك الصوم.

5- لا معنى لحمل الروايات المجوّزة على الاستحباب حزنا و جزعا، و ذلك لظهور خبر الحسين بن أبي غندر في عدم الصوم للمصيبة، بل الصوم هو للشكر و السلامة.

6- تعيّن العمل بصحيحة ابن سنان الّتي مفادها مجرّد الامساك إلى العصر و لا يسمّى صوما، و هو رأي صاحب المدارك و الحدائق و غيرهما. و ليست هذه الرواية ضعيفة، كما ادّعاه السيّد الخوئي في المستند، فالمجموع من هذه الأدلّة على سبيل منع الخلوّ يكون دليل القول بالحرمة.

الثاني: دليل القول بالاستحباب:

1- الاجماع كما ادّعاه في الغنية، بل عدم وجدان الخلاف، كما عن جواهر الكلام، لكنّه مدركى أو محتمل المدركيّة.

2- خبر أبي همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام): صام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2) و الرواية و إن كانت موثّقة لكنّها محمولة على التقيّة، كما عن المحقّق القمّي و غيره. (3)

____________

(1) لكن قد يقال: لا وجه لسقوط أصالة الجد إذ موافقة العامّة لا توجب ذلك، و يشهد له: أن مورده هو في الخبرين المتعارضين. و واضح أن التعارض فرع وجود المقتضي للحجية في الدليلين، فلا معنى لدعوى السقوط لعدم إحراز أصالة الجدّ و الجهة و عدم التعارض!!

(2) التهذيب 4: 299/ ح 906.

(3) غنائم الأيّام 6: 76.

86

3- خبر القدّاح، عن الصادق (عليه السلام) أنّه كفّارة سنة (1) لكنّه مجهول، كما عن المجلسي. (2)

4- خبر مسعدة عن الصادق (عليه السلام): صوموا العاشوراء، (3) لكنّه ضعيف و محمول على التقيّة. (4)

5- خبر كثير النّواء، (5) لكنّه كسابقه ضعيف و محمول على التقيّة لأنّ وقوع هذه البركات في يوم عاشوراء من أكاذيب العامّة و مفترياتهم. (6)

6- دعوى ضعف جميع الروايات (7) الناهية عن الصوم يوم عاشوراء.

إلى هنا يكون هذا دليل القول باستحباب صوم يوم عاشوراء من دون تقييد بالصوم على وجه الحزن، و هذا هو القول بالاستحباب المطلق.

و قد اجيب عن هذه الدعوى: انّ ملاحظة عدد الروايات المانعة و كيفيّة تلقّي السلف و تعاملهم معها و ملاحظة السيرة القطعيّة للمتشرّعة و مطابقتها مع هذه الروايات، و جمع الشيخ الطوسي بين هذه الروايات و الروايات المجوّزة تخرجها عن كونها روايات و مستندات ضعيفة. (8)

____________

(1) التهذيب 4: 300/ ح 907.

(2) ملاذ الأخيار 7: 116.

(3) التهذيب 4: 299 ح 905.

(4) روضة المتقين 3: 248.

(5) اختيار معرفة الرجال: 230.

(6) الموضوعات 2: 200.

(7) مستند العروة الوثقى 2: 304.

(8) يرى السيّد الخوئي ضعف روايات المنع بأجمعها، إذ في بعضها الهاشمي، و هو لم يوثّق، و لا ذكر بمدح، أضف إلى ذلك انّ مفادها ليس هو النهي عن مطلق الصوم بعنوانه الأوّلي كما في العيدين، بل المنع عن الصوم باتّخاذه يوم بركة و فرح و سرور كما يتّخذه المخالفون.

أقول: هذا كلام غريب: إذ هل يخفى حرمة مثل ذلك على مثل زرارة و محمد بن مسلم حتى يسألاه-

87

7- إنّه بعد التعارض بين الروايات المجوّزة و الناهية يجمع بينهما بالحمل على استحباب الصوم على وجه الحزن و حرمة الصوم على وجه الشكر و الفرح!!

و هذا هو دليل القول بالاستحباب المقيّد بعنوان الحزن.

و اجيب عنه: إنّ يوم عاشوراء حسب الروايات الناهية غير قابل لماهيّة الصوم، بل الصوم يعدّ بدعة و موجبا للهلكة، و لا معنى للصوم على وجه الحزن، لأنّ الحزن لا يكون سببا لاستحباب الصوم أصلا، بل السبب لاستحباب الصوم هو أيّام الفرح و السرور، و أين ذلك من يوم عاشوراء الّذي هو يوم مصيبة و عزاء؟!

و هو كلام متين و مقبول، فتأمّل.

8- ضعف رواية ابن سنان الّتي فيها: صم من غير تبييت، و قد أجاب البعض عنه بوجود طريق آخر غير طريق الشيخ في المصباح، و هو ما رواه المشهدي في مزاره.

أضف إلى ذلك عدم صحّة دعوى الضعف، بل الرواية صحيحة و صادرة قطعا ...

9- عدم القول بالحرمة أو الكراهة أو ندرة القول بها، بل هو مناف لظاهر اتّفاق الاصحاب.

لكنّه استبعاد محض و لا يعدّ دليلا فقهيّا.

أضف إلى ذلك تبنّى الكثير من فقهائنا القول بالحرمة أو الكراهة، و قد مرّ ذكر‌

____________

- عنه؟؟ إلّا أن يقال: يمكن أن يكون سؤالهما عن الصوم بالعنوان الأوّلي و جواب الامام ناظر إلى الصوم بالعنوان الثانوي، فتأمّل، كما يرى الخوئي أيضا ضعف رواية زرارة، عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) بضعف نوح بن شعيب و ياسين الضرير، أضف إلى ذلك: حملها على الكراهة بقرينة و حدة السياق مع صوم عرفة الّذي هو مكروه لمن يضعفه عن الدعاء، و لكن كيف يتبنّى الاستحباب مع حمله لهذه الرواية على الكراهة!، و يرى أيضا ضعف رواية أبي غندر لاشتمالها على مجاهيل و عدم دلالة صحيحة زرارة و محمد بن مسلم- فلمّا نزلت آية شهر رمضان ترك- على نفي الاستحباب فضلا عن نفي الجواز، إذ لا تتضمّن نهيا، و بالتالي: عدم وجود رواية معتبرة مانعة عن الصوم كي تحمل الروايات الآمرة و المجوّزة على التقيّة.

88

أسمائهم، و ستجي‌ء آراؤهم.

10- إنّ هذا الصوم يكون من المواساة لأهل البيت (عليهم السلام) ممّا لاقوه من العطش و الجوع ... فهذا الصوم يوافقه الاعتبار!

أقول: يكفيه في المواساة لأهل البيت (عليهم السلام) العمل برواية ابن سنان: من الصوم من غير تبييت و الافطار من غير تشميت.

أضف إلى ذلك أنّ المواساة لا يعدّ وجها و دليلا شرعيّا يستند إليه في جعل العمل مستحبّا- شرعيّا- بل يحتاج إلى دليل خاصّ.

دليل القول بالكراهة:

1- إنّ الصوم في عاشوراء سنّة للأعداء، و اتّصاف بصفاتهم، و إشعار بزيّهم، و هذا مثل ما ورد في كراهة الاتّصاف بأوصاف اليهود و النصارى. (1)

2- حمل الروايات المانعة عن الصوم على الكراهة بقرينة وحدة السياق بينها و بين روايات النهي عن صوم عرفة.

3- الاستناد إلى ظهور قول أبي جعفر (عليه السلام): أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلّا و ربّ البيت الحرام ما هو يوم صوم، و ما هو إلّا يوم حزن دخل على أهل السماء و الأرض.

4- حمل الروايات الآمرة بالصوم على الامساك حزنا لا الامساك بقصد الصوم، أو حمل هذه الروايات على التقيّة.

5- عدم معهوديّة الصوم يوم عاشوراء من الأئمّة (عليهم السلام) و لا من أصحابهم.

أقول: دلالة الوجه الأوّل و الثالث و الخامس على التحريم أظهر من الدلالة على الكراهة.

____________

(1) انظر: مجمع الفائدة 5: 189.

89

و الجواب عن الثاني: هو انّه على فرض أن يكون وحدة السياق و النظم قرينة و دليلا على الكراهة، لكن لا بدّ من رفع اليد عن هذه القرينة و الدليل بالروايات الاخرى الّتي مفادها التحريم.

و الجواب عن الرابع: إنّ هذا الحمل مقبول، و لكنّه لا يخدم القول بالكراهة، إذ حتى على القول بالتحريم يحمل الروايات الآمرة بالصوم يوم عاشوراء على الامساك حزنا أو على التقيّة.

و يرى بعض الفقهاء- بملاحظة رواية ابن سنان المذكورة في المصباح و المزار و رواية ميثم التّمار (1)- انّ هذا الصوم لم يتأكّد استحبابه سيّما و انّه مشارك في الصورة مع الأعداء حتى و إن كانت النيّة عندنا الحزن و عندهم التبرّك و السرور، بل إنّ استحباب هذا الصوم و إتمامه إنّما يكون ثابتا فيما لم يتمكّن من الافطار و لو لأجل التقيّة، فحينئذ ينوي به الصوم على وجه الحزن لا مطلق الصوم. (2) (3)

أقول: و قد أشرنا سابقا إلى انّ ماهيّة الصوم يوم عاشوراء موجب للهلكة، و أنّها موبقة حتى إذا تعنون بعنوان الحزن.

كلمات القائلين بالحرمة

1- البحراني:

و بالجملة فإنّ دلالة هذه الأخبار على التحريم مطلقا أظهر ظاهر‌

____________

(1) علل الشرائع 1: 217. و سيأتي الاشارة إليه في آخر الكتاب.

(2) انظر: جواهر الكلام 17: 108.

(3) أمّا عند العامّة: فبالرغم من أنّ أهل المدينة كانوا يرون الحرمة أو الكراهة أو الوجوب على ما قاله العينى إلى عام 44 أو 57 بالهجرة عام مجي‌ء معاوية إلى المدينة و إعلانه استحباب ذلك و الاصرار عليه، و رغم أنّ بعض الصحابة الّذين هم ممّن يعتمد عليه عند العامّة كابن عمر حيث كان يرى الكراهة و يصرّ على ذلك إلى آخر عمره عام 73 ه‍، مع ذلك كلّه ادّعوا إجماع العامّة على الاستحباب و انّ الكراهة نسخت بعد ابن عمر! و لم يعرف معناه، إذ لو كان الحكم هو الكراهة على عهد الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا معنى للنسخ بعده. انظر: سير اعلام النبلاء 3: 232. عمدة القاري 11: 121.

90

لكنّ العذر لأصحابنا فيما ذكروه من حيث عدم تتّبع الأخبار كملا و التأمّل فيها. و قال: فتحريم صيامه مطلقا من هذه الأخبار أظهر ظاهر ... (1)

____________

(1) الحدائق الناضرة 13: 376. قال: منها صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن، كذا قيّده جملة الأصحاب، و كأنّهم جعلوا ذلك وجه الجمع بين الأخبار الواردة في صومه أمرا و نهيا، و بهذا جمع الشيخ بين الأخبار في الاستبصار و نقل هذا الجمع عن شيخه المفيد، قال في المدارك بعد ذكر ذلك: و هو جيّد.

أقول: بل الظاهر و بعده ... أمّا ما يدلّ على عدم جواز صومه: فمنه ما رواه الصدوق ... و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي ... و ما رواه جعفر بن عيسى قال: سألت الرّضا (عليه السلام)، و ما رواه فيه عن زيد النرسي:

سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)، و ما رواه عن نجبة بن الحارث ... و ما رواه عن زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، و ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه.

و ما رواه في كتاب المجالس بإسناده إلى جبلة المكيّة.

ثمّ أقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الأخبار من الظهور و الصراحة في تحريم صوم هذا اليوم مطلقا، و أنّ صومه إنّما كان في صدر الإسلام ثمّ نسخ بنزول صوم شهر رمضان، و على هذا يحمل خبر صوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». و أمّا خبر القدّاح و خبر مسعدة بن صدقة الدالّ كلّ منهما على أنّ صومه كفّارة سنة و الأمر بصومه كما في ثانيهما فسبيلها الحمل على التقيّة لا على ما ذكروه من استحباب صومه على سبيل الحزن و الجزع، كيف و خبر الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، ظاهر في أنّ الصوم لا يكون للمصيبة و إنّما يكون شكرا للسلامة، مع دلالة الأخبار الباقية على النهي الصريح عن صومه مطلقا سيّما خبر نجبة.

و قولهما (عليهما السلام) فيه: انّه متروك بصيام شهر رمضان و المتروك بدعة. و بالجملة فتحريم صيامه مطلقا من هذه الأخبار أظهر ظاهر ...

و أمّا خبر كثير النّواء مع كون راويه المذكور بتريّا عامّيا ... معارض بخير ميثم المذكور. نعم، قد روى الشيخ رضى اللّه عنه في كتاب مصباح المتهجّد عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: دخلت عليه: و هذه الرواية هي الّتي ينبغي العمل عليها، و هي دالّة على مجرّد الامساك إلى الوقت المذكور، و المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حمل كلام الأصحاب باستحباب صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن هو صومه على هذا الوجه المذكور في الرواية، و هو بعيد، فإنّ كلامهم صريح أو كالصريح في أنّ مرادهم صيام اليوم كملا، كما في جملة افراد الصيام ... و اللّه العالم. الحدائق الناضرة 13: 376.

مناقشة الاستاذ للحدائق:

ادّعى صاحب الحدائق طيّ كلامه: نسخ هذا الصوم الّذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مداوما عليه. و ناقشه-

91

2- العلّامة المجلسي:

و بالجملة الأحوط ترك صيامه مطلقا. (1)

____________

- الاستاذ: لا معنى للنسخ بعد الدّقة في الروايات، و ذلك لوجود رواية معتبرة أعمّ من كونها صحيحة أو موثّقة دالّة على صدور الأمر بالصوم من أمير المؤمنين (عليه السلام) (أقول: بما أنّ هذه الرواية موافقة للعامّة فلم يتمّ فيها أصالة الجدّ، كما هو مبنى الاستاذ) و لا نشكّ في أنّ هذه الروايات إنّما صدرت بعد تشريع صوم رمضان، فهذا المقدار يكفي في ردّه. توضيحه: انّ دليل الحدائق هو هذه الرواية: سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: كان صومه قبل شهر رمضان، فلمّا نزل شهر رمضان ترك.

و يرد عليه: لنا روايتان مفادهما الأمر بصيام عاشوراء:

1) عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (عليهما السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) قال: صوموا العاشوراء التاسعة و العاشرة فإنّه يكفّر ذنوب سنة. فلو كان النسخ ثابتا فما معنى هذه الرواية؟!

2) سعد بن عبد اللّه، عن أبي جعفر، عن جعفر بن محمد بن عبيد اللّه، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)، قال: صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ثمّ إنّ المثبت لرأى الحدائق رواية ضعيفة: انّ صوم عاشوراء كان، و لكن ترك برمضان، و لكنّه ليس دليلا على نسخ أصل صوم يوم عاشوراء، بل هو دليل على الترك، و لكنّ هل هذا الترك وصل إلى حدّ عدم المشروعيّة أم رفع وجوبه فقط؟ نعم، الرواية الّتي هي نص على مدّعى الحدائق ما تلي: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان و المتروك بدعة، و هي صريحة في انّ متروكيّة صوم عاشوراء ليس متروكيّة الوجوب كي يبقى ندبه بل متروكيّة المشروعيّة. و لكنّ يرد عليها انها: ضعيفة السند فلا تعارض مع صحيحة السند، فمقتضى الصناعة هي: انّ الرواية الدّالة على المتروكيّة ظاهرة في متروكية أصل الوجوب، و ليس نصّا، إذ فيها احتمالان:

1) الترك بمعني عملا مع بقاء أصل المشروعيّة.

2) الترك بمعني زوال أصل المشروعيّة فتصير مجملة، و أمّا لو قلنا: أنّها ظاهرة: فغايته انعقاد الظهور في عدم المشروعيّة، و أمّا رواية القدّاح فهي نص في بقاء المشروعيّة، فنرفع اليد من الظهور بالنصّ، أو نرفع إجمال الرواية بهذين الروايتين المعتبرة، و أمّا رواية نجبة فهي ضعيفة السند، فليس فيها مقتضى الحجيّة كي يتعارض مع الصحيحة.

أقول: لو قلنا بصدور الصحيحة و الموثّقة بعنوان التقيّة فلم يتمّ فيها أصالة الجهة و الجدّ فيبقى كلام الحدائق على قوّته و متانته. إلّا أن يقال بجريان أصالة الجدّ، و لا مجال للحمل على التقيّة، إذ مجرّد الموافقة للعامّة لا يمنع جريان الأصل المذكور. نعم، في مورد التعارض لا يجري الأصل المذكور لكنّه نقاش مبنائي.

(1) مرآة العقول 16: 361. و مثله في زاد المعاد: 378- 388.

92

3- الخوانساري:

و أمّا استحباب صوم يوم عاشوراء فلخبر عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة، و قيّده المصنّف و جماعة بأن يكون على وجه الحزن لمصاب سيّد شباب أهل الجنّة لا أن يكون على جهة التبرّك و الشكر كما يصنعه بنو اميّة و أتباعهم، و بذلك جمع الشيخان و غيرهما- (قدس سرّهم) - بين ما سمعت و بين النصوص المتضمّنة للنهي عن صومه كصحيح زرارة و محمد بن مسلم سألا الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء من شهر الحرام، فقال: يوم فيه حوصر الحسين ... و جزم بعض متأخّري المتأخّرين بالحرمة ترجيحا للنصوص الناهية، و حملا لما دلّ على الاستحباب على التقيّة و الظاهر أنّ هذا أقرب خصوصا مع ملاحظة خبر عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) قال: دخلت عليه يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ... فإنّ من المعلوم أنّ صوم هذا السائل لم يكن بعنوان التبرّك. (1)

4- الشيخ الأستاذ [الوحيد]

: صوم يوم عاشوراء على الأحوط الوجوبي لا يكون جائزا. (2)

____________

(1) جامع المدارك 2: 227.

(2) توضيح المسائل (الطبعة الاولى): 494 المسألة: 1755 و مضمون كلام الاستاذ في الدرس: لا بدّ من ملاحظة- الراوي- في رواية: لا تجعله يوم صوم و غيرهما، حيث إنّ السائل فيها هو ابن سنان، و هكذا روايات أخرى يكون السائل من أكابر الشيعة، و هؤلاء لم يسألوا عن الصوم شكرا أو فرحا أو استبشارا يوم عاشوراء، بل السؤال عن الصوم في ذلك اليوم فيجيب الامام بالمنع.

لكن قد يجاب عن الاستاذ: بأنّ هؤلاء لم يسألوا لأنفسهم، كما يظهر من أكثر مسائلهم الّتي كانت عن الفروع الفقهيّة الواضحة العامّة الابتلاء، بل كانوا يريدون سماع النصوص من المعصومين (عليهم السلام) حول المسائل لعامّة الناس و تثبيتها في الكتب و بثّها، فلا ينظر إلى حالتهم الخاصّة و مقامهم العلمي لبيان فقه الحديث.

ثمّ أضاف الاستاذ قائلا: أضف إلى ذلك انّ في الروايات: انّ الصوم للشكر و عاشوراء يوم مصيبة، و هذا اللحن لسان المنع و الزجر فكيف يمكن الجمع بينهما و بين ما دلّت على أنّها كفّارة ذنب سنة. فهذا-

- الجمع هو الجمع التبرّعي.

لكن قد يجاب عن الاستاذ: انّ الشكر لا ينافي المصيبة، و الشاهد على ذلك قوله في زيارة عاشوراء «اللّهمّ لك الحمد حمد الشاكرين على مصابهم».

أضف إلى ذلك انّ الفرح الّذي هو ضدّ المصيبة إنّما يناسب الافطار، و يشهد لذلك تعليل حرمة الصوم يوم العيدين بأنّه يوم فرح و سرور، فالمراد بالشكر هو ما يقوم به آل اميّة و أتباعهم من الصوم بنيّة الشكر على قتل الحسين (عليه السلام)».

أضاف الاستاذ قائلا: «مع انّ قانون الجمع هو: أن يكون أحدهما نصّا و الآخر ظاهرا، أو يكون أحدهما أظهر و الثاني ظاهرا، و لا بدّ من ملاحظة شاهد الجمع بين الروايتين.

و عليه فكلام ابن إدريس و المحقّق و صاحب الجواهر يكون من الجمع بلا شاهد سيّما مع هذا التصريح من الامام بالصوم بلا نيّة، و الافطار بعد العصر بشربة من الماء، فالصوم الحزني هو الامساك لا الصوم بنيّة الحزن و فرّق بينهما.

إذن: الحقّ هو التعارض بين الطائفتين بالتباين، و لا يمكن الجمع بينهما، إذ مفاد طائفة منها: المطلوبيّة و المحبوبيّة، و مفاد طائفة اخرى: النصّ في المبغوضيّة و لا جمع عرفيّ بينهما.

بيان آخر: انّ إحدى الطائفتين آمرة بالصوم «صمه، صوموا»، و الاخرى ناهية عن الصوم، و لا شكّ في تحقّق التعارض بينهما، فيما لو تعلّقا بشي‌ء واحد عرفا و عقلا و نصّا، بل هذا من أظهر مصاديق «يجي‌ء عنكم حديثان مختلفان أحدهما يأمرنا و الآخر ينهانا»، ثمّ إنّ الحدائق حمل الروايات الدّالة على الاستحباب على التقيّة و نحن نوافقه، و لكن لا بالمقدار الّذي قاله، بل تحتاج المسألة إلى تحقيق، إذ لو لم يتمّ حجيّة الروايات المانعة فلا يصل الدور إلى التعارض، ثمّ الحمل على التقيّة. حيث إنّ من جملة المرجّحات هي المخالفة للعامّة، فلو لم يتمّ حجيّة الروايات المانعة كما عن السيّد الخوئي و عدم اعتبار رواية ابن سنان عنده فتبقى روايات الاستحباب حجّة و بلا معارض. نعم، يبقى الموافقة للعامّة، و هنا لنا بحث دقيق، و هو انّه: نفرض عدم وجود المعارض لهذه الروايات و لكن لا بدّ من ملاحظة أصالة الجدّ و الجهة في هذه الروايات الآمرة بالصوم مع غضّ النظر عن التعارض و عن اعتبار رواية ابن سنان، و ذلك لأنّ حجيّة كلّ رواية متوقّفة على تمامية اصول ثلاثة:

1) أصالة السند و الصدور.

2) أصالة الظهور.

3) أصالة الجدّ.-

فنقول: إنّ مقتضى التحقيق الفقهي هو: انّ تماميّة أصالة الجهة في الروايات الآمرة بالصوم حتى مع فرض صحّة سندها مشكل، و ذلك لأنّ الروايات المعتبرة ثلاثة:

1) انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صام و ترك.

2) رواية القدّاح.

3) الموثّقة.

و هذه الثلاثة تامّة من حيث السند، و هي موافقة للروايات المتظافرة الكثيرة في صحيح مسلم (انّ رواية الوسائل و الرواية الاخرى الّتي هي مرتبطة بصوم يوم عاشوراء موافقة للرواية الواردة عن العامّة.) و للعنوان في كتبهم الفقهيّة كالمغني لابن قدامة «صيام كفّارة سنة» فرواية القدّاح و الموثّق أيضا موافقان المضمون، هذا من حيث العنوان الفقهي.

و أمّا من حيث الروايات أيضا: فإنّ أبا قتادة روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال في صيام عاشوراء: إنّي أحتسب على اللّه أن يكفّر سنة.

و روى الترمذي: أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوم يوم عاشوراء، ثمّ قال: حديث حسن صحيح.

و عليه فالروايات الدالّة على الاستحباب تكون موافقة مع المتون الفقهيّة المسلّمة للعامّة.

قال الاستاذ في جواب المستشكل:

إنّ أهل النظر متّفقون على عدم انعقاد أصالة الجدّ في هكذا روايات، و الكلام إنّما هو على هذا المبنى المسلّم، بل إنّ المحقّق العراقي يسقط بأقلّ من هذا المقدار، و هكذا النائيني و غيره.

[المرحلة الاولى]

كما أنّها توافق الروايات المقبولة عندهم فلم ينعقد أصالة الجدّ في هكذا روايات على الأقلّ من الشكّ فيه، و بما أنّ مبنى أصالة الجدّ هو بناء العقلاء و هو دليل لبّي فيشكل انعقاده، هذا على فرض التنزّل، إذ لا يصل الدور إلى الشكّ، لكن قد يقال في جواب الشيخ الاستاذ: إنّ أصالة الجدّ أصل عقلائى و موضوعه الشك، و موافقة العامّة موجبة لانقداح الشكّ، فإذا شكّ في صدور الروايات بداعي الجدّ أو بداع آخر مثل التقيّة فأصالة الجدّ محكّمة.

المرحلة الثانية: ثمّ لو وصل الدور إلى التعارض فالحقّ هو سقوط جميع الروايات الدالّة على الاستحباب بمناط صحيحة قطب الدين الراوندي من لزوم طرح الروايات الموافقة لهم، و لقد استقصينا فرأينا انّ جميع الروايات الدالّة على الاستحباب موافقة لمتون العامّة فنأخذ بما خالف العامّة بمقتضى ما ورد من الروايات في باب التعادل و الترجيح.-

93

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

كلمات القائلين بالاستحباب

[1- السيّد الخوئي]

إنّ السيّد الخوئي بعد أن ضعّف سند روايات المنع و ادّعى أنّها غير نقيّة السند و رأى أنّ صحيحة زرارة و محمد بن مسلم لا تتضمّن نهيا، بل غايته انّ صومه صار‌

____________

- إشكالان: الأوّل: انّ إجماع السلف على الاستحباب لا يجتمع مع القول بالحرمة.

الثاني: حتى و إن قلنا: إنّ الخروج عن مخالفة الاجماع يكفي فيه موافقة فقيه واحد، و هو هنا متحقّق بالبحراني صاحب الحدائق من القول بالحرمة، و لكن مع ذلك لا يخلو عن الاشكال.

و الجواب: انّ هذا الاجماع اجتهادي و لا يكون مستنده شي‌ء خارج عن هذه الروايات، و الشاهد عليه أنّ الشيخ و غيره أفتى استنادا إلى الجمع بين الروايات الآمرة بالصوم و الروايات الناهية عنه. فالإجماع هنا قطعيّ المدرك أو على الأقل: انّه محتمل المدرك فلا يكون حينئذ كاشفا عن رأي المعصوم، أو عن دليل معتبر زائد على ما أوردناه من الروايات بحيث يوجب تبدّل الرأي. و الشاهد على دفع الاشكال هو انّ المتأخّرين عن العلّامة أيضا استدلّوا على المطلب بهذه النصوص و بهذا الجمع. و عليه: لا نخشى من مخالفة هذا الاجماع. نعم، يشكل الاعتماد على مجرّد مخالفة فقيه واحد و هو صاحب الحدائق في مخالفة الاجماع. لكنّا عثرنا على كلام صاحب المدارك، و هو مؤيّد قويّ، و هو الّذي لا يعتمد إلّا على الخبر الصحيح حتى انّه مخالف لجدّه الشهيد الثاني الّذي هو من المدقّقين في رجال السند، و مع ذلك يقول: ينبغي العمل برواية ابن سنان لصحّة سنده. فيرتفع الاستيحاش و يكون الأقوى حرمة صوم يوم عاشوراء، و لكن نظرا إلى الطريقة الّتي عندنا في الاحتياط في الفتوى بالنسبة إلى ترك صوم يوم عاشوراء من حيث عدم المخالفة العمليّة للمشهور، فنحتاط و نقول: الأحوط وجوبا هو الترك، و لكن من حيث النظرية العمليّة: الأقوى هو الحرمة و من حيث الفتوى الأحوط وجوبا التعامل معه معاملة حرمة الصوم (تقرير درس الاستاذ الوحيد الخراسانى يوم الأحد 18/ 3/ 73. الموافق 27/ ذي القعدة/ 1414).

ثمّ بعد الاشارة إلى قول الحدائق و المجلسي يظهر النظر و التأمّل في كلام المحقّق القمّي حيث نفى القائل بالحرمة إلّا على وجه التبرّك، قال: و مع ذلك فلم يظهر قول بالحرمة من أحدنا إلّا على وجه التيمّن و التبرّك باليوم كما يتيمّن به الأعداء (غنائم الأيّام 6: 78.) أمّا المطلقات: إنّما تؤثر فيما لو لم يتعارض و لم يقدّم مثل رواية ابن سنان حينئذ تؤثر الروايات العامّة و المطلقات و إلّا فالاطلاقات تقيّد بروايات المنع.

ثمّ إنّ رواية الزهري الدالّة على التخيير تكون ضمن مجموعة الروايات الموافقة للعامّة أضف إلى ضعف السند فيها. و هكذا الروايات الواردة في فضل يوم عاشوراء فقد ثبت ردّها برواية ميثم التّمار ...

96

متروكا و منسوخا، و لعلّه كان واجبا سابقا، ثمّ ابدل بشهر رمضان فلا تدلّ على نفي الاستحباب عنه بوجه فضلا عن الجواز، قال: أمّا نفس الصوم في هذا اليوم إمّا قضاء أو ندبا، و لا سيّما حزنا فلا ينبغي التأمّل في جوازه من غير كراهة، فضلا عن الحرمة.

و قال قبل ذلك: و أمّا الروايات المتضمّنة للأمر و استحباب الصوم في هذا اليوم فكثيرة مثل صحيحة القدّاح ... و موثّقة مسعدة بن صدقة ... و نحوها غيرها و هو مساعد للاعتبار نظرا إلى المواساة مع أهل بيت الوحي و ما لاقوه في هذا اليوم العصيب من جوع و عطش و سائر الآلام و المصائب العظام الّتي هي أعظم ممّا تدركه الأفهام و الأوهام. فالأقوى استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو ... نعم، لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمّن و التبرّك و الفرح و السرور كما يفعله أجلاف آل زياد و الطغاة من بني أميّة من غير حاجة إلى ورود نصّ أبدا، بل هو من أعظم المحرمات فإنّه ينبئ عن خبث فاعله و خلل في مذهبه و دينه و هو الّذي اشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة ... و يكون من الاشياع و الاتباع الّذين هم مورد اللعن في زيارة عاشوراء، و هذا واضح لا سترة عليه، بل هو خارج عن محلّ الكلام. (1)

أورد الاستاذ عليه فيما أورد:

انّ تصريحه في أجود التقريرات بمداومة الأئمّة (عليهم السلام) على الترك و أمرهم أصحابهم به (2) ينافي ما تبنّاه من الاستحباب.

و يرد عليه (رحمه اللّه): انّ القول بالاستحباب ينافي أيضا قوله بالكراهة في حاشية العروة و هكذا في رسالته العمليّة.

أقول: لعلّه رجع عن هذا الرأي و هذا لا يعدّ اشكالا ...

____________

(1) مستند العروة الوثقى 2: 305.

(2) أجود التقريرات 1: 364.

97

و لعلّ هذا القول يفهم من كلام الشيخ الصدوق أيضا، قال: أمّا الصوم الّذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة و يوم عاشوراء كلّ ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر. (1)

كلمات القائلين بالاستحباب حزنا

1- الشيخ المفيد:

و أمّا الّذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم عاشوراء على وجه الامساك فيه مصيبة آل محمّد (عليهم السلام). (2)

أقول: لم يفهم منه الاستحباب.

2- الطوسي:

أمّا المندوب: ... و صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن و المصيبة لما حلّ بأهل بيت الرسول (عليهم السلام). (3)

3- و قال أيضا: أمّا المسنون فجميع أيّام السنة إلّا الأيّام الّتي يحرم فيها الصوم غير انّ فيها ما هو أشدّ تأكيدا و هي أربعة عشر قسما و صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن و المصيبة. (4)

4- و قال أيضا في الجمع بين الأخبار المتعارضة: فالوجه في هذه الأحاديث انّ من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الجزع لما حلّ بعترته فقد أصاب، و من صامه على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه و التبرّك به و الاعتقاد لبركته و سعادته فقد أثم و أخطأ. (5)

[3- ابن البرّاج الطرابلسي]

5- ابن البرّاج: و أمّا المندوب فهو ضربان أحدهما مشدّد فيه على وجه‌

____________

(1) الهداية: 303. دار المحجّة البيضاء.

(2) المقنعة: 367.

(3) الاقتصاد، الهادي إلى طريق الرشاد: 293. نشر جامع چهلستون طهران.

(4) الرسائل العشر: 218. نشر جماعة المدرّسين.

(5)- التهذيب 4: 302. الاستبصار 2: 135.

98

التأكيد ... أمّا المشدّد فيه فهو ... صوم يوم عاشوراء على جهة الحزن بمصاب أهل البيت (عليهم السلام). (1)

[4- أبو المكارم ابن زهرة]

6- ابن زهرة: أمّا الصوم المندوب ... و صوم عاشوراء على وجه الحزن. (2)

[5- نظام الدين الصهرشتي]

7- الصهرشتي قال في الصوم المندوب: و عاشر المحرّم للحزن و المصيبة. (3)

[6- ابن إدريس الحلّي]

8- ابن إدريس: يستحبّ ... و صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن بمصاب آل الرسول (عليهم السلام). (4)

[7- يحيى بن سعيد الحلّي]

9- يحيى بن سعيد: الصوم المسنون: ... و يوم عاشوراء على وجه الحزن، و روي الفطر فيه بعد العصر. (5)

[8- المحقّق الحلّي]

10- المحقّق الحلّي: «و الندب من الصوم قد يختصّ وقتا و المؤكّد منه أربعة عشر قسما ... و صوم عاشوراء على وجه الحزن. (6)

11- و قال أيضا: يستحبّ من الصوم ... و عاشوراء حزنا. (7)

12- و قال أيضا: و الصوم الّذي يكون صاحبه فيه بالخيار فيوم الجمعة و الخميس و ... يوم عاشوراء. (8)

أقول: لعلّه مقتبس أو إشارة إلى رواية الزهري، عن الامام زين العابدين (عليه السلام)، و الّتي ضعّفها المجلسي في المرآة. (9)

و فسّر والده المجلسي الأوّل هذه الفقرة بقوله: أي يجوز له الافطار بعد الشروع‌

____________

(1) المهذّب 1: 188.

(2) الغنية: 148.

(3) إشارة السبق: 121.

(4) السرائر 1: 419.

(5) الجامع للشرائع: 162.

(6) شرائع الإسلام 1: 238.

(7) الرسائل التسع: 353. نشر مكتبة النجفي، قم.

(8) النهاية و نكتها 1: 414.

(9) مرآة العقول 16: 246.

99

فيه أو لا يجب صومه. (1)

[9- العلّامة الحلي]

13- العلّامة الحلّي: و صوم يوم عاشوراء مستحبّ حزنا لا تبرّكا، لأنّه يوم جرت فيه أعظم المصائب، و هو قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) و هتك حريمه فكان الحزن بترك الأكل و الملال به، و احتمال الأذى متعيّنا. و لما رواه سعد بن صدقة ... و عن أبي همّام ... و عن أبي عبد اللّه بن ميمون القدّاح، و قد روى الجمهور عن ابن عبّاس ...

و قد وردت أحاديث في كراهته محمولة على ما قلناه من الصوم للتبرّك. و من صام على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه و التبرّك به و الاعتقاد لبركته و سعادته فقد أثم و أخطأ. (2)

14- و قال في الارشاد: الصوم أربعة: واجب ... و مندوب و هو عاشوراء حزنا. (3)

[10- الشيخ السبزواري]

15- المحقّق محمد باقر السبزوارى: و اختلفت الروايات في صوم يوم عاشوراء؛ فبعضها تدلّ على الاستحباب و انّه كفّارة سنة، و بعضها تدلّ على المنع و أنّ من صامه كان حظّه من ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة و آل زياد و هو النار، و الشيخ في الاستبصار جمع بين الأخبار بأنّ من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمّد (عليهم السلام) و الجزع لما حلّ بعترته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد أصاب ...

و هو غير بعيد، و في بعض الروايات: و ليكن إفطارك بعد العصر على شربة من ماء. (4)

[11- المحقّق النجفي]

16- الشيخ محمد حسن النجفي: أمّا الندب من الصوم ... و المؤكّد منه أربعة عشر قسما: ... الثامن: بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الغنية الاجماع عليه- صوم‌

____________

(1) روضة المتّقين 4: 230.

(2) منتهى المطلب 2: 611.

(3) إرشاد الأذهان 1: 300.

(4) كفاية الاحكام: 50.

100

يوم عاشور- لخبر أبي همّام، عن أبي الحسن، و خبر عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه، و خبر مسعدة بن صدقة، عن الصادق (عليه السلام)، و خبر كثير النّواء عن الباقر (عليه السلام)، لكن قيّده المصنّف و جماعة بأن يكون على وجه الحزن لمصائب سيّد شباب أهل الجنّة و ما جرى عليه في ذلك اليوم، ممّا ينبغي لوليّه أن يمنع نفسه عن الطعام و الشراب طول عمره فضلا عن ذلك اليوم لا أن يكون على جهة التبرّك و الشكر كما يصنعه بنو أميّة و أتباعهم ... و بذلك جمع الشيخان و غيرهما بين ما سمعت و بين النصوص المتضمّنة للنهي عن صومه.

و هذا مع انّه مناف لظاهر اتّفاق الأصحاب و معلوميّة حصر الحرمة في غيره لكن فيه: إنّ أقصى ما يستفاد من هذه النصوص الكراهة خصوصا بعد جمعه مع الاثنين و مع يوم عرفة، كمعلوميّة أنّ المذموم و المنهيّ عنه اتّخاذه كما يتّخذه المخالفون و التبرّك فيه و إظهار الفرح و السرور فيه لا انّ المنهيّ عنه مطلق صومه، و انّه كالعيد و أيّام التشريق و إلّا لم يكن ليخفى مثل ذلك على زرارة و محمد بن مسلم حتى يسألا عنه ضرورة حينئذ كونه كصوم العيدين.

نعم، قد يقال بنفي التأكيد عنه لمشاركته في الصورة لأعداء اللّه و إن اختلفت النيّة، بل لعلّ ذلك إنّما يكون إذا لم يتمكّن من إفطاره و لو للتقيّة فينوي فيه الوجه المزبور لا مطلقا خصوصا مع ملاحظة خبر عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) ... و خصوصا بعد ما روي عن ميثم التمّار ... ممّا يدلّ على كذب ما ذكروا وقوعه فيه من خروج يونس. و به يظهر ضعف خبر كثير النّواء الّذي روى ذلك، مضافا إلى ما قيل فيه من انّه بتري عامّي قد تبرّأ الصادق (عليه السلام) منه في الدنيا و الآخرة.

و على كلّ حال فلا ريب في جواز صومه سيّما على الوجه الّذي ذكره الأصحاب.

و ما في المسالك من أنّ مرادهم بصومه على جهة الحزن: الامساك إلى العصر كما في‌

101

الخبر المزبور، واضح الضعف، بل يمكن القطع بفساده بأدنى ملاحظة، و اللّه أعلم. (1)

أقول: مراد المحقّق النجفي هو أنّ تفسير الشهيد الثاني كلام الأصحاب و انّهم أرادوا بالصوم خصوص الامساك إلى العصر لا الصوم الاصطلاحي تفسير بعيد عن الواقع، إذ ظهور بل صراحة كلامهم تأبى هذا التوجيه و التفسير. نعم، لا ننكر وجود جمع غفير من فقهائنا صرّحوا بأنّ المراد بالصوم هو الامساك إلى العصر، و يأتي قريبا أقوالهم، و لكنّ هذا لا يعني إرجاع جميع الكلمات إلى هذا التفسير.

كلمات القائلين بالإمساك إلى العصر

1- قال الشهيد الثاني

في شرح قول المحقّق: «و الندب من الصوم ... و صوم عاشوراء على وجه الحزن». قال: أشار بقوله على وجه الحزن إلى أنّ صومه ليس صوما معتبرا شرعا، بل هو إمساك بدون نيّة الصوم لأنّ صومه متروك كما وردت به الرواية، و ينبّه على ذلك قول الصادق (عليه السلام): صمه من غير تبييت، و افطره من غير تشميت، و ليكن فطرك بعد العصر، فهو عبارة عن ترك المفطّرات اشتغالا عنها بالحزن و المصيبة، و ينبغي أن يكون الامساك المذكور بالنيّة لأنّه عبادة. (2)

2- قال المحقّق الكركي

في شرح قول العلّامة في القواعد: «و عاشوراء حزنا» قال: أي صومه ليس صوما معتبرا شرعا، بل هو الامساك بدون نيّة الصوم لأنّ صومه متروك كما وردت به الرواية فيستحبّ الامساك فيه إلى بعد العصر حزنا، و صومه شعار بني اميّة لعنهم اللّه سرورا بقتل الحسين (عليه السلام). (3)

____________

(1) جواهر الكلام 17: 89- 109.

(2) مسالك الأفهام 2: 78. أورد في المدارك على الشهيد بقوله: ذكر الشارح أنّ معنى الصوم على وجه الحزن: أنّ الصوم إلى العصر بغير نيّة الصوم كما تضمّنته الرواية، و هو مع بعده في نفسه مخالف لما نصّ عليه المصنّف في المعتبر 6: 268 و غيره.

(3) جامع المقاصد 3: 86.

102

3- العلّامة الحلّي:

يستحبّ صوم يوم عاشوراء حزنا لا تبرّكا لأنّه يوم قتل أحد سيّدي شباب أهل الجنّة الحسين بن علي (صلوات اللّه عليه)، و هتك حريمه، و جرت فيه أعظم المصائب على أهل البيت (عليهم السلام) فينبغي الحزن فيه بترك الأكل و الملاذ.

و إذا عرفت هذا فإنّه ينبغي أن لا يتمّ صوم ذلك اليوم، بل يفطر بعد العصر لما روي عن الصادق (عليه السلام): انّ صومه متروك بنزول شهر رمضان، و المتروك بدعة. (1)

4- و قال أيضا: و يستحبّ صوم العشر بأسره، فإذا كان اليوم العاشر أمسك عن الطعام و الشراب إلى بعد العصر ثمّ يتناول شيئا من التربة. (2)

[4- الشهيد الأوّل]

5- الشهيد الأوّل: و في صوم عاشوراء حزنا كلّه أو إلى العصر أو تركه روايات، و روي: صمه من غير تبييت و افطره من غير تشميت، و يفهم منه استحباب ترك المفطّرات لا على أنّه صوم حقيقي، و هو حسن. (3)

6- و قال أيضا: ... يستحبّ صوم العشر فإذا كان يوم العاشر أفطر بعد العصر من غير أن ينوي الصوم، بل ينوي فيه الامساك خاصّة. (4)

[5- المحقّق الأردبيلي]

7- و قال الأردبيلي: ... و لا يبعد استحباب محض الامتناع عن الأكل و الشرب كسائر المشتهيات لا صومه سواء أفطر بعد العصر ليخرج عن الصوم ظاهرا كما هو المشهور المعمول أم لا، و يمكن حمل مثل المتن على ما قلناه من الاستحباب كما هو الظاهر و على ما بعده أيضا، فتأمّل ... (5)

[6- الشيخ البهائي]

8- الشيخ البهائي: في بيان الصوم المستحبّ ... الثالث عشر صوم يوم عاشوراء، و هو اليوم العاشر من المحرّم إلى وقت العصر، ثمّ يفطر على الماء أو تربة كربلاء بنيّة‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء 6: 192.

(2) تحرير الأحكام 1: 84 مسألة: 129.

(3) الدروس الشرعيّة 1: 282.

(4) غاية المراد 1: 329.

(5) مجمع الفائدة 5: 188.

103

الشفاء بشرط عدم الزيادة عن قدر الحمّصة. (1)

[7- الشيخ السبزواري]

9- السبزواري: و العمل بمضمون هذه الرواية متّجه- أي رواية بن سنان، عن الصادق-، و كأنّه المقصود كما قاله بعض الأصحاب إلّا انّه خلاف ما صرّح به جماعة منهم. (2)

[8- الفيض الكاشاني]

10- الفيض الكاشاني: أقول: بل الأولى ترك صيامه على كلّ حال، لأنّ الترغيب في صيامه موافق للعامّة مسند إلى آبائهم (عليهم السلام)- كذا-، و هذا من أمارات التقيّة فينبغي ترك العمل به، و لأنّ صيامه متروك بصيام شهر رمضان و المتروك بدعة ...

و لو حمل ترغيب صيام هذا اليوم على الامساك عن المفطّرات عامّة النهار من دون إتمامه إلى الليل على وجه الحزن كما ورد به بعض الأخبار لكان حسنا و هو ما رواه صاحب التهذيبين في مصباح المتهجّد؛ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عنه، فقال: صمه من غير تبييت ... (3)

11- و قال في المفاتيح: و من المستحبّ صوم التأديب، و هو الامساك عن المفطّرات في بعض النهار تشبّها بالصائمين، و هو ثابت بالنصّ و الاجماع في سبعة مواطن: المسافر إذا قدم أهله ... و الأظهر أنّ صوم يوم عاشوراء من هذا القبيل لقول الصادق (عليه السلام): صمه من غير تبييت، و افطره من غير تشميت ...

و ينبغي العمل على هذا الحديث لاعتبار سنده. (4)

12- و قال أيضا: يستحبّ يوم عاشوراء تحزّنا إلى ما بعد العصر. (5)

____________

(1) جامع العبّاسى: 106. ترجمناه من الفارسيّة.

(2) كفاية الأحكام: 520.

(3) الوافي 11: 76.

(4) مفاتيح الشرائع 1: 284. أورده الشيخ عبّاس القمّي في بداية الهداية 1: 242.

(5) النخبة الفيضيّة: 144. مركز الطباعة و النشر لمنظّمة الأعلام. انظر: أدوار فقه: 163.

104

[9- العلّامة الحلي]

13- الحرّ العاملي: يحرم صوم التاسع و العاشر من المحرّم بقصد التبرّك لا الحزن. (1)

[10- العلّامة المجلسي]

14- المجلسي: و أمّا صوم يوم عاشوراء فقد اختلفت الروايات فيه و جمع الشيخ بينها بأنّ من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصائب آل محمد (عليهم السلام) فقد أصاب ...

و الأظهر عندي: أنّ الأخبار الواردة بفضل صومه محمولة على التقيّة، و إنّما المستحبّ الامساك على وجه الحزن إلى العصر لا الصوم، كما رواه الشيخ في المصباح؛ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: صمه من غير تبييت، و بالجملة الأحوط ترك صيامه مطلقا. (2)

[11- الشيخ كاشف الغطاء]

15- كاشف الغطاء: و ورد في صوم تاسوعا و عاشوراء أنّ صومها يعدل سنة، و الأولى أن لا يصوم العاشر إلّا إلى ما بعد صلاة العصر بساعة، و ينبغي له الافطار حينئذ على شربة من ماء. (3)

[12- الشيخ الطعان]

16- قال الطعّان: ... إنّ ما جنح إليه المشهور منهدم الأركان، متداعي البنيان، و أمّا ما استدلّ به لهم من نفي الخلاف و منقول الاجماع و الأخبار، فهو من الضعف بمكان، أمّا الأوّلان فلما لا يخفى على من رقى ذرى العرفان من شيوع الخلاف في سائر الأزمان على وجه ينتفى فيه مناط الحجيّة الّذي هو الكشف عن قول المعصوم سيّد البريّة.

و أمّا الأخبار فالجواب عنها: أمّا إجمالا فلمعارضتها بما هو أقوى عمدا، و أكثر عددا و أصحّ سندا و أبعد عن مذاهب أهل الخلاف أمدا، و قد تكثّرت الأخبار عن الأئمّة الأطهار في بيان ميزان الترجيح و المعيار، باطّراح ما وافق اولئك الأشرار‌

____________

(1) بداية الهداية 1: 238.

(2) مرآة العقول 16: 361.

(3) كشف الغطاء: 323.