كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
55

على إرادة الأعمّ، و إن كان اللفظ مع تجرّده عن تلك القرينة يكون ظاهرا في شخص ما وضع له و لا يعمّ التوابع.

و في معناها روايات أخر ظاهرة الدلالة من أنّ مغيب الشمس و استتار القرص إنّما يكون بذهاب الحمرة المشرقية.

و منها: ما تدلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، أو ما يقرب من هذا التعبير، مثل رؤية الكوكب و أمثال ذلك، من غير بيان أنّ استتار القرص أو غيبوبة الشمس يتحقّق بذلك.

ففي مرسلة ابن أشيم عن الصادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق (1)، الحديث.

و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن بكر بن محمّد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه سأله سائل عن وقت المغرب، فقال: إنّ اللّٰه يقول في كتابه لإبراهيم: فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكبا فقال هذا ربّي (2)، و هذا أول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق (3) .. إلخ.

و معلوم أنّ ذهاب الحمرة ملازمة لرؤية الكوكب لغالب الناس المتعارفة في البصر، فلا عبرة بمن يراه قبل ذلك. و في معناها أيضا عدّة روايات أخر لا تخفى على المتتبّع.

و منها: ما تدلّ على ثبوت الفصل بين مغيب الشمس و صلاة المغرب.

ففي رواية أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أيّ ساعة كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 3.

(2) الأنعام: 76.

(3) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 6.

56

المغرب (1). بداهة ظهوره في ثبوت الفصل في الجملة بينهما، و معلوم أنّ الفصل في الجملة يلازم ذهاب الحمرة المشرقية هذا، مع عدم القول بالفصل.

و منها: ما تدلّ على الأمر بالمساء بصلاة المغرب، و أنّ فعلهم (عليهم السلام) لها عند استتار القرص، إنّما كان لأجل التقية.

ففي رواية جارود قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): يا جارود ينصحون فلا يقبلون، و إذا سمعوا بشي‌ء نادوا به، أو حدّثوا بشي‌ء أذاعوه، قلت لهم: مسّوا بالمغرب قليلا فتركوها حتّى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص (2).

و لا يخفى ظهور قوله (عليه السلام) أخيرا «فأنا الآن أصلّيها إذا سقط القرص» في التقية لأن لا يعرف بما أذاعوه و نادوا به كما يدلّ على ذلك صدرها، فحينئذ يكون قوله (عليه السلام) «مسّوا بالمغرب قليلا» بمعنى التأخير عن استتار القرص في الجملة، حتّى لا ينافي ظهور فعله (عليه السلام) [1] لها عند الاستتار إنّما كان لأجل التقية، لكنّ التأخير لا على وجه يوجب اشتباك النجوم كما صنعه أبو الخطّاب و أصحابه، و قد عرفت أنّ التأخير عن الاستتار في الجملة يلازم القول بذهاب الحمرة.

هذا ما أردنا ذكره من الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، و في معناها أخبار أخر كثيرة ظاهرة الدلالة في ذلك، و لكن أسقطناها للاستغناء بما ذكرناه.

____________

[1] إذ لو كان المساء بمعنى فعلها عند الاستتار لما كان فعله (عليه السلام) لها في ذلك الوقت لأجل التقية و هذا مناف لظاهرة، فتأمّل جيّدا «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 129 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 15.

57

فلنذكر الآن الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو استتار القرص، و نقتصر أيضا على ما هو ظاهر الدلالة في ذلك، و هي أيضا طوائف:

منها: ما دلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو غيبوبة الشمس أو استتار القرص، من غير ذكر شي‌ء آخر فيها.

ففي رواية محمّد بن علي بن الحسين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): وقت المغرب إذا غاب القرص (1). قال: و قال الصادق (عليه السلام): إذا غابت الشمس فقد حلّ الإفطار و وجبت الصلاة (2).

و في رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إذا غاب القرص أفطر الصائم و دخل وقت الصلاة (3).

و في رواية داود بن أبي يزيد قال: قال الصادق (عليه السلام): إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب (4).

و غير ذلك ممّا علّق دخول وقت المغرب بمجرّد غيبوبة الشمس و استتار القرص، و هي كثيرة.

و منها: ما دلّ على منع الإمام (عليه السلام) أن يمسي بالمغرب، و أنّه كان يصلّي (عليه السلام) إذا غربت الشمس.

ففي رواية عبيد اللّٰه بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

صحبني رجل كان يمسي بالمغرب و يغلس بالفجر، و كنت أنا أصلّي المغرب إذا غربت الشمس، و أصلّي الفجر إذا استبان، فقال الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإنّ الشمس تطلع على قوم قبلنا و تغرب عنّا و هي طالعة على قوم‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 18.

(2) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 19.

(3) الوسائل: ج 3 ص 130 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 20.

(4) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 21.

58

آخرين بعد، فقلت له: إنّما علينا أن نصلّي إذا غربت الشمس عنّا و إذا طلع الفجر عندنا (1)، الحديث.

و منها: ما دلّ على فعل الصادق (عليه السلام) صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس، مع التصريح فيه بأنّ شعاع الشمس بعد موجود في الأفق.

ففي رواية أبان بن تغلب و أبان بن أرقم و غيرهم، قالوا: أقبلنا من مكّة حتّى إذا كنّا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلّي، و نحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلّي و نحن ندعو عليه و نقول هو شباب من شباب أهل المدينة، فلمّا أتيناه إذا هو أبو عبد اللّٰه جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فنزلنا فصلّينا معه و قد فاتتنا ركعة، فلمّا قضينا الصلاة قمنا إليه، فقلنا له: جعلنا فداك هذه الساعة تصلّي؟ فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت (2).

و منها: ما دلّ على أنّ وقت المغرب إنّما هو بغيبوبة القرص، مع زيادة تحديده بأنّه إذا نظرت إليه لم تره، كما في رواية علي بن الحكم عن أحدهما أنّه سئل عن وقت المغرب، فقال: إذا غاب كرسيّها، قلت: و ما كرسيّها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره (3).

و منها: ما دلّ على امتداد وقت المغرب من حين غيبوبة الشمس إلى أن تشتبك النجوم أو سقوط الشفق.

فعن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم (4).

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 22 و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 23 و فيه اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 25.

(4) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 26.

59

و في رواية أخرى عنه أيضا (عليه السلام) قال بعد سؤاله عن وقت المغرب:

وقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق (1).

هذا ما أردنا ذكره أيضا من الأخبار الدالّة على أنّ وقت المغرب إنّما هو غيبوبة الشمس.

و الذي يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها هو الأخذ بما دلّ على اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية، فإنّ ما دلّ على خلافها من كون العبرة بغيبوبة الشمس و القرص لا يقاومه من جهات.

أمّا الطائفة الأولى الدالّة على دخول الوقت بغيبوبة الشمس و استتار القرص بقول مطلق من غير ضميمة فهي محكومة بالطائفة الاولى من تلك الأخبار، التي حدّدت استتار القرص و غيبوبة الشمس بذهاب الحمرة المشرقية.

و قد تقدّم في الأمر الثالث أنّه لا يعامل في ما ورد من التحديدات الشرعية للموضوعات العرفية معاملة المعارض، بل تكون حاكمة على الظاهر الأوّلي من الموضوع، و مقيّدة لإطلاقه، و مبيّنة للمراد منه.

و كيف يعامل معاملة التعارض بين ما دلّ على دخول الوقت بغيبوبة الشمس بقول مطلق، و بين ما دلّ على أنّ غيبوبة الشمس إنّما يتحقّق بذهاب الحمرة المشرقية؟ و هل يتوقّف أحد في كون الثاني مفسّرا للأول و مبيّنا له؟ و لا بعد في إرادة ذهاب الحمرة أيضا من استتار القرص، و لم يكن الكلام خارجا عن المتعارف لأنّ الحمرة من توابع القرص و ملحقاته، و قد عرفت في الأمر الثاني من أنّ إرادة التوابع أيضا من لفظ المتبوع لا يستلزم المجازية، فضلا عن خروج الكلام عمّا هو المتعارف، فالطائفة الاولى من هذه الأخبار محكومة طرّا بالطائفة الأولى‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 133 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 29.

60

من تلك الأخبار.

و أمّا الطائفة الثانية من هذه الأخبار المشتملة على فعله (عليه السلام) صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس مع منعه من أن يمسي بالمغرب فبعد ما عرفت من أنّ غيبوبة الشمس قد فسّرت بذهاب الحمرة بمقتضى الطائفة الاولى من تلك الأخبار- فلا دلالة فيها على كون فعله (عليه السلام) إنّما كان عند غياب الشمس مع عدم ذهاب الحمرة، بل مقتضى التفسير أنّ فعله كان بعد ذهاب الحمرة، و لا ينافيه المنع من أن يمسي بالمغرب، إذ لعلّ المراد ب‍ «يمسي» هو فعلها بعد سقوط الشفق.

و لعلّ المصاحب كان من أصحاب أبي الخطاب، و احتمال ذلك يكفي في سقوط الاستدلال بها، و لا ينافي أيضا ما ذكرنا من أنّ المراد بقوله (عليه السلام) «إنّما علينا أن نصلّي إذا غربت الشمس» في غروبها مع ذهاب الحمرة، ما في ذيل الرواية «و على أولئك أن يصلّوا إذا غربت الشمس عنهم» (1) بداهة أنّه ربّما تذهب الحمرة عن مكان، بل يسقط الشفق أيضا، مع عدم غيبوبة الشمس في مكان آخر، فهذه الطائفة أيضا غير معارضة لما دلّ من اعتبار ذهاب الحمرة.

و أمّا الطائفة الثالثة الدالّة على فعل الصادق (عليه السلام) لها مع بقاء شعاع الشمس فلا بدّ من حملها على التقية، لأنّ في نفس الرواية دلالة على أنّ فعل الصلاة في ذلك الوقت كان من شعار العامّة بحيث كانوا يعرفون به، حتّى أنّ القوم قبل معرفة الإمام (عليه السلام) كانوا يدعون عليه، و يتخيّلون أنّه شابّ من شباب المدينة، فما هذا شأنه كيف يمكن الاستدلال به؟ فلا بدّ من حمل جميع ما ورد بالتحديد بغيبوبة الشمس على التقية.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 131 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 22.

61

و يؤيّد ذلك الطائفة الرابعة حيث عبّر فيها باستتار الكرسي تارة و باستتار القرص أخرى، فإنّه يعلم منه أنّ الإمام (عليه السلام) كان بصدد الطفرة عن الجواب حتّى أنّ السائل كرّر سؤاله، فالتجأ الإمام (عليه السلام) بتحديد استتار القرص بأنّه إذا نظرت إليه لم تره، مع احتمال أن يكون ضمير «إليه» راجعا إلى القرص بتوابعه من الحمرة، و إن كان خلاف الظاهر.

و أمّا الطائفة الخامسة فلا دلالة فيها أيضا، لأنّ قوله (عليه السلام) «وقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق» (1) أو «اشتباك النجوم» (2) بعد تحديد غيبوبة الشمس في تلك الأخبار بذهاب الحمرة، لا يكون له ظهور في كون غروب الشمس غروب نفس الجرم، و لو كان له هذا الظهور مع قطع النظر عن ذلك التحديد. نعم لو لم يكن بين ذهاب الحمرة و سقوط الشفق أو اشتباك النجوم فصل لما أمكن حمل الغروب على ذهاب الحمرة، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه لا معارضة بين الأخبار حتّى تصل النوبة إلى المرجّحات السندية، لأنّ ما دلّ على التحديد بغروب الشمس أو استتار القرص، إمّا محكومة بما دلّ على أنّ الغيبوبة إنّما تحصل بذهاب الحمرة و هي أكثرها، و امّا محمولة على التقية، لاشتمالها على قرينة تدلّ على ذلك، و قد تقدّم في الأمر الرابع أنّ ملاحظة المرجحات إنّما هو بعد الفراغ عن جريان الأصول الجهتية.

و لو أغمضنا عن ذلك كلّه و قلنا بالمعارضة فلا إشكال أيضا في أنّ الترجيح على ما دلّ على اعتبار ذهاب الحمرة، لا من جهة الأكثرية و الأشهرية، بل من جهة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 133 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 29.

(2) الوسائل: ج 3 ص 132 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 26.

62

مخالفتها للعامّة، بخلاف ما دلّ على أنّ العبرة باستتار القرص، فإنّها موافقة للعامّة و يجب طرحها.

و ما ذكرنا من أنّ رتبة الموافقة و المخالفة للعامّة متأخّرة عن المرجّحات السندية صحيح إلّا أنّه ليس في المقام من المرجّحات شي‌ء، لأنّ في كلتا الطائفتين من الصحاح ما لا يخفى، و العدالة و الوثاقة متحقّقة في كليهما، و لا أشهرية في البين لأنّ كلتا الطائفتين مشهورتان عند الرواة و الشهرة العملية ما لم تصل إلى حدّ الإعراض عن الأخرى لا اعتبار بها، مع أنّ الشهرة العملية في تلك الطائفة، لأنّه لم ينسب القول باستتار القرص من الطبقة الأولى التي هي العبرة في كون عملهم جابرة و كاسرة، إلّا عن الكاتب و الصدوق و المرتضى و الشيخ و سلار و القاضي (1)، مع أنّ عبارات بعضهم- على ما نقل- غير صريحة في ذلك، بل نقل عن بعضهم خلاف ما نسب إليه، فلا إشكال في أنّ الشهرة أو الأشهرية في تلك الطائفة.

فليس في ما دلّ على اعتبار استتار القرص من المرجّحات لو لم تكن في مقابلها، و لا محالة تصل النوبة إلى موافقة العامّة و مخالفتهم، و لا إشكال في موافقة ذلك للعامّة بحيث كانوا يعرفون به كما سمعت، و لا أظنّ بعد ما ذكرنا التوقّف في الحكم ممّن له أدنى رويّة في الجمع بين الأخبار.

فالأقوى أنّ أول وقت المغرب إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس، كما صرّحت به بعض الروايات المتقدّمة، و به يقيّد ما دلّ على اعتبار الحمرة من غير تقييد بتجاوزها عن ذلك الحدّ.

و أمّا آخره فالمشهور أنّه يمتدّ إلى مقدار أربع ركعات من نصف اللّيل مطلقا و لو للمختار. و قيل إلى ثلثه. و قيل: إلى سقوط الشفق، و ما بعد ذلك إلى انتصاف‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 107.

63

اللّيل يكون وقتا للمضطرّ. و قيل: إنّ وقت الاضطراري يمتدّ إلى الطلوع. و ربّما تكون في المسألة أقوال أخر، هذا بالنسبة إلى المغرب.

و أمّا العشاء فالمشهور أيضا أنّ أول وقتها إنّما هو بعد فعل المغرب، و آخر وقتها للمختار إلى انتصاف اللّيل. و قيل: إنّ وقتها إنّما هو غيبوبة الشفق، و آخر وقتها للمختار ثلث اللّيل، و ما بعد ذلك إلى نصف اللّيل وقت للمضطرّ. و ربّما تكون في المسألة أيضا أقوال أخر.

و ليس هذا الاختلاف مختصّا بالعشاءين، بل في الظهرين أيضا اختلفت كلمات الأصحاب، فالمشهور على أنّه يمتدّ وقت الظهرين إلى الغروب اختيارا، كما أنّ المشهور هو دخول وقت العصر بمجرّد فعل الظهر، بل مجمع عليه، و إن كان يظهر من بعض العبائر وقوع الخلاف فيه. و قيل: إنّ آخر وقت الظهر هو القدمان، و آخر وقت العصر هو أربعة أقدام للمختار، و بعد ذلك وقت للمضطرّ إلى الغروب. و قيل: إنّ آخر وقت الظهر هو المثل، و آخر وقت العصر هو المثلان للمختار. و قيل غير ذلك أيضا.

و بالجملة: اختلفت كلمات الأصحاب بالنسبة إلى آخر وقت الظهر و العصر، بعد اتّفاقهم ظاهرا على أول وقت الظهرين، و كذا اختلفت كلماتهم بالنسبة إلى آخر وقت العشاءين و أول وقت العشاء، بعد اتّفاقهم على أول وقت المغرب و هو الغروب، و إن وقع الخلاف في ما يتحقّق به الغروب، و أنّه هل هو الاستتار أو ذهاب الحمرة على ما تقدّم بيانه، و كذلك اختلفت كلماتهم في آخر وقت صلاة الفجر، بعد اتّفاقهم أيضا- على الظاهر- في أوله و أنّه هو الفجر الصادق.

و لكنّ المشهور بين الأعلام هو امتداد وقت الظهرين إلى الغروب مطلقا و لو للمختار، و امتداد وقت العشاءين إلى نصف اللّيل مطلقا، و دخول وقت العشاء‌

64

بمجرّد فعل المغرب، و امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس أيضا مطلقا و لو للمختار، هذا هو المشهور، و في مقابله أقوال أخر لا تخفى على المتتبّع، و لعلّها تمرّ عليك في طيّ الاستدلال لما ذهب إليه المشهور.

فينبغي التكلّم في مقامات ثلاث:

الأول: في امتداد وقت الظهرين للمختار إلى الغروب. المقام الثاني: امتداد وقت العشاءين إلى نصف اللّيل حتّى للمختار، و ندرج فيه دخول وقت العشاء بمجرّد فعل المغرب. المقام الثالث:

امتداد وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس للمختار أيضا.

أمّا المقام الأول:

فقد علمت أنّه المشهور، و هو الأقوى في النظر، و بيان ذلك يتوقّف على ذكر ما ورد من الأخبار في وقت الظهرين، و هي على طوائف:

منها: المطلقات الدالّة على امتداد وقت الظهرين إلى الغروب.

كقوله (عليه السلام) «ثمّ أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس» (1) و هي كثيرة جدّا، و قد تقدّم شطر منها في أول بحث المواقيت.

و منها: ما دلّ على امتداد وقت الظهر إلى أربعة أقدام.

كخبر الكرخي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) متى يدخل وقت الظهر قال: إذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام، و إنّ وقت الظهر ضيّق ليس كغيره (2) .. إلخ.

و في معناه رواية أخرى وردت في باب طهر الحائض بعد أربعة أقدام من الزوال، حيث قال (عليه السلام): إنّها تصلّي العصر فإنّ وقت الظهر قد خرج (3).

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5 و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 32.

(3) الوسائل: ج 2 ص 598 باب 49 من أبواب الحيض، ح 2 من كتاب الطهارة نقلا بالمضمون.

65

و قد أفتى بعض بمضمون هذا الخبر مع زيادة امتداد وقت العصر إلى ثمانية إقدام مع أنّه ليس في الخبر ذلك، بل فيه امتداد وقت العصر إلى غروب الشمس، حيث قال: قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، فقلت: متى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس (1).

و منها: ما دلّ على امتداد وقت الظهر إلى المثل و العصر إلى المثلين.

ففي خبر محمّد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح و هو يقول: إنّ أول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة من الزوال، و أول وقت العصر قامة و آخر وقتها قامتان (2).

و في معناه روايات أخر.

و قد أفتى بمضمونها بعض لكن بعد تقييده بالمختار، لما دلّ من امتداد الوقت لصاحب العذر إلى الغروب.

و منها: ما دلّ على أنّ وقت الظهر هو القدمان (3) أو القدم (4) أو الذراع (5)، و وقت العصر أربعة أقدام (6) أو ذراعان (7) من غير تعرّض أنّ ذلك آخر وقت الفرضين، بل في بعضها دلالة على أنّ ذلك أول وقتها، و مع ذلك ذهب بعض إلى أنّ ذلك آخر وقت الفرضين للمختار، و لعلّه توهّم أنّ تلك الأخبار في مقام تحديد‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 32.

(2) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 29.

(3) الوسائل: ج 3 ص 102 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 1 و 2.

(4) الوسائل: ج 3 ص 110 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 34.

(5) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

(6) الوسائل: ج 3 ص 102 و 111 باب 8 و 9 من أبواب المواقيت، ح 1.

(7) الوسائل: ج 3 ص 102 و 111 باب 8 و 9 من أبواب المواقيت، ح 2.

66

آخر الوقت، مع أنّ ظاهر الأخبار يأباه، و أنّ ذلك أول الوقت لخصوص المتنفّل، فراجع.

و منها: ما دلّ على امتداد وقت العصر للمختار حتّى يصير الظلّ ستّة أقدام.

كما في خبر سليمان بن خالد: العصر على ذراعين، فمن تركها حتّى تصير على ستّة أقدام فذلك المضيّع (1).

و في معناه رواية أخرى (2)، و قد أفتى بمضمونه بعض.

و في المسألة أيضا أقوال خالية عن الشاهد، إذ الأخبار الواردة في الباب هي ما ذكرناها، و قد عرفت أنّ هذه الأخبار المفصّلة بين المثل و المثلين و الأقدام و غير ذلك كلّها مقيّدة بصورة الاختيار، لما ورد من أنّ وقت المضطرّ ممتدّ إلى الغروب أو إلى اصفرار الشمس على اختلاف في ذلك أيضا، و الأخبار المقيّدة أيضا كثيرة لا تخفى على المراجع، كما في صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) في حديث: لكلّ صلاة وقتان، و أول الوقت أفضلهما، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي أو نام، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا، إلّا من عذر أو علّة (3).

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في موضعين: الموضع الأول: في الجمع بين هذه الأخبار المفصّلة الدالّة على عدم امتداد الوقت إلى الغروب للمختار بمقتضى الأخبار المقيّدة، و بين المطلقات الدالّة بإطلاقها على امتداد الوقت مطلقا حتّى للمختار إلى الغروب. الموضع الثاني: في الجمع بين نفس هذه الأخبار‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 111 باب 9 من أبواب المواقيت، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 111 باب 9 من أبواب المواقيت، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

67

المفصّلة، حيث إنّها بنفسها متعارضة من حيث اعتبار المثل و المثلين و أربعة أقدام و الذارعين و غير ذلك ممّا تقدّم.

أمّا الكلام في الموضع الأول

فالمشهور على حمل الأخبار المفصّلة على بيان مراتب وقت الفضيلة، و حمل المطلقات على بيان وقت الإجزاء، من غير فرق بين المضطرّ و المختار، و في مقابله الأقوال الأخر، حيث حملوا المطلقات على الوقت الاضطراري، و الأخبار المفصّلة على الوقت الاختياري، هذا.

و مقتضى القواعد الأصولية- مع قطع النظر عن القرائن الخارجية- هو حمل المطلقات على الوقت الاضطراري، و تقيدها بما دلّ على عدم امتداد الوقت للمختار إلى الغروب، فإنّ المطلقات بإطلاقها تشمل المختار و المضطرّ في امتداد الوقت إلى الغروب، و أخبار القدم و القدمين و المثل و المثلين الظاهرة في خروج الوقت بذلك بعد تقييدها بالمختار تكون مقيّدة لتلك المطلقات. فيكون الغروب وقتا للمضطرّ.

و هذا الجمع بحسب القواعد مقدّم من حمل الأخبار المفصّلة على الاستحباب و الفضيلة كما صنعه المشهور، لما تبيّن في باب المطلق و المقيّد من أنّ ما دلّ على التقييد يكون حاكما و مبيّنا للمراد من المطلق، فالأصول اللّفظية الجارية في المقيّد من ظهور أمره في الوجوب تكون حاكمة على الأصول الجارية في المطلق من ظهوره في الإطلاق، و إن كان ظهور الأمر في الوجوب في المقيّد يكون أضعف بمراتب من ظهور المطلق في الإطلاق، لأنّ الشكّ في إطلاق المطلق يكون مسبّبا عن الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب، و بعد جريان أصالة ظهور الأمر فيه في الوجوب يرتفع موضوع الشكّ في المطلق، و من المعلوم أنّ الأصل الجاري في السبب يكون مقدّما على الأصل الجاري في المسبّب، و لا يلاحظ أقوائية الظهور كما صنعه بعض الأعلام، فظهور أمر (أعتق رقبة مؤمنة) حاكم على ظهور المطلق في الإطلاق و إن‌

68

كان ذلك من أضعف الظهورات و هذا من أقواها.

و السرّ في ذلك ما عرفت من أنّ الشكّ في المطلق مسبّب عن الشكّ في المقيّد، و لا يمكن العكس بأن يقال: إنّ الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب مسبّب عن الشكّ في إطلاق المطلق، و بعد الأخذ بأصالة الإطلاق في المطلق يرتفع موضوع الشكّ في كون الأمر في المقيّد للوجوب، و لا بدّ حينئذ من حمله على الاستحباب، و ذلك لأنّ دليل المطلق غير متعرّض للمقيّد، غاية الأمر أنّه لو بقي على إطلاقه يكون معارضا للمقيّد.

و هذا بخلاف دليل المقيّد، فإنّه بمنزلة القرينة للمطلق ك‍ (يرمي) في قولنا (أسد يرمي) فإنّ ظهور يرمي في رمي النبال يكون قرينة على أنّ المراد من الأسد هو الرجل الشجاع، و لا يمكن أن يقال: إنّ ظهور أسد في الحيوان المفترس يكون قرينة على أنّ المراد من يرمي هو رمي التراب، و هذا واضح لا سترة فيه، و قد ذكرناه في باب المطلق و المقيّد مفصّلا، فراجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مقتضى ما عرفت- من حكومة الأصول الجارية في المقيّد على الأصول الجارية في المطلق- هو لزوم حمل المطلقات الواردة في امتداد وقت الظهرين إلى الغروب على المقيّدات الظاهرة في خروج الوقت بالأقدام و المثلين للمختار، و لا تصل النوبة إلى حمل أوامر المقيّدات على الفضيلة و الاستحباب، كما صنعه المشهور.

و لكنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن هناك قرينة على إرادة وقت الفضيلة من الأوامر المقيّدة، و أمّا مع ثبوت القرينة في ذلك ينهدم ظهور الأمر في الوجوب في المقيّدات، و تبقى المطلقات على حالها من امتداد الوقت للمختار إلى الغروب.

و الإنصاف أنّ ملاحظة مجموع الأخبار الواردة في هذا الباب ممّا يشرف‌

69

الفقيه القطع بإرادة وقت الفضيلة من الأقدام و المثلين، و لو لم يكن في أخبار الباب إلّا رواية أحمد بن يحيى لكفى شاهدا في أنّ تلك الأخبار محمولة على تحديد وقت الفضل، و فيها قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام): روي عن آبائك القدم و القدمين و الأربع و القامة و القامتين و ظلّ مثلك و الذراع و الذراعين، فكتب (عليه السلام): لا القدم و لا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، و بين يديها سبحة و هي ثمان ركعات، فإن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ الظهر، فإذا فرغت كان بين يدي الظهر و العصر سبحة و هي ثمان ركعات، إن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ العصر (1).

فيظهر من السؤال و الجواب أنّ الراوي تخيّل أنّ تلك الأوقات أوقات للوجوب فسأل عمّا هو الواجب، فنفى الإمام (عليه السلام) الوجوب و أنّه ليس القدم و القدمان و المثل و المثلان و غير ذلك ممّا ورد عن آبائي (عليهم السلام) وقتا للوجوب، بل إذا زال الزوال دخل الوقتان، فالإمام (عليه السلام) و إن ذكر في الجواب أول الوقت و لم يتعرّض لآخره و أنّ امتداده إلى متى إلّا أنّ جوابه (عليه السلام) كالصريح في أنّ التحديد بتلك الأوقات المروية عنهم (عليهم السلام) لم يكن تحديدا للوقت الواجب بحيث لا يجوز التقديم و التأخير عنه، فهذه الرواية أقوى شاهد على ما ذهب إليه المشهور من أنّ التحديد بذلك إنّما هو لبيان وقت الفضل لا الإجزاء.

و ممّا يدلّ على ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: أحبّ الوقت إلى اللّٰه عزّ و جلّ أوّله، حين يدخل وقت الصلاة فصلّ الفريضة، فإن لم تفعل فإنّك‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 98 باب 5 من أبواب المواقيت، ح 13 و فيه اختلاف يسير.

70

في وقت منهما حتّى تغيب الشمس (1). ضرورة أنّه كالصريح في امتداد الوقت إلى الغروب، و إن كان أوله أفضل لأنّه أحبّ إلى اللّٰه، خصوصا بعد قوله «فإن لم تفعل» الظاهر في عدم الفعل اختيارا، إذ لا يحسن التعبير ب‍ «إن لم تفعل» فيما إذا كان معذورا من الفعل، بل حقّ التعبير حينئذ أن يقال: فإن لم تتمكّن، أو لم نقدر، أو كنت معذورا، و أمثال ذلك ممّا يدلّ على الاضطرار.

هذا مضافا إلى أنّ في نفس هذه الأخبار ما يدلّ على ذلك، كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان في حديث: لكلّ صلاة وقتان و أول الوقت أفضلهما، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي (2)، الحديث. بداهة ظهور «لا ينبغي» في كون آخر الوقت أيضا وقتا للإجزاء و إن كان التأخير مرجوحا، و قوله (عليه السلام) «أوّله رضوان اللّٰه و آخره عفو اللّٰه» (3) و أمثال ذلك من التعبيرات الدالّة بنفسها على جواز التأخير اختيارا، و إن كان أوّله أفضل.

هذا كلّه مع أنّ بعض الأخبار الدالّة على خروج الوقت إذا صار الظلّ أربعة أقدام لا بدّ من حملها على التقية أو طرحها، فإنّ ما ورد من أنّ الحائض إذا طهرت بعد مضى أربعة أقدام من الزوال تصلّي العصر لخروج وقت الظهر بذلك (4). ممّا لا يمكن الالتزام به، بل هو مجمع على بطلانه، بداهة أنّ الحيض من أوضح مصاديق العذر و الاضطرار فلا بدّ من طرحها أو حملها على التقية.

و بالجملة: لا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك، فإنّ ملاحظة الأخبار تكفي في‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 87 باب 3 من أبواب المواقيت، ح 4 و فيه: «أوّل الوقتين»

(3) الوسائل: ج 3 ص 90، باب 3 من أبواب المواقيت، ح 16

(4) الوسائل: ج 2 ص 598، باب 49 من أبواب الحيض، ح نقلا بالمضمون.

71

حمل الأخبار المفصّلة على الفضيلة، هذا تمام الكلام في الموضع الأول.

بقي الكلام في الموضع الثاني:

و هي الجمع بين نفس الأخبار المحدّدة المفصّلة، فإنّه قد عرفت اختلافها في ذلك أيضا، فبعضها تحديد بالمثل للظهر و المثلين للعصر، و هو منتهى ما ورد من التحديد، و بعضها تحديد الظهر بالقدم و العصر بالقدمين، و هو أقلّ التحديدات، و ما بينهما من القدمين و الأربعة و الستّة متوسّطات، و لا يبعد حمل هذا الاختلاف على بيان مراتب الفضل و أنّ أوله بل أول الزوال- كما ورد أنّ أول الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة (1)، الحديث- القدم للظهر و القدمان للعصر، و آخره المثل للظهر و المثلان للعصر و أنّ الأول أفضل، و لا بأس بالتزام عدم دخول وقت فضيلة العصر قبل القدمين و إن فرغ من الظهر قبل ذلك.

بل يمكن أن يستشعر من بعض الأخبار أنّ ما شرع أولا إنّما هو التفريق بين الظهرين و ان الجمع رخصة، كما يظهر ذلك ممّا ورد في نزول جبرئيل (عليه السلام) في اليوم الأول بوقت كذا و في اليوم الثاني بوقت كذا (2). فراجع.

و حاصل الكلام: أنّ الأخبار في الباب مضطربة غاية الاضطراب، فإنّ في بعضها نفي التحديد رأسا، كقوله (عليه السلام) بعد السؤال عن اختلاف الأخبار المروية عن آبائه (عليهم السلام) «لا القدم و لا القدمين .. إلخ» (3) و في بعضها تحديد الظهر بالقدم و العصر بالقدمين، كما في قوله (عليه السلام) «و النصف من ذلك أحبّ إليّ» بعد السؤال عنه عن فعل الظهر بالقدمين و العصر بأربعة أقدام، و بعضها التحديد بالقدمين للظهر و أربعة للعصر، و في بعضها التحديد بالمثل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 108، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 29 و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 114، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 5.

(3) الوسائل: ج 3 ص 98، باب 5 من أبواب المواقيت، ح 13.

72

و المثلين على اختلاف بينها في أنّ ذلك منتهى الوقت كما في أكثر روايات المثل و المثلين، أو أول الوقت كما في بعضها الآخر، و في بعضها تحديد العصر بستّة أقدام في طرف الانتهاء، و غير ذلك من الاختلافات.

و الإنصاف أنّ هذه الاختلافات أقوى شاهد على أنّ التحديد بذلك ليس للوقت الإجزائي، بل إنّما هو لبيان مراتب الفضل.

و لكنّ المتحصّل من مجموع الأخبار- على ما عليها من الاختلاف-: هو أنّ آخر وقت فضيلة العصر المثلان، و آخر وقت فضيلة الظهر المثل، و ما دلّ على أمر الإمام (عليه السلام) لزرارة من فعل الظهر بعد المثل و العصر بعد المثلين (1) فمحمول على أنّ ذلك كان لمصلحة اقتضت إلى عدم فعل زرارة الظهر و العصر في وقت الفضيلة.

و على كلّ حال لا يمكن القول بأنّ وقت الفضيلة إنّما هو بعد المثل و المثلين، لمخالفته للإجماع و صريح عدّة من الروايات بأنّ ذلك آخر الوقت لا أوّله، فما ورد في بعض الأخبار من أنّ أول الوقت هو بعد ذلك مطروح أو مؤوّل.

و أمّا أول الوقت للمتنفّل هو القدم للظهر و القدمان للعصر، فإنّ ذلك أقلّ ما ورد من التحديد، بل يمكن أن يقال: إنّ أول وقت الفضل هو ذلك لغير المتنفّل أيضا، و إنّ ما ورد من التعليل بأنّ التحديد إنّما كان من جهة النافلة فمحمول على أنّ ذلك إنّما هو لبيان حكمة التشريع لا علّته، بحيث يكون أول الزوال أول وقت الفضيلة لغير المتنفّل.

و لكن ينافي ذلك ما ورد من أنّ أول الزوال هو أول الوقت في خصوص يوم‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 105، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 13.

73

الجمعة و المسافر (1). فإنّ ذلك يشعر بأنّ الفضل لغير المتنفّل هو فعله في أول الوقت، و الوجه في تخصيص المسافر و يوم الجمعة إنّما هو لمكان سقوط النافلة في ذلك.

و على أيّ حال، المراد من المثل أو المثلين و القدم و القدمين إنّما هو بملاحظة الظلّ الحادث بعد انعدامه أو انتهاء نقصانه، و أنّ المراد ملاحظة مجموع الظلّ من الباقي و الحادث، بداهة عدم إمكان إرادة ذلك، فإنّه ربّما يكون الظلّ الباقي بقدر المثل باعتبار اختلاف الأمكنة و الأزمنة، فيلزم أن لا يكون حينئذ للظهر وقت فضيلة، فتأمّل جيّدا. و عليك بملاحظة الأخبار الواردة في الباب، فإنّ المقام لا يسع أزيد من ذلك.

المقام الثاني: في بيان آخر وقت المغرب و العشاء، و أول وقت العشاء

، فنقول: أمّا أول وقت العشاء فالمشهور أنّه بعد الفراغ من المغرب، و إن كان قبل سقوط الشفق المفسّر في الأخبار بذهاب الحمرة المغربية، لا البياض المعترض بالأفق، فإنّه يبقى تقريبا إلى ثلث اللّيل. و قيل: إنّ أول وقت العشاء إنّما هو بعد سقوط الشفق، فلا يجوز تقديمها عليه إلّا لصاحب العذر، للأخبار الدالّة بظاهرها على ذلك، كما في خبر نزول جبرئيل بصلاة المغرب قبل ذهاب الشفق، و بصلاة العشاء بعده (2). و مفهوم قوله (عليه السلام) «لا بأس بأن تعجّل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق» و غير ذلك ممّا يظهر منه عدم دخول وقت العشاء للمختار قبل ذهاب الشفق.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 105، باب 8 من أبواب المواقيت، ح 11 نقلا بالمعنى.

(2) الوسائل: ج 3 ص 114، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 3.

74

و الأقوى ما عليه المشهور من دخول وقتها قبل ذلك، و ان كان الأفضل تأخيرها عن ذلك، و ذلك لما ورد في عدّة من الروايات من فعله (صلّى اللّٰه عليه و آله) المغرب و العشاء قبل سقوط الشفق من غير علّة و لا عذر، كما هو صريح الروايات (1) به، و علّل في بعضها بأنّ فعله ذلك ليتّسع الوقت على أمّته.

و لرواية زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) و أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، فقالا: لا بأس به (2).

و غير ذلك ممّا دلّ بالخصوص على دخول وقت العشاء قبل سقوط الشفق، مضافا إلى العمومات و الإطلاقات الواردة في صلاة العشاءين، كقوله (عليه السلام) «إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين، إلّا أنّ هذه قبل هذا» (3).

و حينئذ لا بدّ من حمل ما ورد على فعل العشاء بعد الشفق على الأفضلية، و أنّ الأفضل هو تأخير العشاء عن ذلك إلى ربع اللّيل أو ثلثه.

و أمّا آخر وقت العشاءين فالمشهور أنّه يمتدّ إلى النصف مطلقا حتّى بالنسبة إلى المختار. و قيل: إنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق للمختار، و أمّا المضطرّ فيمتدّ وقته إلى الربع أو الثلث أو النصف أو إلى ما قبل طلوع الفجر بمقدار فعل العشاء على اختلاف الأقوال في ذلك، و كذا الأقوال في طرف العشاء، فقيل: إنّ آخر وقته للمختار الربع أو الثلث على اختلاف القولين في ذلك، و من الربع إلى الثلث أو النصف أو الطلوع، و كذا من الثلث إلى النصف أو الطلوع وقت للمضطرّ.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 162، باب 32 من أبواب المواقيت، ح 8.

(2) الوسائل: ج 3 ص 148، باب 22 من أبواب المواقيت، ح 5.

(3) الوسائل: ج 3 ص 132، باب 16 من أبواب المواقيت، ح 24.

75

و الأقوى ما عليه المشهور من امتداد الوقت مطلقا إلى النصف، و لا بدّ من حمل الأخبار الواردة على أنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق أو ربع اللّيل أو ثلثه، و كذا ما دلّ على أنّ آخر وقت العشاء هو المثلث أو الربع على بيان وقت الفضيلة و مراتبها لا الإجزائي، لعين ما تقدّم في الظهرين.

و حاصله: أنّه و إن كان مقتضى القواعد الأصولية هو حمل المطلقات الدالّة على امتداد الوقت إلى النصف على خصوص المضطرّ، من جهة المقيّدات الدالّة على أنّ آخر وقت المغرب لغير صاحب العذر هو سقوط الشفق أو الربع أو الثلث، و على أنّ آخر وقت العشاء هو الربع أو الثلث لغير ذلك أيضا، إلّا أنّ في المقام قرائن تدلّ على أنّ المراد من المقيّدات المحدّدة إنّما هو الوقت الفضيلي لا الإجزائي، و أنّ تلك التحديدات إنّما هي مراتب الفضل، و ذلك لما ورد في عدّة من الروايات على جواز تأخير المغرب عن الشفق بلا عذر، و كذا تأخير العشاء عن الثلث أو الربع.

و لنذكر بعض الأخبار الواردة في المقام ليتّضح حقيقة الحال، ففي رواية حريز عن زرارة و الفضيل قالا: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ لكلّ صلاة وقتين، غير المغرب فإنّ وقتها واحد، و وقتها وجوبها، و وقت فوتها سقوط الشفق (1).

و في معناها عدّة روايات ظاهرة الدلالة في أنّ آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق لكن مع تقييدها بغير علّة، كقوله (عليه السلام): من أخّر المغرب حتّى تشتبك النجوم من غير علّة فأنا إلى اللّٰه منه بري‌ء (2). و قد أفتى بمضمونها بعض الأصحاب، و في رواية عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّٰه: وقت المغرب في السفر‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 137، باب 18 من أبواب المواقيت، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 138، باب 18 من أبواب المواقيت، ح 8.

76

إلى ثلث الليل (1). و في روايته أيضا قال: قال أبو عبد اللّٰه: وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل (2). و قال الكليني: إنّه روي أيضا إلى نصف الليل (3).

فيفهم من هذه الروايات أنّ آخر وقت المغرب للمضطرّ- بناء على حمل السفر على المثال و أنّ المقصود مطلق العذر- هو الربع، و به روايات عديدة، و قد أفتى بمضمونها بعض، أو النصف كما عن الكليني (4)، و قال به أيضا قوم، هذا في طرف المغرب.

و أمّا العشاء ففي رواية عن صاحب الأمر (عجّل اللّٰه فرجه) أنّه قال: ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم (5) .. إلخ. و هذه الرواية بظاهرها تدلّ على أنّ آخر وقت العشاء هو اشتباك النجوم الذي هو قريب من سقوط الشفق، و لكنّ الظاهر أنّه لم يعمل بها أحد، و في مضمر معاوية بن عمّار: أنّ وقت العشاء الآخرة إلى ثلث اللّيل (6). و يقرب منها رواية الحلبي عن الصادق (7)، و أفتى بمضمونها بعض، و قد ورد في عدّة من الروايات أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: لو لا أنّي أخاف أن أشقّ على أمّتي لأخّرت العشاء إلى ثلث اللّيل (8). و في بعض منها أنّه قال (صلّى اللّٰه عليه و آله): و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل (9).

و في رواية أنّه قال (صلّى اللّٰه عليه و آله): لو لا أنّ أشقّ على أمّتي لأخّرت العشاء‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 2.

(3) الوسائل: ج 3 ص 141، الباب 19 من أبواب المواقيت، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 141، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 3.

(5) الوسائل: ج 3 ص 147، باب 21 من أبواب المواقيت، ح 7.

(6) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 21 من أبواب المواقيت، ح 4.

(7) الوسائل: ج 3 ص 135، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 9.

(8) الوسائل: ج 3 ص 146 باب 21 من أبواب المواقيت، ح 2.

(9) الوسائل: ج 3 ص 135 باب 17 من أبواب المواقيت، ح 7 و فيه اختلاف يسير.

77

إلى نصف اللّيل (1). و روى الكليني إلى ربع اللّيل (2) أيضا.

فهذه جملة الأخبار الواردة في المقام، و أنت إذا نظرت في هذه الأخبار على اختلافها تعرف أنّها ليست بصدد بيان الوقت الإجزائي، بل إنّما هي لبيان وقت الفضل، كما يدلّ عليه قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) في ذيل قوله «لو لا أني أخاف أن أشقّ» «و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل» فإنّه يشعر بأنّ التأخير إلى الثلث ليس من جهة أنّه أول الوقت، كما يوهمه ظاهر قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) «لأخّرت العشاء إلى ثلث اللّيل» بل لمكان أنّ آخر الوقت الفضيلي هو الثلث و أنّه أفضل من أوّله، كما يشعر إليه أنّ تقديمها على ذلك الوقت إنّما هو لمكان خوف المشقّة، و إلّا فالصبر إلى الثلث أفضل، و إن كان الوقت ممتدّ إلى النصف.

فيتحصّل من هذه الرواية أمور ثلاثة: الأول: أنّ الوقت ممتدّ إلى النصف بقرينة قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) «و أنت في رخصة .. إلخ». الثاني: أنّ وقتها يدخل قبل الثلث. الثالث: أنّ الثلث آخر وقت الفضيلي و أنّه أفضل من غيره، و لا مانع من أن يكون آخر وقت الفضيلي أفضل من أوّله، فتكون هذه الرواية مخصّصة لما دلّ على أنّ أول الوقت أفضل مطلقا في جميع الفرائض.

فظهر أنّ هذه الرواية بنفسها تكفي في المطلوب من امتداد وقت العشاء مطلقا إلى النصف، و أنّ ما ورد من الثلث و الربع محمول على الوقت الفضيلي، هذا بالنسبة إلى العشاء، و قد عرفت أنّ قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) «و أنت في رخصة منها إلى نصف اللّيل» كاد أن يكون صريحا في الامتداد إلى ذلك مطلقا حتّى للمختار، ضرورة أنّه لو كان ذلك مخصوصا بالمضطرّ لما كان معنى لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) «و أنت في رخصة» لعدم مناسبة الرخصة مع كونه مضطرا في التأخير،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 146، باب 17 من أبواب المواقيت، ح 5.

78

فإنّ الرخصة إنّما تستعمل في مقام التوسعة و القدرة على الفعل قبل ذلك.

اللّٰهم إلّا أن يقال بتعميم الاضطرار إلى ما لا ينافي ذلك، فتأمّل فإنّ التعميم يلازم القول بالامتداد إلى النصف اختيارا، هذا كلّه مضافا إلى المطلقات التي كادت أن تكون متواترة و الشهرة المحقّقة.

و أمّا المغرب فامتداد وقته إلى النصف من جهة عدم القول بالفصل بينه و بين العشاء، فكلّ من قال بامتداد وقت العشاء إلى النصف اختيارا قال به في المغرب أيضا، هذا.

مضافا إلى الأدلّة الخاصة من جواز تأخير المغرب عن الشفق اختيارا، كما في رواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخّر ساعة؟ قال: لا بأس إن كان صائما أفطر ثمّ صلّى، و إن كانت له حاجة قضاها ثمّ صلّى (1). فإنّ إطلاق الحاجة و عدم تقييدها يدلّ على جواز التأخير لأيّ حاجة، و هذا- كما ترى- يساوق جواز التأخير اختيارا.

و في رواية داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوما، فجلس يحدّث حتّى غابت الشمس، ثمّ دعا بشمع و هو جالس يتحدّث، فلمّا خرجت من البيت نظرت فقد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب (2)، الحديث.

و في رواية إسماعيل قال: رأيت الرضا و كنّا عنده لم يصلّ المغرب حتّى ظهرت النجوم، ثمّ قام فصلّى بنا على باب دار ابن أبي محمود (3).

و إذا جاز التأخير عن الشفق اختيارا فلا محالة يكون ممتدّا إلى النصف، لضعف القائل بالتفصيل، فحينئذ يجب حمل الأخبار المحدّدة في طرف المغرب‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 12.

(2) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 10.

(3) الوسائل: ج 3 ص 143، باب 19 من أبواب المواقيت، ح 9.

79

و العشاء إلى بيان وقت الفضيلة و أنّ أول وقت الفضل للمغرب هو ذهاب الحمرة، كما يدلّ عليه المطلقات من أفضلية أول الوقت، و دونه في الفضل الربع، و دونه الثلث، و كذا أول وقت فضيلة العشاء سقوط الشفق، و آخره الثلث، لكن هنا التأخير إلى الثلث أفضل عكس المغرب و الظهرين فإنّ أول أوقاتها يكون أفضل. هذا كلّه بالنسبة إلى جواز تأخير العشاءين عن الربع و الثلث إلى النصف اختيارا.

و أمّا جواز تأخيرها عن النصف إلى الطلوع إمّا اختيارا كما نسب إلى بعض، أو اضطرارا كما عن المعتبر (1) و المدارك (2)، فمجمل القول فيه: أنّه قد وردت عدّة من الروايات- و فيها الصحاح- أنّ وقت العشاءين ممتدّ إلى الطلوع لكن في خصوص النائم و الناسي و الحائض.

ففي الصحيح عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إن نام الرجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّي كلتيهما فليصلّيهما، و إن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ بالعشاء الآخرة (3).

و في خبر عبد اللّٰه بن سنان: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر و العصر، و إن طهرت من آخر اللّيل فلتصلّ المغرب و العشاء (4). و في طريق آخر: إن طهرت قبل الفجر (5).

و في رواية عبيد اللّٰه بن زرارة: لا تفوت صلاة النهار حتّى تغيب الشمس،

____________

(1) المعتبر في شرح المختصر: ص 138، س 15 من كتاب الصلاة.

(2) مدارك الاحكام: ص 119، س 25 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل: ج 3 ص 209، باب 62 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

(4) الوسائل: ج 2 ص 600، باب 49 من أبواب الحيض، ح 10

(5) الوسائل: ج 2 ص 599 و 600 باب 49 من أبواب الحيض، ح 7 و 12 نقلا بالمضمون.

80

و لا صلاة اللّيل حتّى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس (1).

و مقتضى إطلاق الرواية الأخيرة هو امتداد الوقت إلى الفجر مطلقا و لو اختيارا، خصوصا بعد قوله (عليه السلام) «لا تفوته صلاة النهار حتّى تغيب الشمس» بل يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من خبر طهر الحائض هو ذلك أيضا، بقرينة قوله (عليه السلام) «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر و العصر» بداهة جواز تأخير الظهر و العصر إلى الغروب و إن طهرت قبله بكثير، فينبغي أن يكون العشاءين كذلك، لأنهما جعلا في الرواية على نسق واحد، فتأمّل.

و لعلّ هذا أوجب القول بامتداد وقت العشاءين مطلقا إلى الغروب، و إن قال في الجواهر من أنّه لم يعرف قائله (2)، و الإنصاف أنّه ينبغي أن لا يعرف قائله، فإنّ القول بذلك في غاية السقوط، لتصريح جملة من الأخبار في أنّ منتهى وقت العشاءين هو النصف، فلو أخذنا بإطلاق هذه الرواية من امتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا تكون معارضة لتلك الأخبار بالتباين، و لا يريب أحد في ترجيح تلك الأخبار لكثرتها، بل ربّما يدّعى تواترها، و شهرتها بين الرواة، و عمل الأصحاب عليها، مع أنّه قد عرفت أنّه لم يعلم القائل بامتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا.

فلا إشكال في سقوط هذا القول، و سقوط ما يمكن التمسّك به له، أمّا رواية عبيد اللّٰه بن زرارة فلضعف سندها، على ما في الجواهر (3)، و أمّا رواية الحائض فلأنّ موردها هو الاضطرار، فليس فيها إطلاق بالنسبة إلى غير الاضطرار، و مجرّد ذكر الظهرين قبله لا يكون قرينة على ذلك، مع أنّه- على فرض صحّة السند في‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 116، باب 10 من أبواب المواقيت، ح 9.

(2) جواهر الكلام: ج 7 ص 156.

(3) جواهر الكلام: ج 7 ص 158.

81

الأولى و صحّة الدلالة في الثانية- لا بدّ من طرحها لموافقتها للعامّة لكن في خصوص العشاء، لأنّ المغرب لا يمتدّ عندهم إلى الطلوع بل وقته عندهم ضيّق و أنّ آخره سقوط الشفق، فتأمّل جيّدا.

بقي الكلام في ما ينقل عن المعتبر (1) و المدارك (2) بل الشيخ في الخلاف (3) من امتداد الوقت إلى الطلوع بالنسبة إلى المضطرّ، و مستندهم ما تقدّم من قول الصادق (عليه السلام) «إن نام الرجل و لم يصلّ صلاة العشاء و المغرب (4) .. إلخ» و هو و إن كان مخصوصا بالنوم و النسيان، إلّا أنّه بعد إلقاء الخصوصية يكون الحكم عامّا لمطلق المضطرّ، و به يقيّد ما دلّ على النصف من المطلقات الشاملة بإطلاقها المضطرّ و المختار.

و لا يمكن أن يقال بأنّ غاية ما يدلّ عليه الصحيح هو فعل العشاءين قبل الفجر لو استيقظ أو تذكّر بعد الانتصاف و هو أعمّ من الأداء و القضاء، فلعلّ أن تكون العشاءين بعد الانتصاف قضاء و لكن يجب قضاؤهما قبل الفجر، غاية الأمر أنّه يكون من الأدلّة الدالّة على تعجيل القضاء بالنسبة إلى خصوص النائم و الناسي، فتكون المطلقات حينئذ أخصّ من هذا الصحيح، لأنّ المطلقات تدلّ على خروج الوقت بعد الانتصاف و تكون الصلاة قضاء، و هذه الصحيحة تدلّ على وجوب فعل العشاءين قبل الفجر و لا تعرّض لها للأدائية و القضائية، فلا بدّ من حملها على صورة القضاء كما هو الشأن في صناعة الإطلاق و التقييد، و ذلك لأنّ قوله (عليه السلام) في آخر الصحيحة «و إن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ‌

____________

(1) المعتبر في شرع المختصر: ص 138 س 15 من كتاب الصلاة.

(2) مدارك الاحكام: ص 119 س 25 من كتاب الصلاة.

(3) الخلاف: ج 1 ص 264 مسألة 8 من كتاب الصلاة، طبع مؤسّسة النشر الإسلامي- قم.

(4) الوسائل: ج 3 ص 209 باب 62 من أبواب المواقيت، ح 3.

82

بالعشاء الآخرة» ينفي هذا المعنى، بداهة أنّه لو كانت قضاء لم يكن وجه لسقوط الترتيب و فعل العشاء قبل المغرب، و دعوى سقوط الترتيب في القضاء في هذا المورد بعيد جدّا.

فالإنصاف أنّ الصحيحة في حدّ نفسها ظاهرة الدلالة في امتداد الوقت للناسي و النائم إلى الطلوع، و لا يمكن الحمل على التقية لأنّ الحمل على التقية فرع التعارض و عدم الجمع الدلالي، و في المقام ليس كذلك لأنّ الجمع الدلالي ممكن، لما عرفت من أخصية هذه الصحيحة بالنسبة إلى المطلقات، و في كلّ مورد كان أحد الدليلين أخصّ مطلقا من الآخر يجمع بينهما بحمل المطلق على الخاصّ و لا تصل النوبة إلى ملاحظة التقية، اللّٰهم إلّا أن يكون الخاصّ بنفسه مشتملا على قرائن التقية، و هذا في المقام مفقود أيضا، فلا يمكن الخدشة في دلالة الرواية على ما ذهب إليه في المعتبر (1) و المدارك (2) و الشيخ (3) على احتمال إلّا من حيث تعميم الاضطرار، مع أنّ في الرواية لم يذكر إلّا خصوص النوم و النسيان.

و الإنصاف أنّ إلقاء الخصوصية ليس بذلك البعد، بل في رواية زرارة التصريح بذلك قال: و قال الصادق (عليه السلام): لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتّى تغرب الشمس، و لا صلاة اللّيل حتّى يطلع الفجر و ذلك للمضطرّ و العليل و الناسي (4).

نعم هذه الصحيحة لها معارض في خصوص النوم، و هو مرفوعة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: من نام قبل أن يصلّي العتمة فلم يستيقظ حتّى‌

____________

(1) المعتبر في شرح المختصر: ص 138 س 15 من كتاب الصلاة.

(2) مدارك الأحكام: ص 119 س 25 من كتاب الصلاة.

(3) الخلاف: ج 1 ص 264 مسألة 8 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

83

يمضي نصف اللّيل فليقض صلاته و ليستغفر اللّٰه (1).

و دعوى أعمّية القضاء من فعل الشي‌ء في خارج الوقت ممّا لا شاهد عليها بعد ما كان الظاهر منه هو ذلك، خصوصا بعد قوله «فلم يستيقظ حتّى يمضي نصف اللّيل» إذ لو كان القضاء بمعنى فعل الشي‌ء و لو في وقته لم يكن وجه لهذا التقييد كما لا يخفى، فدلالة هذه الرواية على خروج الوقت بعد النصف بالنسبة إلى النائم في غاية الوضوح، فتكون معارضة مع أحد جزئي تلك الصحيحة، و لا إشكال في ترجيحها على الصحيحة، لموافقتها للمطلقات و مخالفتها للعامّة.

و حينئذ ينهدم ما ذكرناه من استفادة التعميم لمطلق العذر من جهة إلغاء الخصوصية مع قطع النظر عن رواية زرارة (2)، إذ لم يبق في الصحيحة إلّا مورد واحد و هو النسيان، و مجرّد ورود دليل على امتداد الوقت للناسي إلى الطلوع أو هو و الحيض- مع قطع النظر عن الإشكال الوارد فيما يدلّ عليه كما تقدّم- لا يمكن استفادة العموم و تسرية الحكم لكلّ عذر. فالقول بامتداد الوقت إلى ذلك بالنسبة إلى كلّ مضطرّ خال عن الدليل، و ما في رواية زرارة يحتمل إرادة النافلة منه، فتأمّل فإنّه بعيد، هذا.

مع ما قيل من إعراض المشهور عن هذه الأخبار و عدم العمل بها، و موافقتها للتقية، و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بعدم التعرّض لنية الأداء و القضاء، و إن أخّر العشاءين إلى ذلك عمدا، فضلا عن صورة العذر و خصوصا الناسي، فتأمّل جيّدا.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 156 باب 29 من أبواب المواقيت، ح 6.

(2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 3.

84

تنبيه:

لا يخفى أنّ ما ذكرنا من امتداد الوقت إلى النصف يراد النصف من الغروب إلى طلوع الفجر لا النصف باعتبار طلوع الشمس، فإنّ ما بين الطلوعين لا يعدّ من اللّيل لا في اللّغة و لا في الشرع، و لم ينقل القول به أيضا من أحد إلّا من الأعمش، و مخالفته لا تضرّ بتحقّق الإجماع المحكي و المحقّق.

و قد ورد في غير مورد من الكتاب و السنّة إطلاق النهار و اليوم على ما بعد طلوع الفجر، كإطلاق اللّيل على ما قبل ذلك، بل نقل عن البحار (1) وجود مائة خبر يدلّ على أنّ ما بين الطلوعين ليس من ساعات اللّيل، فلا يحتاج إلى ذكر الأدلّة و تفصيلها، فإن المسألة أوضح من ذلك، و إن أردت أن تستحضر عن تفصيلها فعليك بمراجعة الجواهر في باب المواقيت (2)، فإنّه قد أطال الكلام في ذلك، و أتى بما يغني عن غيره.

المقام الثالث:

في بيان أول وقت صلاة الصبح و آخره أمّا أوّله فالظاهر قيام الإجماع من الخاصّة على أنّه هو طلوع الفجر الثاني المعترض على الأفق كالقبطية البيضاء، و هو المعبّر عنه بالفجر الصادق، في مقابل الفجر الكاذب الذي يظهر قبل ذلك و هو كذنب السرحان، مضافا إلى تواتر الأخبار بذلك من غير أن يوجد لها معارض، سوى ما ربّما يتوهّم من خبر ابن مهزيار قال: كتب أبو الحسن الحصين‌

____________

(1) بحار الأنوار: ج 80 ص 74 باب 1 من أبواب النجاسات و المطهرات و أحكامها.

(2) جواهر الكلام: ج 7 ص 71.

85

إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) معي: جعلت فداك اختلف مواليك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلّي إذا اعترض في أسفل الأفق و استبان، و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلّي فيه، فإن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحدّه لي، و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبيّن معه حتّى يجهر و يصبح، و كيف أصنع مع الغيم، و ما حدّ ذلك في السفر و الحضر، فعلت إن شاء اللّٰه. فكتب بخطّه و قرأته: الفجر يرحمك اللّٰه هو الخيط الأبيض المعترض، و ليس هو الأبيض صعدا، فلا تصلّ في سفر و لا حضر حتّى تبيّنه (1)، الحديث.

فإنّ ظاهر السؤال المفروغية عن أنّ الفجر الأول كان وقتا لصلاة الصبح و كانت بعض الموالي تصلّيها فيه، و إنّما سأل عن أفضل الوقتين، و لكنّ هذا لا يصلح للمعارضة بعد جوابه (عليه السلام) و تعيينه الفجر بالفجر الصادق، فلعلّ صلاة بعض الموالي في الفجر الكاذب كان من أجل التقية، إمّا من عند أنفسهم، و إمّا من حيث أمرهم بذلك، و إن لم يوجد فيما بأيدينا من الأخبار أمر الموالي بالصلاة في الفجر الكاذب و على أيّ لا إشكال و لا خلاف في أنّ الميزان هو الفجر الصادق، بل هو من ضروريات المذهب.

إنّما الإشكال في آخره، فالمشهور على أنّه يمتدّ إلى طلوع الشمس اختيارا، و إن كان الفضل عدم تأخيرها من طلوع الحمرة المشرقية و أنّ ذلك آخر وقت فضيلتها.

و قيل: إنّ الامتداد إلى ذلك إنّما هو للمضطرّ، و أمّا المختار فآخر وقتها هو طلوع الحمرة المشرقية.

فممّا يدلّ على المشهور قول أبي جعفر (عليه السلام): وقت صلاة الغداة ما بين طلوع‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 153 باب 27 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه: حتّى يحمرّ و يصبح.

86

الفجر إلى طلوع الشمس (1). كما في رواية زرارة. و في حديث عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا تفوت صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس (2).

و هذا و إن كان مطلقا بالنسبة إلى المختار و المضطرّ إلّا أنّه ليس في المقام ما يصلح للتقييد، فإنّ ما ورد من التحديد بطلوع الحمرة المشرقية لغير صاحب العذر الذي تمسّك به القول الآخر المقابل للمشهور ظاهر في إرادة الوقت الفضيلي لا الإجزائي، و لا بأس بذكر بعضها ليعلم حقيقة الحال.

ففي رواية أبي بصير المكفوف قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء، قلت: فمتى تحلّ الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك، فقلت: أ لست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقال (عليه السلام): لا، إنّما نعدّها صلاة الصبيان، ثمّ قال: إنّه لم يكن يحمد الرجل أن يصلّي في المسجد ثمّ يرجع فينبّه أهله و صبيانه (3).

و في صحيحي ابن سنان (4) و الحلبيّ (5) عن الصادق (عليه السلام): لكلّ صلاة وقتان و أول الوقت أفضلهما، و وقت صلاة الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام.

و في الموثّق في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر أن يصلّي المكتوبة من الفجر إلى أن تطلع الشمس (6).

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 52 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 6، و فيه: صلاة الغداة.

(2) الوسائل: ج 3، ص 52 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 8.

(3) الوسائل: ج 3 ص 55 باب 28 من أبواب المواقيت، ح 2.

(4) الوسائل: ج 3 ص 151 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه: و أول الوقتين.

(5) الوسائل: ج 3 ص 151 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 1.

(6) الوسائل: ج 3 ص 152 باب 26 من أبواب المواقيت، ح 7، و فيه اختلاف يسير.

87

و لو سلك أحد مسلك الإنصاف يقطع بأنّ هذه الأخبار ليست بصدد بيان الوقت الاضطراري و أنّ الوقت الاختياري لا يمتدّ إلى الطلوع، كما يشعر إليه قوله (عليه السلام) «و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا» و قوله (عليه السلام) «إنّما نعدّه صلاة الصبيان» و قوله (عليه السلام) بعد ذلك «و إنّه لم يكن يحمد الرجل» فإنّ الظاهر من هذه التعبيرات هو مرجوحية التأخير إلى طلوع الشمس و أنّ الفضل تقديمها على ذلك، مضافا إلى التصريح بالأفضلية في الصحيحين المتقدّمين، نعم ليس في الأخبار ما يدلّ على امتداد وقت الفضيلة إلى طلوع الحمرة المشرقية، بل الموجود فيها «إلى أن يتجلّل الصبح السماء» أو «يسفر» و كأنّهم فهموا منه ذلك و أنّ تجلّل الصبح و اسفراره يكون مقارنا لظهور الحمرة [1] في طرف المشرق.

فظهر أنّ الأقوى امتداد وقت صلاة الصبح إلى طلوع الشمس مطلقا حتّى للمختار، و أنّ الأخبار المحدّدة كلّها لبيان وقت الفضل، بل الإنصاف أنّ ظهور الأخبار المحدّدة في صلاة الصبح في بيان وقت الفضيلة أقوى بمراتب من ظهور الأخبار المحدّدة في الظهرين و العشاءين و ظهر أيضا أنّ آخر وقت فضيلة الصبح هو طلوع الحمرة المشرقية، و إن كان أول الفجر أفضل كما صرّحت به الصحيحتان، و لا عبرة بالحمرة المغربية على تقدير عدم مقارنتها لطلوع الشمس، كما يدلّ عليه رواية دعائم الإسلام عن الصادق (عليه السلام): إنّ أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق، و آخر وقتها أن يحمرّ أفق المغرب، و ذلك قبل أن‌

____________

[1] بل في بعض الروايات ما يدلّ على ذلك كما في صحيحة ابن يقطين سألت أبا الحسن (عليه السلام) الرجل لا يصلّي الغداة حتّى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر (1)، الحديث. فإنّ الظاهر أنّ عطف و تظهر الحمرة على الإسفراء من باب عطف التفسير فتأمّل جيّدا «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 193 باب 51 من أبواب المواقيت، ح 1.

88

يبدو قرن الشمس من أفق المشرق بشي‌ء لا ينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر، و أول الوقت أفضل (1). و نحوه المحكي عن فقه الرضا (2) (عليه السلام). و هذا كما ترى يدلّ على أنّ آخر وقت الفضل أو آخر وقت الإجزاء هو احمرار أفق المغرب لغير المضطرّ.

لكنّ الظاهر أنّه لم يعمل به أحد من الأصحاب، لانعقاد الإجماع على أنّ آخر وقت الفضل أو الإجزاء هو احمرار أفق المشرق، هذا مضافا ما عن البحار من أنّ اعتبار احمرار المغرب غريب، و قد جرّبت أنّه إذا وصلت الحمرة إلى أفق المغرب يطلع قرن الشمس (3). مع أنّ الرواية صريحة بخلافه، و على أيّ حال لا إشكال في سقوط هذا الجزء من الرواية لعدم العمل بها. هذا تمام الكلام في أوقات الفرائض اليومية.

المقام الثالث في أوقات النوافل اليومية

فالمشهور أنّ وقت نافلة الظهر من الزوال إلى القدمين، و وقت نافلة العصر إلى أربعة أقدام. و قيل: إنّ الظهر إلى المثل، و العصر. إلى المثلين الذي هو آخر وقت فضيلة الفريضتين. و قيل: يمتدّ وقت النافلة بامتداد وقت الفريضة.

و الأقوى ما ذهب إليه المشهور، و يدلّ عليه عدّة روايات، ففي رواية ابن مسكان عن زرارة قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): أ تدري لم جعل الذراع‌

____________

(1) دعائم الإسلام: ج 1 ص 139، و فيه «و لا ينبغي».

(2) فقه الرضا: ص 74.

(3) بحار الأنوار: ج 83 ص 74 باب وقت صلاة الفجر و نافلتها.

89

و الذراعان؟ قال: قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يبلغ ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة (1).

و في معناها عدّة روايات أخر.

و أمّا امتداد وقت النافلة إلى المثل و المثلين فلم يدلّ عليه دليل، سوى ما يتوهّم من دلالة الأخبار المفسّرة للذراع بالقامة عليه، و هي عدّة من الروايات.

ففي رواية زرارة (2) و عبد اللّٰه بن سنان (3) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): كان حائط مسجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر.

و هذا بظاهره يدلّ على أنّ القامة غير الذراع، بقرينة «من» الظاهرة في التبعيض، و لكن بعد البناء على أنّ الحائط- بقرينة ما ورد من تفسير القامة بالذراع- كان ذراعا يتمّ المطلوب، فإنّه يصير المعنى حينئذ أنّ الحائط كان قدر ذراع، فإذا صار الفي‌ء بذاك المقدار- يعني ساوى الظلّ مقدار ذي الظلّ- كان (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصلّي الظهر، و إذا صار الظلّ مقداري ذي الظلّ صلّى العصر، فيكون العبرة بالمثل و المثلين و لا بدّ حينئذ من رفع اليد عن ظهور «من» في التبعيض.

و يجري بهذا المجرى جميع الأخبار الواردة في القامة و القامتين، مع ما ورد عن تفسيرها بالذراع و الذراعين، و يكون الذراع حينئذ كناية عن قامة الشاخص بقرينة التفسير، فيكون العبرة بصيرورة الظلّ بمقدار ذي الظلّ، و هو المراد من المثل و المثلين.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 106 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 20، و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 27.

(3) الوسائل: ج 3 ص 104 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 7.

90

و فيه: أنّ مبنى الاستدلال إنّما هو على حائط المسجد كان ذراعا، حتّى يكون المراد من قوله (عليه السلام) «فإذا مضى من فيئه ذراع» هو صيرورة الظلّ بقدر ذي الظلّ، و هذا المعنى لم يثبت بل الثابت خلافه، و أنّ الحائط كان قدر قامة الإنسان كما هو المحكي عن فقه الرضا (1) (عليه السلام)، و يدلّ عليه أيضا نفس ما في رواية زرارة و عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمتين، فإنّ الظاهر من كلمة «من» هو التبعيض، و هو لا يستقيم إلّا إذا كان مقدار الحائط أكثر من ذراع، و كذا يظهر من صدر الروايتين أيضا، فإنّ الظاهر من لفظ القامة في قوله (عليه السلام) «كان حائط مسجد رسول اللّٰه قامة» هو قامة الإنسان، فإنّ هذا هو المنساق من إطلاقها.

و الحاصل: أنّ تمامية الاستدلال موقوف على أن يكون حائط مسجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قدر ذراع، و هذا مع أنّه لم يثبت في نفسه، ينفيه صدر الرواية و ذيلها، فإنّ المنساق من إطلاق القامة- التي في صدر لرواية- هو قامة الإنسان، و ظهور لفظة «من»- التي في الذيل- في التبعيض، فرواية زرارة و عبد اللّٰه ابن سنان أدلّ على اعتبار القدمين و الأربعة من اعتبار المثل و المثلين و ما ورد من تفسير القامة بالذراع لا شهادة فيها على أنّ الحائط كان قدر ذراع، إذ المستفاد من مجموع الأخبار انّه كان في ذلك الزمان اصطلاح خاصّ و هو التعبير عن الذراع بالقامة، كما يظهر من الصادق (عليه السلام): القامة و القامتان الذراع و الذراعان في كتاب علي (عليه السلام) (2)، و قوله (عليه السلام) عند سؤال أبي بصير كم القامة؟

فقال: ذراع (3) .. إلخ.

____________

(1) فقه الرضا: ص 76.

(2) الوسائل: ج 3 ص 107 باب 8 من أبواب المواقيت الحديث 26 نقلا بالمضمون.

(3) الوسائل: ج 3 ص 106 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 16.

91

و لكنّ هذا لا يدلّ على أن كلّما استعملت القامة في أي مورد يراد منها الذراع حتّى إذا كانت هناك قرينة على الخلاف، فلفظ القامة في رواية زرارة و عبد اللّٰه ابن سنان الواردتين في حائط مسجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يراد منها قامة الإنسان بقرينة الذيل و ما ورد من استحباب أن يكون حائط (1) قامة أو أكثر- على ما قيل- و بقرينة المحكي عن فقه الرضا (2). فمن مجموع هذا يستفاد أنّ الحائط كان قدر قامة الإنسان، و هذا لا ينافي أن يكون المراد من القامة عند إطلاقها هو الذراع، كما ورد التفسير بذلك في عدّة من الروايات، و يكون حينئذ جميع ما ورد من تحديد وقت الظهر و العصر بالقامة و القامتين محمول على القدمين و أربعة أقدام المتساويان للذراع و الذراعين.

فإن قلت: لو حملتم لفظ القامة الواردة في الروايات بالذراع، فبم تستدلّون على امتداد وقت فضيلة فريضة الظهر و العصر بالمثل و المثلين؟ و يكون حينئذ القول بالامتداد إلى ذلك خال عن الدليل.

قلت: بل يستدلّ على ذلك بما ورد من التحديد بالمثل و المثلين، كما في قول الصادق (عليه السلام) لسعيد بن هلال: قل لزرارة إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر، و إذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر (3). و في معناها رواية أخرى (4)، و لا ملازمة بين أن يكون المراد من القامة هو الذراع و بين أن يكون المراد من المثل ذلك أيضا، بل المراد من المثل هو مثل الشاخص [1] كما هو واضح.

____________

[1] لكنّ الظاهر من رواية زرارة هو بلوغ الظل الأعمّ من الباقي و الحادث بعد الزوال مقدار المثل، و هذا لا يستقيم في بعض الأزمنة و الأمكنة، فإنّه ربّما يكون الظلّ الباقي أكثر من المثل، فيلزم أن يكون وقت الفريضة قبل

____________

(1) هكذا في الأصل، و الظاهر سقوط كلمة «المسجد» بعد كلمة «حائط».

(2) فقه الرضا: ص 76.

(3) فقه الرضا: ص 76.

(4) الوسائل: ج 3 ص 110 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 33.

92

فتحصّل: أنّه لا يمكن الاستدلال على امتداد وقت نافلة الظهرين إلى المثل و المثلين بما ورد من أنّ حائط المسجد كان قامة، و كان (صلّى اللّٰه عليه و آله) إذا مضى من فيئه ذراع يصلّي الظهر (1). إذ الاستدلال بذلك إنّما يتمّ بعد حمل القامة على الذراع، و قد عرفت عدم إمكان ذلك، و قد استدلّوا عليه أيضا بأمور أخر غير خالية عن المناقشة.

فالأقوى ما عليه المشهور من امتداد وقت النافلة إلى القدمين و أربعة أقدام.

و أمّا القول بامتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الفريضة فلم يظهر القائل به، و ربّما نسب إلى الحلي- (رحمه اللّٰه)- إلّا أنّه- على تقدير صدق النسبة- لم يكن قولا آخر في المسألة، لأنّ بناء الحلّي- على ما حكي- هو أنّ آخر وقت الفريضة عنده هو المثل و المثلان للمختار، و لم ينقل تصريح منه على امتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الاضطراري للفريضة.

و على أيّ حال لا شاهد على هذا القول من الأخبار أصلا، سوى ما يتوهّم من دلالة الأخبار على عدم وقت للنافلة، و أنّها بمنزلة الهدية كلّ وقت صالح لها على ذلك.

و فيه: مع أنّ هذه الأخبار أعمّ من المدّعى، سيأتي التكلّم فيها إن شاء اللّٰه.

و بناء على المشهور لو لم يصلّ من نافلة الزوال شي‌ء إلى أن صار الظلّ قدمين و كذا لم يصلّ من نافلة العصر شي‌ء إلى أن صار الظلّ أربعة أقدام،

____________

الزوال، و لا يمكن حملها على خصوص الظلّ الحادث، لأنّ قوله (عليه السلام) «إذا كان ظلّك مثلك .. إلخ» ينافي ذلك، فإنّه لو كان المراد خصوص الظلّ الحادث لكان حقّ التعبير أن يقال: إذا صار ظلّك مثلك، كما لا يخفى، هذا.

مضافا إلى أنّ الظاهر من الرواية هو كون المثل و المثلين أول وقت الفريضة لا آخر، مع أنّه ما تضمّنته رواية زرارة قضية شخصية لا يمكن التمسّك بها.

فالإنصاف أنّه بناء على كون المراد من القامة الذراع يكون القول بامتداد وقت فضيلة الفريضة إلى المثل و المثلين خال عن الدليل، فتأمّل «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 108 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 27.

93

فلا إشكال في خروج وقت النافلة.

و أمّا لو تلبّس منها و لو بركعة زاحم بها الفريضة، لقاعدة «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلّها» كما في النبوي (1) الشاملة للفريضة و النافلة بتنزيل صلاة النافلة منزلة صلاة واحدة فتأمّل و لرواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: وقت صلاة الجمعة شراك أو نصف، و قال: للرجل أن يصلّى الزوال ما بين زوال الشمس إلى أن يمضي قدمان، و إن كان قد بقي من الزوال ركعة واحدة أو قبل أن يمضي قدمان أتمّ الصلاة حتّى يصلّي تمام الركعات، فإن مضى قدمان قبل أن يصلّي ركعة إذا زالت الشمس بدأ بالأولى، و لم يصلّ الزوال إلّا بعد ذلك (2)، الحديث. فإنّ الرواية و إن كانت لا تخلو عن إغلاق و إشكال إلّا أنّ دلالتها على المقصود ظاهرة.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يعلم قبل الشروع في النافلة أنّه لم يبق من وقتها إلّا ركعة، أو لا يعلم ذلك بأن دخل في النافلة بظنّ بقاء وقتها، أو كان غافلا و بعد ما صلّى ركعة ظهر خروج وقتها، لإطلاق القاعدة، لكن على أيّ حال يعتبر أن تقع ركعة منها قبل القدمين.

ثمّ لا يخفى أنّ ما قلنا من امتداد وقت النافلة إلى القدمين هو امتدادها إلى رأس القدمين لا إلى أن يبقى من القدمين مقدار أداء الفريضة، لأنّ الظاهر من الأدلّة هو امتداد الوقت إلى نفس القدمين كما هو واضح.

بقي في المقام شي‌ء يجب التنبيه عليه و هو أنّه ربّما قيل بعدم وقت للنافلة بل جميع النهار صالح لها، و إن كان إيقاعها من الزوال إلى القدمين للظهر و الأربعة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 158 باب 30 من أبواب المواقيت، ح 30.

(2) الوسائل: ج 3 ص 178 باب 40 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

94

للعصر أفضل، و قد استدلّ على ذلك بعدّة من الروايات، بعضها ظاهرة الدلالة في ذلك. و ربّما قيل أيضا بجواز فعل النافلة قبل الزوال لكن لا مطلقا. بل لمن علم أنّه شغله شاغل من فعلها في وقتها. و يدلّ عليه أيضا عدّة من الروايات.

فمما يدلّ على الأول ما رواه علي بن الحكم عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال لي: صلاة النهار ستّ عشرة ركعة صلّها أيّ النهار شئت، إن شئت في أوله، و إن شئت في وسطه، و إن شئت في آخره (1). و عن القاسم بن وليد الغسّاني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك صلاة النهار النوافل في كم هي؟ قال: ستّ عشرة ركعة، في أي ساعات النهار شئت أن تصلّيها صليتها، إلّا أنّك إذا صلّيتها في مواقيتها أفضل (2). و عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أيضا قال: صلاة التطوّع بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت، فقدّم منها ما شئت و أخّر منها ما شئت (3).

و قد استدلّ على ذلك أيضا بروايات أخر لا تخلو عن المناقشة، كما أنّ الرواية الأخيرة التي ذكرناها لا تخلو عنها أيضا، لأنّ صلاة التطوّع أعمّ من النوافل اليومية المرتّبة، بل ربّما قيل بظهور التطوّع في التطوّع الابتدائي فلا يشمل النافلة.

فالعمدة هو ما ذكرناه من الروايتين الأولتين، فإنّ الإنصاف كونهما ظاهرتي الدلالة في ذلك، و آبية عن حملهما على القضاء أو غيره جدّا، فلو خلّينا و أنفسنا لكان يلزمنا القول بذلك، و يحمل ما ورد من تحديد النافلة بالقدمين و الأربعة على بيان وقت الفضيلة، و أنّ فعلها عند ذلك يكون أفضل الأوقات.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 36 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 17.

(2) الوسائل: ج 3 ص 36 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 18، و فيه اختلاف يسير. و فيه: ابن وليد الغفاري.

(3) الوسائل: ج 3 ص 170، باب 37 من أبواب المواقيت، ح 8.

95

إلّا أنّ الظاهر أنّه لم يعمل بهما على الإطلاق، بل ربّما ادّعي الإجماع على خلاف ذلك، فتأمّل جيّدا.

و ممّا يدلّ على الثاني ما رواه في الكافي (1) و التهذيب (2) عن الباقر (عليه السلام) من جواز تعجيل نافلة الزوال إذا علم أنّه يشتغل عنها. و في خبر إسماعيل بن جابر قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي اشتغل، قال: فاصنع كما نصنع، صلّ ستّ ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الأكبر، و اعتدّ بها من الزوال (3). و قد استدلّ على ذلك أيضا بروايات أخر لا تخلو عن المناقشة.

و ما ذكرناه ظاهر الدلالة في ذلك، فلو خلّينا و أنفسنا أيضا لكان ينبغي العمل بهذه الروايات مع عدم العمل بالطائفة الأولى، لأنّ بين هذه الروايات و بين ما دلّ على تحديد الوقت بالقدمين و أربعة أقدام أعمّ أخص مطلقا، لأنّ هذه الروايات مخصوصة بمن يشتغل عنها في وقتها، فمقتضى صناعة الإطلاق و التقييد هو حمل الأخبار المحدّدة على من لم يشغله عن النافلة في وقتها شي‌ء.

و لكن أيضا قيل بعدم العمل بها، إلّا أنّ الظاهر خلافه، لما نقل عن التهذيب و جمع آخر من الأساطين العمل بمضمونها. فالإنصاف أنّ القول به لا يخلو عن قوّة، هذا تمام الكلام في وقت نافلة الظهرين.

و أمّا وقت نافلة العشاءين فأول الوقت لنافلة المغرب هو بعد فعل الفريضة، و يمتدّ إلى ذهاب الحمرة المغربية بمقدار أداء الفريضة، هذا هو المشهور، و قد نقل الإجماع عليه. و ربّما مال بعض إلى امتداد وقت نافلة المغرب بامتداد وقت‌

____________

(1) الكافي: ج 3 ص 450 باب تقديم النوافل و تأخيرها و قضائها و صلاة الضحى، ح 1.

(2) التهذيب: ج 2 ص 268 باب 13 من أبواب المواقيت، ح 104.

(3) الوسائل: ج 3 ص 169 باب 37 من أبواب المواقيت، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

96

الفريضة إلى ما قبل انتصاف اللّيل.

و قد استدلّ للمشهور بوجوه:

منها: أنّ المعهود من فعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) هو ذلك (1).

و منها: الأخبار الناطقة بأنّ المفيض إلى عرفات إذا صلّى المغرب في المزدلفة يؤخّر النافلة إلى ما بعد العشاء (2).

و منها: النهي عن التطوّع في وقت الفريضة (3).

و لكنّ الكلّ لا يخلو عن مناقشة، أمّا فعل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)- فعلى تقدير ثبوته- لا دلالة له على خروج وقتها بعد الحمرة، إذ لعلّ فعله في ذلك الوقت كان من باب أنّه كان أفضل أوقاتها.

و أمّا أخبار المفيض من عرفات فهو إنّما لمكان استحباب الجمع بين العشاءين في ذلك المكان كما ذكره الأصحاب.

و أمّا النهي عن التطوّع في وقت الفريضة فإنّما هو عند تضيّق وقت الفريضة، لا أنّ التطوّع في وقت فضيلة يكون منهيّا عنه.

فلم يقم دليل على ما ذهب إليه المشهور إلّا بالتشبّث بعدم ثبوت وقت للنافلة زائدا عن ذهاب الحمرة، و لا بدّ في العبادة من الاقتصار على القدر المتيقّن من التوظيف الواصل، فتأمّل.

و يمكن الاستيناس للمشهور بامتداد وقت نافلة الظهرين إلى آخر وقت فضيلتهما بمقدار أدائهما، و بامتداد وقت نافلة الصبح إلى آخر وقت فضلها بمقدار أدائها، فيستأنس من ذلك أنّ آخر نافلة المغرب هو آخر وقت فضيلتها الذي هو‌

____________

(1) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 3.

(2) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 2.

(3) الوسائل: ج 10 ص 40 باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر، ح 3.

97

ذهاب الحمرة المغربية.

ثمّ إن الكلام في مزاحمة نافلة المغرب لفريضة العشاء هو الكلام في مزاحمة نافلة الظهر لفرضها و نافلة العصر لفرضها، و إن كان بينهما فرق من جهة أنّ المزاحمة في الظهرين إنّما كان بين النافلة و ذيها، و المزاحمة في المغرب إنّما يكون بين نافلة المغرب و فريضة العشاء.

و الأقوال في مسألة مزاحمة نافلة المغرب للعشاء ثلاثة، قيل بعدم المزاحمة و لو فرض أنّه صلّى منها ثلاث ركعات، فلو دخل وقت صلاة العشاء و هو في الركعة الرابعة من النافلة يهدمها. و قيل بالمزاحمة لو صلّى منها ركعة بل أقلّ. و قيل بالمزاحمة في خصوص الصلاة التي بيده بمعنى أنّه لو دخل عليه الوقت و هو في الركعتين الأولتين أتمّها خاصّة و ليس له بعد ذلك الشروع في الركعتين الأخيرتين، و إن كان في الأخيرتين أتمّها أيضا.

و منشأ الاختلاف إنّما هو من حيث عدم النصّ في المسألة، و مقتضى القاعدة الأولية هو عدم المزاحمة مطلقا، و لكن لا بأس بالتمسّك لها بقاعدة «من أدرك» (1) بناء على شمولها للنافلة و كون الأربعة ركعات بمنزلة صلاة واحدة.

و أمّا وقت نافلة العشاء فهو ممتدّ بامتداد وقت الفريضة إلى الثلث أو النصف أو الطلوع على الأقوال فيها.

و أمّا وقت صلاة اللّيل فهو بعد انتصافه، و إن كان تأخيرها إلى السحر و هو الثلث الأخير أو السدس على الاحتمالين فيه أفضل، للأخبار المستفيضة (2) على أنّ أول وقتها هو النصف و آخر وقتها هو طلوع الفجر الثاني، و لا يجوز تقديمها على‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 157 باب 30 من أبواب المواقيت.

(2) الوسائل: ج 3 ص 181 باب 44 من أبواب المواقيت.

98

الانتصاف إلّا لعذر، و لو تلبّس منها بأربع زاحم بها فريضة الصبح، كلّ ذلك للأخبار و عليه المشهور، فلا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك.

وقت نافلة الصبح هو طلوع الفجر الأول إلى طلوع الحمرة المشرقية بمقدار أداء الفريضة على المشهور، و قد دلّ عليه الأخبار [1].

المقام الرابع في الأحكام المتعلّقة بالمواقيت

و فيه مسائل:

الاولى: في جواز التطوّع في وقت الفريضة.

فاعلم أنّ هنا مقامين للتكلّم الأول في التطوّع في وقت الفريضة. الثاني التطوّع لمن عليه فريضة، و إن خلط بعض الأعلام بين المقامين و جعلهما من واد واحد، إلّا أنّ الحقّ أنّه لا ربط لأحدهما بالآخر.

أمّا التكلّم في المقام الأول فمجمله أنّه قد وردت عدّة من الروايات ظاهرها المنع عن التطوّع في وقت الفريضة، و قد أفتى بمضمونها جمع من الأعلام، و وردت أيضا عدّة اخرى ممّا ظاهرها الجواز ما لم يتضيّق وقت الفريضة، فلا بدّ أولا من ذكر الأخبار الواردة من الطرفين، ثمّ نجمع بينهما على ما يقتضيه النظر الصحيح فنقول:

أمّا ما دلّ على المنع فمنها: الأخبار الواردة في تحديد الذراع و الذراعين لنافلة‌

____________

[1] إلّا أنّ الإنصاف عدم قيام دليل معتدّ به في امتداد وقت النافلة إلى طلوع الحمرة و إن ذهب المشهور إليه، فراجع. «منه».

99

الظهرين، معلّلا في بعضها أنّ التحديد بذلك لأجل عدم وقوع التطوّع في وقت الفريضة، كقول الباقر (عليه السلام): أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت: لم؟

قال: لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه (1). و في معناه روايات أخر.

و منها: ما ورد في ركعتي الفجر من صحيح زرارة عن أبي جعفر قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة اللّيل ثلاث عشرة ركعة صلاة اللّيل، أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة (2). و قد ورد النهي عن ركعتي الفجر بعد الفجر أو بعد قول المؤذّن قد قامت الصلاة في روايات أخر أيضا.

و منها: ما رواه زرارة أيضا- على ما حكي من حبل المتين- قال: قلت لأبي جعفر: أصلّي نافلة و عليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: لا؛ إنّه لا يصلّي نافلة في وقت فريضة، أ رأيت لو كان عليك من شهر رمضان كان لك أن تتطوّع حتّى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني و ما كان يقايسني [1].

و ربّما احتمل أنّ هذه الرواية هي التي وردت في ركعتي الفجر التي ذكرناها قبيل هذه و إنّما نقلها حبل المتين أو غيره بالمعنى، و يؤيّده أنّه لم تكن في الكتب الأربعة المعتبرة- على ما حكي.

____________

[1] الحبل المتين: الفصل السابع من المقصد الثالث فيما يتعلق بأوقات القضاء و حكم التنفل في وقت الفريضة ص 150 س 13.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 107 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 21.

(2) الوسائل: ج 3 ص 192، باب 50 من أبواب المواقيت، ح 3. و فيه «ثلاثة عشرة»

100

و منها: موثّق ابن مسلم عن أبي جعفر قال: قال لي رجل من أهل المدينة:

يا أبا جعفر ما لي لا أراك تطوّع بين الأذان و الإقامة كما يصنع الناس؟ قال: قلت:

إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخل الفريضة فلا تطوّع (1).

و منها: خبر أبي بكير عن جعفر بن محمّد (عليه السلام): إذا دخل وقت الصلاة مفروضة فلا تطوّع (2).

و في خبر أديم: لا يتنفّل الرجل إذا دخل وقت فريضة- إلى أن قال:- إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها (3).

و غير ذلك من الأخبار الناهية أو النافية عن الدخول في النافلة قبل المكتوبة، أو الآمرة بالبدأة بالفريضة قبل النافلة ممّا ظاهره الوجوب.

و أمّا ما دلّ على الجواز فمنها: الموثّقة المروية في الكتب الثلاثة- على ما حكي- عن الرجل يأتي المسجد و قد صلّى أهله، أ يبتدأ بالمكتوبة أو يتطوّع؟ فقال: إذا كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة، و إن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة و هو حقّ اللّٰه، ثمّ ليتطوّع بما شاء، الأمر موسّع أن يصلّي الإنسان في أول وقت دخول وقت الفريضة النوافل، إلّا أن يخاف فوت الفريضة و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه أن يصلّي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت (4).

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 7، و في سنده «عن أبي بكر» و فيه اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 3 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 6.

(4) الكافي: ج 3 ص 288 باب التطوع في وقت الفريضة، ح 3 من كتاب الصلاة، و فيه اختلاف يسير.

101

و منها: رواية ابن مسلم قال قلت للصادق (عليه السلام): إذا دخل وقت الفريضة أتنفّل أو أبدأ بالفريضة؟ قال: إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة (1)، الحديث.

و منها: رواية عمّار: إذا أردت أن تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصلّ شيئا حتى تبدأ فتصلّي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة، ثمّ اقض ما شئت (2).

و منها: خبر يزيد سأل الصادق عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة، ما حدّ هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة، قال: المقيم الذي تصلّي معه (3). و في نسخة الوسائل التي عندي لفظة «لا ينبغي» لم تكن، و قد أثبتها في الجواهر، و لعلّ نسخة الوسائل التي عندي غلط، أو كانت الرواية متعدّدة.

و منها: خبر إسحاق بن عمّار قلت: أصلّي في وقت فريضة نافلة؟ قال: نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام يقتدى به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة (4).

و منها: رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): إن فاتك شي‌ء من تطوّع النهار و اللّيل فاقضه عند زوال الشمس، و بعد الظهر عند العصر، و بعد المغرب، و بعد العتمة، و من آخر السحر (5). و غير ذلك ممّا يظهر منه الجواز.

و لا يصغى إلى المناقشة في أسانيد كلتا الطائفتين، فإنّ في كلّ منهما صحاح و موثّقات و معمول به.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 167 باب 36 من أبواب المواقيت، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 207 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 9، و فيه اختلاف يسير.

(4) الوسائل: ج 3 ص 165، باب 35 من أبواب المواقيت، ح 2.

(5) الوسائل: ج 3، ص 201 باب 57 من أبواب المواقيت، ح 10. و فيه «من تطوع الليل و النهار».

102

و كذا لا يصغى إلى ما عن الرياض (1) من حمل الأخبار المجوّزة على التقية، فإنّ فيه- مضافا إلى أنّ ذلك فرع عدم إمكان الجمع الدلالي بين الأخبار و سيأتي إمكان ذلك إن شاء اللّٰه- أنّ في بعض الأخبار المانعة ما يشعر منه عدم كون الأئمة (عليهم السلام) استعملوا التقية في هذه المسألة، كما يظهر بالتأمّل في رواية زرارة (2) الواردة في ركعتي الفجر المشتملة على المقايسة و رواية ابن مسلم (3) المتقدمتين، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان .. إلخ» هو تعليم زرارة طريق المحاجّة و المخاصمة مع من يرى جواز التطوّع في وقت الفريضة، و ليس المراد من قوله (عليه السلام) «أ تريد أن تقايس» بيان القياس في حكم الإمام (عليه السلام) بعدم جواز ركعتي الفجر بعد الفجر، و أنّ الإمام (عليه السلام) هو بنفسه قاس عدم جواز ذلك على عدم جواز التطوّع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان، حتّى يصير المعنى أنّه يا زرارة كما لا يجوز التطوّع بالصوم كذلك لا يجوز التطوّع بالنافلة في وقت الفريضة، فإنّ ذلك- بعد معلومية عدم جواز القياس في الشريعة و استبعاد حكم الإمام (عليه السلام) بالقياس- خلاف الظاهر، بل الظاهر من الرواية [1].

____________

[1] و ما يظهر من رواية حبل المتين (4) من أنّ الإمام (عليه السلام) بنفسه قاس المقام بذلك المقام فقد عرفت احتمال وحدة الرواية، مع أنّه على تقدير التعدّد فلا بدّ من حملها، لأنّه ليس من شأنه القياس فيما يقوله من الأحكام، مع أنّه هو بنفسه يمنع عنه و يحثّ في عدمه، فلا بدّ من حملها على ما لا ينافي ذلك «منه».

____________

(1) رياض المسائل: ج 1 ص 111 س 29 من كتاب الصلاة.

(2) المستدرك: ج 1 ص 195، باب 46 من أبواب المواقيت، ح 3.

(3) الوسائل: ج 1، ص 315، باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3.

(4) المستدرك: ج 1 ص 195 باب 46 من أبواب المواقيت، ح 3، من دون الإسناد إلى حبل المتين.

103

هو تعليم زرارة طريق إلزام الخصم القائل بالقياس، فكأنّه (عليه السلام) قال لزرارة قل لهم كيف جوّزتم أنتم النافلة في وقت الفريضة مع عدم تجويزكم التطوّع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان مع أنّ مذهبكم القياس، و هذا- كما ترى- يظهر منه أنّ الإمام حكم في هذه المسألة بمرّ الحقّ و كان بصدد عدم استعمال التقية، و مع هذا كيف يمكن حمل أخبار الجواز على التقية.

و كذا يظهر ذلك من رواية ابن مسلم (1)، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت الفريضة» مداومة الأئمة (عليهم السلام) على عدم فعل التطوّع في وقت الفريضة، فيظهر منه أنّه لم يكن بناء الأئمّة (عليهم السلام) في هذه المسألة على التقية، هذا كلّه مع أن الحمل على التقية إنّما يكون عند الضرورة، كما اعترف هو- (قدّس سرّه)- بذلك، و لا ضرورة في المقام، لإمكان حمل أخبار المنع على الكراهة و الأقلّية في الثواب بعد تخصيصها بغير الموارد الخاصّة التي ورد فيها استحباب بعض النوافل في أوقات الفرائض، كالغفيلة و الوصية الواردتان بين المغرب و العشاء، و كالنافلة في ليلة الجمعة و ليال شهر رمضان، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

و ممّا يدلّ على أنّ المراد من النهي أو النفي هو أقلية الثواب و المرجوحية في رواية سماعة المتقدّمة «و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة و هو حقّ اللّٰه» (2) و قوله (عليه السلام) في رواية ابن مسلم «إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة» (3) فإنّ ذلك كالصريح في مفضولية التطوّع في وقت الفريضة و أنّ الأرجح تركها، بل يظهر من رواية سماعة أنّ المرجوحية مختصّة بما إذا صلّى‌

____________

(1) الوسائل: ج 1 ص 165 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 164 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 1.

(3) الوسائل: ج 3 ص 167 باب 36 من أبواب المواقيت، ح 2.

104

الإنسان وحده، و أمّا لو صلّى جماعة فلا مرجوحية أيضا في أن يتطوّع إلى أن تنعقد الجماعة.

و احتمال كون قوله «و الفضل .. إلخ» ليس من قول الإمام (عليه السلام) بل من الكليني بعيد غايته و إن لم يذكره في التهذيب.

و يظهر هذا المعنى أيضا- أي كون المرجوحية مختصّة بالمنفرد- من روايات أخر، مثل صحيحة ابن يزيد المتقدّمة «سأل الصادق (عليه السلام) عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة (1) .. إلخ» فإنّ الإمام (عليه السلام) خصّص الرواية التي يروونها بما إذا أخذ المقيم في الإقامة في الجماعة، فإنّه يدلّ على عدم البأس في التطوّع قبل انعقاد الجماعة و لو فرض أنّ الجماعة انعقدت بعد دخول وقت الفريضة بمدّة، فيظهر منه عدم مرجوحية التطوّع في وقت الفريضة لمن كان منتظرا فضل الجماعة، و يكون الحكم بالمرجوحية مختصّ بالمنفرد أو بعد انعقاد الجماعة، هذا.

و لكنّ الظاهر أنّ الرواية غير متعرّضة لحكم المنفرد و أنّه بالنسبة إليه مرجوح أو غير مرجوح، بل الرواية تكون مختصّة بمسألة الجماعة، و أنّ ما روي من أنّه لا ينبغي التطوّع في وقت الفريضة إنّما هو مخصوص بما إذا أخذ المقيم الذي تريد أن تصلّي معه في الإقامة، و أمّا التطوّع قبل ذلك لمثل هذا الشخص فلا مرجوحية فيه.

و على كلّ حال، التأمّل في الروايات يعطي عدم كون النهي فيها للحرمة، بل يستفاد من مجموعها أنّ الإنسان لو لم ينتظر ما يوجب الفضل في التأخير كالجماعة كان الأرجح أن لا يتطوّع بل يبدأ بالمكتوبة، بخلاف ما إذا كان منتظرا لذلك.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 166 باب 35 من أبواب المواقيت، ح 9، و فيه اختلاف يسير.