كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
105

و ربّما يشعر إلى ذلك قوله (عليه السلام) «لا قربة في النوافل إذا أضرّت بالفرائض» (1) بناء على أن يكون المراد من الإضرار بالفريضة هو الإضرار بوقت فضيلتها لا الإضرار بوقتها الإجزائي، فيصير حاصل المعنى: أنّ النافلة إذا أضرّت بفضيلة الوقت فلا قربة فيها، و يستفاد منها أنّه لو زاحم بفضيلة الوقت ما هو أقوى منها كانتظار الجماعة و أمثال ذلك فلا مانع من النافلة فتأمّل. هذا كلّه في التطوّع في وقت الفريضة.

و أمّا التطوّع لمن عليه فريضة فمجمل القول فيه: أنّه و إن ذهب إلى التلازم بينهما بعض- كما نسب إلى الرياض (2) حيث حكي عنه عدم الفرق بين المسألتين- إلّا أنّ الظاهر أنّه لا ربط لأحد المسألتين بالأخرى دليلا و قولا.

أمّا قولا فلاعترافه بأنّ بعض من قال بعدم الجواز في المسألة الاولى- و هي التطوّع في وقت الفريضة- قال بالجواز في هذه المسألة، نعم من قال بالمضايقة في القضاء يلزمه أن لا يفرّق بين المسألتين، فتأمّل.

و أمّا دليلا فلأنّ ما استدلّ به على عدم جواز التطوّع لمن عليه فريضة في غاية الضعف، إذ ليس هو إلّا المرسل: لا صلاة لمن عليه صلاة (3). و إلّا رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، فقال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها- إلى أن قال:- و لا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة (4). و إلّا خبر يعقوب بن شعيب (5)،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 208 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 7.

(2) رياض المسائل: ج 1 ص 112 س 3 من كتاب الصلاة.

(3) المستدرك: ج 1 ص 195 باب 46 من أبواب المواقيت، ح 2.

(4) الكافي: ج 3 ص 292 باب من نام عن الصلاة أو سها عنها، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

(5) الوسائل: ج 3 ص 206 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 4.

106

المتضمّن للأمر بالبدء بالفريضة المقضية قبل قضاء النوافل.

و الاستدلال بمثل هذا لما نحن فيه في غاية الضعف، أمّا المرسل- فمضافا إلى كونه مرسلا، و لم يثبته الأصحاب في الكتب المعتبرة، و إنّما ذكره الشيخ (رحمه اللّٰه) في كتابي المبسوط (1) و الخلاف (2) و لم يذكره في التهذيب و الاستبصار الذي عليهما المعوّل- لم يوجد أحد أفتى بعمومه، فإنّ لازمة عدم جواز التطوّع لمن نذر أن يصلّي ركعتين في مدّة سنة، أو آجر نفسه لذلك، و هذا- كما ترى- لم يقل به أحد و لا يمكن القول به.

و أمّا رواية زرارة (3) فمع معارضتها بعدّة من الروايات الدالّة على استحباب التطوّع بركعتين قبل قضاء الفريضة- يمكن حمل النهي فيها على المرجوحية أو نفي الكمال، كما يمكن حمل الأمر الوارد في خبر يعقوب بن شعيب (4) بالبدأة بالفريضة على الأفضلية، لما دلّ من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز التطوّع لمن عليه فريضة خصوصا و عموما، كما ورد في تقديم قضاء ركعتي الفجر على قضاء صلاة الصبح، و تقديم صلاة اللّيل لمن كان عليه دين من صلاة، و غير ذلك من الأخبار.

و من هنا قيل: لا مرجوحية في فعل النافلة لمن عليه فريضة، و إن قلنا بالمرجوحية في وقت الفريضة، فتأمّل فإنّه ليس بعيدا، لقوّة أدلّة الجواز.

بل يظهر من بعضها أنّ ما ورد في حكم التطوّع كراهة مقصور بما إذا كان في وقت الفريضة، و أمّا مسألة التطوّع لمن كان عليه فريضة فهو خارج عن ذلك، ففي‌

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 127 من كتاب الصلاة.

(2) الخلاف: ج 1 ص 386 من كتاب الصلاة.

(3) الكافي: ج 3 ص 292 باب من نام عن الصلاة أو سها عنها، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 206 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 4.

107

الرواية المشتملة على قصّته مع الحكم بن عتيبة و أصحابه، حيث أخبره في العام السابق عن قول أبي جعفر (عليه السلام): إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى تبدأ بالمكتوبة، و أخبره في العام الآخر قضية نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن صلاة الصبح فقضاها حين استيقظ بعد قضاء نافلتها، فقال له الحكم:

قد نقضت حديثك عام أول، فحكى زرارة ذلك لأبي جعفر (عليه السلام)، فقال (عليه السلام) له: ألا أخبرتهم أنّه قد فاته الوقتان جميعا، و أنّ ذلك كان قضاء عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (1). بداهة أنّه بعد حمل النهي في قوله (عليه السلام) «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة» على الكراهة- كما تقدم الشواهد على ذلك- فيكون الظاهر من قوله (عليه السلام) «ألا أخبرتهم إلى آخره» أنّ ما قلت لك في العام السابق من كراهة التطوّع، فإنّما هو في وقت الفريضة، لا ما إذا كان عليه فريضة، و مسألة قضاء النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) إنّما تكون من قبيل الثاني لا الأول، فتأمّل في الأخبار، فإنّ الأخبار المجوّزة في غاية الصراحة، فلا يمكن رفع اليد عنها بما تقدّم من أخبار المنع، فالأقوى أنّه لا مانع من التطوّع في وقت الفريضة و لمن عليه فريضة، و إن كان الأرجح تأخير التطوّع عن أداء الفريضة.

فرع:

لو نذر التطوّع فهل يصحّ إيقاعه في وقت الفريضة بناء على خروجه بالنذر عن موضوع التطوّع، أو لا يصحّ لأنّه يعتبر في متعلّق النذر أن يكون راجحا مع قطع النظر عن تعلّق النذر به، و المفروض أنّ التطوّع في وقت الفريضة لا رجحان فيها، بناء على الحرمة فلا بدّ من خروج هذا الفرد من التطوّع عن متعلّق النذر لو كان‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 207 باب 61 من أبواب المواقيت، ح 6، نقلا بالمضمون.

108

نذره مطلقا، أو بطلانه من أصله لو قيّده بذلك الوقت؟

الأقوى هو الأول، و بيان وجهه يستدعي بسطا من الكلام، فنقول: إنّه لا إشكال في أنّه يعتبر في متعلّق النذر من الرجحان، كما أنّه يعتبر في متعلّق العهد و اليمين عدم المرجوحية، فيكون الرجحان من قبيل القيود المعتبرة في المتعلّق، و لا إشكال أيضا في اعتبار تقدّم المتعلّق بجميع ماله من القيود على الحكم، بحيث يؤخذ المتعلّق بماله من الشرائط مفروض التحقّق حتّى يرد الحكم عليه، فكلّ قيد لا يتأتّى إلّا من قبل الحكم لا يعقل أخذه في متعلّقه، كمسألة القربة و العلم و الجهل و أمثال ذلك ممّا هو مسطور في الأصول، و حيث كان الرجحان مأخوذا في متعلّق النذر فلا بدّ و أن يكون سابقا على النذر، حتّى يرد النذر على المتعلّق الراجح، و لا يكفي الرجحان الجائي من قبل النذر كما يوهمه بعض العبائر، لتوقّف صحّة النذر على كونه راجحا، فلو توقّف الرجحان على النذر يلزم الدور.

و ما ورد (1) من صحّة نذر بعض المحرّمات، كالإحرام قبل الميقات، و كالصوم في السفر، فليس ذلك من باب الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، و لا من باب تخصيص ما دلّ على اعتبار الرجحان في متعلّق النذر بغير هذا المورد، بل ورود الدليل بصحّة مثل هذا النذر يكشف عن تقييد الحرام الواقعي من الصوم في السفر و الإحرام قبل الميقات بما إذا لم يتعلّق النذر به.

و الحاصل: أنّ النذر من العناوين الطارئة القابلة لتغيّر الواقع عمّا هو عليه من المصلحة و المفسدة، كالضرر و الاضطرار و أمثال ذلك، فإذا ورد دليل بالخصوص على صحّة نذر الحرام فلا محالة يكشف عن تقييد الحرام واقعا بما إذا لم يقع نذر على خلافه، و هذا- كما ترى- لا ربط له بما نحن فيه من عدم إمكان‌

____________

(1) الوسائل: ج 16، ص 203، باب 20 و ص 196 باب 13 من أبواب النذور و العهد.

109

الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، و مجرّد ورود دليل بالخصوص في بعض الموارد لا يمكن تسريته إلى جميع الموارد، إذ يلزمه القول بصحّة نذر جميع المحرّمات، و هذا- كما ترى- بديهي البطلان، فالنذر كالشرط فكما أنّه لا يمكن القول بصحّة الشرط المخالف للكتاب بأدلّة وجوب الوفاء بالشرط فكذلك لا يمكن القول بصحّة نذر المرجوح بأدلّة وجوب الوفاء بالنذر، فلا بدّ من ورود النذر على الموضوع الراجح، و لا أظنّ أحدا خالف ما ذكرناه.

نعم هنا أمر آخر وقع التكلّم فيه من بعض الأعلام، و هو أنّه هل يكفي في صحّة النذر الرجحان حال النذر و إن صار مرجوحا حال الفعل، أو لا يكفي بل يعتبر بقاء الرجحان إلى حال صدور الفعل؟

و معنى الرجحان حال النذر هو أن يكون الفعل حال تعلّق النذر به راجحا، كما إذا نذر زيارة الحسين (عليه السلام) في كلّ ليلة جمعة، ثمّ طرأ في بعض ليالي الجمع ما يقتضي المرجوحية، كما إذا حصلت له الاستطاعة للحج، فربّما يقال:

إنّ الفعل حيث كان في زمان صدور النذر راجحا فالنذر انعقد صحيحا لوجود ما اعتبر فيه من رجحان المتعلّق، و بعد انعقاد النذر المرجوحية الطارئة غير موجبة لانحلاله، ففي المثال المتقدّم الاستطاعة العارضة لا تكون موجبة لانحلال النذر، لأنّه لم تكن الاستطاعة حين انعقاده، فإذا لم تكن موجبة لانحلاله فلا يكون الشخص مستطيعا للحج، و لم يكن واجبا عليه، لاشتغال ذمّته بواجب آخر مقدّم عليه سببا.

و من هنا نقل عن الشيخ صاحب الجواهر- (رحمه اللّٰه)- أنّه كان عند اشتغاله بكتابة الجواهر، ينذر زيارة الحسين (عليه السلام) ليلة العرفة حتّى لا يجب عليه الحجّ لو حصلت له الاستطاعة في الأثناء، و ربّما أفتى بذلك بعض المتأخّرين، هذا.

و لكنّ الظاهر أنّه يعتبر في صحّة النذر و بقائه من ثبوت الرجحان حال صدور‌

110

الفعل، و لا يكفي الرجحان حال النذر كما لا تكفي القدرة على المتعلّق حال التكليف بل يعتبر القدرة حال العمل، فكما أنّ كلّ تكليف مشروط ببقاء القدرة إلى زمان صدور الفعل فكذلك الرجحان في متعلّق النذر لا بدّ و أن يكون باقيا حال العمل، و إن كان بينهما فرق من حيث إنّ اعتبار القدرة عقلي و اعتبار الرجحان شرعي، لكنّ الغرض مجرّد التنظير.

و الحاصل: أنّ الرجحان حال النذر لا أثر له في بقائه، بل لو فرض أنّه كان حال النذر مرجوحا و لكن حال العمل كان راجحا لكان نذره صحيحا بلا إشكال، ففي المثال المتقدّم لا محيص عن القول بانحلال نذره بمجرّد طروء الاستطاعة، و يجب عليه الحجّ لصيرورة زيارة الحسين (عليه السلام) حينئذ مرجوحة، و لا يمكن العكس بأن يقال: الحجّ يصير مرجوحا بعد تعلّق النذر بالزيارة، فتصير الزيارة واجبة لسبق سببه و يرتفع حينئذ موضوع الاستطاعة، و ذلك لأنّ الكلام بعد في انعقاد النذر بالنسبة إلى الزيارة التي حصلت الاستطاعة قبل مجي‌ء زمانها، و مجرّد سبق النذر لا يكفي في ذلك بعد ما كان بقاؤه مشروطا ببقاء الرجحان، فالرجحان حال النذر ممّا لا أثر له.

بل يمكن أن يقال: إنّ الرجحان حال النذر كلمة لا معنى لها، و لا يعقل في مثل المثال أن يقال بالرجحان حال النذر، فإنّه لا إشكال في أنّ زيارة عرفة إنّما تكون راجحة عند مجي‌ء وقتها، و لا يعقل أن يقال: إنّ زيارة عرفة راجحة قبل مجي‌ء وقتها الذي هو وقت النذر، فزيارة عرفة كصلاة الظهر، فكما لا يمكن أن يقال: إنّ صلاة الظهر قبل الزوال راجحة فكذلك لا معنى للقول برجحان زيارة عرفة حين النذر الذي يكون قبل مجي‌ء وقتها، بناء على ما هو الحقّ من عدم معقولية الواجب المعلّق و الشرط المتأخّر، فلو نذر أحد قبل أشهر الحرم زيارة الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة، فانعقاد هذا النذر يكون موقوفا ثبوتا بثبوت‌

111

رجحان الزيارة في ظرف وقوعها، فإذا استطاع الشخص قبل ذلك فتكون الزيارة في وقتها مرجوحة لسبق الاستطاعة، فلا يبقى موضوع للنذر، و لا محيص عن انحلاله، فتأمّل و الحاصل: أنّ النذر كالشرط، فكما لو شرط على المشتري ضيافة زيد في كلّ شهر مثلا أو في شهر خاصّ، و اتّفق ارتداد زيد و كفره في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاص، بحيث حرم ضيافته إمّا لوجوب قتله و إما لحرمة موادّته كان الشرط ملغى، و لا يجب الوفاء به بعموم المؤمنون عند شروطهم (1).

و السرّ في ذلك أنّه يعتبر في الشرط حدوثا و بقاء عدم مخالفته للكتاب، فكذلك لو نذر زيارة الحسين (عليه السلام) في كلّ شهر أو في شهر خاصّ، و اتّفق حصول الاستطاعة في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاصّ، بحيث وجب عليه المسير للحج، كان النذر ملغى و ينحل قهرا، لاعتبار الرجحان في متعلّق النذر حدوثا و بقاء.

فظهر ضعف تعليل بعض الأعلام صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة بارتفاع مرجوحيّتها بنفس النذر، قال: و لا يرد أنّ متعلّق النذر لا بدّ أن يكون راجحا، و على القول بالمنع لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره، و ذلك لأنّ الصلاة من حيث هي راجحة، و مرجوحيّتها مقيّدة بقيد يرتفع بنفس [النذر] (2)، و لا يعتبر في متعلّق النذر الرجحان قبله و مع قطع النذر عنه، حتّى يقال بعدم تحقّقه في المقام، انتهى.

و ظاهر هذه العبارة لا تستقيم من أنّه لا عبرة بالرجحان الجائي من قبل النذر، بل لا بدّ و أن يكون الرجحان متحقّقا قبله، بل لا يعقل ذلك كما عرفت، فتعليل صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة بهذا غير سديد، بل الأقوى في التعليل هو أن‌

____________

(1) الوسائل: ج 15 ص 30 باب 20 من أبواب المهور، ح 4.

(2) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

112

يقال: إنّ ما هو المحرّم التطوّع في وقت الفريضة بوصف التطوع، و ليست ذات صلاة جعفر مثلا محرّمة، بل المحرّم إنّما هو التطوّع بصلاة جعفر و فعلها بداعي الاستحباب و التنفّل، و صلاة جعفر بهذا الوصف لم يتعلّق النذر بها، بل لا يمكن أن يتعلّق بها مقيّدة بهذا الوصف، لأنّه يعتبر في متعلّق النذر القدرة عليه، و صلاة جعفر بوصف كونها مستحبّة غير مقدورة بعد تعلّق النذر بها لصيرورتها واجبة، فلو فرض أنّ أحدا نذر فعل صلاة جعفر بوصف كونها مستحبّة، كان نذره باطلا و لا ينعقد أصلا، فالنذر دائما يكون متعلّقا بذات العمل، و ذات صلاة جعفر مع قطع النظر عن استحبابها لم تكن محرّمة في وقت الفريضة، بل المحرّم إنّما هو التطوّع بها، فإذا لم تكن ذات العمل منهيّا عنه فلا مانع من تعلّق النذر به، و يصير بذلك واجبا و يخرج موضوعا عن كونه تطوّعا في وقت الفريضة، بل يكون فريضة في وقت فريضة.

فإن قلت: هب أنّ ذات العمل لم يكن منهيا عنه، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في صحّة النذر، لما تقدّم من اعتبار الرجحان في متعلّقه، و لا يكفي مجرّد عدم المرجوحية، و ذات العمل في وقت الفريضة حيث لم يتعلّق به أمر استحبابي و لا وجوبي لا يمكن الحكم برجحانه، فإنّ ذلك يكون رجما بالغيب.

و الحاصل: أنّ رجحان الشي‌ء لا بدّ و أن يستكشف من تعلّق الأمر، إذ لا طريق لنا إلى معرفته سوى ذلك، و صلاة جعفر في وقت الفريضة بعد ما لم يتعلّق بها أمر استحبابي و لا وجوبي حسب الفرض فمن أين يحكم برجحانها حتّى يصح نذرها، فتكون واجبة و تخرج موضوعا عن كونها تطوّعا في وقت الفريضة، فلا محيص إمّا عن القول ببطلان النذر و إمّا عن القول بالاكتفاء بالرجحان الآتي من قبل النذر، و قد تقدّم عدم معقولية الثاني، فلا بدّ من الأول و هو بطلان النذر.

قلت: يكفي في إثبات الرجحانية نفس العمومات الدالّة على مشروعية صلاة‌

113

جعفر في نوعها، و كذا العمومات الدالّة على أنّ الصلاة قربان كلّ تقي (1)، و معراج المؤمن [1]، و سقوط الأمر بها في وقت الفريضة لا يلازم سقوط الرجحانية المستكشفة من تلك العمومات.

و الحاصل: أنّ القدر الثابت إنّما هو سقوط الأمر بالنوافل في وقت الفريضة، و أمّا سقوط الرجحان فلم يقم عليه دليل.

مضافا إلى معلومية أنّ الصلاة المشتملة على الذكر و الدعاء لم تكن مرجوحة في حدّ نفسها بل تكون راجحة، فحينئذ يصحّ تعلّق النذر بها، و بسببه تخرج عن كونها تطوّعا في وقت الفريضة.

و لا يقاس ذلك بما إذا نذر أن يصلّي خمس ركعات متّصلة، حيث يكون نذره باطلا بالإجماع مع اشتمالها على الدعاء و الذكر، و ذلك لأنّ الصلاة المشتملة على خمس ركعات لم تكن مشروعة في نوعها، و هذا بخلاف صلاة جعفر و غيرها من النوافل لمشروعيّتها في نوعها، و إن سقط أمرها من جهة مزاحمتها لوقت الفريضة فتحصّل: أنّ الرجحان المعتبر في متعلّق النذر حاصل في المقام سابقا على النذر و مع قطع النظر عن تعلّق النذر به، فلا حاجة إلى الالتزام بتلك المقالة الفاسدة من كفاية الرجحان الجائي من قبل النذر، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّه بعد للنظر فيه مجال، إذ لمانع أن يمنع ثبوت الرجحان بعد تخصيص تلك العمومات الدالّة على مشروعية الصلاة بغير وقت الفريضة.

نعم لو كان سقوط الأمر بالنوافل في وقت الفريضة من باب المزاحمة لا التخصيص لكان القول بثبوت الرجحان في محلّه، إلّا أنّ إثبات ذلك مشكل،

____________

[1] الظاهر أن هذا مستفاد من الخبر لا أنّه بنفسه خبر مستقل، راجع بحار الأنوار: ج 82 ص 248.

____________

(1) الكافي: ج 3 ص 265 باب فضل الصلاة، ح 6.

114

و لا يسعنا التكلّم في ذلك بأزيد ممّا ذكرناه، فعليك بالتأمّل.

فإن قلت: سلّمنا جميع ما ذكرته من تعلّق النذر بذات الصلاة لا بوصف التطوّع، و من ثبوت الرجحان لها مع قطع النظر عن تعلّق النذر بها، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ الأمر بالوفاء بالنذر توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد التقرّب و امتثال الأمر، و المفروض أنّ ذات الصلاة في وقت الفريضة لم تكن مأمورا بها بأمر عبادي، فمن أين تقولون يعتبر في صحّة مثل هذه الصلاة المنذورة من قصد التقرّب و الأمر، بحيث لو لم يأت بها بهذا القصد كانت الصلاة باطلة، و لم يبرأ من نذره، مع أنّه لم يكن في البين أمر عبادي يقصد؟

و الحاصل: أنّ الأمر النذري لو اتّحد مع الأمر العبادي في المتعلّق، بأن تعلّق الأمر النذري بعين ما تعلّق به الأمر العبادي، لاكتسب الأمر النذري التعبّدية من الأمر التعبّدي لاتّحادهما.

و ذلك كما لو نذر صلاة اللّيل، فحيث إنّ النذر إنّما يتعلّق بذات صلاة اللّيل لا بوصف كونها مستحبّة، و إلّا لكان النذر باطلا لعدم القدرة عليه من حيث صيرورة صلاة اللّيل بعد النذر واجبة، فلا يمكن إتيانها بوصف كونها مستحبّة، فالنذر- لا محالة- يتعلّق بذات صلاة اللّيل، و المفروض أنّه قد تعلّق بذات الصلاة أمر استحبابي عبادي، فيتّحد متعلّق النذر مع متعلّق الأمر الاستحبابي، و حيث لا يمكن اجتماع الوجوب و الاستحباب في متعلّق الواحد فلا محالة يكتسب الأمر النذري التعبّدية من الأمر الاستحبابي و ينخلع عمّا كان عليه من التوصّلية، كما أنّ الأمر الاستحبابي يكتسب من الأمر النذري الوجوب و ينخلع عمّا كان عليه من الاستحباب، فيتّحد الأمران و يحصل من ذلك أمر وجوبي عبادي، لكنّ هذا إنّما يكون بعد تعلّق الأمر العبادي بصلاة اللّيل.

و أمّا فيما نحن فيه فالمفروض أنّه لم يتعلّق بذات صلاة جعفر في وقت الفريضة‌

115

أمر عبادي، و الأمر النذري لا يكون إلّا توصّليا، فمن أين يكتسب التعبّدية حتّى يكفي قصده في وقوع الصلاة عبادة مقرّبة؟

قلت: قد علم من مذاق الشارع أنّ الصلاة وظيفة شرّعت لأن يتعبّد بها، فلو تعلّق بها أمر لكان الأمر لا محالة عبادي يعتبر في سقوطه من قصد الامتثال، و حيث إنّ النذر تعلّق بصلاة النافلة بذاتها، و المفروض اجتماع هذا النذر لشرائط الصحّة من الرجحان و غيره، فلا محالة يتعلّق الأمر النذري بذات الصلاة، و إذا تعلّق بها أمر- و إن كان من قبل النذر- فلا بدّ و أن يكون عباديا.

و بالجملة: الأمر النذري يختلف باختلاف ما تعلّق به، فلو تعلّق بأمر عبادي بمعنى أنّه لو تعلّق به أمر لكان أمره عباديا، لكان الأمر النذري عباديا لا يسقط إلّا بقصد الامتثال، و لو تعلّق بأمر غير عبادي يكون توصّليا لا يعتبر في سقوطه ذلك، فتأمّل فإنّ للنظر في ذلك أيضا مجال.

هذا كلّه بناء على حرمة التطوّع في وقت الفريضة، و قد عرفت أنّ الأقوى صحّة النذر مطلقا، و جواز فعل المنذور في وقت الفريضة، لصيرورته واجبا سواء كان نذره مطلقا أو قيّده بخصوص وقت الفريضة، و إن كان الصحة في المطلق أوضح كما لا يخفى وجهه.

و أمّا لو قلنا بالكراهة من باب أقلّ الثواب- كما هو الشأن في كراهة العبادات- فلا ينبغي الإشكال في صحّة النذر، لأنّ الكراهة في العبادات تجتمع مع الرجحان و الأمر كليهما، و يكون جميع أركان النذر متحقّقا بلا أن يدخله ريب، فتأمّل جيّدا.

و لو آجر نفسه لصلاة الزيارة مثلا في وقت الفريضة فالأقوى أيضا هو الصحّة، لصيرورتها بالإجارة واجبة و تخرج عن موضوع التطوع، بل الصحّة في الإجارة أوضح منها في النذر، لإمكان الإشكال في النذر من حيث الرجحان المعتبر في‌

116

متعلّقه، و يتوهّم أنّ ذات الصلاة التي هي متعلّقة للنذر مع كونها غير مأمور بها لا رجحان فيها، و هذا بخلاف الإجارة فإنّ متعلّقها هي الصلاة المأمور بها بالأمر المتوجّه على المنوب عنه، فهذا الوصف داخل في متعلّق الإجارة.

نعم هنا صورة إشكال، و هو أنّه يعتبر في متعلّق الإجارة أن يكون العمل المستأجر عليه ممّا يباح على الأجير فعله بحيث لا يكون العمل محرّما عليه، و وجه اعتبار ذلك واضح، و في المقام لو كان متعلّق الإجارة هو الصلاة بوصف كونها مأمورا بها بالأمر الاستحبابي فالأجير لا يمكنه فعلها بهذا الوصف، لأنّ المفروض حرمة التطوّع في وقت الفريضة، فإذا لم يمكن للأجير فعلها فكيف يصير أجيرا على فعلها؟

هذا مضافا إلى أنّه يعتبر في متعلّق الإجارة أيضا أن يكون المستأجر قادرا على العمل، بحيث يكون المستأجر ممّا يمكنه الفعل إذا أراد المباشرة به، فإذا كان الفعل محرّما عليه شرعا لما جاز الإجارة عليه، لأنّ فعل الأجير فعل المستأجر و يكون في الحقيقة هو العامل ببدنه التنزيلي، و في المقام لو وقعت الإجارة في وقت فريضة المستأجر لكان مقتضى القاعدة بطلان الإجارة.

و الحاصل: أنّه لو وقعت الإجارة في وقت فريضة الأجير لزم الإشكال الأول، و لو وقعت في وقت فريضة المستأجر لزم الإشكال الثاني، و لو وقعت في وقت فريضة كلّ منهما لزم الإشكالان جميعا، هذا.

و لكن يدفع الأول بأنّ ما يحرم على الأجير إنّما هو فعل التطوّع لنفسه في وقت فريضة، لا فعل ما هو مستحبّ على الغير في وقت فريضة نفسه بالإجارة، فإنّ ذلك لا مانع عنه في حدّ نفسه و لا دليل على حرمته، نعم التبرّع عن الغير فيما يستحبّ عليه لا يخلو عن إشكال، لصدق التطوّع في وقت الفريضة على مثل هذا، مع أنّ ذلك أيضا لا يخلو عن نظر، فإنّ التبرّع إنّما هو في جهة النيابة لا في نفس الفعل، فالمتبرّع‌

117

إنّما يفعل ما هو مستحبّ على الغير نيابة عنه بقصد المجّانيّة و القربة، فيثاب على هذا المعنى أي على فعله نيابة لا على أصل الفعل، ففعل الصلاة نيابة عن الغير لا يدخل في عنوان حرمة التطوّع في وقت الفريضة، سواء كان بالتبرّع أو بالإجارة، و إن كان بالإجارة أوضح و أبعد عن الإشكال، و أمّا التبرّع فبعد يحتاج إلى مزيد تأمّل.

و يدفع الثاني بأنّ ما هو حرام على المستأجر إنّما هو المباشرة بالتطوّع، و أمّا لو كان ذلك بالنيابة فلا، و لا ملازمة بين حرمة المباشرة و حرمة النيابة، كما يظهر ذلك من جواز إجارة الحائض الغير للطواف مع حرمة الطواف عليها مباشرة، و كذا اجارة الجنب الغير لدخول المسجد، و غير ذلك من الموارد كما يظهر للمتتبّع، فلا إشكال من هذه الجهة أيضا، و لكن مع ذلك بعد في النفس من صحّة الإجارة شي‌ء، فتأمّل.

المسألة الثانية: لو حصل للمكلّف أحد الأعذار المانعة عن التكليف،

كالحيض و الجنون و أمثال ذلك، فإن مضى من الوقت مقدار فعل الصلاة التامّة الأجزاء و الشرائط، من الطهارة المائية و تحصيل الساتر و غير ذلك من الشرائط التي كان فاقدا لها قبل الوقت ثمّ طرأ عليه العذر، فلا إشكال و لا خلاف في وجوب القضاء عليه، كما لا إشكال و لا خلاف فيما إذا طرأ عليه العذر في أول الوقت في سقوط القضاء، إنّما الإشكال و الخلاف فيما إذا مضى من الوقت أقلّ من ذلك المقدار، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ و كذا الكلام بالنسبة إلى آخر الوقت لو زال العذر قبل آخره بمقدار لا يتمكّن من فعل الفريضة مجتمعة للشرائط و الأجزاء، مع تمكّنه منها فاقدة للشرائط مع الطهارة المائية، أو بدونها أيضا بحيث لم يكن متمكّنا إلّا من الصلاة مع الطهارة الترابية فقط دون سائر الشرائط و دون الطهارة المائية، فهل يجب عليه فعلها و لو خالف كان عليه القضاء، أو لا يجب إلّا إذا زال العذر‌

118

قبل آخره بمقدار فعل الفريضة مجتمعة لجميع الشرائط؟

و لنقدّم الكلام في أول الوقت ثمّ نعقّبه بآخره إذ ربّما يكون بينهما تفاوتا بحسب الدليل، فنقول.

مقتضى القاعدة أنّه لو طرأ عليه أحد الأعذار المسقطة للتكليف قبل مضي مقدار من الوقت يمكنه فعل الفريضة تامّة للأجزاء و الشرائط هو عدم وجوب القضاء عليه و لا الأداء، إذا علم في أول الوقت بطروّ العذر بعد ذلك.

أمّا عدم وجوب الأداء فلأنّ المفروض عدم تمكّنه من فعل الصلاة التامّة، و لا دليل على سقوط الشرائط بالنسبة إلى مثل هذا الشخص، فإنّ ما دلّ على سقوط الشرائط في حال الاضطرار إنّما هو مختصّ بما إذا كان الشخص غير متمكّن في حدّ نفسه من فعل الشرط، لا ما إذا كان في حدّ نفسه متمكّنا من فعل الشرط و لكن طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف، كما فيما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ العذر عن فعل الشرط في زمان لا يكفي في سقوط التكليف عنه ما لم يتعذّر في جميع الوقت كما هو التحقيق في ذوي الأعذار، بل يحتاج في سقوط التكليف عن الشرط هو ثبوت العذر في تمام الوقت، و لذا لا يجوز لذوي الأعذار البدار إلى فعل الصلاة الفاقدة للشرائط ما لم يعلم بعدم زوال العذر، إلّا أن يقوم دليل شرعي على تنزيل العذر في زمان منزلة العذر في تمام الوقت، كما لا يبعد ثبوت ذلك بالنسبة إلى خصوص الطهارة المائية، حيث يجوز عليه البدار مع الطهارة الترابية و إن لم يعلم باستيعاب العذر لتمام الوقت، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه، و أمّا ما عدا الطهارة من سائر الشرائط فيحتاج في سقوط التكليف عنها بحسب القاعدة إلى استيعاب العذر لتمام الوقت، و لا يكفي العذر في بعض الوقت لسقوط التكليف بالشرط، و ما نحن فيه لم يستوعب العذر تمام الوقت بل إنّما طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف من الحيض و الجنون و غير ذلك.

119

فإن قلت: أما قلتم إنّ العذر إذا استوعب تمام الوقت كان التكليف بالنسبة إلى الشرط المعذور فيه ساقطا و كان يجب عليه الصلاة فاقدة لذاك الشرط، فما الفرق بين ما نحن فيه و بين ذلك، فإنّ الوقت بالنسبة إلى من تحيض عقيب نصف من الزوال هو هذا المقدار من الزمان، و المفروض أنّ في هذا المقدار من الزمان غير متمكّن من الشرائط، فهو كما إذا استوعب عذره تمام الوقت؟

قلت: ليس الأمر كذلك، فإنّ طروء الحيض لا يوجب تضييق في الوقت المضروب للصلاة، بل الوقت المضروب إنّما هو باق على حاله، غاية الأمر أنّ الشخص غير متمكّن من فعل الصلاة في وقتها من جهة عروض المسقط.

و الحاصل: أنّه فرق بين أن يستوعب العذر تمام الوقت المضروب للصلاة من الزوال إلى الغروب و بين أن يعرض المسقط في أثناء الوقت، فإنّ عروض المسقط لا يجعله آخر الوقت، فلا بدّ في القول بوجوب الأداء على مثل هذا الشخص من قيام دليل بالخصوص على تنزيل العذر في بعض الوقت بمنزلة العذر في تمام الوقت.

و القول بأنّ وقت هذا الشخص هذا المقدار من الزمان حتّى يدخل في موضوع من استوعب عذره تمام الوقت خال عن الدليل، بل هو قياس محض، فتأمّل فإنّه بعد للتأمّل فيه مجال.

ثمّ لا أقلّ من الشكّ في كون هذا المقدار من العذر المتعقّب بالمسقط موجبا لسقوط التكليف عن الشرط فقط حتّى يجب عليه الصلاة الفاقدة، كما إذا استوعب العذر إلى تمام الوقت، فأصالة البراءة محكّمة، لأنّ انعدام المشروط عند انعدام شرطه ممّا لا يدخله ريب، و المفروض الشكّ في شمول تلك الأدلّة الدالّة على سقوط خصوص الشرائط بالنسبة إلى مثل من يعرضه المسقط، إذ لا أقلّ من كون المتيقّن منها هو ما إذا لم يكن الشخص في حدّ نفسه قادرا على الشرط في مجموع‌

120

الوقت، فبالنسبة إلى مثل هذا شاكّ في توجّه التكليف إليه و الأصل البراءة، فالأقوى هو عدم وجوب الأداء على من علم بطروّ المسقط قبل تمكّنه من فعل الصلاة تامّة الأجزاء و الشرائط، فتأمّل.

ثمّ على تقدير وجوب الأداء عليه لا وجه لوجوب القضاء عليه لو عصى و خالف، و ذلك لأنّ تبعيّة وجوب القضاء على الأداء إنّما هو فيما إذا لم يقم دليل على سقوط القضاء، و فيما نحن فيه قام الدليل على سقوط القضاء، فإنّ ما دلّ على أنّ ما فوّته الحيض و الجنون لا قضاء عليه شامل لما نحن فيه، فإنّ الصلاة التامّة الأجزاء و الشرائط قد فوّته الحيض فلا قضاء لها، و القول بقضاء الصلاة الفاقدة بديهي الفساد بعد تمكّن المكلّف من الصلاة التامّة.

و الحاصل: أنّ الصلاة التامّة للشرائط لا قضاء لها من جهة أنّها فاتت بسبب الحيض، و الأدلّة ناطقة بعدم وجوب قضاء ما فات بالحيض، و قضاء الصلاة الناقصة ضروري الفساد و لم يدّعه أحد، و لا يقاس ما نحن فيه بما إذا كان مكلّفا بالصلاة الناقصة ففوّتها عصيانا حيث يجب عليه قضاء الصلاة التامّة بلا إشكال، لأنّ التمامية و الناقصية إنّما هي من حالات المكلّف كالجهر و الإخفات تدور مدار حال المكلّف من التمكّن و عدمه، ففي الوقت حيث لم يكن متمكّنا إلّا من الناقصة كانت هي الواجبة ليس إلّا، و أمّا في خارج الوقت فحيث إنّه متمكّن من التامّة كانت هي الواجبة أيضا ليس إلّا، و ذلك لأنّ كون التمامية و الناقصية من حالات المكلّف مسلّم، إلّا أنّ العصيان لم يكن مسقطا للقضاء كما كان الحيض مسقطا له.

و الحاصل: أنّ الفرق بين العصيان و الحيض هو قيام الدليل على عدم قضاء ما فات بالحيض. فالأقوى أنّه و إن قلنا بوجوب الأداء على من علم بطروّ المسقط لا يجب عليه القضاء، فتأمّل. هذا كلّه بالنسبة إلى أول الوقت.

121

و أمّا آخر الوقت فيمتاز عن أوله أنّه إذا أدرك مقدار خمس ركعات مع سائر الشرائط كان يجب عليه الأداء قطعا لقاعدة «من أدرك» و إن خالف كان عليه القضاء أيضا قطعا، و هذا بخلاف أول الوقت، فإنّه لا بدّ في وجوب الأداء و القضاء من إدراك ثمان ركعات من سائر الشرائط، لعدم جريان قاعدة «من أدرك» بالنسبة إلى أول الوقت، لاختصاص أدلّتها بآخره كما لا يخفى.

و أمّا لو أدرك من آخر الوقت دون ذلك فالكلام فيه الكلام في أوله أداء و قضاء، أمّا عدم وجوب القضاء عليه لو خالف فلجريان عين ما ذكرناه في أول الوقت فيه أيضا بلا تفاوت، و أمّا عدم وجوب الأداء عليه، فلأنّه و إن لم تجر العلّة التي ذكرناها في أول الوقت فيه، لأنّ من أفاق في آخر الوقت بمقدار لا يمكنه فعل الصلاة مجتمعة للشرائط أو طهرت الحائض كذلك فقد استوعب عذره تمام الوقت، فيكون مشمولا لتلك الأدلّة الدالّة على سقوط الشرائط عند عدم التمكّن منها في مجموع الوقت، و إن كان يمكن أن يدّعى أنّ تلك الأدلّة مقصورة بما إذا كان الشخص غير متمكّن من فعل الشرط في حدّ نفسه في مجموع، لا ما إذا كان متمكّنا منه و كان جهة عذره من جهة انتفاء ما هو شرط التكليف من العقل و الخلوّ عن الحيض، إلّا أنّ الإنصاف أنّ قصر تلك الأدلّة بذلك مشكل.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الشرائط المأخوذة في لسان الأدلّة شرط للتكليف، كالعقل و البلوغ و الخلوّ عن الحيض، لها دخل في الملاك و ما هو جهة التكليف من المصالح و المفاسد، فحينئذ الصلاة التامّة للشرائط لا ملاك لها مع استيعاب الحيض و الجنون إلى قريب من آخر الوقت، و لا دليل على ثبوت الملاك في الصلاة الناقصة، فلا طريق إلى إثبات وجوب الأداء على مثل هذا، فتأمّل فإن هذا أيضا لا يتمّ إلّا بعد القول بعدم شمول تلك الأدلّة الدالّة على ثبوت التكليف بالناقص‌

122

مع عدم التمكّن من التام، كقوله (عليه السلام) «الصلاة لا تترك بحال» (1) و أمثال ذلك لما نحن فيه، و عليه لا حاجة إلى هذا البيان، و أمّا بعد الاعتراف بشمول تلك الأدلّة له فنفس تلك الأدلّة تكفي في ثبوت الملاك و التكليف بالناقص، فتأمّل فتأمّل [1] فإنّ المسألة مشكلة، و على أيّ حال على تقدير القول بوجوب الأداء على مثل هذا الشخص لا دليل على ثبوت القضاء عليه بالبيان المتقدّم في أول الوقت.

و لا فرق فيما ذكرنا بين الطهارة المائية و سائر الشرائط، فكما أنّه يعتبر في آخر الوقت القدرة على الطهارة المائية، كما ورد به النصّ في باب الحيض و اعترف به الخصم، كذلك يعتبر القدرة على سائر الشرائط.

بل يمكن أن يستدلّ على اعتبار القدرة على جميع الشرائط في آخر الوقت بمصححة عبيد بن زرارة: أيّما امرأة رأت الطهر و هي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة معيّنة ففرّطت فيها حتّى تدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرّطت فيها، و إن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة و دخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء (2). بناء على أن يكون المراد من قوله «قامت في تهيئة ذلك» هو القيام في تهيئة مقدّمات الصلاة لا خصوص الغسل، و إن كان ربّما يأباه صدره، فتأمّل.

بل يمكن أن يقال بدلالة رواية محمّد بن مسلم على اعتبار التمكّن من جميع الشرائط في أول الوقت أيضا، فإنّ فيها عن أحدهما (عليهما السلام) قال قلت:

المرأة ترى الطهر عند الظهر، فتشتغل في شأنها حتّى يدخل وقت العصر، قال:

تصلّي العصر وحدها، فإن ضيّعت فعليها صلاتان (3).

____________

[1] هكذا في الأصل و الظاهر ان الثانية زائدة.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 175 باب 39 من أبواب المواقيت، ح 4.

(2) الوسائل: ج 2 ص 598 باب 49 من أبواب الحيض، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

(3) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 89 باب 19 من أبواب الحيض و الاستحاضة و النفاس، ح 23.

123

بتقريب أن يقال: إنّ المراد من دخول وقت العصر هو دخول الوقت الاختصاصي لها، فيصير المعنى حينئذ أنّ المرأة إذا طهرت من حيضها في أول الزوال فقامت تشتغل في شأنها من الغسل و تهيئة سائر الشرائط، فلم يسع وقت صلاة الظهر لجميع ذلك حتّى دخل وقت صلاة العصر، فقال (عليه السلام): لا يجب عليها إلّا صلاة العصر وحدها، فيستفاد منه أنّه يعتبر في تكليفها بصلاة الظهر أن يسع الوقت لتهيئة جميع الشرائط التي كانت فاقدة لها، فلو لم يسع الوقت لذلك لم تكن مكلّفة بالصلاة.

و الاستدلال بهذا أيضا مبنيّ على أن يكون المراد من الاشتغال بشأنها هو الاشتغال بالغسل و سائر الشرائط، لا خصوص الغسل أو هو مع طهارة بدنها من لوث الحيض، و أن يكون المراد من دخول وقت صلاة العصر هو الوقت الاختصاصي لها لا الوقت الفضلي كما هو الظاهر منه، إذ يبعد أن يطول زمان الاشتغال بشأنها إلى الوقت الاختصاصى للعصر مع أنّها رأت الطهر في أول الوقت، كما هو الظاهر من قول السائل «رأت الطهر عند الظهر» و عليه يسقط الاستدلال بالرواية بالكليّة لعدم العمل بها، بداهة أنّه مجرّد دخول وقت الفضلي للعصر لا يوجب عدم تكليفها بالظهر إلّا بناء على القول بأنّ آخر وقت الإجزائي للظهر هو المثل، فالرواية تنطبق على هذا المذهب، فتأمّل فإنّ الاستدلال بالرواية لما نحن فيه لا يخلو عن شي‌ء.

إلّا أنّه لا حاجة إلى هذه الروايات، فإنّا في غنى عنها بعد ما ذكرنا من أنّ عدم وجوب الأداء و القضاء عليها إنّما هو مقتضى القاعدة، فللخصم من إقامة الدليل على الوجوب و هو مفقود، و إن كان ربّما يستدلّ له بإطلاق بعض الأخبار، كخبر ابن الحجّاج عن امرأة طمثت بعد ما تزول الشمس و لم تصلّ الظهر، هل‌

124

عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم (1). فإن إطلاق السؤال يعمّ ما إذا لم يمض من الوقت بمقدار فعل الصلاة التامّة، و لكنّ الإنصاف انصرافه إلى مضي ذلك المقدار، فتأمّل.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين الحيض و البلوغ و الجنون و غير ذلك من شرائط التكليف.

نعم هنا كلام آخر في خصوص البلوغ ينبغي التنبيه عليه، و هو أنّه لو بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها في سعة الوقت و قلنا بشرعية عبادة الصبي، فهل يجب عليه الإتمام في الأولى بلا إعادة و الاجتزاء في الثانية، أو لا يجزي بل يجب عليه إعادة الصلاة فيما إذا بلغ بعد الصلاة و استئنافها فيما إذا بلغ في أثنائها؟ و هنا احتمال آخر و هو إتمام الصلاة التي بيده وجوبا أو ندبا ثمّ إعادتها.

و تنقيح البحث هو أنّ الكلام في المقام إنّما هو بعد الفراغ عن شرعية عبادة الصبي و استحبابه، إذ لا موضوع لهذا البحث بناء على التمرينية، فإنّه لا إشكال في عدم الاجتزاء بها، سواء بلغ في الأثناء أو بعد الفراغ، و ليس له إتمامها إذا بلغ في الأثناء و إن احتمله بعض لفوات موضوع التمرين بالبلوغ، و ينقلب موضوع التمرين إلى الوجوب و تصير الصلاة واجبة عليه، فلا سبيل إلى القول بإتمامها تمرينا.

ثمّ إنّه اختلفت كلمات الأصحاب في الحجّ و في باب الصلاة و الصيام، ففي باب الحجّ ذهب المشهور إلى أنّه لو بلغ الصبي بعد تلبّسه بالحج قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجة الإسلام، و لا يحتاج إلى إعادة الأفعال السابقة، و أمّا في باب الصلاة فقد ذهب المشهور إلى خلاف ذلك، و قالوا: إنّه لو بلغ الصبي في‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 597 باب 48 من أبواب الحيض، ح 5 و فيه اختلاف يسير.

125

الأثناء فلا يعتدّ بالأفعال السابقة و يجب عليه استئنافها.

فقد يتخيّل أنّه لا وجه لهذا التفصيل مع كون البابين من واد واحد، إلّا أنّ الإنصاف أنّه ليس كذلك، و يختلف باب الحجّ عن باب الصلاة، فإنّ في باب الحجّ بعد ما لوحظ كلّ فعل فيه على جهة الاستقلالية، و لذا يحتاج إلى تجديد النية عند كل فعل، و بعد كون حجة الإسلام ليست من الأمور القصدية كالظهرية و العصرية، بل هي تدور مدار اجتماع شرائط حجّة الإسلام على المكلّف، فلو كان واجدا لها يكون حجة حجة الإسلام، و إن كان فاقدا لها لا تكون حجّة الإسلام، و بعد ورود النصّ في أنّ العبد إذا أعتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجة الإسلام (1)، و فهم وحدة المناط بين اشتراط الحرّية و اشتراط البلوغ و ليس ذلك من باب القياس، يكون الاجتزاء بالحجّ الذي بلغ في أثنائه عن حجّة الإسلام على القاعدة، بخلاف باب الصلاة فإنّ تطبيقه على القاعدة يحتاج إلى مئونة اخرى سيأتي التعرّض لها.

و الحاصل: أنّه فرق بين باب الحجّ و بين باب الصلاة، فإنّ في باب الحجّ بعد ورود النصّ الصحيح بأنّ العبد إذا أعتق قبل الوقوف أجزأ حجّه عن حجّة الإسلام، و بعد اتحاد المناط في العبد و الصبي كما فهمه الأصحاب يكون الحكم كما ذكره المشهور، فإنّ ما أوقعه الصبي قبل بلوغه و لو كان على جهة الندبية إلّا أنّه ندبية البعض لا ينافي وجوب الآخر و هو سائر أفعال الحجّ التي تقع منه بعد البلوغ، لعدم ارتباطية الأفعال بعضها مع بعض من هذه الجهة، فمجرّد وقوع الإحرام مثلا ندبا لا ينافي وقوع الوقوف مثلا وجوبا، و كذا وقوع الإحرام لا عن حجّة الإسلام لا ينافي وقوع الإحرام عنه بعد ما لم تكن حجة الإسلام من‌

____________

(1) الوسائل: ج 8 ص 35 باب 17 من أبواب وجوب الحجّ، ح 1 و 4 من كتاب الحج.

126

العناوين القصدية، و حينئذ لو قام الدليل على عدم لزوم اجتماع شرائط الوجوب عند أول فعل من أفعال الحجّ بل يكفي اجتماعها عند الوقوف، كان اللّازم هو القول بالصحّة و الاكتفاء به عن حجّة الإسلام كما قاله المشهور.

و هذا بخلاف باب الصلاة، لأنّ المفروض ارتباطية أفعالها بعضها مع بعض، و فقدان النصّ على كفاية تحقّق شرائط الوجوب في بعضها، كان مقتضى القاعدة هو البطلان و عدم الاجتزاء بها إلّا بعناية أخرى، و هي أن يقال: إنّ ما هو الملاك في تكليف البالغ بالصلاة و إلزامه بها هو الموجب لتكليف الغير البالغ بالصلاة استحبابا من دون أن يكون تفاوت بينهما في ذلك، فالمصلحة القائمة بصلاة الظهر لا تختلف بحسب الكمّية، سوى أنّها في غير البالغ تقتضي الاستحباب و في البالغ تقتضي الوجوب و الإلزام.

و حينئذ يمكن أن يقال بأنّه لو بلغ الصبي في أثناء الصلاة بما لا يوجب نقض الطهارة لكان اللّازم عليه تتميم الصلاة بلا حاجة إلى الاستئناف و الإعادة، و كذا لو بلغ بعد الصلاة، أمّا إذا كان بلوغه بعد الصلاة فواضح، فإنّ تمام ما هو المصلحة القائمة في صلاة الظهر قد استوفاها، فلا يبقى حينئذ موضوع للأمر الوجوبي بالصلاة ثانيا، فلو قيل مع ذلك بوجوب الصلاة عليه ثانيا لكان مساوقا للقول بالتكليف بشي‌ء بلا أن يكون هناك ما يوجب التكليف به، و أمّا إذا بلغ في الأثناء فكذلك أيضا، لأنّ المفروض أنّه لم يتبدّل حقيقة المأمور به بالبلوغ و لا حقيقة الأمر، بل إنّما تبدّل صفة الأمر، لا سقوط أمر عن ملاك و ثبوت أمر آخر عن ملاك آخر، فحينئذ الركعتان اللّتان أتى بهما إلى الآن بوصف الاستحباب تكون تامّة في المصلحة كما إذا كانت واجبة من أول الأمر، و عند انضمام الركعتين الأخيرتين إليهما يسقط الأمر.

و الحاصل: أنّ مبنى القولين في المسألة من إتمام الصلاة التي بيده إذا بلغ في‌

127

أثنائها و الاكتفاء بها و عدم إعادة الصلاة التي بلغ بعدها، و من عدم وجوب الإتمام و لزوم الاستئناف إذا بلغ في الأثناء و إعادة الصلاة إذا بلغ بعدها، إنّما هو كون الملاك الذي أمر لأجله بالصلاة هل هو متّحد في البالغ و الصبي، و يلزمه وحدة الأمر و المأمور به و أنّ التفاوت إنّما هو في صفة الأمر من الوجوب و الاستحباب، أو تغاير الملاك فيهما و أنّ المصلحة التي اقتضت أمر الصبي بالصلاة استحبابا مغايرة للمصلحة التي اقتضت أمر البالغ بالصلاة وجوبا، و يلزمه سقوط الأمر الاستحبابي عند البلوغ لسقوط ملاكه و ثبوت أمر آخر وجوبيا عنده لثبوت ملاكه؟

فلو قلنا بوحدة الملاك و أنّ التغاير إنّما هو في الصفة فقط كان اللازم هو القول بعدم إعادة الصلاة لو بلغ بعدها و إتمام الصلاة إذا بلغ في أثنائها، لاستيفاء الغرض و المصلحة فلا يكون هناك ما يوجب تجدّد الأمر الوجوبي بالإعادة و الاستئناف، و لو قلنا بتغاير الملاك كان اللّازم هو إعادة الصلاة و استئنافها، لسقوط ما هو الموجب للاستحباب و ثبوت ما هو الموجب للوجوب، و لا يمكن القول حينئذ بالاجتزاء بالركعتين اللّتين صلّاهما استحبابا، لأنّ ملاك الاستحباب لا يمكن أنّ يكون مسقطا لما هو ملاك الوجوب، و الأمر الوجوبي الذي يتوجّه عليه في أثناء الصلاة إنّما هو الأمر بتمام الصلاة من التكبيرة إلى التسليمة، إذ ليس هناك أمر سوى قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (1) و أمثال ذلك، و الصلاة اسم لمجموع الأفعال لا خصوص الركعتين اللّتين بلغ عندهما كما هو واضح، هذا.

و لكن الإنصاف أنّه و إن قلنا بوحدة الملاك- كما هو ليس بكلّ البعيد- لا يلزمنا القول بسقوط الإعادة لو بلغ بعدها و لزوم إتمام الصلاة التي بلغ في‌

____________

(1) الروم: الآية 31.

128

أثنائها، و ذلك لأنّه لا إشكال في امتياز صلاة البالغ مع غيره و لو باعتبار تبدّل صفة الأمر و تأكّد الطلب بالنسبة إلى البالغ، و حينئذ فمن المحتمل أن يكون لهذه الصفة دخل في استئناف الصلاة التي بلغ في أثنائها و إعادة الصلاة التي بلغ بعدها.

و بعبارة أخرى: لا ريب في نقصان صلاة الصبي عن غيره و إن اشتملت على الملاك و اتّحدت مع غيره في ذلك، إلّا أنّ المراد من اتّحاد الملاك هو عدم تباين الملاكين بحيث لم يكن بينهما جهة جامعة أصلا، لا أن يكون المراد منه هو اشتمال عبادة الصبي بتمام ما اشتملت عليه عبادة البالغ بحيث تكون وافية بتمام الغرض، فإنّه لا إشكال في أنّ للبلوغ دخلا و لو في تبدّل صفة الأمر و حينئذ فمن المحتمل في عالم الثبوت أن يكون المقدار الباقي من المصلحة التي تشتمل عليه عبادة البالغ باعتبار عروض صفة الوجوب لازمة التحصيل أيضا، بحيث يمكن استيفاؤها مع فعل الصبي الصلاة الناقصة و يمكن أن لا يكون قابلا للاستيفاء، و هذا البحث سيّال في جميع الناقص مع الكامل، كالصلاة بالطهارة الترابية، و الصلاة بالطهارة المائية، و غير ذلك من أفراد الناقص و الكامل.

و حينئذ فإن كان في مقام الإثبات ما يعيّن أحدهما فهو، و إلّا كان المتّبع هو إطلاقات الأدلة، إذ لا إشكال في شمول قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ لعموم البالغين سواء فعلوا ما هو وظيفتهم في حال الصباوة من الصلاة أو لم يفعلوا، فحينئذ يلزم على الصبي البالغ أن يمتثل هذا الأمر و إن امتثل الأمر الاستحبابي قبل ذلك، و لازم ذلك هو استئناف الصلاة لو بلغ في أثنائها و إعادتها لو بلغ بعدها، فتأمّل. فإنّ التمسّك بالإطلاقات بعد الاعتراف باتّحاد حقيقة المأمور به و أن صلاة الصبي بناء على الشرعية متّحدة بالهوية مع صلاة البالغ، و كذا اتّحاد الأمر و أنّ التبدّل إنّما هو في الصفة فقط، لا يخلو عن إشكال فإنّه لا موضوع حينئذ‌

129

لتلك المطلقات، فتأمّل فإنّ المسألة بعد لا تخلو عن إشكال، هذا كلّه في الصلاة.

و أمّا الصيام فلا إشكال في عدم وجوب الإتمام لو بلغ بعد الفجر و لو بلحظة، لاعتبار اجتماع شرائط التكليف من أول الوقت، و لم يقم دليل على الاجتزاء لو حصلت في بعض الوقت كما ورد في باب الحجّ.

بقي الكلام في الطهارة و أنّه لو تطهّر الصبي ثمّ بلغ فهل له الصلاة بتلك الطهارة أو يجب إعادتها؟ الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال أيضا في عدم لزوم الإعادة، لأنّ المفروض أنّه تكفي الطهارة المستحبّة لأجل الغايات المستحبّة في فعل الصلاة الواجبة بها و لا يحتاج إلى إعادتها، لأنّ الطهارة المستحبّة كالطهارة الواجبة رافعة للحدث، و لا يشترط في الصلاة أزيد من رفع الحدث، و طهارة الصبي بناء على الشرعية تكون كسائر الطهارات المستحبّة في رافعيّتها للحدث، و البلوغ لم يكن من الأحداث الرافع للطهارة فلا يحتاج إلى إعادتها بعد البلوغ، إذ الطهارة حينئذ تكون كسائر الشرائط الحاصلة له قبل البلوغ من الساتر و غيره، فتأمّل جيّدا.

المسألة الثالثة: لا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة الأولية هو لزوم تحصيل العلم بالوقت مع إمكانه

، و لا يكتفي بالظن لأصالة حرمة العمل به إلّا أن يقوم دليل على اعتباره إمّا مطلقا أو في الجملة، و حيث إنّ العلم بدخول الوقت ممكن و لو بالصبر إلى أن يعلم أنّه قد زال الزوال أو صار المغرب، و ليس الوقت كسائر الموضوعات الأخر التي يمكن تعذّر العلم بها، كالقبلة مثلا فإنّ الشخص يمكن أن لا يحصل له العلم بالقبلة أبدا، و هذا بخلاف الوقت فإنّه يبعد أن لا يحصل العلم به إلى أن يخرج الوقت، فتحصيل العلم بالوقت ممكن لعامّة الناس و لو بالصبر، فمقتضى القاعدة هو لزوم الصبر إلى أن يحصل العلم بدخول الوقت و عدم الاعتماد على الظنّ، خصوصا إذا أمكنه تحصيل العلم به في أول الوقت بلا حاجة إلى‌

130

الصبر، فإنّ الظاهر قيام الإجماع على عدم جواز التعويل بالظنّ المطلق من أيّ سبب كان.

و إن كان ربّما نسب الخلاف إلى بعض الأعلام- على ما في الجواهر- (1) إلّا أنّ عبارات من نسب إليه الخلاف لا تدلّ على جواز العمل بالظنّ مطلقا حتّى مع إمكان تحصيل العلم به في أوله، فراجع الجواهر.

نعم قد تردّد في الذخيرة- على ما نقل- في المسألة، لخبر ابن رياح عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت، و لم يدخل الوقت فدخل و أنت في الصلاة، فقد أجزأت عنك، بدعوى إرادة الظنّ من لفظ «ترى» لكونه معناه (2).

و أنت خبير بفساده، لأنّ ترى مأخوذ من الرؤية، و هو أقرب إلى العلم من الظنّ، بل ربّما يدّعى ظهوره في العلم، و على تقدير عدم ظهوره في ذلك فلا أقلّ من صلاحيّته لذلك، فلا يمكن دعوى ظهوره في الظنّ.

و بالجملة: بعد لم يقم دليل على اعتبار مطلق الظنّ في معرفة الوقت مع التمكّن من تحصيل العلم من غير صبر، و لم يعلم به قائل أيضا.

نعم ذهب بعض الأعلام على اعتبار خصوص أذان الثقة العارف بالوقت، لجملة من الأخبار الظاهرة أو الصريحة في جواز التعويل بأذان الثقة التي بإطلاقها تشمل صورة التمكّن من تحصيل العلم، فمنها: قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح: صلّ الجمعة بأذان هؤلاء، فإنّهم أشدّ شي‌ء مواظبة على الوقت (3) و منها: خبر محمّد بن خالد القسري قال له أيضا: أخاف أن أصلّي الجمعة قبل أن‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 265 س 13 من كتاب الصلاة.

(2) ذخيرة المعاد: ص 208 س 30 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1

131

تزول الشمس، فقال: إنّما ذلك على المؤذنين (1). و منها: قولهم (عليهم السلام):

المؤذّن مؤتمن (2)، و المؤذّنون أمناء (3). و أمثال هذه التعبيرات الظاهرة في اعتبار أذانه، كاعتبار أقوال سائر الأمناء في سائر المقامات.

و إطلاق هذه الأخبار مع جملة أخرى لم نذكرها تدلّ على جواز الاعتماد بقول المؤذّن في باب الوقت، حتّى مع التمكّن من تحصيل العلم من دون صبر، و حتّى مع عدم حصول العلم من أذان المؤذّن.

بل في بعضها يقرب من التصريح باعتبار الأذان مع عدم حصول العلم به، كالرواية المتقدّمة قال له: أخاف أن أصلّي الجمعة قبل أن تزول الشمس، فقال (عليه السلام): إنّما ذلك على المؤذنين. فإنّ ظاهره اعتبار الأذان حتّى مع الخوف و الشكّ، فحمل هذه الأخبار على صورة حصول العلم بالوقت بأذان المؤذّن بعيد في الغاية. مع أنّه بناء على هذا لا يكون خصوصية في الأذان بل هو كسائر الأسباب المفيدة للعلم، فتخصيص الأذان بالسؤال و الجواب يكون بلا وجه، و هذا مبعّد آخر على الحمل المذكور.

فالإنصاف أنّ دلالة هذه الأخبار على اعتبار أذان المؤذّن في غاية القوّة.

نعم في خبر عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ما يدلّ على عدم العبرة بأذان المؤذّن حتّى يحصل له العلم، فإنّ فيه في الرجل يسمع الأذان، فيصلّي الفجر و لا يدري أ طلع الفجر أم لا، غير أنّه يظنّ لمكان الأذان أنّه طلع، قال (عليه السلام):

لا يجزيه حتّى يعلم أنّه طلع (4). فهذا الخبر بظاهره يعارض تلك المطلقات بالأعمّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 3، و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 4 ص 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

(3) الوسائل: ج 4 ص 619 باب 4 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6، و فيه اختلاف يسير.

(4) الوسائل: ج 3 ص 203 باب 58 من أبواب المواقيت، ح 4. و فيه اختلاف يسير.

132

المطلق، بل يعارض مع بعضها بالتباين.

و حمل الخبر على ما إذا لم يكن المؤذّن بمؤتمن و غير عارف بالوقت ممّا لا شاهد له، كما أنّه يبعد تقييد تلك المطلقات بمثل هذا الخبر لقوّة تلك المطلقات في الغاية، مع أنّه قد عرفت أنّ في بعضها ما يأبى عن التقييد، فيدور الأمر بين طرح تلك المطلقات و الأخذ بهذا الخبر و الفتوى بمضمونه من أنّه لا بدّ من تحصيل العلم مع التمكّن كما نسب إلى المشهور، بل ربّما ادّعى عليه الإجماع على ما نقل، أو طرح هذا الخبر و الأخذ بتلك المطلقات و الفتوى بمضمونها من اعتبار أذان المؤذّن مطلقا حتّى مع التمكّن من تحصيل العلم كما قال به بعض الأعلام، و لم يعلم حال الطبقة الاولى من العلماء الذي يكون عملهم هو الجابر و الكاسر، و أنّهم هل أفتوا بمضمون المطلقات و طرحوا الخبر أو بالعكس، و من هنا استشكل شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في هذه المسألة و لم يرجّح أحد الطرفين، و لكنّ الإنصاف أنّ العمل بالمطلقات لا يخلو عن قوّة.

ثمّ إنّ هذه الأخبار إنّما دلّت على اعتبار أذان المؤذّن فقط، و أمّا قول المؤذّن و إخباره بدخول الوقت من دون أذان فلا يبعد إلحاقه بالأذان، و دعوى القطع بعدم خصوصية في الأذان ليست بتلك المثابة من البعد، و إن استشكل في ذلك أيضا شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- هذا كلّه في الأذان.

و أمّا البيّنة فلا ينبغي الإشكال في اعتبار ها و أنّها في عرض العلم، لعموم قوله (عليه السلام): و الأشياء كلّها على ذلك حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة (1).

و دعوى أنّ المشار إليه في ذلك إنّما هو خصوص الحلّية و الحرمة، فلا يعمّ ما نحن فيه و ما شابهه من الشرائط و الأجزاء و غير ذلك من الموضوعات، ضعيفة‌

____________

(1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4 و فيه اختلاف يسير.

133

جدّا، فإنّ المراد من المشار إليه في ذلك ليس خصوص الحلّية و الحرمة النفسيّان، بل المراد منه هو الأصل الجاري في الشي‌ء لو لا العلم و قيام البيّنة على الخلاف، فيصير المعنى أنّ الأشياء كلّها على ما يقتضيه الأصل فيها إلّا مع العلم على الخلاف أو قيام البيّنة عليه.

و مجرّد كون الأمثلة المذكورة في صدر الرواية من موارد الحلّية و الحرمة النفسيّان لا يقتضي اسم الإشارة بذلك، فتأمّل جيّدا.

فالأقوى حجيّة البيّنة لو قامت على أيّ موضوع من الموضوعات التي يتعلّق به حكم شرعي، سواء في ذلك الوقت و غيره.

و أمّا العدل الواحد فالأقوى عدم حجّيته في الموضوعات مطلقا، إلّا أن يقوم دليل خاص في مورد بالخصوص على اعتباره، فإنّ ما دلّ على اعتبار خبر العدل مخصوص بالأحكام و لا يشمل الموضوعات، سوى مفهوم آية النبإ (1)، و في دلالة آية النبإ على اعتبار خبر العدل محلّ تأمّل كما ذكر في محلّه، و على فرض دلالتها و عمومها للموضوعات تكون مخصّصة- كغيرها من الأدلّة على تقدير عمومها أيضا- بما دلّ على اعتبار التعدّد في الموضوعات، كقوله (عليه السلام) «و الأشياء كلّها على ذلك حتّى .. إلخ» فإنّه حصر طريق إثبات الموضوعات بالعلم أو البيّنة، فلا عبرة بخبر الواحد فيها.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّه مع التمكّن من تحصيل العلم بالوقت من غير صبر لا بدّ من تحصيل العلم، و لا يقوم شي‌ء من الظنون مقامه سوى البيّنة و سوى أذان المؤذّن على إشكال في الأخير تقدّم وجهه.

و أمّا مع عدم التمكّن من تحصيل العلم إلّا بالصبر، فتارة يكون عدم التمكّن من‌

____________

(1) الحجرات: الآية 6.

134

جهة وجود العذر العامّ كالغيم، و اخرى من جهة العذر الخاصّ كالعمى و الحبس، فلو كان العذر عامّا فربّما قيل بالاكتفاء بمطلق الظنّ و لا يلزمه الصبر إلى أن يعلم، بل ربّما نسب ذلك إلى المشهور، بل ربّما ادّعى الإجماع عليه.

و قد استدلّ عليه بما ورد من اعتبار صياح الديك في يوم لا يرى فيه الشمس و القمر أو في يوم غيم، كما ورد التعبير بذلك في الأخبار، ففي حسن الفرّاء كالصحيح قال: قال رجل من أصحابنا للصادق (عليه السلام): إنّه ربّما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقال (عليه السلام): تعرف هذه الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك؟ فقال: نعم، قال: إذا ارتفعت أصواتها و تجاوبت فقد زالت الشمس، أو قال: فصل (1). و في معناه خبران آخران.

و من المعلوم أنّ أقصى ما يفيده صياح الديك هو الظنّ، و بعد إلغاء الخصوصية من الظنّ المستفاد من صياح الديك، و إلغاء خصوصية الغيم و أنّ ذكره إنّما كان من جهة كونه عذرا لا يمكن معه تحصيل العلم، يتمّ ما أفاده المشهور من جواز الاعتماد على مطلق الظنّ مع عدم التمكّن من العلم، سواء كان ذلك من جهة الغيم أو العمى أو الحبس أو غير ذلك من الأعذار.

و أنت خبير بما في دعوى القطع بعدم الخصوصية في صياح الديك و تسرية الحكم إلى كلّ ظنّ من المجازفة. و كذا في دعوى القطع بعدم الخصوصية في الغيم و تسرية الحكم إلى كلّ عذر و لو لم يكن عامّا كالعمى و الحبس.

فالأقوى على ما اختاره شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- من الاقتصار على اعتبار خصوص صياح الديك في خصوص العام، و اما فيما عداه فيلزمه الصبر حتّى يحصل له العلم بدخول الوقت، فتأمّل فإنّ ما ذهب إليه المشهور لا يخلو عن قوّة.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 125 باب 14 من أبواب المواقيت، ح 5. و فيه اختلاف يسير.

135

و ربّما يستدلّ للمشهور بأمور أخر لا تخلو عن ضعف و إن صلحت للتأييد، فراجع الكتب المبسوطة و تأمّل فيها.

ثمّ إنّه لو تبيّن فساد ظنّه فيما جاز التعويل عليه أو تبيّن خطأ قطعه فمقتضى القاعدة الأولية هو فساد الصلاة و لزوم الإعادة و لو وقعت تكبيرة الإحرام في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمام الصلاة أو معظم الأجزاء في خارجه.

و هذا بناء على ما اخترناه في الأصول من عدم اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء في غاية الوضوح، فإنّ أقصى ما دلّ على اعتبار الظنّ أو القطع من النصّ و العقل هو جواز الصلاة، و أمّا الإجزاء و عدم لزوم الإعادة لو وقع جزء منها في خارج الوقت فلا دلالة فيه على ذلك، فلا بد في القول بالإجزاء من التماس دليل يدلّ على ذلك.

نعم من قال باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء يلزمه القول بالصحّة و عدم لزوم الإعادة لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع بعض منها فيه، و لا بدّ له من التماس دليل يدلّ على عدم الإجزاء على عكس ما اخترناه.

إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ في خصوص ما إذا اعتمد في الوقت على الحجة الشرعية من البيّنة و أذان المؤذّن و صياح الديك و أمثال ذلك، و أمّا لو اعتمد على قطعه فمقتضى القاعدة- حتى بناء على اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء- هو فساد الصلاة و لزوم الإعادة عند تبيّن الخطأ و وقوع بعض الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمامها فيه، إذ لا أمر ظاهري في صورة القطع حتّى يقتضي الإجزاء كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّه بناء على عدم اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء لا يفرّق الحال بين ما إذا كان اعتماده على القطع أو الظنّ المعتبر، و أنّ في الجميع القاعدة تقتضي الإعادة لو وقعت الصلاة في خارج الوقت أو بعض منها و لو التكبيرة، و لا بدّ من‌

136

قيام دليل يدلّ على الإجزاء إمّا مطلقا أو في بعض الفروض، و أمّا بناء على اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ففي صورة الاعتماد على الظنّ مقتضى القاعدة هو الإجزاء لو وقعت الصلاة في خارج الوقت بتمامها أو بعض منها، و لا بدّ من قيام دليل حينئذ على عدم الإجزاء إمّا مطلقا أو في بعض الفروض، و أمّا في صورة الاعتماد على القطع فمقتضى القاعدة أيضا عدم الإجزاء مطلقا، هذا ما يقتضيه القاعدة الأولية.

و لكن ما عليه العمل و فتوى المشهور هو الإعادة و القضاء لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، و أمّا لو وقع جزء منها في الوقت و لو التسليم- بناء على كونه جزء- فلا إعادة و لا قضاء، من غير فرق بين أن يكون قد اعتمد على الظنّ المعتبر أو القطع في كلا الفرضين.

و ربّما يظهر من بعض التفصيل بين الظنّ و القطع، و أنّ في صورة الاعتماد على الظنّ تصحّ الصلاة لو وقع جزء منها في الوقت دون ما إذا وقع تمامها في خارجه، و أمّا في صورة الاعتماد على القطع فالصلاة فاسدة مطلقا و لو وقع جزء منها في الوقت.

و ليس في المسألة نصّ سوى خبر ابن رياح المتقدّم عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت، و لم يدخل الوقت فدخل و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (1). و هذا إنّما يدلّ على الإجزاء في خصوص ما إذا دخل الوقت في أثناء الصلاة و لو قبل التسليم، و أمّا إذا لم يدخل الوقت حتّى فرغ من الصلاة فهذا الخبر بنفسه يدلّ على عدم الإجزاء فضلا عن اقتضاء القاعدة ذلك، بداهة أنّ تخصيصه (عليه السلام) الإجزاء بصورة دخول الوقت في الأثناء يدلّ على‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 150 باب 25 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

137

عدم الإجزاء عند عدم الدخول، فللقائل باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء أن يستدلّ بهذا الخبر أيضا على عدم الإجزاء لو لم يدخل الوقت في أثناء الصلاة.

و أمّا لو دخل في الأثناء فلو قلنا إنّ قوله (عليه السلام) «ترى» ظاهر في خصوص الظنّ- كما تقدّم عن بعض- فيكون دليلا على القول الأخير من التفصيل بين القطع و الظنّ، و أنّ في صورة الاعتماد على القطع يلزم الإعادة و لو وقع جزء منها في خارج الوقت، بخلاف ما إذا اعتمد على الظنّ.

و أمّا بناء على ما قوّيناه سابقا من أنّ لفظة «ترى» مأخوذة من الرؤية فهي مقصورة بصورة العلم، أو الاعتقاد الراجح الشامل للعلم و الظنّ، فيكون الخبر دليلا على ما ذهب إليه المشهور، فإنّ دخول صورة القطع في الخبر بناء على ما اخترناه ظاهر.

و أمّا الظنّ فربّما يتوهّم خروجه لعدم صدق «ترى» عليه، إلّا أنّ الإنصاف أنّه لو كان الظنّ من الظنون المعتبرة- كما هو مفروض الكلام- فلفظة «ترى» شاملة له أيضا، لصدق «ترى» عند الاعتماد على البيّنة مثلا، فالأقوى ما ذهب إليه المشهور، و المناقشة في سند الرواية ممّا لا وجه له بعد عمل المشهور بها.

هذا كلّه لو دخل في الصلاة قاطعا لدخول الوقت أو ظانّا له بالظنّ المعتبر.

أمّا لو دخل في الصلاة عامدا عالما بعدم دخول الوقت، أو جاهلا بشرطية الوقت، أو ناسيا لها أو للوقت، فمقتضى القاعدة البطلان لو وقع جزء منها في خارج الوقت، و أمّا لو وقعت تمام الصلاة في الوقت فالأقوى الصحّة في الجميع إن تمشّي منه قصد القربة، و إن كان حصول ذلك في صورة التعمّد مشكل، و ذلك لأنّ الوقت ليس من الخصوصيات القصدية التي يعتبر قصدها في الصلاة، بل ما هو المعتبر في تحقّق قصد المأمور به إنّما هو قصد الصلاة في هذا الوقت و الزمان، و أمّا مطابقة الزمان للزوال فهو أمر خارج عن تحت قدرته و إرادته بل هو يدور‌

138

مدار واقعه، و في المقام أبحاث مهمّة قد فاتني كتابتها لبعض عوائق الزمان، فنسأل أن يوفّقنا لكتابتها بعد ذلك.

مسألة: لا إشكال في لزوم الترتيب بين الفرائض و وجوب فعل الظهر قبل العصر و المغرب قبل العشاء، إلّا أنّ هذا الترتيب ليس شرطا واقعيا تبطل الصلاة بفواتها سهوا بل إنّما هو شرط ذكري، فلوسها و قدّم العصر على الظهر و كان ذلك في الوقت الاشتراكي أو دخل و هو فيها صحّت صلاته و وقعت عصرا لا ظهرا، و أمّا لو وقعت في الوقت الاختصاصي فالأقوى البطلان و لا تحتسب لا ظهرا و لا عصرا، و قد تقدّم الوجه في ذلك.

و حكم العشاءين كالظهرين، نعم بينهما فرق و هو أنّه لو شرع في العشاء في أول وقت المغرب نسيانا و لم يتذكّر حتّى فرغ منها فلا محالة يقع ركعة منها في الوقت الاشتراكي فتصحّ، هذا كلّه إذا لم يتذكّر حتّى فرغ من الصلاة.

و أمّا إذا تذكّر في الأثناء عدل بنيّته إلى السابقة إن كان محلّ العدول باقيا، و هو في الظهرين إلى ما قبل التسليم، و أمّا في العشاءين فإلى قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة على الأظهر، و لا يضرّ زيادة القيام في العدول لأنّه من قبيل الزيادة السهوية، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.

و أمّا إذا دخل في الركوع فقد أفتى بعض بالبطلان، لعدم إمكان العدول حينئذ و عدم سقوط الترتيب في الأجزاء اللاحقة لتذكّره، فلا يمكنه تتميم هذه الصلاة عشاء فتبطل، هذا.

و لكنّ الأقوى أيضا الصحّة و تتميمها عشاء، و ذلك لأنّ الترتيب المعتبر بين الصلاتين هو الترتيب بين مجموع الصلاتين من حيث المجموع، بحيث يقع مجموع إحدى الصلاتين قبل الأخرى، و هذا المعنى بمجرّد الشروع في الصلاة اللّاحقة نسيانا قبل الاولى يسقط، فشرطية الترتيب تكون حينئذ مقصورة بما إذا كان‌

139

متذكّرا له قبل الصلاة، و أمّا لو شرع في الصلاة نسيانا ثمّ تذكّر في الأثناء و لو في الركعة الأولى فالترتيب يسقط بالنسبة إلى الأجزاء اللّاحقة، لأنّ الترتيب في الأجزاء السابقة سقط بمقتضى النسيان و حديث «لا تعاد» (1) و المفروض أنّ الترتيب إنّما اعتبر بين مجموع الصلاتين، و هذا المعنى ممّا يستحيل حصوله بعد وقوع بعض الأجزاء على خلاف الترتيب، لفوات المجموع بفوات بعض الأجزاء، فمقتضى القاعدة- لو لا أخبار العدول- هو أنّه لو شرع في الصلاة اللّاحقة نسيانا و تذكّر في الأثناء صحّت صلاته و أتمّها على ما افتتحت، غايته أنّ أخبار العدول دلّت على لزوم العدول فيما أمكن، و المفروض فيما نحن فيه عدم إمكان العدول فلا بدّ من تتميمها عشاء، فتأمّل جيّدا.

مع أنّه لو فرض أنّ الترتيب اعتبر في كلّ جزء جزء من اللّاحقة و السابقة على نحو العامّ الأصولي، فيمكن أن يقال أيضا بالصحّة بالملازمة بين الصحّة في الاجزاء السابقة بمقتضى حديث «لا تعاد» و الصحّة في الأجزاء اللّاحقة، و ذلك لأنّ المفروض أنّ الأجزاء السابقة على التذكّر مشمولة لحديث «لا تعاد» لأنّ المفروض وقوعها قبل السابقة نسيانا، فالترتيب ساقط بالنسبة إليها و يشملها حديث «لا تعاد» و إذا لم يجب إعادة الأجزاء السابقة فبالملازمة تدلّ على صحّة الأجزاء اللّاحقة، و إلا لزم لغوية شمول «لا تعاد» للأجزاء السابقة، فتأمّل جيّدا فإنّه لا يخلو عن دقّة.

هذا تمام الكلام في المواقيت، و قد وقع الفراغ منها في الليلة الرابعة و العشرين من شهر محرّم الحرام سنة 1343.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

140

[البحث الثاني] الكلام في القبلة

و فيه أبحاث:

المبحث الأول فيما يجب استقباله في حال الصلاة و الدفن و غير ذلك.

و قد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك، فقيل: القبلة عبارة عن نفس الكعبة و البناء لمن كان في المسجد، و المسجد قبلة لمن كان في الحرم، و الحرم قبلة لمن كان في خارجه من أهل الدنيا. و قد استدلّ على ذلك بعدّة من الأخبار.

و قيل: القبلة للقريب هو نفس الكعبة، و للبعيد الجهة بمعنى السمت و الطرف.

و قيل: إنّ القبلة هي عبارة عن نفس الكعبة للقريب و البعيد و المشاهد و غير المشاهد، لكن مع تعميم الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء، و إن اختلفت كيفية المحاذاة و الاستقبال، فإنّ القريب المشاهد إنّما يحاذي نفس البناء و البيت، و البعيد الغير المشاهد إنّما يحاذي الفضاء و الخط الخارج من البيت إلى عنان السماء.

و هذا هو الحقّ الذي ينبغي المصير إليه، و ذلك للأخبار المستفيضة التي ادعى في الجواهر (1) تواترها، الدالّة على أنّ القبلة هي الكعبة. و هي و إن كانت ظاهرة في‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 322.

141

نفس البيت و البناء إلّا أنّه قد ورد عنهم (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) [1] أنّ الكعبة إنّما هي ممتدّة إلى عنان السماء، مع وضوح أنّه لا يمكن استقبال نفس البناء للبعيد مع كروية الأرض، بداهة أنّه على ذلك إمّا أن يكون البعيد فوق الكعبة و البيت أو تحتها، فالتكليف باستقبال نفس البناء محال كما هو واضح، فالعبرة في استقبال البعيد إنّما هو استقبال الخطّ الخارج من البيت الممتدّ إلى عنان السماء، بحيث لو أخرج خطّ من جبهة المصلّي لكان يمرّ على ذلك الخط الخارج من البيت لا محالة.

و القول بأنّ قبلة البعيد إنّما هو الجهة و السمت و إن لم يصل خطّ من المصلّي إلى الفضاء المحيط بالبيت خال عن الدليل و الشاهد، و كيف يمكن القول بذلك مع تضافر الأخبار بأنّ القبلة هي الكعبة و البيت؟

و الحاصل: أنّه يعتبر في كلّ مصل أن يستقبل نفس الكعبة و البناء أو الخطّ الخارج منها إلى عنان السماء، و لا يكفي فيه استقبال السمت و الجهة من دون ذلك، كما أنّه لا يعتبر استقبال نفس البناء بل ذلك كما عرفت محال من جهة كروية الأرض، كما أنّه لا يكفي استقبال المسجد أو الحرم لمن كان خارجا عنهما مع عدم اتّصال خطّ من جبهة المصلّي إلى الكعبة أو الخطّ الخارج منها، كما إذا وقف على أحد أضلاع المسجد بحيث يعلم عدم اتّصال خطّ منه إلى الكعبة، بل لم يعلم من صاحب هذا القول الاكتفاء بذلك.

____________

[1] ففي موثقة ابن سنان: صلّيت فوق أبي قبيس العصر، فهل يجزي ذلك و الكعبة تحتي؟ قال: نعم، إنّما هي قبلة من موضعها إلى السماء (1) و في رواية أخرى: أساس البيت من الأرض السابعة إلى السماء العليا (2).

«منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 247 باب 18 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 248 باب 18 من أبواب القبلة، ح 3 و فيه اختلاف.

142

و من هنا احتمل بعض أن يكون النزاع لفظيّا، بمعنى أنّه من قال بأنّ المسجد قبلة لمن كان في الحرم لا يريد أنّ المسجد قبلة لذلك و لو مع عدم مواجهة البيت بوجه من الوجوه بحيث لم يتّصل خطّ من المصلّي إليه، بل المراد أنّه لو استقبل المسجد يكفي من جهة استلزامه غالبا لاتّصال خطّ منه إلى البيت أو الفضاء المتّصل به، و هو كذلك بناء على ما سيأتي من معنى استلزام زيادة البعد لزيادة المحاذاة.

و بذلك يمكن إرجاع ما دلّ من الأخبار على أنّ المسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة لأهل الدنيا (1)، إلى ذلك، بمعنى أنّ مستقبل المسجد لمن كان في الحرم و مستقبل الحرم لمن كان خارجا منه يكون مستقبلا للكعبة أيضا و لو للخطّ الخارج منها إلى عنان السماء، كما أنّه يمكن إرجاع من قال بالسمت و الطرف إلى ذلك أيضا، و إن أبت بعض عباراتهم عن ذلك.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون مراد الجميع من الأقوال و الأخبار أنّ البعيد إذا توجّه نحو الطرف الذي تكون القبلة فيه أو نحو المسجد و الحرم فلا محالة يتّصل منه خط إلى الخطّ الخارج من البيت غالبا، و هذا لا ينافي بطلان صلاة من علم بعدم ذلك كالمصلّي نحو أحد أضلاع المسجد.

فالحريّ إنّما هو بيان اتّصال الخطّين، فإنّه ربّما يتوهّم أنّ ذلك محال من جهة صغر جرم البيت، فالمصلّي لو فرض أنّه صلّى في أماكن متعدّدة بحيث يعلم بزيادة سعة الأمكنة التي صلّى فيها عن جرم البيت، فكيف يمكن اتّصال خطّ من المصلّي من جميع هذه الأمكنة إلى البيت، أو الى الخط الخارج منه الى عنان السماء؟

و كذا الإشكال في الصفّ المستطيل، فيلزم بناء على اعتبار اتّصال الخطّين هو بطلان صلاة بعض الصفّ، أو بطلان بعض الصلوات بالنسبة إلى الشخص‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 220 باب 3 من أبواب القبلة ح 1 و 2 و 3 و 4.

143

الواحد المصلّي في الأمكنة المتعدّدة، و هذا- كما ترى- ممّا لا يقول به أحد و بالجملة: القول بأنّ القبلة نفس الكعبة بناء و فضاء يلازم القول ببطلان صلاة الصفّ المستطيل، هذا و لكن لا يخفى عليك فساد التوهّم، و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدّمة، و هي أنّ سعة دائرة رأس الإنسان ممّا يقرب ثلاثين إصبعا و هذه الدائرة بهذا الضيق يكون كلّ جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة المحيطة بالعالم، بحيث لو أخرجت خطوط من الدائرة المحيطة إلى دائرة رأس الإنسان فلا محالة جميع تلك الخطوط تتّصل إلى دائرة رأس الإنسان، كما يشاهد إنّ الدائرة الصغيرة المرسوم فيما يقرب من قطب الرحى يكون كلّ جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة الوسيعة المرسومة في مبتدإ الرحى.

ثمّ إنّ القدر المعتبر في الاستقبال و مواجهة شخص لشخص إنّما هو مقدار ثمن دائرة الرأس تقريبا، و هو مقدار أربعة أصابع من مقدّم الرأس الذي يكون بين الحاجبين، و لا يعتبر في صدق الاستقبال المواجهة بكلّ ما بين الحاجبين، بل يكفي في صدق الاستقبال عرفا أن يكون مواجها بجزء ممّا بين الحاجبين، بحيث لو اخرج خطّ من المستقبل بالكسر من أي جزء من أجزاء جبهته لكان ذلك الخطّ متّصلا إلى المستقبل إليه، و لا يحتاج أن تكون جميع الخطوط الخارجة من الجبهة متّصلة بالمستقبل إليه، كما لا يخفى.

و حينئذ نقول: إنّه لا إشكال في كون مقدار ما بين الحاجبين قوسيا، و يكون‌

144

محاذيا لقطعة قوسية من دائرة محيط العالم، و إن كان سعة تلك القطعة من دائرة المحيط تزداد عن سعة الجبهة بأضعاف مضاعف، لما عرفت من أنّ الدائرة الصغيرة تحاذي الدائرة الكبيرة بتمام أجزائها، فقوس الجبهة تحاذي مقدارا من قوس دائرة المحيط مع كثرة سعته بالنسبة إلى قوس الجبهة، بحيث لو أخرج خطوطا من قوس الدائرة لاتّصلت الخطوط بأجمعها بقوس الجبهة فالجبهة مع صغر سعتها تحاذي أضعاف مضاعف منها بآلاف ألوف، و ذلك ليس إلّا من جهة بعد موقف الإنسان عن دائرة المحيط، و إذا كان الشخص مواجها لقطعة من قوس دائرة المحيط فلا محالة يكون مواجها لكلّ ما كان بينه و بين قوس الدائرة من البلدان و الجبال و الأنهار و غير ذلك.

و هذه المواجهة ليست تظهر للحسّ من دون أن يكون لها واقع بل مواجهة حقيقية واقعية، و الشاهد على ذلك أنّه لو أخرج خطوطا من قوس الجبهة مستقيمة معتدلة لكانت الخطوط مارّة بجميع ما كان بينه و بين قوس المحيط، بداهة اتّصال خطوط الجبهة بالقوس يستلزم مرورها على ما كان متوسّطا بينها و بين القوس، فظهر معنى ما يقال من أنّ زيادة البعد توجب زيادة المحاذاة، و أنّ الإنسان مع صغر حجمه يكون مواجها بقوس الجبهة لكلّ ما كان بينه و بين محيط العالم من الأودية و الأبنية و منها الكعبة المعظّمة لو توجّه نحوها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الصفّ المستطيل كيف ما فرضت استطالته لا محالة يكون مواجها للكعبة مع بعده عنها و مع اتحاد جهة أهل الصفّ بحسب‌

145

القبلة، بحيث لو فرض خروج خطّ من جبهة كلّ واحد من المصلّين لكان مارّا على الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، نعم لو اعتبرنا في الاستقبال أن يكون الخطّ خارجا من بين العينين، و لا يكفي خروجه من أحد جانبيها لامتنع اتّصال خطوط الصفّ المستطيل إلى الخطّ الخارج من الكعبة، إلّا أنّه قد تقدّم عدم اعتبار ذلك في صدق الاستقبال، بل يكفي الاستقبال بأحد طرفي الجبهة.

و الحاصل: أنّ الدوائر المرتسمة بين موقف الشخص و بين محيط العالم على كثرتها يكون الشخص مواجها لقوس منها بقوس جبهته، و كلّما فرض بعد الدائرة عن دائرة الموقف يكون القوس المواجه إليه منها أوسع من القوس المواجه إليه من الدائرة التي دونها التي تكون أقرب إلى موقف الشخص منها.

فالشخص يكون مواجها لمقدار شبر من الدائرة التي ترتسم بقرب منه، و يكون مواجها لمقدار شبرين من الدائرة التي ترسم فوق تلك الدائرة، و هكذا يزداد المحاذاة و المواجهة بمقدار بعد الدائرة إلى أن تصل إلى الدائرة المحيطة بالعالم، فتتّسع المحاذاة بمقدار اتّساع ما يحاذيه من قوس الدائرة، و عليه يكون الإنسان محاذيا و مواجها لكلّ ما كان بينه و بين المحيط.

فإذا توجّه الإنسان نحو القوس الذي تكون الكعبة فيه فلا محالة يكون مواجها للكعبة و لو لفضائها الممتدّ إلى السماء، و هذه المواجهة تزداد كلّما ازداد الإنسان بعدا عنها، فربّما يكون الشخص مواجها لجزء يسير من الكعبة إذا كان قريبا منها، و ربّما يكون مواجها لتمامها إذا بعد عنها، و هكذا يزداد المواجهة حتّى تصلى المواجهة إلى مرتبة يكون الشخص مواجها لتمام الحرم و ما زاد، حتّى أنّه لو فرض أنّ الشخص وقف فيما يقرب القطب الجنوبي أو الشمالي يكون مواجها لثمن الدنيا بحسب نسبة الجبهة إلى دائرة الرأس، و قد عرفت أنّ هذه المواجهة ليس مواجهة وهمية بل مواجهة واقعية حقيقية.

146

و حينئذ الصفّ الذي يكون متّحد الجهة في القبلة كلّما فرض بعده عن مكّة يمكن زيادة استطالته، و يكون كلّ من أهل الصفّ محاذيا لنفس الكعبة أو الخطّ الخارج و لو بجزء من الجبهة. مثلا لو فرض أنّ الصفّ انعقد في مسجد الحرام فغاية ما يمكن من استطالته بحيث يكون مواجها للكعبة هو أنّ يكون بمقدار سعة المسجد بل أقلّ، و أمّا لو فرض انعقاده في الحرم يمكن زيادة استطالته على وجه يكون الجميع مواجها لها، و هكذا كلّما فرضت بعد مكان الصفّ عن الكعبة يزداد في استطالته، حتّى قيل: إنّ في العراق يمكن فرض استطالة الصفّ على وجه يزيد عن عشرين فرسخا، و يكون الجميع مواجها للخطّ الخارج من الكعبة إلى عنان السماء، بحيث لو فرض خروج خطوط مستقيمة من مواقف الصفّ فلا محالة من كلّ شخص يمرّ خطّ من جبهته إلى الخطّ الخارج من الكعبة، و لا يعتبر في الخطوط الخارجة من المواقف أن تكون متوازية بحيث يتساوى بعد ما بين الخطّين من مخرجهما إلى منتهاهما، بداهة أنّه لو اعتبرت الخطوط هكذا لامتنع اتّصال الخطوط من الصفّ إلى الخط الخارج من الكعبة، لصغر حجم الكعبة بالنسبة إلى الصف و لعلّ منشأ النقض بالصفّ المستطيل على من قال باعتبار مواجهة الكعبة سواء في ذلك القريب و البعيد هو هذا، أي تخيّل اعتبار أن تكون الخطوط متوازية، و لمّا رأى استحالة ذلك في الصفّ المستطيل نقض على صاحب هذا القول بأنّه يلزمه القول ببطلان صلاة بعض الصفّ.

و أنت خبير بأنّه لا نحتاج في المواجهة أن تكون الخطوط متوازية، بل المدار على صدق المواجهة و الاستقبال، و ذلك يتحقّق باستقامة الخطوط الخارجة من دون حاجة إلى توازيها، فتأمّل جيّدا في كلمات الأعلام حتّى تعرف حقيقة الحال، و أنّ المراد من الجهة في كلماتهم هو هذا المعنى، لا الجهة بمعنى السمت و الطرف مع عدم اتّصال خطّ من المصلّي إلى الخطّ الخارج عن الكعبة، فإنّ ذلك‌

147

ضروري البطلان، و كيف يمكن الالتزام بذلك مع تواتر الأخبار على وجوب استقبال الكعبة؟ فلا محالة يعتبر في صحّة الصلاة من اتّصال خطّ من أحد أجزاء جبهته إلى الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، فإنّ الذي يمكن في حق البعيد هو هذا، و هذا المعنى بمكان من الإمكان، و لو فرض أنّه صلّى في أمكنة متعدّدة بحيث تزداد سعة الأمكنة عن الكعبة فإنّ من كلّ مكان يتّصل خط إليها بعد معرفة السمت التي تكون الكعبة فيه بالأمارات المنصوبة لذلك على ما سيأتي.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الدائرة المرسومة عند مسجد المصلّي المحيطة بالمكان الذي يشغله في حال الصلاة تكون أوسع من دائرة رأس المصلّي، فإنّ دائرة الرأس تقرب ثلاثين إصبعا كما تقدّم، و دائرة المسجد تقرب ذلك المقدار شبرا، فالقوس المواجه لجبهة المصلّي من دائرة المسجد يزيد على شبرين، و عليه لو كان الخطّ الخارج من الكعبة محاذيا لأحد الجانبين من الجبهة كما إذا كان في طرف اليمين مثلا يجوز الانحراف عمدا إلى أن يقع ذلك الخطّ في طرف الشمال، و ذلك يكون بمقدار شبر، فيجوز الانحراف عن القبلة لو كانت في مسجد المصلي عمدا يمينا و شمالا إلى حدّ يقع خطّ القبلة في أحد جانبي الجبهة، لما عرفت سابقا من صدق الاستقبال من أيّ جزء من أجزاء الجبهة، فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ الظاهر من الاستقبال هو الاستقبال بالوجه مع مقاديم البدن، فلا يكفي المواجهة بالوجه مع اعوجاج مقاديم البدن كلّا أو بعضا، إلّا أن يكون البعض ممّا لا يضرّ بالصدق العرفي كاعوجاج أصابع الرجلين مثلا، و لا فرق في اعتبار ذلك بين القريب و البعيد.

نعم يختصّ القريب بأمر آخر، و هو أنّه هل يكفي مواجهة بعض البدن كالنصف مثلا للبيت، أو أنّه يعتبر مواجهته بجميع البدن، فلا يكفي الوقوف مواجها لأحد أضلاع البيت، بحيث يكون نصف البدن مواجها للبناء و نصفه‌

148

الآخر خارجا عنه؟ الظاهر هو الثاني لعدم صدق الاستقبال كذلك، فتأمّل.

و إنّما قلنا: إنّ ذلك يختصّ بالقريب لأنّ البعيد لا يتصوّر فيه ذلك بعد ما كان قبلته الجهة بالمعنى المتقدّم، فإن المعتبر في مواجهته أن يكون خطّا خارجا من أحد أجزاء جبهته و أصلا إلى الخطّ الخارج من الكعبة الممتدّ إلى عنان السماء، بحيث يحدث منهما زوايا قوائم، و هذه المواجهة إمّا أن تكون و إمّا أن لا تكون، و لا يمكن التبعيض و المواجهة بنصف البدن كما لا يخفى.

فرع: الظاهر أنّ حجر إسماعيل خارج عن البيت

و إن وجب إدخاله في الطواف، فلا يكفي استقباله كما ورد به النصّ الصريح، و هو ما رواه معاوية بن عمّار أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الحجر أمن البيت هو؟ فقال: لا، و لا قلامة ظفر، و لكنّ إسماعيل (عليه السلام) دفن امّه فيه، فكره أن يوطأ فجعل عليه حجرا، و فيه قبور أنبياء (1). و بمضمونه أخبار أخر (2).

و إدخاله في الطواف لا يكون قرينه على كونه من البيت مع تعليل الإمام (عليه السلام) ذلك بأنّ إسماعيل دفن امّه في ذلك المكان، فوجب إدخاله في الطواف لئلا يوطأ، و أين هذا من جواز استقباله في الصلاة؟ فقياس بعض الأعلام الصلاة بالطواف في غير محلّه.

تنبيه:

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القبلة هي محل البناء و الفضاء لا نفس الأبنية‌

____________

(1) الوسائل: ج 9 ص 429 باب 30 من أبواب الطواف، ح 1 نقلا بالمعنى.

(2) الوسائل: ج 9 ص 429 باب 30 من أبواب الطواف.

149

و الجدران، و عليه يجوز الصلاة في جوف الكعبة و لو إلى بابها المفتوحة، و كذا على سطح الكعبة اختيارا و إن لم يكن هناك ضرورة، و تقييد بعض بها في غير محلّه، نعم يشترط أن يبرز بين يديه شيئا من السطح حتّى لا يكون سجوده على منتهى السطح ليكون مستقبل القبلة في جميع أحوال الصلاة، و كذا يجوز الصلاة على جبل أبي قبيس أو جبل آخر أو في سرداب منخفضا عن الكعبة، لما تقدّم من أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء.

المبحث الثاني في بيان ما يعرف به قبلة كلّ إقليم

من العلامات المذكورة في الكتب المبسوطة. فاعلم أنّ معرفة قبلة كلّ البلاد يتوقّف على معرفة طول البلاد و عرضها، و نسبة طول كلّ بلد و عرضه إلى طول و عرض مكّة حتّى يعرف قبلة كلّ بلد.

و كان القدماء من علماء الهيئة يجعلون مبدأ طول البلاد من جزائر خالدات، و عرضها من خطّ الاستواء الذي هو مارّ بنقطتي المشرق و المغرب تحت دائرة المعدّل، و لكنّ المتجدّدين من علماء الهيئة في هذا الزمان يجعلون مبدأ الطول من قرية قريبة بدار سلطنة الإنجليز لندن، بل أهل كلّ مملكة يجعل مبدأ طول البلاد دار سلطنة تلك المملكة، كطهران في إيران و باريس في فرانسة و كذا سائر الممالك، و على أيّ حال لا يختلف الحال في ذلك، فإنّ من أيّ مكان جعل مبدأ الطول لا بدّ من ملاحظة نسبة طول البلد و عرضه إلى طول مكّة و عرضها.

و الأقسام المتصوّرة في المقام ثمانية، فإنّ الاختلاف إمّا أن يكون في الطول و العرض معا و إمّا أن يكون في أحدهما، و لا يعقل اتّفاق بلد مع مكّة في الطول و العرض معا كما لا يخفى، ثمّ إنّ الاختلاف في الطول تارة يكون البلد في غربي مكّة و اخرى يكون في شرقيّها، و كذا الاختلاف في العرض تارة يكون البلد في‌

150

جنوب مكة و اخرى يكون في شمالها، فهذه أقسام أربعة فيما إذا كان الاختلاف في الطول فقط أو في العرض فقط، و أربعة أقسام أخر حاصلة من الاختلاف في كليهما، و هي ما إذا كان البلد في غربي مكّة و عرضه في جنوبها أو في شمالها فهذا قسمان، و القسمان الآخران هو ما إذا كان البلد في شرقي مكّة و عرضه في جنوبها أو شمالها، فهذه أقسام ثمانية تختلف قبلة البلاد حسب هذا الاختلاف، و ليس المقام مقام التعرّض لطول البلاد و عرضها و النسبة بينها، فإنّ ذلك موكول إلى محلّه و مطلوب من أهله من علماء الهيئة.

و لعلّ استخراجات أهل هذا العصر من أهل الفنّ يكون أضبط و أتقن من استخراجات القدماء، و لذلك [1] لسهولة أسباب الاستخراج في هذا الزمان، حتّى أنّه يمكن معرفة قبلة عامّة البلاد بتوسّط القوّة البرقية من التلكراف، و ذلك لأنّ الشمس في كلّ سنة تسامت رءوس أهل مكّة بيومين، و هما اليوم الثامن من الجوزاء و الثاني و العشرين من السرطان- على ما نقل- فالشمس في هذين اليومين هي فوق الكعبة، و لذا يعدم الظلّ فيها في هذين اليومين كما تقدّم في باب المواقيت، فلو عرف أول الزوال في مكّة و هو آن انعدام الظلّ فيها يكون الظلّ الشاخص في كلّ بلد من البلاد في ذلك الآن مواجها للكعبة لا محالة، بحيث لو اخرج من ذلك الظلّ خطّا مستقيما لاتّصل بالكعبة.

فالمعيار في قبلة كلّ بلد هو المواجهة إلى ظلّ ذلك البلد في آن زوال مكّة في يوم يعدم فيها الظلّ، و معرفة آن زوال مكّة في كلّ بلد بمكان من الإمكان بتوسّط القوّة البرقية من التلكراف، و هذا المعنى أضبط شي‌ء في معرفة القبلة في جميع الأقاليم و البلدان.

____________

[1] هكذا في الأصل، و الصحيح «و ذلك».

151

و في المقام طريق آخر لا يحتاج إلى القوّة البرقية إذا علم مقدار تفاوت البلد مع مكّة في الطول، كما استخرجه المحقّق الطوسي- (قدّس سرّه)- على ما نقل، و حاصله:

أنّ اليوم الذي يعدم الظلّ فيه في مكّة تكون الشمس في أول الزوال في دائرة نصف النهار، و التفاوت بين نصف النهار في كلّ بلد و نصف نهار مكّة بقدر الفصل بين طوليهما، لأنّ كلّ بلد كان طوله أقلّ من مكّة يتأخّر الظهر فيه عن مكة، و كلّ بلد كان طوله أكثر من مكّة يتقدّم الزوال فيه عن مكّة، لأنّه يكون حينئذ أبعد عن المغرب و أقرب إلى المشرق، فإذا علم مقدار طول البلد و مقدار طول مكّة فالتفاوت بينهما بكلّ درجة مقابل لمقدار أربع دقائق، لأنّه لو قسّم ثلاثمائة و ستّين درجة على أربع و عشرين ساعة فلكلّ خمس عشرة درجة ساعة و لكلّ درجة أربع دقائق.

و على هذا فلو كان طول مكّة عشرين درجة و طول البلد خمسة و عشرين فيصير زوال البلد عشرين دقيقة قبل زوال مكّة، فبعد مضي عشرين دقيقة من زوال البلد إذا جعل المصلّي ظلّ الشاخص بين قدميه و توجّه إليه يكون متوجّها إلى القبلة لا محالة، لأنّ الشمس في هذا الآن- أي عند مضي عشرين دقيقة من زوال البلد- تكون مسامتة لرءوس أهل مكة و فوق الكعبة، فالمتوجّه إلى الظلّ يكون متوجّها إلى الكعبة.

و لو انعكس الفرض بأن كان طول البلد عشرين و طول مكة خمس و عشرين، فيصير زوال البلد بعد زوال مكّة بعشرين دقيقة، فالعبرة حينئذ بمواجهة الظلّ في ذلك الحال، فتأمّل تعرف.

و على كلّ تقدير العبرة إنّما هو بمعرفة القبلة بأيّ طريق ممكن،

و معرفة ذلك لها طرق متعدّدة.

منها: محراب صلّى فيه معصوم (عليه السلام)

كأحد المحاريب للمساجد الأربعة،

152

و لكن بشرط العلم ببقاء المحراب على هيئته التي جعلها المعصوم (عليه السلام) من دون أن يتغيّر، و هذا الشرط مفقود في هذا الزمان لكثرة التغيّرات، خصوصا في محراب مسجد الكوفة على ما نقل.

و منها: قبر المعصوم (عليه السلام)

بالشرط المذكور.

و منها: العلائم المنصوبة لذلك من مهرة أهل الفنّ

، كوضع الجدي كذا و وضع سهيل كذا، و أمثال ذلك ممّا هو مذكور في الكتب المبسوطة، فإنّ الإنصاف أنّ هذه العلائم علائم متقنة استخرجها مهرة أهل الفنّ، فهي إن لم تكن مفيدة للعلم فلا أقلّ من إفادتها الاطمئنان الملحق بالعلم المعبّر عنه بالعلم العادي في بعض الكلمات.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه ليس في الأخبار علامة تعبّدية لمعرفة القبلة، و إنّما ورد بعض الأخبار في خصوص الجدي، كقوله (عليه السلام) في بعضها: اجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق مكّة فاجعله بين كتفيك (1). و قوله (عليه السلام) في آخر: ضع الجدي في قفاك و صلّ (2).

و لكن من المعلوم أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق هذه الأخبار، فإنّ جعل الجدي على القفا لا يكون مطّردا في جميع البلدان، بل هو مقصور بما إذا كان قبلة البلد نقطة الجنوب، و كذا قوله (عليه السلام) «و إذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك».

و بالجملة: ليس فيما بأيدينا من الأخبار ما يدلّ على جعل الشارع شيئا خاصّا علامة للقبلة تكون مطّردة في جميع البلدان، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى العلامات المستخرجة من الهيئة، و قد عرفت أنّها أمور مضبوطة من شأنها أن تفيد‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 222 باب 5 من أبواب القبلة، ح 2، و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 222 باب 5 من أبواب القبلة، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

153

العلم، و على تقدير عدم إفادتها للعلم فلا أقلّ من إفادتها الظنّ، و سيأتي أنّه حجّة عند تعذّر العلم.

لا يقال: كيف يمكن التعويل على العلامات المذكورة في كتب القوم مع أنّها بنفسها مختلفة لا يمكن الجمع بينها؟ و الاختلاف في ذلك يكون أقوى شاهدا على اشتباههم، و كيف يتصوّر الجمع بين جعل الجدي خلف المنكب الأيمن مع جعل المغرب و المشرق الاعتداليّان على اليمين و الشمال؟ فإنّ جعل المشرق و المغرب كذلك يقتضي مقابلة نقطة الجنوب، و جعل الجدي كذلك يقتضي الانحراف عنه إلى المغرب بما يقرب من اثني عشرة درجة.

فإنّه يقال: إنّ هذا الاختلاف إنّما هو لأجل ما ذهبوا إليه من التوسعة في جهة القبلة بحيث لا يضرّ هذا المقدار من الزيادة و النقيصة في الانحراف، و الشاهد على ذلك أنّه جمع بين هذين العلامتين من هو أستاذ الفنّ الذي لا يمكن في حقّه الاشتباه كالعلّامة- على ما حكي عنه- فيعلم من هذا أنّ ذلك لا يكون إلّا من جهة التوسعة في جهة القبلة عندهم، و هذا المقدار من التفاوت لا يوجب الخروج عن الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، و لا يكون شاهدا على أنّ المراد من الجهة هو السمت و الطرف مع عدم اتّصال خطّ من المصلّي إلى الكعبة، فتأمّل جيدا.

و على أيّ حال لا بدّ من الرجوع إلى العلائم التي ذكرها أهل الهيئة لمعرفة القبلة، فإنّ هذا هو المتيسّر للبعيد، نعم حيث كان قدماء أهل الهيئة مختلفين مع المتجدّدين في تشخيص طول البلاد و عرضها و مقدار الانحراف، حتّى نقل أنّ القدماء ذهبوا إلى انحراف قبلة النجف الأشرف من الجنوب إلى المغرب بمقدار اثني عشرة درجة، و المتجدّدون ذهبوا إلى أنّ الانحراف بمقدار ثمانية درجات، فلا بدّ حينئذ من الأخذ بالاحتياط و المتوسّط بين القولين.

و قد عرفت سابقا أنّ العلامات المنصوصة في الأخبار لا يمكن الأخذ بإطلاقها‌

154

و حملها على التعبّد طابقت الكعبة أو لم تطابق، و ما ورد في صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) لا صلاة إلّا إلى القبلة قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه (1). لا يكون صريحا في جواز التوجّه إلى أيّ نقطة ممّا بين المغرب و المشرق اختيارا، لاحتمال أن يكون السؤال عن حدّ القبلة هو الحدّ الذي إذا صلّى الإنسان فيه تكون صلاته صحيحة و لو في الجملة و في بعض الأوقات، كما إذا تبيّن له الخطأ بعد الجهد و أنّ صلاته لم تكن على جهة القبلة، فإنّ في هذا الحال تصحّ الصلاة إذا كانت بين المشرق و المغرب و لم يكن مستدبرا للقبلة، كما هو رأي المعظم.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون السؤال عن حدّ القبلة هو الحدّ الذي يجوز إيقاع الصلاة فيه اختيارا، و يمكن أن يختصّ ببعض الأحوال.

و ممّا يبعد المعنى الأول هو أنّه من المستبعد جدّا أن يختفي لمثل زرارة حدّ القبلة مع وروده في الكتاب العزيز بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2). فمن المحتمل أن يكون جهة السؤال هو المعنى الثاني، فتأمّل. كما أنّه يمكن أن يكون المعنى أنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه لكن لا لكلّ أحد بل تختلف الأشخاص في ذلك، فربّ شخص تكون قبلته منحرفة عن المغرب بقليل، و ربّ شخص يكون انحرافه أزيد و كذا إلى أن يصل إلى حدّ يكون قبلة الشخص ممّا تقرب المشرق، و هذا الاختلاف إنما ينشأ من اختلاف البلدان في الطول و العرض، فما بين المغرب و المشرق كلّه قبلة على حسب اختلاف البلاد، فتأمّل و على كلّ تقدير لا يمكن الأخذ بإطلاق الصحيحة و القول بجواز استقبال أيّ نقطة ممّا بين المغرب و المشرق، هذا مع أنّه يمكن أن يدّعى الإجماع على خلافه،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 228 باب 10 من أبواب القبلة، ح 2.

(2) البقرة: الآية 143.