كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
155

و إن نسب الخلاف إلى من لا يضرّ بالإجماع.

ثمّ إنّ العلّامة- (قدّس سرّه)- جعل من جملة العلامات لأهل العراق جعل القمر ليلة السابع عند الغروب على العين اليمنى، و جعله كذلك عند انتصاف اللّيل في اللّيلة الرابع عشر، و جعله كذلك أيضا عند الفجر في اللّيلة الإحدى و العشرين (1) و لكن قال شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)-: إنّي جرّبت ذلك في اللّيلة السابعة فرأيت في ذلك اختلافا بحسب اختلاف الشهور بالنقص و التمام، فلاحظ.

و كيف كان لا بدّ من معرفة القبلة و العلم بها مع التمكّن كما هو الشأن في جميع الشرائط، و لا يعتبر في العلم حصوله من سبب خاصّ بل من أيّ سبب حصل، و مع عدم التمكّن من العلم لا بدّ إلى التنزّل إلى الظنّ.

و لكن يقع الكلام في أنّه مع التعذّر من تحصيل العلم هل يجوز التعويل على مطلق الظنّ، أو أنّ مرتبة الأخذ بالعلامات المنصوبة المستخرجة من الهيئة مقدّمة رتبة على الظنّ المطلق على تقدير عدم إفادتها للعلم؟

فربّما يقال: إنّ العلامات مع عدم إفادتها للعلم تكون في عرض الظنّ المطلق و لا وجه لتقدّمها عليه. و لكنّ الإنصاف أنّه ليس كذلك، فإنّ العلامات على فرض تسليم عدم إفادتها للعلم ليست في رتبة الظنّ المطلق، إذ لا إشكال في كونها منضبطة في نوعها مستخرجة من أساس مستحكم مفيدة للاطمئنان غالبا، فهي مقدّمة على الظنّ المطلق كتقدّم البيّنة عليه أيضا، لما عرفت من عموم حجّية البيّنة في باب المواقيت، و أنّها لا تختصّ بباب الترافع و ما كان الشكّ فيه من جهة الحلّية و الحرمة الذاتيّان، كما ربّما يتوهّم من قوله (عليه السلام): و الأشياء كلها على ذلك حتّى يستبين أو تقوم به البيّنة (2). إلّا أنّه قد تقدّم أنّ ورودها في ذلك لا يوجب الاختصاص‌

____________

(1) منتهى المطلب: ص 219 في القبلة.

(2) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، و فيه اختلاف يسير.

156

فالأقوى أنّ البيّنة في عرض العلم مقدّمة في الرتبة على الظنّ المطلق، لأنّ الظنّ متأخّر عن العلم، و المفروض أنّ البيّنة في عرض العلم لعدم تقييد في دليل حجّيتها، فيكون الظنّ متأخّرا عن البيّنة أيضا، و لا يعقل أن يكون ما في طول الشي‌ء في عرضه.

و بعبارة اخرى: أنّ من قامت عنده البيّنة يكون عارفا بالقبلة بالتعبّد، فيخرج عن موضوع «من لا يعلم» الذي أخذ موضوعا لحجّية الظنّ.

نعم في خصوص المقام إشكال و هو أنّ حجّية البيّنة في الموضوعات كحجّية الخبر الواحد في الأحكام مقصورة بما إذا كان الإخبار عن حسّ و شهود لا الحدس و الاجتهاد، و هذا المعنى في باب الإخبار عن القبلة منسدّ، لأنّ مستند الشهود إمّا الاجتهاد و هو حدسي، و إمّا العلامات المنصوبة المأخوذة من الهيئة و هي أيضا حدسية، فلا يجوز التعويل على البيّنة في أمثال المقام (1)، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ضعف الإشكال، فإنّ العلامات المستخرجة من الهيئة ليست حدسية، لأن الضابط في الأمور الحدسية هو أن يكون ذلك بإعمال نظر و اجتهاد، و استعمال المقدّمات النظرية و الأقيسة الاجتهادية لاستنتاج المطالب، كاستنتاج الفقيه الحكم الشرعي من الأدلة بحسب ما يفهمه منها، و من المعلوم أن علم الهيئة ليس من هذا القبيل، بل هو كعلم الحساب مأخوذ من مبادئ حسّية و مقدمات مشهورة، بداهة أن معرفة طول البلاد و عرضها من الأمور الحسية التي يعرفها كلّ من كان أهلا لها، و مجرّد عدم معرفة كلّ أحد لها لا يخرجها عن الحسّية، فهو من قبيل معرفة الصائغ مقدار الغش في الذهب و معرفة المقوّم مقدار‌

____________

(1) و يمكن أن يقال: إنّ اعتبار البيّنة في أمثال المقام إنّما هو من باب اعتبار قول أهل الخبرة، لا من باب الشهادة حتّى يقال: إنه يعتبر أن تكون عن حسّ و الحسّ مفقود في مثل المقام فتأمّل فإنه لو كان اعتبار ذلك من باب أهل الخبر لم يكن وجه لاعتبار التعدّد، فتأمّل. «منه».

157

قيمة الدار، و هل يمكن ان يدّعي أحد أنّ معرفة الصائغ مقدار الغشّ يكون حدسيّا و الحاصل: أنّ الضابط في الحسّيات أن تكون مأخوذة من مباد حسّية و إن احتاجت إلى إعمال نظر في استخراجات المحسوسات، إذ ليس كلّ محسوس مشاهدا بالبصر، بداهة أنّ معرفة هذا الحامض و أنّه من ماء النارنج أو الحصرم يحتاج إلى إعمال نظر مع أنّه من المحسوسات، فالقول بأنّ علم الهيئة مبنيّ على الحدسيّات في غاية الوهن و السخافة.

و عليه لا إشكال في حجّية البيّنة إذا كان مستندها العلائم المنصوبة المستخرجة من الهيئة، نعم لو كان مستندها أمورا أخر اجتهادية تكون حينئذ في عرض الظنّ المطلق إذا أفاد من قولها الظنّ، و لا وجه حينئذ لتقدّمها عن الظنّ الحاصل باجتهاد نفس المكلّف كما لا يخفى.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ العلم و العلائم و البيّنة تكون في عرض واحد و مقدّمة على الظنّ المطلق، كما أنّها مقدّمة على الامتثال الإجمالي من الصلاة إلى أربع جهات، بناء على أنّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الامتثال الإجمالي كما بيّن في محلّه، و كما أنّ البيّنة تكون مقدّمة على الامتثال الإجمالي كذلك الظنّ الحاصل بالاجتهاد في مورد اعتباره يكون مقدما على الامتثال الإجمالي، لأنّ الظنّ يكون حينئذ حجة شرعية، و الامتثال به يكون امتثالا تفصيلا فيقدّم على الامتثال الإجمالي و ما يظهر من خبر خراش [1] من نفي اعتبار الاجتهاد و أنّ الحكم عند تعذّر‌

____________

[1] و هو أنّه قال للصادق (عليه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف ممّا كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال (عليه السلام): ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصلّي إلى أربع وجوه (1). «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5 و فيه اختلاف يسير.

158

العلم هو الصلاة إلى أربع جهات فمأوّل أو مطروح، لما سيمرّ عليك إن شاء اللّٰه من صراحة الأخبار في أنّ الحكم عند تعذّر العلم هو التحرّي و الاجتهاد و العمل بما أدى إليه اجتهاده، و هذه الأخبار- مع صراحتها و صحّتها و عمل المشهور عليها، لا يمكن طرحها لأجل خبر يحتاج العمل به إلى جابر مفقود في المقام.

مع أنّه ليس بصريح في نفي الاجتهاد و الأخذ بالظنّ عند تعذّر العلم، بل لا ظهور فيه لاحتمال أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) «ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصلّ إلى أربع وجوه» هو أنّه ليس كما يزعمون من أنّه لو غمت عليه الأمارات و لم يمكن الاجتهاد و التحرّي صلّى إلى أيّ جهة شاء، بل يعتبر أن يصلّي حينئذ إلى أربع جهات، و يحتمل أن يكون المراد من الاجتهاد في كلام السائل هو العمل بالرأي و الاستحسان من دون أن يكون ذلك بتحرّي و استناد إلى أمارة مفيدة للظنّ، و هذا المعنى من الاجتهاد ليس بمعتبر عندنا، و لا يجوز التعويل عليه عند فقد العلم، بل لا بدّ حينئذ من الصلاة إلى أربع جهات.

و الحاصل: أنّه لا بدّ إمّا من طرح الخبر و إمّا من تأويله، لعدم مقاومته لما دلّ من أنّ الحكم عند تعذّر العلم هو التحرّي و الاجتهاد، و أنّ ذلك مقدّم على الصلاة إلى أربع جهات، كقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: يجزي التحرّي أبدا إذ لم يعلم أين وجه القبلة (1). و كموثق سماعة سألته عن الصلاة باللّيل و النهار إذا لم ير الشمس و القمر و لا النجوم، فقال (عليه السلام): اجتهد رأيك و تعمّد القبلة جهدك (2). و غير ذلك من النصوص الدالّة على اعتبار الاجتهاد.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّه لا فرق فيما ذكرناه من وجوب التحرّي و الاجتهاد عند‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة، ح 1

(2) الوسائل: ج 3 ص 224 باب 6 من أبواب القبلة، ح 3 و فيه اختلاف يسير.

159

فقد العلم بين الأعمى و غيره، و ما في بعض الكلمات من أنّ الأعمى يقلّد ليس المراد منه التقليد الاصطلاحي الذي هو عبارة عن الأخذ بقول الغير تعبّدا و بلا دليل، بل المراد منه هو أنّ الأعمى إذا لم يتمكّن من تحصيل العلم و كان المورد مورد الاجتهاد و التحرّي يسأل عن الغير و يأخذ بقوله، لكن لا مطلقا بل إذ حصل له الظنّ من قوله، لأنّ هذا هو التحرّي الممكن في حقّ الأعمى غالبا، فإنّه لا دليل على اعتبار التقليد في الموضوعات.

و ما ورد (1) في بعض الروايات من أنّ الأعمى إذا لم يعرف القبلة يرى من يسدّده إليها و يوجّهه نحوها ليس المراد من التقليد، بل المراد منه أنّه يرى من يعرّفه القبلة حتّى يصلّي نحوها، فهذه الروايات تدلّ على وجوب تحصيل العلم على الأعمى إذا كانت القبلة معلومة مشخّصة عند الناس، و هذا ممّا لا كلام فيه، فإنّه لو كانت القبلة معلومة- كما إذا كان في مسجد الحرام- يجب على الأعمى تحصيل العلم بها و لو بالسؤال، و ليس في مثل هذا موقع للاجتهاد و التحرّي، لأنّ الظاهر من أخبار التحرّي إنّما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة مشخصّة كيوم غيم و أمثال ذلك، و أمّا إذا كانت القبلة معلومة غاية الأمر أنّ الأعمى لخصوص عماه لم يعرف القبلة فليس هذا مورد التحرّي و الاجتهاد، بل يجب عليه أولا السؤال حتّى يحصل له العلم، و مع فرض عدم حصوله يصلّي إلى أربع جهات و لا عبرة بالظنّ حينئذ، بل غير الأعمي أيضا كذلك.

و الحاصل: أنّ في المقام دعويين: (الاولى) أنّ الحكم عند فقد العلم هو الاجتهاد و التحرّي، سواء في ذلك الأعمى و غيره، و لا عبرة بالتقليد و لا دليل عليه (الثانية) أنّ مورد الاجتهاد و التحرّي إنّما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة، كما إذا‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 225 باب 7 من أبواب القبلة، ح 1 و 2 و 3.

160

كان يوم غيم بحيث لم ير الشمس و القمر كما هو مورد الأخبار (1)، و أمّا إذا كانت القبلة معلومة و لم يكن مانع من ملاحظة العلامات المنصوبة لمعرفتها فليس هذا مورد الاجتهاد و التحرّي، بل اللّازم- في مثل هذا- العلم، و مع التعذّر لمانع شخصي كالعمى فالصلاة إلى أربع جهات، و لا فرق في ذلك أيضا بين الأعمى و غيره.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ لمعرفة القبلة مرتبتين (الاولى) العلم و ما يلحق به من الأمارات و البيّنة (الثانية) التحرّي و الاجتهاد و الأخذ بالأحرى.

و لو فقد المرتبتان جميعا فاللّازم هو الصلاة إلى أربع جهات كما عليه المعظم، و يدلّ عليه- مضافا على الإجماع المحكيّ في عدّة من كتب الأصحاب- مرسل خداش (2) المتقدّم، و هو و إن اشتمل على ما لا يقول به المشهور من نفي الاجتهاد إلّا أنّه قد عرفت الجواب عن ذلك، مع أنّ المشهور أخذوا به فيما نحن فيه، إذ الظاهر أنّه ليس لهم مستند في الصلاة إلى أربع جهات سواه، و إن حكي عن الكافي و الفقيه أنّهما قالا: روي أنّ المتحيّر يصلّي إلى أربع جوانب كما عن الأول (3)، و أنّه قد روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلّي إلى أربع جوانب كما عن الثاني (4)، و قد استفاد بعض الأعلام أنّ هاتين الروايتين غير مرسل خداش و ليس بكلّ البعيد، و على أيّ حال يكفي دليلا لما نحن فيه مرسل خداش بعد جبره بعمل المشهور.

و بذلك يكون مقدّما على ما دلّ من أنّ الحكم عند التحيّر هو الصلاة إلى جهة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة.

(2) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

(3) الكافي: ج 3 ص 286 ح 10 من كتاب الصلاة.

(4) الفقيه: ج 1 ص 278 باب القبلة ذيل ح 854.

161

من الجهات حيث شاء، كما في مرسل ابن أبي عمير عن زرارة: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحيّر، فقال: يصلّي حيث يشاء (1). و في صحيحة زرارة: يجزي المتحيّر أبدا أينما يتوجّه (2).

و قد أطنب في الجواهر (3) في مقام الجواب عن هذه الروايات و ضعفها و أنّها مجعولة أو محرّفة، و لكنّ الإنصاف أنّه لا حاجة إلى هذا التطويل، فإنّ نسبة هذه الروايات مع مرسل خداش (4) بالأعم و الأخص المطلق، فإنّ الموضوع في خبر خداش هو المتمكّن من الصلاة إلى أربع جهات، و هذه الأخبار أعم من ذلك، فيجب حملها على من لا يتمكّن من الصلاة إلى أربع جهات على قواعد باب التعارض بالأعم المطلق، فتأمّل.

بقي في المقام أمور ينبغي التنبيه عليها.

الأول: أنّه يعتبر أن تكون الصلوات الأربع إلى جهات أربع

متساوية النسبة تقريبا، و لا يكفي صلاتها إلى جهة واحدة أو جهتين، لأنّ المتبادر من قوله (عليه السلام) في خبر خداش «فليصلّ إلى أربع وجوه» هو ذلك كما لا يخفى، مضافا إلى أنّ الصلاة إلى أربعة وجوه متساوية النسبة أمّا محصّلة للقبلة و إمّا أن لا يبلغ الانحراف عنها إلى اليمين و الشمال، و هو مجز أيضا في الجملة و في بعض الأحوال، و هذا بخلاف ما إذا صلّى الأربع إلى جهة واحدة أو جهتين، فإنّه ربّما يكون الانحراف إلى ما وراء اليمين و الشمال، و هو لا يجزي في حال من الأحوال.

و ما يقال من أنّه بناء على هذا يمكن الاكتفاء بثلاث صلوات على ثلاث جهات متساوية، لأنّ الانحراف على تقديره أيضا لا يبلغ اليمين و الشمال، فلا وجه‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 26 باب 8 من أبواب القبلة، ح 2.

(3) جواهر الكلام: ج 7 ص 412.

(4) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

162

للالتزام بأربع صلوات. ففساده غنيّ عن البيان بعد ورود النصّ بأربع صلوات، مضافا إلى أنّه لو خلّينا و أنفسنا لكان اللّازم هو الصلاة بمقدار يعلم بوقوع أحدها إلى القبلة، كما هو الشأن في جميع الموارد التي يحكم فيها بلزوم الإتيان بالمقدّمات العلمية، غاية الأمر أنّه بالنصّ أسقطنا الزائد على أربع صلوات، و تبقى الأربع على حالها من لزوم الإتيان بها من باب المقدّمة العلمية، فلا وجه للاكتفاء بثلاث صلوات.

و ما يتوهّم من أنّه بعد سقوط الزائد على الأربع لا تكون الأربع حينئذ مقدّمة علمية حتّى يلزم الإتيان بها لذلك، لعدم كونها محصّلة للعلم بالصلاة إلى القبلة.

فليس بشي‌ء فإنّه- مضافا إلى أنّ سقوط بعض مقدّمات العلمية لا يوجب سقوط بعضها الآخر كما بيّن في الأصول، و عليه بنينا بوجوب [1] بما أمكن من المحتملات في الشبهة الوجوبية الغير المحصورة- يمكن أن يقال: إنّه من ورود النصّ بأربع صلوات يستكشف أنّ الشارع وسّع القبلة في هذا الحال إلى ربع الفلك، و جعل المواجهة إلى ربع الدائرة التي تكون الكعبة فيها مجز في هذا الحال، و عليه يكون الصلوات إلى أربع جهات من باب المقدّمة العلمية لإحراز المواجه إلى ربع الدائرة التي تكون القبلة فيها، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثاني: هل يعتبر أن يستوفي أولا محتملات الظهر ثمّ يعقبه بمحتملات العصر

، أو لا يعتبر ذلك بل له أن يصلّي الظهر و العصر معا إلى جهة و هكذا إلى أن يستوفي محتملاتهما معا، نعم ليس له أن يستوفي محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الظهر، و كذا ليس له أن يصلّي العصر إلى جهة مغايرة لصلاة الظهر، بل لا بدّ أن يصلّي العصر إلى الجهة التي صلّى الظهر إليها؟

____________

[1] سقط من هنا كلمة «الإتيان».

163

أقول: هذه المسألة مبنية على أنّ الامتثال الإجمالي هل هو في عرض الامتثال التفصيلي أو في طوله، فلو قلنا بالأول فلا يعتبر أن تقع محتملات العصر عقيب جميع محتملات الظهر، و لو قلنا بالثاني فيعتبر ذلك.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في اشتراط الترتيب بين الظهر و العصر، و لا بدّ من إحراز وقوع العصر عقيب الظهر كسائر الشرائط التي لا بدّ من إحرازها في مقام الامتثال، و هذا ممّا لا كلام، إنّما الكلام في أنّه يعتبر في حسن الامتثال من إحراز الترتيب حين فعل العصر بحيث يكون حين اشتغاله بالعصر محرزا لوقوع الظهر حتّى يكون محرزا للترتيب في ذلك الحال، أو أنّه يكفي في تحقّق الامتثال و حسنه إحراز الترتيب و لو بعد فعل العصر؟ فلو قلنا بكفاية الإحراز البعدي فله فعل الظهر و العصر معا إلى جهة واحدة، لأنّ حين فعل العصر و إن لم يعلم بالترتيب و وقوع العصر عقيب الظهر لاحتمال أن لا تكون القبلة في تلك الجهة إلّا أنّه بعد استيفاء جميع المحتملات يعلم بالترتيب و وقوع العصر بعد الظهر، و لو قلنا بلزوم العلم بالترتيب حين فعل العصر فاللّازم تأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر، لأنّه يعلم حينئذ بفراغ ذمّته عن الظهر حين اشتغاله بمحتملات العصر.

فإنّ قلت: حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر لا يعلم أيضا بوقوع العصر عقيب الظهر، لاحتمال أن لا تكون القبلة في تلك الجهة فلا تكون هذه الصلاة عصرا واقعيّا، و المعتبر من الترتيب هو وقوع العصر الواقعي عقيب الظهر الواقعي لا مطلقا، و لا يمكن العلم بهذا حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر، فبالأخرة ينتهي الأمر إلى حصول العلم بالترتيب بعد استيفاء جميع المحتملات، و يرتفع الفارق بين القولين.

قلت: الفرق بينهما في غاية الوضوح، فإنّه لو صلّى العصر عقيب جميع‌

164

محتملات الظهر يعلم إجمالا حين فعل كلّ واحد من محتملات العصر أنّ هذه الصلاة التي بيده واقعة عقيب الظهر الواقعي، فهو من جهة تكليفه الظهري فارغ الذمّة، و إن كان لا يعلم بأنّ هذه الصلاة التي بيده عصرا واقعيّا لاحتمال أن لا تكون إلى القبلة، إلّا أنّ هذا الجهل، لأجل الجهل بالقبلة لا الجهل بالترتيب، و هذا بخلاف ما إذا صلّى الظهر و العصر معا إلى جهة واحدة، فإنّه كما يكون جاهلا بأنّ صلاته العصري واقعة إلى القبلة كذلك يكون جاهلا بفراغ ذمّته عن الظهر، ففي الفرض يكون جاهلا بكلّ من القبلة و الترتيب معا، و بناء على أن يكون الامتثال التفصيلي مقدّما على الامتثال الإجمالي يجب عليه رفع جهله بالنسبة إلى الترتيب، لأنّه يتمكّن من ذلك بتأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر مع الإمكان، و إن لم يتمكّن رفع جهله بالنسبة إلى القبلة و لا ملازمة بينهما، فما نحن فيه نظير ما إذا كانت القبلة و اللّباس كلاهما مشتبهين، و يمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللّباس و امتياز الطاهر منه عن النجس، و لا يمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى القبلة، فهل يمكن أن يتوهّم أحد بناء على تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي أنّه لا يلزم عليه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللّباس لكونه مشتبه القبلة و يصلّي في كلّ واحد من الثوبين إلى أربع جهات؟

فإن قلت: فرق بين ما نحن فيه و المثال، فإنّ في المثال عند عدم رفع اشتباهه عن اللّباس يلزم زيادة في المحتملات و لزوم تعدّد الصلاة في كلّ واحد من الثوبين إلى كلّ واحدة من الجهات الأربع، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّه سواء صلّى الظهر و العصر معا إلى جهة أو عقّب محتملات العصر عن محتملات الظهر لا يلزم زيادة في المحتملات، و لا يلزمه أكثر من صلاة الظهر أربع إلى أربع جهات و كذلك العصر، و من المعلوم أنّ تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي- على القول به- إنّما هو فيما إذا استلزم من الامتثال الإجمالي التكرار، و عند استلزام التكرار‌

165

يكون الامتثال التفصيلي في عرض الامتثال الإجمالي كما ثبت في محلّه.

قلت: ليس التكرار بنفسه محذورا، بل إنّما منع من التكرار لأنّه امتثال إجمالي و هو متأخّر رتبة عن الامتثال التفصيلي، و هذا المحذور بعينه يأتي فيما نحن فيه و إن لم يلزم منه زيادة في المحتملات، و الحاصل: أنّ تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي أوجب لمنع التكرار، لا أنّ لمنع التكرار أوجب تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي.

إذا عرفت ما ذكرنا من ابتناء المسألة على تلك المسألة فاعلم أنّ شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- حيث اختار في تلك المسألة تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي- كما ذكرنا وجه ذلك في حجّية القطع مفصّلا- فذهب في هذه المسألة إلى لزوم تأخّر محتملات العصر عن محتملات الظهر، و كذا الكلام فيما كان من هذا القبيل كموارد الجمع بين القصر و الإتمام و أمثال ذلك، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثالث: لو ضاق الوقت عن استيفاء جميع محتملات الظهر و العصر

كما إذا لم يسع الوقت إلّا لسبع صلوات، فهل يدخل النقص على الظهر أو على العصر أو يتخيّر؟ وجوه:

أمّا الوجه الأول فهو تخيّل شمول أدلّة الاختصاص لما نحن فيه، بدعوى أنّ مقدار أربع صلوات من آخر الوقت مختصّ بالعصر، لأنّ مقدّمات العلمية كمقدّمات الصحّة مشمولة لأدلّة الاختصاص. و لكن قد تقدّم سابقا أنّ مقدّمات الصحّة غير داخلة في أدلّة الاختصاص فكيف بالمقدّمات العلمية، فالوجه الأول ضعيف جدّا.

و أمّا وجه التخيير فهو تخيّل أنّ ما نحن فيه إنّما يكون من باب التزاحم، فإنّ التكليف بالظهر و العصر معا فعليّ و إنّما المتأخّر هو زمان الامتثال، و حيث لم يكن في البين أهمّ و مهمّ فاللازم هو التخيير على قواعد باب التزاحم. و هذا‌

166

التخيّل أيضا فاسد، فإنّ ما نحن فيه و إن كان من باب التزاحم إلّا أنّه حيث كان فعل العصر مشروطا شرعا بفعل الظهر لأدلّة الترتيب فاللّازم هو استيفاء محتملات الظهر، لأنّ فعل الظهر غير مشروط بشرط فما نحن فيه نظير ما إذا عجز عن القيام في ركعة من ركعات الصلاة، و دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، فإنّه كما يجب القيام في الركعة الأولى لقدرته فعلا عليه و القعود في الركعة الثانية لعجزه عنه، و لا يمكنه العكس إذ لا موجب للقعود في الركعة الاولى مع كونه قادرا على القيام فيها، فكذلك فيما نحن فيه يجب فعل الظهر إلى أربع جهات لقدرته على تحصيل القبلة فيها، و يدخل النقص على العصر لعجزه عنها عند فعلها.

بل ما نحن فيه أولى من المثال، لأنّ ترتّب الركعة الثانية على الاولى ليس بشرعي بل هو أمر تكويني، و هذا بخلاف ترتّب العصر على الظهر فإنّه أمر شرعي، و صحّة العصر مشروطة شرعا بفعل الظهر.

و حاصل الكلام: أنّه قد تحرّر في باب التزاحم أنّه كلّ أمرين مترتّبين إذا وقع التزاحم بينهما يجب صرف القدرة على الأول منهما، لعدم اشتراط الأول بشرط غير القدرة و هي حاصلة بالفرض، بخلاف الثاني فإنّه مشروط بكونه عقيب الأول سواء كان شرط الوجوب أو شرط الواجب، فلا بدّ من ملاحظة القدرة حين تحقّق شرطه و المفروض أنّه لا قدرة له في ذلك الحين.

نعم لو كان المتأخّر أهمّ في نظر الشارع، كالقيام الركني في المثال المتقدّم لكان اللّازم صرف قدرته إلى المتأخّر، لأنّ الأهمية موجبة لتولّد خطاب احفظ قدرتك إلى الأهم، فتأمّل فإنّ المقام لا يسع أكثر من ذلك و تفصيله موكول إلى محلّه.

فظهر أنّ الأقوى من الوجوه هو الوسط.

167

الأمر الرابع: لو ضاق الوقت إلّا عن ثلاث أو اثنتان

، فهل يجب فعلها أو يقتصر على واحدة منها إلى أيّ جهة شاء؟ ربّما يتوهّم أنّه لا يجب عليه فعل ما تمكّن من الجهات بعد عدم إمكان الأربع، لأنّ المفروض عدم التمكن من الصلاة إلى القبلة أو ما بحكمها من استقبال ربع الفلك، فتخرج الجهات الباقية عن كونها مقدّمة علمية، نعم لمّا كانت الصلاة لا تسقط بحال يجب عليه صلاة واحدة إلى أي جهة شاء، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ضعفه، لأنّ سقوط بعض المقدّمات العلمية لا يوجب سقوط الباقي، فهو كما إذا اضطرّ إلى بعض أطراف الشبهة المحصورة، فكما أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف لا يوجب جواز فعل الباقي في الشبهة التحريمية و ترك الباقي في الشبهة الوجوبية- كما بيّن في محلّه- فكذلك فيما نحن فيه.

فإن قلت: نعم الأمر و إن كان كذلك و أنّ مقتضى القاعدة عند سقوط بعض المقدّمة العقلية عدم سقوط الباقي، إلّا أنّ في المقام حيث ورد الدليل على أنّ المتحيّر يكفيه الصلاة إلى أي جهة شاء، غاية الأمر أنّه رفعنا اليد عنه في صورة التمكّن من الأربع لرواية (1) خداش، فيبقى باقي الصور داخل تحت ذلك الدليل، فلا وجه حينئذ لإيجاب الثلاث أو الاثنان عليه.

قلت: لا وجه لهذا الإشكال بعد ملاحظة الأدلّة الواردة في المقام و ملاحظة الجمع بينهما، و تفصيل ذلك هو أنّه بعد ورود اعتبار كون الصلاة إلى القبلة و أنّه أينما كنتم فولّوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، و بعد ورود أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة (2)، و بعد ورود (3) ان غير المتمكّن يصلّي إلى أربع جهات، لا بدّ من‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 226 باب 8 من أبواب القبلة، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 287 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9.

(3) الوسائل: ج 3 ص 225 باب 8 من أبواب القبلة.

168

ملاحظة ما يتحصّل منها، فنقول:

إنّ مقتضى القاعدة الأولية هو أنّه عند المتمكّن من معرفة القبلة يجب الصلاة إليها، بمقتضى قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ (1)، و قوله (عليه السلام) في موثّق عمّار- بعد السؤال عن رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته- قال (عليه السلام): إن كان متوجّها فيما بين المغرب و المشرق فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم (2)، الخبر. فإنّ الظاهر منه أنّه لو علم جهة القبلة فاللّازم عليه هو الصلاة نحوها و لا يكفيه غيرها.

ثمّ إنّه قد ورد أيضا أنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة كما في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلّا إلى القبلة، قال: قلت: اين حدّ القبلة؟

قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه (3). و هذه الرواية و إن حملناها سابقا على ما إذا تبيّن له بعد الصلاة- كما في عدّة من روايات أخر- إلّا أنّه لا داعي إلى هذا الحمل بعد عموم اللّفظ و شموله إلى ما قبل الصلاة.

و طريق الجمع بين هذه الرواية و ما دلّ من وجوب استقبال عين الكعبة هو أنّ استقبال العين إنّما هو للمتمكّن من معرفتها، بداهة أنّ التكليف بالتوجّه نحوها إنّما هو فرع الإمكان فهو مخصوص قهرا بالمتمكّن، و أمّا قوله (عليه السلام) «ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه» فلا بدّ من حمله بما إذا لم يتمكّن من معرفة القبلة، كما ربّما يشعر به قوله في السؤال «أين حدّ القبلة» أي أين حدّ القبلة التي يجزي الصلاة إليها في الجملة أي في صورة عدم التمكن من استقبال العين، فقال (عليه السلام) «ما بين المشرق و المغرب قبلة» أي مع عدم معرفة القبلة يجزيه الصلاة إلى ما بين‌

____________

(1) البقرة: 144.

(2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 217 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9، و فيه اختلاف يسير.

169

المشرق و المغرب، فلو علم جهة المشرق و المغرب فهو، و إن لم يعلم جهتيهما فلا بدّ من إحراز كون صلاته واقعة بينهما، و ذلك إنّما يكون بالصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التثليث، فإنّه حينئذ يجوز كون صلاته واقعة بينهما و لا يكفيه الصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التربيع، لعدم إحراز البينونية حينئذ كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لو خلّينا و أنفسنا لكان اللازم عند التحيّر و عدم معرفة القبلة هو الاكتفاء بثلاث صلاة على جهة التثليث، و لكن بعد ورود الدليل على أنّه يصلّي إلى أربع جهات فلا بدّ مع التمكّن من الأربع من الصلاة إلى أربع، و يبقى صورة عدم التمكّن من الأربع و التمكّن من الثلاث تحت إطلاق قوله «ما بين المشرق و المغرب قبلة» فلا بدّ من الصلاة إلى ثلاث جهات على جهة التثليث لإحراز البينونية، و لا يجوز الاكتفاء بواحدة.

نعم يبقى في المقام صورة ما إذا لم يتمكّن إلّا من صلاتين، فإنه خارج عن تحت دليل الأربع و خارج عن «ما بين المغرب و المشرق» فيمكن أن يقال حينئذ بالاكتفاء بصلاة واحدة، لإطلاق قوله (عليه السلام) «صلّى إلى أيّ جهة شاء» (1) و لكن مع ذلك يمكن أن يقال: إنّه بعد خروج المتمكّن من الأربع و الثلاث من ذلك الإطلاق فيصير إطلاقه موهونا و يكون المتيقّن منه هو ما إذا لم يتمكّن إلّا من جهة واحدة، و يبقى المتمكّن من الاثنين باقيا على حكمه الأصلي من وجوب الإتيان بالمقدّمات العلمية مهما أمكن.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في هذا المقام، و لكن بعد للنظر فيه مجال، فتأمّل.

الأمر الخامس: أنّه لا إشكال في عدم الإعادة و القضاء على من صلّى أربع

ثمّ‌

____________

(1) تهذيب الاحكام. ج 2 ص 45 باب 5 من أبواب القبلة، ح 143 نقلا بالمضمون.

170

تبيّن الخلاف و أنّ القبلة لم تكن على نفس الجهة التي صلّى نحوها بل كانت بيمينها و يسارها، لأنّه مضافا إلى أنّ الحكم بالصلاة إلى الأربع و سقوط الزائد لم يكن من قبيل الحكم الظاهري الذي يمكن انكشاف الخلاف فيه، بل هو حكم واقعي جعل للمتحيّر، فقبلة المتحيّر في الحقيقة في هذا الحال هي ربع الفلك، أنّ صلاته تكون حينئذ فيما بين المغرب و المشرق، و قد ورد النصّ على أنّ الصلاة لو وقعت بينهما لا إعادة و لا قضاء (1).

و منه يعلم أيضا الحكم فيما إذا لو صلّى إلى ثلاث جهات فيما إذا كان تكليفه ذلك و أنّه لا إعادة عليه و لا قضاء، لان ما بين المغرب و المشرق قبلة له في هذا الحال حقيقة.

و أمّا لو صلّى إلى جهة واحدة فيما كان تكليفه ذلك فربّما يتوهّم وجوب الإعادة و القضاء لو كان مستدبرا، و وجوب الإعادة فقط لو كان إلى جهة المشرق و المغرب، و عدم وجوب شي‌ء لو كان بينهما إلى جهة القبلة، لما سيمرّ عليك من الأخبار الدالّة على ذلك. و لكن يدفعه أنّ تلك الأخبار مقصورة بمن أحرز جهة القبلة فتبيّن الخطأ، لا من لم يحرز القبلة لعدم معرفتها و كان تكليفه الواقعي الصلاة إلى أيّ جهة شاء كما فيما نحن فيه. فالأقوى عدم الإعادة و القضاء عليه أيضا، و إن أشكل شيخنا الأستاذ بالنسبة إلى الإعادة.

نعم يبقى صورة واحدة و هو ما إذا صلّى إلى جهتين فيما كان تكليفه ذلك، فإنّه خارج عمّا بين المغرب و المشرق و خارج عن إطلاق الصلاة إلى أيّ جهة شاء، فمقتضى القاعدة في صورة انكشاف الخلاف أن يكون عليه الإعادة و القضاء، و إن كان بعيدا من المذاق حيث إنه من صلّى إلى جهة واحدة لا يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 5 نقلا بالمضمون.

171

عليه إعادة و لا قضاء و من صلّى إلى جهتين يكون عليه الإعادة و القضاء، فتأمّل.

الأمر السادس: لا فرق في عدم التمكّن فيما ذكر له من الأحكام بين أن يكون ذلك لضيق الوقت أو لأمر آخر

، لإطلاق الدليل.

الأمر السابع: لو حصل له الظنّ إلى أنّ القبلة في أحد هاتين الجهتين

فهل يلحق هذا الظنّ بالظنّ إلى القبلة في الاعتبار بحيث لا يجب عليه الصلاة إلى أربع، أو لا يلحق بذلك بل يجب عليه الصلاة إلى أربع؟

ربّما يتوهّم ابتناء المسألة على أنّ اعتبار الظنّ بالقبلة هل يلازم اعتبار الظنّ بالنفي و أنّ القبلة لم تكن في هذه الجهة أو لا يلازم، فإن قلنا بالملازمة فلا يجب عليه الصلاة إلى أربع، لأنّ الظنّ بكون القبلة في أحد هاتين الجهتين يلازم الظنّ بعدم القبلة في الجهتين الباقيتين، و المفروض اعتبار الظنّ بالنفي كالإثبات، فلا تجب الصلاة إليهما. و إن لم نقل بالملازمة فتجب، لأنّ الظنّ بعدم القبلة في الجهتين وجوده كعدمه، هذا و لكن لا يخفى عليك عدم ابتناء المسألة على ذلك، فإنّه و إن قلنا بالملازمة بين اعتبار الظنّ بالإثبات و بين اعتباره بالنفي لكنّ هذه الملازمة إنّما هي فيما إذا كان الظنّ بالإثبات معتبرا، و الظنّ في كون القبلة في أحد هاتين الجهتين لم يقم دليل على اعتباره، لخروجه عن موضوع الأخبار التي [دلّت] (1) على اعتبار الظنّ بالقبلة، فإنها ظاهرة في الظنّ في جهة خاصّة لا مردّد بين جهتين، كما هو الظاهر من قوله (عليه السلام) «فتحرّى و تعمّد القبلة جهدك» (2) فإذا لم يكن مثل هذا الظنّ معتبرا فكيف يقال باعتبار الظنّ بالنفي؟ فلا بدّ له حينئذ من الصلاة إلى أربع مع الإمكان، فتأمّل، جيّدا.

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

(2) الوسائل: ج 3 ص 223 باب 6 من أبواب القبلة.

172

هذا تمام الكلام في أحكام الجاهل بالقبلة و المتحيّر بها.

المبحث الثالث

لا يجوز صلاة الفريضة على الراحلة اختيارا إلّا مع الضرورة، اعلم أنّ هنا مسائل ينبغي التعرّض لها.

الأولى: الصلاة على الراحلة و ما يجري مجراها من المحمل و الأرجوحة و القجاوة و ما شابهها. و الإشكال فيها من جهتين، من جهة الاستقبال و من جهة الاستقرار.

و المعروف الذي عليه المعظم أنّه لا يجوز أن يصلّي الفريضة على الراحلة إلّا لضرورة، و أمّا النافلة فيجوز مطلقا و لو اختيارا. و هذا لا إشكال فيه في الجملة، لدلالة جملة من الأخبار عليه كما سيمرّ عليك بعضها.

إنّما الإشكال فيما إذا طرأ على الفرض النفل كالصلاة المعادة، أو طرأ على النفل الفرض كما لو نذر النافلة، فهل العبرة على الأصل في كلّ من الطرفين بأن يلاحظ في المعادة و ما شابهها حكم الفريضة و يلاحظ في المنذورة حكم النافلة، أو أنّ العبرة على الوصف الطارئ أيضا في كلّ من الطرفين، أو يفصّل بين نقل عرض له الفرض فيلحقه أحكام الفرض و بين فرض عرض له النفل كالمعادة فيلحقه حكم النفل؟

ثمّ إنّ هذه الوجوه ليست في خصوص مسألة القبلة و الاستقرار، بل هي جارية في جميع ما يختصّ به النافلة من الأحكام، كعدم بطلان الشكّ في الثنائية منها، و جواز البناء على الأكثر و الأقل، و غير ذلك من الأحكام المختصّة بالنافلة.

و على أيّ حال قيل: إنّ العبرة إنّما هي حكم الأصل و لا يلتفت إلى العارض، سواء كان الأصل نفلا طرأ عليه الفرض كالمنذورة أو فرضا طرأ عليه النفل‌

173

كالمعادة، ففي الأول يجوز صلاتها على الراحلة اختيارا و لا يبطلها الشكّ، و في الثاني لا يجوز صلاتها على الراحلة و يبطلها الشكّ لو كانت ثنائية أو ثلاثية.

و قد استدلّ على ذلك بالاستصحاب في كلّ من الفرضين، ففي الأول استصحاب حكم النافلة إلى ما بعد النذر، و في الثاني استصحاب أحكام الفريضة إلى ما بعد صيرورتها نافلة، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا موقع للتمسّك بالاستصحاب في كلّ من الطرفين، للشكّ في الموضوع إن لم نقل بتبدّله قطعا.

و بيان ذلك: هو أنّ الوصف العنواني الذي يؤخذ في موضوع دليل الحكم.

تارة:- بمناسبة الحكم و الموضوع- يكون المتفاهم منه عرفا أنّ للوصف العنواني دخلا في موضوع الحكم حدوثا و بقاء، كما في قوله: أعط الزكاة الفقير فإنّ العرف يرى بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ لوصف الفقر دخلا في الحكم بإعطاء الزكاة، فلو زال الفقر يكون من باب زوال الموضوع، و كذلك قوله: قلّد المجتهد العادل و أمثال ذلك ممّا يكون للوصف في نظر العرف دخلا في الحكم.

و اخرى لا يرى العرف للوصف العنواني دخلا في الموضوع بحسب مرتكزاته و ما يراه من مناسبة الحكم و الموضوع، بل يرى الوصف معرّفا و من قبيل العلّة للحكم لا أنّه جزء موضوع له، كقوله: الماء المتغيّر نجس، فإنّ العرف يفهم أنّ معروض النجاسة إنّما هو جسم الماء لا وصف التغيّر، و إنّما أخذ التغيّر علّة لعروض هذا الحكم على نفس الماء، و من هنا يرى النجاسة باقية ببقاء الماء و إن زال التغيّر، بحيث لو فرض حكم الشارع بالطهارة عند زواله يرى من باب ارتفاع الحكم عن موضوعه مع بقائه لا ارتفاعه بارتفاعه.

و ثالثة يشكّ في أنّه من أيّ القبيلين هل للوصف العنواني دخل في الموضوع أو أنّه يكون معرّفا و علّة، و لا غرو في شكّ العرف في ذلك و تفصيله موكول إلى محلّه في‌

174

باب الاستصحاب.

ثمّ إنّه لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في القسم الأول، للقطع بارتفاع الموضوع. و كذلك لا إشكال في جريان الاستصحاب في القسم الثاني، للقطع ببقاء الموضوع، فلو شكّ أنّ التغيّر هل علّة الحدوث فقط حتّى تبقى النجاسة عند زواله، أو علّة للبقاء أيضا حتّى ترتفع بزواله، كان الاستصحاب هو المحكّم. و أمّا القسم الثالث فلا يجري فيه الاستصحاب أيضا، للشكّ في الموضوع مع أنّه يعتبر في باب الاستصحاب القطع ببقائه كما بيّن في محلّه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مثل جواز الصلاة على الراحلة مع فوت الاستقبال و الاستقرار، و مثل أنّ الشكّ في الثنائية لا يبطل، و مثل جواز البناء على الأقل و الأكثر، و غير ذلك من الأحكام المترتبة على النافلة، حيث إنّها كانت أحكاما تسهيلية و جعلها إنّما هو لأجل التوسعة فهي إنّما تناسب النافلة لأنّه يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفريضة، فمن القريب جدّا أن يكون لوصف التنفّل دخل في موضوع هذه الأحكام، لأنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن تكون جعل مثل هذه الأحكام المبتنية على التسامح و التسهيل إنّما هو لأجل النافلة، لخلاف ما يقابلها من الأحكام من عدم جواز الصلاة على الراحلة، و بطلان الشكّ في الثنائية و الثلاثية، و لزوم البناء على الأكثر، و أمثال ذلك من الأحكام المبتنية على التضيق و عدم المسامحة، فإنّها تناسب وصف الفرض، فمن القريب أيضا جدّا أن يكون لوصف الفرض دخل في مثل هذه الأحكام.

و المنذورة حيث عرض لها وصف الفرض فتناسب أن يلحقها أحكام الفرض، فلو ادّعى أحد القطع بأنّ لوصفي الفرض و النفل دخلًا في موضوع هذه الأحكام لما كان مجازفا و كانت دعواه في محلّه، فيكون المقام من قبيل القسم الأول الذي يكون للوصف العنواني دخل في متعلّق الحكم مثل أعط الزكاة الفقير، ففي‌

175

مثل النفل الذي عرض له الفرض ممّا يقطع بارتفاع الموضوع فلا موقع للاستصحاب.

و إن أبيت عن ذلك فلا أقل من الشكّ، فيكون من القسم الثالث الذي يشكّ في الموضوع فلا يجري الاستصحاب فيه أيضا، و المنع عن الشكّ في مدخلية وصفي الفرض و النفل في الأحكام يكون خلاف الإنصاف، فالأقوى أنّه لا موقع للاستصحاب في كلّ من الطرفين.

ثمّ إنّه إن قام دليل بالخصوص على تسرية حكم النقل إلى بعد عروض الفرض و بالعكس فهو، و إلّا كان المتّبع إلى الإطلاقات و العمومات الدالّة على اعتبار الشرائط من القبلة و الاستقرار، و عموم البناء على الأكثر عند الشكّ في الرباعية، و بطلان الشكّ في الثنائية، و القدر الثابت من التخصيص هو ما كان نفلا بالفعل، لأنّ المقام يكون من إجمال المخصّص الذي يدور أمره بين الأقل و الأكثر، فلا مانع من الرجوع إلى العمومات، فتأمّل جيّدا. هذا في النفل الذي طرأ عليه الفرض.

و أمّا الفرض الذي طرأ عليه النفل كالمعادة احتياطا و جماعة فالأقوى فيه أيضا مراعاة حكم الفرض.

أمّا الصلاة المعادة احتياطا فأصل نفليّتها شرعا مشكل، بل إنّما هو لأجل حكم العقل بحسن الاحتياط من جهة احتمال الخلل، و على فرض أن يكون الإعادة مستحبّا شرعا فاستحبابه إنّما هو لأجل جبر الخلل المحتمل وقوعه في الصلاة، فلا بدّ من أن تكون المعادة واجدة لجميع الشرائط حتّى تقوم الصلاة المعادة مقام الأصل على تقدير وقوع الخلل فيها.

و أما الصلاة المعادة جماعة فهي و إن كانت مستحبّة شرعا إلّا أنّ قوله‌

176

(عليه السلام) «ليختار اللّٰه أحبّهما إليه» (1) يدلّ على أنّها تكون من باب الامتثال عقيب الامتثال، فلا بدّ أن تكون أيضا واجدة لجميع الشرائط حتّى يمكن أن تكون أحبّهما إليه.

نعم يبقى الإشكال في صلاة العيدين و الجمعة في زمان الغيبة، و أنّه هل يجري عليها أحكام الفرض أو أحكام النقل؟ و لعلّه يأتي تحقيقه إن شاء اللّٰه عند التعرّض لها.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما اخترناه من جريان أحكام الفرض على النافلة المنذورة إنّما هو في غير حكم الجماعة، و أمّا بالنسبة إلى حكم الجماعة بحيث يجوز له أن يصلّي الصلاة النافلة المنذورة جماعة، كسائر الفرائض التي تشرع فيها الجماعة دون النوافل، فأمره مشكل. و إن كان يظهر من عبارة الشهيد (2)، (رحمه اللّٰه)- الإجماع على جواز ذلك، حيث حكي عنه: أنّ جميع أحكام الفريضة تجري على المنذورة حتّى بالنسبة إلى الجماعة عندنا. فإنّ الظاهر من قوله «عندنا» هو دعوى الإجماع على ذلك، و إن كان في الظهور ما لا يخفى.

و على كلّ حال فالمتيقّن إنّما هو تسرية أحكام الفرض على المنذورة سوى الجماعة إلّا أن يقوم دليل على خلافه، هذا ما يقتضيه القاعدة.

و لكن في خصوص المقام وردت رواية على جواز الصلاة المنذورة على الراحلة، و هي رواية علي بن جعفر: سألته عن رجل جعل للّٰه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابّته و هو مسافر؟ قال (عليه السلام) نعم (3)

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 457 باب 54 من أبواب صلاة الجماعة، ح 10.

(2) ذكري الشيعة: ص 265 س 16.

(3) الوسائل: ج 3 ص 238 باب 14 من أبواب القبلة، ح 6.

177

و النسبة بين هذه الرواية و ما دلّ (1) على عدم جواز الفريضة على الراحلة إلّا لضرورة إنّما بالعموم من وجه، لأنّ هذه و إن كانت ظاهرة في خصوص النافلة كما لا يخفى وجهه إلّا أنّها أعمّ من حيث الضرورة و عدمها، و تلك الروايات و إن كانت في خصوص الفريضة إلّا أنّها أعمّ من حيث كونها منذورة أو غيرها، فلا بدّ من رفع اليد عن عموم أحدهما، إمّا بتخصيص الفريضة بغير المنذورة، و إمّا بتخصيص المنذورة بصورة الضرورة.

و دعوى أظهرية رواية علي بن جعفر، لانصراف الفريضة في أخبار المنع إلى الفرائض الأصلية فلا تشمل المنذورة خالية عن الشاهد، لعدم الانصراف على وجه يوجب صرف اللّفظ عن ظاهره، بل إنّما هو من الانصرافات البدوية التي لا عبرة بها، فالإنصاف أنّ الفريضة في أخبار المنع ظاهرة في الأعمّ من المنذورة و الفرائض الأصلية، كما أنّ ما دلّ على جواز فعل المنذورة على الراحلة ظاهر في الأعمّ من الضرورة و غيرها.

بل ربّما يدّعى أنّ رواية علي بن جعفر أظهر، لأنّ الظاهر من السؤال أنّ المنذورة هل هي كالفرائض لا يجوز أن يصلّيها على الراحلة أو أنّها كالنافلة يجوز، فكأنّه كان المرتكز في ذهن السائل أنّ حكم النافلة هو جواز صلاتها اختيارا على الراحلة، و كان جهة السؤال في أنّ النذر يوجب تغيير الحكم أو لا يوجب، فقوله (عليه السلام) «نعم» بمنزلة قوله إنّ النذر لا يوجب تغيير الحكم و بعد يجوز صلاتها اختيارا على الراحلة، فتأمّل فإنّ هذا أيضا كدعوى الانصراف في تلك الأخبار لا يخلو عن مناقشة، فالأظهرية في البين في كلّ من الطرفين لم يكن، و عليه لا بدّ من رفع اليد عن ظهور أحدهما، هذا. و لكن بعد لم يعلم عمل الأصحاب على‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة.

178

رواية علي بن جعفر (عليه السلام)، فالقول بأنّه لا يجوز صلاة المنذورة على الراحلة اختيارا لا يخلو عن قوّة.

ثمّ إنّ هنا مقامين للتكلّم (الأول) في جواز الصلاة على الراحلة مع فوات بعض الشرائط و الأفعال من القبلة و الركوع و الاستقرار و أمثال ذلك. (الثاني) جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شي‌ء من الشرائط و الأجزاء.

أمّا المقام الأول:

فالمعروف بين الأصحاب عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا و جوازه عند الضرورة، و أمّا النافلة فيجوز مطلقا، و يدلّ عليه عدّة من الأخبار، كصحيح عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام): لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلّا مريض يستقبل القبلة، و تجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شي‌ء، و يومئ في النافلة إيماء (1). و في موثّق عبد اللّٰه بن سنان قلت: لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يصلّي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا، إلّا من ضرورة (2).

و في بعض الروايات (3) تقييد الضرورة بالشدّة، و معلوم أنّه ليس المراد من الشدّة البالغة حدّ القدرة، بل المراد منها ما يعسر معه النزول و الركوب.

و ينبغي ان يعلم أنّه في مورد جاز الصلاة على الراحلة لا بدّ من ملاحظة الشرائط و الأفعال مهما أمكن، لأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، فيستقبل القبلة و لو بالتكبيرة مع عدم التمكّن من غيرها، و يراعي سائر الشرائط بقدر القدرة، و لا يعتبر‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة، ح 1، و فيه اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 237 باب 14 من أبواب القبلة، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 236 باب 14 من أبواب القبلة، ح 5 و 11.

179

أن يصبر إلى ضيق الوقت كما يظهر من الشرائع (1)، بل يجوز له البدار لكن بشرط اليأس عن زوال العذر، كما هو الشأن في جميع دوي الأعذار، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه في محلّه.

و حكم الصلاة على الراحلة [حكم] (2) الصلاة ماشيا فيجوز عند الضرورة دون الاختيار، و ادّعي على ذلك الإجماع، و الظاهر أنّه لو دار الأمر بين الصلاة راكبا و بين الصلاة ماشيا فالحكم فيه التخيير، لأنّ في كلّ منهما جهة لم تكن في الآخر، فإنّ في الركوب تفويتا للقيام مع استقرار المصلّي بنفسه و إن كانت دابّته متحرّكة، و في المشي تفويت استقرار المصلّي مع ثبوت القيام له، و لم يعلم أهمية أحد الجهتين، فلا محيص عن التخيير كما هو الشأن في كلّ متزاحمين لم يكن أحدهما أهمّ.

و ربّما يستدلّ على التخيير بقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً (3). و في الاستدلال ما لا يخفى، لأنّ المراد من رجالا أو ركبانا هو الحال المتلبس به المكلّفين، فيصير المعنى إن خفتم العدوّ فصلّوا سواء كنتم راكبين أو راجلين، و أين هذا من التخيير؟ هذا.

و لكن يمكن أن يقال بتقديم المشي لأهمية القيام خصوصا الركني منه، فتأمّل.

المقام الثاني:

في جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شي‌ء من الشرائط و الأجزاء، كما إذا كانت الدابّة معقولة و كان في كجاوة أو سرير يمكنه استيفاء الركوع و السجود‌

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 1 ص 66 في القبلة.

(2) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

(3) البقرة: الآية 239.

180

و غير ذلك من الشرائط و الأجزاء. و في جواز الصلاة كذلك إشكال، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلّا المريض .. إلخ» هو عدم جواز الصلاة على الدابّة مطلقا سواء كانت واقفة أو سائرة، فيكون نفس الكون على الدابّة مانعا عن الصلاة عليها كمانعية غير المأكول عن الصلاة فيه.

و كون المنع عن الصلاة على الدابّة إنّما هو لأجل أنّ الغالب عدم إمكان استيفاء جميع الافعال عليها فيكون الحكم واردا مورد الغالب- كما في الجواهر- (1) ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ النفي في قوله (عليه السلام) «لا يصلّي .. إلخ» لم يرد إلّا لبيان مانعية الدابّة عن الصلاة عليها، و ليس له نظر إلى حيثية الأجزاء و الشرائط و أنّه مطلق بالنسبة إلى إمكان استيفائها و عدمه، حتّى يمنع إطلاقه بالنسبة إلى ذلك بدعوى أنّ الغالب عدم إمكان الاستيفاء فالحكم وارد مورد الغالب، لما عرفت من أنّ قوله (عليه السلام) «لا يصلّي على الدابة» كقوله «لا يصلّي في الحرير» ظاهر في شرطية عدم الدابّة و أنّه وارد لمجرّد بيان ذلك، فليس النفي متعرّضا لحال الأفعال حتّى يبحث عن إطلاقه بالنسبة إلى ذلك و عدم إطلاقه.

نعم بالنسبة إلى مانعية الدابّة يكون مطلقا من حيث كونها واقفة أو سائرة، غاية الأمر أنّا نقطع بأنّ الدابّة من حيث كونها دابّة ليس لها خصوصية تمنع عن الصلاة عليها، و إنّما المانع هو عدم القرار الذي نسب إلى المشهور اعتباره في الصلاة زائدا على الاستقرار، و المراد من القرار هو أن يكون المصلّي مستقرّا على الأرض و لو بواسطة أو ما بحكمها كالماء على ما سيأتي من جواز الصلاة في السفينة.

و تنقيح البحث في المقام يستدعي بسطا في الكلام فنقول: إنّ المصلّي تارة‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 420.

181

يكون مستقرّا في مكان بحيث لم يكن له حركة عينية خارجية و إن كان له حركة تبعية عرضية، كجالس السفينة في الأنهار الصغار التي لم يكن لها تموّج و اضطراب لسكون الماء.

و اخرى لا يكون مستقرّا في مكان بل متحرّكا بحركة عينية خارجية و لو كان بتبع حركة الغير، كالراكب على الدابّة في حال سيرها، و كالراكب في الشمندفر و إن كان حركته دون حركة الدابّة إلّا أنّه مع ذلك له حركة حسّية خارجية.

و ثالثة لا يكون مستقرّا في مكان و لم يكن له حركة أيضا، كراكب الدابّة الواقفة سواء كان في محمل أو سرير أو غيره، و هذا أيضا يمكن على نحوين، فإنّ الدابّة تارة تكون معقولة بحيث يؤمن من حركتها، و اخرى لا تكون معقولة و تكون في معرض الحركة، و قس على الدابّة غيرها ممّا يكون معلّقا في الهواء.

فهذه مجمل أقسام المصلّي باعتبار حالاته من حيث المكان و الاستقرار.

و أمّا حكمها فالقسم الأول ممّا لا شبهة في صحّة صلاته، على خلاف في السفينة يأتي بيانه إن شاء اللّٰه و كذا لا شبهة في عدم صحّة الصلاة في القسم الثاني، لفوات القرار و الاستقرار معا فيه فهو المتيقّن من أخبار المانعة عن جواز الصلاة على الراحلة.

و أمّا القسم الثالث فهو بكلا قسميه يمكن أيضا دخوله في الأخبار المانعة، بناء على ما استظهرناه منها من أنّ المنع إنّما هو لبيان مانعية نفس الراحلة من جهة فوات القرار، و قد بنى شيخنا الأستاذ على ذلك. و لكنّ الإنصاف أنّ استظهار ذلك من الأخبار في غاية الإشكال، لإمكان دعوى أنّ المنع عن الصلاة على الراحلة إنّما هو لأجل فوات الاستقرار و غيره من الشرائط و الأجزاء كما هو الغالب.

و دعوى أنّ الحكم لم يرد لبيان ذلك لا تخلو عن إشكال، و على فرض التسليم و أنّ المنع إنّما يكون واردا لبيان مانعية نفس الدابّة فيمكن أن يقال: إنّ جهة‌

182

السؤال عن الصلاة على الراحلة إنّما هو من جهة حركتها و سيرها، فالحكم إنّما يكون منزّلا على حال حركتها و سيرها كما هو الغالب، فلا يشمل ما إذا كانت معقولة.

و بالجملة: القول ببطلان الصلاة على المحمل و السرير المحمول على الدابّة المعقولة المطمئنّ من حركتها، أو التخت المعلّق في الهواء بحيث لا يتحرّك في حال الصلاة لا يخلو عن تأمّل بل منع، للشكّ في دخوله في أخبار المنع، و الأصل فيه البراءة لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في مانعية الراحلة عن الصلاة فيكون من باب الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، و قد حرّر في محلّه أنّ الأصل فيه هو البراءة لا الاشتغال على الأقوى.

نعم يعتبر أن يكون المصلّي مطمئنّا بعدم حركة الدابّة في حال الصلاة حتّى يمكنه الجزم بالنية، إذ مع عدم الاطمئنان يكون حال الصلاة عليها كحال الصلاة في مواضع الزحام من حيث عدم تحقّق الجزم بالنية، و أصالة عدم طروّ المانع في الأثناء لا يوجب حصول الجزم بالنية كما لا يخفى.

و لا ينتقض بصلاة ذات العادة التي تحتمل طروّ الحيض في أثنائها. لأنّ القدر المتمكّن منها هو الصلاة باحتمال عدم طروّ الحيض فلا يمكنها الجزم بالنية، فلا بدّ لها من الامتثال الاحتمالي، لأنّ صبرها يوجب تأكّد احتمال طروّ المانع، و هذا بخلاف المقام لأنّ المفروض هو تمكّنه من الصلاة على الأرض، فهو متمكّن من الامتثال القطعي و عليه لا يجوز له الصلاة بالامتثال الاحتمالي، و سيأتي مزيد توضيح لذلك في باب النية إن شاء اللّٰه.

بقي الكلام في حكم الصلاة في السفينة في حال سيرها

، و لا بدّ أولا من ذكر بعض الأخبار الواردة في الباب ممّا ظاهره التعارض و التنافي.

فمنها: ما رواه الحلبي أنّه سأل أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في السفينة، فقال‌

183

يستقبل القبلة و يصفّ رجليه، فإذا دارت و استطاع أن يتوجّه إلى القبلة و إلّا فليصلّ حيث توجّهت به، و إن أمكنه القيام فليصلّ قائما و إلّا فليقعد ثمّ يصلّي (1).

و منها: رواية جميل بن درّاج أنّه قال لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): تكون السفينة قريبة من الجدد فأخرج و أصلّي؟ قال: صلّ فيها أما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام) (2).

و في رواية يونس بن يعقوب أنّه سأل أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في الفرات و ما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة، فقال: إن صلّيت فحسن و إن خرجت فحسن (3). قال: و سأله عن الصلاة في السفينة و هي تأخذ شرقا و غربا فقال:

استقبل القبلة ثمّ كبّر ثمّ در مع السفينة حيث دارت (4).

و منها: رواية علي بن إبراهيم قال: سألته عن الصلاة في السفينة، قال:

يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشطّ (5).

و في رواية حمّاد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة، فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياما، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعودا، و تحرّوا القبلة (6).

و منها: ما في تفسير العيّاشي عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

الصلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلّها سواء، تومئ إيماء‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 3.

(3) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 5.

(4) الوسائل: ج 3 ص 234 باب 13 من أبواب القبلة، ح 6.

(5) الوسائل: ج 3 ص 234 باب 13 من أبواب القبلة، ح 8.

(6) الوسائل: ج 3 ص 235 باب 13 من أبواب القبلة، ح 14.

184

أينما توجّهت دابّتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الأرض إلّا من خوف فإن خفت أومأت، و أمّا السفينة فصلّ فيها قائما و توخّ القبلة بجهدك، فإنّ نوحا قد صلّى الفريضة فيها قائما متوجّها إلى القبلة و هي مطبقة عليهم، قال:

قلت: و ما كان علمه بالقبلة فيتوجّهها و هي مطبقة عليهم؟ قال: كان جبرئيل (عليه السلام) يقوّمه نحوها، قال: قلت: فأتوجّه نحوها في كلّ تكبيرة؟ قال: أمّا في النافلة فلا، إنّما تكبّر على غير القبلة اللّٰه أكبر، ثمّ قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل، أينما تولّوا فثمّ وجه اللّٰه (1).

فهذه جملة من الأخبار التي أردنا ذكرها، و هي- كما ترى- على طوائف:

منها ما يدلّ على كيفية الصلاة في السفينة من استقبال القبلة و صفّ الرجلين و القيام مع التمكّن، من دون أن يكون متعرّضا لأصل حكم الصلاة في السفينة من الجواز مطلقا في حالتي الاختيار و الاضطرار و هي رواية الحلبي (2)، فإنّ الظاهر من قوله «سأل عن الصلاة في السفينة» بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن أصل الكيفية، فهو من جهة الجواز مطلقا مهمل غير ناظر إليه، فلو فرض أنّه ورد في عدم الجواز اختيارا و إنّما الجواز مختصّ بصورة الاضطرار لا يقع التعارض بينهما كما لا يخفى.

و منها: ما دلّ على جواز الصلاة في السفينة، و هو بإطلاقه يشمل صورتي الاختيار و الاضطرار، بل ظاهر في خصوص الاختيار كالرواية الثانية، فإنّ الظاهر من قوله «تكون السفينة قريبة من الجدد» هو عدم المشقّة في الخروج منها و عدم الاضطرار بالصلاة فيها، خصوصا مع قوله «فأخرج و أصلّي» فقوله‌

____________

(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 56 ح 81.

(2) الوسائل: ج 3 ص 233 باب 13 من أبواب القبلة، ح 1.

185

(عليه السلام) في الجواب «صلّ فيها» في قوّة التصريح بجواز الصلاة فيها اختيارا.

و يقرب من ذلك في التصريح بالجواز في صورة الاختيار رواية يونس بن يعقوب حيث قال (عليه السلام): إن خرجت فحسن و إن صلّيت فحسن إذ في صورة الاضطرار لا يكون محلّ لقوله «و إن خرجت فحسن».

نعم السؤال مختصّ بالأنهار الصغار فلا يشمل السفينة في البحر المتلاطم، و أمّا قوله في تتمّة هذه الرواية قال: و سأله عن الصلاة في السفينة تأخذ شرقا و غربا، فلا يدلّ على جواز الصلاة في السفينة المضطربة اختيارا، لأنّ الظاهر منه بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة المضطربة لا عن أصل الجواز، فلا ينافي اختصاصه بصورة الاضطرار كما لا يخفى.

و أمّا رواية على بن إبراهيم فالظاهر منها أيضا أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة بقرينة قوله (عليه السلام) «يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام» و أمّا قوله (عليه السلام) في ذيل هذه الرواية «و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشطّ» فغير معارض لما دلّ من جواز الصلاة في السفينة اختيارا، لأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «و لا يصلّي في السفينة» هو أن يكون في صورة عدم التمكّن من استيفاء جميع أفعال الصلاة في السفينة، بقرينة قوله (عليه السلام) في صدر الرواية «يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام» فيختصّ المنع في هذه الصورة لا فيما إذا تمكّن من استيفاء جميع الأفعال حتّى الاستقرار فيما إذا لم تكن السفينة مضطربة.

نعم ربّما يدّعى ظهور رواية حمّاد بن عيسى في المنع عن الصلاة في السفينة في صورة الاختيار و التمكّن من الخروج، لأنّ الظاهر من قوله «إنّ استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فإن لم تقدروا فصلّوا قياما» هو أنّه مع التمكّن من الصلاة في السفينة تامّة الأجزاء و الشرائط يجب عليه الخروج مع القدرة عليه، هذا.

186

و لكن لا ملازمة بين التمكّن من القيام و التمكّن من استيفاء سائر أفعال الصلاة، فيمكن أن يكون المنع لأجل فوات الاستقرار كما ربّما يدّعى أنّه الغالب أو فوات القبلة، فتأمّل جيّدا.

و منها: رواية العيّاشي و الإنصاف أنّها صريحة في جواز الصلاة في السفينة اختيارا مع التمكّن من استيفاء الأفعال و تكون شاهد جمع بين الأخبار، فإنّ التفصيل في الفريضة بين الراحلة و السفينة، و أن في الراحلة لا يجوز إلّا في صورة الاضطرار و في السفينة يجوز مطلقا سواء قدر على الخروج أو لم يقدر يكون نصّا في الجواز، نعم يختصّ الجواز بصورة التمكّن من استيفاء الأفعال بقرينة قوله (عليه السلام) «فصلّ فيها قائما و توخّ القبلة» و كذا يختصّ بصورة التمكّن من الاستقرار و عدم اضطراب السفينة بقرينة كون السائل زرارة و هو عراقي، و السفن السارية في أنهار العراق من الفرات و الدجلة لا تكون مضطربة غالبا.

فتحصّل: أنّ المستفاد من مجموع الأخبار بعد تحكيم النصّ و الأظهر على الظاهر هو أنّه لو كانت السفينة غير مضطربة، و تمكّن المصلّي من استيفاء جميع أفعال الصلاة من القيام و القبلة و غير ذلك فالصلاة فيها اختيارا تصحّ مع التمكّن من الخروج، و إن لم يتمكّن من استيفاء الأفعال فجواز الصلاة مختصّ بصورة عدم التمكّن.

و قد انقدح أيضا حال الصلاة على الراحلة، و أنّه في الفريضة لا يجوز إلّا مع الاضطرار و عدم التمكّن من النزول، و أمّا في النافلة فيجوز مطلقا و لا يعتبر القبلة و لو مع التمكّن فيها، بل يتوجّه حيثما توجّهت الدابّة، كما صرّحت به رواية العيّاشي المتقدّمة.

فما عساه يظهر من بعض الأخبار من اعتبار الاستقبال في حال الركوع و السجود و التكبير أو في خصوص حال التكبير، كقول الصادق (عليه السلام) في‌

187

حسن معاوية بن عمّار: لا بأس أن يصلّي الرجل صلاة اللّيل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة اللّيل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي يتوجّه إلى القبلة ثمّ يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثمّ مشى (1). و كصحيح عبد الرحمن قال فيه: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في اللّيل في السفر في المحمل، فقال (عليه السلام): إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثمّ كبّر و صلّ حيث ذهب بك بعيرك (2)، الخبر. لا بدّ من حمله على الأفضلية، لعدم مقاومته لجملة من الأخبار المصرّحة بعدم اعتبار القبلة في النافلة إذا صلّيت على الدابّة، أو في حال المشي مطلقا حتّى في حال التكبير المعلّلة في جملة منها بقوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (3)، و أنّها نزلت في النافلة في السفر.

و حاصل الكلام: أنّ في صلاة النافلة جهات من البحث:

الاولى: في أصل جوازها اختيارا على الراحلة و في حال المشي.

الثانية: في عدم اعتبار القبلة فيها مطلقا و لو في حال التكبير.

الثالثة: في أنّ جواز الصلاة على الراحلة هل هو مختصّ بالسفر أو يعمّ الحضر أيضا؟

الرابعة: في أنّه هل يعتبر الركوع و السجود فيها لو صلّيت ماشيا أو على الراحلة و لو بأن ينزل لهما، أو لا يعتبر ذلك بل يجزي الإيماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض؟

الخامسة: في أنّه لو قلنا بعدم اعتبار القبلة فيها، فهل ذلك يختصّ بما إذا‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 244 باب 16 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 241 باب 15 من أبواب القبلة، ح 13.

(3) البقرة: 115.

188

صلّيت على الراحلة أو في حال المشي دون ما إذا صلّيت في حال الاستقرار على الأرض مطمئنا، أو لا يختصّ بذلك بل يعمّ حال الاستقرار أيضا؟

أمّا الجهة الأولى فقد تقدّم البحث عنها، و أنّ أصل الجواز ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف، و قد تواترت الأخبار (1) على ذلك.

و أمّا الجهة الثانية فقد تقدّم أيضا أنّه لا يعتبر الاستقبال في حال من الأحوال، و أنّ ما ورد من اعتبار ذلك في بعض الأحوال فمحمول على الأفضلية، و إن خالف فيه بعض الأعلام على ما هو المحكي.

و أمّا الجهة الثالثة فالظاهر عدم اختصاص الجواز بالسفر بل يعم الحضر، لصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي النوافل في الأمصار و هو على دابّته حيث ما توجّهت به، قال: لا بأس (2). و في حكم الراكب الماشي، و هو و إن لم يدلّ عليه بالخصوص دليل إلّا أنّه يكفي إطلاقات جواز الصلاة ماشيا من غير تفصيل بين السفر و الحضر، فما يظهر من بعض الأعلام من الإشكال في جواز الصلاة على الراحلة حضرا ممّا لا وجه له.

و أمّا الجهة الرابعة فالظاهر أنّ النزول من الدابّة للركوع و السجود ممّا لا يعتبر في الفريضة في مورد جواز أن يصلّيها على الدابّة فضلا عن النافلة، بل لا يجوز ذلك لأنّه فعل كثير يمحو صورة الصلاة، و إن مال إليه في الجواهر (3) في الفريضة بدعوى أنّ الصعود و النزول من مقدّمات فعل الركوع و السجود فلا يضرّ، و لا يخفى ما فيه.

و أمّا الماشي فالظاهر عدم اعتبار ذلك أيضا، بل يكفي الإيماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض، و ما تقدّم في رواية معاوية بن عمّار من أنّ الماشي يركع‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 239 و 244 ب 15 و 16 من أبواب القلة.

(2) الوسائل: ج 3 ص 239 باب 15 من أبواب القبلة، ح 1.

(3) جواهر الكلام: ج 7 ص 427.

189

و يسجد فمحمول على الأفضلية، لصراحة جملة من الأخبار بكفاية الإيماء لهما.

و أمّا الجهة الخامسة فمقتضى الإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة هو اشتراط النافلة بالقبلة، كقوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1) و كقوله (عليه السلام):

لا صلاة إلّا إلى القبلة (2). و هذا بنفسه شامل للفريضة و النافلة. و القول بأنّ قوله «فَوَلُّوا» أمر و هو للوجوب و النافلة لا وجوب لها ففساده غني عن البيان، لأنّ الأمر في مثل هذا إنّما هو لبيان شرطية القبلة كسائر الأوامر الواردة في بيان الأجزاء و الشرائط فيعمّ النافلة أيضا. و بالجملة: مقتضى الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة هو اشتراط النافلة بجميع. شرائط الفريضة إلّا ما خرج فالعمدة هو ملاحظة المخرج.

و ما ورد في بعض الأخبار (3) من أنّ الآية إنّما نزلت في الفريضة لا ينافي ذلك أيضا، لأنّ مورد النزول لا يوجب التخصيص كما هو الشأن في غالب الآيات الواردة في الكتاب. نعم لو دلّ دليل بأنّ الحكم بتولية الوجه شطر المسجد مختصّ بالفريضة لكان اللازم خروج النافلة عنه، إلّا أنّ ظاهر الخبر ليس كذلك، فإنّ فيه قال (عليه السلام): استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك من القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول لنبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ .. إلخ.

و هذا- كما ترى- لا يدلّ على أنّ الحكم مختصّ بالفريضة، بل أقصاه أنّ الآية نزلت عليه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و هو في الفريضة، كما ورد (4) التفسير بذلك حيث كان (صلّى اللّٰه عليه و آله) في صلاة العصر و هو مستقبل لبيت المقدس، فنزلت هذه‌

____________

(1) البقرة: الآية 144 و 150.

(2) الوسائل: ج 3 ص 217 باب 2 من أبواب القبلة، ح 9.

(3) الفقيه: ج 1 ص 278 باب القبلة، ح 856.

(4) مجمع البيان: ج 1 ص 223، البرهان: ج 1 ص 158. و فيهما «قد صلّى من الظهر ركعتين».

190

الآية فحوّل وجهه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نحو الكعبة، فمن هذه الجهة لا يمكن الخدشة في إطلاق الآية، مع أنّ في إطلاق السنّة كفاية، فتأمّل.

فلا بدّ حينئذ من ملاحظة المخرج فنقول: قد ثبت بمقتضى الأدلّة السابقة جواز فعل النافلة إلى غير القبلة في حال الركوب و المشي، و بعد لم يقم دليل على جواز فعلها إلى غير القبلة في حال الركون و الاستقرار على الأرض، و ما ورد في عدّة من الروايات (1) من أنّ قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ نزلت في النافلة.

لا يدلّ على ذلك أيضا لتقييدها في جميعها أو غالبها بأنّها نزلت في النافلة في السفر، و معلوم أنّ المراد من السفر هو حال التلبّس به من الركوب و المشي، فلا يعمّ حال الاستقرار في منازل السفر، فتأمّل.

فالأقوى أنّ النافلة لو صلّيت على الأرض مستقرّا يعتبر فيها كلّ ما يعتبر في الفريضة من الأجزاء و الشرائط إلّا ما استثني من الترخيص بالقعود فيها و ترك السورة. هذا كلّه لو صلّيت على الأرض مستقرّا.

و أمّا لو صلّيت في السفينة فالظاهر عدم اعتبار القبلة فيها كما لو صلّيت على الراحلة، للتصريح بسقوط القبلة فيها في رواية العيّاشي (2) المتقدّمة، مضافا إلى الأخبار (3) الواردة في أنّ قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا .. إلخ نزلت في النافلة في السفر الذي تعمّ الصلاة في السفينة أيضا كما لا يخفى.

المبحث الرابع في الخلل الواقع في القبلة:

فاعلم أنّ الخلل الواقع في الصلاة من جهة القبلة‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 242- 243 باب 15 من أبواب القبلة، ح 18 19 و 33.

(2) تفسير العياشي: ج 1 ص 56 ص ح 81.

(3) الوسائل: ج 2 ص 242- 243 باب 15 من أبواب القبلة، ح 18 و 19 و 33.

191

تارة يكون عن عمد و علم بالحكم و الموضوع، و اخرى يكون عن جهل بالحكم قصورا أو تقصيرا، و ثالثة يكون عن نسيان كما إذا نسي و صلّى إلى غير القبلة، و رابعة يكون عن غفلة، و خامسة يكون عن خطأ في الاجتهاد و التحرّي فيما كان تكليفه ذلك.

ثمّ إنّ الخلل الواقع تارة يكون منحرفا عن القبلة و لم يبلغ اليمين و اليسار، و اخرى يكون بالغا لهما بأن صلّى إلى نفس النقطتين، و ثالثة يكون متجاوزا منهما و لم يبلغ الاستدبار، و رابعة بلغ الاستدبار، فهذه جملة الأقسام المصوّرة في الخلل الواقع في القبلة، و لا بدّ من تنقيح كلّ منها على وجه الاختصار، فنقول:

لا إشكال في بطلان الصلاة إذا وقع الخلل عن عمد في جميع الأقسام، سواء كان إلى بين النقطتين أو إلى نفسهما أو تجاوز عنهما بلغ إلى الاستدبار أو لم يبلغ، و السرّ في ذلك واضح لأن لازم جعل القبلة شرطا في الصلاة هو ذلك كما لا يخفى.

و أمّا لو كان الخلل واقعا عن جهل فإن كان عن تقصير فكذلك أيضا، للإجماع على أنّ الجاهل المقصّر في حكم العامد خطابا و عقابا إلّا في القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات، فهو مكلّف بالتوجّه إلى القبلة الواقعية فلا تعمّه الأخبار الآتية المصحّحة للصلاة إذا وقعت بين المغرب و المشرق المعلّلة بأنّ ما بين الشرق و المغرب قبلة، لأنّ توسعة القبلة إلى هذا الحدّ إنّما يكون في مورد سقوط الخطاب بالقبلة الواقعية، فتكون ما بين المغرب و المشرق قبلة في طول القبلة الواقعية لا في عرضها، و إلّا لصحّ التوجّه إلى ما بينهما عمدا و اختيارا، و قد عرفت أنّ ذلك خلاف التحقيق، و إن قيل به فمورد هذه الأخبار إنّما هو فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من التوجّه إلى القبلة الواقعية بحيث يوجب سقوط خطابها، و الخطاب عن الجاهل المقصّر غير ساقط إجماعا.

و بهذا البيان يمكن خروج الجاهل القاصر أيضا عن عموم الأخبار الآتية،

192

لأنّ الساقط عن الجاهل القاصر ليس إلّا العقاب و أمّا الخطاب فغير ساقط عنه لتمكّنه من التوجّه إلى القبلة، و الجهل بالحكم لا يوجب سلب قدرته عنه، لعلمه بموضوع القبلة و كان جاهلا في حكمها، كما إذا كان الجاهل في نفس مسجد الحرام المشاهد للكعبة، بداهة أنّه يمكنه التوجّه إلى القبلة، فهو عن عمد و اختيار لم يوقع صلاته نحوها و إن كان ذلك لجهله بالحكم، فحينئذ لا وجه لسقوط خطاب القبلة عن الجاهل القاصر و إن كان معذورا من حيث العقاب، فإذا لم يسقط خطاب القبلة عنه فلا تعمّه الأخبار الآتية، لأنّ موردها الغير المتمكّن من التوجّه إليها الموجب لسقوط خطابها، هذا ما أفاده شيخنا الأستاذ في هذا المقام، فتأمّل جيّدا.

و أمّا لو كان الخلل الواقع في القبلة من جهة النسيان أو الغفلة أو الخطأ في الاجتهاد فهو داخل في عموم الأخبار، و اختصاص بعضها بصورة الخطأ في الاجتهاد لا ينافي إطلاق الباقي و عمومها للناسي و الغافل. و الاولى ذكر جملة من‌

الأخبار الواردة في المقام و هي على طوائف ثلاث:

منها: ما دلّ على عدم وجوب الإعادة لا في الوقت و لا في خارجه

، كصحيح ابن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قلت له: الرجل يقوم في الصلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف يمينا و شمالا، فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المغرب و المشرق قبلة (1).

و كموثّق عمّار عنه (عليه السلام) أيضا في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجّها فيما بين المغرب و المشرق فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجّها إلى دبر القبلة‌

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 2 ص 48، ح 25.

193

فليقطع صلاته ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتح الصلاة (1).

و المروي عن قرب الأسناد: من صلّى إلى غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة ثمّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه فيما بين المغرب و المشرق (2).

و في رواية الراوندي من صلّى على غير القبلة فكان إلى غير المشرق و المغرب فلا يعيد الصلاة (3).

و قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة: لا صلاة إلّا إلى القبلة، قال:

قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المغرب و المشرق قبلة كلّه (4)، الخبر.

و في معناها عدّة من الأخبار الأخر.

و هذه الأخبار- كما ترى- ظاهرة أو صريحة في أنّه لو وقعت الصلاة بين لمغرب و المشرق فلا إعادة، و هي و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى الوقت و خارجه- بناء على شمول الإعادة لفعل الشي‌ء في خارج الوقت أيضا- و كانت النسبة بينها و بين ما يأتي من الأخبار الظاهرة في وجوب الإعادة في الوقت دون خارجه بالعموم من وجه، لأنّ هذه الأخبار أعمّ من التذكّر في الوقت و خارجه و إن كانت في خصوص ما بين المغرب و المشرق، و الأخبار الآتية أعمّ ممّا إذا كانت الصلاة بين المغرب و المشرق و ما إذا كانت ما وراء ذلك، لكنّها أخصّ من حيث كونها مختصّة بصورة التذكّر في خارج الوقت، فلكلّ منهما جهة عموم و جهة خصوص.

و كما أنّه يمكن حمل الأخبار الآتية على خصوص ما إذا كانت الصلاة واقعة فيما وراء المغرب و المشرق أو إلى نفس النقطتين، كذلك يمكن حمل هذه الأخبار المتقدّمة على خصوص التذكّر في خارج الوقت. و قد حكي عن صاحب‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4 و فيهما اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 5 و فيهما اختلاف يسير.

(3) بحار الأنوار: ج 84 ص 69 باب القبلة و أحكامها، ح 26، و فيه: فكان الى المشرق و المغرب.

(4) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 2.

194

الحدائق (1)- (رحمه اللّٰه)- الميل إلى ذلك، و التزم بوجوب الإعادة في الوقت مطلقا.

و لا يرد عليه ما أورده الجواهر (2)- (رحمه اللّٰه)- من أنّ معاملة العموم من وجه إنّما هو فيما إذا كان بين موضوعي الحكمين لا بين الموضوع و الحكم كما في المقام، حيث إنّ أعمّية هذه الأخبار بالنسبة إلى عدم وجوب الإعادة في الوقت و في خارجه إنّما تكون في الحكم لا في الموضوع، و هذا بخلاف الأعمّية في الأخبار الآتية لأنّها تكون في الموضوع و هو المصلّي ما بين المغرب و المشرق و المصلّي إلى ما وراء ذلك.

و بالجملة: أنّ الموضوع في الأخبار الآتية هو الصلاة إلى غير القبلة الأعمّ ممّا بين المغرب و المشرق و ما وراء ذلك، و الموضوع في الأخبار المتقدّمة هو خصوص الصلاة ما بين المغرب و المشرق الأعمّ في الحكم و عدم وجوب الإعادة في الوقت و في خارجه، و في مثل هذا لا يعامل معه معاملة التعارض من وجه، كما لا يعامل معاملة التعارض من وجه في مثل (اضرب الجهّال في اللّيل لا في النهار) و (لا تضرب زيدا) و ليس ذلك إلا من جهة أنّ العموم في اضرب الجهّال إنّما هو في الموضوع و هو الجهّال الشامل لزيد و لغيره، و العموم في لا تضرب زيدا في الحكم الشامل للّيل و النهار الذي يكون ظرف النفي.

و ذلك للفرق بين المثال و أخبار الباب، فإنّ في المثال أعمّية لا تضرب زيدا لا يصلح إلّا في طرف الحكم، و هذا بخلاف أخبار الباب فإنّ الموضوع فيها ليس إلّا المصلّي إلى غير القبلة، و هذا الموضوع في الأخبار المتقدّمة يكون أعمّ من المتذكّر في الوقت و في خارجه، و في الأخبار الآتية يكون أعمّ ممّا بين المغرب و المشرق و غيره، كما أنّ الموضوع في الأول يكون خاصّا في خصوص المصلّي ما بين المغرب و المشرق، و في الثاني يكون خاصّا في المتذكّر في خارج الوقت، فالإنصاف‌

____________

(1) الحدائق الناضرة: ج 6 ص 437 من كتاب الصلاة.

(2) جواهر الكلام: ج 8 ص 26 من كتاب الصلاة.

195

أنّ النسبة بينهما- كما ذكره في الحدائق- بالعموم من وجه.

إلّا أنّه مع ذلك لا بدّ من القول بعدم الإعادة مطلقا في الوقت و في خارجه إذا كانت الصلاة بين المغرب و المشرق، لقوله (عليه السلام) في عدّة من الأخبار (1) المتقدّمة: إنّ ما بين المغرب و المشرق قبلة. و هذا يكون حاكما على الأخبار الآتية و مفسّرا لموضوعها و أنّ الصلاة إلى غير القبلة إنّما هي الصلاة التي لم تكن بين المغرب و المشرق لأنّ ما بينهما يكون قبلة، و مع هذه الحكومة لا مجال لملاحظة النسبة و أنّها تكون بالعموم من وجه.

و بالجملة: أنّ هذه الأخبار كما تكون حاكمة على قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة إلّا من خمس (2) و عدّ منها القبلة فإنّ هذه الأخبار توسّع دائرة القبلة، كذلك تكون حاكمة على قوله (عليه السلام) في الأخبار الآتية «من صلّى إلى غير القبلة» فلا محيص عن القول بعدم وجوب الإعادة مطلقا إذا كانت الصلاة بين المشرق و المغرب.

الطائفة الثانية: من الأخبار

هي الأخبار المفصّلة بين التذكّر في الوقت فالإعادة و خارجه فلا إعادة.

كصحيح عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام): إذا صلّيت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنّك صلّيت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد (3).

و كخبر يعقوب بن يقطين قال: سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة، ثمّ طلعت الشمس و هو في وقت، أ يعيد‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 2 و ص 228 باب 10، ح 1 و 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

(3) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 11 من أبواب القبلة، ح 1.

196

الصلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة؟ و إن كان قد تحرّى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة (1).

و في معناهما عدّة من أخبار (2) أخر.

و هذه الأخبار و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما كانت الصلاة بين المغرب و المشرق و ما وراء ذلك حتّى الاستدبار، إلّا أنّه لا بدّ من تقييدها بغير ما كانت بين المغرب و المشرق للأخبار المتقدّمة، كما لا بدّ من تقييدها بغير صورة الاستدبار لما يأتي من دلالة بعض الأخبار (3) على لزوم الإعادة عند الاستدبار مطلقا في الوقت و في خارجه.

الطائفة الثالثة:

ما دلّت على وجوب الإعادة مطلقا في صورة الاستدبار، و نحن و إن لم نعثر على خبر يدلّ بالصراحة على ذلك سوى ما أرسله الشيخ- (قدّس سرّه)- في النهاية (4) من «أنّه رويت رواية أنّ من صلّى إلى استدبار القبلة ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة. و هذا هو الأحوط و عليه العمل» و ظاهر قوله أخيرا «و عليه العمل» أنّ عمل الصحابة كان على ذلك لا عمل نفسه، خصوصا بعد قوله «و هذا هو الأحوط». إلّا أنّه يمكن الاستدلال على ذلك أيضا بما دلّ من بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ما وراء القبلة.

و بيان ذلك: هو أنّه و إن كان بين هذه المسألة التي نحن فيها و مسألة الالتفات التي تأتي في قواطع الصلاة إن شاء اللّٰه فرق، من جهة أنّ الالتفات إنّما اعتبر قاطعا للصلاة و ذلك لا يكون إلّا في أثناء الصلاة، و هذا بخلاف القبلة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 230 باب 11 من أبواب القبلة، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 230 و 231 باب 11 من أبواب القبلة، ح 4 و 5 و 6 و 8 و 9.

(3) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 10 من أبواب القبلة، ح 4 و ص 231 باب 11، ح 10.

(4) النهاية: ص 64.

197

حيث إنّها اعتبرت شرطا في الصلاة، و لا بدّ من تحقّق الشرط من ابتداء الصلاة إلى آخرها، و بعبارة أخرى: الالتفات إنّما يكون قاطعا للهيئة فاعتباره إنّما يكون في أكوان الصلاة من غير دخل له في أفعالها، و القبلة إنّما تكون شرطا لأفعال الصلاة، إلّا أنّه لو وقعت بعض أفعال الصلاة في أثنائها إلى غير القبلة يصدق الالتفات أيضا، لأنّه يكون حينئذ التفاتا و زيادة.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يتحقّق الالتفات القاطع من دون إخلال بما هو الشرط في أفعال الصلاة من القبلة، كما إذا التفت إلى ما ورائه ثمّ رجع من دون أن يأتي بشي‌ء من أفعال الصلاة، و لكن لا يمكن العكس بأن يأتي بشي‌ء من أفعال الصلاة إلى دبر القبلة من دون أن يكون هناك التفات كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول‌

الاستدلال على بطلان الصلاة الواقعة على دبر القبلة بالأخبار الدالّة على بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ما وراء القبلة في أثناء الصلاة يتوقّف على أمور:

الأول: أنّ أخبار الباب الدالّة على أنّ من صلّى إلى غير القبلة يعيد في الوقت

لا في خارجه تعمّ الناسي أيضا و لا تختصّ بالمجتهد المتحرّي كما قدّمناه، و كذا الأخبار الدالّة على أنّ الالتفات مبطل تعمّ الناسي أيضا و لا تختصّ [1] بالعامد الملتفت كما لا يخفى على من راجعها.

____________

[1] بل يمكن أن يكون مساقها الاختصاص بصورة النسيان، لأنّ أخذ قيد الالتفات بكلّه أو إلى الخلف كما في بعض أخبار الالتفات إنّما يناسب صورة النسيان و لا يعمّ العامد، إذ في صورة العمد لا يحتاج إلى الالتفات بالكلّ أو الخلف بل تبطل الصلاة بأقلّ من ذلك، و نفس الأدلّة الأولية الدالّة على شرطية القبلة تكفي في بطلان الصلاة عند التعمّد و لا يحتاج إلى أخبار الالتفات، فأخبار الالتفات سؤالا و جوابا إنّما تكون مسوقة لصورة النسيان كما لا يخفى.

و من الغريب دعوى صاحب الجواهر (1) بأنّ المتيقّن من أخبار الالتفات صورة العمد، فراجع و تأمّل. «منه».

____________

(1) جواهر الكلام: ج 8 ص 35.

198

الأمر الثاني: أنّه لا إشكال في صدق الصلاة على غير القبلة

فيما إذا وقعت ركعتين أو ركعة منها إلى غير القبلة، و لا تختصّ بما إذا وقعت الصلاة من أولها إلى آخرها إلى غير القبلة، فمن كبّر إلى القبلة ثمّ أوقع باقي الصلاة إلى غير القبلة يصدق أنّه صلّى إلى غير القبلة، و ذلك واضح أيضا.

الأمر الثالث:

أنّه لا إشكال في أولوية الصلاة الواقعة بتمام أجزائها إلى غير القبلة بالبطلان من الصلاة الواقعة ركعتين منها مثلا إلى غير القبلة لو قام الدليل على بطلانها كذلك، بداهة أنّه لو كان وقوع بعض أفعال الصلاة إلى غير القبلة موجبا لبطلانها لكان وقوعها بتمام أجزائها إلى غير القبلة أولى بالبطلان.

الأمر الرابع:

أنّه لو قام الدليل على عدم بطلان الصلاة لو وقعت إلى ما بين المغرب و المشرق، و لا تحتاج إلى الإعادة لا في الوقت و لا في خارجه، أو عدم القضاء فقط لو وقعت إلى نفس النقطتين، فالالتفات إلى ما بين المغرب و المشرق يكون أولى بعدم البطلان، و كذا الالتفات إلى نفس النقطتين يكون أولى بعدم القضاء، لما عرفت من الملازمة بين وقوع الصلاة إلى غير القبلة مع تحقّق الالتفات إلى غيرها و لا عكس، فلو كانت الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق صحيحة و غير موجبة للإعادة و القضاء لكان الالتفات المجرّد عن فعل الصلاتي إلى ما بين المغرب و المشرق أولى بالصحّة كما لا يخفى.

إذا عرفت هذه الأمور فاعلم أنّ في أخبار الباب و في أخبار الالتفات مطلقات ينبغي ملاحظتها و ما يستفاد منها، أمّا مطلقات الباب فهي ما ذكرناه من الطائفة الثانية الدالّة على عدم وجوب القضاء لمن صلّى على غير القبلة، فإنّها تعمّ صورة الاستدبار و عدمه، و أمّا مطلقات باب الالتفات فهي ما دلّت على وجوب الإعادة و القضاء. على من التفت إلى غير القبلة، كقول الصادق (عليه السلام) في‌

199

خبر أبي بصير: إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد (1). فإنّها تعمّ صورة الالتفات على وجه الاستدبار أو دون ذلك إلى طرف المغرب و المشرق و ما بينهما، هذا.

و لكن بعد ما كان الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق غير موجب للإعادة و القضاء، و كان الصلاة إلى نفس النقطتين غير موجب للقضاء فقط لكان اللّازم هو عدم وجوب الإعادة و القضاء لو التفت إلى ما بين المغرب و المشرق نسيانا، لما عرفت من أنّ الصلاة إلى ما بينهما يلازم الالتفات أيضا، فإذا لم تكن الصلاة إلى ذلك موجبة للإعادة و القضاء فالالتفات الخالي عن فعل الصلاة بطريق أولى يكون غير موجب لذلك، فلا يبقى في مطلقات باب الالتفات إلّا صورة واحدة و هي صورة الاستدبار، فتكون نصّا في بطلان الصلاة عند الالتفات إلى الاستدبار.

و لا يعارضه أخبار الباب الدالّة على عدم وجوب القضاء عند الصلاة إلى غير القبلة، لأنّ شمول هذه الأخبار للاستدبار إنّما يكون بالإطلاق و الظهور، و مقتضى تحكيم النصّ على الظاهر هو حمل مطلقات الباب على غير صورة الاستدبار و هو ما إذا كانت الصلاة على نفس النقطتين، فصورة الاستدبار تكون خارجة عن تحت هذه المطلقات، و حينئذ يتمّ الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه من بطلان الصلاة في صورة الاستدبار لبعض المقدّمات السابقة، لأنّه لو كان الالتفات إلى الاستدبار موجبا للبطلان فالصلاة إلى ذلك و لو في الأثناء أولى بالبطلان، و لو كان الصلاة في الأثناء إلى دبر القبلة موجبا للبطلان فالصلاة التامّة الواقعة إلى دبر القبلة نسيانا أولى بالبطلان، و بعد ملاحظة المقدّمات السابقة لا محيص عن القول بذلك.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 4 مع اختلاف يسير.

200

نعم لو قلنا بأنّ أخبار الباب مختصّة بصورة التحرّي و الاجتهاد و لا تعمّ الناسي- كما اختاره صاحب الجواهر (قدّس سرّه)- لكانت أخبار الالتفات أجنبية عن المقام و لا يمكن الاستدلال بها فيه، إلّا أنّ دعوى اختصاصها بذلك ممّا لا وجه لها، مع أنّ صاحب الجواهر (1)- (رحمه اللّٰه)- اعترف بأنّ الطائفة الاولى من أخبار الباب الدالّة على عدم وجوب الإعادة و القضاء لو وقعت الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق تعمّ الناسي أيضا، و إنّما قال بالاختصاص في خصوص الطائفة الثانية، و لكن الإنصاف أنّه لم يظهر وجه للتفرقة بين الطائفتين، فتأمّل (2).

و كذا لا يمكن الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه، لو منعنا الأولوية و أنّه لا ملازمة بين بطلان الصلاة إلى دبر القبلة لو كان ذلك في الأثناء و بطلانها لو وقعت من أول الأمر إلى دبر القبلة، أو قلنا بعدم صدق الصلاة إلى دبر القبلة لو كان في الأثناء، أو قلنا بأن أخبار الالتفات تختصّ بالعامد و لا تعمّ الناسي.

و لكنّ منع الملازمة بين الأول و الأثناء و عدم صدق الصلاة إلى غير القبلة لو كان ذلك في الأثناء و اختصاص الالتفات بصورة العمد كلّ ذلك مشكل بل لا سبيل إليه، فالأقوى القول ببطلان الصلاة لو وقعت إلى دبر القبلة، كما عليه عمل الأصحاب حسب ما يستفاد من عبارة الشيخ [1]- (رحمه اللّٰه)- المتقدّمة في ذيل المرسل الذي حكاه، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّ الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه لا يخلو من إعمال لطف.

____________

[1] النهاية: ص 64- و قد عدل شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- عن هذا التقريب عند البحث في القواطع في مسألة قاطعية الالتفات، و قوى في نظره عدم ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي (3)، و هذا التقريب مبني على ثبوت المفهوم فتأمّل. «منه».

____________

(1) جواهر الكلام: ج 11 ص 42.

(2) سيأتي وجه التفرقة بين الطائفتين في آخر البحث فانتظر و راجع.

(3) الوسائل: ج 4 ص 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.

201

و يمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، و هو أنّه في أخبار باب الالتفات ما يكون أخصّ من مطلقات هذا الباب، و هو صحيح البزنطي: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة و التفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى و لا يعتدّ به (1)، الخبر. و في معناه رواية أخرى.

وجه كون ذلك أخصّ من مطلقات الباب واضح، فإنّ قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة يعيد في الوقت لا في خارجه» (2) يعمّ صورة الاستدبار و غيرها، و ما في صحيح البزنطي في أخبار الالتفات مختصّ بصورة الاستدبار كما هو الظاهر من الخلف، فتكون النسبة بينهما أعمّ أخصّ مطلقا.

و لا يتوهّم أنّ صحيح البزنطي أعمّ من جهة التذكّر في الوقت و في خارجه فتكون النسبة بينهما بالعموم من وجه. و ذلك لأنّ الإعادة عند التذكّر في الوقت ممّا اتّفق عليه كلتا الطائفتين من أخبار الباب و صحيح البزنطي، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ذلك، و إنّما التعارض في صورة التذكّر في خارج الوقت، فإنّ صحيح البزنطي يوجب القضاء عند الالتفات إلى خصوص الاستدبار، و أخبار الباب تنفي القضاء عند الاستدبار أيضا لكن بالعموم الشامل له و لغيره، فتكون النسبة أعمّ مطلقا لا من وجه.

و حينئذ لا بدّ من تقييد أخبار الباب بما في صحيح البزنطي، و خروج صورة الصلاة على وجه الاستدبار عن تحت قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة» و ذلك بعد ما تقدّم من أولوية بطلان الصلاة على وجه الاستدبار من البطلان عند‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.

(2) الوسائل: ج 3 ص 229 باب 11 من أبواب القبلة، نقلا بالمضمون.

202

الالتفات إلى الخلف الخالي عن الصلاة واضح لا شبهة فيه، فإذا خرجت صورة الاستدبار عن عموم قوله «من صلّى على غير القبلة، و خرجت صورة الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق عن عمومه أيضا بما تقدّم من الأخبار (1) الدالّة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، فلا يبقى حينئذ تحت قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة» إلّا صورة واحدة و هي الصلاة إلى نفس النقطتين و ما يلحق بذلك على ما يأتي بيانه.

و تكون النسبة حينئذ بين أخبار الباب مع مطلقات باب الالتفات بالأعم المطلق، لأنّ قوله (عليه السلام) في الخبر المتقدّم «إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد» (2) يعمّ صورة الاستدبار و غيره، و هذا بخلاف أخبار الباب فإنّها بعد التخصيص بما عرفت تكون مختصّة بصورة الصلاة إلى نفس النقطتين و ما يلحق بذلك، فتكون النسبة بينهما بالأعم المطلق، و إن كان قبل تخصيص أخبار الباب بما عرفت تكون النسبة بالعموم من وجه، و لكن بالتخصيص تنقلب النسبة، فلا بدّ من حمل مطلقات باب الالتفات الدالّة على فساد الصلاة عند الالتفات بغير صورة الالتفات إلى النقطتين، لما تقدّم أيضا من أنّ الصلاة إلى ذلك لو كان غير موجب للقضاء، فالالتفات لا يكون موجبا له بالأولوية القطعية.

و على كلّ حال لا بدّ في الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه من شمول قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان و عدم اختصاصه بالمتحرّي، فإنّه لو لا ذلك لكان باب الالتفات أجنبيّا عن المقام كما تقدّم في شمول قوله (عليه السلام): «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان نوع خفاء،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 228 باب 10 من أبواب القبلة، ح 1 و 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 4.

203

لأنّ نسبة قوله (عليه السلام): «من صلّى إلى غير القبلة» مع قوله (عليه السلام) «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس و منها القبلة» (1) إنّما تكون بالعموم من وجه، و ذلك لأنّ «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» مقصور بصورة النسيان كما يأتي بيانه إن شاء اللّٰه في باب الخلل، لأنّ عقد المستثنى منه و هو عدم الإعادة في غير الخمس إنّما يكون مختصّا بمورد النسيان و لا يعمّ العامد و غيره، فيكون عقد المستثنى و هو الإعادة من الخمس أيضا مقصورا بصورة النسيان.

و هذا لا ينافي وجوب الإعادة في الخمس في غير صورة النسيان أيضا، لأنّ كون الحكم كذلك خارجا لا يلازم أعمّية عقد المستثنى لغير صورة النسيان، فإنّ المستثنى تابع للمستثنى منه، فإذا كان المستثنى منه مختصا بصورة النسيان فيكون المستثنى أيضا كذلك.

و عليه تكون النسبة بين حديث «لا تعاد» و بين قوله «من صلّى إلى غير القبلة» بالعموم من وجه، فإنّ الموضوع في «لا تعاد» و إن كان يشمل صورة وقوع الصلاة على نفس النقطتين و على الاستدبار و على ما بين المغرب و المشرق و لكن يختصّ بصورة النسيان، و هذا بخلاف قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّه و إن كان مختصّا بصورة وقوع الصلاة إلى نفس النقطتين و ما بحكمه- حسب ما تقدّم- إلّا أنّه أعمّ من جهة النسيان و غيره من الغافل و المتحرّي فتكون النسبة بالعموم من وجه، و كما يمكن تخصيص حديث «لا تعاد» بغير صورة الصلاة إلى النقطتين كذلك يمكن تخصيص قوله «من صلّى إلى غير القبلة» بغير صورة النسيان.

و لعلّه إلى هذا كان نظر صاحب الجواهر (2)- (رحمه اللّٰه)- حيث ذهب إلى عدم‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) جواهر الكلام: ج 8 ص 35.

204

شمول قوله «من صلّى إلى غير القبلة» لصورة النسيان و كونه مختصّا بالمتحرّي، و هذا بخلاف قوله «ما بين المغرب و المشرق قبلة» فإنّه و إن كان النسبة بينه و بين حديث «لا تعاد» بالعموم من وجه أيضا إلّا أنّه حيث كان لسان «ما بين المغرب و المشرق قبلة» لسان الحكومة يقدّم على حديث «لا تعاد» و لا تلاحظ النسبة و هذا بخلاف «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّه لا يكون حاكما على حديث «لا تعاد» بل معارضا له بالنسبة إلى خارج الوقت، و أمّا في الوقت فلا تعارض بينهما لاتّفاقهما على وجوب الإعادة فيه، هذا.

و لكن مع كون النسبة بينهما بالعموم من وجه يمكن أن يقال بأظهرية قوله «من صلّى إلى غير القبلة» في شموله لصورة النسيان من شمول «لا تعاد» إلى الصلاة إلى النقطتين و ما بحكمه.

و بيان ذلك: هو أنّه ليس المستفاد من عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» إلّا قضية جزئية و هو إعادة الصلاة من القبلة في الجملة، و ليس لها إطلاق بالنسبة إلى جميع الأحوال، بداهة أنّ حديث «لا تعاد» إنّما سيق لبيان حكم المستثنى منه و هو عدم إعادة الصلاة من غير الخمسة، و لم يرد لبيان حكم الإعادة من الخمسة، فلا يمكن أن يقال: إنّ فوات كلّ واحد من الخمسة موجب لبطلان الصلاة مطلقا، بل المستفاد منه ليس إلّا البطلان في الجملة، لأنّ رفع السلب الكلّي الذي دلّ عليه عقد المستثنى منه إنّما يصدق بالإيجاب الجزئي الذي هو مفاد عقد المستثنى، فالقول ببطلان الصلاة مطلقا و في جميع الأحوال لا يستفاد من حديث «لا تعاد» إلّا بمعونة مقدّمات أخر من أنّ الإيجاب الجزئي في قوّة الإهمال، و خروج عقد المستثنى عن الفائدة مع كون المتكلّم بصدد البيان، و غير ذلك من مقدّمات الحكمة.

و هذا بخلاف الإطلاق المستفاد من قوله «من صلّى إلى غير القبلة» فإنّ‌