كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
205

الإطلاق و شمول النسيان إنّما يستفاد من نفس القضية، لأنّ الصلاة إلى غير القبلة نسيانا ليس بمثابة يكون اللّفظ منصرفا عنه.

و بالجملة: الإنصاف أنّ إطلاق قوله (عليه السلام) «من صلّى إلى غير القبلة» و شموله لصورة النسيان يكون أقوى من إطلاق حديث «لا تعاد» و شموله لبطلان الصلاة على نفس النقطتين.

بل قد عرفت أنّه لا إطلاق في عقد المستثنى في حديث «لا تعاد» بل هو نظير المفهوم المستفاد من قوله (عليه السلام) «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (1) فإنّ مفهومه ليس إلّا أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجّسه شي‌ء، و لا يستفاد منه انّه ينجّسه كلّ شي‌ء إلّا بضمّ مقدّمات أخر من الخارج، و ليس ذلك إلّا لأجل أنّ القضية لم تسق إلّا لبيان مطهّرية الكرّ و لم تسق لبيان نجاسة غيره، فتأمّل فإنّ المقام لا يسع زيادة على ذلك من الكلام.

بقي الكلام في معنى الاستدبار الموجب لبطلان الصلاة مطلقا

في الوقت و في خارجه. و الظاهر أن يكون المراد منه مقدار ثلث الدائرة الذي يكون مقابلا للثلث الذي تكون القبلة فيه، بحيث؛ لو قسّمنا الدائرة التي يكون المصلّي فيها إلى ثلاثة أثلاث يكون ثلث منها بطرف القبلة و ما بحكمها ممّا بين المغرب و المشرق الذي تصح الصلاة فيه و غير موجب للإعادة و القضاء، و يكون ثلث آخر منها في طرف المغرب و المشرق (سدس للمغرب و سدس للمشرق) و الثلث الآخر يكون في دبر القبلة.

و بالجملة: دائرة الاستدبار تكون أوسع من دائرة الاستقبال، فإنّ المعتبر في الاستقبال إنّما هو ما بين الجبينين- على ما تقدّم تفصيله- و هذا يكون قريبا من عشر‌

____________

(1) الوسائل: ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1 و 2 و 6 و فيه: إذا كان الماء .. إلخ.

206

الدائرة، و أمّا الاستدبار فالمعتبر منه هو الخلف و ما بين التكفين، و هذا يكون قريبا من ثلث الدائرة، إذ الظاهر صدق الاستدبار و الخلف إلى هذا المقدار، فتأمّل جيدا.

هذا كلّه لو ظهر الخطأ بعد إتمام الصلاة.

و أمّا لو ظهر في الأثناء فلو كان ما بين المغرب و المشرق استقام و لا استئناف، و لو كان إلى نفس النقطتين فإن تذكّر في خارج الوقت، بأن كانت صلاته في آخر الوقت بحيث لم يدرك منه إلّا ركعة، و في الركعة الثانية التي وقعت في خارج الوقت تذكّر أنه أخطأ في القبلة، و كانت صلاته إلى نفس النقطتين فكذلك أيضا استقام بلا استئناف، لأنّ تذكّره كان في خارج الوقت الذي لا يوجب القضاء إذا وقعت الصلاة بتمامها إلى نفس النقطتين، فعدم وجوب القضاء لو وقعت ركعة منها كذلك يكون أولى.

و لو تذكر في الوقت فالظاهر وجوب الاستئناف، لأنّ التذكّر في الوقت موجب للإعادة إذا كان بعد الصلاة فكذلك لو كان في الأثناء، لأنّ ما هو شرط الكلّ شرط للبعض أيضا، فتأمّل.

و لو كان إلى دبر القبلة فالظاهر أيضا وجوب الاستئناف مطلقا في الوقت و في خارجه، لأنّ ما هو المبطل للكلّ مبطل للبعض أيضا، مضافا إلى دلالة بعض الروايات عليه.

بقي الكلام في بعض الفروع التي تعرض لها في الشرائع،

و الظاهر أنه لا ثمرة مهمّة في ذكرها، فالأولى عطف عنان الكلام إلى ما هو الشرط الثالث في الصلاة و هو الساتر و حيث كان البحث عن الساتر يشتمل على أمور مهمّة أفردنا بجزء مستقل، فراجع.

207

[البحث الثالث] لباس المصلّي و بحث المكان

القول في لباس المصلّي: و يعتبر فيه أمور:

الأول: أن لا يكون من جلد الميتة و غيره من سائر أجزائها

سواء دبّغ أو لا، و سواء كان مأكولة اللّحم أو لا، و سواء كانت ممّا لها نفس سائلة أو لا، كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة على تأمّل في الأخير يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّٰه. و اعتبار ذلك في اللّباس ممّا انعقد عليه الإجماع ظاهرا و استفاضت به النصوص فلا كلام فيه، و لكن‌

يقع الكلام في مقامين:

الأول: في بيان الحال عند الشكّ في كون الجلد جلد ميتة

، و أنّه هل يجوز الصلاة فيه أو لا. ربّما يقال بابتناء المسألة على كون التذكية شرطا أو الموت مانعا، فإن قلنا بالأول فلا بدّ من إحرازها و لا يجوز الصلاة عند الشكّ فيها، كما هو الشأن في كلّ ما اعتبر شرطا، و لو قلنا بالثاني فيمكن دفعه بالأصل عند الشكّ في تحقّقه، كما هو الشأن أيضا في كلّ ما اعتبر مانعا، هذا.

208

و لكنّ الظاهر عدم ابتناء المسألة بذلك، و أنّه لا يجوز للصلاة في المشكوك مطلقا سواء قلنا بشرطية التذكية أو مانعية الموت، لأنّ الأصل عند الشكّ هو عدم التذكية و معه لا يبقى مجال لدفع المانع بالأصل.

نعم لو منع عن جريان أصالة عدم التذكية- كما نسب ذلك إلى الفاضل التوني- (قدّس سرّه) (1) لكان ابتناء المسألة على شرطية التذكية أو مانعية الموت في محلّه، إلّا أنّه لا سبيل إلى المنع عن ذلك. و ما ذكره الفاضل التوني- (قدّس سرّه)- في وجه المنع- على ما حكاه الشيخ (قدّس سرّه) (2) في تنبيهات الاستصحاب عند بيان أقسام الاستصحاب الكلّي- يرجع إلى أحد وجهين كلّ منهما لا يخلو عن نظر.

أمّا الوجه الأول فحاصله: أنّ ما هو الموضوع في الأدلّة و ما أخذ مانعا عن جواز الصلاة ليس إلّا الموت حتف الأنف الذي يكون ضدّا وجوديّا للتذكية، و بأصالة عدم التذكية لا يمكن إثبات الموت حتف الأنف، لأنّه يكون إثباتا لأحد الضدّين الوجوديّين بنفي الآخر.

الوجه الثاني: هو أنّ عدم التذكية في حال حياة الحيوان أمر مغاير لعدم التذكية في حال موته، و الذي ينفع هو عدم التذكية في حال الموت، و هذا العدم لم يكن له حالة سابقة حتّى يستصحب فهو مشكوك الحدوث، و العدم الثابت في حال الحياة لم يؤخذ مانعا حتّى يستصحب، مع أنّه قطعيّ الارتفاع لأنّ المفروض عدم حياة الحيوان.

و الحاصل: أنّ عدم التذكية من اللّوازم الأعمّ للحيوان من حال حياته و من حال مماته، و ما هو المانع عن الصلاة هو العدم المقارن للموت لا العدم في حال‌

____________

(1) الوافية: ص 91، س 13 القسم السادس من الشرط الرابع للعمل بالاستصحاب.

(2) فرائد الأصول: ص 641 التنبيه الأول.

209

الحياة، فاستصحاب عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لا ينفع في إثبات عدم التذكية في حال موت الحيوان الذي يكون هو المانع.

و هذان الوجهان و إن لم يصرّح بهما في كلامه، إلّا أنّه يمكن تطبيق كلامه عليه، فراجع. و على كل حال ما يمكن أن يكون مانعا عن جريان أصالة عدم التذكية في المشكوك هو هذان الوجهان.

و لكن لا يخفى عليك ما في كلا الوجهين من النظر.

أمّا الوجه الأول ففيه: أنّه لم يؤخذ في شي‌ء من الأدلّة الموت حتف الأنف موضوعا للنجاسة و لا اعتبر مانعا عن الصلاة، بل الموضوع للنجاسة و الحرمة و المانع عن الصلاة هو الميتة، و هي عبارة عن عدم التذكية و عدم ورود فعل الذابح على الحيوان.

و الحاصل: أنّه ليس التقابل بين التذكية و الميتة تقابل التضاد، بل التذكية هي أمر شرعي يعتبر في تحقّقها أمور من الذبح بالحديد و فري الأوداج و التسمية و الاستقبال، فإذا انتفى أحد هذه الأمور يكون الحيوان ميتة، بداهة أنّه لو انتفى أحد هذه الأمور لا يكون الحيوان مذكّى و إلّا خرج الشرط عن كونه شرطا، و إذا لم يكن مذكّى فلا بدّ من أن يكون ميتة إذ لا واسطة بينهما.

مع أنّ في بعض الأدلّة رتّب الحلّية و الطهارة و جواز الصلاة على نفس التذكية، كقوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (1)، و قوله (عليه السلام) في ذيل موثّقة ابن بكير الآتية «إذا كان ذكيّا ذكّاه الذابح» و غير ذلك، فبانتفاء التذكية تنتفي هذه الأحكام كما دلّ عليه قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ (2)، و لا فرق في انتفاء التذكية بين العلم به أو قيام طريق معتبر عليه و لو كان أصلا. و ليس المقصود من أصالة عدم التذكية إثبات الموت حتف الأنف حتّى يقال: إنّه‌

____________

(1) المائدة: الآية 3.

(2) الأنعام: الآية 121.

210

لا يمكن إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، بل المقصود هو مجرّد عدم ورود التذكية على الحيوان، و هذا بنفسه كاف في إثبات النجاسة و الحرمة و عدم جواز الصلاة في جلده. فظهر أنّه لا مانع من جريان أصالة عدم التذكية عند الشكّ فيها، و لا حاجة إلى إثبات الموت حتف الأنف.

و أمّا الوجه الثاني ففيه: أنّ التذكية لو كانت عبارة عن فعل الذابح و ما هو الصادر عنه، من دون اعتبار قابلية المحلّ فيها جزء أو شرطا- على ما سيأتي بيانه- فعند الشكّ في تحقّقها تكون مسبوقة بالعدم، بداهة أنّ فعل الذابح أمر حادث مسبوق بالعدم الأزلي، و هذا العدم الأزلي مستمر من قبل وجود الحيوان إلى زمان تحقّق موته و إزهاق الروح عنه، غايته أنّ عدم التذكية قبل وجود الحيوان يكون عدما محموليّا منتف بانتفاء موضوعه و هو الحيوان، و بعد وجود الحيوان يكون عدما نعتيّا و هو عدم تذكية هذا الحيوان الموجود، و هذا العدم النعتي مستمر إلى زمان زهوق الروح عنه و بعده، من دون أن ينقلب ذلك العدم الثابت في حال الحياة إلى عدم آخر في حال الممات بل هو هو، غاية الأمر أنّ عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لم يكن موضوعا لأثر شرعي، لأنّ موضوع الحرمة و النجاسة و عدم جواز الصلاة مركّب من أمرين: زهوق الروح مع عدم التذكية، فعدم التذكية في حال الحياة لم يكن لها أثر، و لكنّ بقاء ذلك العدم إلى تحقّق الجزء الآخر- الذي هو عبارة عن زهاق الروح- يكون ذا أثر شرعي من النجاسة و الحرمة و عدم جواز الصلاة في جلده، و المفروض تحقّق زهوق الروح وجدانا فيستصحب عدم التذكية الثابتة في حال الحياة إلى زمان زهوق الروح، و يلتئم حينئذ كلا جزئي المركّب الذي يكون موضوعا للنجاسة و غيرها من الأحكام، غايته أنّ أحد جزئي المركّب يكون محرزا بالوجدان و الجزء الآخر بالأصل.

و حاصل الكلام: أنّ معروض التذكية التي هي عبارة عن فعل الذابح إنّما‌

211

هو الجسم، و هذا الجسم في حال الحياة لم يكن مذكّى و لم يرد عليه فعل الذابح بالعدم النعتي فيستصحب إلى زمان زهوق الروح، و الأثر في المقام مترتّب على نفس هذا العدم النعتي المستمرّ، و ليست حياة الحيوان من مقوّمات هذا العدم و قيدا للموضوع حتّى يقال بتبدل ذلك العدم إلى عدم آخر لانقلاب الموضوع و فوات الحياة عن الحيوان، بل ليست الحياة إلّا من حالات الموضوع الذي عبّر عنها الشيخ- (قدّس سرّه)- بالوجودات المقارنة، و الموضوع هو الجسم الثابت في كلا الحالين، فلا الموضوع تبدّل و لا العدم انقلب.

فالإنصاف أنّه لو قلنا: إنّ التذكية هي عبارة عن فعل الذابح فقط من دون أخذ قابلية المحل جزء لها، بل هي شرط آخر للنجاسة و غيرها من الأحكام مغايرة للتذكية، فلا مجال للمنع عن جريان أصالة عدم التذكية عند الشكّ فيها، و كذا لو قلنا: إنّ قابلية المحلّ داخل في التذكية و جزء لها و لكن كان المشكوك من الحيوانات القابلة للتذكية بأن لا يكون من الحشرات- بناء على أنّ كلّ حيوان قابل للتذكية سوى الحشرات- أو لم يكن من المسوخ أيضا- بناء على أنّه لا يقبل التذكية أيضا.

و بالجملة: لسنا في مقام تنقيح الضابط بين ما يقبل التذكية و ما لا يقبل، بل هو موكول إلى محلّه، و إن كان لا يبعد القول بان كل حيوان قابل للتذكية [سوى] (1) الحشرات، و على كلّ حال بعد إحراز قابلية المحلّ- كما هو مفروض الكلام- تكون أصالة عدم التذكية جارية عند الشكّ فيها، سواء قلنا بأنّ قابلية المحل جزء للتذكية أو لم نقل.

نعم لو قلنا بأنّ قابلية المحل جزء أو شرط لتحقّق التذكية- و إن لم يمكن القول‌

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة و أثبتناه لاقتضاء السياق.

212

بذلك لأنّ التذكية تعرّض المحل القابل فلا يمكن أخذ القابلية في مفهومها- لما كان لأصالة عدم التذكية مجال أصلا عند الشك في قابلية المحل لها و لو فرض العلم بتحقّق ما هو فعل الذابح، لأنّ فعل الذابح بنفسه على هذا القول لم يكن تذكية، بل هي مركّب من فعله و من قابلية المحل، و قابلية المحل ليست لها حالة سابقة حتّى تستصحب، فإنّ الحيوان إمّا أن يوجد قابلا للتذكية و إمّا أن يوجد غير قابل، فلا مجرى لأصالة عدم التذكية حينئذ كما لا يخفى، هذا.

و لكن حتّى على هذا القول لو شكّ في ورود فعل الذابح على الحيوان المشكوك القابلية لكان أصالة عدم التذكية تجري أيضا، لأنّه بناء على هذا القول تكون التذكية معنى حاصلا من فعل الذابح و من قابلية المحل، و هذا المعنى البسيط الحاصل من ذلك مقطوع العدم عن هذا الجسم في حال حياته فيستصحب إلى حال الممات.

و الحاصل: أنّ نفس قابلية الحيوان للتذكية و إن لم يكن لها سابقة إلّا بالعدم المحمولي الثابت قبل وجود الحيوان، إلّا أنّ التذكية الحاصلة منها و من فعل الذابح يكون مسبوقا بالعدم في حال حياة الحيوان، فتجري أصالة عدم التذكية عند الشكّ في حصولها، فانقدح أنّه عند الشكّ في تذكية الحيوان تكون أصالة عدم التذكية محكّمة، من غير فرق بين أن نقول: إنّ التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح و كان قابلية المحل شيئا آخر معتبرا في تأثير التذكية للطهارة و الحلّية، أو نقول: إنّ التذكية هي عبارة عن معنى بسيط منتزع عن مجموع الأمرين، و إنّما تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا علم بتحقّق ما هو فعل الذابح، فإنّه بناء على أنّ التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح فالتذكية تحقّقت قطعا و يرجع إلى قابلية المحل عند الشكّ فيها إلى أصالة الحلّ و الطهارة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، و أمّا بناء على القول الآخر فأصل التذكية مشكوكة، فتأمّل جيّدا.

213

و على كلّ حال قد ظهر ممّا حقّقناه انه عند الشكّ في التذكية لا مانع من جريان أصالة العدم، و عليه لا تظهر الثمرة بين شرطية التذكية أو مانعية الموت، فلا حاجة في إتعاب النفس لإثبات أحد الأمرين، و إن كان القول بمانعية الموت لا يخلو عن قوّة، لظاهر النواهي الدالّة على المنع عن الصلاة في أجزاء الميتة، فإنّ النهي المتعلّق بإجزاء العبادة و شرائطها ظاهر في المانعية لا الحرمة التكليفية، كما أنّ الأمر المتعلّق بها ظاهر في الجزئية و الشرطية لا الوجوب النفسي.

و ما قيل من أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بكير (1) «و إن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره و بوله و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذابح» و قوله (عليه السلام) في خبر أبي حمزة «لا تصل فيها إلّا ما كان ذكيّا» (2) هو شرطية التذكية لا مانعية الموت، فيمكن منعه لاحتمال أن يكون المراد بالذكي عدم الميتة، و التعبير بالذكي من باب أنّه إذا لم يكن ميتة فلا محالة يكون ذكيّا لانتفاء الواسطة، فتأمّل جيّدا.

المقام الثاني: بعد ما تبيّن أنّ المرجع عند الشكّ في التذكية هو أصالة العدم

، فيقع الكلام‌

في بيان ما هو المخرج عن هذا الأصل، و هو أحد أمور:

الأول: المأخوذ من المسلم

، فإنّ يد المسلم قد جعلها الشارع أمارة على التذكية، سواء أخبر ذو اليد بها أو لم يخبر.

و ممّا يدلّ على اعتبار يد المسلم ما رواه إسماعيل بن عيسى قال: سألت‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّى، ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلي، ح 6.

214

أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال (عليه السلام): عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين. يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه (1).

و هذه الرواية- كما ترى- كالصريحة في اعتبار يد المسلم، و ما ربّما يظهر منها من اعتبار أمر زائد على اليد، من استعمال المسلم له كالصلاة فيه، فالظاهر أنّه غير معتبر عند الأصحاب.

الأمر الثاني: الاشتراء من سوق المسلمين

و إن لم يعلم إسلام البائع، و لكن بشرط عدم العلم بكفره بأن كان مجهول الحال- كما سيأتي- و الذي يدلّ على اعتبار سوق المسلمين ما رواه أبو نصير عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ لا يدري أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلّي فيه؟ قال (عليه السلام): نعم أنا اشتري الخفّ من السوق و يصنع لي و أصلّي فيه و ليس عليكم المسألة (2).

و إطلاق هذه الرواية تدلّ على اعتبار السوق و إن لم يعلم إسلام البائع، و لا يمكن دعوى انصرافه إلى ما كان البائع مسلما لغلبة وجود أهل الذمّة في سوق المسلمين في ذلك الزمان، فدعوى الانصراف ممّا لا وجه له.

الأمر الثالث: ما إذا كان الجلد أو غيره من أجزاء الحيوان مطروحا في أرض الإسلام.

و قد استدلّ على اعتبار ذلك بما رواه السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة لكثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها‌

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792 و فيه «رأيتموهم يصلّون» طبع جامعة المدرّسين بقم.

(2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 6 و فيه أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

215

ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له:

يا أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يدري سفرة مسلم أم سفرة مجوسي، فقال (عليه السلام): هم في سعة حتّى يعلموا (1).

و ربّما يستدلّ عليه أيضا بما رواه عمّار عن العبد الصالح (عليه السلام) أنّه قال:

لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال (عليه السلام): إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس (2).

و الاستدلال بذلك على اعتبار المطروح في أرض الإسلام، بحيث يكون نفس كونه في أرض الإسلام أمارة على التذكية قاطعة لأصالة العدم مشكل، و إن قال به جماعة من الأساطين لكن بعد تقييده بما إذا كان عليه أثر الاستعمال، بأن يكون على المطروح أثر يستفاد منه أنّه كان مستعملا فيما لا يجوز استعماله على تقدير كونه ميتة، كاللّحم الموضوع في السفرة كما في الخبر المتقدّم، حيث إنّه يستفاد من وضعه في السفرة أنّه وضع فيها لأجل الأكل الذي لا يجوز على تقدير كونه من ميتة، و هذا بخلاف الجلد المطروح في الأرض الذي لا يكون عليه أثر الاستعمال.

و استفادة هذا القيد إنّما يكون من خبر السفرة، و لا بأس باستفادته إلّا أنّ الكلام في أصل اعتبار المطروح في أرض الإسلام من دون أن يكون في يدهم أو سوقهم، فإنّ ما استدلّ به على اعتبار ذلك من الخبرين لا يخلو عن مناقشة.

أمّا خبر السفرة فالظاهر منه أنّه ليس السؤال عن التذكية و عدمها، بل جهة السؤال عن الطهارة و النجاسة، فإنّ الظاهر من قوله «لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي» هو أنّه لا يعلم طهارة ما في السفرة و نجاستها، فأجاب (عليه السلام):

بأنّهم في سعة ما لا يعلمون، أي محكوم بالطهارة حتّى يعلم خلافه، و لا يمكن‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 11.

(2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 5.

216

التمسّك بإطلاق السؤال و الجواب لصورة الشكّ في التذكية و عدمها، لأنّ السؤال و الجواب لم يسق لهذه الجهة، و على فرض التسليم فغايته أن يكون مفاد هذا الخبر كمفاد المطلقات الآتية من الحكم بحلّية ما لا يعلم كونه ميتة، و سيأتي أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقها.

و بالجملة: دلالة هذا الخبر على أنّ نفس كون الشي‌ء في أرض المسلمين مع عدم العلم بسبق يد مسلم عليه أمارة شرعية، بحيث تكون قاطعة لأصالة عدم التذكية مشكل.

و أمّا خبر عمّار فهو أجنبي عمّا نحن فيه، فإنّ حلّية ما صنع في أرض الإسلام لا يلازم حلّية المطروح في أرض الإسلام، بل الظاهر منه أنّ المصنوع في أرض الإسلام من الفراء و غيره و إن كان فيها غير الإسلام يجوز استعماله و التصرّف فيه من الصلاة و غيرها، و هذا لا ينافي اعتبار أخذه من السوق أو من يد المسلم، بل الظاهر من الخبر هو كون المصنوع في أرض الإسلام الذي يباع و يشترى في أسواقهم يجوز الصلاة فيه و إن لم يعلم كون صانعه مسلما، فيكون مساق هذا الخبر مساق الأخبار الدالّة على اعتبار السوق، و أين هذا من الدلالة على اعتبار المطروح في بلاد المسلمين.

و الحاصل: أنّه بعد لم يظهر لنا دليل يدلّ على أمارية الطرح في أرض الإسلام في مقابل اليد و السوق، فالأقوى الاقتصار في مخالفة الأصل على اليد و السوق.

نعم هنا جملة من الأخبار يظهر منها أنّ كلّ ما لم يعلم كونه ميتة فهو محكوم بالتذكية، و قد أخذ بإطلاقها بعض الأساطين، فلو تمّ هذا لكان ذلك تخصيصا لحجّية الاستصحاب، و تكون أصالة عدم التذكية ساقطة من أصلها و لو أخذ من يد كافر فضلا عن الأخذ من مجهول الحال في غير سوق المسلمين، و لكنّ الكلام في إطلاق هذه الروايات أوّلا، و في إمكان الأخذ به ثانيا.

217

و لا بأس أوّلا بذكر بعض الأخبار، ثمّ نعقبه بما هو المستفاد منها.

ففي موثّقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) سألته عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء و الكيمخت، فقال (عليه السلام): لا بأس ما لم يعلم أنّه ميتة (1).

و في صحيحة الحلبي حدّثني علي بن أبي حمزة أنّ رجلا سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف و يصلّي فيه، قال: نعم، قال الرجل: إنّ فيه الكيمخت، فقال: و ما الكيمخت فقال: جلود الدوابّ منه ما يكون ذكيّا و منه ما يكون ميتة، فقال (عليه السلام): ما علمت أنّه ميتة فلا تصلّ فيه (2).

و في رواية محمّد بن يونس أنّ أباه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) سأله عن الفرو و الخفّ ألبسه و أصلّي فيه و لا أعلم أنّه ذكي، فكتب (عليه السلام): لا بأس به (3).

و في معناها أخبار (4) أخر دلّت بإطلاقها على الحكم بالتذكية ما لم يعلم أنّه ميتة، هذا.

و لكنّ الإنصاف عدم إمكان التمسّك بها.

أما أولا: فلأنّ الظاهر أن يكون جهة السؤال في جميع الأخبار الواردة في هذا الباب هو أنّه لمّا كان- في زمن الأئمّة- أهل الذمّة يبيعون و يشترون في أسواق المسلمين، و كانت العامّة تحلّ ذبائح أهل الكتاب و يعاملون معها معاملة ذبائح المسلمين، و كذلك كانت تحلّ الميتة بالدبغ، و حيث كانت الشيعة كثير التردّد‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 12.

(2) الوسائل: ج 3 ص 332 باب 55 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

(3) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 793.

(4) الوسائل: ج 2 ص 1071 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 2 و باب 61 من أبواب لباس المصلّي، ص 337، ح 1 و باب 50 من أبواب النجاسات ص 1073، ح 11.

218

مع العامّة و مخالطون لهم و يعاملون معهم في البيع و الشراء، فمن أجل هذا أوجب الضيق على الشيعة، حيث كانوا يدخلون السوق و يشترون ما لا يعلم أنّه من ذبيحة المسلم أو ذبيحة أهل الذمّة، و كذا لم يعلم أنّه ميتة دبغ أولا، فكثر السؤال من الأئمّة (عليهم السلام)، و أنّ هذه المعاملات التي تقع في الأسواق بيننا و بين العامّة- مع ما هو المعلوم من طريقتهم- كيف حالها، و أنّه يجوز أن يعامل مع المأخوذ معاملة المذكّى أو لا، فأجابوا (عليهم السلام) بعدم البأس، و أنّه يعامل معه معاملة المذكّى.

فجميع ما صدر عنهم (عليهم السلام) جوابا في هذه الأخبار إنّما سيق لبيان حكم المعاملات الواقعة بين الشيعة و بين أهل السوق، و عليه لا يبقى مجال لتوهّم الإطلاق فيما دلّ على حلّية ما لم يعلم كونه ميتة، بل هو منزّل على ما كان متعارفا في ذلك الزمان، و يكون مساقها مساق الأخبار الدالّة على اعتبار اليد و السوق.

و أمّا ثانيا: فعلى فرض تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده بما إذا لم يؤخذ من يد الكافر، أو من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين، و ذلك لصراحة بعض الأخبار بوجوب السؤال و الفحص عمّا أخذ من يد المشركين.

ففي خبر إسماعيل بن موسى عن أبيه سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال (عليه السلام): عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك (1) .. إلخ. و مع هذا التصريح كيف يمكن الأخذ بإطلاق ما دلّ على حلّية ما لم يعلم كونه ميتة و لو أخذ من يد الكافر؟

فالإنصاف أنّه لا قاطع لأصالة عدم التذكية إلّا يد المسلم أو سوق المسلمين‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 7 و فيه. عن سعد عن أبيه إسماعيل بن عيسى.

219

و لو كان المأخوذ منه مجهول الحال، لإطلاق أدلّة اعتبار السوق خرج منه ما إذا علم كفر المأخوذ منه، فتأمّل جيّدا.

بقي في المقام أمور ينبغي التنبيه عليها.

الأول: في أنّه هل يد الكافر أمارة على عدم التذكية

كما كانت يد المسلم أمارة على التذكية، أو أنّه ليس يد الكافر أمارة على عدم التذكية، بل مجرّد كونها غير أمارة على التذكية و ممّا لا أثر لها و غير موجبة لرفع اليد عن أصالة عدم التذكية الجارية في المشكوك؟

ربّما قيل بأنّ يد الكافر أمارة على عدم التذكية كما أن يد المسلم أمارة على التذكية. و قد استظهر ذلك من قوله (عليه السلام) في خبر إسماعيل (1) المتقدّم «إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك» و من قوله (عليه السلام) في خبر عمّار (2) المتقدّم أيضا «إذا صنع في أرض الإسلام». و في الاستظهار من ذلك نظر واضح كما لا يخفى.

و الإنصاف أنّه لم يظهر من الأدلّة ما يستفاد منه أمارية يد الكافر على عدم التذكية، بل غاية ما يستفاد منها عدم الأمارية في مقابل جعل أمارية يد المسلم.

ثمّ إنّ الثمرة بين القولين إنّما تظهر فيما إذا اشتركا يد الكافر و يد المسلم في جلد الحيوان أو غيره، فبناء على الأمارية يقع التعارض بين الأمارتين، و نحتاج في ترجيح يد المسلم على يد الكافر إلى بعض الوجوه الاعتبارية، ككون يد المسلم أقوى أمارة من يد الكافر، و غير ذلك من الوجوه التي لا دليل على اعتبارها، و أمّا بناء على ما قلناه من عدم أمارية يد الكافر فلا تعارض في البين.

و ربّما قيل بظهور الثمرة أيضا فيما إذا سبقت يد الكافر على يد المسلم، فيقع‌

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلي، ح 792.

(2) الظاهر أنّ المراد خبر إسحاق بن عمّار المذكور في الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات،

220

التعارض أيضا و يقدّم يد المسلم للأقوائية و اللحوق و غير ذلك، هذا. و لكنّ تمامية هذه الثمرة موقوفة على كون يد المسلم أمارة على التذكية و لو مع العلم بسبقها بيد الكافر، و سيأتي الإشكال في ذلك.

الأمر الثاني: في أنّ أمارية يد المسلم على التذكية هل مطلقة

و لو مع العلم بسبق يد الكافر عليه، أو أنّها مقيّدة بما إذا لم يعلم ذلك؟

فنقول: ذهب بعض الأساطين إلى الأول، نظرا إلى إطلاق الأدلّة الدالّة على اعتبار يد المسلم، كقوله (عليه السلام) في ذيل خبر إسماعيل (1) المتقدّم «و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه» حيث إنّ إطلاق ذلك يقتضي اعتبار يد المسلم و لو مع العلم بأخذه من يد الكافر، هذا.

و قد استشكل شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في ذلك، و مال إلى عدم اعتبار يد المسلم مع العلم بسبقها بيد الكافر إلّا على وجه تأتي الإشارة إليه.

و حاصل ما أفاده- (مدّ ظلّه)- في وجه الإشكال يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، و هي أنّ الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام الشرعية تارة تكون على نحو القضايا الحقيقية و مبيّنة للكبريات التي يتألّف منها الأقيسة لاستنتاج الأحكام الجزئية، كقوله (عليه السلام) «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء» (2) و أمثال ذلك، و اخرى تكون على نحو القضايا الخارجية، كما إذا سئل المعصوم (عليه السلام) عن فعل شي‌ء أو ترك شي‌ء فأجاب (عليه السلام) بالبأس أو عدم البأس، فإنّ هذا لا يكون على نحو الكبرى الكلّية، بل قضية خاصّة وردت في مورد خاص، و من هنا يعبّر عنها في كلمات الفقهاء بأنّها قضية في واقعة.

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792.

(2) الوسائل: ج 1 ص 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

221

و قد حقّقنا ذلك في مبحث «لا ضرر» و قلنا في ذلك المورد: إنّه ليس كلّ ما صدر عنهم (عليهم السلام) جوابا عن سؤال خاصّ يكون على نحو القضية الخارجية، بل ربّما يستفاد منه كبرى كلّية، و قد حرّرنا الضابط بينهما على وجه لا مزيد عليه.

و الغرض في المقام مجرّد بيان أنّ الجواب يمكن أن يكون على نحو القضية الخارجية، كما أنّه يمكن أن يكون على نحو الكبرى الكلّية، فإن كان على نحو الكبرى الكلّية فلا إشكال في استفادة الإطلاق أو العموم منها لو كان في مقام البيان، و أمّا إذا كان على نحو القضية الخارجية فلا يمكن استفادة الإطلاق منها إلّا بضميمة ترك الاستفصال في الموارد التي تكون محلّا للاستفصال مع القطع بعدم خصوصية المورد، فلو لم يكن المحلّ محلا للاستفصال، أو لم يحصل القطع بعدم خصوصية المورد، لا يمكن استفادة الإطلاق من الجواب كما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ غالب ما صدر عنهم (عليهم السلام) في هذا الباب إنّما هو جواب عمّا سألوا عنه الأصحاب ممّا كانوا مبتلين به من معاملتهم مع أهل السوق الذي يكون فيهم من يستحلّ ذبائح أهل الذمّة و طهارة الميتة بالدبغ، و من المعلوم أنّ في مثل هذا لا يمكن أن يتمسّك بإطلاق الجواب، لأنّه جواب عمّا وقع في الخارج.

و لا يمكن القول بالإطلاق من باب ترك الاستفصال، لما عرفت من استفادة الإطلاق من ترك الاستفصال إنّما يكون في المحلّ القابل للاستفصال، و من المعلوم أنّ الصحابة في ذلك الزمان لم يكونوا مبتلين بما نحن مبتلون به الآن، من حمل مال التجارة من الجلود و غيرها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، بحيث نعلم أنّ ما وقع في يد المسلم إنّما هو مسبوق بيد الكافر و حمل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، و هذا المعنى لم يكن معهودا في ذلك الزمان، فليس المقام مقام ترك‌

222

الاستفصال، فلا يمكن القول بالإطلاق من هذه الجهة.

و كذلك لا يمكن القول بالإطلاق بدعوى القطع بعدم الفرق بين ما نحن مبتلون به الآن من سبق يد الكافر على يد المسلم، و ما كانوا مبتلين به في ذلك الزمان من المعاملة مع من يستحلّ ذبيحة أهل الذمّة، لأنّ المأخوذ في ذلك الزمان من يد المسلم العارف أو غير العارف حيث لم يعلم كونه من ذبيحة أهل الذمّة و لم يعلم سبقه بيد الكافر، فجعل الشارع يد المسلم أمارة على التذكية، و أين هذا من المأخوذ في هذا الزمان ممّا يعلم سبقه بيد الكافر؟ فدعوى القطع بعدم الخصوصية عهدتها على مدّعيها.

و الحاصل: أنّه بعد ما كان الصادر عنهم (عليهم السلام) في هذا الباب إنّما هو جواب عن قضايا خارجية، و لم يرد في هذا الباب ما يكون كبرى كلّية يستفاد منه اعتبار يد المسلم على الإطلاق حتّى لو كانت مسبوقة بيد الكافر، و قد عرفت أنّ استفادة الإطلاق و الكبرى الكلّية من الجواب عن القضية الخارجية لا يمكن إلّا بترك الاستفصال مع القطع بعدم خصوصية للمورد، و كلاهما ممنوعان في مثل المقام كما لا يخفى، فالأقوى عدم اعتبار يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر.

نعم لو احتمل احتمالا عقلائيّا أنّ المسلم و إن أخذها من يد الكافر لكن بعد تحقيقه الحال عن تذكية المأخوذ و عدمها لكان يده بضميمة أصالة الصحة في فعل المسلم أمارة على التذكية، إلّا أنّ هذا ممّا يقطع بعدمه في هذا الزمان، للقطع بأنّ المسلمين في هذا الزمان يجلبون مال التجارة من بلاد الكفر من دون تحقيق للحال و السؤال عن التذكية و عدمها.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ في هذا المقام في وجه الإشكال في اعتبار يد المسلم على الإطلاق، و قد عرفت أنّ الإشكال في ذلك إنّما هو لأمرين: الأول:

عدم ابتلاء الصحابة في ذلك بما ابتلينا نحن الآن من حمل مال التجارة من بلاد‌

223

الكفر إلى بلاد الإسلام. الثاني: أنّ ما صدر عنهم جوابا في هذا الباب إنّما يكون على نحو القضايا الخارجية و ليس لبيان الكبرى الكلّية فتأمّل جيّدا فإنّ كلا الأمرين لا يخلو عن تأمّل و ربّما يمكن استفادة الإطلاق من قوله (عليه السلام) و لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق (1) فتأمّل‌

الأمر الثالث: هل يعتبر في أمارية يد المسلم أن يكون المسلم مستعملا للجلد أو غيره

فيما لا يجوز استعمال الميتة فيه كعرضه للبيع و الشراء و الصلاة فيه و أمثال ذلك، أو أنّه يكفي مجرّد كونه في يده و تحت استيلائه و إن كان مطروحا في بيته أو دكانه؟ وجهان مبنيّان على أنّ أمارية يد المسلم على التذكية هل هي من باب أماريّتها على الملك و حيث إنّ الميتة لا تملك فيد المسلم كاشفة عن الملك الملازم للتذكية، أو أنّ أماريّتها من باب حمل فعل المسلم على الصحّة، فلو قلنا بالأول فنفس كون الجلد تحت يده و سلطانه يكفي في ترتيب آثار التذكية عليه، لأنّ نفس الاستيلاء كاشف عن الملكية الملازمة للتذكية، و إن قلنا بالثاني فلا بدّ من استعماله له على وجه لا يجوز الاستعمال لو كان ميتة حتّى تجري قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، بداهة أنّه لا موضوع للقاعدة إلّا في صورة الاستعمال، فلا يكفي مجرّد كونه في داره مع عدم استعماله له في ترتيب آثار التذكية عليه [1]

____________

[1] لا يقال: لا وجه لاعتبار قيد الاستعمال زائدا على الاستيلاء، فإنّ نفس استيلاء المسلم على شي‌ء أمارة على الملكية و الملكية تلازم التذكية و مثبتات الأمارة حجّة فلا وجه لاعتبار الاستعمال.

فإنّه يقال: يد المسلم إنّما تكون أمارة على الملك فيما إذا أحرز قابلية ما في يده للتملّك، فلو كان هناك في يده شي‌ء لم يعلم كونه ترابا غير قابل للتملّك أو نحاسا قابلا له فمن مجرد كونه في يده لا يحكم كونه نحاسا، و كذا لو كان في يده لحم لا يحكم كونه من مذكّى ما لم يستعمله فيما يستعمل فيه الذكي، فالمخرج عن أصالة عدم التذكية ليست اليد فقط بل هي مع الاستعمال، و هذا هو المتيقّن من أدلّة الباب، و من هنا يعلم أنّ المبنى الأول من المبنيين الذي ذكرناهما فاسد من أصله فتأمّل «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 18 ص 215 باب 25 من أبواب كيفية الحكم، ح 2 نقلا بالمضمون.

224

و الأقوى هو الوجه الثاني أي كون أماريّتها من باب حمل فعل المسلم على الصحّة، لأنّ الظاهر من أدلّة الباب سؤالا و جوابا هو ما إذا كان هناك استعمال من المسلم على وجه ينافي كون ما في يده ميتة كالبيع و الشراء و أمثال ذلك. و يدلّ عليه قوله (عليه السلام) «و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه» (1) و معلوم أنّ الصلاة أخذت في المقام كناية عن مطلق الاستعمال على وجه ينافي كونه ميتة، فمجرّد ثبوت جلد أو لحم بيد المسلم مع احتمال أن يكون ذلك في يده من جهة إرادة إعدامه لا استعماله لا يحكم عليه بالتذكية.

الأمر الرابع: لو كان الشي‌ء مسبوقا بيد المسلم و لو كان الآن بيد الكافر

كما إذا اشتراه اليهودي من مسلم، فهل العبرة على اليد الفعلي و يحكم عليه بعدم التذكية، إمّا من جهة أمارية يد الكافر عليها و إمّا من جهة اقتضاء الأصل ذلك على الوجهين المتقدّمين، أو أنّ العبرة على اليد السابق و يحكم عليه بالتذكية إمّا مطلقا و لو قلنا بأمارية يد الكافر على عدم التذكية، و إمّا في خصوص ما إذا منعنا عن ذلك و قلنا بأنّ الموجود في يد الكافر بعد باق على أصالة عدم التذكية من دون أن تكون يده أمارة على العدم؟

و الأقوى من هذه الوجوه هو الوسط أي كون العبرة على اليد السابقة و لا أثر لليد الفعلي للكافر أصلا، أمّا لو قلنا بعدم كون يد الكافر أمارة على العدم فواضح، فلأن المفروض ثبوت يد المسلم على هذا الشي‌ء. و هي أمارة على التذكية، و مجرّد انتقاله إلى يد الكافر التي ليس هي أمارة على العدم لا يوجب سلب الشي‌ء عمّا كان محكوما به من التذكية بمقتضى يد المسلم، و كذلك الحال لو قلنا بأمارية يد الكافر على عدم التذكية، بداهة أنّه بعد ما كان الشي‌ء بيد‌

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلي، ح 792.

225

المسلم فقد حكم عليه بالتذكيّة، و ما هو مذكّى لا يمكن أن ينقلب إلى غير المذكّى، فلا يعامل معهما معاملة تعارض الأمارتين.

و ليس المقام مثل تعارض أمارة الطهارة مع أمارة النجاسة، بداهة أن الظاهر يمكن أن ينقلب إلى النجاسة و النجس ينقلب إلى الطهارة و كذلك الملك يخرج عن الملكية، و هذا بخلاف المقام فإنّ المذكّى لا يصير غير المذكّى، فيد الكافر المسبوقة بيد المسلم ساقطة عن الأمارية و لا أثر لها، فتأمّل هذا في صورة سبق يد المسلم على يد الكافر، و أمّا في صورة العكس فقيه الكلام المتقدّم.

الأمر الخامس: في أنّ المنع عن الصلاة في الميتة هل يعمّ جميع أقسام الميتة

ممّا كان لها نفس سائلة أو لم يكن، أو يختصّ بما إذا كانت لها نفس سائلة؟ و بعبارة أخرى: هل المنع عن الصلاة فيها من جهة نجاستها، أو أنّ المنع عنها من جهة مانعية نفس الموت من دون دخل للنجاسة في ذلك، و إن اجتمعت الجهتان فيما كان لها نفس سائلة؟ وجهان بل قولان.

الأقوى هو الأول أي مقصور بما إذا كان لها نفس سائلة، لما عرفت من أنّ أغلب أخبار الباب إنّما هي جوابا عن سؤالات خاصّة في موارد خاصّة كانت الصحابة مبتلين بها من شراء الجلود و الفراء و أمثال ذلك، و معلوم أنّ مثل هذه الأشياء لم يعهد صناعتها من الميتة التي ليس لها نفس سائلة، فلا إطلاق في الأدلّة تعمّ جميع أقسام الميتة.

و ما ورد في بعض الأخبار (1) من المنع عن الصلاة في الميتة بقول مطلق فمنصرف أيضا إلى الميتة التي يعهد اتّخاذ اللّباس و غيره من جلودها و سائر أجزائها، و ذلك في الميتة التي تكون لها نفس سائلة من غير فرق في ذلك بين أن‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 249 و 250 باب 1 و 2 من أبواب لباس المصلّي.

226

نقول بشرطية التذكية أو مانعية الموت.

و ما يتوهّم من أنّه بناء على شرطية التذكية لا بد من إحرازها من غير فرق بين ما كان له نفس سائلة و غيره، و عليه لا يجوز الصلاة في مطلق الميتة و إن لم يكن لها نفس سائلة لفقد الشرط.

ففيه: أنّه و إن قلنا بشرطية التذكية لكنّ شرطيّتها مقصورة في الحيوان الذي له نفس سائلة، فإنّ ما دلّ على اعتبار التذكية ليس إلّا صحيح ابن بكير (1) و خبر ابن أبي حمزة (2)، و في كليهما اعتبرت التذكية فيما كان له نفس سائلة، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في الأول «إذا علمت أنّه ذكّي قد ذكّاه الذبح» هو أنّ التذكية معتبرة في الحيوان الذي يقبل الذبح، و الذبح لا يطلق إلّا فيما كان له نفس سائلة، فتأمّل. و الخبر الثاني يكون أظهر من ذلك، فراجع.

و الحاصل: أنّه بعد لم يظهر من الأدلّة كون مطلق الموت مانعا و إن كان الميتة طاهرة لم يكن لها نفس سائلة.

فالأولى إن لم يكن أقوى هو الاقتصار في المانعية بالميتة النجسة، و عليه لا تكون عدم الميتة شرطا آخر في الصلاة، بل هو من صغريات اشتراط الطهارة في لباس المصلّي، فالأحكام المذكورة في ذلك الباب من جواز الصلاة في المشكوك مع عدم ثبوت حالة سابقة له تقتضي نجاسته، و من صحّة الصلاة في النجس إذا وقع ذلك جهلا مع عدم سبق العلم به و غير ذلك من الأحكام كلّها جارية في باب الميتة.

فلو شكّ في حيوان من حيث ثبوت نفس سائلة له و عدمه يجوز الصلاة في‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

227

أجزائه، و كذا لو صلّى جهلا بكونه ميتة صحّت صلاته، فتأمّل جيّدا فإنّ ذلك لا يخلو عن إشكال، فإنّ من قال منّا بطهارة الميتة بالدبغ قال بعدم جواز الصلاة فيها، فيظهر من ذلك أنّ الموت بنفسه مانع عن الصلاة، و إن كان مانعيّته مقصورة بالميتة النجسة حسب ما استظهرناه من أدلّة الباب، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي جريان أحكام الطهارة و النجاسة فيها أيضا.

الأمر السادس: في أنّه هل يشترط في أمارية يد المسلم على التذكية كونه غير مستحلّ للميتة بالدبغ، أو لا يشترط ذلك؟

و قد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك فقد حكي من بعض عدم جواز الصلاة في المأخوذ من مستحل الميتة بالدبغ، بل زاد بعض المنع ممّن يتّهم بذلك سواء في ذلك أخبر و ضمن بالتذكية أو لا، و حكي من آخر المنع إلّا إذا أخبر بالتذكية أو ضمن بها.

و لكنّ المشهور الذي عليه العمل هو الجواز مطلقا و لو علم بكونه ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ فضلا عن المتّهم سواء في ذلك الضمان و الإخبار و عدمه، لإطلاق النصوص الواردة في الباب، بل قد عرفت أنّ تكثّر السؤال عنهم (عليهم السلام) عن الشراء ممّا هو في السوق كان لأجل ذلك- أي وجود من يستحلّ الميتة بالدبغ.

بل في بعض الأخبار ما يقرب التصريح بذلك، و هو خبر إسماعيل بن موسى (1) المتقدّم فإنّ فيه: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ فأجاب (عليه السلام): بعدم السؤال إذا كان البائع مسلما. و هذا مع معروفية استحلال الميتة بالدبغ عند العامّة يكون كالصريح في اعتبار يد المسلم و سوقه مطلقا.

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 258 باب لباس المصلّي، ح 792.

228

و ما ورد من أنّ عليّ بن الحسين كان ينزع الفرو المأخوذ من أرض العراق في وقت الصلاة، معلّلا بأنّ أهل العراق يستحلّون الميتة بالدباغ (1). فليس فيه دلالة على خلاف ما ذهب إليه المشهور و إن استدلّ به صاحب القول الأول، فإنّ نفس أخذه (عليه السلام) و لبسه و إن كان في غير حال الصلاة دليل على أنّه ما كان يعامل معه معاملة الميتة، بداهة أنّه لو كان المأخوذ ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ ممّا لا يحكم عليه بالتذكية و كان بحكم الميتة لما جاز لبسه و استعماله في حال من الأحوال، فنفس استعماله و لو في غير حال الصلاة أقوى شاهد على أنّه بحكم المذكّى.

و ذلك لا ينافي نزعه في حال الصلاة، فإنّ ذلك كان للتنزيه و شدّة الاحتياط لإحراز الواقع الذي ينبغي البناء عليه لكلّ أحد فضلا عن المعصوم (عليه السلام)، و الاحتياط في الموضوع لا ينافي مرتبة العصمة، فتأمّل.

و كذلك لا ينافي ما ذهب إليه المشهور خبر الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفرو نشري من السوق؟ فقال (عليه السلام): إذا كان مضمونا فلا بأس (2). و إن استدلّ به صاحب القول الثاني بناء على حمل الضمان على ضمان البائع، فيدلّ بمفهومه على عدم جواز الشراء عند عدم ضمان البائع ذكاته، فإنّ أقصى ما يفيده المفهوم هو ثبوت البأس عند عدم الضمان، و ذلك غير صريح و لا ظاهر في المنع عن الشراء، فلا يمكن أن يقاوم ما تقدّم من الأدلّة الصريحة على جواز الشراء من السوق و لو علم أنّ البائع كان ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ.

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1081 باب 61 من أبواب النجاسات، ح 3.

(2) الوسائل: ج 2 ص 1073 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 10 و فيه اختلاف يسير.

229

و ربّما يستدلّ للتفصيل المزبور بما رواه عبد الرحمن قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها هي ذكية فيقول بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكية فقال (عليه السلام): لا و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد شرط الذي اشتريتها منه أنّها ذكية فقلت: و ما أفسد ذلك قال (عليه السلام):

استحلال أهل العراق الميتة و يزعمون أنّ دباغ الجلد ذكاته (1) .. إلخ. فإنّ ظاهر التعليل هو المنع عن الأخذ ممّن يستحلّ الميتة بالدبغ مطلقا حتّى مع الإخبار بالتذكية، غاية الأمر أنّ صدر الرواية دلّت بالصراحة على جواز الشراء عند الإخبار بالتذكية، و إن منع عن بيعها على أنّها ذكية، فيبقى صورة عدم الإخبار داخل في التعليل.

و فيه: أنّ التعليل إنّما سيق لأجل المنع عن بيعها على أنّها ذكية لا لأصل المنع عن الشراء، فليس في الرواية ما يدلّ على المنع عن الشراء عند عدم الإخبار، بل المتحصّل من الرواية هو أنّه حيث كان أهل العراق يستحلّون الميتة بالدبغ فليس للمشتري منهم أن يبيع ما اشتراه على أنّه ذكيّ، لأنّ ظاهر الاشتراط هو الإخبار عن الذكاة و أنّه عالم به مع أنّه لم يعلم به، فإنّ أخذه ممّن يستحلّ ذلك يوجب عدم العلم بالذكاة، و إخبار البائع الأول لا يوجب العلم به فليس للبائع الثاني الإخبار على سبيل الجزم بذكاته، و أين هذا من الدلالة على التفصيل المزبور؟

و بالجملة: بعد لم يظهر لنا دليل يدلّ على خلاف ما ذهب إليه المشهور، و على تقدير ثبوته فهو مؤوّل أو مطروح، لعدم مقاومته لما تقدّم من الأدلّة الدالّة على اعتبار يد المسلم مطلقا و لو كان ممن يستحلّ الميتة بالدبغ، فالأقوى ما عليه المشهور‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1081 باب 61 من أبواب النجاسات، ح 4 و فيه اختلاف يسير.

230

الأمر السابع: مقتضى إطلاق الأدلّة هو عدم جواز الصلاة في الميتة مطلقا،

سواء كان ممّا تتمّ الصلاة فيه أولا، و سواء كان نعلا أو خفّا أو غيره.

و ما ورد (1) في (2) بعض الأخبار من نفي البأس عن النعال و الخفاف إذا لم تكن من أرض المسلمين فمحمول أو مطروح، بداهة عدم مقاومته لمطلقات الباب، مع أنّه معارض لصريح بعض الأخبار الوارد في خصوص الخفاف من المنع عن الصلاة فيها إذا كانت من ميتة، و هو ما رواه الحلبي قلت لأبي عبد اللّٰه: الخفاف عندنا في السوق فنشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال (عليه السلام): صلّ فيها حتّى يقال لك إنّما ميتة بعينها (3) فاحتمال جواز الصلاة في الخفاف المصنوعة من الميتة ضعيف غايته، كضعف احتمال جواز الصلاة في خصوص النعال، لما ورد (4) في عدّة من الأخبار من أنّ نعل موسى (عليه السلام) الذي أمر بخلعه كان من جلد ميتة، فيظهر منه جواز لبس النعل من الميتة، و إذا جاز لبسه جاز الصلاة فيه.

وجه الضعف هو أنّه أولا: مجرّد جواز لبس ذلك في شريعة موسى (عليه السلام) لا يثبت جوازه في شريعتنا، مع ما ورد (5) من المنع عن استعمال الميتة بقول مطلق الشامل للنعل، بل لم يعلم جواز ذلك حتّى في شريعة موسى (عليه السلام)، لأنّه كان لبسه و الأمر بخلعه قبل تلبّسه بمرتبة النبوّة على ما هو المحكي.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 310 باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) هو ما رواه الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصلاة فيها إذا لم يكن من أرض المسلمين، فقال (عليه السلام): أمّا النعال و الخفاف فلا بأس بها. «منه».

(3) الوسائل: ج 3 ص 310 باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 2 نقلا بالمضمون.

(4) الوسائل: ج 3 ص 249 باب 1 من أبواب لباس المصلّي، ح 3 و 4.

(5) الوسائل: ج 16 ص 368 باب 34 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

231

و ثانيا: قد روي (1) عن الحجّة (عليه السلام) تكذيب ذلك، و أنّه لم يكن نعل موسى (عليه السلام) من جلد الميتة، بل المراد من خلع النعل الذي أمر به اللّٰه تعالى هو خلع محبّة الأهل الذي كان في قلب موسى.

و بالجملة: لا يمكن رفع اليد عن المطلقات بمثل هذا، فالأقوى عموم المنع حتّى من حمل أجزاء الميتة كما ربّما يشعر به رواية (2) تقليد السيف المتقدّم، بناء على كون تقليد السيف من باب المحمول، لا من باب كونه ملبوسا و إلّا كان دالّا على عدم جواز الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه، فتأمّل جيّدا.

هذا تمام الكلام في الأمر الأول من الأمور المعتبرة في لباس المصلّي.

الأمر الثاني: أن لا يكون من أجزاء غير مأكول اللّحم و إن ذكّي و كان قابلا للتذكية

، فإنّ التذكية فيما كان قابلا لها إنّما توجب جواز سائر الاستعمالات ما عدا الصلاة.

و لسنا الآن في بيان ما يقبل التذكية من الحيوانات فإنّ لبيان ذلك مقاما آخر، و إن كان الأقوى قبول كلّ حيوان مأكول و غير مأكول للتذكية حتّى المسوخات، لما حكاه شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- من ورود بعض الأدلّة على قبول بعض المسوخات للتذكية، و إذا ثبت في البعض ثبت في الكلّ لعدم القول بالفصل.

بل ربّما يستفاد قابلية كلّ حيوان للتذكية من قوله (عليه السلام) في ذيل صحيح ابن بكير (3) الآتي «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» بداهة ظهوره في أنّ التذكية‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 249 باب 1 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

(2) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

232

هي عبارة عن نفس الذبح و كلّ حيوان قابل للذبح، فيستفاد من ذلك كبرى كليّة و هي قابلية كلّ حيوان للتذكية إلّا ما خرج كالحشرات، فتأمّل.

و على كلّ حال المهمّ في المقام هو البحث عن مانعية غير المأكول للصلاة.

و تنقيح البحث عن ذلك يستدعي رسم أمور:

الأول: لا إشكال و لا خلاف في مانعية غير المأكول للصلاة

و فسادها إذا وقعت فيه، و هذا في الجملة ما قد تواترت به النصوص، إنّما الكلام في أنّ ذلك على نحو الكبرى الكلّية و أن كلّ غير مأكول لا تجوز الصلاة فيه عدا ما استثنى من الخز و السنجاب، أو ليس ذلك على نحو الكبرى الكلّية بل المانعية مقصورة بما يأكل اللّحم ممّا له ناب و مخلب؟

و لا بدّ أولا من ذكر بعض ما ورد في الباب من الأدلّة، ثم نعقبه بما هو المستفاد منها فنقول:

روى ابن أبي عمير عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ اللّٰه أكله، ثمّ قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي و قد ذكّاه الذبح، و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك‌

233

أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ذكّاه الذبح أو لم يذكّه (1).

و في رواية جعفر بن محمّد عن آبائه في وصية النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) قال: يا علي لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه (2).

و في رواية ابن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال: لا تصلّ فيها إلّا ما كان منه ذكيا، قال: أو ليس الذكيّ ممّا ذكّي بالحديد؟ قال: نعم (3) إذا كان ممّا يؤكل لحمه، قلت: و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللّحم، و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب (4).

و في رواية محمّد بن إسماعيل بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

لا تجوز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ (5).

و في الباب روايات أخر صريحة الدلالة في المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه إلّا أنّها واردة في موارد خاصّة كالثعلب و الأرنب و السمور و أمثال ذلك، و فيما ذكرناه غنى و كفاية. إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ فيما هو المستفاد منها، فنقول:

مقتضى رواية ابن بكير (6) هو عموم المنع عن كلّ ما لا يؤكل لحمه، و يستفاد‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 6.

(3) و في بعض النسخ «و ما يؤكل لحمه من غير الغنم» بإسقاط كلمة (لا) «منه». راجع الكافي: ج 3 ص 397، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(5) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

(6) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

234

منها الملازمة بين غير المأكول و فساد الصلاة، كما أنّه يستفاد منها الملازمة بين المأكول و الصحّة، فهذه الرواية بنفسها تدلّ على كبرى كلّية، و هي صحيحة السند و معمول بها عند الأصحاب، و إن كان ابن أبي بكير في نفسه ملعونا، كما يظهر من سوء تعبيره في الرواية بقوله «زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)» هذا، مع ما ذكر في حالاته من الذمّ، و على أيّ حال كونه مذموما في نفسه لا يضرّ بصحّة روايته، فلا إشكال من هذه الجهة، كما لا إشكال في دلالتها على الكبرى الكلّية.

نعم مقتضى التعليل في ذيل رواية ابن أبي حمزة (1) هو عدم المنع في خصوص ما إذا لم يكن آكل اللّحم و لم يكن له ناب و مخلب، فمقتضى القاعدة- لو لم يكن في المقام شي‌ء آخر- هو تخصيص الكبرى الكلّية المستفاد من رواية ابن بكير بما في ذيل رواية ابن أبي حمزة.

و لكنّ مقتضى التعليل الوارد في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (2) و هو قوله (عليه السلام) «لأنّ أكثرها مسوخ» هو عموم المنع أيضا [1] فالحري هو ملاحظة النسبة‌

____________

[1] و قد أفاد شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- أن النسبة بين التعليلين إنما هي بالأعم الأخص المطلق، و ان قوله (عليه السلام) «لأن أكثرها مسوخ» أخص من قوله (عليه السلام) «لأنّه لا يأكل اللّحم».

و تقريبه هو أنّ قوله (عليه السلام) «لأنه لا يأكل اللّحم» قد اشتمل على عقد إيجابي و هو جواز الصلاة فيما لا يأكل اللّحم، و عقد سلبي و هو عدم جواز الصلاة فيما يأكل اللّحم، و النسبة إنّما تلاحظ بين كلا العقدين من الإيجابي و السلبي مع قوله «لأنّ أكثرها مسوخ».

و حينئذ يكون قوله (عليه السلام) «لأنّ أكثرها مسوخ» أخصّ مطلقا من التعليل الآخر، لأنّ العقد الإيجابي و السلبي يعم جميع أصناف الحيوانات، بداهة أنّه كلّ حيوان في الدنيا إمّا أن يكون آكل اللّحم و إمّا أن لا يكون، فكلّ حيوان لا بدّ و أن يكون داخلا في أحد العقدين، و هذا بخلاف قوله «لأنّ أكثرها مسوخ» فإنّه مختصّ بصنف خاصّ من الحيوان و هو ما كان مسوخا، و حينئذ يكون دلالة قوله (عليه السلام) «لأن أكثرها مسوخ» على مانعية الحيوان المسوخ و إن لم يكن أكل

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

235

بين التعليلين و ما يستفاد منهما.

و الظاهر أن تكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، فإنّ مقتضى التعليل في رواية ابن أبي حمزة (1) هو علّية عدم آكل اللّحم و لم يكن له ناب و مخلب للجواز سواء كان من المسوخ أو لم يكن، و مقتضى التعليل في رواية محمّد بن إسماعيل (2) هي علّية المسوخ سواء كان ذي ناب و مخلب أو لم يكن، فيقع التعارض بينهما في المسوخ الذي لم يكن له ناب و مخلب، فإنّ مقتضى التعليل في رواية ابن أبي حمزة هو جواز الصلاة فيه، و مقتضى التعليل في رواية محمّد بن إسماعيل هو عدم جواز الصلاة فيه، هذا.

و لكن من المعلوم أنّ دلالة ذيل رواية ابن أبي حمزة على انحصار علّة المنع في آكل اللّحم ممّا كان له ناب و مخلب إنّما هو بالإطلاق، إذ ليست العلّية بنفسها موضوعة للعلّة المنحصرة، بل الانحصار إنّما يستفاد من الإطلاق و عدم ذكر علّة أخرى، و هذا بخلاف دلالة ذيل رواية محمّد بن إسماعيل، فإنّها تدلّ على علّية‌

____________

اللّحم أظهر لأخصّيته، و يخرج قوله (عليه السلام) «لأنّه لا يأكل اللّحم» عن العلّية.

ثمّ على تقدير كون النسبة بين التعليلين بالعموم من الوجه لا بدّ أيضا من أنّه بكلا العلّتين، و ذلك لأنّه لو قصرنا المانعية بخصوص آكل اللّحم و ما كان له ناب أو مخلب يلزم أن يبقى قوله (عليه السلام) «لأنّ أكثرها مسوخ» بلا مورد، و ذلك لأنّ المسوخ إما آكل اللّحم و إما غير آكل، فإن كان آكل اللّحم فمانعيته عن الصلاة انما يكون من جهة آكليته للحم، بمقتضى مفهوم قوله (عليه السلام) «لأنّه لا يأكل اللّحم» لا من جهة مسوخيته، إذ المسوخية مع كونه آكل اللّحم ممّا [لا] أثر لها، و إذا خرج هذا القسم من المسوخ عن قوله «لأن أكثرها مسوخ» فلا يبقى له إلّا مورد واحد و هو المسوخ الغير الآكل، فلو خصّ المانعية بخصوص الآكل يخرج قوله (عليه السلام) «لأن أكثرها مسوخ» عن العلّية و يبقى بلا مورد و هذا ممّا لا يجوز، لأنّ كلّ عامّ بالنسبة إلى بعض موارده نص في الجملة، فتأمل.

ثم إن هذا كلّه على تقدير اشتمال الرواية على كلمة «لا» و أما بناء على ما في بعض نسخ الصحاح من سقوط كلمة «لا» فيكون التعليل حينئذ أجنبيا عن المقام كما لا يخفى وجهه على المتأمّل، فتأمّل جيّدا. «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

236

المسوخية بالنصوصية، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق ما في رواية ابن أبي حمزة و عدم دلالته على الانحصار.

فيتحصّل من مجموع الذيلين علّية كلّ من المسوخية و كون الحيوان ذي ناب و مخلب للمنع و عدم جواز الصلاة في شي‌ء منها.

و إذا ثبت المنع عن المسوخ و إن لم يكن ذي ناب و مخلب فيثبت في غير المسوخ أيضا ممّا حرم أكله، لأنّ قوله (عليه السلام) «لأنّ أكثرها مسوخ» علّة لعموم المنع، و أنّ المنع عن غير المأكول بجميع أقسامه إنّما هو من جهة أكثرية المسوخ فيها، فمقتضى هذا التعليل هو عموم المنع لكلّ ما لا يؤكل.

مع أنّ الظاهر أن يكون قوله (عليه السلام) «لأنّ أكثرها مسوخ» علّة للتشريع لا علّة للحكم، و من المعلوم أنّ الحكم في باب علل التشريع لا يدور مدارها بل يطّرد و لو في غير موردها، و عليه يرتفع التعارض بين العلّتين أيضا، فإنّ التعليل في ذيل رواية ابن أبي حمزة (1) إنّما يكون علّة للحكم، و في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (2) إنّما يكون علّة للتشريع.

الأمر الثاني:

بعد ما ثبت عموم المنع عن كلّ حيوان غير مأكول اللّحم سواء في ذلك السباع و غيره، فهل يختصّ المنع بخصوص ما إذا كان له نفس سائلة كما استظهرنا ذلك في مانعية الميتة، أو يعمّ المنع لكلّ حيوان و إن لم يكن له نفس سائلة؟ مقتضى إطلاقات أدلّة الباب هو عموم المنع لكلّ حيوان.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

237

و لا يقاس المقام بما تقدّم في الميتة، فإنّ في باب الميتة حيث إنّ ما دلّ على المنع عنها إنّما كان غالبا جوابا عمّا فرضه السائل من الجلود و الفراء و غيره، و لم يعهد أخذ مثل ذلك ممّا لا نفس له، فكان المنع عنها منصرفا إلى ذلك، لأنّ نجاسة الميتة هي التي كانت مرتكزة في الأذهان، و ذلك هو الذي أوجب السؤال عن المشكوك أخذه من الميتة، فالمنع عن الميتة مقصور بالميتة النجسة و هي التي تكون لها نفس سائلة.

و هذا بخلاف المقام فإنّ قوله (عليه السلام) في صحيح ابن بكير «إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله (1) .. إلخ» عامّ يشمل كلّ حيوان محرّم الأكل و إن لم يكن له نفس سائلة، و كذلك قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) لعليّ في وصيّته «لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه» (2) يعمّ كلّ حيوان.

و دعوى انصراف ذلك إلى خصوص ما كان له نفس سائلة ممّا لا شاهد عليها، خصوصا في قوله «كلّ شي‌ء حرام أكله» كما في الصحيحة، فإنّ لفظة «كلّ» موضوعة للعموم فيعمّ جميع أصناف الحيوانات.

فإن قلت: نعم و إن كان لفظة «كلّ» عامّ للجميع إلّا أنّ قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» يوجب تخصيص ذلك العموم بما إذا كان تذكيته بالذبح، و ذلك مقصور بما إذا كان للحيوان نفس سائلة، بداهة أنّ تذكية ما لا نفس له ليس بالذبح.

قلت: ذلك لا يصلح للتخصيص، فإنّ المقسم في قوله (عليه السلام) «ذكّاه الذابح أو لم يذكّه» هو الحيوان القابل للتذكية بالذبح و عدمه، فما لا نفس له‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 6.

238

خارج عن المقسم و غير متعرّض له في هذا التقسيم، إلّا أنّ ذلك لا يوجب خروجه عن عموم قوله (عليه السلام) «و كلّ شي‌ء حرام أكله».

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الذبح في الرواية إنّما يكون كناية عن مطلق ما يتحقّق به التذكية لا خصوص فري الأوداج، و إنّما كان التعبير بالذبح لأنّ غالب ما يتحقّق به التذكية هو الذبح، و حينئذ يصير المعنى أنّ كلّ ما حرم أكله فالصلاة فيه فاسدة سواء ذكّي بما يذكّى به أو لم يذكّ و حينئذ يعمّ ما لا نفس له لأنّ ما لا نفس له له تذكية، غايته أنّ تذكيته ليس بالذبح بل بالخروج من الماء مثلا كما في السمك. و الحاصل: أنّ مقتضى العموم هو عموم المنع لكلّ حيوان.

و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه استثناء خصوص الخزّ مع كونه ممّا لا نفس له، بناء على ما ذكره الشهيد- (قدّس سرّه)- من أنّ الحيوانات البحرية كلّها ممّا لا نفس لها إلّا التمساح، و حينئذ يكون استثناء الخزّ مع كونه بحريّا لا نفس له دليلا على عموم المنع لكلّ حيوان، فتأمّل جيّدا.

نعم لا يعمّ ما كان غير قابل للأكل لعدم لحم فيه كالقمل و البراغيث و الزنبور و أمثال ذلك، فإنّ الموضوع في غالب الأدلّة هو ما لا يؤكل لحمه، فما لا لحم له خارج عنها، و ما في بعض الأدلّة من التعبير بحرمة الأكل كما في صحيح ابن بكير (1) فالمراد منه أيضا ما حرم أكل لحمه لانصرافه إلى ذلك، بل ربّما يستدلّ على الجواز بالسيرة القطعية و غير ذلك كما لا يخفى على المتتبّع، فالظاهر خروج ما لا لحم له عن عنوان الأدلّة.

كما أنّ الظاهر خروج الإنسان عنه أيضا لانصرافه إلى غير الإنسان، فلا بأس بالصلاة مصاحبا لشعر الإنسان و ريقه، و يدلّ على ذلك ما في الصحيح كتبت إلى‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

239

أبي الحسن (عليه السلام) هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه؟ فوقّع بالجواز (1). و كذلك يدلّ على ذلك ما ورد من جواز وصل المرأة شعر غيرها بشعرها.

فالأقوى أنّ الإنسان خارج عن عنوان الأدلّة، و عليه لو فرض نسج ثوب من شعر الإنسان فلا بأس بلبسه و الصلاة فيه.

ثمّ إنّ في عموم المنع لما كان محرّم الأكل بالعارض كالموطوء و الجلال يأتي الإشارة إليه.

هذا كلّه في الحيوان الذي يتّخذ منه اللّباس و غيره، و قد عرفت مقدار المانعية من حيث عموم الحكم لكلّ حيوان محرّم الأكل و عدم العموم.

بقي الكلام في مقدار المانعية من حيث ما يتّخذ من الحيوان من اللّباس و غيره فنقول:

لا إشكال في عموم المنع لكلّ لباس تتمّ الصلاة فيه سواء كان ساترا أو لم يكن، فلو كانت جبّته الملبوسة فوق الساتر متّخذة من غير المأكول فالصلاة فيها فاسدة. و بالجملة: لا كلام في عموم الحكم لكلّ ما تتمّ الصلاة فيه، إنّما الكلام في عموم الحكم لما لا تتمّ الصلاة فيه كالتكّة و الجورب و القلنسوة.

و مقتضى صحيحة ابن بكير (2) هو عموم المنع لذلك أيضا، فإنّ قوله (عليه السلام) «و كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره .. إلخ» بإطلاقه شامل لما لا تتمّ الصلاة فيه بعد صدق كونه صلّى فيه.

مضافا إلى ما ورد في خصوص الجورب و التكّة من المنع إذا كانت من وبر‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 277 باب 18 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

240

ابن بكير على ما لا يتأتى فيه الظرفية الحقيقية من ذكر الروث و اللّبن، بداهة أنّ الروث و اللّبن سواء كان في ثوب المصلّي أو بدنه لا يكون إلّا كون الصلاة معه لا فيه، مع أنّ الإمام (عليه السلام) جعل مساق الروث و اللّبن مساق اللّباس و عبّر في الجميع بكلمة «في».

و من هنا التجأ بعض الأعلام إلى جعل كلمة «في» بمعنى المصاحبة و المعية، و على ذلك بنى عدم جواز الصلاة في الشعر الملقاة و في المحمول.

و ردّه في الجواهر (1) بما حاصله: أنّ مجرّد ثبوت الروث و اللّبن في الرواية لا يوجب رفع اليد عمّا يقتضيه ظاهر كلمة «في» من الظرفية و جعلها بمعنى «مع» في جميع ما ذكر في الرواية من الوبر و الشعر و الجلد، إذ جعل كلمة «في» بمعنى «مع» في مثل هذه الأمور بلا موجب، لإمكان تحقّق معنى الظرفية فيها كالصلاة في الثوب المعمول من الوبر أو الشعر أو الجلد، غايته أنّ في خصوص الروث و اللّبن لا بدّ من التصرّف بعد عدم إمكان إبقاء كلمة «في» بمعناها من الظرفيّة فيهما لعدم تحقّق معنى الظرفية في ذلك.

و التصرّف كما يكون بجعل كلمة «في» بمعنى «مع» كذلك يمكن أن يكون المراد من الصلاة في اللّبن و الروث الصلاة في الثوب المتلطّخ بهما، فتكون كلمة «في» بمعناها من الظرفية في جميع ما ذكر في الرواية، غايته أنّ في خصوص اللّبن و الروث يحتاج إلى تجوّز في الكلام، و من هنا استشكل في الجواهر (2) في مانعية الشعر الملقاة و في المحمول، لعدم شمول الأدلّة لهما بعد عدم جريان الظرفية فيهما، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا يمكن المساعدة على ما في الجواهر (3) من إبقاء كلمة‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 8 ص 77.

(2) جواهر الكلام: ج 8 ص 79.

(3) جواهر الكلام: ج 8 ص 77.

241

الأرانب، كما في خبر عليّ بن مهزيار كتب إليه إبراهيم بن عقبة عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة و لا تقية؟ فكتب: لا تجوز الصلاة فيها (1). و من المعلوم أنّه لا فرق بين وبر الأرانب و غيرها و لا بين التكّة و القلنسوة، فالأقوى عموم المنع.

و ما في خبر ابن عبد الجبّار (2) من جواز الصلاة في القلنسوة و التكّة إذا كانت من وبر الأرانب فلا بدّ من حمله على التقية أو طرحه، لعدم مقاومته للأدلّة الدالّة بالإطلاق و بالخصوص على عموم المنع.

بل ذكر شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- أنّ في نفس خبر ابن عبد الجبّار ما يظهر منه أنّ الحكم كان لأجل التقية، فإنّ فيه قال: كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) هل يصلي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكّة حرير أو تكّة من وبر الأرانب؟

فكتب (عليه السلام): لا تجوز الصلاة في الحرير المحض و إن كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه. فإنّ نسبة التذكية إلى نفس الوبر يشعر (3) بالتقية، فتأمّل فإنّ في الأشعار ما لا يخفى، و على أيّ حال الأقوى ما عليه المعظم من عموم الحكم.

بقي الكلام في الشعر الملقاة على لباس المصلّي أو بدنه و في حكم المحمول. أمّا الشعر الملقاة فالظاهر أيضا عدم جواز الصلاة معها، و ذلك لأنّ كلمة «في» الواقعة في أخبار الباب و إن كانت ظاهرة في الظرفية على نحو تكون الصلاة واقعة في الشي‌ء نحو ثبوت الشي‌ء في المكان أو الزمان، و هذا المعنى من الظرفية مفقود في الشعر الملقاة على الثوب أو البدن، لعدم كون الصلاة واقعة فيه بل معه، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عمّا يقتضيه الظاهر الأولي من الظرفية، من جهة اشتمال موثّقة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 258 باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

(3) لأنّ الوبر ليس ممّا تحلّه الحياة حتى يعتبر فيه التذكية «منه».

242

«في» في غير الروث و اللّبن على معناها الأولي من الظرفية الحقيقية، و التجوّز في خصوص اللّبن و الروث بعد ما ذكر الجميع في الرواية على مساق واحد، كما لا يمكن المساعدة على ما أفاده بعض الأعلام من جعل كلمة «في» بمعنى «مع» لأنّه خروج عمّا تقتضيه كلمة «في» بلا موجب.

فالأولى إبقاء كلمة «في» على معناها من الظرفية، و لكنّ ذكر الروث و اللّبن في الرواية يكون قرينة على أنّ المراد من الظرفية ليس هو معناها الأولي الظاهر من كلمة «في» من ثبوت الشي‌ء في المكان أو الزمان، بل المراد منها معنى أوسع من ذلك بحيث يشمل مثل اللّبن و الروث الواقع على بدن المصلّي أو لباسه و يصدق أنّه صلّى فيهما و لو بنحو من التوسعة في الظرفية.

و هذا المعنى من التوسعة موجود في الشعر الملقاة على لباس المصلّي بل على بدنه، بل و كذا المحمول إذا كان مع المصلّي بلا واسطة وعاء كما إذا كان في جيب المصلّي، و أمّا لو كان في وعاء كما إذا فرض جعل بعض أجزاء ما لا يؤكل لحمه في قارورة أو وعاء آخر و كانت القارورة مع المصلّي فصدق الظرفية على مثل هذا المحمول مشكل.

و حاصل الكلام: أنّ أدلّة الباب و إن اشتملت على كلمة «في» الظاهرة في الظرفية إلّا أنّه لا محيص عن القول بالتوسعة في الظرفية على نحو يعمّ الشعر الملقاة على اللّباس و البدن و المحمول بلا واسطة، فإنّ في الجميع يصحّ إطلاق (الصلاة فيه) بنحو من التسامح و التوسعة، و الشاهد على ذلك إطلاق الظرفية في مثل الروث و اللّبن الذي لا يكون ذلك إلّا بعد التوسعة في معنى الظرفية.

نعم في المحمول مع الواسطة جميع مراتب الظرفية مفقود، و إنّما الظرفية تكون في الوعاء المشتمل على المحمول، فيقال: صلّى في قارورة فيها عظم ما لا يؤكل مثلا، و لا يقال: صلّى في عظم ما لا يؤكل، و هذا بخلاف ما إذا كان العظم مع‌

243

المصلّي بلا واسطة لصدق الظرفية فيه، و صحّ أن يقال: صلّى في عظم ما لا يؤكل، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في هذا المقام فتأمّل فيه فإنّه لا يخلو عن تأمّل خصوصا في التفرقة بين قسمي المحمول.

و على كلّ حال الظاهر عموم المنع للشعر الملقاة على لباس المصلّي لصدق الظرفية على مثل ذلك كما تقدّم فيشمله الإطلاقات، مضافا إلى خصوص خبر الهمداني كتب إليه: يسقط على ثوبي الوبر و الشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة فكتب: لا تجوز الصلاة فيه (1). و تضعيف الجواهر (2) سنده ممّا لا وجه له بعد ما كان معمولا به.

فإن قلت: إنّ ذلك معارض بما في رواية ابن عبد الجبّار (3) المتقدّمة، فإنّ قوله (عليه السلام) فيها «و إن كان الوبر ذكيّا حلّت الصلاة فيه» جوابا عمّا سأله السائل من التكّة المعمولة من وبر الأرانب و من القلنسوة التي عليها وبر ما لا يؤكل، و المعلوم أنّه لا فرق بين الوبر الملقى على القلنسوة و بين الوبر الملقى على الثوب كمعلومية عدم الفرق بين الوبر و الشعر فيكون معارضا لرواية الهمداني.

قلت: رواية ابن عبد الجبّار قد اشتملت على جزءين (أحدهما) جواز الصلاة في القلنسوة الملقى عليها وبر ما لا يؤكل لحمه (و ثانيهما) جوار الصلاة في التكّة المعمولة من وبر الأرانب. و كلّ من الجزءين له معارض بعد إلقاء الخصوصية عن القلنسوة و الوبر.

أمّا الجزء الأول فهو معارض برواية الهمداني حيث دلّت على المنع عن الصلاة في الشعر الملقاة.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

(2) جواهر الكلام: ج 8 ص 78.

(3) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

244

و أمّا الجزء الثاني فهو معارض برواية ابن مهزيار (1) المتقدّمة، حيث دلّت على المنع عن الصلاة في التكك المعمولة من وبر الأرانب، فيكون المقام نظير العامّ المخصّص بمخصّصين المستوعبين لأفراد العام، و يدور الأمر بين الأخذ بالعام و طرح المخصّصين أو الأخذ بالمخصّصين و طرح العام، و المتعيّن في المقام هو طرح العام، لما تقدّم من عدم عمل المعظم برواية ابن عبد الجبّار (2)، مع أنّ فيها شائبة التقية فتأمّل جيّدا.

بقي الكلام في حكم ما استثناه المعظم من جواز الصلاة في الخزّ و السنجاب.

أمّا السنجاب فقد نسب إلى المشهور استثناؤه لدلالة جملة من الأخبار على جواز الصلاة فيه المعلّلة بعضها بأنّه لا يأكل اللّحم (3). بل ربّما يظهر من بعض الأخبار حلّية أكل لحمه أيضا، كما في رواية ابن أبي حمزة (4) بناء على بعض النسخ من إسقاط كلمة «لا» على ما تقدّم، لكنّ الظاهر عدم ثبوت قول معتدّ به بين الأصحاب في حلّية لحمه و إن قالوا بجواز الصلاة فيه.

و لكن مع ذلك أشكل شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- تبعا لبعض الأصحاب في جواز الصلاة فيه، نظرا إلى ورود بعض الأخبار (5) في المنع عنه، و عدم ثبوت شهر القدماء التي تكون هي العبرة في كسر الأخبار و جبرها في العمل بأخبار المجوّزة، مع احتمال التقية فيها، فتأمّل جيّدا.

و أمّا الخزّ فالظاهر قيام الإجماع على استثنائه وبرا على ما هو المحكي، و إن نقل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 258 باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 273 باب 14 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 2 و 3.

(4) راجع ص 220 من هذا الكتاب.

(5) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 201 باب 4 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

245

الخلاف بالنسبة إلى جلده و لكن خلاف ضعيف لا يعتدّ به، فالأقوى جواز الصلاة في وبره و جلده لدلالة جملة من الأخبار (1) على ذلك من غير معارض.

نعم قال شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- إنّ الظاهر كون هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان غير الخزّ الذي كان يعمل منه الألبسة في عصر الأئمّة (عليهم السلام) و ما تأخّر عنه إلى ما قبل زمان الشهيد- (رحمه اللّٰه)- فإنّ الخزّ الذي كان في ذلك العصر كان ينسج من وبره الألبسة الفاخرة التي كانت تباع بأغلى القيم، و هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان ممّا لا يمكن أن يعمل من نفس وبره منفصلا عن جلده شي‌ء أصلا و ما في الجواهر (2) من التمسّك على اتّحاد هذا الخزّ للخزّ السابق بأصالة عدم النقل منظور فيه، لأنّه إن أريد من أصالة العدم أصالة عدم نقل معنى ذلك الخزّ الذي كان في السابق فهو ممّا لا يثبت كون هذا الخزّ الموجود في هذا الزمان هو ذلك الخزّ، و إن أريد من أصالة عدم النقل على نحو القهقراء فهو ليس بحجّة عندنا. و بناء على هذا يشكل الصلاة في هذا الخزّ إن ثبت كونه من محرّم الأكل، و إلّا فالجواز مبني على الجواز في المشكوك كما لا يخفى.

ثمّ إنّه يعتبر في الخزّ- بناء على جواز الصلاة فيه- أن يكون خالصا، فلا يجوز في المغشوش منه بوبر الأرانب و الثعالب و غير ذلك ممّا لا يجوز الصلاة فيه منفردا.

نعم في تعيين معنى الخلوص و أنّه هل هو عبارة عن عدم خلطه بشي‌ء مطلقا و لو كان الغشّ قليلا جدّا بحيث لا يراه العرف غشّا، أو أنّه ليس الأمر كذلك فلا بأس بالغشّ القليل الذي لا يراه العرف غشّا، وجهان مبنيّان على أنّ الخلوص هل هو عند العرف معنى يجامع الغشّ القليل جدّا بحيث لا ينافي ذلك مع ما هو حقيقة معناه المرتكز في ذهن العرف، نظير مفهوم الماء الصادق حقيقة بما له‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 260 باب 8 من أبواب لباس المصلّي

(2) جواهر الكلام: ج 8 ص 91.

246

من المعنى على الماء المغشوش بقليل من التراب، أو أنّ الخلوص هو عبارة عن الخلوص الحقيقي بمعناه الساذج الخالص من كلّ شي‌ء، و أنّ إطلاق العرف الخالص على ما كان الغشّ قليلا من باب التسامح من حيث إنّ الغشّ لا يراه غشّا، نظير الزيادة و النقيصة القليلة في التحديدات كالكرّ مثلا.

فإن كان الخلوص هو المعنى الأول فلا ينافيه الغشّ القليل، و إن كان المعنى الثاني فالغشّ القليل ينافيه، و أنّه لا عبرة بتسامح العرف و إطلاق الخالص عليه، كما لا عبرة بإطلاق الكرّ على ما نقص منه قليلا، و حيث قلنا بأنّ هذا الخزّ غير الخزّ المستثنى في الأخبار فلا طائل في تنقيح معنى الخلوص و أنّ أيّ المعنيين صحيح، فإنّه لا موضوع لهذا البحث حينئذ فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّه ربّما استثنى بعض تبعا لبعض الأخبار (1) الحواصل و السمور و الفنك، و لكنّ الظاهر ذهاب المشهور على خلافه و معارضة أخبار المجوّزة لصراحة جملة من الأخبار الدالّة على المنع، فلا بدّ من حمل أخبار الجواز على التقية.

الأمر الثالث: في تحقيق الحال في شرطية المأكولية أو مانعية غير المأكولية

، و ينبغي أولا من تمهيد مقدّمة ربّما يظهر منها فساد بعض ما قيل في المقام، و هي أنّه قد حقّق في محلّه من أنّ الشرطية و الجزئية و المانعية و السببية غير قابلة لأن تنالها بأنفسها يد الجعل، سواء في ذلك شرطية التكليف أو شرطية المكلّف به [1].

____________

[1] و كذلك شرطية الوضع كما في باب العقود و الإيقاعات، و كذلك في باب الطهارة و النجاسة و أمثال ذلك، و بالجملة: المدّعى هو أنّ الشرطية و الجزئية و المانعية و السببية غير قابلة للجعل في أي باب من الأبواب، سواء كان في باب التكليف أو في باب المتعلّق و المكلّف به أو في باب الوضع، لأنّ ملاك استحالة الجعل في الجميع واحد كما

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 254 باب 4 من أبواب لباس المصلّي.

247

و السرّ في ذلك واضح، فإنّ ما هو فعل الآمر و الصادر عنه في مقام التشريع ليس إلّا تصوّر عدّة أمور تكون موافقة لغرضه و قيام المصلحة بها، و بعد ذلك يجمعها في قالب الطلب و ينشئها على طبق ما تصوّره، فعند ذلك ينتزع من القيود الوجودية الجزئية و الشرطية على اختلاف بينهما في كيفية الاعتبار من جعل الشي‌ء داخلا في الماهية بحيث يتألّف منه و من غيره المركّب فيكون جزء، و من جعله خارجا عنها على نحو التقيّد داخل و القيد خارج فيكون شرطا، و ينتزع من القيود العدمية المانعية، و إلّا فنفس الشرطية و المانعية و الجزئية ليس لها ما بحذاء في وعاء، و ليس لها ثبوت و تحقّق لا في عالم التكوين و لا في عالم الاعتبار و التشريع.

بل تكون الشرطية و أخواتها أسوأ حالا من وجوب المقدّمة اللازم من وجوب ذيها، فإنّ وجوب المقدّمة أمر ثابت في عالم الاعتبار و متصوّر في عالم التشريع و تتعلّق بها إرادة آمرية، غاية الأمر إرادة تبعية تترشح من إرادة ذيها و خطابها لازم خطاب ذيها، و هذا بخلاف الشرطية و ما شابهها فإنّها أمور انتزاعية صرفة غير متأصّلة في عالم الاعتبار، و غير متعلّقة لإرادة أصلا و لو بإرادة تبعية، و ليس لها نحو ثبوت و تحقّق لا في عالم التصوّر السابق على الجعل و لا في عالم الجعل و الإنشاء، لما عرفت من أنّ الثابت في عالم التصوّر ليس إلّا لحاظ أمور متعدّدة متباينة يجمعها قيام المصلحة بها و موافقتها للغرض، ثمّ بعد ذلك. يجعلها في معرض الإنشاء و قالب الطلب.

ففي عالم التصوّر لم يتصوّر إلّا ذات الشرط و الجزء من حيث دخله في الغرض و نفس المانع من حيث منعه عنه، لا شرطية الشرط و جزئية الجزء و مانعية المانع، فإنها لم يقع التصوّر عليها و لم تدخل في عالم اللّحاظ، بل المتصوّر و الملحوظ هو‌

____________

لا يخفى وجهه، فتأمّل جيّدا «منه».

248

ذوات هذه الأشياء، و عند ذلك تنتزع الشرطية و الجزئية و المانعية عن المتصوّر، ففي عالم التصوّر ليس لهذه الأشياء ما بحذاء و لم يكن لها تحقّق، فإذا لم يكن لها في عالم التصوّر نحو ثبوت و تحقّق ففي عالم الجعل و الإنشاء تكون أيضا كذلك، بداهة أنّ الجعل و الإنشاء إنّما يكون على طبق المتصوّر، و لا يعقل أن يتحقّق في عالم الجعل شي‌ء ليس له تحقّق في عالم التصوّر، ففي عالم الجعل أيضا ليس للشرطية و أخواتها نحو ثبوت و تحقّق فلا يتعلّق بها جعل، بل لو فرض أنّ بعد الجعل ألف مرّة قال: جعلت هذا الشي‌ء جزء للمجعول أو شرطا له فهو غير قابل لأن يصير جزء أو شرطا له إلّا بالنسخ و تغيير المجعول عمّا جعل، و ذلك واضح إلى النهاية فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

ثمّ إنّه قد عرفت أنّ منشأ انتزاع الشرطية غير منشأ انتزاع المانعية، فإنّ منشأ انتزاع الشرطية إنّما هو تعلّق الطلب بالخصوصية الوجودية التي لها دخل في تحقّق الملاك، و هذا بخلاف منشأ انتزاع المانعية فإنّه ليس هو إلّا عبارة عن اعتبار عدمه في المتعلّق من جهة مضادّة وجوده لتحقّق الملاك.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في إمكان الجمع في الجعل بين ما هو منشأ انتزاع شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر، بحيث يكون وجود أحد الضدّين شرطا و الآخر مانعا، فنقول:

الظاهر عدم إمكان ذلك، و أنّه من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدّين دخل في الملاك و المصلحة مع مانعية الضدّ الآخر عن تحقّق الملاك، و كذلك من المستحيل أيضا جعل أحد الضدّين شرطا و الآخر مانعا، و كذلك من المستحيل أيضا ثبوت أثر و تحقّق فائدة في الجمع بين شرطية أحدهما و مانعية الآخر، فالجمع بينهما من المستحيل في جميع هذه العوالم الثلاثة من عالم الملاك و الجعل و الأثر.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في تقدّم رتبة الشرط على وجود المانع كتقدّم‌

249

رتبة المقتضي على وجود الشرط، فإنّ المانع هو الذي يزاحم المقتضي في تأثيره و يصادم أثره، فرتبة وجود المانع متأخّر عن وجود المقتضي، إذ مع عدم المقتضي لا معنى لمانعية المانع و كان وجوده كعدمه، و لا يستند عدم الشي‌ء إلى وجود المانع بل يستند إلى عدم وجود مقتضيه، لأنّ انتفاء الشي‌ء إنّما يكون بانتفاء أول جزء علّته و ليس هو إلّا المقتضي، فمع عدم المقتضي لا معنى لإطلاق المانع على الشي‌ء كما يشاهد ذلك بالوجدان، فإنّ مع عدم وجود النار في المكان المقتضية للإحراق لا يصحّ إطلاق المانع على البلل الموجود في المكان إلّا على نحو التعليق و الاشتراط، و ذلك بمكان من الوضوح لا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

فإذا ثبت تأخّر رتبة وجود المانع عن وجود المقتضي فلا محالة يكون رتبة وجوده متأخّرا عن رتبة وجود ما هو شرط لتأثير المقتضي، لما عرفت من أنّ المانع هو ما صادم تأثير المقتضي و زاحم رشحه و إفاضته الوجود لمعلوله، فلا بدّ أولا من وجود المقتضي بما له من الشرائط المعتبرة في تأثيره حتّى تصل النوبة إلى المانع، و إلّا فمع عدم وجود الشرط لا يستند عدم الشي‌ء إلّا إلى عدم شرطه لا على وجود مانعة، فإنّ المانع- كان أو لم يكن- وجوده و عدمه سيّان بعد عدم وجود ما هو الشرط لتأثير المقتضي، كما هو واضح أيضا إلى الغاية.

و إذا ظهر تأخّر رتبة وجود المانع عن رتبة وجود الشرط فلا محالة يكون رتبة عدم المانع متأخرا أيضا عن وجود الشرط، لأنّ عدم المانع هو القيد الأخير لوجود العلّة التامّة المستتبعة لوجود المعلول، فلا محالة يكون متأخّرا في الرتبة عن وجود المقتضي و الشرط كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: بعد ما كان الشرط في العلل التكوينية مقدّما في الرتبة عن المانع، كان الشرط الشرعي من حيث دخله في الملاك و كشفه عن المصلحة- بناء على أصول العدلية- مقدما في الرتبة عن دخل عدم المانع في الملاك‌

250

و ما هو مصلحة الحكم، و ذلك لأنّ دخل الشروط و عدم الموانع الشرعية في الملاكات إنّما هو من الأمور الواقعية التكوينية، و لا يكون ذلك بتصرّف شرعي و جعل مولوي، بداهة أنّ مدخلية شي‌ء في الملاك و تسبّب الملاك عنه أو عدم التسبّب من الأمور الواقعية التكوينية و قد كشف الشارع عنه.

فإذا كان مدخلية الشروط و عدم الموانع الشرعية في الملاكات من الأمور الواقعية التكوينية، كان من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدّين دخل في تحقّق الملاك و شرط لثبوته، مع مدخلية عدم الضدّ الآخر في ثبوت الملاك أيضا بحيث يكون وجوده مانعا، بداهة أنّه عند وجوده لا يكون عدم الملاك مستندا إليه حتّى يكون مانعا، لأنّ وجوده مساوق لعدم الضدّ الآخر لاستحالة اجتماع الضدّين في الوجود، فإذا ساوق وجوده لعدم الآخر المفروض شرطيته في الملاك كان عدم الملاك مستندا إلى عدم شرطه لا إلى وجود هذا الضدّ المفروض مانعيته، لما تقدّم من تقدّم رتبة الشرط على وجود المانع، فإذا لم يكن عدم الملاك مستندا إلى وجوده لم يكن لعدمه دخل في الملاك و هو المطلوب.

و حاصل الكلام: أنّه حيث كان وجود أحد الضدّين دائما مساوقا لعدم الآخر فلا يعقل أن يكون وجود أحد الضدّين شرطا في تحقّق الملاك مع كون الضدّ الآخر مانعا عنه، لأنّه عند وجود الضدّ المفروض كونه مانعا لا يكون عدم تحقّق الملاك من أجل وجوده و مستندا إليه، بل يكون من أجل انعدام الضدّ الآخر الذي يكون وجوده شرطا في الملاك السابق وجوده في الرتبة عن وجود المانع كما تقدّم، فلا يصلح أن يكون وجود هذا الضدّ مانعا، فلا يكون لعدمه دخل في الملاك كما لا يخفى. فظهر استحالة اجتماع شرطية أحد الضدّين مع مانعية الآخر في الملاك و المصلحة المبتنية عليها الأحكام.

و أمّا استحالة اجتماعهما في الجعل فمضافا إلى لزوم خلوّ أحد الجعلين عن‌

251

الملاك، و هو مناف للأصول العدلية من تبعية الأحكام للملاكات، يلزم لغوية جعل المانع.

بل يكون من باب تحصيل الحاصل، لأنّه بنفس جعل أحد الضدّين شرطا يكون الآخر مانعا، فهو منجعل قهرا لاستحالة اجتماع الضدّين في الوجود، فلا يعقل استقلال الجعل بالنسبة إلى كلّ منهما، لأنّ جعل المانع بعد جعل شرطية أحد الضدّين يكون من قبيل جعل ما هو حاصل، لما عرفت من أنّ مانعية الضدّ و تقيّد المطلوب بعدمه لازم جعل شرطية الضدّ الآخر، و حيث كان وجود الشرط مقدّما في الرتبة على وجود المانع- كما تقدّم- فلا محالة يكون تصوّر الشرط في مقام الجعل مقدّما على جعل المانع، فيكون رتبة جعل الشرط سابقة عن جعل المانع، و إذا كان الأمر كذلك يكون جعل مانعية أحد الضدّين بعد جعل شرطية الآخر تحصيلا للحاصل، لأنّه منجعل بنفس جعل شرطية الضدّ الآخر السابق في الرتبة عليه كما لا يخفى.

و أمّا استحالة اجتماعهما في الأثر فهو أيضا أوضح من أن يخفى، لأنّه بعد جعل شرطية أحد الضدّين لا يعقل أن يترتّب أثر عملي على جعل مانعية الآخر، لأنّ وجود أحد الضدّين دائما ملازم مع عدم الآخر، و عليه يكون الانبعاث عن الجعل المتكفّل لشرطية أحد الضدّين هو بنفسه انبعاثا عن إيجاد الضدّ الآخر المفروض مانعيّته، كما أنّ عصيان خطاب الشرط يكون باتحاد ضدّه.

و الحاصل: أنّه لا يترتّب بعد جعل أحد الضدّين شرطا أثر عملي من إطاعة و عصيان على جعل مانعية الضدّ الآخر، لأنّ إطاعته و عصيانه إنّما هو بإطاعة و عصيان الشرط السابق رتبة عليه، و الأثر المترتّب على الجعل ليس إلّا الإطاعة و العصيان، فإذا انتفيا انتفى الجعل كما هو واضح.

و إذا ظهر لك استحالة الجمع بين شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر ملاكا‌

252

و خطابا و أثرا بما لا مزيد عليه، فلو قام هناك دليل على شرطية أحد الضدّين، و قام دليل آخر على مانعية الضدّ الآخر، كان الدليلان متعارضين و لا بدّ من إعمال باب المعارضة عليهما، فإنّ الضابط في باب التعارض هو التنافي و امتناع ثبوت مدلولي الدليلين في نفس الأمر، سواء كان ذلك من أجل مناقضة نفس الدليلين كما في أكرم زيدا و لا تكرم زيدا، أو كان من أجل قيام الإجماع و الضرورة على وحدة المجعول في الواقع، مع أنّ كلّا من الدليلين متكفّل لجعل مغاير لما تكفّله الآخر من الجعل، كما في مسألة وجوب صلاة الظهر و الجمعة، فإنّه مع قطع النظر عن الإجماع الخارجي القائم على وحدة الفريضة في يوم الجمعة لم يكن بين الدليلين تعارض، بل كان اللازم الأخذ بكلا مدلوليهما من وجوب الظهر و الجمعة، و لكن بعد قيام الإجماع على ذلك يعامل مع كلّ من الدليلين معاملة التعارض، أو كان من أجل استحالة أن تنالهما معا يد الجعل، كما فيما نحن فيه من شرطية أحد الضدّين و مانعية الآخر، فإنّ في جميع هذه الأقسام الثلاثة يعامل مع الدليلين معاملة التعارض.

فظهر فساد ما ربّما ينسب إلى بعض من عدم معاملة التعارض مع الدليلين الدالّ أحدهما على شرطية أحد الضدّين و الآخر على مانعية الضدّ الآخر، بل لا بدّ من الأخذ بكلّ منهما.

وجه الفساد واضح بعد ما عرفت من استحالة الجمع بينهما، و عليه لا محيص من معاملة التعارض مع مثل هذين الدليلين.

إذا عرفت ذلك كلّه فلا بدّ حينئذ من ملاحظة أدلّة الباب، و ما يستفاد منها من شرطية المأكولية للصلاة أو مانعية الغير المأكولية، فنقول: إنّ أخبار الباب على طوائف.

منها: ما تضمّن النهي عن الصلاة في غير المأكول، و هي عدّة من الأخبار ربّما‌

253

تصل حدّ الاستفاضة، كما يظهر للناظر في أدلّة الباب من الأدلّة العامّة و الخاصّة الواردة في المنع عن الصلاة في مثل الثعالب و الأرانب و السمور و الفنك و غيرها.

و ظهور هذه الطائفة في مانعية غير المأكول ممّا لا يكاد يخفى، لما عرفت من أنّ منشأ انتزاع المانعية إنّما هو النواهي الغيرية الدالّة على تقيّد المطلوب بعدم تخصّصه بالخصوصية الكذائية من غير المأكول و الحرير و أمثال ذلك.

و منها: ما تضمّن عدم جواز الصلاة في غير المأكول، كما في خبر الهمداني (1) المتقدّم. و هذه الطائفة أيضا كسابقها في الدلالة على المانعية كما لا يخفى، لأنّ المراد من الجواز و عدم الجواز في أخبار الباب ليس هو الجواز و عدم الجواز التكليفي، بل المراد الوضعي منه المساوق لعدم ترتّب الأثر و عدم المضي، في مقابل الجواز بمعنى المضي و ترتب الأثر، و ظاهر أنّ عدم ترتّب الأثر و عدم المضي للصلاة الواقعة في غير المأكول إنّما هو من جهة خروج الفرد المتخصّص به عن صلاحية الانطباق على المطلوب، و ليس ذلك إلّا من جهة مانعية غير المأكول عن انطباق المتخصّص به على المطلوب.

و منها: ما دلّ على فساد الصلاة الواقعة في غير المأكول، و هي أيضا ظاهرة في المانعية، لأنّ الفساد أيضا عبارة عن عدم انطباقه على المطلوب و هو معنى المانعية كما تقدّم.

و منها: بعض التعليلات الواردة في الباب من أكثرية المسوخ و آكلية اللّحم، و هذا أيضا يدلّ على المانعية، لأنّ التعليل بذلك يدلّ على أنّ المنع عن غير المأكول لملاك مسوخية الأكثر أو آكلية اللّحم، فهو تعليل بما هو ملاك المنع.

و بالجملة: هذه الطوائف كلّها يدلّ على المانعية، و لم نعثر في أدلّة الباب على‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 4.

254

ما يدلّ على الشرطية، سوى ما قيل من ظهور روايتي ابن أبي حمزة (1) و ابن بكير (2) في شرطية المأكول.

قال في الأولى: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال: لا تصلّ فيها إلّا فيما كان منه ذكيّا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه، قلت: و ما يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللّحم، و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب. و في نسخة: و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لا بأس .. (3) إلخ.

و هذه الرواية قد استدلّ بها من قال بالشرطية، و لكنّ الاستدلال بها على الشرطية يتوقّف على أن يكون ما بعد «بلى» و هو قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» راجعا إلى صدر الرواية و هو قوله «إلّا فيما كان منه ذكيّا» و يكون قيدا له، فيصير المعنى حينئذ لا تصلّ إلّا في الذكي ممّا يؤكل لحمه، و يستفاد منه الشرطية من جهة تعلّق الطلب بأمر وجودي [1].

و أمّا لو كان ما بعد «بلى» من تتمّة الجواب عن قول السائل «أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد» فتكون الرواية حينئذ أجنبية عن الدلالة على شرطية المأكول، لأنّه- بناء على هذا- يكون من قوله «قلت أو ليس الذكي ما ذكّي ..

إلخ» جملة مستأنفة مشتملة على سؤال و جواب أجنبي عن باب الصلاة، فكأنّ‌

____________

[1] و هذا أيضا لا يدلّ على شرطية المأكولية بقول مطلق، بل غايته انّه يدلّ على شرطية المأكولية فيما يعتبر فيه التذكية كالجلد و غيره ممّا تحلّه الحياة، لا مثل الوبر و الشعر و غير ذلك ممّا لا تحلّه الحياة فتأمّل «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(3) التهذيب: ج 2 ص 203 باب 11، ح 797.