كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
255

السائل بعد ما سمع جواب الإمام (عليه السلام) عن مسألة الصلاة في الفراء من أنّه يجوز الصلاة فيها إذا كانت ذكية، أراد أن يعلم الذكي فسأل و قال «أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد» فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنّه ليس مجرّد تذكية الحيوان بالحديد يكون ذكيّا، بل يعتبر أن يكون الحيوان الذي يرد عليه التذكية ممّا يؤكل لحمه.

و بهذا استدلّ من قال بعدم قبول غير مأكول اللّحم للتذكية، و عليه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الذيل لمعارضته لعدّة من الأخبار الصريحة الصحيحة الدالّة على قبول غير مأكول اللّحم للتذكية.

و بالجملة: لو كان قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» من تتمّة الجواب عن السؤال الثاني فتكون الرواية بمعزل عن الدلالة على شرطية المأكولية، و إنّما هو أمر آخر لا بدّ من رفع اليد عنه بما دلّ على قبول المسوخ و غيره للتذكية، و يكون الجواب عن السؤال الأول مجرّد قوله (عليه السلام) «لا تصل فيها إلّا فيما كان منه ذكيّا» و هذا لا يدلّ على شرطية المأكولية، بل أقصاه أنّه يدلّ على اشتراط التذكية في لباس المصلّي إذا كان بما يعتبر فيه التذكية كالجلد و أمثاله ممّا تحلّه الحياة، لا مثل الوبر، و الشعر ممّا لا يعتبر فيه التذكية.

و الظاهر أن يكون قوله «إذا كان ممّا يؤكل لحمه» من تتمّة الجواب عن السؤال الثاني لا تقييدا للجواب الأول، لأنّ الفصل بين الجواب الأول و قيده بسؤال و جواب أجنبي بعيد غايته.

اللّٰهم إلّا أنّ يقال: إنّ ما دلّ على قبول محلّل الأكل من المسوخ و غيره يكون قرينة على رجوع ما بعد «بلى» إلى تقييد الجواب الأول، فتأمّل فإنّ أقصاه على اعتبار المأكولية في خصوص ما تحلّه الحياة كما ذكرناه في الهامش.

ثمّ إنّ هذا كلّه مع قطع النظر عمّا في ذيل الرواية، فإنّه بناء على ما في بعض‌

256

النسخ (1) من ثبوت كلمة «لا» في قول السائل «و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم» يكون نفس الذيل دليلا على مانعية غير المأكول، فإنّ قوله (عليه السلام) في آخر الرواية «و ليس هو ممّا نهى عنه رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب» يكون أقوى شاهدا على أنّ الأصل في باب الصلاة هو نهي النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن غير المأكول، فتكون المانعية هو الأصل في هذا الباب، و يكون التعبير في الصدر بالمأكولية من باب صحّة التعبير على اعتبار انتفاء أحد الضدّين بوجود الضدّ الآخر، من دون أن يكون خصوصية لوجوده حتّى يستفاد منه الشرطية.

نعم بناء على خلوّ السؤال عن كلمة «لا» يكون الذيل أيضا أجنبيّا عن باب الصلاة كما تقدّم.

فالإنصاف أنّ استفادة الشرطية من هذه الرواية في غاية الإشكال، و على تقدير الاستفادة فلا يمكن مقاومتها مع الأدلّة العامّة و الخاصّة الدالّة على المانعية، مع ما فيها من الصراحة و التعليل، فتأمّل جيّدا.

و أمّا رواية ابن بكير فهي ما رواه ابن أبي عمير عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه أنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحلّ اللّٰه أكله (2)، الخبر.

و قد استدلّ بهذه الرواية أيضا على شرطية التذكية، حيث يستفاد من قوله‌

____________

(1) راجع ص 237 من هذا الكتاب.

(2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و فيه اختلاف يسير.

257

(عليه السلام) «حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل اللّٰه أكله» توقّف صحّة الصلاة على القيد الوجودي و هو وقوعها في محلّل الأكل.

و لكن يتوقّف الاستدلال بالرواية على الشرطية على جعل الجملة الفعلية و هي قوله «لا تقبل تلك الصلاة» جملة مستأنفة سيقت للتأسيس و بيان حكم مستقلّ، لا للتأكيد و توضيحا لقوله «فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد» بداهة أنّه لو كانت الجملة مسوقة للتأكيد كانت الرواية من جملة الأدلّة الدالّة على المانعية لا الشرطية كما لا يخفى.

و كذا يتوقّف الاستدلال بها على الشرطية على أن تكون الجملة الفعلية ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها في الخارج و قبل صدورها من المكلّف، و أمّا لو كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها، و بيان أنّ الصلاة الواقعة في غير ما أحلّ اللّٰه أكله فاسدة و لا تجزي حتّى يصلّيها في غيره، و يكون قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» بيانا لبعض أفراد الغير الذي يعتبر أن يوقع الصلاة فيه بداهة أنّه للغير أفراد منه القطن و الكتّان و منه ما أحل اللّٰه أكله من أجزاء الحيوان، فإذا كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها فأقصى ما تدلّ عليه الجملة حينئذ هي فساد الصلاة الواقعة في محرّم الأكل و لا بدّ من إعادتها في غيره.

و معلوم أنّه لا يعتبر أن يكون الغير هو خصوص محلّل الأكل، لقيام الضرورة على جواز الصلاة في القطن و الكتّان، فلا بدّ من حمل قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» لبيان بعض أفراد الغير لا أن يكون قيدا لذلك الغير، فإنّه لو كان قيدا لذلك الغير كان ظاهره اعتبار وقوع الصلاة في محلّل الأكل، بحيث لا تجوز الصلاة في غيره قط كما هو الشأن في جميع الشرائط الوجودية للصلاة، فإنّ معنى اعتبار وقوع الصلاة في الطاهر هو عدم جوازها في غيره، و لذا يجب عليه تحصيل الطاهر مهما أمكن، فلو كان قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» قيدا لكان اللّازم هو اعتبار وقوع الصلاة فيه‌

258

بحيث يلزم عليه تحصيله، و هذا مخالف للضرورة بداهة جواز الصلاة في القطن و الكتّان و من هنا كان للقائل بالشرطية الالتزام بأحد الأمرين، إمّا بالالتزام بأنّ ما هو الشرط في الصلاة هو أحد الخصوصيات الوجودية من القطن و الكتّان و المأكول و غيرها، و إمّا بالالتزام بأنّ في خصوص ما إذا كان اللّباس من الحيوان يشترط فيه خصوصية وجودية من كونه من مأكول اللّحم، و يكون جواز الصلاة في القطن و الكتّان من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

و لكن حيث كان الالتزام الأول بلا موجب و لم يقم عليه دليل التزم بعض من قال بالشرطية إلى الثاني، و قال: إنّ الشرط مقصور بما إذا كان اللّباس من أجزاء الحيوان، و يكون الجواز بالنسبة إلى غير ذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع، مع أنّ السلب بانتفاء الموضوع خلاف القضايا المتداولة في العلوم، فإنّ الأصل في السلب أن يكون بانتفاء المحمول، و سيأتي الإشارة إليه في طيّ المباحث الآتية إن شاء اللّٰه.

و بالجملة: السلب بانتفاء الموضوع خلاف الظاهر، و لا يصار إليه إلّا من باب اللابدّية كما في المقام، بناء على قيام الدليل القطعي على شرطية المأكول، إلّا أنّ الشأن في قيام الدليل على ذلك.

و بعد لم يقم في المقام دليل على ذلك، لما عرفت من أنّ دلالة رواية ابن بكير (1) على الشرطية يتوقّف على جعل الجملة الفعلية للتأسّي، و كونها ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها، و كون قوله «ممّا أحلّ اللّٰه أكله» قيدا للغير لا بيانا لأحد أفراده، و في جميع هذه المقدّمات الثلاثة نظر، و على تقدير التسليم فغايته تعارض الصدر مع الذيل، فإن صدر الرواية ظاهر في المانعية و ذيلها ظاهر في الشرطية،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

259

فيتعارضان و تسقط هذه الرواية عن صلاحية التمسّك بها على كلا الطرفين من الشرطية و المانعية، و يبقى في المقام أدلّة المانعية الصريحة المعلّلة سالمة عن المعارض.

فتحصّل: أنّ أدلّة الباب مطبقة على المانعية.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في أنّ المانعية المستفادة من الأدلّة هل هي المانعية المطلقة الواقعية التي لا دخل للعلم و الجهل بها، أو أنّ مانعيّتها مقصورة بصورة العلم بالموضوع؟ و بعبارة أخرى: هل مانعية غير المأكول من الموانع الواقعية، أو من الموانع العلمية كالنجاسة، بحيث لو صلّى في غير المأكول جهلا كانت صلاته واقعا صحيحة، و هذا بخلاف ما لو كانت المانعية واقعية فإنّ مقتضى القاعدة الأولية بطلان الصلاة إلّا أن يقوم دليل على الإجزاء؟

فنقول: ربّما قيل بأنّ المانعية في المقام علميّة لا واقعية،

و أقصى ما يمكن أن يستدلّ به على ذلك أحد أمور:

الأول: هو دعوى أخذ العلم في مداليل الألفاظ وضعا و انصرافا.

و هذه الدعوى بمكان من الغرابة و الفساد، بداهة أنّ لفظ الخمر و الخلّ و المأكول و غير المأكول لم يوضع إلّا لنفس الخمر و الخلّ الواقعي من دون دخل للعلم و الجهل به، و لا وجه لانصرافه إلى المعلوم.

و بالجملة: هذه الدعوى ممّا لا يمكن المساعدة عليها، و كانت في هذا الزمان من الدعاوي المهجورة.

الثاني: دعوى دلالة رواية عبد الرحمن على ذلك

، قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أ يعيد صلاته؟ قال (عليه السلام): إن كان لم يعلم فلا يعيد (1).

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1060 باب 40 من أبواب النجاسات، ح 5.

260

وجه الدلالة هو أنّه لا إشكال في عدم الفرق بين أجزاء غير المأكول من الأجزاء النجسة و غيرها في المانعية، بل مانعية الأجزاء النجسة تكون أشدّ و أولى، فإذا كانت مانعية عذرة الكلب و السنور مقصورة بصورة العلم حسب ما دلّت عليه الرواية حيث حكم الإمام (عليه السلام) فيها بعدم الإعادة عند الجهل، فمانعية غير العذرة من سائر أجزاء السنور و الكلب يكون أولى بقصرها بصورة العلم، هذا.

و لكن لا يخفى عليك أنّ الاستدلال بهذه الرواية على قصر المانعية بصورة العلم يتوقّف على دعوى عدم الفرق بين الصلاة الواقعة في غير المأكول باعتقاد عدم وقوعها فيه أو الغفلة عن ذلك، و بين الصلاة مع الشكّ في المأكولية و عدمها.

و بالجملة: هذه الرواية دلّت على عدم إعادة الصلاة عند وقوعها في غير المأكول جهلا بزعم أنّه من المأكول أو الغفلة عن ذلك، و أين هذا ممّا نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة في المشكوك كونه من المأكول جوازا واقعيّا، بحيث لا يضرّ انكشاف الخلاف لو صلّى فيه و الحال هذه، و يكون من قبيل انقلاب الموضوع إلى موضوع آخر؟

فهذه الرواية أجنبية عمّا نحن فيه، بل لو قلنا فيما نحن فيه بالجواز من جهة اقتضاء الأصول العملية ذلك- كما هو المختار و سيأتي توضيحه- كان الإجزاء عند انكشاف الخلاف بعد الصلاة يحتاج إلى دليل آخر غير هذه الرواية، فإنّ هذه الرواية قد تضمّنت للإجزاء و عدم الإعادة بقيدين (أحدهما) انكشاف الخلاف بعد وقوع الصلاة (ثانيهما) أن يكون إيقاع الصلاة في غير المأكول بزعم أنّه من المأكول.

و ما نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة مع الشكّ في المأكولية قبل الصلاة جوازا واقعيّا يكون كلا القيدين اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، و لو قلنا بالجواز الظاهري حسب ما تقتضيه الأصول العملية مع الشكّ في المأكولية قبل الصلاة،

261

كان عند انكشاف الخلاف القيد الثاني اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، فلا بدّ من التماس دليل آخر يدلّ على الإجزاء و عدم الإعادة عند انكشاف الخلاف، بناء على جواز الصلاة في المشكوك. و هذه الرواية لا تدلّ لا على أصل الجواز في المشكوك، و لا على عدم الإعادة عند انكشاف الخلاف.

فإن قلت: لو كانت الصلاة الواقعة في غير المأكول مع الجهل به مشتملة على المصلحة و ما هو ملاك الحكم، كما يكشف عنه هذه الرواية الدالّة على الإجزاء و عدم الإعادة، فما المانع من إيقاع الصلاة مع الجهل بالمأكولية و لو شكّا، لأنّه على فرض كون المشكوك من غير المأكول واقعا لا يضرّ باشتمال الصلاة على المصلحة و ما هو ملاك الأمر؟ فهذه الرواية دليل على اشتمال الصلاة على المصلحة و إن وقعت في غير المأكول جهلا، من غير فرق بين أقسام الجهل من الغفلة و اعتقاد المأكولية و الشكّ فيها، فإنّ العبرة بعدم العلم بغير المأكولية كما هو مفروض الرواية، و عدم العلم متحقّق في جميع أقسام الجهل.

قلت: نعم هذه الرواية و إن دلّت على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا على المصلحة و الملاك، إلّا أنّ مجرّد اشتمال الصلاة الواقعة امتثالا للأمر الواقعي المتعلّق بها على المصلحة لا يلازم اشتمال الصلاة على المصلحة مع الشكّ في المأكولية قبل فعلها، فإنّه لو قام الدليل على أنّ الشي‌ء الواقع في مرحلة امتثال المأمور به الذي هو متأخّر عن رتبة الأمر و في طوله مشتمل على ما هو مصلحة المأمور به في هذا الحال و بهذا الوصف- أي بوصف وقوعه امتثالا عمّا هو المأمور به- فلا يمكن التعدّي عنه و القول بأنّ ذلك الشي‌ء قبل وقوعه بوصف الامتثال مشتملا على المصلحة.

نعم لو قام دليل آخر على اشتمال الشي‌ء و لو قبل وقوعه بوصف الامتثال على المصلحة لكان الأمر كما ذكر، إلّا أنّ الشأن في قيام الدليل على ذلك، فإنّه‌

262

لم يقم دليل على اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية على الملاك قبل إيقاعها، حتّى يقال بالتخيير بين وقوع الصلاة في المأكول و وقوعها في مشكوك المأكولية.

و بالجملة: هذه الرواية إنّما تدلّ على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا امتثالا لأمرها على المصلحة، و هذا لا يلازم اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية قبل إيقاعها بوصف الامتثال على المصلحة، حتّى يقال بأنّ المانعية في المقام علمية لا واقعية.

الثالث: دعوى اختصاص أدلّة الباب بصورة العلم بغير المأكولية.

و قد نسبت هذه الدعوى إلى المحقق القميّ- (قدّس سرّه)- و فيه: أنّه لم يظهر وجه اختصاص الأدلّة بذلك بعد عدم أخذ قيد العلم فيها، اللّٰهم إلّا أن يكون غرضه من أدلّة الباب هي الرواية المتقدّمة، و قد عرفت أنّها أجنبية عن الدلالة على ذلك.

الرابع: دعوى عدم إطلاق أدلّة الباب بحيث يعمّ صورة العلم و الجهل.

و فيه:

أنّ رواية ابن بكير (1) و أمثالها في غاية القوّة من الإطلاق، و لم يظهر لنا في سائر أبواب الفقه إطلاق أقوى من إطلاق أدلّة الباب.

الخامس: دعوى قصر القيدية المستفادة من الخطابات الغيرية بصورة العلم.

و هذه الدعوى أيضا نسبت إلى المحقّق القميّ- (قدّس سرّه)- و مرجع هذه الدعوى إلى دعويين.

(إحداهما) دعوى أنّ الخطابات الغيرية المسوقة لبيان الشرطية و المانعية مشروطة بكلّ ما يشترط به الخطاب النفسي من الوجوبي و التحريمي، فكلّ شرط اعتبر في حسن الخطاب النفسي فهو معتبر في حسن الخطاب الغيري أيضا.

(ثانيهما) دعوى أنّ العلم بالموضوع من شرائط حسن الخطاب، كما أنّ القدرة على المتعلّق من شرائط حسن الخطاب، و لذا نسب إلى بعض الأعلام اشتراط‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

263

القيدية المستفادة من الأوامر الغيرية بالقدرة عليها، بحيث إنّه إذا عجز عنها فالقيدية ساقطة، و يجب الإتيان بالمقيّد خاليا عن القيد، من دون أن يكون العجز عن القيد موجبا لسقوط المقيّد أيضا كما هو كذلك فيما إذا استفيدت القيدية من مثل قوله «لا صلاة إلّا بالطهور» (1) حيث إنّ العجز عن الطهور موجب لسقوط الصلاة أيضا بحسب القاعدة الأولية.

و هذا بخلاف القيدية المستفادة من مثل قوله «لا تصلّ فيما لا يؤكل» و «في الحرير» و أمثال ذلك من الخطابات الغيرية، فإنّ الخطاب الغيري كالخطاب النفسي حسنه مشروط بالقدرة على متعلّقه، فإذا عجز عن متعلّقه فالخطاب ساقط و القيدية المستفادة منه تستتبعه في السقوط و حينئذ لا موجب لسقوط المقيّد.

و كأنّ المحقّق القميّ- (رحمه اللّٰه)- قاس العلم على القدرة، و جعل العلم أيضا من شرائط حسن الخطاب كالقدرة، و لعلّ الذي أوقعه في هذا هو عدّ العلم من الشرائط العامّة كالقدرة، فكلّ خطاب مشروط بالقدرة فهو مشروط بالعلم أيضا، و عليه يكون المانعية المستفادة من قوله «لا تصلّ في غير المأكول» مقصورة بصورة العلم بغير المأكولية، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما في هذه الدعوى من المناقشة من وجوه:

(أحدها) أنّه على تقدير تسليم هذه الدعوى و الغضّ عمّا سيأتي، فأقصى ما تقتضيه هذه الدعوى هو قصر المانعية المستفادة من الخطابات الغيرية الواردة في أدلّة الباب بصورة العلم بالموضوع، و أمّا المانعية المستفادة من الوضع كقوله (عليه السلام) في رواية ابن بكير «فالصلاة فيه فاسدة» (2) و أمثال ذلك فلا يمكن‌

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 33 باب وقت وجوب الطهور ح 67.

(2) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

264

قصرها بصورة العلم، فإنّه لا يكون هناك خطاب حتّى يقال باشتراط حسنه بصورة العلم.

(و ثانيها) أنّ أصل اعتبار القدرة في الأوامر الغيرية و جعلها من شرائط حسن الخطاب الغيري كالخطاب النفسي ممّا لا وجه له، بعد ما كان الخطاب الغيري في باب متعلّقات التكاليف كالخطاب الغيري في باب الوضع و الأسباب إنّما يكون لمحض الإرشاد و بيان مدخلية القيد في تحقّق الملاك في المقيّد، فليس فيه جهة بعث و مولوية حتّى يكون حسنه مشروطا بالقدرة.

و على تقدير تسليم الفرق بين الخطاب الغيري في باب متعلّقات التكاليف و الخطاب الغيري في باب الأسباب و الوضع، و أنّ الخطاب الغيري في الأول له جهة مولوية و بعث، فمن المعلوم أنّ جهة المولوية المستفادة من الخطاب إنّما هو من جهة تعلّق الطلب المولوي بالمركّب من هذا القيد المستفاد من الخطاب الغيري، و من سائر الأجزاء و القيود الأخر المستفادة من الخطابات الأخر، و إلّا فنفس هذا القيد لم يتعلّق به خطاب مولوي مستقلّ، و إلّا كان واجبا مستقلا و خرج عن كونه قيدا، فليس هناك إلّا خطاب واحد مستقل مولوي، و القدرة المعتبرة في حسن الخطاب إنّما هي القدرة على جميع المقيّد مع القيود، فاللّازم هو سقوط أصل الخطاب المولوي عند العجز عن متعلّقه و لو بواسطة العجز عن بعض قيوده، و قد أطلنا الكلام في ذلك في التنبيه الثاني من تنبيهات مبحث الاشتغال في الأصول فراجع.

(ثالثها) أنّ قياس العلم على القدرة و جعله من شرائط حسن الخطاب مما لا وجه له، و مجرّد عدّ العلم كالقدرة من الشرائط العامّة لا دلالة له على كون العلم من شرائط حسن الخطاب، بل شرطية العلم يختلف مع القدرة، فإنّ القدرة من شرائط حسن الخطاب لقبح تكليف العاجز عقلا، و أمّا العلم فإنّما هو من شرائط‌

265

تنجّز الخطاب كما لا يخفى وجهه.

و بالجملة: دعوى اختصاص القيدية المستفادة من أدلّة الباب بصورة العلم بالموضوع ممّا لا وجه لها.

السادس: دعوى دلالة إطلاقات أدلّة جواز الصلاة في كلّ لباس على جواز الصلاة في المشكوك

، و القدر الخارج منها هو صورة العلم يكون اللّباس من غير المأكول.

و فيه: (أولا) أنّه لم يظهر لنا بعد دليل يدلّ على جواز الصلاة في كلّ لباس و لو بالإطلاق. (و ثانيا) أنّ الخارج عن تحت الإطلاق- على فرض وجوده- إنّما هو عنوان غير المأكول الواقعي، فيكون التمسّك بالإطلاقات على جواز الصلاة في المشكوك من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، و قد تبيّن في محلّه فساد ذلك.

فظهر أنّه لا محيص عن القول بأنّ المانعية في المقام هي المانعية الواقعية التي لا يتفاوت الحال فيها بين العلم بالموضوع و الجهل به.

إذا عرفت ذلك فالذي ينبغي تحريره في المقام هو تحرير مرجع الشبهة، و أنّه عند الشكّ في المأكولية و عدمها هل الأصل العملي يقتضي جواز الصلاة في المشكوك، أو أنّ الأصل العملي يقتضي عدم جواز الصلاة فيه؟ و تعيين الأصل الجاري في الشبهة و أنّه أي أصل يجري و أي أصل لا يجري؟

و قبل الخوض في ذلك ينبغي تمهيد مقدّمة، و هي أنّه كلامنا في تحرير مرجع الشبهة في المشكوك إنّما هو بعد الفراغ عن جريان البراءة في باب الارتباطيّات في متعلّقات التكاليف، سواء قلنا بالبراءة العقلية و الشرعية كليهما- كما هو مختار الشيخ- (قدّس سرّه)- (1) أو قلنا بالبراءة الشرعية فقط- كما هو مختارنا.

و إلّا فلو قلنا في باب الارتباطيات بالاشتغال و عدم جريان البراءة الشرعية‌

____________

(1) فرائد الأصول: ص 460 المقصد الثالث في الاشتغال.

266

و العقلية فيها فينهدم أساس تحرير الأصل في المقام، و لم يبق محلّ للتكلّم عن الأصل الجاري في المشكوك، بداهة أنّه لو قلنا عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في باب متعلّقات التكاليف بالاشتغال و الرجوع إلى الشكّ في الامتثال، فيكون القول بالاشتغال فيما نحن فيه- من تردّد الموضوع الخارجي بين المأكولية و عدمها- الذي يرجع إلى الأقل و الأكثر في باب موضوعات التكاليف- كما سنوضّحه إن شاء اللّٰه- أولى، و رجوع الشبهة في المقام إلى الشكّ في الامتثال أشدّ، لأنّ بعض من قال بالبراءة عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في باب متعلّقات التكاليف الارتباطية قال بالاشتغال في المقام، بتخيّل الفرق بين دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في متعلّقات التكاليف، و بين دوران الأمر بينهما في موضوعات التكاليف- كما سيأتي.

و الحاصل: أنّ كلامنا في المقام إنّما هو بعد تسليم البراءة في باب الارتباطيّات عند دوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر، حتّى يتمحّض الكلام في المقام في بيان تحقّق الفرق بين ما نحن فيه، و بين باب متعلّقات التكاليف، و عدم تحقّق الفرق بينهما. فليكن هذا على ذكر منك حتّى لا تشكل علينا في أثناء تحرير الأصل الجاري في المشكوك بما يرجع إلى إنكار جريان البراءة في باب الارتباطيّات عند تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر.

و ينبغي أيضا أن يعلم أنّ السرّ في جريان البراءة في الارتباطيّات ليس إلّا أنّ وجود الارتباطية كعدمها، و أنّ ما هو مناط جريان البراءة في التكاليف الاستقلالية عند دورانها بين الأقل و الأكثر- كالدين المردّد بين أن يكون عشرة دراهم أو خمسة- هو بعينه جار في التكاليف الارتباطية أيضا.

فإنّ المناط في جريان البراءة في الاستقلاليّات ليس إلّا من جهة الشكّ في تعلّق التكليف بالأكثر، و في الارتباطيّات أيضا كذلك، فإنّ التكليف فيها و إن‌

267

كان واحدا إلّا أنّه حيث كان منبسطا على أجزاء متعلّقه و شرائطه فكان لكلّ واحد من الأجزاء و الشرائط حظّ من ذلك التكليف و حصّة يخصّه، فإذا شكّ في وجوب شي‌ء جزء كان أو شرطا أو مانعا كان باعتبار ماله من الحصّة شكّ في التكليف، فتشمله أدلّة البراءة العقلية و الشرعية بناء على مسلك الشيخ- (قدّس سرّه)- أو خصوص البراءة الشرعية بناء على ما هو المختار عندنا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ‌

الكلام في تحرير الأصل الجاري في المشكوك يقع في مقامات ثلاث:

الأول: في تنقيح جريان أصالة البراءة العامّة للشبهات الوجوبية و التحريمية و الحكمية و الموضوعية.

الثاني: في تنقيح جريان أصالة الحلّ المختصّة بالشبهات التحريمية الموضوعية، أو تعمّ الحكمية أيضا على وجه.

الثالث: في جريان الاستصحاب، و أنّه هل يمكن أن يكون المشكوك مجرى للاستصحاب بعد الفراغ عن كونه مجرى أصالة البراءة و أصالة الحلّ.

أمّا الكلام في المقام الأول: و هو في بيان جريان أصالة البراءة في المشكوك فتنقيحه يستدعي رسم أمور:

الأول: أنّ الأحكام الشرعية بعد ما كان لا محيص عن تعلّقها بفعل المكلّف،

و ما كان تحت قدرته و اختياره و ما هو فاعله و الصادر عنه، فإمّا أن لا يكون لها تعلّق بموضوع خارجي كالصلاة مثلا، حيث إنّ أجزاءها ليست إلّا أفعالا و أقوالا صادرة عن المكلّف من دون أن يكون تعلّق بموضوع خارجي، و كذا الكلام في الغناء و أمثال ذلك في المتعلّقات سواء كانت معروضة لحكم وجوبي أو لحكم تحريمي، و إمّا أن يكون لها تعلّق بموضوع خارجي، كوجوب إكرام العالم و حرمة شرب الخمر، و أمثال ذلك من التكاليف الوجوبية و التحريمية التي لها تعلّق‌

268

و ربط بموضوع خارجي، سواء كان الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج و يجعلها في عالم الأعيان كالخمر مثلا، فإنه يمكن أن يوجده المكلّف في الخارج بأن يصنع و يعمل من التمر و الزبيب خمرا، أو كان من الموضوعات التي لا يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج كحرمة وطء الام مثلا، إذ لا يعقل للمكلّف إيجاد ما تكون أمّا له، و كوجوب استقبال القبلة و أمثال ذلك من الموضوعات الخارجة عن تحت قدرة المكلّف و اختياره.

و لكن على كلّ حال ما هو متعلّق التكليف و المخاطب به لا بدّ و أن يكون أمرا اختياريا للمكلّف، بحيث يمكن أن ينبعث عنه و يحرّك عضلاته نحوه، ففي مثل حرمة وطء الام ما هو متعلّق الحرمة و مورد التكليف ليس إلّا وقوع الوطء على الام، و أمّا كون المرأة اما فهذا غير قابل لتعلّق التكليف به، و كذلك وجوب الصلاة عند الزوال فإنّ ما هو مورد التكليف ليس إلّا إيقاع الصلاة عند تحقّق الزوال، و أمّا زواليّة الزوال و كون هذا الوقت زوالا فهو ممّا ليس تحت قدرة المكلّف و اختياره، و لا يمكن تعلّق التكليف به كما هو واضح.

و حاصل التقسيم: هو أنّ التكليف إمّا أن يكون وجوديّا بمعنى أن يكون المطلوب هو وجود الشي‌ء، كالصلاة و الحجّ و إكرام العالم و أمثال ذلك، و إمّا ان يكون عدميّا بمعنى أن يكون المطلوب عدم تحقّق الشي‌ء في الخارج و عدم صدوره عن المكلّف، كالغناء و الغيبة و شرب الخمر و أمثال ذلك.

و كلّ منهما إمّا أن يكون له تعلّق بموضوع خارجي كإكرام العالم و شرب الخمر و أمثال ذلك، و إمّا أن لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي كالصلاة و الغناء و أمثال ذلك.

ثمّ إنّ ما كان له تعلّق بموضوع خارجي فإمّا أن يكون الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلّف إيجادها في الخارج كالخمر و العالم بناء على‌

269

إمكان جعل الشخص عالما، و إمّا أن لا يمكن كالأم و القبلة و الوقت و أمثال ذلك.

الأمر الثاني: ما كان من التكليف الذي له تعلّق و ربط بموضوع خارجي

، ففي عالم التصوّر و الثبوت يمكن أن يكون الملاك و المصلحة، التي اقتضت إنشاء الحكم و تشريعه- إنّما يثبت و يتحقّق بعد تحقّق الموضوع و وجوده في الخارج، بحيث يكون وجود الموضوع خارجا من شرائط تحقّق الملاك بحيث لا ملاك و لا مصلحة مع عدم تحقّقه خارجا.

و أمّا القدرة فإن أخذت شرطا شرعا في لسان الدليل، كما إذا قال: إن قدرت فافعل كذا فهي أيضا لها دخل في تحقّق الملاك، إذ لو لم يكن لها دخل في ذلك لكان أخذها في لسان الدليل لغوا، لاستقلال العقل بقبح تكليف العاجز.

و القول بأنّه لا مانع من أخذها في لسان الدليل مع استقلال العقل باعتبارها في التكليف، و أيّ ملازمة بين القدرة المأخوذة في لسان الدليل من أن يكون لها دخل في تحقّق الملاك، أو أيّ مانع من بيان الشارع ما يستقلّ به العقل فاسد جدّا، فإنّ الظاهر في كلّ ما أخذ في لسان الدليل أن يكون أخذه من باب أنّ بيانه من وظيفة الشارع و ما هو شأن المولى في مقام إعمال المولوية، و القدرة إذا أخذت في لسان الدليل فالظاهر يقتضي أن يكون أخذها من جهة أنّ من وظيفته بيانها، و القدرة المعتبرة عقلا في التكليف ليس من وظيفة الشارع بما أنّه شارع بيانها.

فمن نفس أخذ القدرة في لسان الدليل يستكشف أنّها غير القدرة المعتبرة عقلا. و عليه لا محالة يكون لها دخل في تحقّق الملاك، لأنّ مع عدم دخلها في الملاك يكون اعتبارها في الدليل لغوا و عبثا كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هنا فرقا بين القدرة العقلية المعتبرة في التكليف و بين القدرة الشرعية‌

270

المأخوذة في لسان الدليل، فإنّ المعتبر في تحقّق القدرة الشرعية هو أن يكون المكلّف قادرا على الشي‌ء عرفا، بحيث يعدّ عند العرف أنّه قادر في مقابل العجز العرفي، فلو توقّف تحقّق المأمور به خارجا على مقدّمات بعيدة المسافة بحيث يعدّ في العرف أنّه عاجز، لكان المأمور به ساقطا عنه إذا قيّد بالقدرة في لسان الدليل.

و هذا بخلاف القدرة العقلية المعتبرة في التكليف، فإنّ المعتبر فيها هو إمكان تحقّق الشي‌ء من المكلّف و لو بمقدّمات بعيدة المسافة، لأنّ العقل إنّما اعتبر القدرة من حيث قبح تكليف العاجز، فمع عدم عجزه تكوينا يجب عليه فعل المأمور به، و هذا بخلاف القدرة الشرعية، فإنّ أخذها في لسان الدليل تكون كسائر القيود المعتبرة في الدليل التي يرجع في مداليلها إلى العرف، و العرف ربّما لا يرى الشخص قادرا مع كونه قادرا عقلا.

و بالجملة: القدرة إذا أخذت في لسان الدليل يستكشف منها أمران:

(أحدهما) دخلها في الملاك. (و ثانيهما) كونها عرفية، و أمّا إذا لم تؤخذ في لسان الدليل فلا إشكال في اعتبارها عقلا من جهة قبح تكليف العاجز من دون أن يكون لها دخل في الملاك، بل مع تمامية الملاك ربّما يكون الشخص عاجزا فيسقط عنه التكليف، لكن لا لسقوط ملاكه بل لعجزه كما في جميع موارد التزاحم.

نعم يبقى في المقام إشكال، و هو أنّه لم لا يجوز أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك أيضا؟ و مجرّد عدم أخذها في لسان الدليل لا يكشف عن عدم دخلها في الملاك، إذ من الممكن أن تكون القدرة- كالبلوغ و العقل- ممّا لها دخل في تحقّق الملاك، غاية الأمر أنّ الشارع اكتفى عن بيانها بواسطة استقلال العقل باعتبارها، و هذا بخلاف البلوغ فإنّ العقل لا يرى قبحا في تكليف غير البالغ، فمن أجل ذلك اعتبره الشارع، و هذا بخلاف القدرة فإنّ اعتبارها من المستقلات‌

271

العقلية الضرورية فاكتفى الشارع ببيان العقل، و على كلّ حال لا طريق لإثبات القول بأنّ القدرة العقلية ممّا لا دخل لها في الملاك.

و بناء على هذا يشكل الأمر في مسألة تصحيح العبادة في باب التزاحم، سواء قلنا بالخطاب الترتّبي أم لم نقل، فإنّ الخطاب الترتّبي مبنيّ على تحقّق الملاك، كما أنّ من أنكر الترتّب و صحّح العبادة إنّما هو من أجل ذلك مع أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك، فإنّ الملاكات إنّما يستكشف من الخطابات بناء على أصول العدلية، و بعد سقوط الخطاب لأجل التزاحم و عدم القدرة لا سبيل إلى العلم بالملاك حتّى يقال بصحّة العبادة بالملاك أو الترتّب.

و على كلّ قد خرجنا عمّا هو المقصود في المقام و لكنّ الكلام يجرّ الكلام، فظهر أنّ الشرائط الراجعة إلى نفس المكلّف ممّا لها دخل في تحقّق الملاك غير القدرة.

و أمّا موضوع التكليف و الشرائط الراجعة إليه فيمكن أن يكون أيضا لتحقّقه- بما له من الشرائط- دخل في تحقّق الملاك، بحيث لا ملاك واقعا مع عدم تحقّقه خارجا، و عليه يتفرّع أنّه لا حكم واقعا إلّا بعد تحقّق الموضوع لتبعية الحكم الملاك، و عليه يتفرّع أيضا امتناع الشرط المتأخّر، لأنّ معنى الشرط أن يكون له دخل في تحقّق الموضوع بحيث لا موضوع واقعا مع عدم تحقّق شرطه، كما أنّ شرائط المكلّف من البلوغ و العقل ممّا لها دخل في تحقّق عنوان المكلّف، فإذا لم يكن الموضوع ثابتا و لو لفقدان شرطه كان الحكم منتفيا واقعا، إذ لا يعقل تحقّق الحكم مع عدم موضوعه.

و يمكن أيضا أن لا يكون لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك و المصلحة المقتضية للحكم، بل كان الملاك ثابتا و لو مع عدم الموضوع، غاية الأمر أنّه مع عدم تحقّق الموضوع خارجا و عدم قدرة المكلّف على إيجاده الحكم المستتبع للملاك‌

272

يسقط من جهة انتفاء القدرة على امتثاله من دون سقوط الملاك، بل الملاك مع بقائه على ملاكيّته يفوت من المكلّف كسائر الملاكات التي تفوت من المكلّف من جهة عجزه عن استيفائها، و هذا بخلاف القسم الأول و هو ما كان لتحقّق الموضوع دخل في الملاك، فإنّ مع عدم وجود الموضوع خارجا لا ملاك واقعا حتّى يوجب فواته عن المكلّف.

و حاصل الكلام: أنّ متعلّق التكليف إذا كان له ربط بموضوع خارجي، سواء كان ممّا يمكن للمكلّف إيجاده كالخمر أم لا كالوقت و القبلة و أمثال ذلك، لا يخلو حال الموضوع من أحد أمرين لا ثالث لهما، فإنّه إمّا أن يكون للموضوع دخل في تحقّق الملاك، و إمّا أن لا يكون، فإن كان له دخل فلا محالة يكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع، و السرّ في ذلك هو تبعية الحكم للملاك، و إن لم يكن له دخل فلا محالة يكون الحكم مطلقا غير مشروط بوجود الموضوع هذا في عالم الثبوت.

و أمّا في عالم الإثبات ففي التكاليف العدمية التحريمية طرّا تكون من القسم الأول، أي ما كان لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك و المفسدة المقتضية للنهي، بداهة أنّ الخمر إذا لم يكن موجودا في الخارج فلا معنى لتحقق المفسدة في شربه و لا معنى للنهي عنه، إذ الخمر الذي لا وجود له في الخارج يكون الشرب منتركا بنفسه، فالمنهي عنه ليس إلّا الخمر الموجود، و عليه يكون التكليف مشروطا بوجود موضوعه.

و لا يمكن أن يكون التكليف بالنسبة إليه مطلقا بحيث يجب على المكلّف إيجاد الخمر مقدّمة لترك شربه، بل معنى لا تشرب الخمر إنّما هو قضية مشروطة، أي إذا وجد الخمر فلا تشربه، ففي التكاليف العدمية دائما يكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع.

273

و أمّا التكاليف الوجودية المطلوب منها الوجود فكلا القسمين يمكن فيها، فإنّ في مثل قوله أكرم عالما أو صلّ في المسجد يمكن أن يكون لوجود العالم و المسجد دخل في تحقّق ملاك وجوب الصلاة، فيكون التكليف بالنسبة إليه مشروطا فلا يجب الإكرام و الصلاة عند عدم وجود العالم و المسجد، و لا يجب على المكلّف إيجادهما و لو مع تمكّنه منه، و يمكن أيضا أن لا يكون لوجود الموضوع دخل في الملاك بأن كان ملاك أكرم العالم و الصلاة في المسجد ثابتا و لو مع عدم وجودهما، و عليه يكون التكليف بالنسبة إلى الموضوع مطلقا و يجب على المكلّف إيجاده مع عدم وجوده و تمكّنه منه كسائر مقدّمات الواجب المطلق، ففي طرف الأوامر كلّ من القسمين ممكن.

نعم ظاهر القضية هو أن يكون التكليف بالنسبة إلى وجود الموضوع مطلقا، إلّا أن يعلم من خصوصية المقام خلافه، فإنّه بعد ما لم يؤخذ وجود الموضوع في القضية شرطا، و قال بقول مطلق أكرم العالم و صل في المسجد، و لم يقل إذا وجد عالم فأكرمه و إذا وجد المسجد فصلّ فيه، فالظاهر يقتضي أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يعتبره العقل في مطلق التكليف من القدرة على الامتثال و إيجاد المتعلّق، فإذا تمكّن المكلّف من إكرام العالم و الصلاة في المسجد و لو بإيجاد العالم و المسجد، لكان اللازم بمقتضى إطلاق القضية و عدم أخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، هو وجوب الإكرام و الصلاة و لو ببناء المسجد و إيجاد العالم إذا مكن له ذلك.

و الحاصل: أنّ ظاهر إطلاق القضية في طرف الأوامر إذا كان المطلوب هو صرف وجود الشي‌ء لا مطلق الوجود، كما في مثل أكرم عالما و توضأ بالماء و صلّ في المسجد و أمثال ذلك، هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يستقلّ به العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، فإذا تمكّن المكلّف من إكرام‌

274

العالم و الوضوء بالماء و الصلاة في المسجد- و لو بخلق الموضوع و إيجاده- كان اللازم هو امتثال التكليف، إلّا أن تقوم قرينة من حال أو مقال على اشتراط التكليف بصورة وجود الموضوع و فرض تحقّقه في الخارج.

فظهر الفرق بين باب الأوامر و النواهي، و أنّ في باب الأوامر يمكن أن لا يكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع إذا كان المطلوب صرف الوجود، و أمّا في باب النواهي فدائما التكليف يكون مشروطا بوجود الموضوع.

ثمّ إنّ هنا فرقا آخر بين باب الأوامر و النواهي، و هو أنّه في باب النواهي لا يمكن أن يكون المطلوب صرف الوجود، بل دائما يكون المطلوب فيها هو عدم الوجود و السلب الكلّي الذي هو نقيض صرف الوجود. و هذا بخلاف باب الأوامر فإنّ كون المطلوب فيها هو صرف الوجود بمكان من الإمكان.

و السرّ في ذلك هو أنّه لمّا كان المطلوب في طرف النهي عدم الشي‌ء، و عدم الشي‌ء لا يمكن إلّا بانعدام جميع ما يفرض للشي‌ء من الوجودات العرضية و الطولية، فلا بدّ من أن يكون المتعلّق في النهي مطلق الوجود الساري في جميع الموجودات، مثلا لو قال: لا تكرم الفاسق و لا تكرم فاسقا أو لا تكرم الفسّاق فالمطلوب هو ترك إكرام مطلق الفاسق في أيّ وجود فرض له، و لا معنى لأن يكون المطلوب هو ترك إكرام الفاسق على نحو صرف الوجود بأن يكون إكرام فاسق ما متعلّق النهي، و هذا بخلاف باب الأوامر فإنّه لمّا كان المطلوب فيها وجود الشي‌ء و الشي‌ء يوجد بأول وجوده، فيمكن أن يكون متعلّق الطلب هو أول الوجود لا مطلق الوجود.

و بالجملة: في طرف الأوامر يمكن أن يكون المطلوب على أحد وجوه أربعة:

الأول: أن يكون المطلوب في طرف المتعلّق و الموضوع صرف الوجود، بأن يكون المقصود من قول أكرم عالما هو وقوع صرف وجود الإكرام على صرف وجود العالم‌

275

الثاني: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب كلّ فرد فرد من الإكرام على كل فرد فرد من العالم.

الثالث: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العامّ المجموعي، بأن يكون الملحوظ هو مجموع أفراد الإكرام مع مجموع أفراد العالم، و يكون المجموع من حيث المجموع مطلوبا واحدا تعلّق الأمر به.

الرابع: أن يكون المطلوب هو الطبيعة السارية في جميع الأفراد على نحو وجودها السعي، و هذا القسم مشترك مع القسم الثالث في الأثر، و إنّما التفاوت بالتعبير فإنّه تارة يرد الحكم على نفس الطبيعة السارية، و اخرى يرد الحكم على أفرادها بعد ملاحظتها على نحو العام المجموعي، هذا في طرف الأمر.

و أمّا في طرف النهي فأقسامه أيضا أربعة، فإنّه تارة يرد النهي عن الشي‌ء باعتبار مطلق وجوده على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب في مثل لا تشرب الخمر هو ترك كلّ فرد فرد من أفراد الشرب لكلّ فرد فرد من أفراد الخمر.

و اخرى يكون المطلوب هو ترك مجموع أفراد الشرب لمجموع أفراد الخمر على نحو العام المجموعي، بمعنى أن يكون المطلوب عموم السلب لا سلب العموم، أي يكون متعلّق النهي هو ترك مجموع أفراد الخمر، لا على نحو يكون كلّ وجود منه مبغوضا على حدة و له إطاعة و عصيان، حتّى يرجع إلى القسم الأول و هو العام الاستغراقي، و لا على نحو يكون المبغوض مجموع الموجودات بوصف المجموع على نحو سلب العموم، حتّى يكون فعل البعض مع ترك البعض غير مبغوض، كما في مثل قوله لا تأكل كلّ رمّانة في البستان، حيث يكون المقصود من النهي هو أكل جميع الرمّانات التي في البستان، بل على نحو يكون النهي عن المجموع بأن يريد أن لا يتحقّق منه فرد في الخارج، بحيث لو تحقّق فرد منه في الخارج كان عصيانا‌

276

للخطاب و كانت الأفراد الأخر غير متعلّقة للنهي، كما في مثل النذر فإنّه لو نذر ترك شرب التتن كان المقصود منه هو أن لا يتحقّق الشرب منه في الخارج، بحيث لو عصى و شرب فبأول وجوده يتحقّق الحنث و تلزمه الكفارة فله أيضا أن يشرب سائر الأفراد، إلّا أن يكون نذره تعلّق بترك كلّ فرد فرد منه مستقلا على نحو العام الاستغراقي، فإنّه في شرب كلّ فرد حينئذ يتحقّق حنث و كفّارة كما لا يخفى.

و ثالثة: يرد النهي على الطبيعة السارية، بمعنى أن يكون المقصود هو عدم تحقّق الطبيعة خارجا، و هذا مشترك أثره مع القسم الثاني و هو ما إذا كان على نحو العام المجموعي.

و رابعة: يكون النهي في التكاليف العدمية من قبيل القضية المعدولة المحمول، بأن يكون المقصود من النهي هو أن لا يكون الشخص شارب الخمر بمعنى عدم اتّصافه بهذا الوصف، كما إذا قال: كن لا شارب الخمر.

و بتقريب آخر نقول: لا إشكال في أنّ ما هو الصادر عن المكلّف و ما هو فعله مباشرة في التكاليف العدمية ليس إلّا ترك الشرب لآحاد الممكنة شربها، فإنّ ما هو فعل المكلّف ليس إلّا ترك هذا الخمر و هذا الخمر و هكذا ترك كلّ فرد فرد من أفراد الخمر، ثمّ بعد ذلك يتولّد من آحاد هذه التروك السلب المجموعي و أنّه تارك للمجموع، ثمّ بعد ذلك يتولّد أيضا عنوان آخر و هو اتّصاف الشخص بأنّه لا شارب الخمر، فهذه مراتب ثلاث مترتّبة في التولّد و الانتزاع، فأول ما يوجد من المكلّف هو ترك الآحاد، ثمّ بعد ذلك يتحقّق ترك المجموع، ثمّ بعد ذلك يتّصف الشخص بأنّه صار لا شارب الخمر.

و هذه المراتب الثلاث كلّها قابلة لتعلّق التكليف العدمي بها، فإنّه تارة يكون التكليف بما هو الصادر عن المكلّف بالمباشرة فيكون التكليف حينئذ‌

277

انحلاليّا، بمعنى أنّه يكون لكلّ فرد فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه، و له إطاعة و عصيان لا ربط له بالخطاب الوارد على الفرد الآخر.

و اخرى يتعلّق التكليف بالعنوان المتولّد من ترك الآحاد و هو ترك المجموع، فيكون التكليف واحدا و خطابا فاردا يتعلّق بالمجموع، و عصيانه يكون بأول وجود شرب فرد من الخمر، و كانت الأفراد الأخر حينئذ لا طاعة و لا عصيان.

و ثالثة يتعلّق التكليف بالأمر المتولّد من ترك المجموع، و هو كون الشخص لا شارب الخمر على نحو القضية المعدولة المحمول، و هذا بخلاف القسمين الأولين فإنّ القضية من السالبة المحصّلة.

الأمر الثالث:

بعد ما عرفت الأقسام المتصوّرة في طرف الأوامر و في طرف النواهي يقع الكلام حينئذ فيما هو الأصل من هذه الأقسام، و أنّ الأصل في طرف التكاليف الوجودية و في باب الأوامر أن يكون المطلوب هو صرف الوجود، أو أنّ الأصل يقتضي أن يكون المطلوب مطلق الوجود؟ ففي مثل أكرم أو صلّ في المسجد يقتضي الأصل الاكتفاء بصرف وجود إكرام العالم، أو أن الأصل يقتضي إكرام مطلق وجوده بأقسامه المتقدّمة؟

و كذا الكلام في طرف النهي و التكاليف العدمية، هل الأصل يقتضي أن يكون التكليف فيها انحلاليّا، أو يكون كلّ فرد يوجد في الخارج من أفراد الموضوع مستتبعا لفرد من الخطاب يخصّه، أو أنّ الأصل لا يقتضي ذلك؟

و الحاصل: أن الكلام في هذا الأمر يقع في أنّ طبع الأمر و التكليف الوجودي، هل يقتضي أن يكون المطلوب منه صرف الوجود، بحيث يكتفي في مقام الامتثال بأول الوجود، و كان الوجود الثاني من باب الامتثال عقيب‌

278

الامتثال، أو أنّ طبع الأمر يقتضي مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي أو المجموعي أو الطبيعة السارية؟

و كذا يقع الكلام في أنّ طبع النهي و التكاليف العدمية، هل يقتضي الانحلالية بحيث يكون كلّ فرد من أفراد الموضوع له خطاب و طاعة و عصيان، أو أنّ طبع النهي يقتضي السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، أو يقتضي السلب على نحو المعدولة المحمول؟

فنقول: مقتضى التضادّ و المقابلة بين الأمر و النهي هو أن يكون المطلوب في كلّ منهما نقيض ما هو المطلوب في الآخر، فلو كان المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود كان اللازم بمقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بحيث يتحقّق العصيان بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الأخر طاعة و عصيان، كما كان الأمر في طرف الأمر بالعكس و أنّ الإطاعة تتحقّق بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الأخر طاعة و عصيان.

و بالجملة: لو كان المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود كان اللازم أن يكون المطلوب في طرف النهي السلب الكلّي، لأنّ نقيض الموجبة الجزئية السالبة الكلّية. و لو كان المطلوب في طرف الأمر مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي كان مقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي العام الانحلالي. هذا بحسب ما تقتضيه المقابلة بين الأمر و النهى.

و لكن مع ذلك الأصل و ما هو طبع الأمر و النهي لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن يكون المطلوب في طرف الأمر صرف الوجود، و في طرف النهي انحلاليّا و يكون لكلّ فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه.

أمّا في طرف الأمر فاقتضاؤه صرف الوجود واضح، فإنّ طلب إيجاد الطبيعة‌

279

لا يقتضي أزيد من نقض العدم و تحقّق وجود الطبيعة في الخارج، و هذا المعنى يحصل بأول وجود للطبيعة، فلو كان المقصود إيجاد كلّ فرد فرد من الطبيعة على نحو العام الاستغراقي أو المجموعي لكان اللازم هو اعتبار قيد زائد في متعلّق الأمر و مئونة أخرى غير تعلّق الطلب بنفس الطبيعة، فتعلّق الأمر بنفس الطبيعة بنفسه و بطبعه لا يقتضي أزيد من صرف الوجود كما لا يخفى.

و أمّا في طرف النهي فقد عرفت أنّ محتملاته ثلاثة:

(أحدها) أن يكون النهي من باب أخذ القضية على نحو المعدولة المحمول، بأن يكون النهي عن شرب الخمر مثلا باعتبار ما يتولّد من الترك الخارجي، و يكون المقصود منه هو كون الشخص لا شارب الخمر.

و هذا الاحتمال في باب النواهي و التكاليف العدمية ساقط من أصله، فإنّ الظاهر في باب النواهي هو أن يكون النهي عن الشي‌ء لأجل أنّ لوجود المنهي عنه- و هو شرب الخمر مثلا- مفسدة، من دون أن يكون في عدم الشرب مصلحة بحيث يكون نفس العدم بما هو عدم مطلوبا و يلاحظ معنى اسميّا و يتعلّق الطلب به.

و في القضية المعدولة المحمول إنّما يكون نفس العدم محمولا و ملحوظا معنى اسميّا، فلو كان معنى قوله لا تشرب الخمر هو صيرورة الشخص لا شارب الخمر فمعناه أنّ نفس اتّصاف الشخص بهذا العدم بما هو عدم مطلوب و محبوب من دون أن يكون في شرب الخمر مفسدة، و يكون النهي عن الشرب إنّما هو لأجل كون ترك آحاد الشرب مقدّمة لتحقّق ذلك العدم في الخارج، و هذا- كما ترى- خلاف ما يقتضيه النهي، لما عرفت من أنّ ظاهر النهي عن الشي‌ء ثبوتا إنّما هو لأجل أنّ في وجود ذلك مفسدة اقتضت النهي عنه، هذا.

مع أنّه خلاف ظاهر الدليل، فإنّ الظاهر من قوله لا تشرب الخمر هو عدم‌

280

إيجاد الشرب في الخارج، فلو كان المقصود هو عدم اتّصاف الشخص بشرب الخمر كان حقّ التعبير أن يقول: كن لا شارب الخمر، لا أن يقول: لا تشرب الخمر.

و بالجملة: هذا الاحتمال في باب التكاليف العدمية ضعيف جدا.

بقي في الباب احتمالان آخران.

(أحدهما) أن يكون المقصود من النهي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بأن يكون معنى قوله لا تشرب الخمر هو ترك مجموع أفراد الخمر من حيث المجموع، بأن كان هناك خطاب واحد تعلّق بالمجموع و يكون عصيانه بوجود أول فرد من شرب الخمر، من دون أن يكون للباقي طاعة و عصيان كما كان في النذر كذلك.

و هذا الاحتمال و إن كان ربّما يعيّنه مقابلة النهي للأمر- كما تقدّم- إلّا أنّه أيضا خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر من قوله لا تشرب الخمر هو أن يكون مطلق وجود شرب الخمر مبغوضا، سواء في ذلك الوجود الأول و الثاني و الثالث و هكذا، لا أن يكون المبغوض هو أول الوجود كما هو لازم معنى السلب الكلّي.

و الحاصل: أنّ كون المقصود في النهي هو السلب الكلّي على نحو المجموع يحتاج إلى عناية زائدة عن تعلّق النهي بنفس الطبيعة، و هي أخذ مجموع وجودات الطبيعة أمرا و يلاحظها بلحاظ فأرد ثمّ ينهى عنها بما أنّها أمر واحد، و هذا خلاف ظاهر توجّه النهي على نفس الطبيعة، فإنّ ظاهره أن يكون لكلّ وجود من الطبيعة مفسدة لا ربط لها بالآخر.

فيتعيّن (الاحتمال الثالث) و هو الانحلالية، و أنّ في باب النواهي يكون لكلّ وجود يفرض للطبيعة خطاب برأسه و طاعة و عصيان يخصّه، و هذا الخطاب لا تحقّق له إلّا بعد تحقّق الفرد خارجا، لما عرفت من أنّ في باب التكاليف‌

281

العدمية الانحلالية يكون لوجود الموضوع دخل في تحقّق الملاك.

بل في التكاليف الوجودية الانحلالية يكون الأمر كذلك أيضا، إذ الظاهر من قوله أكرم كلّ عالم أن يكون لوجود العالم في الخارج دخل في تحقّق ما هو مناط الحكم، و يلزمه قهرا تبعية الحكم لوجود الموضوع، فلازم الانحلالية أن يكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع، كما أنّ لازم صرف الوجود عكس ذلك، و أنّ الظاهر في مثل قوله أكرم عالما هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يقتضيه العقل من القدرة على الامتثال كما تقدّم تفصيله.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الأصل في باب النواهي هو أن يكون التكليف انحلاليّا إلّا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك، و يلزمه قهرا اشتراط التكليف بوجود الموضوع، و أنّ الأصل في باب الأوامر أن يكون المطلوب صرف الوجود و عدم اشتراطه بتحقّق الموضوع إلّا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك.

الأمر الرابع:

بعد ما عرفت الانقسامات المتصوّرة في طرف الأمر و النهي، يقع الكلام حينئذ في بيان حال الشكّ، و أنّه في أي مورد يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف، و في أي مورد يرجع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال. و قبل بيان ذلك لا بدّ من بيان ما هو الضابط في رجوع الشكّ إلى أحد القسمين، فنقول:

انّ ضابط الشكّ في التكليف هو أن يرجع الشكّ إلى مرحلة فعل الآمر و ما هو الصادر عنه في مقام أمره و تحقّق الطلب منه، ففي كلّ مرحلة يرجع الشكّ إلى مرحلة أصل الطلب، و لو باعتبار سعة دائرة الطلب و ضيقه يكون الشكّ شكّا في التكليف، و ضابط الشكّ في الامتثال هو أن يرجع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق الفعل و الترك المطالب به، مع تبيّن التكليف و ما هو الصادر عن الآمر.

282

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو لم يكن للتكليف تعلّق و ربط بموضوع خارجي، بل كان هناك تكليف و متعلّق فقط فالشبهة المصداقية لا يمكن تحقّقها فيه، سواء في ذلك التكاليف الوجودية و العدمية، بداهة أنّه بعد تبيّن مفهوم التكليف و مفهوم التعلّق، و أنّ التكليف هو الوجوب و الحرمة و المتعلّق هو الصلاة و الغناء، و علم معنى الصلاة و الغناء، لا يمكن أن يشكّ الشخص- في حال صدور المتعلّق منه- فيما يفعله و أنّ هذا المشغول به ما هو.

نعم بعد الفعل يمكن أن يشكّ في فعله السابق، و الذي فعله في السابق هل هو صلاة أو غناء، و لكنّ هذا الشكّ في التكاليف الوجودية يرجع إلى الشكّ في الامتثال إن لم يكن هناك مثل قاعدة الفراغ التي تثبت الامتثال و في التكاليف التحريمية ممّا لا أثر له بداهة أنّه لا أثر للشكّ في أنّه هل صدر منّي غناء أو لم يصدر و على تقدير فرض الأثر فأصالة عدم صدور الغناء جارية.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما قلناه- من عدم تحقّق الشبهة المصداقية في باب متعلّقات التكاليف- إنّما هو فيما إذا كان نفس الفعل الصادر عن المكلّف ابتداء متعلّق التكليف، و أمّا إذا كان الفعل الصادر عن المكلّف محصّلا و سببا لما هو متعلّق التكليف فتطرّق الشبهة المصداقية فيه بمكان من الإمكان، بداهة أنّه يمكن الشكّ في أنّ هذا الذي يفعله هل هو محصّل لما هو المكلّف به أو غير محصّل، و كلّما رجع الشكّ إلى المحصّل كان مجرى للاشتغال، لرجوع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال و الخروج عن الفعل و الترك المطالب به، سواء كان ذلك في التكاليف الوجودية أو العدمية.

أمّا في التكاليف الوجودية فرجوع الشكّ إلى الشكّ في الامتثال واضح، كما في باب الطهارة الحدثية و الخبثية على وجه.

و أمّا في التكاليف العدمية فكذلك أيضا على ما اختاره شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)-

283

مثلا لو نهى عن إحراق زيد فالتكليف بحرمة الإحراق بعد العلم به قد تنجّز على المكلّف، فلو شككت في الإلقاء الكذائي هل هو محصّل للإحراق أو لا، كان اللازم بمقتضى تنجز التكليف بحرمة الإحراق هو التجنّب عن مثل هذا الإلقاء المشكوك محصّليّته، و ذلك لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في العصيان، لا إلى الشكّ في التكليف بداهة العلم بالتكليف و المتعلّق كليهما، فالشكّ في ذلك لا يرجع إلى الشكّ في أحدهما، بل إلى الشكّ في تحقّق العصيان بمثل هذا الإلقاء المحتمل كونه محصّلا للإحراق، و الشكّ في تحقّق العصيان- كالشكّ في تحقّق الإطاعة- ليس من مجاري البراءة، لأنّ مجرى البراءة منحصر في الشكّ في التكليف لا في محصّله.

و الحاصل: أنّ الشكّ في محصّلية الإلقاء الكذائي للإحراق لا بدّ له من رافع و مؤمّن عقلي أو شرعي، و المفروض انتفاء المؤمّن العقلي و الشرعي في مثله، لعدم جريان قبح العقاب بلا بيان، و عدم جريان رفع ما لا يعلمون، لما عرفت من أنّ مورد البراءة الشرعية و العقلية منحصر بما إذا كان الشكّ في أصل التكليف لا في محصّله، فتأمّل جيّدا.

هذا كلّه فيما إذا لم يكن للتكليف تعلّق بموضوع خارجي.

و أمّا إذا كان له تعلّق بذلك، فيختلف حال الشكّ حسب اختلاف التكاليف الوجودية و العدميّة بأقسامها المتقدّمة.

فلو كان التكليف وجوديّا، و كان المطلوب منه صرف الوجود- كما هو الأصل في التكاليف الوجودية على ما عرفته- فقد تقدّم أنّ الظاهر من مثل قوله أكرم عالما هو أن لا يكون التكليف مشروطا بأزيد ممّا يشترط العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، و لازمة أن لا يكون الملاك و التكليف مشروطا بوجود العالم، فاللازم حينئذ هو وجوب تحصيل العالم ليكرمه، و على تقدير الشكّ في وجود العالم أو القدرة على إيجاده فاللازم هو الفحص حتّى يعلم بعدم القدرة‌

284

و بالجملة: كلّما رجع الشكّ إلى ناحية القدرة العقلية، فمن حيث عدم دخلها في الملاك العقل يستقل بوجوب الفحص و يحكم بذلك حكما طريقيّا، نعم لو كانت القدرة شرطا شرعيّا فمن حيث دخلها في الملاك- كما تقدّم- كان الشكّ فيها شكّا في أصل التكليف، فلا يجب الفحص حينئذ إذا كان الشكّ فيه من أجل الشبهة الموضوعية كما فيما نحن فيه، إلّا أن يقوم دليل من الخارج على وجوب الفحص، أو كان الخطاب المشروط بالقدرة يقتضي الفحص، لأنّه كانت القدرة المأخوذة في الخطاب شرعا ممّا لا يمكن العلم بها بحسب العادة إلّا في الفحص كما في الاستطاعة الحجيّة، فإنّ العلم بحصولها لا يمكن عادة إلّا بالفحص عن مقدار المالية و ما يملكه.

و هذا هو السرّ في فتوى المشهور بوجوب الفحص عن الاستطاعة مع أنّ القاعدة لا تقتضي ذلك، لما عرفت من أنّه كلّما كان الشكّ في أصل تحقّق ما هو شرط التكليف و كان له دخل في الملاك كان مرجعه إلى أصل التكليف، و أصالة البراءة تنفي وجوب الفحص إذا كانت الشبهة موضوعية.

و حاصل الكلام: أنّ في التكاليف الوجودية إذا لم يكن الملاك و التكليف مشروطا بوجود الموضوع، كان اللازم هو وجوب الفحص عن تحقّق الموضوع و القدرة عليه، و قد عرفت أنّ عدم اشتراط الملاك و التكليف بوجود الموضوع ممّا يقتضيه إطلاق الخطاب إذا كان المطلوب منه صرف الوجود كما هو مقتضى طبع الأمر و الأصل فيه.

و أمّا إذا كان الملاك و التكليف مشروطا بوجود الموضوع، كما إذا قام دليل من الخارج على ذلك، كان مقتضى القاعدة عند الشكّ فيه عدم وجوب الفحص و البراءة عنه، إلّا أن يقوم دليل على وجوب ذلك، أو كان الخطاب بنفسه يقتضيه، كما في بلوغ المال حدّ الاستطاعة في الحجّ، و حدّ النصاب في‌

285

الزكاة. هذا كلّه في التكاليف الوجودية المطلوب منها صرف الوجود.

و أمّا التكاليف الوجودية المطلوب منها مطلقة، فإن كان ذلك على نحو الانحلاليّة بأن كان لكلّ موضوع يوجد في الخارج خطاب مستقل، كما في مثل أكرم العلماء إذا كان على نحو العموم الاستغراقي، فرجوع الشكّ إلى الشكّ في التكليف عند الشكّ في وجود الموضوع واضح، بداهة أنّه لو شكّ في عالمية زيد مثلا كان الشكّ في ذلك مستلزما للشكّ في وجوب إكرامه، لأنّه على تقدير أن يكون عالما كان له خطاب مستقل برأسه، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في أصل التكليف، و واضح أنّه من مجاري البراءة.

و أمّا إذا كان المطلوب مطلق الوجود على نحو العام المجموعي، فهو و إن لم يكن هناك إلّا خطاب واحد و تكليف فأرد، إلّا أنّه لا إشكال في أنّه يختلف سعة و ضيقا حسب ما يوجد من أفراد الموضوع خارجا، بداهة أنّه لو لم يوجد من أفراد العلماء إذا اعتبر على نحو المجموعي إلّا مائة، كان سعة التكليف بمقدار المائة و له تعلّق بهذه الجملة، و لو زاد على المائة واحد اتّسعت دائرة التكليف و كان له تعلّق أيضا بذلك الواحد، و هكذا تتّسع دائرة التكليف حسب اتّساع أفراد الموضوع.

فلو شكّ في عالمية زيد مثلا فهو و إن لم يكن له خطاب مستقلّ على تقدير كونه عالما إلّا أنّه ممّا يوجب سعة دائرة التكليف، فالشكّ فيه شكّ في مقدار التكليف، و بالأخرة يرجع الشكّ إلى الشكّ في وجوب إكرام زيد، و يكون مجرى البراءة أيضا كما لا يخفى.

هذا كلّه في التكاليف الوجودية، و قد عرفت حال الشكّ فيها بأقسامه.

و أمّا التكاليف العدمية فقد عرفت أنّه ليس فيها ما يكون المطلوب منه صرف الوجود، فما ذكرناه في التكاليف الوجودية عند الشكّ في وجود الموضوع إذا كان المطلوب منه صرف الوجود ساقط في التكاليف العدمية من أصله.

286

نعم الاحتمالات الأخر جارية فيها أيضا مع زيادة احتمال آخر في خصوصها، و هو ما إذا كان المطلوب من التكليف العدمي العنوان المتولّد من الترك الخارجي و هو كون الشخص لا شارب الخمر، و قد عرفت أنّ هذا خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي. و لو قام دليل على أنّ المطلوب من النهي هو ذلك فلا محيص حينئذ من ترك جميع ما يحتمل كونه خمرا، لأنّ الترك الخارجي يكون حينئذ محصّلا لذلك العنوان، فلا بدّ من القطع بحصول العنوان الذي يكون هو المطلوب، و القطع بحصول ذلك لا يتحقّق إلّا بترك جميع أفراد الخمر المعلومة و المشكوكة، بداهة أنّ شرب مشكوك الخمرية ملازم للشكّ في حصول العنوان، و الشكّ فيه يرجع إلى الشكّ في الامتثال كما هو أوضح من أن يخفى.

بقي في المقام احتمالان آخران: (أحدهما) أن يكون النهي على نحو الانحلاليّة، بأن يكون لكلّ فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه (ثانيهما) أن يكون على نحو المجموعية.

و الكلام فيهما عند الشكّ في الموضوع الكلام في التكاليف الوجودية بعينه، و أنّه يكون من مجاري البراءة فلا نعيده، لكنّه قد عرفت أنّ الأصل في باب الأوامر هو أن يكون على نحو صرف الوجود، و أنّ الأصل في باب النواهي أن يكون على نحو الانحلاليّة. هذا كلّه في التكاليف الوجودية و العدمية الاستقلالية.

و أمّا التكاليف الوجودية و العدمية الارتباطية التي هي المقصود بالأصالة للبحث عنها هنا، و إنّما ذكرنا حال الاستقلالية تبعا، فمجمل القول فيها: أنّ جميع الأقسام المتصوّرة في التكاليف الاستقلالية متصوّرة في التكاليف الارتباطية أيضا، فإنّ منها ما لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي كالركوع و السجود و التكفير و قول آمين و غير ذلك من الخطابات الغيرية الوجودية و العدمية. و منها ما يكون له تعلّق بموضوع خارجي، و هذا على قسمين لأنّه إمّا أن يتعلّق به تكليف وجودي‌

287

كالاستقبال و الطهور و أمثال ذلك، و إمّا أن يتعلّق به تكليف عدمي كلبس الحرير و غير المأكول و أمثال ذلك.

فإن كان التكليف وجوديّا و كان المطلوب منه صرف الوجود، كما هو الشأن في جميع التكاليف الوجودية الارتباطية، فعند الشكّ في تحقّق الموضوع و القدرة عليه يجب الفحص كالتكاليف الاستقلالية.

و هذا هو السرّ فيما اشتهر في الألسن من أنّ الشرط يجب إحرازه و لا يكفي الشكّ في حصوله، لأنّ التكليف المتعلّق بالشرط يكون وجوديّا و المطلوب منه صرف الوجود، فلا بدّ عند الشكّ فيه من الفحص إلى أن يعلم بتعذّره.

و إن كان التكليف عدميّا كما في باب الموانع التي هي محلّ البحث في المقام، فينبغي أولا أن يتكلّم فيما هو منشأ انتزاع المانعية ثبوتا و إثباتا، فنقول:

بعد ما عرفت من أنّ رتبة تحقّق المانع و وجوده إنّما هو بعد وجود المقتضي بما له من الشرائط و الأجزاء، فلا إشكال في أنّ منشأ انتزاع المانعية بالنسبة إلى الملاكات و المصالح و المفاسد التي تبتني عليها الأحكام الشرعية- بناء على أصول العدلية- إنّما يكون أمرا واقعيّا تكوينيّا، كما أنّ مقتضيات الملاكات بما لها من الأجزاء و الشرائط تكون أمورا واقعية تكوينية، من دون أن يكون لها تعلّق بجعل شرعي و لا مساس لها بالشارع في عالم شارعيّته و جعله الأحكام، بل هي كسائر الأمور التكوينية الواقعية.

و إذا كان شأن موانع الملاكات كذلك فعند الشكّ في تحقّق المانع عن الملاك يرجع الشكّ في الحقيقة إلى الشكّ في حصول الملاك، فلو كانت الملاكات داخلة في حيّز التكليف و متعلّقة للطلب لكان الأصل عند الشكّ في المانع عن الملاك هو الاشتغال و الاحتياط، لما عرفت من أنّ الشكّ في المانع يرجع إلى الشكّ في حصول الملاك الذي فرض تعلّق الطلب به، و كلّما رجع الشكّ إلى‌

288

الشكّ في المحصّل يكون الأصل فيه هو الاشتغال و الاحتياط لا البراءة كما تبيّن في محلّه، هذا.

و لكن بعد ما بيّنا في محلّه و أوضحنا أنّ الملاكات غير داخلة في حيّز الطلب و لم يتعلّق بها أمر أصلا، و ليست من المسبّبات التوليدية لفعل المكلّف، بل ليس الفعل إلّا مقدّمة إعدادية لحصولها كان الشكّ في حصول المانع منها ممّا لا أثر له، و لا ينفع في شي‌ء من المقامات، و لا يمنع عن جريان البراءة في متعلّقات التكاليف.

بداهة أنّه في جميع موارد تردّد الواجب بين الأقلّ و الأكثر يرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في حصول الملاك بالأقلّ، فلو كان الشكّ في حصول الملاك يمنع عن جريان البراءة في المتعلّق لكان اللازم هو القول بالاحتياط في جميع موارد تردّد الأمر بين الأقل و الأكثر. و هذا يكون هدما لما أسّسناه في أول البحث، من أنّ التكلّم فيما نحن فيه إنّما هو بعد الفراغ عن جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطي.

و الحاصل: أنّه بعد البناء على أنّ الملاكات لم تكن لازمة التحصيل و لم يتعلّق بها طلب و لا أمر، بل إنّما تكون عللا و دواعي للأمر و التكليف، كان الشكّ في حصول المانع منها ممّا لا أثر له و لا يترتّب عليه شي‌ء، فالحريّ إنّما هو ملاحظة منشأ انتزاع المانعية في باب التكاليف، و في باب متعلّقاتها، و في باب موضوعاتها، و في باب الوضع و الأسباب، كموانع باب العقود و الإيقاعات، فنقول:

إنّ المانع (تارة) يكون مانعا عن التكليف الذي هو فعل اختياري للآمر و المكلّف بالكسر.

(و اخرى) يكون مانعا عن متعلّق التكليف و المأمور به الذي هو فعل اختياري للمأمور و المكلّف بالفتح.

289

(و ثالثة) يكون مانعا عن تحقّق ما هو موضوع التكليف، و هذا أيضا يرجع إلى المانعية عن التكليف، بداهة اشتراط التكليف بالموضوع فالمانع عن الموضوع مانع عن التكليف.

(و رابعة) يكون مانعا عن تحقّق المسبّب الذي هو المجعول الشرعي في باب الوضع و الأسباب، كموانع تحقّق الملكية و الزوجية و أمثال ذلك من المجعولات الشرعية الإمضائية، فهذه جملة أقسام الموانع.

و حيث عرفت سابقا أنّ المانعية- كالسببية و الشرطية و الجزئية- ممّا لا تنالها يد الجعل، بل المجعول إنّما هو منشأ انتزاع هذه الأمور، فاعلم أنّ منشأ انتزاع المانعية للمأمور به و المكلّف [به] ليس هو ثبوتا إلّا تحقّق تخصّص المأمور به و تقيّده في عالم الجعل و التشريع بعدم ما فرض كونه مانعا، بداهة أنّ الإهمال النفس الأمري في عالم تحقّق الإرادة و الجعل ممّا لا يعقل بالنسبة إلى الجاعل الملتفت، ففي عالم الثبوت و الواقع لا محيص إمّا من لحاظ تقيّد المأمور به بعدم الشي‌ء، و إمّا من لحاظه مطلقا بالنسبة إلى وجوده و عدمه، و لا يمكن أن يكون لا هذا و لا ذاك، و إلّا لزم الإهمال الواقعي الذي عرفت استحالته.

و الحاصل: أنّ في مقام تأليف الماهية و تشريعها إمّا أن يلاحظها الشارع مقيّدة بأمر وجودي، و إمّا أن يلاحظها مقيّدة بأمر عدمي، و إمّا أن يلاحظها مطلقة، و لا رابع لهذه الأقسام.

و اختلاف اللحاظ بحسب هذه الأقسام إنّما يكون من أجل اختلاف الماهية بحسب انطباق الملاك عليها، فتارة يكون الملاك منطبقا عليها مطلقا بالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة لها، و اخرى لا ينطبق الملاك عليها إلّا على وجه خاصّ من انضمام أمر وجودي إليها أو عدمي، و من المعلوم أنّ الجاعل لا بدّ في مقام اللّحاظ و الجعل من ملاحظة الماهية على الوجه الذي ينطبق عليها الملاك، و إلّا كان ذلك‌

290

نقضا لغرضه و مفوّتا لمقصوده كما لا يخفى.

فإن لاحظ الماهية مطلقة غير مقيّدة بأمر وجودي أو عدمي، فلا يعقل بعد ذلك جعل شي‌ء جزء لها أو شرطا أو مانعا، إلّا أن يكون غير ملتفت إلى أنّ الشي‌ء الفلاني شرط أو مانع، و إلّا لا يعقل أن يلاحظ الشخص الملتفت إلى الجهات الواقعية الماهية المطلقة و بعد ذلك يلاحظ شيئا آخر جزء لها أو مانعا عنها.

و إن لاحظها مقيّدة بأمر وجودي، فذلك الأمر الوجودي إمّا أن يكون جزء لها أو شرطا على اختلاف بينهما في كيفية اللّحاظ.

و إن لاحظها مقيّدة بأمر عدمي فذلك الأمر العدمي يكون مانعا لا محالة. هذا كلّه في عالم اللحاظ.

ثمّ بعد ذلك لا بدّ للجاعل و الشارع من تشريع الماهية و جعلها على طبق لحاظها، فكما أنّ في عالم اللحاظ ليس له لحاظ شي‌ء آخر جزء أو شرطا أو مانعا بعد لحاظ الماهية مطلقة، فكذلك بعد الجعل و التشريع أن يجعل أمرا شرطا أو مانعا عن مجعوله إلّا على سبيل النسخ.

و حاصل الكلام: أنّ هنا عوالم ثلاثة، عالم الملاك و عالم اللحاظ و عالم الجعل و التشريع، و منشأ انتزاع الجزئية و الشرطية و المانعية في كلّ من هذه العوالم الثلاثة مختلف، فإنّ منشأ انتزاع هذه الأمور في عالم الملاك قد عرفت أنّه أمر واقعي تكويني، و قد تقدّم أنّ الشكّ في تحقّق المنشأ و حصوله في هذا العالم ممّا لا أثر له بعد عدم كون الملاكات داخلة في حيّز الطلب و التكليف.

و منشأ انتزاع هذه الأمور في عالم اللحاظ إنّما هو عبارة عن لحاظ الطبيعة إمّا مقيدة بأمر وجودي أو بأمر عدمي، و الجزء و الشرط و المانع في هذا العالم أيضا ممّا لا أثر له، بداهة أنّ عالم اللحاظ- مع قطع النظر عن الجعل و التشريع على طبقه-

291

ممّا لا أثر له و لا إطاعة له و لا عصيان.

بل الإطاعة و العصيان و الأثر إنّما تترتّب على عالم الجعل و التشريع الذي هو عالم التكليف، و منشأ انتزاع المانعية و الشرطية و الجزئية في هذا العالم- أي عالم الجعل- إنّما هو جعل الطبيعة و تقييدها و تخصيصها بأمر وجودي أو عدمي، فمن تقيّدها بأمر وجودي تنتزع عنه الجزئية و الشرطية، و من تقيّدها بأمر عدمي تنتزع عنه المانعية، فلو لا تقيّد الماهية في عالم التشريع بعدم ذلك الذي فرض كونه مانعا عن تحقّق المأمور به، لا يمكن بعد ذلك أن يصير شي‌ء مانعا عنه، و لا يعقل جعله ثانيا إلّا على طريق النسخ كما عرفت.

فتحصّل: أنّ منشأ انتزاع المانعية للمأمور به ليس إلّا تقيّد المأمور به في عالم الجعل و التشريع بعدم الشي‌ء، كما أنّ منشأ انتزاع المانعية في باب الوضع و الأسباب ليس هو إلّا عبارة عن تقيّد المسبّب الذي هو المجعول الشرعي في باب الأسباب، كالملكية و الزوجية و أمثال ذلك بعدم المانع، و هكذا الحال في موانع التكليف ليس المنشأ إلّا عبارة عن اشتراط التكليف و تقيّده بعدم المانع كما لا يخفى.

هذا كلّه بحسب عالم الثبوت.

و أمّا بحسب عالم الإثبات فالنواهي الغيرية الواردة دالّة بمدلولها المطابقي على ذلك التقيّد النفس الأمري، كما أنّ الأوامر الغيرية الواردة دالّة بمدلولها المطابقي على التقيّد النفس الأمري أيضا، غايته أنّ النواهي تدلّ على التقيّد بالعدم الذي هو مساوق لمانعية الشي‌ء، و الأوامر تدلّ على التقيّد بالوجود الذي هو مساوق لجزئية الشي‌ء أو شرطيّته.

فمثل قوله «اركع أو اسجد أو صلّ مستقبلا» يدلّ على جزئية الركوع و السجود و شرطية الاستقبال، و يكشف عن تقيّد الصلاة ثبوتا في مقام الجعل و التشريع بالركوع و السجود و الاستقبال، و مثل قوله «لا تصلّ في الحرير» و «فيما‌

292

لا يؤكل» يدلّ على مانعية الحرير و ما لا يؤكل، و يكشف عن تقيّد الصلاة ثبوتا بعدم وقوعها في الحرير و فيما لا يؤكل.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المحتملات التي ذكرناها في النواهي الاستقلالية بعينها جارية في النواهي الغيرية، فإنّ النهي الغيري يمكن أن يكون له تعلّق بموضوع خارجي، كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل و في الحرير، و يمكن أن لا يكون له تعلّق بموضوع خارجي، كالنهي عن قول آمين و التكتّف.

ثمّ ما كان له تعلّق بموضوع خارجي يمكن ثبوتا أن يكون المطلوب منه هو العنوان المترتّب و السبب التوليدي الحاصل من ترك ما تعلّق به النهي، بأن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو اتّصاف الصلاة بعدم وقوعها فيه، و كون المصلّي متّصفا بأنّه غير لابس له، بحيث يكون المقصود هو المعنى النعتي الحاصل من ترك لبس أفراد غير المأكول، فتكون القضية حينئذ من الموجبة المعدولة المحمول و تخرج عن السالبة المحصّلة، كما إذا كان المطلوب في النواهي الاستقلالية مثل لا تشرب الخمر هو كون الشخص غير متّصف بكونه شارب الخمر، و أنّه يعتبر أن لا يكون شارب الخمر.

و يمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري المتعلّق بموضوع خارجي هو السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، بأن يكون المقصود من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو تركها في مجموع أفراد ما لا يؤكل، بحيث كان هناك نهي واحد و مطلوب فأرد تعلّق بمجموع الأفراد، فيكون المانع هو مجموع الأفراد على نحو عموم السلب لا سلب العموم، بحيث لو صلّى في فرد ممّا لا يؤكل اضطرارا فقد خرجت لأفراد الأخر عن المانعية و تعلّق النهي بها.

و يمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري هو السلب الكلّي على نحو الانحلالية، بحيث يكون لكلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل خطاب يخصّه، و يتعدّد‌

293

المانع حسب تعدّد أفراده في الخارج، و تكون الصلاة مقيّدة بعدم وقوعها في كلّ واحد من الأفراد، و يتعدّد القيد حسب تعدّد الأفراد كتعدّد الخطابات الاستقلالية حسب تعدّد أفراد الموضوع.

و الحاصل: أنّ المحتملات في النواهي الغيرية هي بعينها المحتملات في النواهي الاستقلالية، و قد عرفت أنّ المحتملات في النواهي الاستقلالية ثلاثة ففي النواهي الغيرية أيضا كذلك، هذا بحسب الإمكان.

و أمّا بحسب الاستظهار فما استظهرناه في النواهي الاستقلالية، من كون المطلوب فيها بحسب ما يقتضيه ظاهر الدليل كونه على نحو الانحلاليّة، لا السلب الكلّي على نحو العام المجموعي، و لا الموجبة المعدولة المحمول، بعينه مستظهر في النواهي الغيرية، و أنّ الأصل فيها أيضا الانحلاليّة، و حينئذ يكون الشكّ في تحقّق الموضوع الخارجي شكّا في التكليف، كما تقدّم وجهه في النواهي الاستقلالية.

و بيان ذلك، هو أنّه لا إشكال في أنّ الظاهر من أدلّة الباب، من مثل قول (عليه السلام) «لا تجوز الصلاة فيما لا يؤكل» (1) خصوصا الأخبار المعلّلة بالمسوخية و غيرها، هو أنّ جهة المنع إنّما هي لأجل خصوصية قائمة في غير المأكول أوجبت المنع عن الصلاة فيه.

و هذا المعنى ينافي كونه من باب الموجبة المعدولة المحمول، فإنّه لو كان المطلوب بالنهي هو كون الصلاة متّصفة بكونها لا فيما يؤكل لحمه، بحيث يكون نفس هذا العدم النعتي تمام المطلوب و المصلحة قائمة به، لكان اللازم هو ملاحظة العدم معنى استقلاليا، و تكون الخصوصية الموجبة لعدم صحّة الصلاة فيما لا يؤكل قائمة بنفس هذا العدم، من دون أن يكون في الحيوان الغير المأكول خصوصية‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلي ح 7.

294

أوجبت المنع عن الصلاة فيه، بل كانت الخصوصية قائمة بذلك الوصف العدمي القائم بالصلاة عند ترك الصلاة فيما لا يؤكل، بحيث تدور الصحّة و الفساد مدار تحقّق ذلك الوصف و عدمه، حتّى لو فرض محالا أنّ المكلّف ترك الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل، و لم يتحقّق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لكانت الصلاة فاسدة.

و هذا الفرض و إن كان محالا، لأنّ ترك الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل ملازم لتحقّق العنوان العدمي للصلاة، فإنّ ذلك العنوان من قبيل المسبّب التوليدي لذلك الترك، كما عرفت وجهه في النواهي الاستقلالية، إلّا أنّ التفكيك بين المتلازمين ممّا يوجب تقريب المطلب و تسجيله.

و الحاصل: لازم كون المطلوب هو الصلاة لا فيما يؤكل على نحو القضية المعدولة المحمول، هو كون الخصوصية المستتبعة للصحّة و الفساد قائمة بنفس ذلك العدم، من دون أن يكون لأفراد غير المأكول دخل في ذلك، و لا خصوصية فيها توجب المنع عن الصلاة فيها.

و هذا- كما ترى- ينافي ظواهر الأدلّة، من كون المنع إنّما هو من أجل خصوصية قائمة في نفس الحيوان التي أوجبت حرمة أكله و عدم جواز الصلاة فيه، كما يشهد لذلك التعليل بالمسوخية و غيرها، فالمطلوب في باب النواهي الغيرية- بحسب ما يقتضيه ظاهر الأدلّة- ليس هو إلّا ترك الصلاة في أفراد ما لا يؤكل لاتّصاف الصلاة بالترك، بحيث لو فرض أيضا محالا ترك المكلّف الصلاة في جميع أفراد ما لا يؤكل، و لكن لم يتحقّق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لمّا كان ذلك مخلّا بالصحّة أصلا.

فاحتمال أن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل، هو اتّصاف الصلاة بكونها لا فيما يؤكل لحمه على نحو المعدولة المحمول ساقط من أصله، و لا ينبغي الإصغاء إليه‌

295

بقي احتمالان آخران: (أحدهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في أفراد ما لا يؤكل على نحو العام المجموعي، بحيث يكون هناك مطلوب واحد و قيد فأرد للصلاة، و هو عدم وقوعها في مجموع أفراد ما لا يؤكل من حيث المجموع على نحو السلب الكلّي، نظير من نذر ترك أفراد شرب الدخان.

(ثانيهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في كلّ فرد فرد من أفراد ما لا يؤكل على نحو العموم الانحلالي، بحيث يكون كلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل متعلّقا للنهي الغيري استقلالا، و يكون عدم كلّ فرد فرد قيدا للصلاة، فتتعدّد القيدية حسب تعدّد الأفراد.

و قد تقدّم في النواهي الاستقلالية أنّ الأصل فيها الانحلاليّة، و الظاهر من مثل قوله «لا تشرب الخمر» هو انحلال الخطاب بالنسبة إلى كلّ فرد فرد من أفراد الخمر، بحيث يكون لكلّ فرد خطاب يخصّه، فهل الأمر في النواهي الغيرية أيضا كذلك، أو أنّ الأصل فيها أن يكون النهي على نحو العام المجموعي؟

ربّما يتوهّم أنّ المطلوب فيما نحن فيه لا بدّ و أن يكون على نحو السلب الكلّي لا العام الانحلالي، و ذلك لأنّه لا إشكال في عدم حصول قيد الصلاة، و ما هو المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل، إلّا بترك الصلاة في مجموع أفراد ما لا يؤكل، فامتثال النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لا يتحقّق إلّا بالتحرّز و التجنّب عن جميع أفراد ما لا يؤكل، و هذا- كما ترى- لا يستقيم إلّا بأن يكون المطلوب فيما نحن فيه هو السلب الكلّي لا الانحلالي.

و أيضا لا إشكال في أنّه لو صلّى في أحد أفراد ما لا يؤكل لا تكون سائر الأفراد مانعة، لأنّ المسبوق بمثله لا يؤثّر، و هذا يكشف عن بطلان الانحلاليّة، لأنّه لو كان المطلوب بالنهي هو الانحلاليّة لكان اللازم اتّصاف كلّ فرد فرد من أفراد غير المأكول بالمانعية، كاتّصاف كلّ فرد فرد من أفراد الخمر بالحرمة، هذا.

296

و لكن لا يخفى عليك فساد هذا التوهّم، فإنّ عدم حصول القيد للصلاة إلّا بترك جميع أفراد غير المأكول لا يكشف عن كون المطلوب بالنهي هو السلب الكلّي، بل عدم حصول ذلك إنّما هو من لوازم الارتباطية، حيث إنّ الارتباطية بين أجزاء الصلاة و شرائطها و موانعها تقتضي عدم تحقّق المطلوب من الصلاة إلّا بوجدانها لجميع ما اعتبر فيها.

و ما ذكر من أنّه لو صلّى في أحد أفراد غير المأكول تخرج سائر الأفراد عن كونها مانعة، و هذا ينافي الانحلاليّة، ففساده غنيّ عن البيان، فإنّ فيه:

(أولا) نقضا أنّه لو صلّى مع فقدان بعض أجزاء الصلاة أو شرائطها، أو صلّى مع مانع آخر غير ما لا يؤكل كالحرير مثلا، فلا إشكال في أنّ غير المأكول لا يتّصف بالمانعية، فإنّه لو صلّى في ألف من غير المأكول لا يؤثّر في الفساد، بعد ما كانت الصلاة واقعة على غير ما اعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط و الموانع، فمجرّد خروج سائر الأفراد عن المانعية إذا كانت الصلاة واقعة في فرد ممّا لا يؤكل لا يكشف عن كون القيد أخذ على نحو السلب الكلّي أو الانحلالي.

(و ثانيا) أنّ مانعية غير المأكول لم تؤخذ قيدا لأفراد الصلاة، حتّى يقال بأنّ الفرد من الصلاة الواقع في فرد من غير المأكول يوجب خروج سائر الأفراد عن المانعية، بل القيد إنّما اعتبر قيدا للطبيعة، فلو فرض أنّه صلّى ألف فرد من الصلاة في غير المأكول، لا يوجب خروج غير المأكول عن المانعية، و بعد باق على مانعيّته للطبيعة، و الأفراد الواقعة من الصلاة خارجة عن صحّة انطباقها على الطبيعة المأمور بها.

نعم لو فرض أنّه اضطرّ إلى الصلاة في فرد من غير المأكول، بحيث يوجب سقوط القيد عن القيدية، فحينئذ لو قال أحد بأنّه بعد اضطراره إلى لبس فرد من أفراد غير المأكول يجوز لبس سائر الأفراد، و لا تضرّ بصحّة الصلاة، لكشف ذلك‌

297

عن أنّ القيد إنّما أخذ على نحو السلب الكلّي، حيث جواز لبس سائر الأفراد الغير المضطرّ إليها ينافي الانحلاليّة، و أنّ كلّ فرد من أفراد غير المأكول مانع مستقلّ و تعلّق النهي الغيري به بحياله.

إلّا أنّ الشأن في جواز ذلك، فإنّ الظاهر تسالم الفقهاء- على ما حكي- أنّه لا بدّ من الاقتصار على المضطرّ إليه و لا يجوز لبس الزائد، و هذا التسالم يكشف عن الانحلاليّة لا السلب الكلّي، كما لا يخفى وجهه.

فظهر أنّ ما تخيّل وجها لأن يكون النهي في مثل «لا تصلّ فيما لا يؤكل» على نحو السلب الكلّي ليس بجيّد، و الأقوى أنّ النهي فيما نحن فيه إنّما يكون على نحو الانحلاليّة، و أنّ كلّ فرد من أفراد غير المأكول يكون مانعا بحياله و تعلّق به النهي الغيري مستقلّا.

و عليه تندرج الشبهة في مجاري البراءة، فإذا شكّ في شي‌ء أنّه من غير المأكول من جهة الشبهة المصداقية يكون الشكّ شكّا في التكليف، و يكون من باب دوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر، بداهة أنّ الانحلاليّة توجب تعدّد القيد و النهي حسب ما يوجد من أفراد غير المأكول في الخارج، فالشكّ في فرد يوجب الشكّ في النهي و التقيّد زائدا عمّا علم من الأفراد المعلومة.

ثمّ على تقدير التنزّل و تسليم كون النهي على نحو السلب الكلّي لا الانحلالي، فالشبهة أيضا مندرجة في مجاري البراءة، ضرورة أنّه بناء على السلب الكلّي و إن كان النهي واحدا و القيد فاردا، إلّا أنّه لا إشكال في اتّساع دائرة متعلّق النهي و القيد حسب سعة ما يوجد من أفراد غير المأكول، و أنّ كلّ ما يوجد في الخارج من أفراده يوجب زيادة المتعلّق و توسعة في ناحية القيد، و هذا المقدار يكفي في اندراج الشبهة في مجاري البراءة، كما عرفت وجهه في التكاليف الاستقلالية، بداهة أنّه بناء على هذا أيضا يرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف لا الشكّ في الامتثال.

298

و حاصل الكلام: أنّه بناء على أن يكون النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل انحلاليّا، و أنّ كلّ فرد فرد من أفراد ما لا يؤكل قد تعلّق به نهي، و كان موردا للتكليف مستقلا بحيث يتعلّق بكلّ فرد يوجد في الخارج فرد من الخطاب لا ربط له بخطاب المتعلّق الآخر، يكون اندراج الشبهة في مجاري البراءة واضحا.

و لو لم يكن النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل انحلاليّا و كان على نحو السلب الكلّي، فهو و إن كان خلاف ظاهر النهي إلّا أنّه مع ذلك تكون الشبهة مجرى للبراءة، لرجوع الشكّ في الفرد المشتبه إلى الشكّ في سعة التكليف و القيد، فإنّه لو كان الفرد المشتبه من غير المأكول واقعا لكان ذلك يوجب سعة دائرة النهي و القيد المستفاد منه، فالشكّ في الفرد يلازم الشكّ في تعلّق النهي به، و كلّما رجع الشكّ إلى الشكّ في تعلّق النهي يرجع إلى البراءة، لما عرفت من الضابط بين رجوع الشبهة إلى الشكّ في التكليف و رجوعها إلى الشكّ في الامتثال، و أنّه كلّما رجعت الشبهة إلى ناحية الطلب و ما هو فعل الآمر و المكلّف بالكسر فتكون الشبهة من مجاري البراءة في غير الشكّ في المحصّل، و كلّما رجعت الشبهة إلى تحقّق الفعل أو الترك المطالب به كانت الشبهة من مجاري الاشتغال.

و فيما نحن فيه على كلا التقديرين، سواء كان النهي انحلاليّا أو كان مجموعيّا، يكون الشكّ في الفرد المشتبه من باب الشكّ في التكليف و تردّد المتعلّق بين الأقل و الأكثر. غايته أنّه بناء على الانحلاليّة يرجع الشكّ إلى الشكّ في أصل تعلّق الخطاب المستقل في الفرد المشتبه، و بناء على المجموعية يرجع الشكّ إلى دخول الفرد المشتبه تحت دائرة الخطاب الواحد المتعلّق بمجموع الأفراد.

نعم لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي، و الوصف المسبّب من ترك الصلاة في آحاد غير المأكول، لكان الشكّ حينئذ مندرجا في مجاري الاشتغال، لرجوع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق ذلك الوصف العدمي المطالب به، لما عرفت من‌

299

أنّه لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي على نحو الموجبة المعدولة المحمول، لكان ترك أفراد غير المأكول محصّلا لذلك العدم، و يدور أمر المحصّل حينئذ بين الأقل و الأكثر، و كلّما رجع الشكّ إلى باب المحصّل فالأصل فيه الاشتغال.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّه لا فرق بين النواهي الغيرية و النواهي الاستقلالية، فكما أنّ الأصل في النواهي الاستقلالية هو الانحلاليّة، و يكون الشكّ في الفرد المشتبه شكّا في أصل التكليف، فكذلك الأمر في النواهي الغيرية و كما أنّ المطلوب في باب النواهي الاستقلالية، لو كان على نحو السلب الكلّي و العام المجموعي، كان الشكّ أيضا راجعا إلى الشكّ في التكليف من حيث سعة دائرة التكليف و ضيقه، فكذلك الحال في النواهي الغيرية.

و كما أنّ المطلوب في باب النواهي الاستقلالية لو كان على نحو الموجبة المعدولة المحمول لكان الشكّ راجعا إلى الشكّ في الامتثال، فكذلك الحال في النواهي الغيرية حذو النعل بالنعل.

هذا كلّه بناء على المختار عندنا من مانعية غير المأكول، كما تقدّم وجهه.

و أمّا بناء على شرطية المأكول، فهو و إن كان خلاف ظاهر الأدلّة إلّا أنّه يختلف حكم الشكّ فيه، فإنّه بناء على المانعية قد عرفت أنّه لا محيص عن القول بالبراءة إلّا على تقدير تقدّم، و قد عرفت أنّ ذلك التقدير خلاف ظاهر أدلّة الباب.

و أمّا بناء على الشرطية، فإن قلنا بأنّ شرطية المأكول مقصورة بما إذا كان اللباس من حيوان، بحيث لو كان اللباس من غير الحيوان كانت الشرطية منتفية من باب عدم الموضوع- كما عرفت الوجه في ذلك فيما تقدّم- لكان اللازم حينئذ عند الشكّ في المأكولية مع العلم بأنّ اللّباس متّخذ من الحيوان هو الاحتياط، للشكّ في تحقّق ما هو الشرط، و الشكّ في الشرط يستدعي الشكّ في تحقق المشروط و هو الصلاة، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في تحقّق الامتثال و الخروج عن‌

300

عهدة التكليف.

و أمّا لو شكّ في اتّخاذ اللّباس من الحيوان أو غيره من القطن و الكتّان، و على تقدير كونه من الحيوان فيشكّ في كونه مأكولا أو غيره، لكان اللازم حتّى على القول بالشرطية هو الرجوع إلى البراءة، لأنّ مرجع الشكّ في الفرض أيضا إلى اتّساع سعة دائرة الشرطية بحيث تشمل المشكوك.

و مجرّد العلم بشرطية المأكول لا يلازم القول بالاشتغال، فإنّ شرطية المأكول حسب الفرض مقصورة بما إذا كان اللّباس من الحيوان، فلو علم كون اللّباس من الحيوان كان اللازم هو تحصيل العلم بكونه من المأكول قضية للشرطية، و أمّا لو شكّ كونه من الحيوان- كما هو المفروض- فلا مانع من جريان البراءة للشكّ في تحقّق موضوع ما هو الشرط، و هو كون اللّباس من الحيوان، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في اشتراط المأكولية في هذا اللّباس، فإنّه على تقدير كونه من الحيوان يشترط فيه المأكولية، و كلّما رجع الشكّ إلى الشكّ في الاشتراط فالأصل البراءة عنه، فتأمّل جيّدا.

نعم لو قلنا بأنّ الشرط ليس هو خصوص المأكولية، بل هو أحد خصوصيات الوجودية من القطن و الكتّان و منها المأكولية- كما تقدّم الوجه في ذلك أيضا- كان اللازم في الفرض المذكور هو القول بالاشتغال، للشكّ في تحقّق تلك الخصوصية الوجودية التي كانت شرطا في صحّة الصلاة، لاحتمال كون اللّباس من حيوان غير مأكول.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّه بناء على مانعية غير المأكول كما أطبقت عليها روايات (1) الباب، و بناء على انحلاليّة القيد، و أنّ مثل قوله «لا تصلّ فيما‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي.

301

لا يؤكل» ينحلّ إلى نواهي متعدّدة حسب تعدّد أفراد ما لا يؤكل في الخارج، و يكون لكلّ فرد فرد من أفراده خطاب يخصّه و يتعلّق به بعد وجوده، كما هو الشأن في كلّ خطاب تعلّق بموضوع خارجي على نحو الانحلاليّة، كان محلّ الكلام و هو ما إذا اشتبه الشي‌ء في كونه من المأكول أو غيره- مندرجا في موارد تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر، من جهة الشبهة المصداقية و الموضوعية، بداهة أنّه بناء على المانعية و الانحلاليّة يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى الشكّ في تعلّق التكليف و الخطاب الغيري بهذا الفرد من اللّباس، و أنّه هل ورد عليه خطاب لا تصلّ فيه أو لم يرد، بعد العلم بورود الخطاب و توجّه التكليف بالنهي عن الصلاة فيما علم كونه من غير المأكول.

فيكون ما نحن فيه مثل ما إذا شكّ في خمرية مائع من جهة الشبهة الموضوعية، فكما أنّ الشكّ في الخمرية يستلزم الشكّ في تعلّق النهي به، لأنّ نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، و الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول، فكذلك بعينه فيما نحن فيه، سوى أنّ الخطاب في مثل لا تشرب الخمر استقلالي، و الخطاب فيما نحن فيه غيري. و سنشير إلى أنّ الفرق ليس بفارق فيما هو المناط في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية في التكاليف الاستقلالية. هذا كلّه بناء على انحلالية الخطاب.

و أمّا بناء على عدم الانحلاليّة- و أنّ المطلوب في مثل قوله «لا تصلّ فيما لا يؤكل» إنّما هو أمر واحد، و يكون للصلاة قيد فأرد و هو عدم وقوعها في مجموع أفراد ما لا يؤكل، لا أنّها مقيّدة، بعدم وقوعها في كلّ فرد فرد، حتّى تتعدّد القيدية حسب تعدّد الأفراد كما هو لازم الانحلاليّة، بل ليس هناك إلّا نهي واحد و قيد فأرد تعلّق بمجموع الأفراد على نحو السلب الكلّي، بحيث لا يختلف النهي و الخطاب و القيد، زادت الأفراد في الخارج أو نقصت. نعم زيادة الأفراد‌

302

و نقصانها يوجب التوسعة و الضيق في دائرة متعلّق النهي و القيد، كما لو نذر انه لا يشرب ماء الدجلة مثلا، فإنّ زيادة ماء الدجلة أو نقصانه لا يوجب تعدّد النذر، و لا تعدّد النهي الجائي من قبل الوفاء بالنذر، بل الزيادة و النقيصة إنّما توجب سعة دائرة المنذور و ضيقه- فهو و إن كان خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي الذي له تعلّق بموضوع خارجي، حيث عرفت أنّ الأصل الأولي في باب النواهي المتعلّقة بالموضوعات الخارجية هو الانحلاليّة، من غير فرق بين الاستقلالية و الغيرية، و أنّ ما تخيّل من أنّ النهي الغيري في مثل لا تصلّ فيما لا يؤكل لا يمكن أن يكون مفاده الانحلاليّة لأحد الوجهين المتقدّمين، فقد عرفت ضعفه، و أنّ ما ذكر من الوجهين لا يصلح فارقا بين النواهي الاستقلالية و الغيرية، و لا يوجب انقلاب الأصل الأولي عمّا هو عليه، إلّا أنّه بناء عليه أيضا يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى تردّد متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر.

غايته أنّه بناء على الانحلاليّة يرجع الشكّ في المورد المشتبه إلى الشكّ في أصل وجود النهي عنه و تقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه، و هذا بخلاف الوجه الأخير، فإنّ الشكّ [يرجع] فيه إلى الشكّ في تعلّق ذلك النهي المقطوع وجوده بهذا المشتبه، و اتّساع دائرة القيدية بعدم الوقوع فيه. و على كلّ حال يرجع الشكّ إلى الشكّ في متعلّق التكليف و تردّده بين الأقل و الأكثر.

و أمّا بناء على أن يكون المطلوب في مثل لا تصلّ فيما لا يؤكل هو النعت العدمي على نحو الموجبة معدولة محمولها، و هو اتّصاف الصلاة بعدم وقوعها فيما لا يؤكل، و أنّ المطلوب هو الصلاة لا فيما لا يؤكل، فيخرج المورد المشتبه عن كونه متعلّقا للتكليف و النهي لا استقلالا و لا ضمنا و تبعا، بل يكون متعلّق النهي حقيقة هو ذلك النعت العدمي المسبّب التوليدي من ترك الصلاة في آحاد أفراد ما لا يؤكل، فيكون ترك الأفراد محصّلا لذلك المطلوب، و يرجع الشكّ في المورد‌

303

المشتبه إلى تردّد محصّل متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر لا تردّد نفس المتعلق.

و لعلّ نظر المشهور على ما نسب إليهم من ذهابهم إلى المنع عن الصلاة في المشكوك و مصيرهم إلى الاحتياط إلى هذا الوجه، و أنّهم فهموا من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل هو أنّ المطلوب النعت العدمي، من دون أن تكون الأفراد متعلّقة للنهي، هذا.

و لكن قد عرفت أنّه لا يمكن المصير إلى هذا الوجه، لأنّ الظاهر من الأدلّة، خصوصا المعلّلة منها، هو كون الخصوصية و المفسدة التي أوجبت المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل قائمة بنفس أفراد ما لا يؤكل، فتكون نفس الأفراد متعلّقة للنهي.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ دوران متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الموضوعية، كدوران المتعلّق بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الحكمية كفقد النصّ و إجماله، و نحن بعد ما بيّنّا و أوضحنا أنّ دوران الأمر بين الأقل و الأكثر من جهة الشبهة الحكمية يكون مجرى للبراءة الشرعية لا العقلية، فكذلك دوران المتعلّق بينهما من جهة الشبهة الموضوعية من غير فرق بينهما أصلا.

و توهّم أنّ مورد الرجوع إلى البراءة العقلية و الشرعية إنّما هو فيما إذا شكّ في شي‌ء يكون بيانه من وظيفة الشارع، و ما هو جاعله و الصادر عنه في مقام التشريع، بداهة أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنّما هو فيما إذا كان البيان من وظيفة الشارع، و كذا قوله «رفع ما لا يعلمون» إنّما يكون فيما إذا شكّ في مجعول شرعي يكون وضعه و رفعه بيد الشارع، و هذا المعنى لا يجري في الشبهات الموضوعية، لأنّه ليس من وظيفة الشارع بيان حال الموضوع الخارجي و أنّ اللّباس من مأكول اللّحم أو غيره، بل ليس وظيفة الشارع إلّا بيان الأحكام، و أنّ حكم المأكول و غير المأكول ما هو، و المفروض أنّه علمنا حكم المأكول و غيره، و أنّه لا يجوز الصلاة في غير المأكول، فما هو من وظيفة الشارع بيانه قد علمناه، و الشكّ إنّما هو واقع فيما‌

304

لا يكون من وظيفة الشارع بيانه، فلا محلّ للبراءة العقلية و الشرعية في الشبهات الموضوعية فاسد جدّا، بداهة أنّه ليس المناط في البراءة العقلية و الشرعية أن يكون المشكوك من وظيفة الشارع بيانه، و إلّا كان اللازم عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية أيضا عند إجمال النصّ، كما لو تردّد الغناء المحرّم بين أن يكون هو مطلق مدّ الصوت و ترجيعه، أو ذلك مع كونه مطربا، بداهة أنّه ليس من وظيفة الشارع بيان معنى الغناء، بل معناه موكول إلى اللّغة و العرف.

بل مناط البراءة العقلية ليس إلّا قبح العقاب على الواقع المجهول الذي لم يصل إلى المكلّف بأحد أسباب وصوله من العلم به أو قيام الطريق عليه، ضرورة أنّ الانبعاث عن البعث المولوي إنّما يكون بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، فإنّ الانبعاث عن الوجود الواقعي مع عدم وجوده العلمي من المحالات الأولية كما لا يخفى، فإذا كان الانبعاث يحتاج إلى الوجود العلمي فما لم يعلم بالبعث، و لم يصل إلى المكلّف بأحد أسباب وصوله كان العقاب عليه قبيحا عقلا، سواء صدر البعث عن الشارع واقعا أو لم يصدر.

بل ربّما يقال بأنّ مورد البراءة العقلية إنّما هو فيما إذا كان صادرا عن الشارع واقعا و لم يصل إلى المكلّف، و أمّا إذا لم يصدر من الشارع واقعا و كان ممّا سكت اللّٰه عنه فليس قبح العقاب على مثل هذا من باب قبح العقاب بلا بيان، بل قبح العقاب على مثل هذا إنّما هو لأجل أنّ وظيفة الشارعية ما تمّت، إذ لا معنى للعقاب عن شي‌ء لا واقع له و لا مجعول للشارع.

و بالجملة: مناط حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إنّما هو لأجل أنّ الانبعاث يحتاج إلى الوصول، فما لم يصل الحكم الشرعي بما اعتبر فيه كان العقاب عليه قبيحا، و إن كان في الواقع صادرا عن الشارع بما له من القيود و تمّت وظيفته، لما عرفت من أنّ مجرّد تمامية وظيفة الشارع مع عدم وصول البعث إلى‌