كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
305

المكلّف غير مصحّح للعقاب، هذا في البراءة العقلية.

و أمّا البراءة الشرعية فمناط جريانها إنّما هو الشكّ في أمر كان بيد الشارع رفعه و وضعه، و كان في رفعه المنّة و التوسعة على العباد، فكلّما حصل الشكّ في مثل هذا تجري البراءة الشرعية.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه بعد ما عرفت من انحلاليّة النهي، و أنّ مثل قوله «لا تشرب الخمر» أو «لا تصلّ فيما لا يؤكل» ينحلّ إلى نواهي متعدّدة، حسب تعدّد أفراد الخمر و غير المأكول في الخارج، و يستتبع كلّ فرد خطاب مستقلّ يخصّه لا ربط له بخطاب الفرد الآخر، يحتاج الوصول و الوجود العملي لمثل هذا النهي إلى أمرين: (الأول العلم بالكبرى، و هي حرمة أفراد الخمر و غير المأكول.

(الثانية) العلم بالصغرى، و هي كون هذا الشي‌ء خمرا أو غير مأكول.

فإذا وصل هذان الأمران جميعا كان البعث المولوي و النهي منجّزا، و يجب الخروج عن عهدته. و لو شكّ في أحد الأمرين أو كليهما كان البعث غير تامّ في الباعثية، و تجري البراءة العقلية فيه و كذلك البراءة الشرعية، فإنّه بعد ما كان لكلّ فرد خطاب يخصّه فالشكّ في تحقّق الفرد في الخارج شكّ في تحقّق ذلك الخطاب و هو أمر مجهول، أمر وضعه و رفعه بيد الشارع، و في رفعه المنّة فتجري البراءة الشرعية فيه، هذا في الشبهات الموضوعية.

و أمّا في الشبهات الحكمية إذا كان من جهة إجمال النصّ، فالكلام فيها الكلام في الشبهات الموضوعية إشكالا و جوابا. كما أنّ الإشكال و الجواب مطّرد أيضا في الشبهات التحريمية و الوجوبية، و قد استقصينا البحث عن ذلك في الأصول، فراجع.

هذا تمام الكلام في بيان كون الشبهة من مجاري أصالة البراءة.

المقام الثاني في توضيح كون الشبهة من مجاري أصالة الحلّ

التي قام الدليل‌

306

على اعتبارها بالخصوص، و نطقت بها عدّة من الروايات، كرواية مسعدة بن صدقه (1) و غيرها.

و في اختصاصها بالشبهات الموضوعية أو تعمّ الشبهات الحكمية أيضا كلام ذكرنا تفصيله في الأصول، و قلنا: إنّ الأشبه اختصاصها بالشبهات الموضوعية، لأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «كلّ شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال ..

إلخ» هو كون الشي‌ء- الذي أخذ موضوعا- منقسما إلى القسمين فعلا، بحيث يكون له فعلا قسم حلال و قسم حرام، و إن كان التقسيم باعتبار نوعه و صنفه بأن يكون نوع منه حلالا و نوع منه حراما، كالحيوان المنقسم إلى الأرنب المحرّم الأكل و الغنم المحلّل الأكل، و ذلك إنّما يكون في الموضوعات الخارجية.

و بالجملة: الظاهر من رواية مسعدة خصوصا الأمثلة المذكورة فيها هو اختصاص أصالة الحلّ بالشبهات الموضوعية.

و على كلّ حال فقد تمسّك بأصالة الحلّ لجواز الصلاة في المشكوك جملة من الأساطين، ببيان أنّ الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك مسبّب عن الشكّ في حلّية الحيوان المأخوذ منه اللّباس، و بعد جريان أصالة الحلّ في الحيوان يرتفع الشكّ المسبّبي، كما هو الشأن في كلّ شكّ سببي و مسبّبي، و لا يتوقّف جريان أصالة الحلّ في الحيوان [على] كون اللّحم محلّا للابتلاء فعلا، بل لو فرض أنّ لحم الحيوان كان خارجا عن مورد الابتلاء كانت أصالة الحلّ في الحيوان جارية، باعتبار جواز الصلاة في المأخوذ منه، و يكفي في جريان الأصل هذا المقدار من الأثر، فمجرّد خروج لحم الحيوان عن مورد الابتلاء غير مانع عن جريان الأصل.

كما أنّه لا يمنع عن جريان أصالة الحلّ جريان أصالة عدم التذكية في‌

____________

(1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4

307

الحيوان، على تقدير الشكّ فيها بناء على أخذ قابلية المحلّ جزء للتذكية، و تردّد الحيوان المأخوذ منه اللّباس بين كونه قابل للتذكية أو غير قابل، فإنّ أصالة عدم التذكية على تقدير جريانها إنّما تنفع بالنسبة إلى الأجزاء التي تحلّها الحياة، و أمّا بالنسبة إلى الصوف و الوبر و الشعر و غيرها من الأجزاء التي لا تحلّها الحياة فأصالة عدم التذكية ممّا لا أثر لها، و لا تمنع عن جريان أصالة الحلّ في الحيوان بالنسبة إلى أثر جواز الصلاة في مثل الوبر و الصوف، نعم بالنسبة إلى الأجزاء التي تحلّها الحياة تكون أصالة الحلّ محكومة بأصالة عدم التذكية في مورد جريانها.

و بالجملة: ما توهّم مانعا عن جريان أصالة الحلّ غير مانع، لا خروج اللّحم عن محلّ الابتلاء، و لا جريان أصالة عدم التذكية في الحيوان، لأنّه يكفي في جريان الأصل مجرّد ترتّب أثر شرعي عليه، و لو كان ذلك الأثر جواز الصلاة في وبره و صوفه، فالخروج عن محلّ الابتلاء لا يصلح للمانعية، كما أن أصالة عدم التذكية لا تصلح للمانعية بالنسبة إلى الأجزاء التي لا تحلّها الحياة، هذا.

و لكن مع ذلك لا يستقيم الاستدلال بأصالة الحلّ الجارية في الحيوان لجواز الصلاة في المأخوذ منه بالبيان المتقدّم، و ذلك لأنّ اللّباس المشكوك تارة يكون منشأ الشكّ فيه من جهة الشكّ بين أخذه من الحيوان المحلّل أو من الحيوان المحرّم المعلوم كلّ منهما و الممتاز في الخارج عن الآخر، كما أنّه لو فرض أنّ هناك غنما معلوم الحلّية و أرنبا معلوم الحرمة، و شكّ في أخذ الصوف مثلا من الغنم أو الأرنب، و هذا هو الغالب في اللّباس المشكوك. و اخرى يكون الشكّ فيه من جهة الشكّ في المأخوذ منه، و تردّده بين كونه محلّل الأكل أو محرّمة، كما لو فرض أنّ هناك حيوانا علم أخذ الصوف منه، و لكن تردّد الحيوان بين المحلّل و المحرّم سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

فلو كان منشأ الشكّ من قبيل القسم الأول فلا مجال لتوهّم جريان أصالة‌

308

الحلّ في الحيوان، حتّى يكون موجبا لرفع الشك المسبّبي من جواز الصلاة في صوفه مثلا، و ذلك لأنّه ليس هناك حيوان مشكوك الحلّية و الحرمة حتّى تجري أصالة الحلّ فيه، بل المفروض أنّ أحد الحيوانين معلوم الحلّية و الآخر معلوم الحرمة، فالشكّ ليس راجعا إلى المأخوذ منه و هو الحيوان حتّى تجري أصالة الحلّ فيه، بل الشكّ راجع إلى مرحلة الأخذ، و أنّ الصوف من أي من الحيوانين أخذ.

و توهّم أنّ الشكّ في الأخذ يستلزم الشكّ في المأخوذ منه قهرا، و بهذا الاعتبار يكون المأخوذ منه مجرى لأصالة الحلّ. فاسد جدّا، فإنّه إن أريد من استلزام الشكّ في الأخذ الشكّ في المأخوذ منه تحقّق الشكّ في المأخوذ منه الخارجي، المعلوم حلّية أحدها و حرمة الآخر، فدعوى الاستلزام ممنوعة جدّا، و كيف يعقل الشكّ في المأخوذ منه الخارجي مع العلم بحلّية أحدها و حرمة الآخر؟

و إن أريد من الاستلزام مع قطع النظر عن المأخوذ منه الخارجي، بأن يقال:

إنّ الشخص الآن شاكّ في أنّ المأخوذ منه هذا الصوف حلال أو حرام، و لو باعتبار الشكّ في نحو الأخذ مع قطع النظر عن أنّ المأخوذ منه الخارجي لا ترديد فيه، بل يلاحظ نفس هذا المفهوم المنتزع عن لحاظ الاتّصاف باتّخاذ هذا الصوف منه، و يغمض العين و يقطع النظر عن الخارج، فالاستلزام و إن كان صحيحا إلّا أنّ هذا مجرّد مفهوم و محض تصوّر لا واقع له، و لا يمكن جريان أصالة الحلّ بهذا الاعتبار المبني على المغالطة و عدم ثبوت واقع له. فالإنصاف أنّ في هذا القسم من الشكّ لا مجرى لأصالة الحلّ أصلا.

و أمّا القسم الآخر، و هو ما إذا كان الشكّ في الصوف من جهة الشكّ في حلّية الحيوان المأخوذ منه و حرمته، فهو و إن كان أصالة الحلّ قاضية بحلّية الحيوان المشتبه، إذا ترتّب على الحلّية أثر شرعي يمكن إحرازه بأصالة الحلّ، و لو كان ذلك الأثر جواز الصلاة في أجزائه، إلّا أنّه مع ذلك لا جدوى لأصالة الحلّ فيما نحن فيه‌

309

و بيان ذلك هو أنّه يعتبر في كلّ شكّ سببي و مسبّبي أن يكون بين الشكّ السببي و المسبّبي ترتّب و طولية، و أن يكون ذلك الترتّب شرعي لا عادي أو عقلي، و أن يكون الأصل الجاري في الشكّ السببي رافعا لموضوع الشكّ المسبّبي و هادما له، كما في الشكّ في طهارة المغسول بماء مشكوك الطهارة و النجاسة، حيث إنّ أصالة الطهارة في الماء يوجب رفع الشكّ في نجاسة المغسول به.

و بالجملة: يعتبر في رفع الشكّ المسبّبي عند جريان الأصل في الشكّ السببي اجتماع هذه القيود الثلاثة، فلو انتفى أحد هذه القيود، إمّا بأن لا يكون بينهما ترتّب، أو كان ذلك الترتّب عاديّا أو عقليّا، أو كان الأصل الجاري في الشكّ السببي غير رافع للشكّ المسبّبي، كان الشكّ المسبّبي باقيا على حاله، و الأصل الجاري في الشكّ السببي ممّا لا فائدة له بالنسبة إلى الشكّ المسبّبي.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الحكم المترتّب على ما يحلّ أكله و ما لا يحلّ، كعدم جواز الصلاة في أجزائه و جوازها، يمكن أن يكون على أحد وجوه ثلاث.

الأول: أن يكون الحلّية و الحرمة أخذت في موضوع الدليل لمجرّد المعرّفية إلى الذوات التي يحلّ أكلها أو يحرم

، من الغنم و الأرنب و أمثال [ذلك]، بحيث لا يكون لوصف الحلّية و الحرمة دخل في ترتّب ذلك الحكم، من جواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها، و حينئذ يكون جواز الصلاة فيما يؤكل و عدم جوازها فيما لا يؤكل في عرض حلّية الأكل و حرمته معروضان لذات الحيوان من دون أن يكون بينهما ترتّب و طولية، بل كانا معلولين لعلّة ثالثة.

و على هذا الوجه لا جدوى لأصالة الحلّ القاضية بحلّية الحيوان، و لا يترتّب عليها جواز الصلاة في أجزائه، إذ لا سببية و مسبّبية بين الحكمين و لا بين الشكّين، فأصالة الحلّ في الحيوان لا يوجب جواز الصلاة فيه، لأنّ إثبات أحد المتلازمين بالأصل لا يوجب إثبات اللازم الآخر، إلّا على القول بالأصل المثبت كما لا يخفى.

310

الوجه الثاني: أن يكون الحلّية و الحرمة أخذت في موضوع الدليل للعنوانية،

بأن يكون لوصفي الحلّية و الحرمة دخل في جواز الصلاة و عدمه، و يكونا موضوعين لذلك، لكن لا مطلق الحلّية و الحرمة، بل الحلّية و الحرمة العارضان لذوات الحيوانات في حدّ أنفسها، المحفوظان عند طروّ ما يوجب الرخصة فعلا أو المنع، كالحلّية الموضوعة للحم الغنم، و الحرمة الموضوعة للحم الأرانب، بداهة أنّ الحلّية الموضوعة للحم الغنم لا تنافي عروض المنع الشرعي عن أكله في مورد، كما إذا كان مغصوبا، فإنّ الغنم مع كونه مغصوبا محلّل الأكل في حدّ ذاته، بمعنى أنّ الغنم خلق مأكول اللّحم، كما أنّ حرمة لحم الأرانب لا تنافي الرخصة الشرعية في أكله، كما إذا كان في المخمصة، فإنّه مع ذلك الأرنب خلق غير مأكول اللّحم.

و بالجملة: يمكن أن تكون الحلّية و الحرمة الذاتيّان العارضة للحيوان موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها.

و على هذا الوجه يكون الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك مسبّبا عن الشكّ في حلّية الحيوان و حرمته، لأنّ المفروض أنّ حلّية الحيوان و حرمته صار موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه و عدم جوازها، فيكون الشكّ في الجواز مسبّبا عن ذلك.

و لكنّه مع ذلك لا جدوى لجريان أصالة الحلّ في الحيوان لإحراز جواز الصلاة في أجزائه، فإنّ مفاد أصالة الحلّ ليس إلّا الحلّية الفعلية و الرخصة في المشكوك بما أنّه مشكوك، من دون أن تكون محرزة لحال الحيوان و أنّه من محلّل الأكل أو محرّمة، إذ ليست أصالة الحلّ من الأصول التنزيلية المحرزة المتكفّلة لإلغاء أحد طرفي الشكّ و الأخذ بالآخر كالاستصحاب، بل أصالة الحلّ- كأصالة الطهارة- أصل عملي موضوع لمجرّد البناء على أحد طرفي المشكوك بما أنّه مشكوك.

فالحكم الظاهري المجعول بأصالة الحلّ يكون من سنخ الواقعي المجعول في حال الاضطرار، فكما أنّ الرخصة الواقعية المجعولة في حال المخمصة لا توجب صيرورة‌

311

الحيوان محلّل الأكل في حدّ ذاته، فكذلك الرخصة الظاهرية المجعولة بأصالة الحلّ، و حينئذ يكون الشكّ في جواز الصلاة في المشكوك المسبّب عن الشكّ في الحلّية و الحرمة بالمعنى المتقدّم بعد باق على حاله، و الأصل الجاري في ناحية السبب لا يوجب رفع الشكّ المسبّبي.

الوجه الثالث: أن يكون الحلّية و الحرمة الفعليّان موضوعين لجواز الصلاة و عدمه

، بأن يكون تمام الموضوع لجواز الصلاة في أجزاءه هو الرخصة في أكل لحمه فعلا، بحيث يدور جواز الصلاة و عدمه مدار هذه الرخصة و الحلّية الفعلية، فكلّما حلّ أكل لحم الحيوان جاز الصلاة في أجزائه، و كلّما حرم لا تجوز الصلاة في أجزائه.

و على هذا الوجه تكون أصالة الحلّ في الحيوان عند الشكّ فيه مجدية، و رافعة للشكّ المسبّبي، و موجبة لجواز الصلاة في أجزائه.

و إذا تمهّد هذا فنقول: إنّ من الواضح أنّه لم تؤخذ الحلّية و الحرمة بالمعنى الأخير موضوعا لجواز الصلاة في أجزاء الحيوان، حتّى يقال بجريان أصالة الحلّ في طرف الحيوان، ليترتّب عليه جواز الصلاة في أجزائه قضية للسببية و المسبّبية، إذ أدلّة الباب بين طائفتين:

الأولى: ما رتّب الحكم بعدم جواز الصلاة على نفس الأنواع و الذوات المحرّمة، كالأرانب و الثعالب و أمثال ذلك. و من الواضح أنّ هذه الطائفة لا مساس لها لحديث السببية و المسبّبية، إذ لم يعلّق الحكم فيها على حرمة الأكل حتّى يتوهّم ذلك، بل تكون حرمة الأكل و عدم جواز الصلاة في عرض واحد، يعرضان للحيوان باعتبار ما له من الخصوصية كالمسوخية، كما ورد التعليل بذلك في بعض الأخبار.

الطائفة الثانية: ما رتّب الحكم بعدم جواز الصلاة على عنوان ما لا يؤكل‌

312

و ما هو حرام اكله. و هذه الطائفة ممّا لا يمكن إنكار ظهورها في دخل حرمة الأكل في الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان، إذ ظاهر كلّ وصف أخذ في عنوان الدليل أن يكون لذلك الوصف دخل في ترتّب الحكم.

و حمله على المعرّفية خلاف الظاهر خصوصا التفريع الوارد في موثّقة ابن بكير (1)، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها «و كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره .. إلخ» هو أن يكون عدم جواز الصلاة متفرّعا على حرمة الأكل و مترتّبا عليه.

و بالجملة: ظهور هذه الطائفة في سببية الوصف ممّا لا ينكر.

إلّا أنّه مع ذلك يمكن أن يحمل الوصف فيها على المعرّفية بقرينة الطائفة الأولى، إذ لا شبهة في أظهرية الطائفة الأولى، باعتبار اشتمالها على التعليل بأنّ أكثرها مسوخ، و لا مانع من رفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية، و حمل الوصف فيها على المعرّفية لمكان أظهرية الطائفة الاولى.

ثمّ على تقدير التسليم و القول بأنّ لوصف الحرمة دخلا في ترتّب الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزائه، فغاية ما يمكن تسليمه هو أن يكون لوصف الحرمة بالمعنى الثاني دخل في الحكم، و هو الحرمة الذاتية المجعولة لذوات الأشياء في حدّ أنفسها، لا الحرمة بالمعنى الثالث التي هي عبارة عن المنع الفعلي، فإنّ الظاهر من الحرمة و الحلّية- الموصوفة بهما محرّمات الأنواع و محلّلاتها- هو الحرمة و الحلّية الذاتية، لا الحرمة و الحلّية الفعلية.

ثمّ على تقدير تسليم عدم ظهورها في ذلك، فلا محيص للفقيه من حملها على ذلك، بداهة أنّه لو لم يحمل على ذلك، و قلنا بأنّ الحلّية و الحرمة الفعليين‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

313

موضوعان لعدم جواز الصلاة و جوازها، كان اللازم هو الحكم بجواز الصلاة في أجزاء ما اضطرّ إلى أكله للمخمصة من الأرانب و الثعالب، و عدم جواز الصلاة في الغنم المغصوب أو المحلوف ترك أكله. و هذا- كما ترى- باطل بالضرورة فلما كان هذا التالي الباطل لا بدّ من حمل الحلّية و الحرمة على الحلّية و الحرمة العارضين لذوات الأشياء، و عليه كان جريان أصالة الحلّ في الحيوان ممّا لا يثمر في رفع الشكّ المسبّبي من جواز الصلاة في أجزائه، لما عرفت من أنّ الحلّية الثابتة بأصالة الحلّ إنّما هي الحلّية الفعلية و الرخصة في أكل اللّحم، و جواز الصلاة و عدم جوازها لم يترتّب على هذه الحلّية، بل على الحلّية الذاتية العارضة لذوات الأنواع.

فظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يترتّب على جريان أصالة الحلّ في الحيوان جواز الصلاة في أجزائه، و أنّ حديث السببية و المسبّبية ممّا لا مساس لها في المقام، إمّا لعدم السببيّة و المسببيّة، كما إذا كانت حلّية الأكل و جواز الصلاة كلاهما معروضين لذات الحيوان في عرض واحد، و إمّا لعدم الجدوى في السببية و المسبّبية بناء على ترتّب جواز الصلاة على الحلّية الواقعية.

و ممّا ذكرنا ظهر أيضا أنّه لو قلنا بأصالة الحرمة عند الشكّ في حلّية الحيوان و حرمته، إمّا لكون الأصل في اللّحوم الحرمة- كما حكي (1) عن المحقّق و الشهيد الثانيين- بناء على أنّ حصر المحلّلات في الطيّبات في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (2)، يوجب انقلاب الأصل في المطعومات، و أنّ الأصل فيها الحرمة كما هو الشأن في كلّ حكم علّق على أمر وجودي، حيث يلزم إحرازه في ترتّب ذلك الحكم على ما هو المعروف بينهم، و إمّا لكون الأصل في كلّ شبهة تحريمية هو الحرمة- كما ذهب إليه الأخباريّون- فليس مفاد أصالة الحرمة حينئذ إلّا عكس‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 36 ص 402.

(2) المائدة: الآية 4.

314

مفاد أصالة الحلّ، و لا يترتّب عليها عدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان و إن حرم أكل لحمه، لأنّ حرمة أكل لحمه المدلول عليه بأصالة الحرمة لا يصيّره محرّم الأكل ذاتا، بل هي كالحرمة الواقعية المجعولة في حال الغصب، و المفروض أنّ عدم جواز لصلاة مترتّب على الحرمة الذاتية لا الحرمة العرضية الفعلية.

و بالجملة: لا يكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحلّ في الحيوان المتّخذ منه اللّباس، كما لا يكفي في ثبوت المانعية جريان أصالة الحرمة فيه بناء على أنّ الأصل فيه الحرمة، و كذا لا يكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحلّ من جهة الحرمة الذاتية أو الحرمة التشريعية في الصلاة في المشكوك.

أمّا الأول فلأنّ الحرمة الذاتية ممّا لا ينبغي توهّمها في الصلاة فيما لا يؤكل و غيره من سائر القيود المعتبرة في صحّة الصلاة سوى الطهارة الحدثية، إمّا مطلقا أو في خصوص الحيض، و إن كان الأقوى أنّ الطهارة الحدثية مطلقا على حدّ سائر القيود ممّا لا حرمة ذاتية للصلاة عند اختلالها، و على كلّ حال لا مجرى لأصالة الحلّ في رفع الحرمة الذاتية، لأنّ الصلاة فيما لا يؤكل ممّا يقطع بعدم حرمتها الذاتية، فالمشكوك من أنّه ممّا لا يؤكل لا يشكّ في حرمته الذاتية و حلّيته، حتّى تجري فيه أصالة الحلّ.

و على فرض التسليم و القول بحرمة الصلاة ذاتا عند فعلها فيما لا يؤكل، فمع ذلك لا يجدي أصالة الحلّ في رفع المانعية، فإنّ غاية ما يثبت بأصالة الحلّ هو عدم الحرمة الذاتية و حلّية الصلاة في المشكوك، و أمّا كون هذه الصلاة ممّا تنطبق على المأمور به فمما لا يمكن إثباته بأصالة الحلّ إلّا على القول بالأصل المثبت، فيبقى الشكّ في الخروج عن عهدة التكليف باقيا على حاله.

فأمّا الثاني فلأنّ بمجرّد الشكّ في المشروعية ممّا يقطع بعدم المشروعية، و لا يبقى مجال لأصالة الحلّ بناء على ما هو التحقيق من أنّ حرمة التشريع لا تدور‌

315

مدار عدم المشروعية الواقعية، بل حكم العقل بقبح التشريع- المستتبع بقاعدة الملازمة لحكم الشارع بحرمته- مترتّب على الأعم من القطع بعدم المشروعية الواقعية و الظنّ و الشكّ بجامع واحد، بحيث يكون تمام الموضوع لحكم العقل هو عدم إحراز المشروعية، فبمجرّد عدم إحراز المشروعية يتحقّق تمام ما هو موضوع حكم العقل بقبح الاستناد و التشريع، فلا يبقى مجال للشكّ حتّى يتشبّث بذيل أصالة الحلّ للحلّية التشريعية.

كما أنّه بناء على هذا لا يمكن التشبّث بأصالة عدم المشروعية لإثبات الحرمة التشريعية فيما كان الحالة السابقة عدم المشروعية، لا في مثل المقام من الشكّ في انطباق الصلاة في المشكوك على ما هو المأمور به الثابت تشريعه قطعا، فإنّ في مثل هذا لا مجال للاستصحاب من جهة انتفاء الحالة السابقة.

و أمّا فيما كان حالته السابقة عدم المشروعية فلا يمكن جريان الاستصحاب لإثبات عدم المشروعية النفس الأمرية، لما عرفت من أنّ الأثر الذي يراد ترتّبه بالاستصحاب من الحرمة التشريعية غير مرتّب على عدم المشروعية النفس الأمرية، بل الأثر مترتّب على عدم إحراز المشروعية، و هذا حاصل بنفس الشكّ وجدانا و متحقّق تكوينا، و ما كان حاصلا بنفس الشكّ تكوينا لا يمكن أن تناله يد التعبّد، لأنّه تحصيل للحاصل، بل أردأ أنحائه، لأنّه يرجع إلى إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبّد.

و بالجملة: بعد ما كان حرمة التشريع لا تدور مدار عدم المشروعية الواقعية، بل كان تمام الموضوع الواقعي لحرمة التشريع هو عدم إحراز المشروعية، فبنفس الشكّ بالمشروعية يقطع بعدم المشروعية، و لا مجال لأصالة الحلّ في إثبات المشروعية، و لا لأصالة عدم المشروعية في إثبات عدم المشروعية فيما كان الحالة السابقة عدم المشروعية كالحجّية مثلا، و أمّا في مثل المقام من الشكّ في الانطباق‌

316

فأصالة عدم المشروعية ممّا لا مجرى له من أصله، لانتفاء الحالة السابقة. هذا بناء على ما هو التحقيق عندنا من أنّ تمام الموضوع لقبح التشريع هو عدم العلم بالمشروعية الثابت عند القطع بالعدم و الشكّ و الظنّ.

و أمّا بناء على الاحتمال الآخر من أنّ حكم العقل بقبح التشريع إنّما هو مترتّب على عدم المشروعية الواقعية، و كان حكمه بقبح التشريع عند الشكّ في المشروعية من أجل التحرّز عن الوقوع فيما هو الموضوع الواقعي، لا لقبح التشريع و هو عدم المشروعية الواقعية، فيكون حكمه في صورة الشكّ لمحض الطريقية، كحكمه بقبح التصرّف في المال المشكوك كونه لنفسه أو لغيره، فإنّ القبيح العقلي إنّما هو التصرّف في مال الغير، لا فيما شكّ كونه مال الغير، و لكن مع ذلك يقبح التصرّف في المال المشكوك مخافة للوقوع في القبيح الواقعي، فلأصالة عدم المشروعية مجال، لأنّ المفروض أنّ الحرمة التشريعية مترتّبة على عدم المشروعية الواقعية لا على عدم العلم بها، و الشكّ في المشروعية لا يلازم ما هو الموضوع للحرمة من العدم الواقعي، و إن استقلّ العقل بالحرمة عند الشكّ من باب الطريقية، فالأصل الموضوعي المحرز لعدم المشروعية الواقعية جار و حاكم على الحكم الطريقي العقلي، كما في مثل قاعدة الطهارة و استصحابها.

و لكن مع ذلك أصالة الحلّ لا تجري، لأنّ أصالة الحلّ ليست من الأصول الموضوعية المحرزة للواقع، بل إنّما هي قاعدة مضروبة لغرض الشكّ مع حفظ الشكّ، و الحكم الطريقي العقلي بقبح التشريع عند الشكّ المستتبع بقاعدة الملازمة حكم طريقي شرعي بحرمته يكون هادما لموضوع أصالة الحلّ و رافعا له، لأنّ بمجرّد الشكّ في المشروعية يحكم العقل و الشرع بقبح و حرمة التشريع، فلا يبقى شكّ حتّى يتشبّث بذيل أصالة الحلّ، لأن جريانها موقوف على انحفاظ الشكّ، و مع هذا الحكم العقلي الطريقي لا انحفاظ له. و لا يقاس أصالة الحلّ بأصالة عدم‌

317

المشروعية حيث قلنا بجريانها، فإنّ أصالة العدم من الأصول التنزيلية المحرزة للواقع الموجبة لإلقاء الشكّ و الأخذ بأحد الطرفين على أنّه هو الواقع، فأصالة العدم يكون موجبا لرفع الشكّ في المشروعية و محرزا لعدمها الواقعية، و معها لا يبقى شكّ في المشروعية حتّى يتشبّث بذيل الحكم العقلي الطريقي بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الوقوع في التشريع الواقعي، و أين هذا من أصالة الحلّ؟ فإنّ موضوع أصالة الحلّ إنّما هو الشكّ في الحلّية و الحرمة، و الشكّ في المشروعيّة و إن كان مستتبعا للشكّ في حرمة التعبّد به و حلّيته، إلّا أنّه بنفس الشكّ في المشروعية العقل يستقلّ بقبح التعبّد به الملازم لحكم الشارع بحرمته، فلا تصل النوبة إلى أصالة الحلّ.

و بعبارة أخرى: موضوع حكم العقل بقبح التعبّد إنّما هو الشكّ في المشروعية، و موضوع أصالة الحلّ إنّما هو الشكّ في الحلّية و الحرمة المسبّبية عن الشكّ في المشروعية، و بعد جريان الأصل السببي و هو حكم العقل بقبح التعبّد عند الشكّ لا يبقى مجال للأصل المسبّبي [1]. من أصالة الحلّ.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّه لو كان الشكّ في انطباق المشكوك على المأمور به

كما في مثل المقام، فلا أصالة الحلّ تجري و لا أصالة عدم المشروعية، سواء قلنا بأنّ موضوع قبح التشريع هو عدم المشروعية الواقعية، أو قلنا بأنّ موضوعه هو عدم العلم بالمشروعية. أمّا عدم جريان أصالة الحلّ، فلأنّ بمجرّد الشكّ يستقلّ العقل بقبح التشريع من باب الطريقية بناء على الأول، و من باب الموضوعية بناء على الثاني. و أمّا عدم جريان أصالة عدم المشروعية، فلأنّ‌

____________

[1] بل لو فرض اتحاد الموضوع و اتحاد المرتبة فلا بدّ من التخصيص، لأعمّية أصالة الحلّ و أخصّية حكم العقل «منه (مدّ ظلّه)».

318

الانطباق و عدم الانطباق ممّا لا يكون له حالة سابقة.

و أمّا لو كان الشكّ في أصل المشروعية كالشكّ في الحجّية و أمثال ذلك، فإن قلنا بأنّ الموضوع لحكم العقل و الشرع بقبح التشريع و حرمته يدور مدار عدم المشروعية النفس الأمرية، و أنّ حكمه عند الشكّ في المشروعية بقبح الاستناد و التشريع لمحض الطريقية، فأصالة عدم المشروعية تجري، و لكنّ أصالة الحلّ لا تجري أيضا، و أمّا لو قلنا بأنّ قبح التشريع لا يدور مدار عدم المشروعية النفس الأمرية، بل يدور مدار عدم إحراز المشروعية، فلا أصالة الحلّ تجري و لا أصالة عدم المشروعية، لتحقّق تمام الموضوع للقبح العقلي بنفس الشكّ وجدانا و حاصل تكوينا، و لا يمكن التعبّد بما هو محرز بالوجدان و حاصل بنفسه.

و لا ينتقض بما إذا قامت أمارة معتبرة على عدم تشريع شي‌ء، فلأنّ لازم هذا البيان هو عدم حجّية مثل هذه الأمارة، لأنّ المؤدّى حاصل بنفس الشكّ، فلا يمكن التعبّد بما هو حاصل و إن كان ذلك بالأمارة، و ذلك لعدم أخذ الشكّ في موضوع حجّية الأمارة، و إنّما كان الشكّ موردا لها من باب لغوية جعل الطريق على القاطع بذي الطريق. و الحاصل: أنّه لا يعتبر في تحقّق موضوع الأمارة الشكّ، و إنّما المعتبر هو تحقّق أثر و فائدة على مؤدّاها، و يكفي في الأثر ثبوت عدم المشروعية النفس الأمرية مع لوازمه و ملزوماته المثبتة، و أين هذا من الاستصحاب الذي أخذ الشكّ في موضوعه؟ فتأمّل جيّدا.

و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّه لا مجال للتشبّث بأصالة الحلّ لرفع الشكّ في المشروعية، لعدم تحقّق موضوعها. و لو سلّم و أغمضنا عن جميع ما تقدّم، فغاية ما يترتّب على أصالة الحلّ هو جواز الاستناد و فعل الصلاة في المشكوك مستندا إلى الشارع، و مجرّد ثبوت هذا لا يكفي في رفع المانعية و انطباق الصلاة في المشكوك على المأمور به إلّا على القول بالأصل المثبت.

319

و بالجملة: فليس التمسّك بهذا الأصل مبنيّا على شي‌ء من هذه الوجوه، و إنّما بناء الاستدلال على إجرائه في نفس الشكّ في المانعية، من حيث رجوع الشكّ في ذلك إلى الشكّ في حلية الصلاة فيه و حرمته حقيقة، باعتبار منشأ انتزاع المانعية الذي هو عبارة عن تقيّد المطلوب بعدم وقوع الصلاة فيه، على ما أسلفنا الكلام فيه، فكما أن القيدية تساوق الحرمة فكذلك عدم القيدية يساوق الحلّية. فإن كانت الحلّية و الحرمة حلّية و حرمة واقعية كان معناهما ثبوت التقيّد و عدمه واقعا، و إن [كانت] الحلية و الحرمة حلّية و حرمة ظاهرية كان معناهما ثبوت التقيّد و عدمه ظاهرا، و يترتّب على الحلّية الظاهرية في المقام الصحّة و الإجزاء، كما يترتّب عليها في التكاليف الاستقلالية النفسية جواز الفعل و إباحة المنافع المقصود فيها يحكم عليه بالحلّية.

و حاصل الاستدلال: هو أنّ المراد من «الشي‌ء» في قوله (عليه السلام) «كلّ شي‌ء فيه حلال و حرام» و الموصول في قوله «كلّ ما كان فيه حلال و حرام» إمّا أن يكون نفس الموضوعات الخارجية المردّدة بين الحلال و الحرام، كما هو الظاهر من لفظة الشي‌ء، و التمثيل بالثوب في رواية مسعدة (1)، و ورود الموصول بعد السؤال عن الجبن في رواية عبد اللّٰه بن سليمان (2) و إمّا أن يراد من الشي‌ء أو الموصول نفس الأفعال المشتبهة من حيث أنفسها، أو باعتبار تعلّق الأفعال بموضوعاتها المشتبهة فإن كان المراد من الشي‌ء و الموصول هو نفس الموضوعات الخارجية فيكون [المراد] من الحلّ و الحرمة المعنى الوضعي، الثابت لنفس الموضوعات الخارجية باعتبار تعلّق أفعال المكلّفين بها، إذ لا معنى لحلّية الموضوع أو حرمته في نفسه و حدّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4

(2) الوسائل: ج 17 ص 91 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 2.

320

ذاته، بل إنّما يتّصف بالحلّية و الحرمة باعتبار تعلّق فعل المكلّف به، لكن لا على أن يكون واسطة في العروض بأن تكون الحلّية و الحرمة عارضين أولا و بالذات لنفس الفعل، و كان اتّصاف الموضوع بهما بالعرض و المجاز، حتّى يحتاج إلى تقدير المضاف في قولك الخمر حرام من نحو الشرب و الاستعمال و أمثال ذلك، فإنّ ذلك إنّما يكون على تقدير كون الحلّية و الحرمة الحلّية و الحرمة الاقتضائية لا الحلّية و الحرمة الوضعية، فإنّ الحلّية و الحرمة الوضعية إنّما يتّصف بهما نفس الموضوع الخارجي حقيقة، غايته أنّه لا بما هو هو بل باعتبار تعلّق فعل المكلّف به، بحيث يكون الفعل واسطة في الثبوت و مصحّحا لعروض الحلّية و الحرمة على الموضوع.

و إن أريد من الشي‌ء أو الموصول نفس الأفعال، لا بمعنى إرادة خصوص الأفعال التي ليس لها تعلّق بموضوع خارجي، حتّى يكون أصالة الحلّ أجنبية عن المقام و أمثاله ممّا كان الشكّ من جهة التردّد في الموضوع الخارجي، إذ إرادة خصوص الفعل بقيد عدم تعلّقه بموضوع خارجي ممّا لا شاهد عليها، بل المراد الأفعال بمعناها الأعم، أي سواء كان لها تعلّق بموضوع خارجي أو لم يكن.

و حاصل الكلام: أنّ المراد من الشي‌ء في لسان الدليل، إمّا أن يكون الأفعال سواء كان لها تعلّق بموضوع خارجي أو لم يكن، و إمّا أن يكون المراد منها خصوص الموضوعات باعتبار تعلّق الفعل به، و إمّا أن يراد منه خصوص الفعل الذي له تعلّق بموضوع خارجي. و الفرق بين القسمين الأخيرين من حيث نفسها، أو باعتبار تعلّقها بموضوعاتها المشتبهة، فيكون المراد من الحلّية و الحرمة حينئذ المعنى الاقتضائي العارض لأفعال المكلّفين، فعلى الأول يختصّ جريان هذا الأصل بما إذا كان الشكّ في الحلّية و الحرمة مستندا إلى تردّد موضوع خارجي بين الأمرين، و على الثاني لا يختصّ بذلك، بل يعمّ ما إذا كان الشكّ فيهما مستندا إلى تردّد المكلّف بين من يحلّ له الفعل أو يحرم كالخنثى.

321

ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا يعتبر في جريان هذا الأصل من أن تكون الحرمة المحتملة الذي يراد نفيها بهذا الأصل- على تقدير ثبوتها الواقعي- عارضة للشي‌ء من جميع الجهات، بأن يكون الشي‌ء، حراما بقول مطلق لا منفعة محلّلة له أصلا، بل يكفي في جريان هذا الأصل كون الشي‌ء محتمل الحرمة من جهة خاصّة، و إن كان له منفعة محلّلة قطعية من جهة أخرى. نعم يعتبر في الجهة المحتملة تحريمها أن تكون من الجهات المقصودة من الشي‌ء ممّا يعدّ عند العرف منفعة له، فالجهة النادرة التي لا يعتني بها العقلاء خارجة عن مجاري هذا الأصل، كما لو فرض أن جميع منافع الشي‌ء المقصودة منه محلّلة قطعا، و كان هناك جهة نادرة غير مقصودة يحتمل حرمتها، فإنّ في مثل هذا لا يصحّ أن يقال: إنّ هذا الشي‌ء محتمل الحلّ و الحرمة بحيث يوصف الشي‌ء بهما حتّى يدخل في مجاري هذا الأصل.

و بالجملة: لو كان للشي‌ء جهة مقصودة عند العرف، و منفعة معتنى بها عند العقلاء و احتمل حرمتها، صحّ أن يقال: إنّ هذا الشي‌ء محتمل الحلّ و الحرمة، و لا يحتاج في جريان هذا الأصل تردّد الشي‌ء بينهما من جميع الجهات، و لا إشكال أنّ الصلاة في الشي‌ء من الجهات المعتنى بها عند العرف و المنافع المقصودة عند العقلاء، فلو تردّد الشي‌ء بين حلية الصلاة فيه و حرمتها يدخل في مجاري هذا الأصل، و إن لم تكن الجهات الأخر من مجاريه، كما إذا كانت مقطوعة الحلّية أو الحرمة.

و كذلك لا مجال لتوهّم اختصاص هذا الأصل بما إذا كان المنع و الحرمة المحتملة في موضوع أصالة الحلّ حكما نفسيّا و خطابا مستقلا ناشئا عن المبغوضية الذاتية، حتّى يختصّ موضوع أصالة الحلّ بالتكاليف الاستقلالية و الشبهات النفسية التحريمية، بل يعمّ ما إذا كان المنع و الحرمة من جهة القيدية و المنع عن وقوع الصلاة فيه، فإنّ الملاك في اتّصاف الشي‌ء بالحرمة الشرعية هو تعلّق‌

322

التكليف العدمي به، سواء كان مطلوبا لنفسه كما في التكاليف الاستقلالية، أو مطلوبا لغيره كما في التكاليف الغيرية.

و بالجملة: ليس معنى الحرمة الشرعية إلّا عبارة عن المنع عن الشي‌ء في الشريعة، و حرمان العباد عنه، و كونه واقعا في حيّز التكليف العدمي، من دون دخل الاستقلالية في ذلك.

فكما أنّ الخمر حرام شرعا، و واقع في حيّز التكليف العدمي، و حرم العباد عنه من جهة شربه، أو حرم العباد عن نفس شربه على الوجهين المتقدّمين، من أنّ المراد من الشي‌ء هو نفس الموضوعات باعتبار تعلّق أفعال العباد بها، أو الأفعال المتعلّقة بالموضوعات، فكذلك وقوع الصلاة في غير المأكول أو الحرير حرام شرعا، و واقعا في حيّز التكليف العدمي، و حرم العباد عنه باعتبار إيقاع الصلاة فيه، أو حرم العباد عن إيقاع الصلاة فيه على الوجهين.

و كما أنّ المائع المردّد بين الخلّ و الخمر مردّد بين الحلال و الحرام باعتبار تعلّق الشرب به، أو تردّد نفس الشرب بينهما، فكذلك الصوف المردّد بين ما قيّدت الصلاة بعدم الوقوع فيه و ما رخّص إيقاعها فيه مردّد بين الحلال و الحرام حقيقة، و مندرج تحت موضوع هذا الأصل بحسب حاقّ معنى الحلّ و الحرمة.

و كما أنّ مرجع جريان أصالة الحلّ في المائع المردّد إلى ترخيص ظاهري فكذلك مرجع جريان أصالة الحلّ في الصوف المردّد إلى ترخيص ظاهري من جهة إيقاع الصلاة فيه، و مرجع الترخيص في الصوف إلى إطلاق المطلوب و عدم تقيّده بعدم الوقوع فيه، و لازم ذلك هو الصحّة و الإجزاء الظاهري.

و بالجملة: الاستدلال بأصالة الحلّ لجواز الصلاة في المشكوك يتركّب من مقدّمات ثلاث.

الأولى: رجوع الشكّ في مانعية المشتبه إلى الشكّ في منع الشارع

من إيقاع‌

323

الصلاة فيه أو ترخيصه له. و رجوع الشكّ إلى ذلك موقوف على ما مهّدناه سابقا و أوضحناه، من أنّ منشأ انتزاع المانعية هو تقيّد المطلوب بعدم الوقوع فيما فرض كونه مانعا و وقوع ذلك في حيّز التكليف العدمي.

و بهذه المقدّمة يخرج الشكّ في الأجزاء و الشرائط عن موضوع هذا الأصل، إذ منشأ انتزاع الجزئية و الشرطية ليس هو إلّا عبارة عن تقيّد المطلوب بالوقوع فيه أو معه، فهو واقع في حيّز التكليف الوجودي لا العدمي، و ذلك- كما ترى- أجنبي عن موضوع أصالة الحلّ، فإنّ موضوع أصالة الحلّ- كما عرفت- إنّما هو تردّد الفعل أو الموضوع الخارجي بين الممنوع عنه شرعا و بين المرخّص فيه، و أين ذلك ممّا كان التردّد من جهة وقوعه في حيّز التكليف العدمي؟ و بالجملة: الشكّ في الأجزاء و الشرائط أجنبي عن اندراجه في موضوع هذا الأصل.

و حاصل الكلام: هو أنّ تقيّد المطلوب بعدم وقوعه في شي‌ء عبارة عن منع مولوي عن إيقاعه في ذلك الشي‌ء، كما أنّ عدم التقييد و إطلاق المطلوب بالنسبة إلى القطن و الكتّان مثلا عبارة عن الرخصة الشرعية المقابلة للمنع المذكور، و كلّ من هاتين الجهتين واضح.

أمّا رجوع التقييد إلى المنع المولوي فهو واضح بعد الانحلاليّة، و وقوع كلّ واحد من أفراد ما لا يؤكل مثلا في حيّز التكليف العدمي، و المنع المولوي عن إيقاع الصلاة فيه. نعم لو منعنا الانحلاليّة و قلنا: إنّ المطلوب هو المعنى البسيط المنتزع عن عدم وقوع المطلوب في آحاد ما لا يؤكل على نحو السالبة معدولة محمولها، كانت الشبهة فيما نحن فيه أجنبية عن مجاري هذا الأصل، إذ مرجع ذلك إلى تقيّد المطلوب بأمر وجودي على نحو تقيّده بالأجزاء و الشرائط، و قد عرفت من أنّه كلّما رجع الشكّ إلى التكليف الوجودي كان خارجا عن مجاري أصالة الحلّ.

و أمّا الجهة الثانية، و هي رجوع عدم التقييد و الإطلاق إلى الترخيص الشرعي‌

324

الذي هو أمر وجودي لا محض اللاحكمية، فلأنّ الإطلاق إنّما هو عبارة عن إرسال المولى، و إرخاء عنان العباد فيما تساوى وجود الشي‌ء و عدمه في عالم اللبّ و الإرادة. و هذا المعنى من الإطلاق يساوق الترخيص و الحلّ و الإباحة.

فدعوى أنّ الترخيص و الإباحة و الحلّية لا يساوق الإطلاق و عدم التقييد.

ممنوعة جدّا، بل الإطلاق كالترخيص أيضا أمر وجودي و أحدهما مساوق للآخر.

و هذا لا ينافي ما قلناه في باب المطلق و المقيّد من أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة لا تقابل التضادّ، فإنّ ما قلناه في ذلك الباب إنّما هو الإطلاق و التقييد الموصوفان بهما الألفاظ بحسب وضع الألفاظ، لا الإطلاق و التقييد النفس الأمري و في عالم اللبّ و الإرادة، فإنّه لا إشكال في أنّ الإطلاق النفس الأمري كالتقييد أمر وجودي.

فظهر فساد ما ربّما يتوهّم من أنّ الشكّ في المقام باعتبار منشأ انتزاع المانعية إنّما هو إلى تقييد المطلوب بعدم الوقوع في المشكوك أو إطلاقه، فيكون أحد طرفي الشكّ أمرا وجوديا و الآخر عدميّا، و في مثل هذا الشكّ لا يندرج في موضوع أصالة الحلّ، لأنّ موضوع أصالة الحلّ إنّما هو فيما إذا كان طرفا الشكّ أمرا وجوديّا من الحرمة و الحلّيّة الذي كلاهما أمران وجوديّان.

وجه الفساد هو أنّ الإطلاق أيضا أمر وجودي مساوق فيما نحن فيه للترخيص و الحلّية.

ثم لو سلّمنا أنّ الإطلاق أمر عدمي فنقول: إنّه لا يعتبر في موضوع أصالة [الحلّ] أن يكون طرفا الشكّ أمرين وجوديّين، فإنّ في رواية معدة: كلّ شي‌ء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه (1) لم يؤخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة موضوعا،

____________

(1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، مع تفاوت يسير.

325

بل لو لم يكن قوله «حتّى تعرف الحرام» كان مفاد الرواية حكما واقعيّا نظير كلّ غنم حلال، و لكن بعد قوله «حتّى تعرف .. إلخ» يستفاد منه أنّه في مقام بيان إعطاء القاعدة للمشكوك، و حينئذ يكون الشكّ في الحرمة و عدمها مندرجا تحت القاعدة المستفادة من رواية مسعدة، و إن خرج عن الرواية الآخر التي أخذ الشكّ في الحرمة و الحلّية موضوعا، و مجرّد أخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة في موضوع هذه الروايات لا يصلح لأن يكون مقيّدا لرواية مسعدة، الذي لم يؤخذ الشكّ في الحلّية و الحرمة موضوعا فيها، فتأمّل جيّدا.

المقدمة الثانية:

بعد ما عرفت من رجوع الشكّ في المانعية إلى الشكّ في منع الشارع فنقول: إنّ الحلّية و الحرمة الواردين في عنوان أدلّة أصالة الحلّ لا اختصاص لهما بالحلّية و الحرمة الناشئتين عن المبغوضية الذاتية و عدمها، حتّى يختصّ موضوع أصالة الحلّ بالتكاليف الاستقلالية، بل ليس الحرمة إلّا عبارة عن المنع الشرعي و ما حرم العباد عنه، و لو باعتبار بعض ما يتعلّق به من الأفعال كالصلاة فيه، فإنّ منع الشارع عن إيقاع الصلاة في غير المأكول و ترخيصه في إيقاعها في المأكول عبارة عن الحرمة و الحلّية الشرعية، و لم يؤخذ في حاقّ مدلول لفظة الحرام أن تكون ناشئة عن المبغوضية الذاتية، حتّى يختصّ بالاستقلاليّات. و لو سلّم انصراف لفظة الحرام إلى التكاليف الاستقلالية، فإنّما هو في لسان الفقهاء، و أمّا في لسان الشارع فلا انصراف فيه إلى ذلك.

و الذي يدلّك على ذلك استعمال لفظ الحرام في لسان الأدلّة بمعناه الأعم الناشئ عن المبغوضية الذاتية أو المنع المتعلّق بباب القيود و الروايات الواردة في ذلك و إن كانت كثيرة جدّا، إلّا أنّه نحن نقتصر على ذكر رواية واحدة رواها الفقيه مرسلا، قال: سئل أبو جعفر و أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فقيل لهما: إنّا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حاكتها، أ فنصلّي فيها قبل أن نغسلها؟

326

فقالا: نعم، إنّ الشي‌ء حرم أكله و شربه و لم يحرم لبسه و مسّه و الصلاة فيه (1).

و هذه الرواية- كما ترى- كالصريحة في أنّ الحرمة الشرعية أعمّ من المنع الاستقلالي أو المنع في باب القيود من الموانع، إذ الإمام (عليه السلام) استعمل لفظة الحرام بجامع واحد بين ما حرم لذاته كالمسّ و اللّبس، و ما حرم لأجل المانعية كالصلاة فيه.

و بالجملة: استعمال لفظ الحرام في باب الموانع كثير جدّا كما يظهر للمتتبّع، و عليه لا مجال للمنع عن شمول أصالة الحلّ لما نحن فيه، لأنّ هذا الصوف المردّد بين كونه من مأكول أو غيره، يشكّ في حلّية الصلاة فيه و حرمتها، باعتبار منشأ انتزاع المانعية من تعلّق التكليف العدمي به، فيدخل في مجاري هذا الأصل حقيقة.

و لا حاجة إلى تكلّف أنّ الحلّ و الحرمة في باب العبادات بمعنى الصحّة و الفساد، فيكون الصوف مردّدا بين ما تحلّ الصلاة فيه أي تصحّ، و ما تحرم أي تفسد، و بهذا الاعتبار يدخل ما نحن فيه في مجاري أصالة الحلّ، و ذلك لأنّه و إن استعمل لفظ الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد [1]، كما بظهر من خبر تحف العقول (2) و غيره الوارد في باب المعاملات، إلّا أنّه معلوم أنّ المراد من الحلّية و الحرمة في أدلّة أصالة الحل هو الحلّية و الحرمة التكليفية، لا الحلّية بمعنى الصحّة و الفساد.

____________

[1] بل يمكن أن يقال: إنّه ما استعمل لفظ الحلّ و الحرمة في شي‌ء من الروايات بمعنى الصحّة و الفساد بل المراد من الحلّ و الحرمة في جميع الموارد حتّى في باب المعاملات هو الترخيص و المنع الشرعي غايته أنّ الترخيص و المنع الشرعي يختلف أثره باختلاف متعلّقه ففي باب المعاملات يكون الأثر هو النفوذ و عدم النفوذ و في باب العبادات يكون الأثر هو الإجزاء و الصحّة و عدمها «منه».

____________

(1) الفقيه: ج 1 ص 248 باب لباس المصلّي، ح 751 و فيه «نعم لا بأس إنما حرم اللّٰه أكله و شربه .. إلخ».

(2) تحف العقول: ص 24 ط النجف الأشرف.

327

مع أنّه لو كان الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد لكان اللازم اطّراد أصالة الحلّ عند الشكّ في باب القيود الوجودية من الأجزاء و الشرائط، لأنّه عند الشكّ في تحقّق الشرط يشكّ في الصحّة و الفساد أيضا، فهل يمكن أن يقال: إنّا بأصالة الحلّ نثبت الصحّة؟

و بالجملة: ليس مبنى الاستدلال على أخذ الحلّ و الحرمة بمعنى الصحّة و الفساد، بل مبنى الاستدلال أنّ الممنوع عنه في باب الموانع حقيقة داخل في حاقّ مدلول لفظ الحرام، فالمراد من الحلّ و الحرمة في موضوع أصالة الحلّ هو الحرمة التكليفية، غايته أنّه ليست الحرمة في باب الموانع ناشئة عن المبغوضية الذاتية، و قد عرفت أنّ المبغوضية الذاتية خارجة عن مدلول لفظ الحرام لغة و عرفا و شرعا، إذ ليس الحرام في اللّغة إلّا بمعنى الحرمان المطّرد في باب الموانع أيضا، و عند العرف عبارة عن المنع الشرعي.

المقدمة الثالثة: بعد ما عرفت من أنّ الترخيص و الحلّية الظاهرية المستفادة من أصالة الحلّ

، كما تقابل الحرمة الذاتية كذلك تقابل الحرمة في باب الموانع، فلا محالة يترتّب على الترخيص الظاهري في باب الشبهات الاستقلالية الترخيص و الحلّية الذاتية، بمعنى جواز الشرب و اللّبس و غير ذلك ممّا كان موردا للشبهة، و في باب الموانع يترتّب على الترخيص الظاهري الإجزاء و الصحّة الظاهرية المحفوظة عند عدم انكشاف الخلاف، و ذلك لأنّ الترخيص في كل مقام لا محالة و ان يرجع إلى الجهة المشكوك فيها، إذ لا معنى لورود الترخيص على غير تلك الجهة.

ففي باب التكاليف الاستقلالية يلاحظ الجهة المشكوك فيها فيرد الترخيص عليها، فإن كان الجهة المشكوك فيها هي الأكل مثلا، بأن كان شاكّا في حلّية الأكل، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحلّ يرجع إلى حلّية الأكل، و إن كان الجهة المشكوك فيها هو الشرب فالترخيص يرجع إليه، و هكذا سائر‌

328

الجهات، فإنّ الترخيص يرد على نفس الجهة المشكوكة.

و في باب الموانع الجهة المشكوك فيها هي عبارة عن القيدية المستفادة من المنع عن وقوع الصلاة في المشكوك، فحقيقة الشكّ فيما نحن فيه يرجع إلى المنع المستتبع للقيدية، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحلّ لا بدّ و أن يرد على هذه الجهة، و معنى الترخيص من هذه الجهة هو عدم المنع المساوق للتقييد عن وقوع الصلاة في المشكوك، و مرجع هذا إلى إطلاق المطلوب و عدم أخذ عدم الوقوع في المشكوك قيدا، كعدم أخذ عدم الوقوع في القطن مثلا قيدا، غايته أنّ في باب القطن إطلاق المطلوب بالنسبة إليه و عدم أخذ عدمه قيدا فيه يكون إطلاقا واقعيّا، و فيما نحن فيه يكون إطلاقا ظاهريّا، و كما أنّه يترتّب على الإطلاق الواقعي الصحّة و الإجزاء الواقعي، فكذلك يترتّب على الإطلاق الظاهري الصحّة و الإجزاء الظاهري المقيّد بعدم انكشاف الخلاف.

و بالجملة: ورود الترخيص على الجهة المشكوكة فيها فيما نحن فيه يساوق لإطلاق المترتّب عليه الصحّة و الإجزاء، فالإطلاق المستفاد من أصالة الحلّ فيما نحن [فيه] كالإطلاق المستفاد من أصل آخر موضوعي أو حكمي من استصحاب أو غيره، فكما أنّ من الاستصحاب أو حديث الرفع (1) يستفاد الإطلاق و عدم تقييد المطلوب عند الشكّ فيه و يترتّب عليه الصحّة و الإجزاء، فكذلك من أصالة الحلّ يستفاد ذلك و يترتّب عليه الصحّة و الإجزاء.

و بما ذكرنا يظهر الفرق بين جريان أصالة الحلّ في نفس الجهة المستتبعة للقيدية و المانعية، حيث قلنا بترتّب الصحّة و الإجزاء عليه، و بين جريان أصالة الحلّ من جهة الشكّ في الحرمة الذاتية أو التشريعية، حيث قلنا: إنّه لا يترتّب على‌

____________

(1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1

329

جريان أصالة الحلّ بهذا الوجه الصحّة و الإجزاء و انطباق المأتيّ به على المأمور به إلّا على القول بالأصل المثبت، بداهة أنّ ترخيص الشارع الفعل ذاتا أو من حيث استناده إليه لا يترتّب عليه انطباق المأتي به على المأمور به، و لا يلازم رفع المانعية المشكوكة، إذ الترخيص لم يرجع على هذا الوجه إلى الجهة المستتبعة للمانعية، بل الترخيص يرجع إلى أمر آخر من الحرمة الذاتية أو التشريعية الملازم عقلا لرفع المانعية. و هذا بخلاف جريان أصالة الحلّ من الجهة المستتبعة للمانعية على ما أوضحناه، فإنّ الترخيص من هذه الجهة يساوق الإطلاق و عدم تقيّد المطلوب بما شكّ في مانعيّته، و لازم هذا لا محالة هو ترتّب الصحّة، لأنّ المأتيّ به بالأمر الظاهري مجزٍ ما لم ينكشف الخلاف. هذا تمام الكلام في تقريب التمسّك بأصالة الحلّ فيما نحن فيه.

تنبيه: لا يخفى عليك

أنّ ما قلناه من جريان أصالة الحلّ في التكليف و المنع الشرعي المستتبع للمانعية و ترتّب الصحّة عليه إنّما هو بناء على عدم تأصّل المانعية و أخواتها في الجعل، و أمّا لو قلنا بتأصّل المانعية في الجعل فيشكل التمسّك بأصالة الحلّ لما نحن فيه، فإنّ المانعية بنفسها ليست من مجاري أصالة الحلّ، لما عرفت من أنّه يعتبر في موضوع أصالة الحلّ من أن يكون الشكّ في الحلّية و الحرمة، و أمّا نفس الشكّ في المانعية فليس شكّا في الحلّية و الحرمة.

نعم التكليف المنتزع عن جعل المانعية يكون من مجاري أصالة الحلّ، فإنّ جعل المانعية يستتبع المنع الشرعي عن إيقاع الصلاة فيما فرض كونه مانعا، فالشكّ في المانعية يستتبع الشكّ في المنع الشرعي المسبّب من جعل المانعية، فالشكّ المسبّبي يكون من مجاري أصالة الحلّ إلّا أنّ جريان الأصل في الشكّ المسبّبي لا يوجب رفع الشكّ السببي و هو الشكّ في مانعية المشتبه، فالشكّ في المانعية بعد باق على حاله إلّا على القول بالأصل المثبت.

330

اللّٰهم إلّا ان يقال: إنّه لا حاجة لنا في رفع الشكّ السببي بعد عدم منع الشارع و ترخيصه في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة الذي يلازم المانعية، فالشكّ في المانعية و إن كان بعد باق على حاله إلّا أنّ بقاءه لا يخلّ في جريان الأصل المسبّبي و ترتّب الصحّة، كما لو كان المكلّف على طهارة و خرج منه و ذي أو مذي و شكّ في ناقضية الوذي و المذي، فإنّ الشكّ في ناقضيّتهما و إن كان يستتبع الشكّ في الطهارة إلّا أنّه بجريان استصحاب الطهارة نستغني [عنه]، و إن كان الشكّ في الطهارة مسبّبا عن الشكّ في ناقضية المذي، و ناقضية المذي لم يكن مجرى لأصل. إلّا أنّه لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ السببي بعد حكم الشارع بأنّ المكلّف متطهّر، و المفروض أنّ ما جعل شرطا للصلاة هو الطهارة، و هي حاصلة بمقتضى الاستصحاب فليبق الشكّ في ناقضية المذي إلى يوم القيامة، و بعين ذلك يمكن أن يقال فيما نحن فيه، من أنّ الشكّ في المانعية و إن كان باقيا إلّا أنّه يستغنى عنه بعد ترخيص الشارع في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة المنتزعة عن المانعية لا من جهة التشريع أو الحرمة الذاتية، فتأمّل جيّدا.

و على كلّ حال بناء على تأصّل المانعية في الجعل لا تكون نفس المانعية من مجاري أصالة الحلّ و إن كانت من مجاري أصالة البراءة، إذ لا يعتبر في موضوع البراءة أزيد من أن يكون أمر المشكوك بيد الشارع رفعا و وضعا، و المانعية- بناء على تأصّلها في الجعل- تكون كذلك أمر وضعها و رفعها بيد الشارع، فلا مانع من جريان أصالة البراءة فيها، فتأمّل جيّدا.

المقام الثالث: في بيان جريان أصالة عدم المانع في المقام

، و قد نسب إلى بعض المفروغية عن جريانها في المقام بناء على المانعية، و هو على إطلاقه ممنوع، كما سيتضح لك عن قريب إن شاء اللّٰه. نعم لو قلنا بأنّ أصالة عدم المانع أصل عقلائيّ برأسه، من دون أن يرجع إلى الاستصحاب- كما حكي عن بعض دعوى‌

331

ذلك- لتمّ التمسّك بأصالة عدم المانع في المقام على إطلاقه، و كذلك لو لم نقل بذلك و لكن قلنا باعتبار الأصل المثبت يتمّ إطلاق التمسّك بها في المقام، هذا و لكنّ الظاهر أنّه لا يمكن المساعدة على كلا الدعويين.

أمّا الدعوى الأولى فغاية ما يمكن في تقريبها هو أن يقال: إنّ الطريقة العقلائية قد استقرّت عند الشكّ في وجود شي‌ء على البناء على العدم و ترتيب آثاره عليه، و إن لم يكن ذلك العدم مسبوقا بالحالة السابقة، كما إذا كان الأثر مترتّبا على العدم النعتي لا المحمولي على ما سيأتي بيانه و بالجملة: تارة يكون بناء العقلاء عند التردّد بين الوجود و العدم هو البناء على العدم، من حيث إنّ كلّ حادث مسبوق بالعدم، فهذا يرجع إلى الاستصحاب، و اخرى يكون بناؤهم على ذلك لا من تلك الحيثية، بل من باب أنّ الممكن حيث يفتقر في وجوده إلى علّة خارجة عن ذاته فمع عدم إحراز علّة الوجود يبنون على العدم، و إن كان ذلك العدم من العدم الربطي الذي هو مفاد ليس الناقصة.

و إثبات هذه الدعوى في غاية الإشكال، فإنّ استقرار الطريقة العقلائية لا بدّ و أن يكون ناشئا عن منشإ عقلائي ارتكازي فطري، و لم نجد منشأ لاستقرار الطريقة العقلائية على ذلك، نعم في خصوص باب الأنساب قد ادّعي ذلك، و أنّ بناء العقلاء عند الشكّ في تحقّق النسب على العدم حفظا للأنساب و المواريث. و الحاصل: أنّ دعوى كون أصالة عدم المانع من الأصول العقلائية غير الاستصحاب دون إثباتها خرط القتاد.

و أمّا الدعوى الثانية و هي دعوى حجّية الأصل المثبت ففي غاية الفساد كما بيّنا في محلّه. و أمّا التمسّك بأصالة عدم المانع الراجع إلى الاستصحاب فهو على إطلاقه لا يستقيم،

و توضيح ذلك يتوقّف على بيان أمرين:

الأول: أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات مغاير لما هو المجعول في باب الأصول

332

، فإنّ المجعول الشرعي في باب الطرق إنّما هو الثبوت الواقعي المحكي بالطريق، و لذا كان مثبتاتها حجّة، و أمّا المجعول في باب الأصول- على اختلاف أنحائها- إنّما هو الجري العملي و البناء على مؤدّياتها من حيث العمل- كما حقّق في محلّه- فلا بدّ حينئذ من ترتّب أثر عملي على نفس مؤدّى الأصول إذا لم يكن المؤدّى هو بنفسه أثرا عمليّا، كما إذا كان المؤدّى حكما شرعيّا، إذ بعد ما كان المجعول هو الجري العملي فلا بدّ من أن يكون مؤدّى الأصل ممّا له جري عملي يكون بنفسه ممّا تناله يد الجعل، و لذا كان مثبتاتها غير حجّة.

ثمّ إنّه لا فرق في تحقّق الأثر العملي بين أن يكون الأصل جاريا في وادي الثبوت و مرحلة توجّه التكليف، أو جاريا في وادي السقوط و مرحلة امتثال التكليف، إذ بعد ما كان وادي السقوط و الامتثال- كوادي الثبوت و توجّه التكليف- أمرا قابلا للجعل الشرعي و تصرّف ظاهري و الحكم بتحقّق الفراغ، فلا فرق حينئذ بين كون مؤدّى الأصل راجعا إلى مرحلة الثبوت، أو إلى مرحلة السقوط و الفراغ كما هو واضح.

و كذلك لا فرق في تحقّق الأثر العملي المحتاج إليه في جريان الأصل، بين أن يكون مؤدّى الأصل تمام الموضوع لذلك الأثر، أو كان جزء الموضوع و به قوامه و لو على نحو القيدية، إذ يكفي في تحقّق الأثر هذا المقدار أي و لو بأن يكون جزء لما هو موضوع الأثر أو قيده، بحيث لو لم يجر الأصل لما كان الأثر مترتّبا، و إن كان جزؤه الآخر محرزا بالوجدان. و الحاصل: أنّه يكفي في جريان الأصل كون مؤدّاه ممّا له دخل في تحقّق الأثر، سواء كان تمام الموضوع أو جزءه، و هذا أيضا ممّا لا سترة فيه.

نعم ينبغي تعيين ما هو الضابط الكلّي لمعرفة أنّ في أي مورد يكون مؤدّى الأصل جزء ما هو الموضوع أو قيده و ما لا يكون كذلك، فإنّه ربّما يشتبه الحال في‌

333

بعض الموارد بتخيّل أنّ مؤدّى الأصل يكون جزء موضوع الأثر، مع أنّه لا يكون كذلك و كان موضوع الأثر أمرا آخر لا يمكن إثباته بمؤدّى الأصل إلّا على نحو المثبتية، و كذلك العكس فإنّه ربّما يكون المؤدّى جزء الموضوع و يتخيّل عدمه، فلا بدّ من تعيين الضابط الكلّي لذلك فنقول:

إنّه كلّما كان الأثر الشرعي المجعول مترتّبا على عدّة أجزاء داخلية أو خارجية، بحيث لو أحرزنا تلك الأجزاء و اجتماعها في عمود الزمان، سواء كان إحراز ذلك بالوجدان أو بتعبّد شرعي، لم يبق لنا شكّ في ترتّب ذلك الأثر الشرعي المجعول، و لا تردّد في حصول أمر آخر له دخل في ترتّب الأثر لم نكن محرزين إيّاه، ففي مثل هذا يكفي إحراز بعض تلك الأجزاء بالوجدان و البعض الآخر بالأصل، و ذلك لا يكون إلّا إذا كان الموضوع المركّب متألّفا من أجزاء متباينة ليس لها جامع سوى اجتماعها في الزمان، من دون أن يكون هناك أمر آخر له دخل في الموضوع منتزعا عن اجتماع هذه الأجزاء في الزمان، أو معلولا له، أو ملازما له، فإنّ في جميع هذا لا يكفي إحراز بعض تلك الأجزاء بالوجدان و الآخر بالأصل، إلّا إذا كان نفس ذلك الأمر المنتزع أو المعلول أو الملازم الذي فرض له دخل في ترتّب الأثر محرزا إمّا بالوجدان أو يكون مؤدّى الأصل هو بنفسه، و لا يكفي جريان الأصل في منشأ الانتزاع إلّا على القول بالأصل المثبت.

و حاصل الكلام: ضابط إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل هو أن يكون الموضوع ذا أثر شرعي، و يكون ذلك الموضوع مركّبا من جزءين فصاعدا ليس بينهما جامع سوى تحقّقهما في الوعاء الذي أخذ موضوعا للأثر في ذلك الوعاء، مثلا لو كان طهارة المغسول مترتّبا على الغسل بالماء الطاهر، بحيث يكون الموضوع مركّبا من الماء و كونه طاهرا كما هو كذلك، فحينئذ لو أحرزنا الماء بالوجدان و طهارته بالأصل أو بالعكس و غسلنا في مثل هذا الماء لم يبق لنا شكّ‌

334

بعد في حصول طهارة المغسول، إذ المفروض أنّه لا يعتبر في طهارته سوى الغسل بالماء في ظرف كونه طاهرا، و قد تحقّق هذا المعنى لأنّه غسل في ماء محكوم بطهارته شرعا و لو بالأصل، و كذلك لو فرض أنّ الأثر مترتب على الصلاة عند طهارة المصلّي، فلو أحرز المصلّي طهارته بالأصل لم يبق له شكّ في ترتّب الأثر، إذ لم يعتبر في موضوع الأثر إلّا كون المصلّي طاهرا في ظرف الفعل، فلو أحرز طهارته بالأصل في ذلك الظرف و الوعاء كان تمام الموضوع للأثر متحقّقا.

و لا معنى لأن يقال: إنّ موضوع الأثر هو ارتباط الصلاة بالطهارة، و ذلك الارتباط غير محرز بمجرّد إحراز الصلاة و الطهارة. و ذلك لأنّ الارتباط ليس إلّا عبارة عن فعل الصلاة في ظرف الطهارة، و هذا حاصل و لو بضمّ الوجدان بالأصل، و لو كان المراد من الارتباط هو تقيّد الصلاة بالطهارة فهذا ليس من فعل المصلّي بل التقييد من فعل الشارع.

و بالجملة: ما هو فعل المصلّي و متعلّق التكليف ليس إلّا الصلاة في ظرف طهارته من الحدث و الخبث، و هذا محرز و لو بضمّ الوجدان بالأصل، و أمّا الارتباط و التقييد، و كذا مقارنة الشرط للمشروط بمعناها المنتزع عن اجتماع الشرط و المشروط في الزمان، فهذه كلّها خارجة عن متعلّق التكليف و موضوعه. و إن أريد من المقارنة مجرّد اجتماع الشرط و المشروط في الزمان فهذا حاصل و محرز و لو بضمّ الأصل، فجريان الأصل في طهارة المصلّي أو طهارة الماء المغسول به لم يكن من الأصول المثبتة، إذ الضابط في الأصل المثبت هو أن يكون الأثر الشرعي مترتّبا على ما هو لازم مؤدّى الأصل أو ملزومه، لا على نفس مؤدّى الأصل، و في المثالين الأثر الشرعي مترتّب على نفس مؤدّى الأصل و لو باعتبار كونه جزء الموضوع أو قيده.

نعم فيما إذا كان الأثر مترتّبا على المعنى المنتزع عن اجتماع الأجزاء في الزمان‌

335

أو معلولا له، لا يمكن جريان الأصل فيما هو منشأ الانتزاع في إثبات الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت، و ذلك كما في استصحاب الشهر السابق بالنسبة إلى يوم الشكّ، و مع ذلك لا يترتّب أحكام أول الشهر على اليوم الذي بعد يوم الشكّ، مثلا لو شكّ في يوم الثلاثين من شعبان أنه من شعبان أولا، فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء شعبان و جواز إفطاره، و كذلك لا إشكال في تحقّق القطع بأنّ اليوم الذي من بعده يكون من رمضان، إذ لا يمكن كون شعبان واحدا و ثلاثين يوما، و مع ذلك لا يمكن ترتّب أحكام أول الشهر على ذلك اليوم، إذ الأولية لرمضان إنّما هي عنوان ثانوي ينتزع عن وجود رمضان المسبوق بالعدم، و كذا أولية كلّ شي‌ء، لا أنّ الأولية هي عبارة عن الوجود المسبوق بالعدم حتّى يقال: إنّ الوجود ثابت بالوجدان للعلم بأنّ هذا اليوم من رمضان، و مسبوقيّته بالعدم ثابت باستصحاب بقاء شعبان في اليوم الذي قبله و هو يوم الشكّ، فيكون هذا من باب ضمّ الوجدان بالأصل.

و الأولية لو كانت بهذا المعنى فلا إشكال في ترتّب أحكام الأول على اليوم الذي بعد يوم الشكّ. و أمّا لو كانت هي عبارة عن المعنى المنتزع عن الوجود المسبوق بالعدم فضمّ الوجدان بالأصل ممّا ينفع (1) في ترتّب أحكام الأولية عليه، إذ مع هذا الوجدان و الأصل بعد شاكّين في تحقّق ما هو موضوع الأحكام من تحقّق الأولية، و لم يرتفع شكّنا بضمّ الوجدان بالأصل، و قد تقدّم أنّ الضابط في ضمّ الوجدان بالأصل هو أنّ بعد الضمّ لا يبقى لنا شكّ في تحقّق الموضوع.

و كذلك لا يكفي في ترتّب آثار نجاسة الملاقي بالكسر باستصحاب رطوبة الملاقي بالفتح مع العلم بالملاقاة، إذ تلك الآثار لم تترتّب على مجرّد تماسّ‌

____________

(1) هكذا في الأصل، و الظاهر «لا ينفع».

336

الجسمين مع رطوبة أحدهما حتّى يقال: إنّ الموضوع مركّب من أمرين: تماسّ الجسمين المحرز بالوجدان، و رطوبة أحدهما المحرز بالأصل، بل الأثر مترتّب على ما هو معلول لهذا التماسّ من انتقال الرطوبة من أحدهما إلى الآخر، فإنّ الانتقال هو المؤثّر في التنجيس لا مجرّد الملاقاة، ففي مثل هذا أيضا لا يندرج تحت قاعدة ضمّ الوجدان بالأصل.

و كذلك لا يكفي في إدراك الركعة و ترتّب أحكام الجماعة على مجرّد استصحاب بقاء الإمام في الركوع بدعوى أنّ الموضوع مركّب من ركوع المأموم في ظرف ركوع الإمام و قد أحرز المأموم ركوعه بالوجدان و ركوع الإمام بالأصل نظير استصحاب طهارة الفاعل في ظرف الصلاة و ذلك لأنّ موضوع إدراك الركعة و أحكام الجماعة ليس هو ذلك بل الموضوع في لسان الدليل إنّما هو ركوع المأموم قبل رفع رأس الإمام من ركوعه و هذه القبلية من لوازم ذلك المركّب لا أنّ الموضوع نفس المركّب حتّى يندرج في ضمّ الوجدان بالأصل.

و حاصل الكلام: أنّه كلّما كان الموضوع أمرا منتزعا أو معلولا أو ملازما أو ملزوما للأمر المركّب ممّا هو حاصل بالوجدان و ما هو حاصل بمؤدّى الأصل لا ينفع جريان الأصل في إثبات ما هو موضوع الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت.

و منه يظهر أنّ الأثر لو كان مترتّبا على المركّب لكن لا بما أنّ أجزاءه مجتمعين في الزمان، بل باعتبار الربط الخاصّ الحاصل بين اجتماع تلك الأجزاء في الزمان لا ينفع جريان الأصل بضمّ الوجدان في إحراز ذلك الربط الخاصّ، كما لو قال: إن جاءك زيد راكبا فأكرمه، فإنّ الإكرام لم يترتّب على نفس مجي‌ء زيد و ركوبه، بل الأثر مترتّب على المجي‌ء الخاصّ، و هو حالية الركوب للمجي‌ء الذي يعبّر عنه بهيئة الحال، فإنّ في مثل هذا لو أحرزنا مجي‌ء زيد و ركوبه في زمان واحد‌

337

بحيث اجتمعا هذان الأمران في الزمان، مع ذلك لا يترتّب عليه وجوب الإكرام، لأنّ إثبات ذلك الربط الخاص بهذا الاجتماع في الزمان المحرز أحدها بالوجدان و الآخر بالأصل لا يكون إلّا على القول بالأصل المثبت، فإنّ الضابط الكلّي- على ما عرفت في كفاية ضمّ الوجدان بالأصل في ترتّب الأثر- هو أن لا يكون الموضوع إلّا نفس المركّب الذي لا جامع بين أجزائه إلّا وحدة الزمان، فتأمّل جيّدا.

الأمر الثاني: لا إشكال في رجوع كلّ وصف اعتبر في المصلّي

، أو في المكان، أو في اللّباس، أو في الزمان إلى تقييد الصلاة بذلك الوصف وجوديّا كان أو عدميّا، بداهة أنّ المطلوب هو الصلاة المتقيّدة بكون المصلّي واجدا لكذا أو فاقدا لكذا، و الصلاة المتقيّدة بكون لباس المصلّي كذا و كذا، فرجوع كلّ وصف اعتبر في أي محلّ بالأخرة إلى الصلاة ممّا لا خفاء فيه. و لكن مع ذلك المحلّ الذي اعتبر الوصف الوجودي أو العدمي فيه تارة يكون هو المصلّي، و اخرى يكون لباسه أو مكانه، و ثالثة يكون نفس الصلاة.

مثلا أ ليست الصلاة مقيّدة بعدم وقوعها في الحرير، و لكنّ محلّ الذي اعتبر هذا الوصف فيه تارة يكون المصلّي، بأن يكون المعتبر في الصلاة هو عدم كون المصلّي لابسا للحرير، و اخرى يكون معتبرا في اللّباس، بأن يكون المعتبر هو عدم كون اللّباس من الحرير، و ثالثة يكون معتبرا في نفس الصلاة، كالصلاة في غير الحرير.

و استفادة هذه الوجوه و أنّ الوصف في أي محلّ اعتبر إنّما يكون من لسان الدليل، فقد يكون لسانه اعتبار الوصف في المصلّي، و قد يكون في اللّباس، و قد يكون في الصلاة.

إذا عرفت ذلك فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المحلّ المعتبر فيه الوصف هو المصلّي، أو اللّباس.

مثلا لو كان المصلّي غير لابس للحرير، أو‌

338

كان لباسه من غير الحرير، فيشكّ في ظرف وقوع الصلاة كونه ليس الحرير أو لا، أو صار لباسه من الحرير أو لا، فلا إشكال في جريان استصحاب عدم كونه لابسا للحرير، أو عدم صيرورة اللّباس من الحرير في ظرف وقوع الصلاة، و يدخل في صغريات ما إذا كان بعض الموضوع محرزا بالوجدان و الآخر بالأصل، إذ بعد ما كان محلّ الوصف هو كون المصلّي غير لابس للحرير في ظرف الصلاة، فالموضوع هو عبارة عن نفس هذا المركّب المحرز بالوجدان و الأصل.

و كذا الكلام في الطهارة الحدثية و الخبثية الذي لا إشكال في اعتبارها في المصلّي، و كونه هو محلّ الوصف، فإنّ المعتبر في الصلاة هو كون الفاعل متطهّرا، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) «لأن يكون العبد طاهرا بين يدي ربّه» (1) و ما حكي عن بعض الأعلام من التفصيل بين التفاته إلى الشكّ في طهارته قبل الصلاة، و بين أن يكون قبل الصلاة غافلا و صلّى غفلة ثمّ بعد ذلك شكّ في الطهارة، فقال في الأول بكفاية استصحاب الطهارة، و يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة، و يكون من صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل، و أمّا الثاني فاستصحاب الطهارة لا تثبت وقوع الصلاة مع الطهارة إلّا على القول بالأصل المثبت، فلو لا قاعدة الفراغ الحاكمة بصحّة الصلاة لا يترتّب على استصحاب الطهارة أثر الصحّة، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما فيه، فإنّه بعد ما كان الأثر مترتّبا على وقوع الصلاة في ظرف طهارة الفاعل فلا فرق في ذلك بين أن يكون الشكّ في الطهارة حاصلا قبل الصلاة و دخل في الصلاة باستصحاب الطهارة، و بين أن يكون الشكّ حاصلا بعد الصلاة و أحرز الطهارة في ظرف وقوع الصلاة باستصحابها بعدها، فإنّه و إن لم‌

____________

(1) الوسائل: ج 1 ص 257 باب 1 من أبواب الوضوء، ح 9.

339

يجر الاستصحاب قبل الصلاة مع الغفلة لاعتبار الشكّ الفعلي في جريانه و لا يكفي الشكّ التقديري، إلّا أنّه بعد تحقّق الشكّ و لو بعد الصلاة يجري الاستصحاب و يبني على بقاء الطهارة المتيقّنة إلى ظرف وقوع الصلاة، فيكون المكلّف قد أحرز الصلاة في ظرف طهارته، و يدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل.

و بالجملة: لا فرق في ترتّب أثر الصحّة و الإجزاء بين جريان استصحاب الطهارة قبل الصلاة أو بعدها

، سوى أنّه لو اجري الاستصحاب قبل الصلاة كان إحراز جزء الموضوع مقدّما على إحراز جزئه الآخر المحرز بالوجدان، و لو كان جريان الاستصحاب بعد الصلاة كان إحراز ما هو محرز بالوجدان و هو فعل الصلاة مقدّما على إحراز ما هو محرز بالأصل من الطهارة، و من المعلوم أنّ سبق الإحراز الوجداني على الإحراز التعبّدي و لحوقه لا دخل له في الأثر المقصود من الصحّة و سقوط الإعادة و القضاء، هذا.

مع أنّ المراد من قوله: إنّ جريان الاستصحاب قبل الصلاة يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة، إن كان هو الجواز التكليفي فهذا ممّا لا أثر له في الأثر المقصود من سقوط الإعادة و القضاء، إذ الجواز التكليفي لا يلازم ذلك إلّا على القول بالمثبت، مع أنّه لا شكّ في الجواز التكليفي، إذ الصلاة مع عدم الطهارة ليست من المحرّمات الذاتية حتّى يقال: إنّ باستصحاب الطهارة يترتّب عليه الجواز التكليفي، و إن كان المراد منه الجواز الوضعي بمعنى الصحّة و المضيّ و سقوط الإعادة و القضاء فهذا ممّا لا فرق فيه بين سبق جريان الاستصحاب و لحوقه، إذ على كلّ تقدير سقوط الإعادة و القضاء مترتّب على إحراز الموضوع المركّب من طهارة المصلّي و الصلاة في ظرفها، و هذا الإحراز لا يتوقّف على جريان الاستصحاب قبل الصلاة، فالتفصيل بين الصورتين ممّا لا يستقيم و لا يمكن‌

340

المساعدة عليه، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه فيما إذا كان محلّ الوصف هو المصلّي أو اللباس.

و أمّا إذا كان محلّ الوصف هو نفس الصلاة، فإن كان القيد الوجودي أو العدمي حاصلا من أول الشروع ثمّ يشكّ في ارتفاعه، إمّا لأجل الشكّ في فقدان الجزء أو الشرط أو عروض المانع في الأثناء، و إمّا لأجل الشكّ في مانعية الموجود سواء في ذلك الشبهة الحكمية و الموضوعية، و إمّا أن يكون مشكوك الحصول من أول الصلاة. فإن كان حاصلا في أول الأمر ثمّ طرأ الشك في ارتفاعه، فلا يخلو أيضا إمّا أن يكون محلّ القيد هو ذات الأجزاء و أفعال الصلاة، كما هو أقوى الوجهين في باب الموانع (1)، و إمّا أن يكون محلّ القيد هو الهيئة الاتّصالية القائمة بموادّ الأجزاء الحادثة بحدوث التكبيرة و المنعدمة بالتسليمة، كما هو أحد الوجهين في باب القواطع.

فإن كان محلّ القيد هو ذوات الأجزاء فالاستصحاب ممّا لا مجال له أصلا، بداهة أنّ أصالة عدم المانع لا يثبت اتّصاف الصلاة بعدمه إلّا على القول بالأصل المثبت. و كذلك استصحاب صحّة الأجزاء السابقة ممّا لا ينفع، لأنّ صحّة الأجزاء السابقة عبارة عن الصحّة التأهّلية، إذ الصحّة الفعلية بمعنى سقوط الإعادة و القضاء ممّا لا تتّصف الصلاة بها إلّا بعد الفراغ منها و إتيانها تامّة للأجزاء و الشرائط، و الصحّة التأهّلية بمعنى أنّه لو انضمّ إليها سائر الأجزاء‌

____________

(1) بداهة أنّ مثل مانعية الحرير أو الذهب أو النجاسة الخبثية إنّما تعتبر في نفس الأجزاء و ما هو أفعال الصلاة فلو لبس الحرير في بين السكونات و الأكوان، أو تنجّس لباسه في أثنائها، ثمّ نزع الحرير أو زال النجاسة عند اشتغاله بأفعال الصلاة لم يكن ذلك مخلا بصلاته مع عدم فوت الموالاة، و هذا بخلاف القهقهة و البكاء و الالتفات و غير ذلك من القواطع، فإنّها معتبرة في جميع الصلاة حتّى سكوناتها و أكوانها، و لذا لو وقع البكاء في أثناء السكون بطلت الصلاة «منه».

341

و الشرائط لكانت صحيحة فهي- مع أنّه يرجع إلى الاستصحاب التعليقي- مقطوعة البقاء حتّى عند طروّ الشكّ في وجود المانع أو مانعية الموجود. فمحلّ القيد الوجودي أو العدمي إن كان نفس أجزاء الصلاة فاستصحاب عدم تحقّق المانع ممّا لا مساس له و لا أثر له.

و إن كان محلّ القيد هو الهيئة الاتّصالية المستمرّة في الصلاة التي لا يضرّ بها تبادل الأجزاء نظير الحركة المتوسّطة، فاستصحاب بقاء الهيئة الاتّصالية عند الشكّ في طروّ القاطع أو قاطعية الموجود و إن كان له مساس، و تامّ الأركان، و اعتمد عليه الشيخ- (قدّس سرّه)- إلّا أنّه مع ذلك لا يفيد، فإنّ الهيئة الاتّصالية لم تكن هي بنفسها متعلّقة الطلب و التكليف، حتّى يجدي استصحابها و لو مع بقاء الشكّ في قاطعية الموجود نظير استصحاب الطهارة عند الشكّ في ناقضية المذي، حيث إنّ استصحاب الطهارة يكفي و لو مع بقاء الشكّ في ناقضية المذي، إذ ما هو متعلّق التكليف نفس الطهارة التي لا بدّ للمكلّف من إحرازها، و أمّا كون المذي ناقضا أو ليس بناقض فليس هو متعلّق التكليف، و إنّما كان وجوده منشأ للشكّ في ارتفاع ما هو متعلّق التكليف، و بعد إحراز الطهارة و لو بالأصل لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ في ناقضية المذي، و ليكن الشكّ باق إلى يوم القيامة.

و ما نحن فيه لو كان متعلّق الطلب و التكليف هو نفس الهيئة الاتّصالية، و قلنا بأنّها أمر وجودي و فعل المكلّف، و كان تعلّق النهي بعدم وقوع تلك القواطع من باب أنّه رافع لما هو متعلّق التكليف حقيقة، لا أنّ نفس عدم القواطع أخذ قيدا في الصلاة، فجريان الاستصحاب حينئذ في محلّه، إذ بعد استصحاب ما هو متعلّق التكليف من بقاء الهيئة الاتّصالية لا حاجة لنا إلى إحراز حال القاطع، و ليبق الشكّ فيه إلى يوم القيامة، و لكنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ نفس كون الصلاة مشتملة على أمر وجودي وراء الأجزاء و الشرائط محلّ إشكال بل منع، إذ‌

342

لا يخطر ببال المصلّي أنّ هناك وراء الأجزاء أمر آخر وجودي متعلّق للإرادة الفاعلية.

مع أنّه على فرض وجوده كونه هو بنفسه متعلّق التكليف دون تلك القواطع محلّ منع أيضا بعد ما كان ظواهر الأدلّة على خلافه، فإنّ الظاهر من أدلّة القواطع كون نفس عدم تخلّل تلك القواطع في أثناء الصلاة متعلّقا للطلب، فلا يمكن أن يقال: إنّه يكفي استصحاب بقاء الهيئة الاتّصالية، و لا حاجة لنا إلى رفع الشكّ في وجود القاطع أو قاطعية الموجود، و تنظير ما نحن فيه بالمثال المتقدّم، فإنّ معنى ذلك هو أنّ متعلّق التكليف ممّا لا نحتاج إلى إحرازه، و ما هو ليس متعلّق التكليف نحتاج إلى إحرازه، و هو كما ترى.

نعم يمكن أن يقال: إنّ متعلّق التكليف و إن كان هو نفس عدم تخلّل تلك القواطع، إلّا أنّ المحلّ الذي اعتبر ذلك العدم فيه هو الجزء الصوري و الهيئة الاتّصالية لا الأجزاء المتبادلة المتصرّمة، و حينئذ نستصحب عدم تخلّل القاطع في محلّه الذي اعتبر فيه، لا أنّه نستصحب بقاء الهيئة الاتّصالية.

و لا يرد عليه ما أوردناه في باب الموانع، فإنّ الموانع حيث إنّه كان محلّها نفس الأجزاء المتصرّمة فاستصحاب عدم تحقّق المانع في الأجزاء ممّا لا مساس له، لأنّ الأجزاء السابقة على ما هو مشكوك المانعية أو حصوله قد تصرّمت و انقضت. مع أنّه عدم حصوله في تلك الأجزاء مقطوع لا معنى لاستصحابه، و الأجزاء اللاحقة بعد لم توجد، و الجزء الذي في يده الذي شكّ في تحقّق المانع فيه لم يكن له حالة سابقة حتّى يقال: الأصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ قبل وجوده لم يكن شي‌ء، و بعد وجوده يكون مشكوك المصاحب للمانع، فهو من أول وجوده و حدوثه مشكوك، و ليس له حالة سابقة حتّى يقال: الأصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ متى كان الجزء و لم يكن مصاحبا لعدم المانع حتّى يستصحب.

343

و هذا بخلاف باب القواطع، فإنّ من أدلّة القواطع نستكشف لا محيص من أنّ هناك أمرا وجوديّا، و إن لم يكن متعلّقا لإرادة الفاعل و متعلّق الطلب و التكليف، و هذا الأمر الوجودي أمر واحد مستمرّ قائم بالأجزاء و لا يضرّه تبادلها، و قد أخذ هذا الأمر الوجودي محلّا لعدم تلك القواطع، و عند الشكّ في تخلّل القاطع في أثناء هذا الأمر الوجودي الذي اعتبر محلّا له نستصحب عدم تخلّله في محلّه الذي اعتبر فيه، و ما هو متعلّق التكليف ليس إلّا عدم وقوع القاطع في أثناء هذا الأمر الوجودي، و هذا الأمر الوجودي الذي نعبّر عنه بالجزء الصوري و الهيئة الاتّصالية قبل حصول ما يشكّ في قاطعيته لم يقع فيه قاطع، و الآن نستصحب أيضا عدم وقوعه فيه، و يكون ما هو متعلّق التكليف محرزا بالأصل، و لا محذور فيه أصلا، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه إذا كان القيد الوجودي أو العدمي موجودا في أول الشروع ثمّ عرض الشكّ في ارتفاعه.

و إن كان مشكوك الحصول من أول الأمر، فمعلوم أنّه بالنسبة إلى القيد الوجودي لا مجرى لأصل من الأصول بعد ما كان القيد الوجودي ممّا لا بدّ في إحرازه من أول الصلاة إمّا بالوجدان و إمّا بالأصل، فمع الشكّ في وجوده من أول الصلاة الذي أخذ القيد محلّا فيها و وصفا لها- كما هو مفروض الكلام- لم يكن لاتّصاف الصلاة بهذا الأمر الوجودي حالة سابقة، إذ المفروض أنّه مشكوك الحصول من أول الصلاة، فلا مجرى للاستصحاب.

و أمّا إذا كان القيد قيدا عدميّا، ففي جريان الأصل و عدمه اضطربت كلمات القوم و الأعلام حتّى الشيخ- (قدّس سرّه)- و جريان الاستصحاب في هذا مبنيّ على كفاية جريان استصحاب العدم السابق على الحوادث في إحراز عدم تخصّص تلك الحوادث بالخصوصيّات المشكوكة عند حدوثها، كالصلاة فيما نحن فيه، حيث إنّها حين حدوثها مشكوكة التخصّص بخصوصية عدم المأكولية،

344

إذا فرض كونه وصفا للصلاة لا للّباس- كما سيأتي بيانه- ففي كفاية جريان استصحاب عدم اتّصاف الصلاة بغير المأكولية

السابق على وجود الصلاة أو عدم كفايته خلاف بين الأعلام، و الحقّ عدم كفايته و توضيح المطلب يتوقّف على رسم أمور:

الأول: لا إشكال في جريان الاستصحابات العدمية بالنسبة إلى نفس التكاليف و موضوعاتها.

و ما يتوهّم من أنّه لا بدّ و أن يكون المستصحب من الامورات التي تنالها يد الجعل، أو كان هناك أثر مجعول مترتّب على المستصحب و إن لم يكن هو بنفسه ممّا تناله يد الجعل، و العدم الأزلي هو بنفسه ليس مجعولا، فاستصحاب عدم التكليف ممّا لا يجري. و كذلك استصحاب عدم الموضوع، فإنّ الأثر الذي يراد ترتّبه هو عدم الحكم، و إلّا نفس عدم الموضوع مع قطع النظر عن الأثر المترتّب عليه ممّا لا معنى لاستصحابه، و عدم الحكم ليس هو أمرا مجعولا حتّى يترتّب على عدم الموضوع، بداهة أنّ انتفاء الحكم عند انتفاء موضوعه ليس أمرا مجعولا، بل هو من قبيل انتفاء المعلول عند انتفاء علّته الذي لا يقبل أن تناله يد الجعل و لو تبعا، واضح الفساد، فإنّ العدم الأزلي و إن لم يكن هو بنفسه مجعولا إلّا أنّ التعبّد بالبناء عليه الذي هو المجعول في باب الأصول ممّا يمكن أن تناله يد الجعل، فإنّه كما أنّ للشارع التعبّد بالبناء على وجود الشي‌ء تكليفا كان أو وضعا أو موضوعا، فكذلك للشارع التعبّد بالبناء على عدم الشي‌ء، و لا نحتاج في مقام جريان الاستصحاب إلى أزيد من أن يكون المستصحب قابلا للتعبّد الشرعي بكلا طرفيه من وجوده و عدمه. فما ربّما ينسب إلى الشيخ من إنكاره الاستصحابات العدمية من الأوهام، فإنّ كلماته مشحونة بخلافه.

ثمّ إنّه لا فرق في المستصحب العدمي بين أن يكون تمام الموضوع للأثر أو‌

345

جزءه على ما تقدّم، كما أنّه لا فرق فيها بين أن يكون العدم هو بنفسه ذا أثر شرعي، أو كان الأثر مترتّبا على نقيضه الوجودي و يراد من استصحاب العدم هو نفي ذلك الأثر باعتبار نفي نقيضه الوجودي. مثلا تارة يكون عدم فسق زيد ذا أثر، و اخرى فسق زيد ذا أثر من حرمة الإكرام مثلا و إن لم يكن نفس عدم فسفه موضوعا لأثر أصلا، و على كلا التقديرين استصحاب عدم فسق زيد يجري إذا تمّت أركانه من اليقين السابق و الشكّ اللاحق، غايته انّه إذا كان نفس عدم فسق زيد موضوعا للأثر من وجوب الإكرام مثلا فبنفس استصحاب عدم الفسق يرتّب أثره، و إن كان فسقه موضوعا للأثر فباستصحاب عدم فسقه ينفى الأثر المترتّب على نقيضه الوجودي من الفسق، و يقال بعدم حرمة إكرامه إذا كان الفاسق موضوعا لذلك.

و بالجملة: لا فرق في الاستصحابات العدمية بين أن تكون هي بنفسها ذا أثر، أو كان نقيضها الوجودي ذا أثر. كما أنّه لا يختصّ ذلك بالاستصحابات العدمية بل يجري في الاستصحابات الوجودية أيضا، فإنّ الأثر تارة يترتّب على نفس الوجود المستصحب، و اخرى يترتّب [على] نقيضه العدمي، و يراد من استصحاب الوجود نفي الأثر المترتّب على عدمه، كما في استصحاب وجود المانع، فإنّ نفس وجود المانع ممّا لم يؤخذ موضوعا للأثر شرعا، و إنّما كان موضوع الأثر هو عدم المانع، و لكن حينئذ ذلك استصحاب وجود المانع يجري و يترتّب عليه انتفاء الأثر المترتّب على عدم المانع كما لا يخفى.

الأمر الثاني: بعد ما عرفت من أنّه لا يتوقف جريان الأصل على كون الأثر

مترتّبا على نفس مؤدّاه، بل يكفي ترتّبه على نقيضه أيضا، فنقول: إنّ المقيّد أو المخصّص النافي للحكم الوارد على العنوان المأخوذ في مصبّ العموم أو الإطلاق، كورود إلّا الفسّاق أو لا تكرم فسّاق العلماء بعد ورود أكرم العلماء، أو الفاسق‌

346

العالم بعد ورود أكرم العالم، فلا يخلو حاله عن أحد أمرين:

إمّا أن يكون المخصّص أو المقيّد الذي أخذ خصوصية وجودية فيه كالفسق في المثال واردا لمحض إفادة التخصيص أو التقييد للعام أو المطلق، من دون أن يتكفّل لإثبات حكم على الفاسق من حرمة إكرامه، بل كان وروده لمجرّد بيان أنّ العالم الذي يجب إكرامه بمقتضى العموم أو الإطلاق ليس هو مطلق العالم بل العالم الذي لم يكن فاسقا، و أمّا كون العالم الفاسق محرّم الإكرام أو لا فليس لدليل المخصّص أو المقيّد تعرّض لذلك.

و إمّا أن يكون المخصّص أو المقيّد واردا لبيان إثبات حكم على المتخصّص بالخصوصية الوجودية التي تكفّل دليل المخصّص لها، كما إذا كان قوله لا تكرم فسّاق العلماء عقيب قوله أكرم العلماء واردا لبيان إفادة حرمة إكرام الفاسق لا مجرّد عدم وجوبه.

فإن كان ورود المخصّص أو المقيّد على الوجه الأول كان مفاده مانعية الفسق عن وجوب الإكرام المستفاد من العموم أو الإطلاق، و دخل عدم تخصّص مصبّ العموم أو الإطلاق بتلك الخصوصية التي تكفّلها المخصّص، فيكون العالم الذي يجب إكرامه هو العالم الذي لم يتخصّص بخصوصية الفسق، و حينئذ لو كانت تلك الخصوصية مؤدّى الأصل، كما إذا كان مشكوك الفسق حالته السابقة عدم الفسق، كان الأثر مترتّبا على نفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالأصل، و كان مؤدّى الأصل هو موضوع الأثر لا بعناية نقيضه، إذ المفروض أنّ الفسق لم يكن ذا أثر و لم يحكم عليه بحكم، و إنّما كان الأثر مترتّبا على نفس عدم الفسق، لأنّه هو القيد الذي تكفّل دليل المخصّص لبيان دخله في مصبّ العموم أو الإطلاق، فالأثر إنّما يترتّب على نفس إحراز عدم فسق زيد، فلو كان عالميّته محرزة بالوجدان يدخل في صغريات ما قلناه من إحراز بعض المركّب‌

347

بالوجدان و الآخر بالأصل، لأنّ موضوع وجوب الإكرام بعد ورود المخصّص يكون مركّبا من العالم الذي لم يكن فاسقا، فلو أحرز عالمية زيد بالوجدان و عدم فسقه بالأصل ترتّب عليه وجوب الإكرام كما لا يخفى.

و إن كان ورود المخصّص أو المقيّد على الوجه الثاني، بأن كان قوله لا تكرم الفاسق العالم واردا لبيان حرمة إكرام العالم الفاسق لا لمجرّد عدم وجوبه، و كان استفادة التخصيص أو التقييد لأجل امتناع ورود الحكمين المتضادّين على موضوع واحد، بأن يكون زيد مثلا ممّا يجب إكرامه لكونه عالما، و محرّما إكرامه لكونه فاسقا، فامتناع ذلك يوجب تقييد أو تخصيص الإطلاق و العموم، رجعت حينئذ نتيجة التخصيص و التقييد إلى تنويع مصبّ العموم أو الإطلاق إلى نوعين متقابلين، أحدهما العالم الفاسق الذي يحرم إكرامه، و الآخر نقيض ذلك و هو العالم الغير الفاسق الذي يجب إكرامه، و يكون تخصّص العالم بالخصوصية الوجودية من الفسق دخيلا في حرمة الإكرام، و عدم التخصّص دخيلا في وجوب الإكرام، و قوله لا تكرم العالم الفاسق دالّا على الأول، و هو دخل خصوصية الفسق في حرمة الإكرام بالمطابقة، و دخل عدم الفسق في وجوب الإكرام بالملازمة من باب امتناع توارد الحكمين المتضادّين على موضوع واحد الذي بمعونة ذلك استفدنا التقييد أو التخصيص، و إلّا نفس قوله لا تكرم العالم الفاسق لم يكن مدلوله المطابقي ذلك بل كان مدلوله المطابقي حرمة إكرام الفاسق.

و هذا القسم من المخصّص و المقيّد أي الذي يكون واردا لبيان حرمة إكرام الفاسق العالم يتّحد مع القسم الأول و هو ما كان واردا لمحض تقييد و تخصيص مصبّ العموم و الإطلاق من جهة، و يمتاز عنه من اخرى. أمّا الجهة التي يتّحد معه فهي أنّ الأثر و هو وجوب إكرام من لم يكن فاسقا الذي دلّ عليه دليل المخصّص بالملازمة مترتّب على نفس عدم تلك الخصوصية من الفسق، فإن كان عدم‌

348

الخصوصية مؤدّى الأصل ترتّب على نفس المؤدّى وجوب الإكرام. و أمّا الجهة التي يمتاز عنه فهي أنّ أثر حرمة الإكرام الذي دلّ على ذلك دليل المخصّص بالمطابقة يترتّب على إحراز عدم تلك الخصوصية بعناية نقيضه، إذ الحرمة لم تترتّب على نفس عدم تلك الخصوصية، بل رتّبت على نقيضه و هو الفسق، و على كلّ حال إذا كان عدم تلك الخصوصية مؤدّى الأصل، كما إذا كانت الحالة السابقة لزيد عدم الفسق، فبنفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالأصل يترتّب عليه وجوب الإكرام و عدم حرمته كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الأثر المترتّب عند عدم إكرام الفاسق العالم من عدم الحرمة، إذا كان دليل المخصّص مثبتا لها، و إن كان يترتّب على انتفاء الجملة و المركّب الذي أخذ في دليل المخصّص موضوعا أو متعلّقا للحكم، كما إذا لم يتحقّق منه إكرام العالم الفاسق بجملته، إلّا أنّه يترتّب أيضا عند انتفاء أحد أجزاء الجملة، لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، كما إذا تحقّق منه الإكرام و لكن لم يكن المكرم بالفتح عالما أو فاسقا، و عند انتفاء أحد الأجزاء يصدق أيضا انتفاء الجملة و المركّب.

إلّا أنّه إذا كان الشكّ في انتفاء الجملة مسبّبا عن الشكّ في انتفاء الجزء، كما إذا أكرم ما هو مشكوك الفسق، فإنّ الشكّ في تحقّق إكرام الفاسق منه بهذه الجملة مسبّب عن الشكّ في فاسقية المكرم بالفتح، فلا محالة يكون الأصل الجاري في طرف السبب- لو كان مجرى للأصل- حاكما على الأصل الجاري في ناحية المسبّب، و لا يكون الأصل المسبّبي معارضا للأصل السببي عند التخالف، و لا معاضدا له عند التوافق. فلو كان منشأ الشكّ في صدور الجملة منه و هو إكرام الفاسق العادل مسبّبا عن الشكّ في فاسقية المكرم الذي هو جزء المركّب، و كان فاسقية المكرم مجرى للأصل، بأن كان حالته السابقة الفسق أو عدم الفسق، كان الأصل الجاري في طرف الجزء هو المتّبع، و لا تصل النوبة إلى الأصل‌

349

الجاري في الجملة، فلو استصحب عدم فاسقية زيد المكرم ترتّب عليه عدم الحرمة، و لا حاجة إلى استصحاب عدم تحقّق الجملة.

و لا يمكن أن يقال: إنّ إكرام الفاسق العالم لم يعلم صدوره منه و الأصل عدمه، و كذلك لو استصحب فاسقية زيد ترتّب عليه أثر الحرمة و لا أن يعارضه بأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لما عرفت من أنّ الأصل المسبّبي لا يكون معاضدا و لا معارضا للأصل السببي.

نعم لو لم يكن الجزء مجرى للأصل، كما إذا لم يعلم حالته السابقة من الفسق و عدمه، كان الأصل المسبّبي حينئذ جاريا، و صحّ أن يقال: الأصل عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لأنّ هذه الجملة مسبوقة بالعدم، و يترتّب عليه حينئذ أثر عدم الحرمة، و أنّه لم يفعل حراما، و لكن لا يترتّب على هذا الأصل إكرام العالم الغير الفاسق الذي دلّ على وجوبه قوله أكرم العالم بعد تخصيصه بقوله لا تكرم الفاسق العالم، فإنّ مجرّد عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه لا يثبت أنّه أكرم العالم الغير الفاسق، كما لا يخفى. فليس له الاكتفاء بإكرام مشكوك الفسق تعويلا على هذا الأصل، و لا يسقط به الوجوب الذي تكفّله العام بعد التخصيص و إن ترتّب على هذا الأصل عدم الحرمة، و ذلك واضح في الغاية. هذا كلّه إذا كان دليل المخصّص مثبتا لحكم من الحرمة على ما تقدّم في القسم الثاني من المخصّص.

و أمّا إذا كان دليل المخصّص من القسم الأول، و هو ما إذا كان مفاده مجرّد المانعية من دون أن يتكفّل لثبوت حكم على المخصّص، فلا يجري الأصل المسبّبي، و إن لم يكن الأصل السببي جاريا من حيث انتفاء الحالة السابقة للجزء، و ذلك لأنّه لا يترتّب على الأصل المسبّبي و انتفاء الجملة أثر أصلا، لأنّ الفاسق لم يكن محرّم الإكرام حتّى يراد من أصالة انتفاء الجملة ترتّب أثر الحرمة.

350

و لا يكون الأصل الجاري في الجملة محرزا لإكرام العالم الغير الفاسق الذي تكفّله العام بعد التخصيص حذو ما سمعته في القسم الأول، فلا أثر لجريان الأصل في الجملة.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ دليل المخصّص إن كان واردا لمحض إفادة المانعية فلا فائدة في جريان الأصل في الجملة مع عدم جريانه في الأجزاء، و إن كان واردا لإفادة حكم على العنوان الذي أخذ في دليل المخصّص موضوعا للحكم، فالأصل في الجملة عند عدم جريان الأصل في الأجزاء و إن كان جاريا، إلّا أنّه لا يترتّب عليه إلّا انتفاء حكم المخصّص الذي سيق دليل المخصّص لإفادته.

و بذلك يظهر فساد ما قيل في المقام من أنّه عند الصلاة في المشكوك يجري الأصل بالنسبة إلى الجملة، و يقال الأصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لأنّ الشكّ في صدور الصلاة في غير المأكول و إن كان مسبّبا عن الشكّ في الجزء، و هو الشكّ في كون اللباس من المأكول أو غيره، إلّا أنّه لمّا لم يكن الشكّ في الجزء مجرى للأصل من حيث عدم الحالة السابقة للّباس كان الأصل في الجملة المركب جاريا، و صحّ أن يقال: الأصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لأنّ صدور الصلاة فيه أمر حادث مسبوق بالعدم، و يترتّب عليه وقوع الصلاة في غير غير المأكول. وجه الفساد هو أنّ الأصل الجاري في الجملة ممّا لا أثر له أصلا، بعد ما كان الدليل الدالّ على النهي عن الصلاة في غير المأكول مسوقا لمحض إفادة المانعية، من دون أن يتكفّل النهي لحكم تحريمي، بأن تكون الصلاة في غير المأكول محرّمة، فيكون أصالة عدم صدور الصلاة في غير المأكول، كأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم فيما إذا كان قوله لا تكرم العالم الفاسق، مسوقا لمحض إفادة المانعية ممّا لا أثر لها أصلا.

351

و على تقدير أن يكون النهي عن الصلاة في غير المأكول مثبتا للحرمة، فغاية ما يترتّب على الأصل المذكور هو عدم صدور الحرام منه، لا صدور الصلاة في غير غير المأكول منه، على حذو ما سمعته من ترتّب أثر عدم الحرمة على جريان أصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، إذا كان دليل المخصّص سيق لبيان إفادة حكم على العنوان الذي أخذ موضوعا في دليله، فتأمّل جيّدا فإنّ المطلب و إن كان واضحا إلّا أنّه لمّا كان كتابة شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في هذا المقام مشكلة أردنا توضيحها.

الأمر الثالث: أنّ تركّب متعلّقات الأحكام أو موضوعاتها يكون تارة من العرض و محلّه

، كما إذا كان موضوع التكليف هو زيد مع وصف فسقه، أو كان متعلّق التكليف هو الصلاة مع وصف وقوعها في غير المأكول، بأن يكون التركيب من العرض و المعروض، و اخرى يكون غير ذلك، بأن يكون التركيب من عنوانين متباينين أجنبيّ كلّ منهما من الآخر.

و هذا أقسامه كثيرة، لأنّه إمّا أن يكون التركيب من جوهريين وجودين أو عدمين أو مختلفين، كما إذا كان الموضوع مركّبا من وجود زيد و وجود عمرو، أو كان مركّبا من وجود زيد و عدم عمرو، أو كان مركّبا من عدم زيد و عدم عمرو، و إمّا أن يكون التركيب من جوهر و عرض قائم بمحلّ آخر، كما إذا كان التركيب من وجود زيد و قيام عمرو، هذا أيضا على أقسامه الثلاثة من كونهما وجوديّين أو عدميّين أو مختلفين. و إمّا أن يكون التركيب من عرضيّين كقيام زيد و قيام عمرو على أقسامه الثلاثة أيضا، و إمّا أن يكون التركيب من عرضيّين قائمين بموضوع واحد كقيام زيد و سواده بأقسامه الثلاثة أيضا. و في جميع هذه الأقسام يكون التركيب من المتباينين، و لا يعقل أن يؤخذ أحد جزأيه نعتا للآخر، بداهة أنّ وجود زيد لا يمكن أن يكون نعتا لوجود عمرو، و كذا عدمه نعتا لعدمه أو لوجوده،

352

و كذا لا يمكن أن يكون قيام زيد نعتا لقيام عمرو [و] بالعكس، و ذلك واضح.

و حيث إنّ في كلّ تركيب لا بدّ من اعتبار وحدة يكون جامعا بين الأجزاء المتباينة، و بدون ذلك لا يعقل التركيب كما لا يخفى، و الوحدة التي تمكن أن تكون جامعا بين المتباينات ليس إلّا الاجتماع في الزمان و وجود كلّ من الجزءين في ظرف وجود الآخر بحيث يجمعهما عمود الزمان، و حينئذ إن كان القيد وجوديّا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، و كان الأثر مترتّبا على وجود زيد المقارن لوجود عمرو [و] إن كان القيد عدميّا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، و كان الأثر مترتّبا على وجود زيد المقارن لعدم عمرو.

و في جميع هذه الأقسام لو كان الموضوع أو المتعلّق هو نفس هذه الأجزاء كان إحراز بعضها بالوجدان و الآخر بالأصل يكفي في ترتّب الأثر، سواء كان الأثر مترتّبا على نفس الوجود أو العدم، أو كان الأثر مترتّبا على نقيض كلّ منهما، حسب ما تقدّم من أنّه لا فرق في ترتّب الأثر بين أن يكون نفس الجزء [محرزا] بالوجدان أو مؤدّى موضوع الأثر أو كان نقيضه موضوعا لذلك. و على كلّ حال في جميع ما كان التركيب من الأجزاء المتباينة التي لا جامع بينها سوى وحدة الزمان كان داخلا في صغرى ما قدّمناه، من كفاية إحراز بعض الأجزاء [بالوجدان] و الآخر بالأصل. نعم لو كان الموضوع هو العنوان الملازم أو المنتزع أو المعلول عن تحقّق تلك الأجزاء لما كان لنفس تحقّق تلك الأجزاء حينئذ أثر، و لما كان إحراز بعضها بالوجدان و الآخر بالأصل مجديا إلّا على القول بالأصل المثبت.

و الأمثلة التي ذكرها شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في المقام كالصلاة، و طهارة الفاعل، و الاستيلاء على مال الغير عند عدم الرخصة من الشرع أو المالك، و إسلام الوارث عند حياة مورّثه، كلّها راجعة إلى ما كان الأثر مترتّبا على نفس اجتماع‌

353

الأجزاء في الزمان، من دون أن يكون مترتّبا على العنوان الملازم، فلو أحرزت الصلاة بالوجدان و الطهارة بالأصل ترتّب عليه أثر الصحّة، و كذا لو أحرز الاستيلاء بالوجدان و عدم الرخصة بالأصل ترتّب عليه أثر الضمان، و كذا لو أحرز إسلام الوارث بالوجدان و حياة المورّث بالأصل ترتّب عليه أثر الوارثة، إذا كان إسلام الوارث معلوم التاريخ بحيث لا يكون مجرى للأصل، و لو كان مجهول التاريخ كان الأصلان من الطرفين متعارضين، و المثال الذي ذكره أخيرا بقوله «و الأوصاف المتوقّفة لزوم العقد على اتّصاف العوضين .. إلخ» راجع إلى أنّ موضوع الأثر هو العنوان الملازم، فلا يكفي إحراز العقد بالوجدان و سلامة العوضين من العيوب بالأصل في ترتّب لزوم العقد، ما لم يحرز وقوع العقد على العوض المتّصف بالسلامة، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه فيما إذا كان التركيب من الأجزاء المتباينة.

و أمّا إذا كان التركيب من العرض و محلّه، ففي عالم التصوّر يمكن أن يلاحظ العرض القائم بمعروضه تارة بما أنّه شي‌ء بحيال ذاته، و يتصوّره بما أنّه معنى من المعاني و شي‌ء من الحوادث، كأن يلاحظ مثلا زيدا و يلاحظ أيضا عدالة زيد بلحاظ مستقلّ من دون أن يأخذه وصفا و نعتا لزيد، بل بما أنّه هو في قبال زيد شي‌ء من الأشياء، و اخرى يلاحظه بما أنّه نعتا قائم بزيد و عارض له و حاصل لموضوعه لا حق به.

فإن لاحظه على الوجه الأول لا يصحّ حمله على معروضه، لأنّ العرض بهذا الوجه يكون مبدأ الاشتقاق الذي لا يحمل على الذات، و لحاظ العرض بهذا الوجه هو الذي اصطلح على تسميته بالمحمول المقارن، سواء أخذ وجوده قيدا للموضوع و المتعلّق أو عدمه، فإن أخذ الوجود يكون القيد حينئذ هو الوجود المقارن، و إن أخذ عدمه يكون القيد هو العدم المقارن. و أخذ العرض بهذا الوجه هو الذي يصحّ‌

354

استصحاب عدمه حتّى مع وجود معروضه، بداهة أنّه لو كان القيد هو عدم عدالة زيد بما أنّه شي‌ء بحيال ذاته أو عدم فسقه فالعرض بهذا الوجه يكون كسائر الحوادث مسبوقا بالعدم، و صحّ أن يقال بعد وجود زيد: إنّ عدالة زيد أو فسقه لم يكن و الآن كما كان، و يترتّب حينئذ الأثر، و يكون أيضا من صغريات إحراز بعض الموضوع [بالوجدان] و الآخر بالأصل، فلو أحرز وجود زيد و لم يحرز وجود عدالته بمعناه الاستقلالي لترتّب الأثر حينئذ.

و إن لاحظه على الوجه الثاني صحّ حمله حينئذ على معروضه، لأنّه يكون حينئذ من المشتقّات التي يصحّ حملها على الذوات، و يقال: زيد عادل أو فاسق، و أخذ العرض بهذا الوجه هو الذي جرى اصطلاحهم في تسميته بالعرض النعتي في قبال المحمول المقارن، سواء أيضا أخذ وجوده نعتا أو عدمه، فإن أخذ وجوده نعتا يكون القيد هو وجوده النعتي، و إن أخذ عدمه يكون القيد هو العدم النعتي، و هذا العدم النعتي هو الذي لا يمكن استصحابه بعد وجود معروضه كما سنوضّحه.

هذا كلّه في عالم التصوّر.

لكن لا يخفى عليك أنّ في مقام أخذ العرض قيدا لمعروضه لا محيص عن أخذه على الوجه الثاني و هو العرض النعتي، و لا يمكن أخذه على الوجه الأول و هو العرض المقارن لا ثبوتا و لا إثباتا، أمّا عدم إمكانه في مرحلة الثبوت فيتّضح بتمهيد مقدّمتين:

الاولى: لا إشكال في استحالة الإهمال النفس الأمري في مقدّمات الأحكام و موضوعاتها بالنسبة إلى الانقسامات المنقسمة هي إليها، بداهة أنّ الغرض لا يتعلّق بمهمل، بحيث [لا يلاحظ] الآمر ما هو متعلّق غرضه أو موضوعه، مثلا لو قال: أكرم العالم فلا يخلو إمّا أن يكون الغرض قائما بإكرام العالم بالنسبة إلى جميع انقساماته، من كونه فاسقا أو عادلا أو روميّا أو زنجيّا و قائما و قاعدا و كذا بالنسبة‌