كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
355

إلى الإكرام تعلّق الغرض بوجوده سواء وقع بالإطعام أو الإعطاء أو الضيافة و غير ذلك من الانقسامات، و إمّا أن يكون الغرض قائما به على نحو الخاصّ من فسقه و عدالته و غير ذلك، بحيث لا يتعلّق الغرض به بما أنّه مرسل، بل بما أنّه مقيّد بخصوصيّة، و إن لم تذكر الخصوصية في نفس مصبّ الإطلاق أو العموم بل اعتمد على ذكرها بدليل منفصل. و على كلّ أمر الموضوع أو المتعلّق لا يخلو عن أحد هذين القسمين، و لا يمكن أن يقوم الغرض بما لا يتساوى فيه الانقسامات و لا ما يتساوى الذي هو عبارة أخرى عن الإهمال، و ذلك واضح غايته.

و الثانية: لا إشكال أيضا في أنّ إطلاق المتعلّق و الموضوع، أو تقييده بما يقارنه في الزمان، متأخّر في الرتبة عن إطلاقه و تقييده بالنسبة إلى انقسامات نفسه، بداهة أنّ إطلاق العالم أو تقييده بالنسبة إلى ما يقارنه في الزمان، من قيام عمرو و قعود زيد و غير ذلك من المقارنات الزمانية، إنّما هو متأخّر رتبة عن إطلاق أو تقييد العالم بالنسبة إلى انقسامات نفسه من عدالته و فسقه، إذ لا يعقل أخذ العالم بالنسبة إلى عدالته و فسقه مهملا و تقييده أو إطلاقه بما يقارنه في الزمان، فإنّ معنى ذلك يرجع إلى أخذ الموضوع مهملا، و قد عرفت استحالته في المقدّمة الاولى، بل هذه المقدّمة إنّما تكون من صغريات المقدّمة الأولى.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين يظهر لك انحصار قيدية الخصوصية العرضية لمعروضها في مرحلة الثبوت بالنعتي، و امتناع التقييد بالمقارن، بمعنى أنّه لا بدّ في مقام تأليف موضوع التكليف أو متعلّقه في العرض و محلّه من أخذ العرض بالنسبة إلى معروضه عرضا نعتيّا بالمعنى المتقدّم في العرض النعتي لا مقارنا، و ذلك لأنّه بعد ما امتنع أن يكون الموضوع أو المتعلّق مهملا بالنسبة إلى النعت الوجودي أو العدمي اللاحق من واجديّته لتلك الخصوصية أو فاقديّته لها، بمعنى أنّ العالم أو الإكرام لا يعقل أن يكون مهملا بالنسبة إلى العدالة و الفسق و الضيافة و الإعطاء‌

356

فإنّ العالم الذي أخذ موضوعا فإمّا ان يؤخذ موضوعا بوصف كونه عادلا، أو بوصف كونه غير فاسق، أو مطلقا، إذ مع عدم أخذه بهذا النحو يكون مهملا، و قد عرفت امتناعه، فحينئذ فإن أخذ في نفس الأمر مقيّدا بالعدالة أو عدم الفسق لزم عدم انقسامه إلى المقارن رأسا، فإنّه بعد ما كان الموضوع هو العالم العادل أو غير الفاسق فلا يبقى محلّ لعدالته المقارن أو عدم فسقه المقارن و لا موضوع لهذا الانقسام، و لا يمكن الإطلاق و التقييد بالنسبة إليه لارتفاع موضوعه، إذ لو قيّد العالم العادل بأن يكون عدالته موجودا و مقارنا له في الزمان يلزم لغويّة هذا التقييد، إذ بعد تقييد العالم بالعدالة لا يعقل انفكاكه عن عدالته المقارنة له في الزمان حتّى يحتاج إلى التقييد، و إذا امتنع تقييده بالوصف الموافق المقارن امتنع إطلاقه أو تقييده بالوصف المضادّ المقارن، للزوم المناقضة بين ذلك التقييد و هذا الإطلاق أو التقييد المضادّ، كما لا يخفى وجهه على المتفطّن، بداهة أنّ بعد تقييد العالم بالعدالة أو عدم الفسق لا يعقل أخذه مطلقا بالنسبة إلى عدالته المقارن له في الزمان أو عدم فسقه كذلك، إذ معنى إطلاقه بالنسبة إلى ذلك هو أنّ العالم العادل يجب إكرامه سواء قارن عدالته في الزمان أو لم يقارن، و هكذا الحال فيما إذا قيّد بالوجود أو العدم المقارن المضادّ لما قيّد به أولا.

فظهر أنّه ثبوتا لا يمكن أخذ العرض بالنسبة إلى محلّه إلّا على وجه النعتية و التوصيف و الربطية، و لا يمكن أخذه على وجه المقارن، فإذا امتنع الثبوت النفس الأمري إلّا على وجه النعتية فلا محيص من صرف الدليل في مقام الإثبات إلى ذلك لو فرض أنّه ظاهر في المقارن، فكيف إذا كان مجملا أو ظاهرا في النعتية؟

و بعد ذلك لا يبقى مجال للتكلّم في مرحلة الإثبات.

و لكن مع ذلك نقول: على فرض إمكان التقييد بالمقارن في مرحلة الثبوت و نفس الأمر، و أغمضنا عن استحالته ففي مقام الإثبات، تكون الأدلّة منطبقة‌

357

على التقييد بالنعتي لا المقارن.

و تفصيل ذلك هو أنّه لا إشكال في أنّ مفاد الدليل لو كان من أول الأمر مركّبا توصيفيا، كقوله أكرم العلماء العدول، أو قوله أكرم العالم الغير الفاسق، فهو ظاهر في كون الوجود و العدم وجودا و عدما نعتيّا لا مقارنا، بداهة ظهور قوله أكرم العالم الغير الفاسق في كون عدم الفسق أخذ قيدا للعالم على وجه النعتية، و من هنا لم يستشكل أحد في ظهور المخصّص المتّصل في النعتية.

و أمّا لو كان المخصّص من قبيل الاستثناء أو المنفصل فهو الذي وقع محلّا للكلام في استفادة النعتية أو المقارنة منه، و لكن لا محيص عن حمل الاستثناء أو المنفصل في النعتية أيضا.

و كذا لو كان دليل المخصّص مجملا، كما إذا قام إجماع على اعتبار عدم فسق العالم في وجوب إكرامه، و لم يكن له إطلاق في أخذه على وجه النعتية أو المقارنة، بل كان لمجرّد الإفادة على دخل الخصوصية من العدالة أو عدم الفسق في معروض الحكم، فلو كان دليل المخصّص مجملا فغايته أنّه يدور الأمر حينئذ بين المتباينين، إذ أخذ الخصوصية على وجه النعتية مباين لأخذه على وجه المقارنة، من دون أن يكون بينهما جامع حتّى يكون من باب دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، بل عند إجمال دليل القيد يتردّد القيد بين المتباينين.

و مع الغضّ عن أنّه ثبوتا لا محيص عن حمل القيدية على النعتية نقول: إنّه عند دوران الأمر بين المتباينين لا جدوى لإحراز العدم أو الوجود المقارن بالأصل مع عدم إحراز النعتية منهما، إذ انتفاء العدم أو الوجود المقارن و إن كان يلازم واقعا انتفاء النعتية أيضا، بداهة أنّه مع عدم مقارن الفسق لزيد يكون زيد غير فاسق، إلّا أنّه لا جدوى للأصل الجاري في الملزوم لإحراز لازمة إلّا على القول بالأصل المثبت، فعند إجمال الدليل لا بدّ من إحراز كلّ من النعتية و المقارنة، و لا يكفي‌

358

إحراز المقارنة فقط بالأصل.

و أمّا لو كان دليل القيد من قبيل الاستثناء أو المنفصل، كما هو الغالب في التخصيصات التي بأيدينا، فلا محيص أيضا من حملها على النعتية، و ذلك لأنّه لا إشكال في استفادة التباين الكلّي بين ما هو الموضوع للكبرى الكلّية المستفادة من الإطلاق أو العموم، و بين ما أخرجه المخصّص عن تلك الكلّية بأحد الوجهين المتقدّمين، من أنّ التخصيص تارة يرد لمجرّد إفادة المانعية، أو لبيان حكم آخر، و على أيّ حال الموضوع الذي أخذ في العموم بعد التخصيص يكون مباينا للموضوع الذي أخذ في الخاصّ تباينا كلّيا، و إلّا ما فرض كونه مخصّصا لم يكن بمخصّص، و مع فرض كونه مخصّصا لا محيص في ارتفاع المناقضة بين حكم العام و المخصّص من تباين الموضوعين، و التباين الكلّي لا يكون إلّا بتنويع ما أخذ مصبّا للعموم إلى نوعين أحدهما ما أخرجه المخصّص و هو العالم الفاسق، و الآخر قسيمه و هو العالم الغير الفاسق، من دون أن يكون ثالث بين النوعين، و حينئذ يكون حكم العام أو المطلق واردا على ما هو قسيم ما أخرجه المخصّص، و هذا المقدار ممّا لا إشكال فيه، إذ معنى التخصيص و التقييد ذلك، و إذا ضممت هذه المقدّمة إلى ما تقدّم من مغايرة الانقسام اللاحق لمصبّ العام و المطلق من جهة العدم و الوجود المحمولي المقارن للانقسام اللاحق له من جهة العدم و الوجود الربطي النعتي، لما عرفت من أنّ الوجود و العدم المقارن مغاير للنعتي منهما، و حينئذ يكون العدم المقارن مباينا للوجود المقارن، كما أنّ العدم النعتي مغاير أو مباين للوجود النعتي، فالمقابل لكلّ من المقارن و النعتي هو ما يقابله بمعنى مقابلة المقارن من الوجود بالمقارن من العدم و بالعكس، و مقابلة النعتي منه بالنعتي من العدم و بالعكس، و ليس مقابل العدم النعتي الوجود المقارن إلّا بالملازمة.

و هذا هو المراد من قول شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في رسالته: و بداهة أنّ‌

359

المقابلة بينهما بكلّ واحد من الاعتبارين إنّما هي مع ما يقابله بذلك الاعتبار دون الآخر. و حاصل مراده من هذه العبارة: هو أنّ العدم الربطي إنّما يقابل و يباين الوجود الربطي لا الوجود المقارن، كما أنّ الوجود المقارن إنّما يباين العدم المقارن لا العدم الربطي.

و إذا عرفت ذلك فحينئذ نقول: إنّه لا إشكال في أنّ ما تكفّله المخصّص بمدلوله المطابقي إنّما هو نفي الحكم الوارد على العام عن المتخصّص بالخصوصية الوجودية التي تكفّلها دليل المخصّص من استثناء أو منفصل، مثلا قوله إلّا الفاسق، أو لا تكرم الفاسق العالم، عقيب قوله أكرم العالم قد سيق لبيان إفادة أنّ الخصوصية الوجودية الربطية من فسق العالم تكون مانعة عن وجوب إكرامه، و من المعلوم أنّ الخصوصية الوجودية قد أخذت على وجه النعتية في دليل المخصّص لا المقارنة، فإنّ قوله لا تكرم العالم الفاسق كقوله أكرم العالم العادل الظاهر في أخذ الخصوصية على وجه الربطية و النعتية، و من هنا لم يقع خلاف في استفادة النعتية من المخصّص المتّصل، فإذا كانت الخصوصية الوجودية التي تكفّلها دليل المخصّص أخذت على وجه الربطية فلا محيص من أخذ ما يقابلها و يباينها من العدم الربطي و النعتي في مصبّ العموم و الإطلاق، لما عرفت من أنّ مصبّ العام بعد التخصيص و التنويع يكون مباينا كلّيا مع ما أخرجه المخصّص، و التباين الكلّي لا يحصل بينهما إلّا بذلك، أي أخذ ما يقابل و يباين الخصوصية الوجودية التي تكفّل لبيان مانعيّتها دليل المخصّص في مصبّ العموم، فإن أخذت الخصوصية فيه على وجه المقارن فلا بدّ من أخذ العدم المقارن في مصبّ العموم، و إن أخذت الخصوصية الوجودية فيه على وجه النعتية فلا بدّ من [أخذ] ما يقابله من العدم النعتي في مصبّه، و حيث إنّ الخصوصية الوجودية إنّما أخذت في دليل المخصّص على وجه النعتية، فيكون القيد المأخوذ في مصبّ العموم هو العدم النعتي لا غير،

360

فالباقي تحت العموم بعد التخصيص إنّما هو العالم الغير الفاسق على جهة الربطية.

و إذ قد عرفت بما لا مزيد عليه من أنّ التركيب إذا كان من العرض و محلّه فلا بدّ من أخذ العرض- وجوديّا كان أو عدميّا- على وجه يكون نعتا لمعروضه لا مقارنا له، و استحالة أخذه على وجه المقارنة ثبوتا و إثباتا، فقد ظهر لك فساد ما قيل من أنّ العام المخصّص بالمتّصل ليس كالعام المخصّص بالاستثناء أو المنفصل، فإنّ المخصّص المتّصل يوجب معنونية العام بعنوان خاص، كالعدالة في قوله أكرم العالم العادل، و أمّا العام المخصّص بالاستثناء أو المنفصل فليس معنونا بعنوان خاص، بل بكلّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، و حينئذ يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، فالشرط الذي لم يوجد مخالفته للكتاب، و المرأة التي لم يوجد انتسابها إلى قريش، مصداق للعام و ليس بمصداق للخارج قطعا، فحينئذ يكون من الباقي تحت العام بعد التخصيص، لما عرفت من أنّ الباقي تحت العام لم يكن معنونا بعنوان خاص، حتّى لا بدّ من إحرازه في ترتّب الأثر، كما في المخصّص المتّصل، حيث يوجب معنونية العام بعنوان الخاص، بل كلّ عنوان بعد باق تحت العام غير عنوان الخاص، و لا إشكال أنّ عنوان الخاص أمر حادث مسبوق بالعدم، فيجري الأصل فيه و يدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان و الآخر بالأصل. هذا حاصل ما أفيد في المقام، و لكن لا يخفى عليك ما فيه.

أمّا أولا: فلأنّ المسلّم من دعوى عدم معنونية العام بالمنفصل و الاستثناء هو أنّ المنفصل أو الاستثناء لا يوجب إجمال العام عند تردّد المخصّص بين الأقل و الأكثر، و هذا بخلاف المتّصل، فإنّه يسري إجمال المخصّص إلى العام كما بيّن في محلّه، و أمّا إذا كان الخاص مبيّن المفهوم من دون إجمال فيه، فلا محيص من تنويعه العام إلى نوعين متباينين، و سقوط أصالة العموم، و إخراج العام عن كونه كبرى كلّية‌

361

و تمام الموضوع- كما هو ظاهر عمومه أولا- إلى كونه كالجزء منه، و هذا المقدار لا محيص عنه سواء في ذلك المخصّص المتّصل أو المنفصل، فإنّ تنويع العام إلى نوعين هو معنى التخصيص و التقييد الذي به يرتفع التناقض و التنافي بين عموم العام و إطلاق المطلق و المخصّص، إذ مع عدم تنويع العام إلى ذلك يكون التنافي بعد باق على حاله.

و الحاصل: أنّ معنونية العام إلى نقيض [الخاص] الخارج بالتخصيص، و جعل العالم مثلا هو العالم الغير الفاسق هو عين التخصيص و التقييد، و لو لا ذلك لما كان تخصيصا و تقييدا، و لا ارتفعت المناقضة و المضادّة من البين، و لكان اللازم هو التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية، لأنّه إذا لم يكن قوله لا تكرم الفاسق العالم معنونا للعام و موجبا لتنويعه بما عدا الفاسق، و كان خروج الفاسق عنه كموت بعض الأفراد، فكما أنّ موت بعض أفراد العامة لا يوجب معنونيّة العام، و كانت أصالة العموم بالنسبة إلى البقية بعد باقية على حالها كما إذا لم يكن هناك موت، فكذلك التخصيص بالفاسق بناء على عدم تنويعه العام يكون كالموت، و لا يوجب سقوط أصالة العموم في الأفراد المشكوكة، بل غاية ما يستفاد من التخصيص هو خروج الفاسق، فالفرد المشكوك مع عدم العلم بكونه من أفراد المخرج يكون باقيا تحت العموم بمقتضى أصالة العموم، فكان اللازم هو جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية، و هو- كما ترى- لا يقول به من قال بهذه المقالة، فتنويع العام إلى نوعين متباينين من لوازم الغير المنفكّ عن التخصيص، سواء في ذلك المخصّص المتّصل أو المنفصل.

و على ذلك لا يكفي في ترتّب الأثر مجرّد إحراز عدم عنوان الخاص ما لم يحرز عنوان العام الثابت له بعد التخصيص، و لا يكفي جريان الأصل في عدم عنوان الخاص لترتب الأثر إلّا على القول بالأصل المثبت، و لا يكون من صغريات إحراز‌

362

بعض المركّب بالوجدان و الآخر بالأصل.

و أمّا ثانيا: فقوله «يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص» ممّا لا يستقيم، فلأنّ الذي يحتاج إليه في ترتيب الأثر هو إحراز العنوان الذي أخذ في مصبّ العموم بعد تخصيصه بالخارج، فإنّ هذا هو الذي تعلّق به التكليف أو الوضع، و إحراز سائر العناوين غير ذلك العنوان الذي تعلّق به التكليف أو الوضع ممّا لا أثر [له]، و يكون من ضمّ الحجر في جنب الإنسان.

اللّهم إلّا أن يكون المراد أنّ إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص يكون ملازما لإحراز عنوان العام بعد التخصيص، و هذا و إن كان ثبوتا كذلك، إلّا أنّ إحراز عنوان العام بإحراز أيّ عنوان بالأصل يكون من المثبت الذي لا يقول هو به و توهّم أنّ العام لم يكن معنونا بعنوان حتى يحتاج إلى إحرازه، بل بكلّ عنوان غاية الأمر أنّ المخصّص أخرج عنوانا خاصّا، و بقيت البواقي على ما كان عليه قبل التخصيص كما إذا مات بعض الأفراد، و على ذلك يبتني إحراز أيّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص. ففساده غنيّ عن البيان، بداهة أنّ تعنون العام بكلّ عنوان ممّا لا يمكن، للزوم التناقض و التنافي. مع أنّ لازم ذلك هو أنّ شمول العام لما ينطبق من مصاديقه على سائر العناوين إنّما يكون بواسطة انطباق ذلك العنوان عليه، مثلا شمول أكرم العلماء للرومي يكون بواسطة انطباق عنوان الرومي عليه، و شموله للزنجي بواسطة انطباق الزنجي عليه و هكذا، و هذا كما ترى- ضروريّ الفساد، بل يكون شمول العام للرومي إنّما يكون بواسطة انطباق عنوان العام عليه، من دون أن يكون للرومية دخل في ذلك و لا الزنجية، فدعوى معنونية العام بكلّ عنوان و كفاية إحراز أيّ عنوان ممّا لا يستقيم. بل الظاهر أنّ العام غير معنون بعنوان و يتساوى وجود كلّ عنوان و عدمه بعد إحراز ما أخذ في لسان الدليل عنوان من العالم مثلا، فالذي يحتاج إليه هو إحراز عنوان‌

363

العام بعد التخصيص، من دون حاجة إلى إحراز سائر العناوين من الرومية و الزنجية مثلا.

و حاصل الكلام: أنّ ما أخذ في مصبّ العموم- مع قطع النظر عن ورود المخصّص عليه- كان يتساوى فيه وجود كلّ عنوان مع عدمه، و لم يكن معنونا بعنوان أصلا الذي هو معنى الإرسال و الإطلاق، و كان مصبّ العموم هو بنفسه كبرى كلّية و هو معنى أصالة العموم و الإطلاق، و بعد ورود التخصيص يخرج مصبّ العموم عن هذا التساوي بالنسبة إلى خصوص ما أخرجه المخصّص، و تكون الكبرى الكلّية ما عدا الخاص و تدور مدار نقيضه، و لكن بالنسبة إلى سائر العناوين بعد باق على حاله من التساوي و عدم المدخلية، و حينئذ يكون اللازم هو إحراز نقيض الخارج، و لا يكفي إحراز أيّ عنوان بعد ما كان ذلك العنوان المحرز ممّا لا دخل له في مصبّ العموم، و كان وجوده و عدمه سيّان، فقوله «العام المخصّص بالمنفصل يكون معنونا بكلّ عنوان، و يكفي في ترتّب الأثر إحراز أيّ من العنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص» ممّا لا يستقيم، بل لا بدّ من إحراز نقيض الخارج الذي يكون هو الموضوع للأثر بعد التخصيص، فتأمّل جيّدا.

فيكون ما في ذيل رواية محمّد بن إسماعيل (1) من التعليل في قوّة التصريح بأنّ غير المسوخ أيضا لا يجوز الصلاة فيه، نعم دلالته على المنع بالنسبة إلى جميع أفراد غير المسوخ إنّما يكون بالإطلاق، و تخصيص مثل هذا الإطلاق المؤيّد بإطلاقات أدلّة الباب و فتاوى الأصحاب بخصوص ما إذا كان الحيوان آكل اللحم بعيد غايته، مع ما عرفت من أنّ دلالة التعليل في رواية ابن أبي حمزة (2) على الجواز فيما‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

(2) الوسائل: ج 3 ص 252 باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح 3.

364

إذا لم يكن آكل اللحم إنّما هو لأجل دلالته على الانحصار المستفاد من مقدّمات الحكمة، و يكفي في عدم جريان مقدّمات الحكمة و عدم الانحصار إطلاق ما في رواية محمّد بن إسماعيل (1) فتأمّل.

و على كلّ حال فالظاهر ثبوت الملازمة بين حرمة الأكل و فساد الصلاة كما عليه المعظم، فتكون هي الأصل في المسألة إلّا أن يقوم دليل بالخصوص على خلاف ذلك، كما في السنجاب و الخزّ حيث قام الدليل على جواز الصلاة فيهما بلا معارض كما عليه المعظم أيضا، و فيما عدا ذلك فهو بعد باق على الأصل في المسألة من عدم الجواز، و قيام الدليل على الجواز بالنسبة إلى بعض الأفراد مثل الفنك و السمور فهو معارض بمثله من عدم الجواز، و على تقدير عدم المعارض فلا بدّ من حمله على التقية مع إعراض الأصحاب عنه، لأنّ الجواز في غير المأكول هو مذهب العامّة، فتأمّل جيّدا.

تنبيه:

قال شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)-: إنّ الخزّ الذي كان معمولا أخذ اللباس منه في زمن الأئمة (عليهم السلام) غير الخزّ المعروف في هذا الزمان، فإنّ الذي يظهر من بعض الأخبار و التواريخ أنّ الألبسة الخزّية التي كانت في ذلك الزمان كانت تعمل من وبر الخزّ، و كان وبره أمرا نفيسا غالي القيمة، و هو في منتهى اللطافة، و كان ينسج من وبره الأقمشة كالعمامة و القباء و غير ذلك، و هذا الخزّ المعروف في هذا الزمان غير قابل لأن ينسج من وبره شي‌ء، و عليه لا يلحقه حكم الخزّ، بل هو شي‌ء آخر يلحق بالمشتبه، فإن جوّزنا الصلاة في المشتبه فهو، و لكن بعد إحراز‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 251 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

365

تذكيته إن كان ممّا له نفس سائلة، و إن لم نجوّز الصلاة في المشتبه كانت الصلاة فيه فاسدة، فتدبّر. و لعلّه يأتي لبيان حكم الخزّ و السنجاب مزيد توضيح.

المشهور بين الأصحاب اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، و قد ادّعي الإجماع على ذلك، خصوصا الساتر منه حيث تكرّر نقل الإجماع على بطلان الصلاة في الساتر المغصوب. و الظاهر أنّه لا خصوصية للساتر بل حاله في ذلك حال سائر اللباس.

و توهّم ان الستر حيث كان مأمورا به في الصلاة و شرطا لصحّتها، و ذلك لا يجامع كونه منهيّا عنه لغصبية ما يستر به، فلا بدّ من فساد الصلاة عند التستّر بالمغصوب، إمّا لاندراجه في باب النهي عن العبادة و لو لشرطها، و إمّا لاندراجه في باب اجتماع الأمر و النهي مع غلبة جانب النهي، كما هو الشأن في جميع موارد اجتماع الأمر و النهي، حيث يقدّم جانب النهي بناء على الامتناع، لأنّ إطلاق النهي يكون شموليا، و إطلاق الأمر بدليا، و كلّما دار الأمر بين الإطلاق الشمولي و الإطلاق البدلي فالإطلاق الشمولي مقدّم، كما أوضحناه في محلّه، ففساده غنىّ عن البيان.

أمّا أولا: فلأنّ ما هو الواجب و الشرط في الصلاة هو الستر بمعناه الاسمي المصدري، و هو الإضافة اللاحقة للصلاة من جهة الستر، و الأثر الحاصل من التستّر و هو كون الشخص مستورا، و ما هو المنهي عنه هو الستر بمعناه المصدري، و هو التستّر و اللبس الذي يتحقّق الغصب به، فلا يندرج التستّر بالمغصوب لا في باب النهي عن العبادة، و لا في باب اجتماع الأمر و النهي، لأنّ النهي تعلّق بأمر خارج عمّا هو الشرط في الصلاة، فلا الشرط منهيّ عنه، و لا هو متّحد مع المنهيّ عنه.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لو سلّمنا أنّ ما هو الشرط في الصلاة هو الذي تعلّق به النهي، أو اتّحد مع المنهيّ عنه، و لكن ليس كلّ شرط تعلّق النهي به إمّا لنفسه و إمّا لاتّحاده مع المنهيّ عنه يوجب فساد الصلاة، بل ذلك مقصور بالشرط العبادي الذي يعتبر فيه قصد التقرّب و الامتثال، كالطهارات الثلاث مثلا، و أمّا الشروط‌

366

التوصّلية التي لا يعتبر فيها ذلك فتعلّق النهي بها و وقوعها على صفة التحريم لا توجب فساد العبادة المشروطة بها، غايته أنّه فعل محرّم في الصلاة مع اشتمال الصلاة على شرطها من التستّر مثلا، فلا موجب لفساد الصلاة، و لا إشكال أنّ شرطية الستر ليس من الشروط التي يعتبر فيها قصد الامتثال، بل إنّما هو من الشروط التوصّلية، و لذا يكتفي به مع وقوعه عن غير قصد و بلا نيّة، فمجرّد كون الستر شرطا في الصلاة لا يوجب له خصوصية بها يمتاز عن سائر اللباس، فينبغي عقد البحث في كلّي اللباس.

و الظاهر أنّه ليس في المقام نصّ بالخصوص يدلّ على اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، و ما ورد في بعض الأخبار من وصية عليّ (عليه السلام) لكميل: انظر فيما تصلّي و على ما تصلّي إن لم يكن من وجهه و حلّه فلا قبول (1). فلا دلالة فيه على ذلك، لعدم ظهور قوله (عليه السلام) «فلا قبول» في الحكم الفقهي، حتّى يكون عدم القبول مستتبعا للإعادة و القضاء، بل هو محمول على الحكم الأخلاقي.

و بالجملة: الظاهر أنّه ليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على اعتبار الإباحة في لباس المصلّي، فلا بدّ من ملاحظة ما تقتضيه القاعدة، و ليس لنا في المقام قاعدة تقتضي ذلك سوى مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإن أمكننا إدراج المقام في باب اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إلى أجزاء الصلاة، بأن يتّحد الجزء الصلاتي مع التصرّف في المغصوب فهو، و إلّا كان مقتضى القاعدة عدم اشتراط اللّباس بذلك، و إن ادّعي عليه الإجماع، لكنّ الإجماع موهون بنقل الخلاف.

و الذي يقتضيه النظر هو إمكان إدراج المسألة في باب اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إلى بعض أجزاء الصلاة، و هو الجزء الركوعي و الجزء السجودي بيان ذلك‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 423 باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

367

هو أنّه لا إشكال- بعد البناء على ركنية القيام المتّصل بالركوع الذي معناه أن يكون الركوع عن قيام- أنّ الهويّ من القيام إلى الركوع يكون من أجزاء الركوع، و يكون الركوع حينئذ من مبدأ الانحناء إلى أن يصل إلى حدّ الراكع، لا أنّ الركوع عبارة عن نفس الهيئة و يكون الهويّ مقدّمة وجودية له، فيكون الهويّ و الانحناء خارجا عن أفعال الصلاة، كما قال به العلامة الطباطبائي (1) في منظومته «إذ الهويّ فيهما مقدّمة .. إلخ» إذ الالتزام بذلك ينافي القول بركنية القيام المتّصل بالركوع، إذ معنى ركنية ذلك- كما عرفت- هو أن يكون الركوع عن قيام، و ذلك لا يجتمع مع مقدّمية الهويّ، إذ لازم القول بمقدّمية الهويّ هو أنّه لا يعتبر الهويّ بقصد الركوع، بل لو هوى لا بقصد الركوع فلمّا وصل إلى حدّ الركوع قصد الركوع لكان ذلك مجزيا، و هذا المعنى ينافي اعتبار كون الركوع عن قيام الذي هو معنى ركنية القيام المتّصل بالركوع، فإنّ كون الركوع عن قيام هو أنّه من مبدأ تقوسه و انحنائه مشتغلا بالركوع إلى أن يصل إلى حدّ الراكع.

و بالجملة: لا محيص بعد الالتزام بركنية القيام المتّصل بالركوع- كما لا محيص عنه- من القول بأنّ الهويّ من القيام إلى الركوع من أفعال الصلاة، و ليس مقدّمة خارجة عنها. و من هنا من جمع بين ركنية القيام المتّصل بالركوع و بين مقدّمية الهويّ فقد جمع بين ما لا يمكن الالتزام به. و إذ قد ظهر أنّ الهويّ من القيام يكون من أفعال الصلاة فيكون الهويّ عند تلبّسه بالمغصوب تصرّفا في المغصوب و متّحدا معه، بحيث يحمل على هذا الهويّ بالحمل الشائع الصناعي أنّه تصرّف بالمغصوب، فيجتمع الأمر و النهي في هذا الجزء الصلاتي الذي ملاكه الاتّحاد بحسب الخارج، فيكون حال الهويّ كحال الصلاة في المكان المغصوب من حيث‌

____________

(1) الدرّة النجفيّة: ص 123 في الركوع.

368

الاتّحاد، و بعد البناء على تقديم جانب النهي في موارد اجتماع الأمر و النهي تكون الصلاة باطلة و لو باعتبار جزئها من الهويّ. هذا بالنسبة إلى الركوع.

و أمّا بالنسبة إلى السجود فإن بنينا على أنّ السجود عبارة عن نفس كون الجبهة على الأرض و الهويّ إليه، من مبدأ حدوثه إلى أن تصير الجبهة على الأرض مقدّمة خارجية، فلا اتّحاد بينه و بين التصرّف في الغصب أبدا كما لا يخفى. و إن بنينا على أنّ السجود من مقولة الفعل، الذي هو عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لا كون الجبهة على الأرض، فبمقدار ما يتحقّق به الوضع و هو قبيل صيرورة الجبهة على الأرض يتحقّق الاتّحاد بين التصرّف في المغصوب و بين الوضع الذي يكون فعلا سجوديّا، و هذا هو الأقوى، لأنّه يعتبر في السجود وضع الجبهة على الأرض لا مطلق كون الجبهة على الأرض، ففي الجزء السجودي أيضا يتحقّق اجتماع الأمر و النهي، و تبطل الصلاة من أجله بعد البناء على تغليب جانب النهي. و هذا بالنسبة إلى الجزء الركوعي و السجودي.

و أمّا بالنسبة إلى سائر الأجزاء فلا اتّحاد فيها بين الأمر و النهي و لا اجتماع، بداهة أنّ القيام عبارة عن الهيئة الحاصلة للقائم، و هذا هو الذي يكون جزء للصلاة، و كذا الجلوس للتشهّد، و الهيئة لم تتّحد مع التصرّف في المغصوب، بل إنّما يكون التصرّف من المقارنات لها.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما قلناه من الاتّحاد في الجزء الركوعي و السجودي إنّما هو موجبة جزئية و في بعض اللباس، و هو ما يتحرّك بالحركة الركوعية و السجودية، و ذلك إنّما يكون بالنسبة إلى ما على المصلّي من اللباس في النصف العالي من بدنه، فإنّ هذا المقدار هو الذي يتحرّك بالحركة الركوعية عند الهويّ إليه، و أمّا ما في أسافل بدنه كالسراويل فلا يتحرّك بالحركة الركوعية أصلا، هذا بالنسبة إلى الركوع. و أمّا بالنسبة إلى السجود، فبالنسبة إلى ما يكون في أعالي بدنه أيضا‌

369

لا يتحرّك بالحركة السجودية التي هي قُبيل وصول الجبهة إلى الأرض بالمقدار الذي يصدق عليه الوضع، بل ما يتحرّك بهذه الحركة إنّما هو مثل العمامة مثلا و ما يكون بمثابها.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ إطلاق القول باعتبار الإباحة في لباس المصلّي ممّا لم يقم عليه دليل، و إنّما يصحّ ذلك موجبة جزئية و هو بالنسبة إلى خصوص الركوع و السجود، و ذلك أيضا ليس على إطلاقه، بل بالنسبة إلى بعض اللباس و هو ما يتحرّك بحركتهما، و لازم ذلك هو أنّه لو لبس المغصوب في الصلاة و نزعه عند إرادة الركوع و السجود لكانت صلاته صحيحة، بل لازم ذلك جواز لبس مثل السراويل و غيرها ممّا لا يتحرّك بالحركة الصلاتية مطلقا و لو في حال الركوع و السجود، هذا. و لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد ذهاب المشهور على اعتبار الإباحة في اللباس، بل في المصاحب من غيره.

بقي الكلام في حكم الناسي بالموضوع، و الجاهل به، و الجاهل بالحكم تقصيرا أو قصورا وضعا أو تكليفا، و الناسي بالحكم كذلك. فنقول: المشهور هو أنّ الجاهل بالموضوع تصحّ صلاته، و كذا الناسي له على إشكال في خصوص الغاصب، يأتي بيانه إن شاء اللّٰه و أمّا الجاهل بالحكم الوضعي من بطلان الصلاة في المغصوب، و كذا الناسي له، فممّا لا أثر له، بل المدار على الجهل و العلم بالحكم التكليفي. و أمّا الجاهل بالحكم التكليفي، فإن كان عن تقصير فهو بحكم العامد العالم من بطلان صلاته، و إن كان عن قصور فهو بحكم الجاهل بالموضوع من صحّة صلاته. و أمّا الناسي بالحكم فهو ملحق بالجاهل به. هذا ما ذهب إليه المشهور على ما حكي عنهم.

و ينبغي من تقديم مقال به يتّضح الوجه فيما ذهبوا إليه، و حاصله: أنّه قد ذكرنا في محلّه من أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه يقع‌

370

من جهتين:

الاولى: البحث عن ذلك من حيث وحدة المتعلّق، و أنّه هل يلزم في مورد الاجتماع من تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به الآخر، و سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، أو أنّه لا يلزم ذلك و إن تصادقا خارجا على شي‌ء واحد؟ و بعبارة أخرى: بعد تصادق الصلاة و الغصب على المجمع المأتيّ به، يقع البحث في أنّ هذا التصادق هل هو من باب التركيب الاتّحادي، حتّى يلزم تعلّق كلّ منهما بعين ما تعلّق به الآخر، أو أنّه من باب التركيب الانضمامي حتّى لا يلزم ذلك؟

الجهة الثانية: بعد الفراغ عن الجهة الاولى، و أنّ التركيب على نحو الانضمام، و عدم سراية كلّ منهما إلى متعلّق الآخر، يقع الكلام في الجهة الثانية من اعتبار المندوحة، و أنّه عند المندوحة و قدرة المكلّف على الصلاة في غير المغصوب، هل يكون مورد التصادق مأمورا به و منهيّا عنه بالفعل، أو لا يكون إلّا أحدهما؟ فإن قلنا بالامتناع من الجهة الاولى، و سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، فيكون مسألة اجتماع الأمر و النهي من صغريات باب التعارض، و لا ربط له بباب التزاحم، فإنّ الضابط في باب التعارض هو امتناع صدور الحكمين ثبوتا و في عالم التشريع و تعلّق إرادة المولى، من دون أن يكون لقدرة المكلّف و عدم قدرته دخل في ذلك، و الامتناع من الجهة الأولى إنّما يكون في عالم الثبوت و التشريع حيث يستحيل أن يأمر المولى بعين ما ينهى عنه، و تعلّق كلّ من إرادة الفعل و الترك بالنسبة إلى شي‌ء واحد، سواء كان هناك مكلّف أو لم يكن، قدر المكلّف على الجمع بينهما أو لم يقدر، كما هو واضح.

و حينئذ لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى، و قدّمنا في مقام التعارض جانب النهي- كما لا محيص عنه، لما تقدّمت الإشارة إليه من أنّ الإطلاق الشمولي الذي هو مفاد النهي مقدّم في مقام التعارض على الإطلاق البدلي الذي هو مفاد‌

371

الأمر، كتقدّم العام الاستيعابي على الإطلاق الشمولي- تكون المسألة من صغريات باب النهي عن العبادة، و يلزمه القول بفساد العبادة مطلقا حتّى مع الجهل بالموضوع أو نسيانه، و ذلك لأنّه بعد ما كانت المسألة من صغريات باب التعارض مع تقديم جانب النهي، فتكون جهة الأمر ثبوتا مغلوبة و جهة النهي غالبة، كما هو الشأن في كلّ مورد يقع التعارض بين الأمر و النهي مع تغليب جانب النهي، و إن لم يكن التعارض من باب اجتماع الأمر و النهي، بل كان التعارض لجهة أخرى غير مسألة الاجتماع، بل هذا هو الشأن في كلّ متعارضين قدّم أحدهما على الآخر و إن لم يكن التعارض بين الأمر و النهي، فإنّ تقديم أحد المتعارضين على الآخر يكشف إنّا عن غلبة ملاكه و مغلوبية ملاك الآخر، لو كان فيه ملاك مع قطع النظر عن المعارضة، و بعد ذلك لا يمكن تصحيح متعلّق المعارض المغلوب لو كان عبادة لا بالأمر و لا بالملاك، لعدم الأمر به حسب الفرض بعد تقديم النهي، و ملاكه لو كان فهو مغلوب بملاك النهي، و الملاك المغلوب بأقوى منه لا يوجب صحّة العبادة، فلا يمكن تصحيح العبادة بشي‌ء من الأمر و الملاك مع توقّف صحّة العبادة على أحدهما لا محالة.

لا يقال: إنّه عند الجهل بالموضوع أو نسيانه يسقط النهي لا محالة، فلا مانع من الصحّة حينئذ. فإنّه يقال: النهي و إن سقط بالجهل و النسيان إلّا أنّ ملاكه لم يسقط بذلك، لعدم تصرّف الجهل بالملاك في مثل ما نحن فيه ممّا كان من باب التعارض الذي ملاكه وقوع المعارضة في عالم التشريع و عالم تعلّق إرادة الآمر، الذي لا دخل لإرادة الفاعل و علمه و جهله بذلك، فإذا كان ملاك النهي باقيا فالفساد إنّما يستند إليه لا إلى النهي الساقط بالجهل، و لتفصيل الكلام محل آخر.

هذا كلّه لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى.

و أمّا لو بنينا على الامتناع من الجهة الثانية، فقد عرفت أنّه يكون حينئذ من‌

372

صغريات باب التزاحم و يخرج عن باب التعارض، فإنّ معنى الجواز في الجهة الاولى هو عدم سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر، و أنّ التركيب في مورد التصادق و الاجتماع انضمامي، ففي عالم الثبوت و الإرادة لا مانع من تشريع مثل هذا الأمر و النهي، لعدم تعلّق الإرادة بفعل شي‌ء و ترك ذلك، بل تعلّقت الإرادة بفعل شي‌ء و ترك شي‌ء آخر و إن تصادقا في الخارج، ففي ناحية الثبوت لا مانع من الاجتماع فيخرج عن باب التعارض.

نعم في ناحية قدرة الفاعل، و تعلّق إرادته بفعل متعلّق الأمر و ترك متعلّق النهي، يقع التزاحم بينهما في مورد التصادق، لعدم قدرة المكلّف من امتثال كلّ من الأمر و النهي مع اتّحاد المتعلّق خارجا، لكنّ هذا مع اشتمال كلّ من الأمر و النهي على تمام ما هو ملاكه، فإنّه بعد عدم المانع من تشريع الحكمين ثبوتا يكون الملاك في كلّ منهما على حاله من دون وقوع كسر و انكسار بينهما، و قدرة المكلّف و عدمها لا توجب تصرّفا في الملاك أصلا، كما هو الشأن في كلّ متزاحمين، فتكون مسألة الاجتماع- بناء على الامتناع من الجهة الثانية و الجواز من الجهة الاولى- من صغريات باب التزاحم، و يجري فيها ما يجري في كلّيّ باب التزاحم من ملاحظة المرجّحات، و حيث كان النهي سريانيّا و الأمر صرف الوجود فلا محيص من تقديم جانب النهي، و خروج الفرد من الصلاة المبتلى بالمزاحم عن تحت إطلاق متعلّق الأمر، لأنّ النهي بسريانيّته يصلح أن يكون تعجيزا مولويّا عن متعلّق الأمر بخلاف العكس، فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ من لوازم باب التزاحم هو أنّ تقديم أحد المتزاحمين على الآخر- لأحد موجباته- إنّما يكون في صورة العلم بالحكم و الموضوع، لأنّ التزاحم إنّما يقع عند ذلك، و إلّا فوجود الواقعي للحكم ممّا لا أثر له في باب التزاحم، بل لا بدّ من وجوده العلمي، مثلا لو لم يعلم بأنّ هناك غريقا آخر، لا يمكن أن يزاحم وجود‌

373

واقعي «أنقذ الغريق» للغريق الذي علم به حكما و موضوعا، بل اللازم عليه فعلا هو إنقاذ ما علم كونه غريقا ليس إلّا، و هذا بخلاف باب التعارض، لما عرفت من أنّ التعارض إنّما يكون بين الوجود الواقعي و في عالم الإرادة الآمرية و التشريع من دون أن يكون لعلم المكلّف و جهله دخل في ذلك، و لتوضيح المقال محلّ آخر، و الغرض في المقام مجرّد الإشارة إلى ما يبتني عليه مسألتنا من الصلاة في المغصوب عند الجهل و النسيان.

و إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر لك الوجه فيما ذهب إليه المشهور من صحّة صلاة الجاهل بالموضوع، و الناسي له، و الجاهل بالحكم التكليفي قصورا، و بطلان صلاة العامد العالم، و الجاهل بالحكم تقصيرا، فإنّ ذهابهم إلى ذلك إنّما هو لبنائهم على الجواز من الجهة الأولى- كما هو المشهور بينهم أيضا على ما نسب إليهم في الأصول- و الامتناع من الجهة الثانية، و ذلك بعد الإحاطة بما قدّمناه واضح.

أمّا الصحّة عند الجهل بالموضوع و نسيانه فواضح، لما عرفت من أنّ النهي في الجهة الثانية إنّما يقدّم على الأمر بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، لأنّه بوجوده الواقعي لا يزاحم الأمر بعد تمامية ملاكه، كما عرفت من أنّ ذلك من لوازم التزاحم، و أنّ مسألة الاجتماع من الجهة الثانية تكون من صغرى باب التزاحم، و الجاهل بالغصبية و إن لم يسقط النهي عنه واقعا إلّا أنّه غير منجّز عليه، فلا مانع من صحّة صلاته بعد اشتمالها على تمام الملاك، و كذا الناسي لها، بل هو أولى بالصحّة، لسقوط النهي عنه واقعا، و كذا الكلام بالنسبة إلى الجاهل بالحكم عن قصور، فإنّه كالجاهل بالموضوع من حيث كون النهي غير منجّز عليه.

و أمّا بطلانها في صورة العلم بالحكم و الموضوع، أو الجهل بالحكم فقط لكن عن تقصير، فلتنجّز النهي عليه، فتقع الصلاة منه مبغوضة، و ما وقع مبغوضا لا يمكن أن يكون مقرّبا.

374

فإن قلت: بعد الالتزام بأنّ مورد الاجتماع مشتمل على كلّ من ملاك الأمر و النهي، كما هو لازم باب التزاحم، و مجرّد تقديم جانب النهي لا يوجب عدم اشتمال الصلاة على ملاكها، و إلّا لخرج عن باب التزاحم و دخل في باب التعارض، و حينئذ لا مانع من تصحيح الصلاة بالملاك، و إن عوقب على فعل الغصب، كما هو الشأن في كلّ متزاحمين قدّم أحدهما على الآخر، كتقديم الإزالة على الصلاة، و لكن مع ذلك تقع صلاته صحيحة لو خالف و ترك الإزالة.

و حاصل الكلام: أنّه بعد الفراغ من الجهة الاولى و البناء على الجواز فلا معنى للقول ببطلان صلاة الجاهل المقصّر، بل و كذا العالم بعد الاعتراف بأنّ مورد التصادق مشتمل على تمام ملاك الأمر، و بعد تصحيح العبادة بالملاك كما في نظائر المقام من سائر موارد التزاحم.

قلت: نعم و إن كان مورد التصادق مشتملا على تمام ما هو ملاك الأمر، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في المقرّبية بعد اتّحاده و ابتلائه بما يقع فعلا من المكلّف مبغوضا عليه من التصرّف في المغصوب، و ما قلنا من تصحيح العبادة بالملاك إنّما هو فيما إذا لم يكن بهذه المثابة. و تفصيل ذلك هو أنّ التزاحم على أقسام خمسة.

الأول: تزاحم الضدّين كالتزاحم بين الإزالة و الصلاة.

الثاني: التزاحم بين المقدّمة و ذيها إذا كان أحدهما واجبا و الآخر محرّما.

الثالث: تزاحم المتلازمين في الوجود فيما إذا كان التلازم اتّفاقيّا، كما إذا فرض وجوب استقبال القبلة و حرمة استدبار الجدي مع أنّهما متلازمان في العراق و ما والاها.

الرابع: تزاحم المتّحدين في الوجود، كما فيما نحن فيه من تزاحم الصلاة و الغصب عند التصادق و الاتّحاد.

الخامس: تزاحم الواجبين في ناحية قدرة المكلّف، من دون أن يكون بينهما‌

375

تضادّ و لا اتّحاد و لا تلازم و لا مقدّميته و ذيها، و ذلك كما في تزاحم القيام في الركعة الاولى و الثانية، أو في بعض الركعة، كما إذا دار أمره بين القيام في الركعة الاولى و الجلوس في الثانية و بالعكس، أو دار أمره بين القيام في أول الركعة و الجلوس في آخرها و بالعكس.

و هذه الأقسام الخمسة بعد اشتراكها في التزاحم تختلف من حيث تصحيح العبادة بالملاك، فإنّ في القسمين الأولين، و هما التزاحم بين الضدّين و المقدّمة و ذيها، يمكن تصحيح العبادة بالملاك، فلو فرض أنّه ترك الإزالة مع كونها أهمّ من الصلاة و صلّى بداعي الملاك تقع صلاته صحيحة، و كذا لو أتى بالمقدّمة المحرّمة مع كونها أهم و فعل ذي المقدّمة الواجب بداعي الملاك صحّت و إن عصى بترك الإزالة و فعل المقدّمة.

و السرّ في ذلك هو أنّ الصلاة، و كذا ذي المقدّمة، حيث كان لها وجود استقلاليّ لا ربط له بالإزالة و المقدّمة، و مشتملة على تمام الملاك، فلا مانع عند العقل من التقرّب بها و صحّتها بداعي الملاك، و مجرّد عصيانه في ترك الإزالة و فعل المقدّمة لا يمنع عن ذلك، فهو نظير من شرب الخمر و صلّى، أو ترك الحجّ و صلّى، و مجرّد إمكان الاجتماع في الوجود- كما في الأمثلة- و عدم إمكانه- كما فيما نحن فيه- لا يصلح فارقا من الجهة التي نحن فيها، و كما يمكن تصحيح العبادة في هذا القسمين بالملاك كذلك يمكن بالأمر الترتّبي، بناء على المختار من إمكانه.

و أمّا القسم الخامس فلا يمكن تصحيح العبادة بالملاك، مثلا لو كان يجب عليه حفظ قدرته على القيام في آخر الركعة لئلّا يفوت منه القيام المتّصل بالركوع، لكونه أهمّ من القيام في أول الركعة و الجلوس في آخرها مع استلزامه فوات القيام المتّصل بالركوع، فلو خالف و قام في أول الركعة و جلس في آخرها كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته، لأنّه زاد في أول الركعة قياما لم يكن واجبا عليه، و نقص‌

376

في آخرها قياما واجبا عليه، فهو كمن تعمّد بالقعود في آخر الركعة مع قدرته على القيام الذي لا إشكال في بطلان صلاته، ففي القسم الخامس مع كونه من باب التزاحم لا يمكن [تصحيح] العبادة بالملاك.

و أمّا القسم الثالث و هو ما إذا كان التزاحم بين المتلازمين، ففي تصحيح العبادة بالملاك إشكال، و ذلك فلأنّ أحد المتلازمين العبادي و إن كان له وجود استقلالا، و اشتمل على الملاك، و كان ما بحذائه في الخارج غير ما بحذاء ملازمه الآخر، إلّا أنّ اكتفاء العقل بالامتثال بمثل هذه العبادة التي لازمت ما يكون مبغوضا للمولى محلّ إشكال، إذ ليس لنا دليل لفظي يتمسّك بإطلاقه على أنّ كلّما تحقّق الملاك في العبادة صحّت، بل تصحيح العبادة بالملاك إنّما هو عقلي، و حكمه بصحّة أحد المتلازمين إذا كان عبادة، مع أنّ ما يلازمه مبغوضا فعليّا للمولى، و عدم انفكاك إرادة أحد المتلازمين عن إرادة الآخر غالبا و لو تبعا، غير معلوم.

فإذا كان هذا حال القسم الثالث فما ظنّك بالقسم الرابع! و هو ما إذا اتّحدت العبادة مع ما هو مبغوض للمولى فعلا، فإنّ تصحيح مثل هذا بالملاك، مع أنّ ما يصدر منه فعلا مبغوضا للمولى و معاقبا عليه، ممّا لا يمكن، و كيف يمكن ذلك مع أنّ الموجود من المكلّف في الخارج متّحد ماهية و وجودا، و قد تعلّقت به إرادة الفاعل بما هو عليه من المبغوضية الفعلية و التفاته إلى ذلك أو عدم التفاته على وجه لا يعذر فيه؟

و بالجملة: لا يمكن تصحيح هذه العبادة المتّحدة مع المبغوض الفعلي بالملاك، و لا يمكن أن تكون مقرّبة مع تعلّق إرادة الفاعل بما يصدر منه مبغوضا عليه مع ما هو عليه من الاتّحاد.

فإن قلت: نعم إرادة الفاعل و إن تعلّقت بالمبغوض الفعلي من التصرّف‌

377

بالغصب، إلّا أنّها تعلّقت بما هو مشتمل على ما يكون فيه ملاك المحبوبية أيضا من امتثال الأمر الصلاتي المتعلّق بالطبيعة دون الفرد، و تشخّص الصلاة بما يكون مبغوضا لا يوجب عدم تحقّق الامتثال بالطبيعة بعد ما كانت الخصوصيّات الفردية خارجة عن دائرة متعلّق الأمر، فليكن هذا العبد مطيعا من حيث إرادته إيجاد طبيعة الصلاة امتثالا لأمرها، و عاصيا من جهة إرادة الشخص الذي يكون مبغوضا.

قلت: لو كان إرادة الفاعل بإيجاد الطبيعة قد تعلّقت بها مستقلا، و كانت إرادته ذلك مغايرة لإرادته الشخص المبغوض، بأن كان له إرادتان مستقلّتان منحازتان، قد تعلّقت أحدهما بالطبيعة و الأخرى بالفرد، أمكن أن يقال ذلك.

مع أنّ ذلك أيضا على إطلاقه ممنوع، لما عرفت من أنّ المسلّم من تصحيح العبادة بالملاك هو ما كانت العبادة لها وجود استقلالي خارجا و إرادة من دون أن تكون ملازمة بينها و بين المبغوض، و على كلّ حال في صورة الاتّحاد لم تكن هناك إرادتان للفاعل مستقلّتان منحازتان في الخارج، بل ليس هناك إلّا إرادة واحدة قد تعلّقت بإتيان ما يكون مجمع العنوانين مع ما هو عليه من المبغوضية و الاتّحاد، فكيف يكون إرادة إيجاد مثل هذه الطبيعة مقرّبا مع أنّه أسوأ حالا من المتلازمين في الوجود الذي قد عرفت الإشكال فيه؟ مع أنّ في المتلازمين كانت إرادة أحد اللازمين مغايرة لإرادة الآخر، غايته أنّه متلازمين في الإرادة، و في المقام لم يكن الإرادة واحدة تعلّقت بالمبغوض الفعلي.

فإن قلت: إذا لم تكن إرادة الطبيعة مغايرة لإرادة المجمع، و كانت هناك إرادة واحدة قد تعلّقت بالمحبوب و المبغوض، فكيف جوّزتم الاجتماع من الجهة الاولى؟ و هل لازم ذلك إلّا تعلّق الإرادة بعين ما تعلّقت به إرادة الآخر؟

قلت: الكلام في الجهة الأولى إنّما كان في إرادة الآمر في مقام التشريع،

378

و حيث كان في ذلك المقام الخصوصيّات الفردية خارجة عن تعلّق إرادة الآمر بها، بل تعلّقت بالطبيعة الصلاتية و طبيعة الغصبية، فلا يلزم في مقام تعلّق إرادة الآمر من اجتماع الإرادتين و تعلّق كلّ بعين ما تعلّق به الآخر، و هذا بخلاف الكلام من الجهة الثانية، فإنّها في مقام تعلّق إرادة الفاعل، الذي لا يمكن في هذا المقام من تعلّق إرادته بالطبيعة الصرفة من دون أن تتعلّق بالفرد المبغوض.

فإن قلت: فما معنى قولهم إنّ المشخّصات الفردية خارجة عن متعلّق الإرادة و غير ملتفت إليها؟

قلت: مرادهم من ذلك الخصوصيّات اللاحقة لنفس الفرد في حال وجوده، كتشخّص الصلاة بالخصوصية الكذائية عند وجودها، و أمّا الخصوصيّات اللاحقة لنفس الطبيعة، كإيجاد الطبيعة في زمان كذا أو في مكان كذا، فممّا لا يمكن عدم تعلّق الإرادة الفاعلية بها، بل لا بدّ من تعلّق الإرادة بها.

و حاصل الكلام: أنّ إرادة الطبيعة في ضمن الفرد المحرّم ممّا لا يمكن أن يكون مقرّبا، لصدوره منه مبغوضا عليه، و بذلك ظهر أنّه ليس وجه فساد صلاة العالم بالموضوع و الحكم هو عدم إمكان تمشّي قصد القربة منه، فإنّ ذلك- مع كونه مقصورا بالعالم دون الجاهل المقصّر- على إطلاقه ممنوع، فإنّ العالم ربّما يمكن تمشّي قصد القربة منه فلا يكون هذا مانعا عن الصحّة، بل المانع ما ذكرناه من أنّه عند العلم و الجهل الذي لا يعذر فيه فلا يقع الفعل مبغوضا عليه، من جهة قصده إيجاد الطبيعة في ضمن الفرد المحرّم الفعلي. و هذا بخلاف الجاهل المعذور أو الجاهل بالموضوع و الناسي له، فإنّه لمكان عدم قصده ذلك، إمّا لعدم كونه محرّما عليه واقعا كالناسي للموضوع، و إمّا لعدم منجّزية النهي كالجاهل به أو بالحكم مع كونه معذورا، كانت عبادته صحيحة. هذا بالنسبة إلى غير الغاصب.

و أمّا بالنسبة إلى نفس الغاصب فقد يقال: إنّ نسيانه للموضوع لا يوجب‌

379

صحّة صلاته، و وجّهه بعض بأنّه غير معذور في نسيانه، إمّا لانصراف أدلّة رفع النسيان إلى غير ذلك، و إمّا لأنّه كان يجب عليه الحفظ و الذكر حتّى يرد مال الناسي إلى أهله، فبتركه الحفظ و الذكر الذي أوجب النسيان صار نسيانه ممّا لا يعذر فيه، و كان تكليف لا تغصب منجّزا عليه، فلا تصحّ منه الصلاة، هذا.

و لكن لا يخفى عليك ما في كلا الوجهين من الضعف.

أمّا دعوى الانصراف فممّا لا شاهد عليها، إذ لا موجب له.

و أمّا الوجه الثاني، فعلى فرض تسليم أنّه كان يجب عليه الحفظ و الذكر، فأقصاه أنّه فرّط في هذا الواجب و عصى بتركه، و هذا لا ينافي معذوريّته في حال النسيان، و لا يعقل أن يكون النهي منجّزا عليه في حال النسيان، فإنّ رفع التكليف عن الناسي عقلي لا يختصّ بشخص دون شخص، و حال دون حال.

و دعوى أنّ تصرّفه في المغصوب حال النسيان كتصرّفه في حال الخروج عن الدار المغصوبة يمكن أن لا يكون معذورا فيه، مع أنّه ممّا لا بدّ منه عقلا، مدفوعة (أولا) بأنّ الخروج يكون مأمورا به ليس إلّا و معذورا فيه، على ما هو المختار من أنّ الخروج لم يكن منهيّا عنه في حال من الحالات، لأنّه تخلّص عن الغصب فلا يمكن أن [يكون] منهيّا عنه. (و ثانيا) سلّمنا ذلك إلّا أنّ الخروج يمكن أن يقال منهيّا عنه بالنهي السابق الساقط، و يكون مقدورا تركه بترك الدخول، إلّا أنّه في صورة النسيان لا يمكن ذلك، لأنّ الشي‌ء في حال النسيان غير مقدور لا بنفسه و لا بالواسطة، فإنّ التحفّظ و المواظبة على الذكر لا يلازم عدم النسيان، فربّما الشخص يكون في كمال التحفّظ و المواظبة و مع ذلك ينسى لأمر غير اختياري، فلا يقاس باب النسيان بباب الخروج الذي هو مقدور دائما بترك الدخول، فتأمّل جيّدا. فالأقوى أنّه لا فرق في الصحّة بين كون الناسي هو الغاصب أو غيره.

بقي في المقام بعض الفروع المرتبطة بالمقام.

380

الأوّل: لو وجب على الغاصب حفظ المغصوب

، و توقّف حفظه على الصلاة فيه، فالأقوى صحّة صلاته، لأنّ المفروض أنّ التصرّف الحاصل بالصلاة فيه ممّا يجب عليه مقدّمة للحفظ، و معه لا يمكن أن يكون التصرّف منهيّا عنه، فلا موجب للفساد.

ثمّ إنّ وجوب حفظ مال المغصوب عن التلف إنّما هو لأجل اقتضاء الضمان ذلك، فإنّه بالغصب قد ضمن العين المغصوبة بما لها من الخصوصية الشخصية، و الخصوصية النوعية التي ينتقل إليها عند تعذّر الشخصية، و ذلك كما في المثليّات، و الخصوصية المالية التي ينتقل إليها عند تعذّر الشخصية و النوعية، كما في القيميّات.

و معنى كون الخصوصية الشخصية في ضمانه هو أنّها في عهدة الغاصب إلى أن يردّها إلى صاحبها، و لا معنى لذلك إلّا وجوب ردّها، و لا معنى لضمان الخصوصية الشخصية إلّا ذلك، إذ بعد ما كانت الخصوصية المثلية و المالية ضامنا لها بنفس وضع يده على المغصوب، فلا معنى لأن يتوهّم أنّ معنى ضمان الخصوصية الشخصية هو أنّ عند تلفها ينتقل إلى المثل و القيمة، و ليس معنى ضمانها وجوب ردّها، فإنّ الانتقال إلى المثل و القيمة ليس من لوازم ضمان الخصوصية الشخصية، بل هو من لوازم وضع اليد على المال الذي يكون له خصوصية نوعية و خصوصية مالية، و إلّا فالخصوصية الشخصية إذا تلفت فقد فاتت من المالك من دون أن يحصل له بإزائها شي‌ء، فمعنى ضمان الخصوصية الشخصية ليس إلّا وجوب ردّها، فإذا وجب ردّها وجب حفظها مقدّمة لذلك، فإذا كان وجوب الحفظ من لوازم ضمان المغصوب، فلا يقتضي ضمان المغصوب حينئذ حرمة التصرّف المتوقف عليه الحفظ، فإنّ الشي‌ء لا يمكن أن يقتضي لازمين متدافعين، فتأمّل.

381

و يمكن أن يقال: إنّ وجوب حفظ مال المغصوب ليس من جهة ضمانه، بل من جهة أنّ وقوع مال الغير تحت اليد- و إن لم تكن اليد يدا عادية- يقتضي وجوب حفظه، كما نرى وجوب حفظ المال و لو كانت اليد يد أمانة مالكية أو شرعية، و دعوى أنّ كلّ مال وقع تحت اليد يجب حفظه ليس بكلّ البعيد. نعم دعوى أنّ كلّ مال يجب حفظه و إن لم يكن تحت اليد ممّا لا سبيل إليها. و على كلّ حال بعد وجوب حفظ المال المتوقّف على الصلاة فيه، إمّا لاقتضاء الضمان ذلك، و إمّا لوقوعه تحت اليد، لم يكن التصرّف الصلاتي منهيّا عنه، فلا وجه لفسادها.

الثاني: لو صبغ الثوب بصبغ مغصوب

، أو خاطه بخيط مغصوب، فربّما قيل:

إنّه لا مانع من الصلاة فيه، لعدّ الصبغ و الخيط تالفا و يلزمه قيمته، و يشكل ذلك بأنّ دعوى عدّ الصبغ و الخيط تالفا عند العرف ممّا لا سبيل إليها، بعد ما كان عين الصبغ و الخيط موجودا في الثوب، و مجرّد عدم إمكان ردّه إلى صاحبه لا يقتضي ذلك و لا الانتقال إلى القيمة، فليكن شريكا بنسبة قيمة الصبغ و الخيط، و ليس كلّ ما لا يمكن ردّه إلى صاحبه يعدّ تالفا عند العرف، بل التالف ما خلا صفحة الوجود عنه، إمّا حقيقة كالحرق، و إمّا عرفا كالغرق في البحر الذي يستحيل عادة إخراجه و إيصاله إلى صاحبه، و أمّا الصبغ و الخيط الذي هو موجود بالفعل، و ما بحذاء في الخارج، و ممّا يشار إليه عرفا، فلا يمكن عدّه تالفا و الانتقال إلى القيمة.

نعم فيما لو أجبر أحد على الصبغ و الخياطة مع كون الصبغ و الخيط مباحا و ملكا للمكره بالكسر أمكن أن يقال: إنّه لا مانع من الصلاة فيه، و يلزمه قيمة أجرة الخياطة و الصباغة، لأنّه عمل محترم له أجره عند العرف، بل استشكل شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في حاشيته على العروة الصلاة فيه أيضا،

382

من جهة احتمال بعض الشركة في المالية في الزيادات الحكمية كالقصارة و الخياطة، فإذا كان هذا حال الزيادة الحكمية فما ظنّك في الزيادات العينية، كما إذا كان الصبغ و الخيط ملكا لغير مالك الثوب، فتأمّل جيّدا.

الثالث: لا إشكال في جواز الصلاة لو أذن المالك الصلاة في المغصوب حتّى بالنسبة إلى الغاصب

، و احتمال منع الغاصب حتّى مع إذن المالك ضعيف جدّا، و أضعف منه احتمال منع غير الغاصب أيضا، كما أنّ أضعف منه احتمال منع نفس المالك أيضا مع بقاء موضوع الغصبية، إذ ليس منشأ لهذه الاحتمالات سوى كون العين بعد مغصوبة و بالإذن لا تخرج عن الغصبية.

و لكن فيه أنّه ليس لنا إطلاق يدلّ على منع الصلاة في المغصوب حتّى يؤخذ بإطلاقه، و يقال: ما دامت العين باقية على الغصب لا يجوز الصلاة فيها و لو للمالك، بل لو كان هناك إطلاق لما كان دالّا على ذلك، لعدم شموله لصورة الإذن، أو انصرافه إلى غير ذلك، فتأمّل جيّدا. هذا تمام الكلام فيما يتعلّق باللباس المغصوب.

و ممّا قيل باعتباره في لباس المصلّي هو أن لا يصلّي فيما يستر ظهر القدم دون الساق، ذكره جماعة من الأعلام، و قد استدلّ عليه بما روي مرسلا من عدم جواز الصلاة في الشمشك بضمّ الأوليين و سكون الثالث، و النعل السندية (1).

و لعلّ قد فهموا من ذلك المثال و تعدّوا عنهما إلى كلّ ما لا يغطّي الساق، هذا.

و لكنّ الأقوى الجواز، لأنّ إثبات الحكم بمثل هذا المرسل الذي لم يعلم عمل القدماء به مشكل، و على فرض العمل به فلم يعلم أنّ المنع عنهما لمكان عدم تغطية الساق، إذ يحتمل أن يكون النهي من ذلك لأجل عدم استقرار‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 311، باب 38 من أبواب لباس المصلّي، ح 7.

383

الإبهام على الأرض بنفسه أو بحائل في حال السجود، بل يبقى الإبهام في زاوية النعل معلّقا بالهواء، كما هو المحسوس في أغلب النعول، هذا كلّه مضافا إلى ما في التوقيع المروي عن الاحتجاج أنّ محمّد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله هل يجوز للرجل أن يصلّي و في رجليه بطيط لا يغطّي الكعبين أم لا يجوز؟ فوقّع (عليه السلام) جائز (1). بناء على إرادة العظمين من الكعبين فيه، و على كلّ حال الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في الجواز. هذا كلّه فيما يعتبر في الساتر من اللباس.

و أمّا ما يعتبر في الستر من حيث المحلّ الذي يجب ستره. يجب على الرجل ستر عورته من القبل و الدبر و البيضتين، و لا يجب ستر ما زاد على ذلك، و لا الصلاة في ثوبين. و أمّا المرأة فيجب ستر جميع بدنها عدا الوجه و الكفّين و القدمين. و قد استدلّ على ستر جميع البدن بما ورد من أنّ نسائكم عوراتكم (2).

و لا يخفى أنّه ليس المراد منه كون المرأة جميعها عورة التي هي عبارة عن سوءة و ما يستحي منه، بل المراد من كون المرأة عورة وجوب حفظها و مراعاتها، كما هو المراد من قوله تعالى بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ (3).

و ربّما يدّعى الملازمة بين ما يجب ستره عن غير المحارم و ما يجب ستره في الصلاة، و هو جميع البدن عدا ما استثني. و لكنّ الإنصاف أنّه لم تثبت هذه الملازمة، و لم يدلّ عليها دليل، و النصوص الواردة في الباب ليس إلّا وجوب ليس المرأة ثوبين في الصلاة، و هي أخبار متعدّدة على اختلاف بينها من حيث جعل الثوبين في بعضها الدرع و الخمار، و في بعضها الدرع و المقنعة، و في بعضها‌

____________

(1) الاحتجاج: ج 2 ص 484 س 21.

(2) الوسائل: ج 14 ص 173 باب 131 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، ح 1 إلّا أنّ فيه هكذا «أنّ النساء عيّ و عورة .. إلخ».

(3) الأحزاب: الآية 13.

384

غير ذلك، و معلوم أنّ ذلك من باب المثال، و المقصود لبسها ثوبين أحدهما يستر أسافل البدن و الآخر أعاليه، بل يكفيها ثوب واحد إذا كان ساترا للأسافل و الأعالي، و التعبير في الثوبين إنّما هو لغلبة تحقّق ستر ذلك بهما، و ندرة الستر بثوب واحد يكون ساترا للجميع، و حينئذ ينبغي الاقتصار بما يقتضيه طبع الثوبين من الستر.

لا إشكال أنّه لو كان هناك ثوبان، سترت بأحدهما أسافل البدن و بالآخر أعاليه، فالذي يتحقّق من الستر هو ستر جميع البدن، عدا ما استثني من الوجه و الكفّين و القدمين، فما في بعض الأخبار (1) من عدم وجوب ستر الرأس مؤوّل أو مطروح، لعدم العمل به، و كذا إلحاق بعض الشعر بالوجه ممّا لا وجه له، مع أنّ المتعارف عند لبس الثوبين هو ستر الشعر أيضا، هذا مضافا إلى دعوى الإجماع و الشهرة المحقّقة على ذلك، فلا ينبغي الإشكال في ذلك، كما لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب ستر الوجه و الكفّ و القدم، بعد ما كان المتعارف عند لبس الثوبين عدم ستر ذلك بهما، فما في بعض العبائر من وجوب ستر جميع البدن إلّا موضع السجود ممّا لا وجه له، و كذا لا إشكال في عدم وجوب ستر الرأس على الأمة، لورود النص (2) على ذلك.

بقي في المقام فروع مهمّة ينبغي التعرّض لها.

الأول: يتحقّق الستر بكلّ ما يكون ساترا بحسب نوعه و طبعه

، و لا يلزم أن يكون من جنس المنسوج، بل يكفي الجلد و الملبد و غير ذلك من أنواع الساتر، بل و كذا الحشيش و الورق و غير ذلك. نعم في كون الحشيش و الورق في عرض‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 297 باب 5 من أبواب لباس المصلّي، ح 5 و 6.

(2) الوسائل: ج 3 ص 297 باب 29 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و 2.

385

المنسوج و الجلد إذا عمل منه ثوبا و الملبد، أو في طوله و أنّ الانتقال إلى ذلك عند تعذّر المنسوج و شبهه إشكال. فظاهر بعض هو العرضية، و ظاهر آخر الطولية، على اختلاف في كلماتهم في الطولية، و أنّ مثل الطين مثلا هل هو في عرض الحشيش أو في طوله، و غير ذلك ممّا يطّلع عليها المراجع.

و الظاهر أنّ الجميع في عرض واحد، و أنّه يجوز اختيارا التستّر بالحشيش، و إن مال شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- إلى الطولية، نظرا إلى أنّ الظاهر من الستر هو الستر بما يكون ساترا في جنسه و طبعه، و إلى صحيح علي بن جعفر سأل أخاه عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا، و حضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتمّ صلاته بركوع و سجود (1) .. إلخ. فإنّ أمره (عليه السلام) بالتستّر بالحشيش بعد فرض السائل عدم التمكّن من غيره، و عدم التمكّن و إن كان في كلام السائل لا في كلام الإمام (عليه السلام)، إلّا أنّه يشعر بأنّه الانتقال إلى الحشيش إنّما هو عند عدم التمكّن من غيره، فتأمّل. نعم ينبغي القطع بعدم كفاية الستر باليد إلّا عند الضرورة (2).

الثاني: الستر واجب في الصلاة و إن لم يكن هناك ناظر محترم

، و ليس الستر مقصورا بما إذا كان هناك ناظر، بل الستر واجب في الصلاة مطلقا، على وجه لو كان هناك ناظر لامتنع عليه النظر إلى عورته. و يتفرّع على ذلك وجوب ستر العورة من جميع الجهات، فلو كان واقفا على سطح أو شبّاك، بحيث لو كان هناك ناظر من تحت لأمكنه النظر إلى عورته، لم يتحقّق منه الستر الواجب،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلّي، ح 1 و فيه اختلاف يسير.

(2) و سيأتي الكلام في الطين «منه».

386

بل كان يجب عليه الستر على وجه لا يمكن للواقف من تحت النظر إلى العورة.

نعم من كان واقفا على الأرض لم يجب عليه الستر من تحت، لتحقّق الستر بالأرض، بل يجب عليه الستر من سائر الجوانب. هذا كلّه بالنسبة إلى الستر عن الغير.

و أمّا الستر عن نفسه ففي وجوبه إشكال، فلو صلّى في ثوب واسع الجيب، بحيث لو أراد النظر إلى عورة نفسه لأمكنه و لو في بعض الأحوال، ففي الصحّة إشكال. و لا يبعد أن يقال: إنّ الشكّ في ذلك إنّما هو لأجل تردّد مفهوم الستر بين الأقل و الأكثر، لعدم العلم بأنّ الستر الواجب في الصلاة ما هو، و أنّه هل يجب الستر حتّى عن نفسه أو لا، و كلّما رجع الشكّ إلى ذلك فالأصل البراءة.

الثالث: وجوب الستر في الصلاة إنّما هو وجوب شرطي لا تكليفي محض

، كما هو ظاهر الأوامر الواردة في بيان أجزاء العبادة و شرائطها، فلا تصحّ الصلاة مع عدم الستر. و هل شرطيّته مطلقة حتّى في حال الجهل و النسيان، أو مقصورة بصورة العلم و الالتفات؟ الظاهر أنّ شرطيّته ليست مطلقة بحيث لو جهل بالستر أو نسيه في تمام الصلاة أو في بعضها تبطل.

و تفصيل ذلك هو أنّ عدم الستر، إمّا أن يكون لجهل به، كما إذا تستّر بثوب بتخيّل أنّه ساتر لعورته مع أنّ في الواقع لم يكن ساترا، و إمّا لنسيانه، كما إذا نسي التستّر و صلّى عاريا، من غير فرق بين أن يكون النسيان من أول الصلاة، أو في أثنائها، كما إذا تستّر في أول الصلاة و في الأثناء انكشفت عورته و نسي سترها ثانيا، و إمّا لقهر قاهر، كما إذا هبّ الريح في أثناء الصلاة فانكشفت عورته. و كلّ من هذه الأمور الثلاثة إمّا أن يزول المانع من الجهل و النسيان و القهر في أثناء الصلاة، كما إذا التفت أو تذكّر أو سكن الريح في‌

387

الأثناء، و إمّا أن يزول بعد الصلاة، فتكون الصور ستّة.

أمّا صورة الجهل فإن لم يلتفت إلّا بعد الصلاة فلا إشكال في الصحّة، لصحيح علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصلّي و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال (عليه السلام): لا إعادة عليه، و قد تمّت صلاته (1). فإنّ المتيقّن من شموله هو صورة عدم الالتفات إلّا بعد الصلاة.

و إن التفت في الأثناء، فهو و إن كان خارجا عن مورد الرواية، إلّا أنّه لا يبعد دعوى عدم الفرق بين وقوع تمام الصلاة من غير ساتر لجهل به، أو وقوع بعضها لذلك.

لكنّ هذا إنّما يجدي بالنسبة إلى حال الجهل، بمعنى أنّ الأجزاء الواقعة في حال الجهل بعدم الستر حالها حال جميع الصلاة الواقعة كذلك، و أمّا بالنسبة إلى حال العلم بذلك، و هو آن التفاته إلى أنّه مكشوف العورة و هو عالم به؟ فبأيّ وجه يمكن القول بالصحّة مع أنّه يصدق عليه أنّه مكشوف العورة و هو عالم به؟ و لا يجديه تحقّق الستر منه بعد العلم فورا، فإنّ الكلام إنّما هو في آن العلم و الالتفات، فإنّ في هذا الآن إلى أن يتحقّق الستر منه لم يكن واجدا للشرط من الستر مع علمه بذلك، و الحال أنّ الستر شرط في جميع أكوان الصلاة، لا أنّه شرط لخصوص الأقوال و الأفعال، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّٰه، فيشكل الأمر في هذه الصورة، و هي صورة التفاته في الأثناء.

فإن قلت: بعد البناء على أنّ الأجزاء السابقة على الالتفات، الواقعة في حال عدم التستّر مشمولة لصحيح علي بن جعفر، فبلازمه يدلّ على اغتفار‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

388

عدم تحقّق الستر في حال الالتفات إلى حصول الستر، و إلّا لغا صحّة الأجزاء الواقعة في حال الجهل، فإنّ معنى اغتفار عدم تحقّق الستر مع الجهل به فيما مضى من صلاته و لو التفت في الأثناء هو اغتفار عدم الستر في حال الالتفات إلى أن يحصل الستر.

و الحاصل: أنّه لا بدّ إمّا من القول بأنّ رواية علي بن جعفر مقصورة بصورة وقوع تمام الصلاة فاقدة للستر مع الجهل، فلا تعمّ وقوع بعض الأجزاء كذلك، و هو بعيد غايته، و إمّا من القول باغتفار عدم الستر في حال الالتفات لو التفت في الأثناء.

قلت: حيث إنّ صحيح علي بن جعفر كان شموله لمحلّ البحث بالعموم و من المعلوم في محلّه أنّه لو كان هناك عموم ذو أفراد و كان شمول العام لبعض الأفراد بلا عناية و شموله لبعض آخر يتوقّف على عناية من إثبات لازم ذلك البعض، كان ذلك الفرد المتوقّف شمول العام له على عناية إثبات لازمة غير مشمول للعام من أصله لا أنّه مشمول له، نعم لو كان الدليل خاصّا بذاك الفرد لكان لا محالة مثبتا للازمه من جهة خروج الكلام عن اللغوية، و لنوضّح ذلك بمثال مثلا قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «رفع ما لا يعلمون» (1) عام ذو أفراد شامل لكلّ تكليف مجهول أمر وضعه و رفعه بيد الشارع كالشكّ في وجوب الدعاء و الصلاة و غير ذلك، و من التكليف المجهول الشكّ في جزئية شي‌ء للعبادة كالسورة للصلاة فيعمّه حديث الرفع و لكنّ الشكّ في جزئية ذلك الشي‌ء يلازم الشكّ في حصول الغرض و المصلحة التي اقتضت الأمر بالمركّب عند عدم فعل ذلك المشكوك، فلو قلنا إنّ تحصيل الغرض ليس بواجب بل‌

____________

(1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

389

الواجب هو فعل متعلّق التكليف- كما هو المختار عندنا- كان شمول حديث الرفع للجزء المشكوك في عرض شموله لسائر التكاليف المجهولة بلا عناية أصلا.

و أمّا لو قلنا بوجوب تحصيل الغرض- كما قيل- فلا يمكن أن يعمّ حديث الرفع (1) للجزء المشكوك، لما عرفت من أنّ الشكّ فيه يلازم الشكّ في حصول الغرض و الشكّ في حصول الغرض هو بنفسه لم يكن مشمولا لحديث الرفع لأنّه من الشكّ في المحصّل الذي لا تجري البراءة فيه كما أوضحناه في محلّه، و لا يمكن أن يقال: إنّ حديث الرفع بالنسبة إلى نفس الجزء المشكوك لا مانع من شموله، لأنّه تكليف مجهول، و شموله لذلك لا يلازم إلقاء الشارع، للشكّ في المحصّل و جعله الخالي من ذلك الجزء محصّلا للغرض و إلّا لغا رفع الجزء المشكوك لأنّه دائما ملازم للشكّ في حصول الغرض، فلو لم يجعل الشارع الخالي من ذلك الجزء محصّلا للغرض لما كان معنى لقوله رفع التكليف عن الجزء المشكوك، إذ لا فائدة في رفعه، و ذلك لأنّ هذا فرع شمول حديث الرفع للجزء المشكوك الملازم لذلك اللازم من الشكّ في المحصّل، و الكلام بعد في شموله للجزء المشكوك لأنّ شموله لذلك يتوقّف على جعل آخر من إلقاء الشكّ في المحصّل و إلّا كان شموله لذلك لغوا كما قيل، و ذلك الجعل الآخر يتوقّف شمول حديث الرفع للجزء المشكوك و هذا كما ترى.

و الحاصل: أنّ حديث الرفع إنّما هو متكفّل لجعل مدلوله، فلا يمكن أن يتكفّل لجعل آخر غير مدلوله، فلو توقّف شموله لبعض أفراده على جعل آخر كان ذلك مانعا عن شموله لذلك الفرد لا أنّه يشمل و بشموله يترتّب عليه‌

____________

(1) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

390

ذلك الجعل الآخر، و من هنا لا نقول بالأصل المثبت، نعم لو كان حديث الرفع مختصّا بالأجزاء كان لا محالة يترتّب عليه ذلك الجعل و إلّا لغا إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّه من عدم شموله للأجزاء لا يلزم محذور أصلا و لا يبقى العام بلا مورد، لبقاء الشكّ في التكليف غير الأجزاء تحته، و ما نحن فيه من هذا القبيل عينا، فإنّ رواية علي بن جعفر (1) إنّما هي متكفّلة لحال الجهل بعدم الساتر، و أمّا حال العلم بعدم الساتر إلى حصول الستر منه فالرواية غير متعرّضة له بالمطابقة، نعم لازم شمولها لصورة الالتفات في الأثناء هو اغتفار حال العلم أيضا، كما كان لازم شمول حديث الرفع (2) للأجزاء هو محصّلية الخالي عن الجزء المشكوك، فلا يمكن أن يقال إنّ الرواية شاملة لصورة الالتفات في الأثناء و يترتّب عليه اغتفار حال الالتفات أيضا و إلّا لغا، إذ اللغوية إنّما تلزم لو كانت الرواية مختصّة بصورة الالتفات في الأثناء، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك لأنّ من عدم شموله لتلك الصورة لا يلزم منه محذور بقاء الرواية بلا مورد، لشمولها لصورة الالتفات بعد الصلاة فتأمّل جيدا، هذا كلّه في الجهل.

و أمّا النسيان فلو نسي الستر و لم يتذكّر إلّا بعد الصلاة، فقد حكي (3) عن الشهيد- (قدّس سرّه)- بطلان الصلاة، و ربّما يقال بالصحّة لعموم رفع النسيان، و قد بينا في محلّه عدم إمكان التمسّك بحديث الرفع لرفع الأجزاء و الشرائط المنسيّة، و من الغريب أنّه لم يتمسّك لما نحن فيه بحديث «لا تعاد» (4)، و دعوى‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس، ح 1.

(3) جواهر الكلام: ج 8 ص 178.

(4) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

391

أنّ حديث «لا تعاد» مقصور بالأجزاء دون الشرائط، يدفعها اشتمال «لا تعاد» على الشرائط كالقبلة و الطهور، فالظاهر أنّه لا مانع من شمول حديث «لا تعاد» لصورة النسيان إلّا أنّ الجرأة على الفتوى به مشكل، بعد عدم تمسّك الأساطين به مع علمهم به في سائر المقامات، بل عليه يبتنى غالب أساس قواعد الخلل، هذا لو تذكّر بعد الصلاة.

و أمّا لو تذكّر في الأثناء فبالنسبة إلى الأجزاء الواقعة مع غير الساتر في حال النسيان لا مانع من شمول حديث «لا تعاد» لها، و أمّا بالنسبة إلى حال التذكر فالكلام فيه الكلام في حال الجهل لأنّ حال التذكّر غير داخل في «لا تعاد» إلّا بعناية دخول ملزومه من حال النسيان، و المفروض أنّ «لا تعاد» أيضا عام لا يلزم من عدم شموله لصورة التذكّر في الأثناء محذور أصلا، اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ ملاك شمول «لا تعاد» للنسيان السابق على التذكّر هو بعينه موجود في حال التذكّر فحال التذكّر مشمول ل‍ «لا تعاد» في عرض شموله لحال النسيان لا أنّه لازم له، و ذلك لأنّ حديث «لا تعاد» مقصور بما إذا كان التكليف بالجزء الفائت ساقط بحيث يستحيل التكليف به إلّا بالإعادة، و لا يمكن التكليف به بدون الأمر بالإعادة، فكلّ مورد كان التكليف منحصر بالإعادة ف‍ «لا تعاد» ترفعه، و أمّا إذا أمكن التكليف بالفائت بدون الأمر بالإعادة فلا يعمّه حديث «لا تعاد» بل مورد «لا تعاد» منحصر بما إذا كان التكليف بالفائت مساوق لقوله أعد فب‍ «لا تعاد» تنفى الإعادة، و من هنا كان الجهل خارجا عن مورد «لا تعاد» فإن ترك الجزء أو الشرط جهلا لا يوجب سقوط التكليف به لقدرته على فعل الجزء أو الشرط خارجا، غايته أنّه لا يفعله لا أنّه لا يمكنه فعله، حتّى يسقط التكليف منه و ينحصر تكليفه بالإعادة، بل هو حال ترك الجزء مكلّف بفعله، و لا يقال له‌

392

«أعد» بل يقال له «اقرأ السورة» لتمكّنه من فعلها، و الجهل لا يوجب سقوط التكليف في شي‌ء من الموارد، و هذا بخلاف صورة النسيان، فإنّه يستحيل تكليف الناسي للجزء أو الشرط لخروجه بنسيانه عن قدرته و ينحصر تكليفه حينئذ بالإعادة، و من هنا نقول يلزم تدارك المنسيّ مع بقاء محلّه- و هو عدم الدخول في ركن- لعدم انحصار تكليفه حينئذ بالإعادة.

و بالجملة: ينحصر مورد «لا تعاد» بما إذا كان التكليف بالفائت مساوقا لقوله أعد، و هذا في صورة النسيان واضح و كذا ما بحكمه ممّا إذا لم يمكن التكليف بالفائت إلّا بالإعادة و حينئذ نقول: إنّه كما كان ترك الستر في حال النسيان مشمولا ل‍ «لا تعاد». فكذلك ترك الستر في حال التذكّر إلى زمان يمكنه الستر مشمول ل‍ «لا تعاد» بمناط شموله لحال النسيان، إذ ليس مناط شموله لحال النسيان إلّا امتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال إلّا بالإعادة، فكذلك في حال التذكّر لامتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال قبل مضيّ زمان يمكنه الستر، و ينحصر تكليفه بالإعادة لو كان الستر شرطا في ذلك الحال، فحديث «لا تعاد» (1) بمناط واحد يشمل حال النسيان و التذكّر في عرض واحد لا أنّ أحدهما لازم للآخر حتّى يتّجه عليه الإشكال المتقدّم.

و بذلك ظهر حكم ما إذا كان عدم الستر لقهر قاهر من ريح و غيره فإنّه مشمول لحديث «لا تعاد» بكلا قسميه من زوال المانع بعد الصلاة أو في الأثناء، بل يمكن أن يقال بالصحّة في الصورة الثانية أيضا، و هي ما إذا كان عدم التستّر لجهل به و قد علم به في الأثناء، غايته أنّ الصحّة فيها يكون بمجموع الدليلين من رواية على بن جعفر (2)، و من حديث «لا تعاد» فالرواية‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 باب 9 من أبواب القبلة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 293 باب 27 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

393

تدلّ على الصحّة بالنسبة إلى حال الجهل- أي عدم الستر الحاصل في حاله- و الحديث يدلّ عليها بالنسبة إلى حال العلم بمقدار يمكنه الستر، و لا حاجة إلى التمسك بالصحّة لحال العلم برواية علي بن جعفر حتّى يقال إنّ ذلك من إثبات اللازم بالعام، فتأمّل.

الرابع: الظاهر أن يكون الستر شرطا في جميع الصلاة من أجزائها و أكوانها حتّى السكونات المتخلّلة، و ليس شرطيّة الستر كشرطية الطهارة من الخبث حيث تكون شرطا في خصوص الأجزاء، و من هنا كان نجاسة البدن أو الثوب في بين السكونات مع تطهيره عند فعل الأجزاء ممّا لا يخلّ بالصحّة، لأنّ النجاسة الخبثية اعتبرت على جهة المانعية لا القاطعية، بخلاف الحدث، و الظاهر أن يكون شرطية الستر من قبيل شرطيّة الطهارة الحدثيّة و ذلك لظهور الأدلّة في ذلك، فإنّ الظاهر من اعتبار الستر في الصلاة هو اعتباره في جميع الصلاة حتّى في الهيئة الاتّصالية، و جعله من قبيل النجاسة الخبثية يحتاج إلى دليل، هذا مع أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ذلك، حيث إنّه لا يناسب الوقوف بين يدي الجبّار مع كونه مكشوف العورة و لو في آن من الآنات.

الخامس: قد عرفت فيما تقدّم الكلام في الستر بالحشيش

و أنّه هو في طول الستر بما يكون ساترا في نوعه كالثوب أو في عرضه و هل التستّر [1] بالطين و الدخول في الحفيرة و الماء الكدر و غير ذلك ممّا يحصل به الستر عن الناظر المحترم يكون كالتستّر بالحشيش أو لا؟ و اعلم أنّ الكلام في التستّر بالطين و ما شابهه من الحفيرة و الماء الكدر يقع من جهتين:

____________

[1] كون التستّر بالطين و الحفيرة و الماء الكدر في عرض واحد أو بينها ترتّب كلام للأصحاب، لا يخفى على المراجع، و إن اختار شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- العرضية فتأمّل «منه».

394

الاولى: أنّ الستر بذلك هل هو من الستر الصلاتي حتّى يجب و لو مع الأمن عن الناظر المحترم، أو أنّه ليس من الستر الصلاتي بل هو من الستر عن الناظر المحترم فلا يجب إلّا مع عدم الأمن منه؟

الثانية: بعد أن ثبت أنّ الستر بذلك إنّما يكون من الستر الصلاتي، فهل هو في طول سائر ما يحصل به الستر، حتّى يكون الانتقال إليه بعد عدم التمكّن من غيره حتّى من الحشيش الذي ثبت كونه ساترا في الجملة، أو أنّه في عرض غيره، و هذا بخلاف الكلام في الحشيش فإنّه كان متحصلا من الجهة الثانية، لأنّه لا إشكال في أنّ الستر بالحشيش كان من الستر الصلاتي، كما دلّ عليه رواية علي بن جعفر، و على كلّ حال ليس فيما بأيدينا من الأدلة ما يدلّ على وجوب الستر بهذه الأشياء سوى رواية الحفيرة، و هي رواية مرسلة أيّوب ابن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفرة دخلها و سجد فيها و ركع (1). و هي و إن كانت مرسلة إلّا أنّ عمل الأصحاب بها يكون جابرا لها، فمن هذه الجهة لا إشكال إنّما الإشكال فيما يستفاد منها، من أنّ النزول في الحفيرة هل هو من جهة حصول الستر الصلاتي، كما قوّاه بعض الأعلام في بعض رسائله العملية، أو من جهة الأمن عن الناظر، كما قواه صاحب الجواهر (2)- (قدّس سرّه)- و عليه بنى في رسالته العلمية.

و تنقيح البحث هو: أنّ هذه المرسلة صالحة لأن تكون مقيّدة لأحد الإطلاقين.

الأول: إطلاق رواية علي بن جعفر الدالّة على أنّه إن لم يجد شيئا يستر به‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

(2) جواهر الكلام: ج 8، ص 212.

395

للصلاة حتّى الحشيش فليصلّ قائما بإيماء، فتكون هذه المرسلة مقيّدة لإطلاق قوله (عليه السلام) «إن لم يجد شيئا»، فيصير المعنى حينئذ إن لم يجد شيئا يستر به حتّى الحفيرة فليصلّ قائما بإيماء، و أمّا لو وجد حفيرة فلينزلها و يصلّي مع ركوع و سجود، و على هذا يكون الستر بالحفيرة من الستر الصلاتي، و يجب حينئذ و إن أمن المطّلع.

الثاني: إطلاق ما دلّ على أنّه عند الأمن من المطّلع يصلّي قائما بإيماء، و إن كان بعض الروايات خالية عن قيد الإيماء كمرسل ابن مسكان المنجبر بالشهرة يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد فإن رآه أحد صلّى جالسا» (1).

فتكون المرسلة مقيّدة لهذه الطائفة من الأخبار، فيصير المعنى حينئذ إن أمن المطّلع صلّى قائما و إن لم يأمن المطّلع صلّى جالسا إلّا إذا وجد حفيرة فيدخلها و يصلّي قائما بركوع و سجود، فتخرج الرواية حينئذ عن الستر الصلاتي، و يكون النزول في الحفيرة مقصورا بما إذا لم يأمن المطّلع.

و توهّم أنّه لا مانع من تقييد كلا الإطلاقين واضح الفساد، فإنّ تقييد الإطلاق الأول يوجب رفع موضوع الإطلاق الثاني، بداهة أنّه لو كان النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي لكان اللازم حينئذ نزولها سواء أمن المطلع أو لم يأمن.

و بالجملة: رواية الحفيرة يمكن أن تكون مقيّدة لإطلاق رواية علي بن جعفر (2)، الدالّة على أنّه عند عدم إصابة شي‌ء يستر به عورته للصلاة يصلّي قائما بإيماء، سواء وجد حفيرة أو لم يجد، و هذه المرسلة تدلّ على أنّه إن وجد حفيرة ليس له الإيماء بل يصلّي بركوع و سجود فتقيّد تلك الإطلاق و يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 أبواب لباس المصلي، ح 1.

396

النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، و يمكن أن تكون مقيّدة لإطلاق الروايات الدالّة على أنّه عند عدم الأمن من المطّلع يصلّي جالسا إلّا إذا وجد حفيرة فينزلها و يصلّي قائما بركوع و سجود، و الذي يوهن أن تكون المرسلة مقيّدة للإطلاق الثاني، هو أنّه لم يفرض في المرسلة عدم الأمن عن المطّلع بل هي من هذه الجهة مطلقة، و يكون التعارض بينها و بين ما دلّ على الصلاة جالسا عند عدم الأمن عن المطّلع بالعموم من وجه، فإنّ ما دلّ على الصلاة جالسا أعم من وجدان الحفيرة و عدمه، كما أنّ المرسلة أعم من الأمن عن المطّلع و عدمه، اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ الأمر بالنزول بالحفيرة إنّما هو لعدم الأمن عن المطّلع، و إلّا لكان النزول لغوا إلّا إذا كان من مراتب الستر الصلاتي، فحينئذ يكون الأمر به لذلك، و الذي يوهن أيضا أن تكون المرسلة مقيّدة للإطلاق الثاني هو أنّه بعد ما لم يكن النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، و كان لأجل الأمن عن المطّلع، فتكون حكم الصلاة في الحفيرة حكم صلاة العراة الآمنين، و سيأتي أنّ حكمها الصلاة قائما مع الإيماء من دون ركوع و سجود، و إن خالف في ذلك بعض الأعلام كصاحب الجواهر (1) حيث قال بالركوع و السجود فيها نظرا إلى هذه المرسلة، إلّا أنّه سيأتي ضعفه و هذا بخلاف ما إذا جعلنا النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فإن اعتبار الركوع و السجود فيها على القاعدة و لعل من قال: بأنّ النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي كان نظره إلى هذا، و لكن الذي يوهن أن يكون النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، هو استبعاد كون النزول في الحفيرة التي يمكن للشخص من الركوع و السجود فيها من مراتب الستر الصلاتي، مع كون الحفيرة بهذه السعة، إذ‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 8 ص 198.

397

مناسبة الحكم و الموضوع لا يقتضي ذلك.

فالإنصاف أنّه لا يمكن القول بأنّ النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فتكون رواية الحفيرة حينئذ ساقطة، لأنّه بعد عدم كون النزول فيها من مراتب الستر الصلاتي يكون النزول فيها لأجل الأمن عن المطّلع، و معه لا يمكن الفتوى بمضمونها لما سيأتي، من أنّ صلاة العاري الآمن عن المطّلع إنّما هو بالإيماء لا بالركوع و السجود، مع أنّ الرواية مرسلة و لم يظهر من القدماء العمل بمضمونها، بل سيأتي أنّ نفس وجوب النزول في الحفيرة لأجل تحصيل الأمن عن المطّلع [1] إشكال، فإنّ من لم يأمن المطّلع تكليفه الجلوس، و لا يجب عليه تحصيل الأمن كما سيأتي بيانه إن شاء اللّٰه.

ثمّ إنّ في حكم النزول في الحفيرة التلطّخ بالطين، و النزول في الماء الكدر، و أنّ ذلك ليس من مراتب الستر الصلاتي، بداهة أنّه لو كان التلطّخ بالطين من مراتب الستر الصلاتي لوقع التنبيه عليه في الأخبار، كيف لا يكون كذلك مع أنّ مثل الحشيش نبّه عليه في الأخبار، و الحال أنّ التلطّخ بالطين أسهل أصابه من الحشيش، إذ قلّما يوجد أحد لا يمكنه خلط الماء بالتراب و جعله طينا و تلطيخ العورة به، و إصابة الحشيش لا يكون بهذه السهولة.

و بالجملة وقوع التنبيه بالستر بالحشيش في الأخبار و عدم وقوعه بالتلطّخ بالطين، يكشف عن أنّ التلطّخ بالطين ليس من الستر الصلاتي، بل يجب لتحصيل الأمن عن الناظر المحترم.

الفرع السادس: من لم يجد شيئا يستر به عورته للصلاة

، فإن أمن من الناظر المحترم وجب عليه الصلاة قائما، و إن لم يأمن وجب عليه الصلاة جلوسا، و هذا‌

____________

[1] و الأقوى وجوب تحصيل المأمن مقدّمة للقيام الواجب في الصلاة كما يأتي الإشارة إليه «منه».

398

ممّا لا إشكال فيه و قد تضافرت عليه النصوص، إنّما الكلام في كيفية صلاة القائم و الجالس، أمّا الجالس فالظاهر أيضا أنّه لا إشكال في أنّه لا يجوز له الركوع و السجود بل يومي إليهما، و أمّا القائم فقد اختلفت كلمات الأعلام في كيفيّتها فقيل: بأنّه يركع و يسجد و اختاره في الجواهر (1)، و قيل: بأنّه يومي لهما و هذا هو الأقوى لدلالة جملة من النصوص عليه من غير معارض إلّا رواية الحفيرة (2) التي قد تقدّم الكلام فيها، فمن ذلك قوله (عليه السلام) في رواية علي ابن جعفر المتقدّمة: «و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومى و هو قائم» (3)، بعد تقييدها بصورة الأمن عن المطلع بقرينة الأخبار المفصّلة، و من ذلك موثّقة سماعة «في رجل يكون في فلاة من الأرض ليس عليه إلّا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء قال: يتيمّم و يصلّي عريانا قائما و يومي إيماء» (4)، و في نسخة الكافي (5) «قاعدا» بدل «قائما».

ثمّ إنّه بناء على وجوب الإيماء عليه لو خالف و ركع و سجد كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته لعدم إتيانه ما هو المأمور به في هذا الحال، و دعوى أنّ سقوط الركوع و السجود رخصة لا عزيمة فلا مانع من صحّة الصلاة كذلك ممّا لا شاهد عليها، بعد الأمر بالإيماء، و لو جمع بين الإيماء و الركوع و السجود سهوا ففي بطلان صلاته إشكال، لصدق أنّه زاد في صلاته ركنا من الركوع و السجود فتبطل، و من أنّ الركوع و السجود لم يكونا ركنا في هذا الحال،

____________

(1) جواهر الكلام: ج 8 ص 217.

(2) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

(3) الوسائل: ج 3 ص 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

(4) الوسائل: ج 2 ص 1068 باب 46 من أبواب النجاسات، ح 1.

(5) الكافي: ج 3 ص 396 ح 15.

399

فلا موجب للبطلان و قد اختار شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- الأول، و قال بالبطلان، نظرا إلى أنّ أمره بالإيماء لا يوجب خروج الركوع و السجود عن الركنية فتأمّل جيّدا.

و كذا تبطل صلاة من كان وظيفته القيام فخالف و جلس و بالعكس لعدم إتيانه ما هو المأمور به، و دعوى أن أهمّية الستر عن الناظر المحترم أوجب سقوط القيام و الانتقال إلى الجلوس و هذا لا يوجب خروج القيام عن الملاك، فيكون المقام كسائر موارد التزاحم الذي كان لأحد المتزاحمين أهمّية أوجبت الأمر به، فإنّه لا إشكال في أنه لو خالف و أتى بالمزاحم الآخر صحّ لو كان عبادة، فليكن المقام كذلك، ممّا لا دليل عليها، و إن قال به في الجواهر، فإنّه من الممكن أن لا يكون للصلاة عن قيام في هذا الحال- أي حال عدم الأمن عن الناظر المحترم الذي تكليفه الجلوس- ملاك يقتضي الصحّة فتأمّل جيّدا.

الفرع السابع: لا إشكال في أنّه تشرع الجماعة للعراة بل تستحبّ.

لصحيح ابن سنان سألته عن قوم صلّوا جماعة و هم عراة قال: يتقدمهم الإمام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا (1).

و موثّق إسحاق بن عمّار قلت لأبي عبد اللّٰه: قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون قال (عليه السلام) يتقدّمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومئ إيماء للركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم (2).

و قد عمل بهما الأصحاب و أفتوا بمضمونهما، فما في بعض الأخبار- من إيجاب التباعد و الصلاة فرادى كما عن قرب الأسناد عن الصادق فإن كانوا‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي، ح 2.

400

جماعة تباعدوا في المجالس ثمّ صلّوا كذلك فرادى (1)- محمول أو مؤوّل، لعدم العمل به و إن كانت القاعدة تقتضيه، بداهة أنّ القيام واجب في الصلاة، و مع عدم المأمن يجب تحصيل المأمن و لو كان ذلك بالتباعد، أو النزول في الحفيرة ليمكنه القيام، فالقول بعدم وجوب التباعد و الصلاة جلوسا جماعة على خلاف القاعدة، لأنّ الجماعة مستحبّة فلا تزاحم ما هو واجب من القيام، إلّا أنّه بعد ورود النصّ الصريح على مشروعيّتها و فتوى الأصحاب بمضمونه كان الإشكال بذلك اجتهادا في مقابل النصّ.

و بالجملة: لا إشكال في مشروعية الجماعة إنّما الكلام في كيفيّتها أمّا بالنسبة إلى القيام و الجلوس، فالظاهر أيضا أنّه لا ينبغي الإشكال في تعيّن الجلوس عليهم، كما هو صريح الأخبار المتقدّمة، و الإشكال بأنّ النسبة بين هذه الأخبار و ما دلّ على أنّ الآمن عن الناظر يصلّي قائما هو العموم من وجه، فإنّ ما يدلّ على أنّ الآمن يصلّي قائما أعم من أن يكون وحده أو مع جماعة، و هذه الأخبار أعم من الآمن و غيره، إذ مجرّد كونهم جماعة لا يلازم عدم الأمن إذ من الممكن أن يكونوا في ظلمة أو فاقدين للبصر، فتكون النسبة هي العموم من وجه مندفع.

أولا: أنّ فرض الأمن عن الناظر مع كونهم جماعة نادر جدّا، تكون هذه الأخبار منصرفة عنه، بل هي مختصّة بصورة عدم الأمن، فتكون هذه الأخبار موافقة لما دلّ على أنّ غير الآمن يصلّي جالسا.

و ثانيا: فعلى فرض كون النسبة هي العموم من وجه، فالعمل على هذه الأخبار إجماعا، إذ لم ينقل من أحد أنّهم يصلّون قائما جماعة و أمّا من حيث‌

____________

(1) قرب الاسناد: ص 66.

401

الركوع و السجود، فظاهر الأخبار أنّ الإمام يومي و هم يركعون و يسجدون، و لكن اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك، فمنهم من عمل بظاهر الأخبار من أنّ المأمومين يركعون و يسجدون و الإمام يومي، و منهم من قال بالإيماء في الجميع. و الأقوى هو الأول، لأنّ نسبة ما تقدّم من الأخبار- من أنّ الجالس يومي للركوع و السجود- مع هذه الأخبار نسبة الأعم المطلق، فيجب تخصيص تلك الأخبار بغير صورة الجماعة، و لا استبعاد فيه أصلا، إذ من الجائز أن يكون للجماعة خصوصية أوجبت عدم الانتقال إلى الإيماء، بل يمكن أن يقال: إنّ ما دلّ على أنّ الجالس يومي للركوع و السجود و لا يركع و لا يسجد إنّما كان مختصا بصورة عدم الأمن عن الناظر، و هذا المعنى مفقود في الجماعة، فإنّه مع وحدة الصفّ و التصاق بعضهم ببعض يكونوا في حال الركوع و السجود آمنين، لعدم تمكّنهم عادة من النظر إلى سوءة الآخر الملاصق له، و هذا بخلاف حال قيامهم، لإمكان نظر كلّ واحد إلى عورة الآخر، و هذا هو الذي أوجب انتقالهم من القيام إلى الجلوس.

و بالجملة: إمكان النظر إلى عورة الآخر في حال القيام و عدم إمكانه في حال الركوع و السجود أوجب إيجاب الجلوس عليهم و الركوع و السجود التام، و ما يقال: من أنّ لازم ذلك هو التعدّي إلى كلّ آمن في حال الركوع و السجود مع عدم أمنه في حال القيام و لو كان فرادى، و هذا ينافي ما دلّ على أنّ غير الآمن يجلس و يومي، من غير تفصيل بين أمنه في حال الركوع و عدم أمنه، إنّما يستقيم مع وجود الدليل على ذلك، و إلّا هو بنفسه أمر ممكن إلّا أنّه لا دليل عليه، و ما ذكرناه في الجماعة من أنّ أمنهم في حال الركوع و السجود و عدم أمنهم في حال القيام أوجب انتقالهم إلى الجلوس مع فعلهم الركوع التام و السجود كذلك، إنّما كان لمحض الاستئناس، و إلّا لم يرد التعليل بذلك في‌

402

الأخبار حتّى يتعدّى عن الجماعة إلى غيرها.

فإن قلت: القول بأنّ المأمومين يركعون و يسجدون ينافي ما ورد في بعض الأخبار من التعليل لعدم الركوع و السجود بأنّه يبدو خلفه، كما في بعض الروايات.

قلت: هذا التعليل لا يصلح أن يكون علّة للحكم يستفاد منه كبرى كلّية بل هو حكمة التشريع، كما [لا] يخفى وجهه على المتأمّل، و قد بيّنا الضابط بين ما يكون علّة للحكم و بين ما يكون حكمة التشريع فراجع.

اختلف الأصحاب في اعتبار تقدّم الرجل على المرأة في الصلاة فالمشهور بين القدماء- على ما هو المحكي عنهم- اعتبار تقدّم الرجل على المرأة بكلّه أو بعد عشرة أذرع بين الموقفين أو وجود حائل، و عن المتأخّرين عدم اعتبار ذلك، و منشأ الاختلاف هو اختلاف الأخبار، ففي عدّة من الروايات ورد النهي عن ذلك، و في عدّة اخرى ورد عدم البأس عن ذلك.

فمن الأول: ما رواه عمّار عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي قال (عليه السلام): لا يصلّي حتّى يجعل بينه و بينها أكثر من عشرة أذرع، و إن كانت عن يمينه و عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك، فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس، و إن كانت تصيب ثوبه و إن كانت المرأة قائمة أو قاعدة أو نائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت (1).

و خبر إدريس بن عبد اللّٰه القميّ سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و بحياله امرأة قائمة على فراشها أجنبية فقال (عليه السلام): إن كانت قاعدة فلا يضرّك و إن كانت تصلّي فلا (2). و في معناه عدّة من روايات (3) أخر مشتملة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 7 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 425 باب 1 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

(3) الوسائل: ج 3 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 2 و 5.

403

على النفي.

و من الثاني خبر جميل عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يصلّي و المرأة تصلّي بحذاه فقال: لا بأس (1).

و خبر عيسى بن عبد اللّٰه القميّ على ما رواه في العلل سئل الصادق (عليه السلام) عن امرأة صلّت مع الرجال و خلفها صفوف و قدّامها صفوف قال (عليه السلام): مضت صلاتها و لم تفسد على أحد و لا تعيد (2)، و غير ذلك من الأخبار الدالّة على الجواز.

اعلم أنّ هنا مقامات وقع البحث عنها:

الأول: في أصل اعتبار تقدّم الرجل على المرأة، و أنّه هل يعتبر ذلك في أصل صحّة الصلاة حتّى يكون عدم تقدّمه من الموانع أو لا يعتبر ذلك في الصحّة و إن كره ذلك؟

الثاني: على كلّ من تقديري المانعية و الكراهة فهل يعتبر في رفع المانعية أو الكراهة تأخّر المرأة عن الرجل بكلّه، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخّر عن موقف الرجل أو لا يعتبر ذلك المقام؟

الثالث: لو كانت المرأة قدّام الرجل أو عن يمينه و يساره فما حدّ البعد المعتبر بينهما في زوال المانعية أو الكراهة؟

المقام الرابع: في تحديد الحائل الذي يكون رافعا للمانعية أو الكراهة.

أمّا الكلام في المقام الأول فمجمله أنّه و إن حكي عن المشهور بين المتقدّمين ذهابهم إلى المنع، و جعل ذلك في مسلك الموانع، إلّا أنّ الأقوى هو الكراهة،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 426 باب 4 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

(2) لم نعثر عليه.

404

و ذلك لأنّ الأدلّة المجوّزة نصّ في الجواز، لا تتحمل معنى آخر بداهة صراحة قوله (عليه السلام): «لا بأس» في خبر جميل (1) المتقدّم في الجواز و إن كان بالنسبة إلى نفي الكراهة ظاهر، فإنّ نفي البأس ظاهر في نفيه بجميع مراتبه التي منها الكراهة إلّا أنّ ظهوره في نفي الكراهة لا يصادم صراحته في الجواز، و هذا بخلاف الأدلّة المانعة، إذ غايتها ظهورها في ذلك، بداهة أنّ كلمة «لا» أو «لا تصلّي» ليس صريحا في المنع بل أقصاه ظهورها فيه، و الظهور لا يصادم النص، هذا مضافا إلى أنّ في نفس أدلّة المنع ما يظهر منه الكراهة كقوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2) «لا ينبغي». و الحاصل أنّ قوله (عليه السلام) في أخبار المنع «لا» أو «لا تصلّي» إنّما يدلّ على المنع ظهورا، حيث إنّ النهي و النفي ظاهر في الحرمة النفسية في غير باب الأجزاء و الشرائط و الموانع في المركّبات، فإنّه يكون ظاهرا في المانعية و أمّا قوله (عليه السلام) «لا بأس» كما في خبر جميل، و قوله (عليه السلام) مضت صلاتها و لم تفسد على أحد» كما في خبر عيسى (3)، فلا يكون إلّا نصّا في الجواز، فلا محيص حينئذ من رفع اليد عن ظاهر النفي و النهي و حمله على الكراهة، و إلّا لزم طرح أدلّة الجواز بالمرّة. هذا مع ما عرفت من أنّ في نفس أخبار المنع ما يدلّ على الكراهة، فيكون شاهد جمع، مضافا إلى ما في الأخبار المانعة من المناقشة سندا و دلالة كما لا يخفى على المتأمّل، و مضافا إلى اختلاف الروايات المحدّدة لمقدار البعد بين الرجل و المرأة تارة بالشبر (4)، و اخرى بالذراع (5)، و ثالثة بالرحل (6)، و رابعة بكون موضع‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 426 باب 4 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

(2) الوسائل: ج 3 ص 431 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 3.

(3) لم نثر عليه.

(4) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 1.

(5) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

(6) الوسائل: ج 3 ص 429 باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح 11