كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
405

سجود المرأة محاذيا لركوع الرجل (1)، و غير ذلك من التحديدات، فإنّ هذا الاختلاف العظيم أقوى شاهد على أنّ الحكم استحبابي، و اختلاف التحديدات لاختلاف مراتب الاستحباب.

و أمّا الكلام في المقام الثاني فمجمله أنّه ذهب بعض في رفع المانعية أو الكراهة إلى اعتبار تأخّر المرأة بكلّها عن الرجل، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخّرا عن موضع وقوف الرجل، و قد استدلّ على ذلك برواية عمّار حيث قال (عليه السلام) فيها: «فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس» (2) حيث إنّ ظاهر الخلف هو التأخّر بكلّ البدن هذا، و لكنّ الأقوى عدم اعتبار التأخّر بكلّ البدن في رفع المانعية أو الكراهة، و ذلك لمنع دلالة الخلف على التأخّر بكلّ البدن، بل يصدق الخلف لو كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل أو يساره مع تأخّرها عنه يسيرا، بأن يكون موضع سجودها متأخّرا عن موضع سجوده، مضافا إلى إشعار قوله (عليه السلام)- في ذيل الرواية بعد قوله: «فإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس»- و «إن كانت تصيب ثوبه» أنّه لا يعتبر التأخّر بكلّ البدن، فإنّ إصابة الثوب إنّما يكون غالبا عند وقوف المرأة إلى أحد جانبي الرجل، و أمّا إذا كانت متأخّرة عنه بجميع بدنها، فيبعد إصابتها ثوبه فتأمّل، مع أنّه لو أغمض عن ذلك، فأقصى ما يقتضيه لفظة الخلف هو كونه ظاهرا في التأخّر بكلّ البدن مع صدقة أيضا على ما سوى ذلك، و حينئذ لا يمكن أن يعارض الأخبار الواردة في تحديد رفع المنع بالشبر و الذراع و الرحل و غير ذلك، كما أنّه لا يمكن معاملة التعارض في نفس الأخبار المحدّدة بعد ما كان الحكم كراهية، فيقتصر في رفع الكراهة بالأقل و هو الشبر و يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب لباس المصلي، ح 3.

(2) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

406

الزائد على ذلك فضليّ، كما هو الشأن في جميع التحديد بين الأقل و الأكثر.

و حاصل الكلام: أنّه سواء قلنا بالمنع أو الكراهة لا بدّ من القول برفعهما بالشبر، فإنّ رواية الشبر (1) تنفي اعتبار الزائد، و الخلف أيضا يصدق بذلك، و إن سلّم كونه ظاهرا في التأخّر بكلّ البدن، فتحمل حينئذ رواية الذراع (2) و الرحل (3) و غير ذلك على مراتب الاستحباب و الفضل، فراجع الأخبار و تأمّل فيها.

و أمّا الكلام في المقام الثالث فقد قيل: إنّه يعتبر البعد بينهما بعشرة أذرع لو كانت المرأة قدّام الرجل أو إلى أحد جانبيه، و استدلّ لذلك برواية عمّار (4) المتقدّمة، و لكنّ الأقوى عدم اعتبار ذلك فيما كانت إلى أحد جانبيه لخبر أبي بصير: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يصلّيان جميعا في بيت المرأة عن يمين الرجل بحذاه قال: لا حتّى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه (5). و في معناه روايات أخر (6)، و هذه الروايات كما ترى، تنفي اعتبار الزائد على الشبر إذا كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل بل في رواية أطلق الشبر و لم يقيّد بكونها واقفة عن يمينه، بل قال (عليه السلام): «إذا كان بينهما قدر شبر صلّت بحذاه» (7). و بهذا يمكن أن يقال لا يعتبر الزائد على الشبر و لو كانت المرأة واقفة قدّام الرجل، إلّا أن يمنع ذلك، بدعوى أنّ لفظة بحذاه ظاهرة في الجنب من اليمين و اليسار، و لا يشمل صورة‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 3 و 4.

(2) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

(3) الوسائل: ج 3 ص 429 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 11.

(4) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 6 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

(5) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

(6) الوسائل: ج 3 ص 427 و 428 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

(7) الوسائل: ج 3 ص 427 و 428 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 7

407

التقدّم، و على أيّ حال الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في كفاية الشبر إذا كانت عن يمين الرجل أو يساره، فتحمل حينئذ رواية اعتبار العشرة (1) على الفضل، نعم يبقى الكلام فيما إذا كانت المرأة قدّام الرجل، و لا يبعد الالتزام بعشرة أذرع في رفع المنع أو الكراهة تمسّكا بتلك الرواية، و لا مانع من التفصيل بين اليمين و اليسار و بين التقدّم فتأمّل جيّدا.

و أمّا الكلام في المقام الرابع فقد قيل أيضا: إنّه يعتبر في الحائل أن يكون مانعا عن مشاهدة كلّ منهما للآخر في جميع حالات الصلاة، و ربّما يستدلّ على ذلك بصحيح الحلبي سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يصلّي في زاوية الحجرة و امرأته أو بنته تصلّي بحذاه في الزاوية الأخرى قال (عليه السلام): لا ينبغي ذلك إلّا أن يكون بينهما سترا (2) حيث إنّ الظاهر من الستر هو أن يكون ساترا بقول مطلق، و في جميع الحالات هذا، و لكنّ الأقوى أيضا عدم اعتبار ذلك، بل يكفي مطلق الحائل و لو في الجملة و في بعض الأحوال، لرواية علي بن جعفر سأل أخاه عن الرجل هل يصلح أن يصلّي في مسجد قصير الحائط و امرأته قائمة تصلّي و هو يراها و تراه قال (عليه السلام): إن [كان] بينهما حائط طويل أو قصير فلا بأس (3).

و في معناه روايات أخر (4) تدلّ على عدم اعتبار الستر في جميع الحالات بل ربّما يقال: إنّه يكفي في الحائل أن يكون طوله قدر ذراع بل قدر شبر لما في ذيل خبر أبي بصير المتقدّم حيث قال (عليه السلام) بعد أن اعتبر الشبر: كان طول رحل رسول اللّٰه ذراعا، و كان يضع بين يديه إذا صلّى شيئا يستره ممّن يمرّ بين‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 430 باب 7 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 431 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 3.

(3) الوسائل: ج 3 ص 432 باب 8 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

(4) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 3.

408

يديه (1). فإنّ التعليل بذلك بعد اعتبار الشبر إنّما يناسب أن يكون الشبر الذي اعتبره أولا من جهة كونه حائلا، فيكون مقدار الشبر من حيث الطول لا من حيث المسافة، فتأمّل جيّدا.

هذا تمام الكلام في أصل المسألة. بقي في المقام فروع ينبغي التنبيه عليها:

الأول: هل يعتبر في مانعية المحاذاة أن تكون كلّ من صلاة الرجل و المرأة صحيحة من غير جهة المحاذاة أو لا يعتبر ذلك

بل يكفي في المانعية و لو كانت أحد الصلاتين فاسدة من غير جهة المحاذاة؟ و قد كثر الكلام في المقام من الأعلام، حتّى بنوا المسألة على القول بالصحيح و الأعم، و لكنّ الظاهر أنّ المسألة بمكان من الوضوح لا تحتاج إلى إطالة الكلام فيها، بداهة أنّ جميع الأدلّة التي تكون متكفّلة لبيان الأجزاء و الشرائط و الموانع إنّما تتكفّل جزئية شي‌ء أو شرطيته أو مانعيّته بعد الفراغ عن اشتمال المركّب لسائر الشرائط و الأجزاء و الموانع، إذ لا معنى لتكفّل مانعية شي‌ء مثلا و أخذه مانعا عن المركّب الأعم عن أن يكون له مانع آخر أو لا، إذ مع سبقه بمانع آخر لا يمكن أن يكون هذا الشي‌ء مانعا، فأخذ شي‌ء مانعا إنّما هو بعد فرض اشتمال المركّب على جميع ما يعتبر فيه سوى هذا الذي يراد أخذه مانعا مثلا قوله: «لا تلبس الحرير في الصلاة» إنّما يكون متكفّلا لمانعيّة الحرير للصلاة الجامعة للأجزاء و الشرائط و الموانع غير لبس الحرير، إذ لا معنى لأخذ الحرير مانعا للصلاة الأعم من كونها واجدة لسائر ما يعتبر فيها أو فاقدة لها، و قوله «لا تصلّي محاذيا للمرأة» كقوله «لا تلبس الحرير» إنّما يكون متكفّلا لمانعية المحاذاة، بناء عليها للصلاة بعد كونها جامعة لشرائط الصحّة لو لا المحاذاة، فلا محيص عن القول باعتبار صحّة الصلاتين في مانعية المحاذاة، و بذلك‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 3

409

يظهر الخلل في جملة من كلمات الأعلام فراجع.

الفرع الثاني: لو علم أحدهما بفساد صلاة الآخر من غير جهة المحاذاة في أول الأمر

، فلا إشكال في صحّة صلاته و لو علم بصحّتها من غير تلك الجهة، فلا إشكال في فساد صلاته مع عدم تبيّن الخلاف، و كذا لو شكّ في الصحّة و الفساد، لأنّ الأصل هو الصحّة و لو تبيّن الخلاف و ان صلاته كانت فاسدة من غير جهة المحاذاة و كان علمه بالصحّة خطأ، فلا ينبغي الإشكال أيضا بصحّة صلاته لو تمشّى منه قصد القربة مع علمه بصحّة صلاة الآخر و لو لأجل أصالة الصحّة، لأنّ علمه بالصحّة إنّما يكون طريقيّا لا موضوعيّا و بعد تبيّن خطأ علمه و تمشّى منه قصد القربة لا مانع من صحّة صلاته، سواء علم بالفساد بعد الصلاة أو في الأثناء، نعم لو علم من أول الأمر بفساد صلاة الآخر و صلّى و بعد الصلاة أو في أثنائها تبيّن صحّتها من غير جهة المحاذاة و أنّ علمه بالفساد كان خطأ، فمقتضى القاعدة هو بطلان صلاته، لأنّ المفروض أنّه صلّى محاذيا مع صحّة صلاة الآخر واقعا و إن لم يعلم بها و اعتقد فسادها، إذ ذلك لازم أخذ العلم على وجه الطريقية، و بالجملة: العلم يكون طريقا في كلّ من طرفي الصحّة و الفساد.

الفرع الثالث: لا إشكال في أنّه لا يجب عليه الاستفسار و الاستخبار من الآخر في صحّة صلاته و فسادها عند الشكّ فيها

، لمكان أصالة الصحّة، نعم لو أخبر بالفساد فهل يكون قوله معتبرا في مقابل أصالة الصحّة أو لا يعتبر قوله؟ و قد ذكر لكلّ من الوجهين وجوه لا تخلو عن مناقشة، فالأولى ابتناء ذلك على اعتبار قاعدة ما لا يعلم إلّا من قبله، فإن قلنا باعتبار ذلك و عمومها لجميع الموارد كما يظهر من بعض إرسالها إرسال المسلّمات، فلا إشكال و يكون إخباره بالفساد فيما نحن فيه معتبرا لأنّ العلم بفساد صلاته غالبا منسدّ لغير المصلّي إلّا أنّ الشأن في اعتبار تلك القاعدة بعمومها، و بعد لم يظهر لنا ما يدلّ على اعتبارها بعمومها، نعم ورد‌

410

في بعض الموارد ما ربّما لا يخلو عن إشعار بالعموم كقوله (عليه السلام) في باب المتعة:

«أ رأيت إن سألتها البيّنة هل تقدر على ذلك بعد السؤال عن اتهامها بأنّ لها زوج» (1) و كذا ورد في باب الحيض (2) و العدّة (3) و الحمل (4) أنّها مصدقات، و المسألة بعد تحتاج إلى مزيد مراجعة لعلّه يعثر على ما يدلّ على عموم القاعدة.

الفرع الرابع: لو عرض لأحد الصلاتين الفساد في الأثناء فهل هو كالفساد من أول الأمر

فتكون الصلاة الأخرى صحيحة، لعدم اشتمالها على المانع من المحاذاة لصلاة صحيحة، أو أنّه ليس كالفساد من أول الأمر فتكون الصلاة الأخرى أيضا فاسدة، لصدق أنّه صلّى محاذيا لآخر في صلاته المنعقدة على وجه الصحّة، و عروض الفساد عليها في الأثناء ممّا لا أثر له؟ و بالجملة: العبرة بالصحّة و الفساد إنّما هو في أول الأمر، فلو صلّى محاذيا لمن انعقد صلاته صحيحة بطلت صلاته، و إن عرض لها الفساد في الأثناء، و هذا الوجه هو الأقوى، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.

الفرع الخامس: هل مانعية المحاذاة مطلقة أو مقصورة بصورة الاختيار؟ و الالتفات

الذي ينبغي ان يقال: هو أنّ قوله (عليه السلام): «لا يصلّي» و إن لم يدلّ بهيئته و مادّته على صدور الفعل منه اختيارا أمّا المادّة فواضح، لأنّ مادّة الأفعال لم توضع إلّا للمعنى الحدثي و المصدري، و أمّا الهيئة فلأنّها إنّما وضعت لقيام المادّة بالفاعل على اختلاف أنحاء القيام، من دون أن يكون لها دلالة على صدور الفعل منه اختيارا و عن علم، إلّا أنّ في خصوص المقام لا يبعد القول باختصاص مانعية المحاذاة بصورة العلم بها، و ذلك لأنّ الظاهر من أخبار الباب و المسئول عنه هو‌

____________

(1) الوسائل: ج 14 ص 457 باب 10 من أبواب المتعة، ح 5، مع اختلاف.

(2) الوسائل: ج 2 ص 596 باب 47 من أبواب الحيض

(3) الوسائل: ج 2 ص 596 باب 47 من أبواب الحيض

(4) الوسائل: ج 15 ص 441 باب 24 من أبواب العدد، ح 2.

411

الجهة الاختيارية، كما يظهر من قوله في السؤال: أنّ المرأة تزامل الرجل في المحلّ (1) .. إلخ، و بالجملة: الظاهر أنّ المسئول عنه في الأخبار هو صلاة الرجل خلف المرأة مع الالتفات و الاختيار، و في هذا الفرض أجاب (عليه السلام): بأنّه لا يصلّي، هذا مع أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي اختصاص المنع بذلك فتأمّل.

و يتفرّع على ذلك أنّه لو كان كلّ من الرجل و المرأة جاهلين بالآخر أمّا لظلمة أو لعمى أو غير ذلك صحّت صلاتهما جميعا، لعدم إيقاع الصلاة اختيارا مع المحاذاة، و لو كان أحدهما جاهلا بالمحاذاة و الآخر عالما بها صحّت صلاة الجاهل و فسدت صلاة العالم، لأنّ المحاذاة الاختيارية إنّما تنتسب إلى العالم دون الجاهل، و هذا بخلاف ما إذا كان كل منهما عالم بالآخر، فإنّ المحاذاة الاختيارية تنتسب إليهما جميعا فتفسد صلاتهما.

و يتفرّع على ذلك أيضا بطلان خصوص صلاة اللاحق إذا كان عالما بالسابق، دون صلاة السابق، لأنّه حينئذ المحاذاة الاختيارية إنّما تستند إلى اللاحق فتفسد صلاته، و لا أثر لعلم السابق حينئذ بالمحاذاة لانعقاد صلاة اللاحق فاسدة بسبب علمه بالمحاذاة، و قد تقدّم أنّ المحاذاة للصلاة الفاسدة لا يكون مانعا، نعم لو كان اللاحق جاهلا، فإن أمكن السابق التباعد على وجه لا تبطل صلاته بالمقدار المعتبر من التباعد وجب عليه، و إن لا يمكنه التباعد كذلك سقطت مانعية المحاذاة حينئذ، من جهة حرمة قطع الصلاة فتأمّل.

الفرع السادس: لا عبرة بالفوقية و التحتية مع صدق كون أحدهما في يمين الآخر

أو شماله أو قدّامه، نعم لو كانت الفوقية و التحتية على وجه لا يصدق ذلك، كما‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 433 باب 10 من أبواب مكان المصلي، ح 2.

412

إذا كان أحدهما في مكان مرتفع بحيث لا يقال: إنّه واقف في يمين الآخر أو شماله أو قدّامه، كما إذا كان ارتفاعه يقرب من عشرين ذراعا، لكان ذلك خارجا عن مورد الروايات، لأنّ الروايات إنّما تكفّلت لبيان الجهات الأربع فقط، ثمّ إنّه لو كان أحدهما واقفا على مكان مرتفع بحيث لا يضرّ بصدق اليمين و اليسار و القدّام، ففي كيفية اعتبار المسافة بينهما وجوه أو أقوال: أحدها اعتبارها من موقف أحدهما إلى الأساس الذي يكون الآخر واقفا على مرتفعة، فإن بلغ عشرة أذرع فهو و إلّا فلا. ثانيهما: اعتبارها من موقف أحدهما إلى الأساس و من الأساس إلى موقف الواقف على مرتفعة، فإن بلغ المجموع عشرة أذرع فهو. و إلّا فلا. ثالثها: اعتبارها من ضلع المثلّث بين الموقفين، بأن تلاحظ المسافة بين الموقفين بأن يخرج خطّا من أحد الموقفين إلى موقف الآخر فإن بلغ عشرة أذرع فهو و إلّا فلا، و لا يكفي إخراج الخطّ من الموقف إلى الأساس فقط و لا يعتبر إخراجه أيضا من الأساس إلى موقف العالي، و لا يخفى عليك الفرق بين هذه الوجوه الثلاثة، فإنّ الأول ينقص عن الضلع المثلّث الحاصل بين الموقفين، و الثاني يزيد عليه و أقوى الوجوه هو الثالث، من غير فرق بين أن يكون تسنيميّا أو انحداريّا.

الفرع السابع: لو كانا في موقف لا يمكنهما التباعد فإن كانا في ضيق الوقت صلّيا جميعا و سقط اعتبار عدم المحاذاة

و إن كان في سعة الوقت صلّيا على التعاقب مخيّرين في التقدّم و التأخّر، و إن كان الأفضل تقديم الرجل، و ما ورد في بعض الأخبار من أنّه «صلّى الرجل أولا» (1) محمول على ذلك، لا أنّ ذلك شرط لصحّة الصلاة أو أنّه واجب نفسي.

الفرع الثامن: ظاهر أخبار الباب اختصاص الحكم بالرجل و المرأة

، و لا يعمّ الصبي‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 433 باب 10 من أبواب مكان المصلي، ح 1 و 2.

413

و الصبية و إن قلنا بشرعية عبادتهما، من غير فرق بين تقدّم الصبية على الصبي أو على الرجل، أو تقدّم الصبي على المرأة. نعم ورد في بعض (1) أخبار باب الجماعة ما يظهر منه تعميم الحكم للصبي و الصبية، فراجع و تأمّل.

بقي الكلام في المعنى الثاني من المكان، و هو اعتبار الطهارة فيه: اعلم انّ الأقوال في ذلك أربعة الأول: اعتبار الطهارة في جميع مكان المصلّي، من موضع القدم إلى موضع السجود. الثاني: عدم اعتبار الطهارة فيه مطلقا حتّى موضع السجود، و هو الذي ينسب إلى الراوندي (2). الثالث: اعتبار الطهارة في خصوص المساجد السبعة. الرابع: اعتبار الطهارة في خصوص موضع الجبهة، و هو الذي ينسب إلى المشهور.

و الروايات في المقام مطلقة و هي بين ما تعتبر الطهارة مطلقا و بين ما لا تعتبرها مطلقا، و لكن حيث كانت روايات عدم الاعتبار صريحة في ذلك من حيث نفي البأس فيها و روايات الاعتبار ظاهرة في ذلك من حيث ورود النهي فيها الظاهر في المانعية كان مقتضى القاعدة حمل الروايات الناهية على الكراهة، تحكيما للنص على الظاهر، و هذا هو الذي دعا الراوندي إلى عدم اعتبار الطهارة مطلقا، حتّى في المسجد، و لا بأس بذكر بعض أخبار الباب حتّى يتّضح حقيقة الحال:

فمنها خبر ابن أبي عمير قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أصلّي على الشاذ كونه و قد أصابتها الجنابة فقال (عليه السلام): لا بأس (3). و في معناه عدّة من روايات أخر دالّة على نفي البأس في المكان النجس الذي بإطلاقه يشمل جميع المكان.

و منها خبر ابن بكير عن الصادق (عليه السلام): في الشاذ كونه يصيبها الاحتلام‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 412 باب 23 من أبواب صلاة الجماعة، ح 3 و 5.

(2) المعتبر: ص 124 س 4 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل: ج 2 ص 1044 باب 30 من أبواب النجاسات، ح 4.

414

أ يصلّي عليها؟ قال: لا (1).

و منها موثّق عمّار: سأله عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنّه قد يبس الموضع القذر قال (عليه السلام): لا يصلّي عليه و أعلم موضعه حتّى تغسله .. الخبر (2).

و هذان الخبران ظاهران في المنع، إلّا أنّه لمّا كان نفي البأس صريحا في الجواز كان مقتضى القاعدة حمل النفي على الكراهة، و ليس في أخبار الباب ما يدلّ على اعتبار الطهارة في المساجد السبعة أو خصوص موضع الجبهة، و لكن لشيخنا- (مدّ ظلّه)- في المقام كلاما و حاصله: أنّ خبر ابن بكير و كذا موثّق عمّار ظاهر في عدم نجاسة جميع المكان الذي يصلّي فيه، بداهة أنّ إصابة الاحتلام إنّما يكون في مقدار من المكان، و كذا ظاهر الموضع القذر بقرينة «و أعلم موضعه حتى تغسله» هو قذارة مقدار قليل من البيت، بحيث لا يصلح للصلاة فيه بل يصلح للصلاة عليه في الجملة و لو في بعض حالات الصلاة، و كذا لفظة «على» ظاهرة في الاستعلاء، بحيث يكون الصلاة عليه و ذلك أخصّ من الصلاة فيه، فإنّ لفظة في يشمل جميع مكان المصلّي و إن لم يلاق بدنه له كالمواضع المتخلّلة بين المساجد في حال السجود، و هذا بخلاف لفظة «على» فإنّه [فإنها] ظاهرة في ملاقاة بدن المصلّي للموضع ليتحقّق الاستعلاء، فلفظة «على» إنّما تشمل موقف المصلّي و محلّ تشهّده و مواضع مساجده السبعة، فضمّ هاتين المقدمتين- أحدهما: كون موضع إصابة الاحتلام و القذارة قليل جدّا، بحيث لا يتحمّل إلّا لبعض حالات الصلاة. و ثانيهما: اعتبار كون ذلك الموضع ممّا يصيبه بدن المصلّي، بقرينة‌

____________

(1) الوسائل: ج 2 ص 1044 باب 30 من أبواب النجاسات، ح 6.

(2) الوسائل: ج 2 ص 1042 باب 29 من أبواب النجاسات، ح 4.

415

«على» و معلوم أنّ المتيقّن من ذلك هو موضع السجود، لأنّه أحقّ بإطلاق الصلاة عليه لأنّه ركن في الصلاة مع أنّه لا يحتمل اعتبار طهارة غيره، و عدم اعتبار طهارته، و اعتبار طهارة الجميع ينافي قلّة المكان القذر ينتج ما ذهب إليه المشهور، من اختصاص اعتبار الطهارة في خصوص المسجد دون غيره، لأنّه بناء على المقدّمات المذكورة تكون الأخبار المانعة مختصّة بموضع السجود، و مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد هو حمل الأخبار المجوّزة على ما عدا موضع السجود، لأخصّية الأخبار المانعة حينئذ فتأمّل جيّدا، فإنّه بعد في المقدّمات شي‌ء، و تتميم فتوى المشهور بغير الإجماعات المنقولة مشكل.

و على كلّ حال ظاهر المشهور عدم اعتبار الطهارة في غير محلّ السجود، نعم يعتبر أن لا يكون في المكان نجاسة متعدّية، و الظاهر أنّ اعتبار ذلك إنّما هو لمحض الطريقية لا الموضوعية، فلو كانت النجاسة ممّا يعفى عنها لقلّتها فلا بأس بتعدّيها كما هو واضح، هذا تمام الكلام فيما يعتبر في المكان.

و أمّا البحث عن مكروهات المكان فليس بمهمّ، نعم ينبغي البحث عن الصلاة في المقابر، حيث إنّه ربّما قيل ببطلان الصلاة فيها. اعلم أنّ هنا عناوين أربع: الصلاة في المقابر و الصلاة بين القبور، و الصلاة على القبر و الصلاة إلى القبر، بأن يجعل القبر قبلة له. و قد ورد المنع عن كلّ من هذه العناوين الأربع في الأخبار، و لا يخفى الفرق بين الأول و الثاني، إذ في الأول لا يعتبر فعلية القبور و لا أن تكون الصلاة بينها بل يكفي كون المكان معدّا للدفن، بحيث يطلق عليه المقبرة و إن لم يكن فيه إلّا قبر واحد. بل و إن لم يكن فيه قبر أصلا، و هذا بخلاف الثاني فإنّه يعتبر فعليّة القبور لا أقل من قبرين لعدم صدق البينية بدون ذلك، فممّا دلّ على الأول قوله في خبر المناهي، نهى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أن يصلّي‌

416

الرجل في المقابر و الطرق .. الخبر (1). و قوله (عليه السلام) في خبر عبيد بن زرارة:

الأرض كلّها مسجد إلّا بئر غائط و مقبرة (2). و ممّا يدلّ على الثاني موثّقة عمّار سأل الصادق (عليه السلام) يصلّي بين القبور قال: لا يجوز ذلك إلّا أن يجعل بينه و بين القبور إذا صلّى عشرة أذرع من بين يديه، و عشرة أذرع من خلفه، و عشرة أذرع عن يمينه، و عشرة أذرع عن يساره، ثمّ يصلّي إن شاء (3). و ممّا يدلّ على الثالث خبر يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّٰه أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نهى أن يصلّى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى (4). و ممّا دلّ على الرابع قوله في صحيحة زرارة المروية عن العلل قال: لأبي جعفر (عليه السلام) الصلاة بين القبور فقال:

بين خللها و لا تتّخذوا شيئا منها قبلة .. الخبر (5)

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 423 باب 1 من أبواب مكان المصلي، ح 4.

(3) الوسائل: ج 3 ص 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 5 و فيه «سألته عن الرجل يصلي».

(4) الوسائل: ج 3 ص 454 باب 25 من أبواب مكان المصلي، ح 8 و فيه اختلاف يسير

(5) علل الشرائع: ص 358 باب 75، ح 1 ط بيروت، و فيه اختلاف يسير.